١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
53
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله: {قُل لّعِبَادِيَ } فيه قولان: القول الأول: أن المراد به المؤمنون، وذلك لأن لفظ العباد في أكثر آيات القرآن مختص بالمؤمنين قال تعالى: { أية : فَبَشّرْ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ } تفسير : [الزمر: 17، 18] وقال: { أية : فَٱدْخُلِى فِى عِبَادِى } تفسير : [الفجر: 29] وقال: { أية : عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ } تفسير : [الإنسان: 6]. إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى لما ذكر الحجة اليقينية في إبطال الشرك وهو قوله: { أية : لَّوْ كَانَ مَعَهُ ءالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً } تفسير : [الإسراء: 42] وذكر الحجة اليقينية في صحة المعاد وهو قوله: { أية : قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } تفسير : [الإسراء: 51] قال في هذه الآية وقل يا محمد لعبادي إذا أردتم إيراد الحجة على المخالفين فاذكروا تلك الدلائل بالطريق الأحسن. وهو أن لا يكون ذكر الحجة مخلوطاً بالشتم والسب، ونظير هذه الآية قوله: { أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ } تفسير : [النحل: 125] وقوله: { أية : وَلاَ تُجَـٰدِلُواْ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [العنكبوت: 46] وذلك لأن ذكر الحجة لو اختلط به شيء من السب والشتم لقابلوكم بمثله كما قال: { أية : وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ } تفسير : [الأنعام: 108] ويزداد الغضب وتتكامل النفرة ويمتنع حصول المقصود، أما إذا وقع الاقتصار على ذكر الحجة بالطريق الأحسن الخالي عن الشتم والإيذاء أثر في القلب تأثيراً شديداً فهذا هو المراد من قوله: {وَقُل لّعِبَادِى يَقُولُواْ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } ثم إنه تعالى نبه على وجه المنفعة في هذا الطريق فقال: {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ } جامعاً للفريقين أي متى صارت الحجة مرة ممزوجة بالبذاءة صارت سبباً لثوران الفتنة. ثم قال: {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلإِنْسَـٰنِ عَدُوّا مُّبِينًا } والمعنى: أن العداوة الحاصلة بين الشيطان وبين الإنسان عداوة قديمة قال تعالى حكاية عنه: { أية : ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ } تفسير : [الأعراف: 17] وقال: { أية : كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِذ قَالَ لِلإِنسَـٰنِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنّي بَرِيء منكَ إِنّي أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الحشر: 16] وقال: { أية : وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ } تفسير : [الأنفال: 48] وقال: { أية : لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ } تفسير : إلى قوله: { أية : إِنّي بَرِيء مّنْكُمْ } تفسير : [الأنفال: 48]. ثم قال تعالى: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذّبْكُمْ } واعلم أنا إنما نتكلم الآن على تقدير أن قوله تعالى: {قُل لّعِبَادِيَ } المراد به المؤمنون، وعلى هذا التقدير فقوله: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ } خطاب مع المؤمنين، والمعنى: إن يشأ يرحمكم، والمراد بتلك الرحمة الإنجاء من كفار مكة وأذاهم أو إن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم. ثم قال: {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ } يا محمد {عَلَيْهِمْ وَكِيلاً } أي حافظاً وكفيلاً فاشتغل أنت بالدعوة ولا شيء عليك من كفرهم فإن شاء الله هدايتهم هداهم، وإلا فلا. والقول الثاني: أن المراد من قوله: {وَقُل لّعِبَادِى } الكفار، وذلك لأن المقصود من هذه الآيات الدعوة، فلا يبعد في مثل هذا الموضع أن يخاطبوا بالخطاب الحسن ليصير ذلك سبباً لجذب قلوبهم وميل طباعهم إلى قبول الدين الحق، فكأنه تعالى قال: يا محمد قل لعبادي الذين أقروا بكونهم عباداً لي يقولوا التي هي أحسن. وذلك لأنا قبل النظر في الدلائل والبينات نعلم بالضرورة أن وصف الله تعالى بالتوحيد والبراءة عن الشركاء والأضداد أحسن من إثبات الشركاء والأضداد، ووصفه بالقدرة على الحشر والنشر بعد الموت أحسن من وصفه بالعجز عن ذلك، وعرفهم أنه لا ينبغي لهم أن يصروا على تلك المذاهب الباطلة تعصباً للأسلاف، لأن الحامل على مثل هذا التعصب هو الشيطان، والشيطان عدو، فلا ينبغي أن يلتفت إلى قوله ثم قال لهم: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ } بأن يوفقكم للإيمان والهداية والمعرفة. وإن يشأ يمتكم، على الكفر فيعذبكم، إلا أن تلك المشيئة غائبة عنكم فاجتهدوا أنتم في طلب الدين الحق، ولا تصروا على الباطل والجهل لئلا تصيروا محرومين عن السعادات الأبدية والخيرات السرمدية، ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً } أي لا تشدد الأمر عليهم ولا تغلظ لهم في القول، والمقصود من كل هذه الكلمات: إظهار اللين والرفق لهم عند الدعوة فإن ذلك هو الذي يؤثر في القلب ويفيد حصول المقصود. ثم قال: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } والمعنى أنه لما قال قبل ذلك: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ } قال بعده: {رَبَّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } بمعنى أن علمه غير مقصور عليكم ولا على أحوالكم بل علمه متعلق بجميع الموجودات والمعدومات ومتعلق بجميع ذوات الأرضين والسموات فيعلم حال كل واحد ويعلم ما يليق به من المصالح والمفاسد، فلهذا السبب فضل بعض النبيين على بعض وآتى موسى التوراة وداود الزبور وعيسى الإنجيل، فلم يبعد أيضاً أن يؤتي محمداً القرآن ولم يبعد أن يفضله على جميع الخلق. فإن قيل: ما السبب في تخصيص داود عليه الصلاة والسلام في هذا المقام بالذكر؟. قلنا: فيه وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى ذكر أنه فضل بعض النبيين على بعض. ثم قال: {وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً } يعني أن داود كان ملكاً عظيماً، ثم إنه تعالى لم يذكر ما آتاه من الملك وذكر ما آتاه من الكتاب، تنبيهاً على أن التفضيل الذي ذكره قبل ذلك، المراد منه التفضيل بالعلم والدين لا بالمال. والوجه الثاني: أن السبب في تخصيصه بالذكر أنه تعالى كتب في الزبور أن محمداً خاتم النبيين وأن أمته خير الأمم قال تعالى: { أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذّكْرِ أَنَّ ٱلاْرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّـٰلِحُونَ } تفسير : [الأنبياء: 105] وهم محمد وأمته. فإن قيل: هل عرف كما في فقوله: {ولقد كتبنا في الزبور}. قلنا: التنكير ههنا يدل على تعظيم حاله، لأن الزبور عبارة عن المزبور فكان معناه الكتاب فكان معنى التنكير أنه كامل في كونه كتاباً. والوجه الثالث: أن السبب فيه أن كفار قريش ما كانوا أهل نظر وجدل بل كانوا يرجعون إلى اليهود في استخراج الشبهات واليهود كانوا يقولون: إنه لا نبي بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة فنقض الله تعالى عليهم كلامهم بإنزال الزبور على داود، وقرأ حمزة: {زبوراً} بضم الزاي، وذكرنا وجه ذلك في آخر سورة [النساء: 163].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تقدّم إعرابه. والآية نزلت في عمر بن الخطاب. وذلك أن رجلاً من العرب شتمه، وسبّه عمر وهَمّ بقتله، فكادت تثير فتنة فأنزل الله تعالى فيه: «وقُلْ لِعِبادِي يقولوا التي هِي أحسن» ذكره الثعلبيّ والماوَرْدِيّ وابن عطية والواحدِيّ. وقيل: نزلت لما قال المسلمون: اِيذن لنا يا رسول الله في قتالهم فقد طال إيذاؤهم إيانا، فقال: «حديث : لم أُومَرْ بعدُ بالقتال» تفسير : فأنزل الله تعالى «وقل لِعِبادِي يقولوا الّتِي هِي أحسن»؛ قاله الكلبي. وقيل: المعنى قل لعبادي الذين اعترفوا بأني خالقهم وهم يعبدون الأصنام، يقولوا التي هي أحسن من كلمة التوحيد والإقرار بالنبوة. وقيل: المعنى وقل لعبادي المؤمنين إذا جادلوا الكفار في التوحيد، أن يقولوا الكلمة التي هي أحسن. كما قال: {وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} وقال الحسن: هو أن يقول للكافر إذا تشطط: هداك الله! يرحمك الله! وهذا قبل أن أمِروا بالجهاد. وقيل: المعنى قل لهم يأمروا بما أمر الله به وينهوا عما نهى الله عنه؛ وعلى هذا تكون الآية عامّةً في المؤمن والكافر، أي قل للجميع. والله أعلم. وقالت طائفة: أمر الله تعالى في هذه الآية المؤمنين فيما بينهم خاصّةً، بحسن الأدب وإلانةِ القول، وخفض الجناح وٱطّراح نزغات الشيطان؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : وكونوا عباد الله إخواناً»تفسير : . وهذا أحسن، وتكون الآية محكمة. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} أي بالفساد وإلقاء العداوة والإغواء. وقد تقدّم في آخر الأعراف ويوسف. يقال: نزغ بيننا أي أفسد؛ قاله اليزيدي. وقال غيره: النزغ الإغراء. {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً} أي شديد العداوة. وقد تقدّم في البقرة. وفي الخبر «حديث : أن قوماً جلسوا يذكرون الله عز وجل فجاء الشيطان ليقطع مجلسهم فمنعته الملائكة فجاء إلى قوم جلسوا قريباً منهم لا يذكرون الله فحرّش بينهم فتخاصموا وتواثبوا فقال هؤلاء الذاكرون قوموا بنا نصلح بين إخواننا فقاموا وقطعوا مجلسهم وفرح بذلك الشيطان»تفسير : . فهذا من بعض عداوته.
ابن كثير
تفسير : يأمر تبارك وتعالى عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطبتهم ومحاورتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة، فإنهم إن لم يفعلوا ذلك، نزع الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، وأوقع الشر والمخاصمة والمقاتلة، فإنه عدو لآدم وذريته من حين امتنع عن السجود لآدم، وعداوته ظاهرة بينة، ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة، فإن الشيطان ينزغ في يده، أي: فربما أصابه بها. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يشيرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان أن ينزغ في يده، فيقع في حفرة من النار» تفسير : أخرجاه من حديث عبد الرزاق. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أنبأنا علي بن زيد عن الحسن قال: حدثني رجل من بني سليط قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أَزْفَلة من الناس فسمعته يقول: «حديث : المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، التقوى ههنا» تفسير : قال حماد: وقال بيده إلى صدره «حديث : وما تواد رجلان في الله، ففرق بينهما، إلا حدث يحدثه أحدهما، والمحدث شر، والمحدث شر، والمحدث شر».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقُل لّعِبَادِى } المؤمنين {يَقُولُواْ } للكفار الكلمة {ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ يَنزَغُ } يفسد {بَيْنَهُمْ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ كَانَ لِلإِنْسَٰنِ عَدُوّاً مُّبِينًا } بيّن العداوة، والكلمة التي هي أحسن هي:
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه تصديق النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به. {إنّ الشيطان ينزغُ بينهم} في تكذيبه. الثاني: أنه امتثال أوامر الله تعالى ونواهيه، قاله الحسن. الثالث: أنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الرابع: أن يرد خيراً على من شتمه. وقيل إنها نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد شتمه رجل من بعض كفار قريش، فهم به عمر، فأنزل الله تعالى فيه {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن} .
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّتِى هِىَ أَحْسَنُ}: تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الشيطان ينزغ في تكذيبه، أو امتثال الأوامر والنواهي "ح" أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو أن يرد خيراً على من شتمه، قيل نزلت في عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ شتمه بعض كفار قريش فَهَمَّ به.
ابن عادل
تفسير : تقدم إعراب قوله تعالى {وَقُل لِّعِبَادِي} في سورة إبراهيم [31]. وفي العباد ها هنا قولان: الأول: المراد به المؤمنون؛ لأنَّ لفظ العباد في أكثر آيات القرآن مختصٌّ بالمؤمنين. قال تعالى: {أية : فَبَشِّرْ عِبَادِ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ} تفسير : [الزمر: 17، 18] {أية : فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي} تفسير : [الفجر: 29] {أية : عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ} تفسير : [الإنسان: 6]. وإذا عرف هذا، فإنه تعالى لمَّا ذكر الحجج القطعيَّة في صحَّة المعاد، وهو قوله تعالى: {أية : قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [الإسراء: 51] قال ها هنا: قل، يا محمد لعبادي: إذا أردتم الاستدلال على المخالفين، فاذكروا تلك الدلائل بطريق الأحسن من غير شتم، ولا سبٍّ، ونظيره قوله تعالى : {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [النحل: 125] وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [العنكبوت: 46] وذلك لأنَّ ذكر الحجَّة، إذا اختلط به سبٌّ أو شتمٌ، لقابلوكم بمثله، كما قال تعالى: {أية : وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} تفسير : [الأنعام: 108] ويزداد الغضب، وتكمل النُّفرة، ويمتنع المقصود، وإذا ذكرت الحجة بالطَّريق الأحسن، أثَّر في القلب تأثيراً شديداً، ثم نبَّه تعالى على وجه المنفعة، فقال تعالى: {إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} أي: يفسد بينهم، ويغري بينهم. قال الكلبي: كان المشركون يؤذون المسلمين، فشكوا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي} المؤمنين يقولوا للمشركين التي هي أحسنُ، ولا يكافئوهم بسفههم. قال الحسن: يقول له: يهديك الله، وكان هذا قبل الإذن في الجهاد. وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - شتمة بعض الكفَّار، فأمره الله تعالى بالعفو. وقيل: أمر المؤمنين بأن يقولوا، ويفعلوا الخلَّة التي هي أحسن. وقيل: الأحسن قول: لا إله إلا الله. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} يجوز أن تكون هذه الجملة اعتراضاً بين المفسَّر والمفسِّر؛ وذلك أن قوله تعالى: {أية : رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ} تفسير : [الإسراء: 54] وقع تفسيراً لقوله {أية : بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [الإسراء: 34] وبياناً لها، ويجوز ألاَّ تكون معترضة، بل مستأنفة. وقرأ طلحة "ينْزِغُ" بكسر الزاي، وهما لغتان، كيَعْرِشُون ويَعرُشُونَ، قاله الزمخشري. قال أبو حيان: ولو مثَّل بـ "يَنطَحُ" و "يَنْطِحُ" كأنَّه يعني من حيث إنَّ لامَ كلِّ منهما حرف حلقٍ، وليس بطائلٍ. والمعنى: أنَّ الشيطان يلقي العداوة بينهم {إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً} ظاهر العداوة.
القشيري
تفسير : القولُ الحسنُ ما يكون للقائل أن يقوله. ويجوز أن يكون الأحسن مبالغة من الحَسَنِ، فعلى هذا الأحسن من القول ما لا يجوز تركُه. ويقال الأحسن من القول ما يخاف قائله من العقوبة على تركه. ويقال الأحسن من القول إقرار المُحِبِّ بعبودية محبوبه. ويقال أحسنُ قولٍ من المذنبين الإقرارُ بالجُرْم، وأحسنُ قولٍ من العارفين الإقرارُ بالعجز عن المعرفة، قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : سبحانك لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك ".
اسماعيل حقي
تفسير : {وقل} يا محمد {لعبادى} اى المؤمنين {يقولوا} اى للمشركين عند محاورتهم معهم بنى على حذف النون لما كان بمعنى الامر كما بنى الاسم المتمكن فى النداء فى قولك يا زيد على الضمة لما اشبه قبل وبعد {التى} اى الكلمة التى {هى احسن} ولا يخاشنوهم كقوله تعالى {أية : ولا تجادلوا اهل الكتاب الا بالتى هى احسن } تفسير : قال فى التأويلات النجمية فيه اشارة الى ان اختصاص بعض العباد بتشريف الاضافة الى نفسه يؤدى الى تأثير نظر العناية فيهم فيخرج منهم القول الاحسن والفعل الاحسن والخلق الاحسن. اما القول الاحسن فهو الدعاء الى الله بلا اله الا الله مخلصا. واما الفعل الاحسن فهو ما كان على قانون الشريعة وآداب الطريقة متوجها الى عالم الحقيقة. واما الخلق الاحسن فهو مع الله بان يسلم وجهه لله محسنا فى طلبه ومع الخلق بان يحسن اليهم بلا طمع فى الاحسان والشكر منهم ويتجاوز عن اساءتهم اليه ويعيش فيهم بالنصيحة يأمرهم بالمعروف بلا عنف وينهاهم عن المنكر بلا فضيحة {ان الشيطان ينزغ بينهم} يقال نزغ بينهم افسد واغرى ووسوس اى يفسد ويهيج الشر والمراء بينهم فلعل المخاشنة بهم تقضى الى العناد وازدياد الفساد. وفى التأويلات {ان الشيطان ينزغ بينهم} اذا لم يعيشوا بالنصيحة فينبغى لعقلاء كل زمان ان يكونوا فى باب النصيحة مثل الاصحاب رضى الله عنهم بحيث ان حالهم ومعاملتهم مع اهالى زمانهم لا يتفاوت على حالهم لو كانوا فى زمن الرسول صلى الله عليه وسلم {ان الشيطان كان} قدما {للانسان عدوا مبينا} ظاهر العداوة لا يزيد صلاحهم اصلا بل يريد هلاكهم وقد ابان عداوته لهم اذا خرج اباهم من الجنة ونزع عنه لباس النور.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقل لعبادي} المؤمنين: {يقولوا} للمشركين الكلمة {التي هي أحسنُ} ولا تخاشنوهم، {إِن الشيطان يَنْزَغُ بينهم}؛ يهيج بينهم الجدال والشر، فلعل المخاشنة لهم تُفضي إلى العناد وازدياد الفساد. وكان هذا بمكة، قبل الأمر بالقتال، ثم نُسخ. وقيل: في الخطاب من المؤمنين بعضهم لبعض، أمرهم أن يقولوا، فيما بينهم، كلامًا لينًا حسنًا. {إِن الشيطانَ ينزَغ بينهم} العداوة والبغضاء؛ {إِنَّ الشيطان كان للإِنسان عدوًا مبينًا}؛ ظاهر العداوة. يقولون لهم في المخاطبة الحسنة: {ربكم أعلمُ إِن يشأ يرحمْكُم} بالتوبة والإيمان، {أو إِن يشأ يُعذِّبكُم} بالموت على الكفر. وهذا تفسير للكلمة التي هي أحسن، وما بينهما اعتراض، أي: قولوا هذه الكلمة ونحوها، ولا تصرحوا بأنهم من أهل النار؛ فإنه يثير الشر، مع أن ختام أمرهم غيب. {وما أرسلناك عليهم وكيلاً}؛ موكولاً إليك أمرهم، فتجبرهم على الإيمان، وإنما أَرْسلْنَاكَ مبشرًا ونذيرًا، فَدارهِم، ومُر أصحابك باحتمال الأذى منهم. رُوي أن المشركين أفرطوا في إيذائهم؛ فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، وقيل: شتم رجل عمر رضي الله عنه، فهمَّ به، فأمره الله بالعفو. {وربك أعلمُ بمن في السماوات والأرض} وبأحوالهم، فيختار منهم لنبوته وولايته من يشاء. وهو رد لاستبعاد قريش أن يكون يتيم أبي طالب نبيًا، وأن يكون العُراة الجياع أصحابه. {ولقد فضّلنا بعض النبيين على بعض} بالفضائل النفسانية، والتفرغ من العلائق الجسمانية، لا بكثرة الأموال والأتباع، حتى يستبعدوا نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لقلة ماله، وضعف أصحابه؛ فإن سيدنا داود عليه السلام كان مثله في قلة ماله وأتباعه، ثم قواه بالملك والنبوة. ولذا قال: {وآتينا داود زبورًا}؛ وقيل: هو إشارة إلى تفضيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنه مذكور في الزبور، وهو أنه خاتم الأنبياء، وأمته خير الأمم، وأنهم يرثون الأرض بالفتح عليهم؛ قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} تفسير : [الأنبياء: 105]. والله تعالى أعلم. الإشارة: من أوصاف الصوفية - رضي الله عنهم - أنهم هينون لينون كلَّفة حرير، لا ينطقون إلا بالكلام الحسن، ولا يفعلون إلا ما هو حسن، ويفرحون ولا يحزنون وينبسطون ولا ينقبضون. من رأوه مقبوضًا بسطوه، ومن رأوه حزينًا فرّحوه، ومن رأوه جاهلاً أرشدوه بالتي هي أحسن. وهم متفاوتون في هذا الأمر، مفضل بعضهم على بعض في الأخلاق والولاية، فكل من زاد في الأخلاق الحسنة زاد تفضيله عند الله. وفي الحديث: "حديث : إنَّ الرَّجلُ لَيُدرِكُ؛ بحُسْن الخلُق، دَرَجََة الصَائِم النهار، القَائِمِ اللَّيْل"تفسير : . وبالله التوفيق. ثم رجع إلى الكلام مع المشرعين والردّ عليهم
الأعقم
تفسير : {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن}، قيل: الأحسن ما أمر الله من توحيده وإجابة رسوله، وقيل: هي كلمة الأحسن وإظهار الشهادة، وقيل: هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإِنسان عدواً مبيناً} بين عدوانه {ربكم أعلم بكم} أي بأعمالكم وضمائركم فيجازيكم بها {ان يشأ يرحمكم} بالتوبة {أو إن يشأ يعذبكم}، وقيل: أراد به أنه المالك للعذاب والرحمة {وما أرسلناك عليهم وكيلاً} يعني حفيظاً على أعمالهم، وقيل: ربّاً موكلاً إليك أمورهم تقسرهم على الاسلام وتجبرهم عليه، وإنما أرسلناك بشيراً ونذيراً {وربك أعلم بمن في السماوات والأرض}: وبأحوالهم {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} أشار إلى تفضيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقوله: {وآتينا داوود زبوراً} دلالة على تفضيله وهو أنه خاتم الأنبياء وأن أمته خير الأمم لأن ذلك مذكور في زبور داوود، قال تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} هم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمته، وروي أن زبور داوود مائة وخمس سور ليس فيها حكم ولا فرض بل نبأ ووعظ {قل} يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يعبدون غير الله {ادعوا الذين زعمتم من دونه}، قيل: أراد الملائكة والمسيح وعزير، وقيل: أراد الأصنام {فلا يملكون كشف الضر عنكم} لأنها لا تملك نفعاً ولا ضراً {ولا تحويلاً} إلى غيركم، قيل: هو ما أصابهم من القحط سبع سنين، وقيل: هو عام في كل ضر {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} أي يطلبون القربة إلى الله تعالى بفعل الطاعات {أيهم أقرب} أي لتظهر أيّهم أفضل {ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذوراً} إن حقه أن يحذر منه لصعوبته {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها} يعني بموت أهلها وانقراضهم، وقيل: أراد أهل قرية بإهلاكهم كقوله: {أية : واسْأل القرية التي كنا فيها}تفسير : [يوسف: 82]، قيل: هذه الآية عامة في جميع القراء، والله يميت أهلها ويعذبهم عقوبة، وقيل: أما الصالحة بالموت وأما الطالحة بالعذاب، وقيل: مهلكوها بالموت {أو معذبوها} بعذاب الاستئصال عقوبة، قوله تعالى: {كان ذلك في الكتاب مسطوراً} مكتوباً في اللوح المحفوظ، وقيل: الكتاب الذي كتب للملائكة من أخبار عباده، وقيل: فيما أنزل من الكتب {وما منعنا أن نرسل بالآيات} المنقوحة بالمعنى لا نرسلها {إلا تخويفاً} من نزول العذاب العاجل كالطليعة والمقدمة، فإن لم يخافوا وقع عليهم، وإن أرادوا غيرها فالمعنى وما نرسل من الآيات كآيات القرآن {إلا أن كذب بها الأولون} إلا تخويفاً وإنذار بعذاب الآخرة، وقيل: أراد بالآيات التي سألتها قريش من تحويل الصفا ذهباً وغيرها، لأنا لو أرسلنا ثم كذبوا أهلكناهم، وقيل: لأنه علم أن فيهم من يؤمن ويلد مؤمناً، وقيل: أراد بقاء هذه الأمة وتأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة {وآتينا ثمود الناقة} يعني قوم صالح {مبصرة}، قيل: مبينة عندهم، وقيل: مبصرة تبصر الناس لما فيها من العِبَر والهدى من الضلالة {فظلموا بها} يعني كفروا بتلك الآية، وقيل: ظلموا أنفسهم بقتلها {وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً} للعباد ليؤمنوا.
اطفيش
تفسير : {وَقُل لِّعِبَادِى} المؤمنين {يَقُولُوا} للمشركين {الَّتِى هِىَ أحْسَنُ} كلمة الحق التى هى حسنة أو أحسن من غيرها لا خشونة فيها لتكون أقرب إِلى القبول مثل أن يقال: إن الله جل وعلا هو المنعم الخالق وهو المستحق للعبادة، ومثل أن يقال: ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم وإِن يشأَ يعذبكم، وقد قيل إن قوله ربكم أعلم.. الخ. تفسير وتمثيل للتى هى أحسن وما بينهما اعتراض ولا تصرحوا بأنهم من أهل النار فإِن ذلك يهيجهم على الشر مع أنه لا يدرى بم يختم لهم، أمروا بالإِنة القول للمشركين حين كانوا بمكة، وذلك أمر مستمر لأنه أدعى للقبول الذى هو المراد، وقيل نسخت بآية السيف وآية التغليظ، وقيل كان المشركون يؤذنون المسلمين، فشكوا ذلك إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأَنزل الله الآية أى قل لهم يقابلوا خشونة المشركين باللين مثل أن يقولوا سلاماً، ومثل يهديك الله، ومثل هذا عندى جائز لأَنه دعاء لله أن يرشدهم إِلى ما أمر به أن يدعوا إِليه وهو الإِسلام وذلك قبل الإِذن بالقتال، ومن ذلك يقولون يرحمكم الله أى بالهداية للإِسلام أو برحمة الدنيا، وقيل نزلت فى عمر بن الخطاب رضى الله عنه شتمه مشرك فأَمر الله بالعفو، وقل إن الآية فيما بين المؤمنين أمرهم الله أن يحفظوا الجناح ويتأَدبوا فيما بينهم، وقل العباد جميع الخلق والتى هى أحسن هى لا إِله إلا الله. {إِنَّ الشَّيْطَان يَنزغُ} وقرأ طلحة بكسر الزاى يهيج المراء والشر والعناد وازدياد الكفر {بَيْنَهُمْ} بتخشين القول إِذا خشنوه {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِّيناً} ظاهر العداوة فى أمر الدين والاخرة لا يأْلو جهداً.
اطفيش
تفسير : {وَقُلْ لِعِبَادِى يَقُولُوا الَّتِى} أى الكلمة التى، أو العبارة التى، والجزم فى جواب الأمر أى قل لهم قولوا التى هى أحسن، يقولوا التى هى أحسن، وقيل: مجزوم بلام الأمر، وقيل: مبنى لقيامه مقام الأمر المبنى، وهو ضعيف، والمراد بالكلمة الكلام. {هِىَ أَحْسَنُ} قل لعبادى المؤمنين يقولوا للمشركين الكلمة التى هى أحسن إذا جادلتموهم لحجج القرآن أو غيره فى شأن البعث أو غيره، فلا تدخلوا فى كلامكم سبهم، أو سب أصنامهم، فيزيدوا نفرة وعناداً، وتقوم الفتنة، قال الله عز وجل: "أية : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم} تفسير : [الأنعام: 108] {أية : ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن" تفسير : [العنكبوت: 46] ولا يختص هذا بما قبل نزول القتال كما قيل، بل هو قبله وبعده، لأنه إرشاد لما يكون سبباً للإِيمان، أو سببا لعدم زيادة العناد، والإضافة فى عبادى للتشريف، كما مرّ أن المراد بهم المؤمنون، كما يدل له قوله عز وجل: {يقولوا التى هى أحسن} والتى هى أحسن هو قوله: "أية : ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم" تفسير : [الإسراء: 54] ونحو هذا، وليست محصورة فى هذا، وما بينهما اعتراض، وإن صرحوا لهم أنهم من أهل النار، زاد كفرهم، وأيضا قد يكون منهم من يتوب بعد ولا يعلم الخاتمة إلا الله، فإِن ذكر لأحد أنه من أهل النار قيل له: إن مت على ما أنت عليه. {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ} تعليل جملى يفسد بين المؤمنين والكافرين لا تقولوا غير الإحسان، لأن الشياطين تنزغ بينهم كمن ينزغ إنساناً أو دابة بشوكة، فإن الكلام السيئ مثل النزغ لها، فيهيج الشر، ففى ذلك استعارة تبعية. {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسان عَدُوًّا مُبِينًا} ظاهر العداوة أو مظهرها، ولا يخفيها فكيف تتبعونه.
الالوسي
تفسير : {وَقُل لّعِبَادِى} أي المؤمنين فالإضافة لتشريف المضاف {يَقُولُواْ} عند محاورتهم مع المشركين {ٱلَّتِى} أي الكلمة أو العبارة التي {هِىَ أَحْسَنُ} ولا يخاشنوهم كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُجَـٰدِلُواْ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [العنكبوت: 46] ومقول فعل الأمر محذوف أي قل لهم قولوا التي هي أحسن يقولوا ذلك فجزم يقولوا لأنه جواب الأمر وإلى هذا ذهب الأخفش، ولكون المقول لهم هم المؤمنون المسارعون لامتثال أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بمجرد ما يقال لهم لم يكن غبار في هذا الجزم. وقال الزجاج: إن {يَقُولُواْ} هو المقول وجزمه بلام الأمر محذوفة أي قل لهم ليقولوا التي الخ. وقال المازني: إنه المقول أيضاً إلا أنه مضارع مبني لحلوله محل المبني وهو فعل الأمر، والمعنى قل لعبادي قولوا التي هي أحسن وهو كما ترى، ومقول يقولوا {ٱلَّتِى} وإذا أريد به الكلمة حملت على معناها الشامل للكلام. {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} أي يفسد ويهيج الشر بين المؤمنين والمشركين بالمخاشنة فلعل ذلك يؤدي إلى تأكد العناد وتمادي الفساد فالجملة تعليل للأمر السابق. وقرأ طلحة {ينزغ} بكسر الزاي، قال أبو حاتم: لعلها لغة والقراءة بالفتح، وقال صاحب «اللوامح» الفتح والكسر لغتان نحو يمنح ويمنح {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ} قدماً {لِلإِنْسَـٰنِ عَدُوّا مُّبِينًا} ظاهر العداوة فهو من أبان اللازم والجملة تعليل لما سبق من أن الشيطان ينزغ بينهم.
ابن عاشور
تفسير : لما أعقب ما أمر النبي ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ بتبليغه إلى المشركين من أقوال تعظهم وتنهنههم من قوله تعالى: {أية : قل لو كان معه آلهة كما تقولون}تفسير : [الإسراء: 42] وقوله: {أية : قل كونوا حجارة} تفسير : [الإسراء: 50] وقوله:{أية : قل عسى أن يكون قريباً} تفسير : [الإسراء: 51] ثني العنان إلى الأمر بإبلاغ المؤمنين تأديباً ينفعهم في هذا المقام على عادة القرآن في تلوين الأغراض وتعقيب بعضها ببعض أضدادها استقصاء لأصناف الهدى ومختلف أساليبه ونفع مختلف الناس. ولما كان ما سبق من حكاية أقوال المشركين تنبىء عن ضلال اعتقادٍ نقل الكلام إلى أمر المؤمنين بأن يقولوا أقوالاً تعرب عن حسن النية وعن نفوس زكية. وأوتوا في ذلك كلمة جامعة وهي {يقولوا التي هي أحسن}. و{التي هي أحسن} صفة لمحذوف يدل عليه فعل {يقولوا}. تقديره: بالتي هي أحسن. وليس المراد مقالة واحدة. واسم التفضيل مستعمل في قوة الحسن. ونظيره قوله: {أية : وجادلهم بالتي هي أحسن}تفسير : [النحل: 125]، أي بالمجادلات التي هي بالغة الغاية في الحسن، فإن المجادلة لا تكون بكلمة واحدة. فهذه الآية شديدة الاتصال بالتي قبلها وليست بحاجة إلى تطلب سبب لنزولها. وهذا تأديب عظيم في مراقبة اللسان وما يصدر منه. وفي الحديث الصحيح حديث : عن معاذ بن جبل: أن النبي أمره بأعمالٍ تدخله الجنة ثم قال له: ألا أخبرك بمِلاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه وقال: كُفّ عليك هذا. قال: قلت: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك وهل يَكُبّ الناسَ في النار على وجوههم، أو قال على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهمتفسير : . والمقصد الأهم من هذا التأديب تأديب الأمة في معاملة بعضهم بعضاً بحسن المعاملة وإلانةِ القول، لأن القول ينم عن المقاصد، بقرينة قوله: {إن الشيطان ينزغ بينهم}. ثم تأديبهم في مجادلة المشركين اجتناباً لما تثيره المشادة والغلظة من ازدياد مكابرة المشركين وتصلبهم فذلك من نزغ الشيطان بينهم وبين عدوهم، قال تعالى: {أية : ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} تفسير : [فصّلت: 34]. والمسلمون في مكة يومئذٍ طائفة قليلة وقد صرف الله عنهم ضر أعدائهم بتصاريف من لطفه ليكونوا آمنين، فأمرهم أن لا يكونوا سبباً في إفساد تلك الحالة. والمراد بقوله: {لعبادي} المؤمنون كما هو المعروف من اصطلاح القرآن في هذا العنوان. وروي أن قول التي هي أحسن أن يقولوا للمشركين: يهديكم الله، يرحمكم الله، أي بالإيمان. وعن الكلبي: كان المشركون يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول والفعل، فشكَوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية. وجزم {يقولوا} على حذف لام الأمر وهو وارد كثيراً بعد الأمر بالقول، ولك أن تجعل {يقولوا} جواباً منصوباً في جواب الأمر مع حذف مفعول القول لدلالة الجواب عليه. والتقدير: قل لهم: قُولوا التي هي أحسن يَقولوا ذلك. فيكون كناية على أن الامتثال شأنهم فإذا أمروا امتثلوا. وقد تقدم نظيره في قوله: {أية : قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة}تفسير : في سورة [إبراهيم:31]. والنزغ: أصله الطعن السريع، واستعمل هنا في الإفساد السريع الأثر. وتقدم في قوله تعالى: {أية : من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي}تفسير : في سورة [يوسف:100]. وجملة {إن الشيطان ينزغ بينهم} تعليل للأمر بقول التي هي أحسن. والمقصود من التعليل أن لا يستخفوا بفاسد الأقوال فإنها تثير مفاسد من عمل الشيطان. ولما كان ضمير {بينهم} عائداً إلى عبادي كان المعنى التحذير من إلقاء الشيطان العداوة بين المؤمنين تحقيقاً لمقصد الشريعة من بث الأخوة الإسلامية. روى الواحدي: أن عمر بن الخطاب شتمه أعرابي من المُشركين فشتمه عمر وهَمّ بقتله فكاد أن يُثير فتنةً فنزلتْ هذه الآية. وأيّا ما كان سبب النزول فهو لا يقيد إطلاق صيغة الأمر للمسلمين بأن يقولوا التي أحسن في كل حال. وجملة {إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا} تعليل لجملة {ينزغ بينهم}، وعلةُ العلة علة. وذكر (كان) للدلالة على أن صفة العداوة أمر مستقر في خلقته قد جبل عليْه. وعداوته للإنسان متقررة من وقت نشأة آدم ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ وأنه يسول للمسلمين أن يغلِظوا على الكفار بوهمهم أن ذلك نصر للدين ليوقعهم في الفتنة، فإن أعظم كيد الشيطان أن يوقع المؤمن في الشر وهو يوهمه أنه يعمل خيراً.
الواحدي
تفسير : {وقل لعبادي} المؤمنين: {يقولوا التي هي أحسن} نزلت حين شكا أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إليه أذى المشركين، واستأذنوه في قتالهم، فقيل له: قل لهم: يقولوا للكفَّار الكلمة التي هي أحسن، وهو أن يقولوا: يهديكم الله. {إن الشيطان} هو الذي يفسد بينهم. {ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم} يُوفِّقكم فتؤمنوا {أو إن يشأ يعذبكم} بأن يميتكم على الكفر {وما أرسلناك عليهم وكيلاً} ما وكل إليك إيمانهم، فليس عليك إلاَّ التَّبليغ. {وربك أعلم بمَنْ في السموات والأرض} لأنَّه هو خالقهم {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} عن علمٍ بشأنهم، ومعنى تفضيل بعضهم على بعض: تخصصٌ كلِّ واحد منهم بفضيلة دون الآخر {وآتينا داود زبوراً} أَيْ: فلا تنكروا تفضيل محمد عليه السَّلام، وإعطاءه القرآن، فقد جرت سنَّتنا بهذا في النَّبيين. {قل ادعوا الذين زعمتم... } الآية. ابتلى الله سبحانه قريشاً بالقحط سنين، فشكوا ذلك إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {قل ادعو الذين زعمتم} ادَّعيتم أنَّهم آلهةٌ {من دونه} ثمَّ أخبر عن الآلهة فقال: {فلا يملكون كشف الضر} يعني: البؤس والشِّدة {عنكم ولا تحويلاً} من السَّقم والفقر إلى الصَّحة والغنى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: التي هي أحسن: أي الكلمة التي هي أحسن من غيرها للطفها وحسنها. ينزغ: أي يفسد بينهم. عدواً مبيناً: أي بيّن العداوة ظاهرها. ربكم أعلم بكم: هذه هي الكلمة التي هي أحسن. وما أرسلناك عليهم وكيلا: أي فيلزمك إجبارهم على الإِيمان. فضلنا بعض النبيين: أي بتخصيص كل منهم بفضائل أو فضيلة خاصة به. وآتينا داود زبورا: أي كتاباً هو الزبور هذا نوع من التفضيل. معنى الآيات: ما زال السياق في طلب هداية أهل مكة، من طريق الحوار والمجادلة وحدث أن بعض المؤمنين واجه بعض الكافرين أثناء الجدال بغلظة لفظ كأن توعده بعذاب النار فأثار ذلك حفائظ المشركين فأمر تعالى رسوله أن يقول للمؤمنين إذا خاطبوا المشركين أن لا يغلظوا لهم القول فقال تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي} أي المؤمنين {يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} من الكلمات لتجد طريقاً إلى قلوب الكافرين، وعلل لذلك تعالى فقال {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} الوسواس فيفسد العلائق التي كان في الامكان التوصل بها إلى هداية الضالين، وذلك أن الشيطان كان وما زال للإِنسان عدواً مبيناً أي بيّن العداوة ظاهرها فهو لا يريد للكافر أن يسلم، ولا يريد للمسلم أن يؤجر ويثاب في دعوته. وقوله تعالى: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ} فيتوب عليكم فتسلموا. {أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ} بأن يترككم تموتون على شرككم فتدخلوا النار. مثل هذا الكلام ينبغي أن يقول المؤمنون للكافرين لا أن يصدروا الحكم عليهم بأنهم أهل النار والمخلدون فيها فيزعج ذلك المشركين فيتمادوا في العناد والمكابرة. وقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً}. يقول تعالى لرسوله إنا لم نرسلك رقيبا عليهم فتجبرهم على الإسلام وإنما أرسلناك مبلغا دعوتنا إليهم بالأسلوب الحسن وهدايتهم إلينا، وفي هذا تعليم للمؤمنين كيف يدعون الكافرين إلى الإِسلام. وقوله تعالى: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} يخبر تعالى لرسوله والمؤمنين ضمناً أنه تعالى أعلم بمن في السماوات والأرض فضلاً عن هؤلاء المشركين فهو أعلم بما يصلحهم وأعلم بما كتب لهم أو عليهم من سعادة أو شقاء، وأسباب ذلك من الإِيمان أو الكفر، وعليه فلا تحزنوا على تكذيبهم ولا تيأسوا من إيمانهم، ولا تتكلفوا ما لا تطيقون في هدايتهم فقولوا التي هي أحسن واتركوا أمر هدايتهم لله تعالى هو ربهم وأعلم بهم وقوله تعالى: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً}، يخبر تعالى عن إنعامه بين عباده فالذي فاضل بين النبيين وهو أكمل الخلق وأصفاهم فهذا فضله بالخلة كإبراهيم وهذا بالتكليم كموسى، وهذا بالكتاب الحافل بالتسابيح والمحامد والعبر والمواعظ كداود، وأنت يا محمد بمغفرته لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وبإِرسالك إلى الناس كافة إلى غير ذلك من الإِفضالات وإذا تجلت هذه الحقيقة لكم وعرفتم أن الله أعلم بمن يستحق الهداية وبمن يستحق الضلالة، وكذا الرحمة والعذاب ففوضوا الأمر إليه، وادعوا عباده برفق ولين وبالتي هي أحسن من غيرها من الكلمات. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- النهي عن الكلمة الخشنة المسيئة إلى المدعو إلى الإِسلام. 2- بيان أن الشيطان يسعى للإِفساد دائماً فلا يمكن من ذلك بالكلمات المثيرة للغضب والحاملة على اللجج والخصومة الشديدة. 3- بيان نوع الكلمة التي هي أحسن مثل {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ}. 4- بيان أن الله تعالى أعلم بخلقه فهو يهب كل عبد ما أهله له حتى إنه فاضل بين أنبيائه ورسله عليهم السلام في الكمالات الروحية والدرجات العالية.
القطان
تفسير : ينزغ بينهم: يفسد بينهم. الوكيل: المفوض اليه الأمر. الزبور: الكتاب الذي انزل على داود. الوسيلة: القربة الى الله. محذورا: يخاف منه. {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}. قل ايها الرسول وعلِّم الناس ان يقولوا الكلمة الطيبة وينطقوا دائما بالحسنى، كما قال تعالى: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ} تفسير : [النحل: 125] "والكلمة الطيبة صدقة" والكلمة الطيبة تأسو جراح القلوب. {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً}. ان الشيطان يدخل بينهم فيهيج فيهم المراء والشر، وربما افضى ذلك الى عناد الخصوم وازدياد فسادهم. فان الشيطان عدو كبير لبني الانسان فاحذروه. {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً}. ربكم اعلم باحوالكم ان يشأ يهِدكم للايمان فيرحمكم، وإن يشأ يعذبكم، وما جعلنا امرهم موكولا اليك يا محمد فتجبرهم على الايمان، وانما ارسلناك بشيرا ونذيرا. {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً}. إن ربك اعلم باحوال من في السماوات والارض جميعا، فيختار منهم لنبوته من يشاء، والانبياء ليسوا سواء، فقد فضل الله بعضهم على بعض بالمعجزات وكثرة التابعين، وفضل داود بالنبوة والكتاب الذي انزل عليه لا بالملك، لان داود كان ملكا نبيا، فالفضل الذي اوتيه بالنبوة. {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً}. قل ايها الرسول لهؤلاء الذين يعبودن المخلوقين، ويزعمون انهم آلهة، ادعوا من شئتم منهم ان يكشفوا عنكم البلاء، فانهم لا يستطيعون ذلك، ولا يقدرون ان يحولوه عنكم اذا نزل بكم. {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً}. ان هؤلاء المعبودين من دون الله، يتقربون الى الله، ويحرص كل منهم ان يكون اقرب الى الله، يطمعون في رحمته، ويخافون عذابه، ان عذاب الله مخيف يجب ان يبتعد عنه الانسان بالطاعة والتقوى.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلشَّيْطَانَ} {لِلإِنْسَانِ} (53) - وَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ الكَرِيمَ بِأَنْ يَنْصَحَ المُؤْمِنينَ بِأَنْ يَقُولُوا فِي مُخَاطَبَاتِهِمْ، وَمُحَاوَرَتِهِم الكَلاَمِيَّةِ، العِبَارَاتِ الأَحْسَنَ، وَالكَلِمَاتِ الأَطْيَبِ، فَإِنَّهُمْ إِنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ نَزَعَ الشَّيْطَانُ بَيْنَهُمْ، وَأَوْقَعَ بَيْنَهُمُ الشَّرَّ وَالمُخَاصَمَةَ، وَالعَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ، فَهُوَ عَدٌّو لِذُرِّيَّةِ آدَمَ، ظَاهِرُ العَدَاوَةِ سَافِرُهَا. يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ - يُفْسِدُ وَيُهَيِّجُ الشَّرَّ بَيْنَهُمْ.
الثعلبي
تفسير : {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} نزلت في عمر بن الخطاب، وذلك أن رجلاً من العرب شتمه فأمره الله تعالى بالعفو. الكلبي: كان المشركون يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول والفعل، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية على ذلك. وقل لعبادي المؤمنين يقولوا للكافرين التي هي أحسن يعني الكلمة التي هي أحسن لا تكافئهم. قال الحسن: يقول هداك الله يرحمك الله، وهذا قبل أن أمروا بالجهاد. وقيل: الأحسن كلمة الأخلاص لا إله إلاّ الله {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} يفتري، وألقى بينهما العداوة ويعزى بينهم {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً * رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ} يوفقكم فتؤمنوا {أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ} يميتكم على الشرك فيعذبكم، قاله ابن حريج. وقال الكلبي: إن الله يرحمكم فيحفظكم من أهل مكة، وإن يشأ يعذبكم فيسلطهم عليكم {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} وكفيلاً، نسختها آية القتال {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي &# 1649;لسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فجعلهم مختلفين في أخلاقهم من أمورهم وأحوالهم ومالهم، كما يختلف بعض المتقين على بعض. قتادة: في هذه الآية اتخذ الله إبراهيم خليلاً، وكلم الله موسى تكليماً، فقال لعيسى كن فيكون وأتى سليمان مُلكاً عظيماً لاينبغي لأحد من بعده، وأتى داود زبوراً كتاباً علمه داود فيه دعاء وتحميد وتمجيد وليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود وغفر [لمحمد] ما تقدم من ذنبه وما تأخر {قُلِ ٱدْعُواْ ٱ ;لَّذِينَ زَعَمْتُم} أنها آلهة {مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً} [عنكم] إلى غيركم، قيل: هو ما أصابهم من القحط سبع سنين. {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ} . قتادة عن عبد الله بن عبد الزنجاني عن ابن مسعود أنه قرأ {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ} بالتاء. وقرأهما الباقون: بالياء يبتغون. {إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ} القربة إلى ربهم {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} إليه {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} قال ابن عبّاس ومجاهد وأكثر العلماء: هم عيسى وأمه وعزير والملائكة والشمس والقمر والنجوم. وقال عبد الله بن مسعود: كان نفر من الانس يعبدون نفراً من الجن، فأسلم الجن ولم يعلم الانس الذين كانوا يعبدونهم بإسلامهم فتمسكوا بعبادتهم فغيرهم الله بذلك وأنزل هذه الآية. {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ} يعني وما من قرية {إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} أي مخربوها ومهلكوا أهلها بالسيف {أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً} بأنواع العذاب إذا كفروا وعصوا. وقال بعضهم: هذه الآية عامة. قال مقاتل: أما الصالح فبالموت وأما الطالح فبالعذاب. قال ابن عبّاس: إذا ظهر الزنا والربا في أهل قرية أذن الله في هلاكها. {كَانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ} في اللوح المحفوظ {مَسْطُوراً} مكتوباً {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ}. قال ابن عبّاس: قال أهل مكة: إجعل لنا الصفا ذهباً، فأوحى الله الى رسوله: إن شئت أن تسنأتي بهم فقلت وإن شئت أوتيهم ما سألوا، فقلت: فإن لم يؤمنوا أهلكتهم كما أهلكت من كان قبلهم. فقال صلى الله عليه وسلم لا بل تستأني بهم فأنزل الله تعالى {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ} التي سألها كفار قومك {إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} فأهلكناهم فإن لم يؤمن قومك أهلكتهم أيضاً لأن من خسفنا في الأمم إذا سألوا الآيات فيأتيهم ثم لم يؤمنوا أن نعذبهم ونهلكهم ولا نمهلهم، فإن الأوّل في محل النصب وقوع المنبع عليه، وإن الثانية في محل رفع ومجاز الأول: سمعنا إرسال الآيات إلاّ تكذيب الأولين بها قالوا {وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً} مضيئة بينة {فَظَلَمُواْ بِهَا} أي [قروا] بها إنها من عند الله {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ} بالعبر والدلالات {إِلاَّ تَخْوِيفاً} للعباد ليؤمنوا ويتذكروا فإن لم يفعلوا عذبوا. قال قتادة: إن الله يخوف الناس بما شاء من آياته لعلهم يعيون أو يذكرون أو يرجعون، ذكر أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود فقال: يا أيها الناس إن الله ليس يعتبكم فأعتبوه. وروى محمّد بن يوسف عن الحسن في قوله عزّ وجلّ {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً} قال الموت الذريع. {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ} فهم في قبضته لا يقدرون على الخروج من مشيئته وهو مانعك منهم وحافظك فلا تَهَبْهُم وأمض لما أمرك به في تبليغ رسالته، قاله أكثر المفسرين. قال ابن عبّاس: يعني أحاط علمه بهم فلا يخفى عليه منهم شيء. مقاتل والبراء: أحاط بالناس يعني أهل مكة أي أنها ستفتح لك. {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ}. قال قوم: هي رؤيا عين وهو ما أرى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج من العجائب والآيات فكان ذلك فتنة للناس، فقوم أنكروا وكذبوا، وقوم ارتدوا، وقوم صدقوا، والعرب تقول: [رأيت بعيني] رؤية ورؤيا وعلى هذا يحمل حديث معاوية أنه كان إذا سُئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كانت رؤيا من الله صادقة أي [رؤيا عيان] أرى الله نبيه صلى الله عليه وسلم وماذكرنا من تأويل الآية، قول سعيد بن جبير والحسن ومسروق وأبي مالك وقتادة ومجاهد والضحاك وابن زيد وابن جريج وعطية وعكرمة وعطية عن ابن عبّاس. وقال آخرون: هي ما أرى الله نبيه صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى بروحه دون بدنه فلما قصها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه [........] من أصحاب المسلمين وطعن فيها ناس من المنافقين. وهو ماروى جرير بن حازم عن أبي رجاء العطاردي، يحدث عن سمرة بن جندب قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة أستقبل الناس [بوجهه] فقال: "هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا"؟ فإن كان أحداً رأي تلك الليلة رؤيا قصها عليه فيقول فيها ماشاء الله أن يقول فسألنا يوماً. فقال: "هل رأى منكم أحد الليلة رؤيا"، قلنا: لا، قال: "لكني أتاني الليلة آتيان فقالا لي: إنطلق فإنطلقت معهما فأخرجاني إلى أرض مستوية فإذا رجل مستلقي على قفاه ورجل قائم بيده صخرة فشدخ بها رأسه [فيتبع] الحجر فإذا ذهب يأخذه عاد رأسه كما كان فهو يصنع به مثل ذلك، فقلت: ما هذا؟ قالا: إنطلق فانطلقت معهما فأتينا على رجل مستلق لقفاه يرمش عينه، فإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد فإذا هو يأخذ أحد شقي وجهه فيشر شر شدقه إلى قفاه وعينه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه ثمّ يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ذلك فما يفرغ من ذلك حتّى يصبح ذلك الجانب كما كان ثمّ يعود إليه، فقلت لهما: سبحان الله ما هذا؟ قالا لي: إنطلق فانطلقت معهما فأتيا على بيت مبني مثل بناء التنور أعلاه ضيق [وأسفله واسع] يوقد فيه النار فأطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فإذا أتاهم ذلك اللهب من أسفل [ضجّوا]، قلت لهما: ما هؤلاء؟ قالا لي: إنطلق فانطلقنا فأتينا على نهر من دم أحمر وإذا في البحر سابح يسبح فإذا على شاطىء النهر رجل عنده حجارة كثيرة وإذا ذلك السابح يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجراً فيذهب فيسبح مايسبح ثمّ يرجع إليه كما رجع إليه فيفغر له فاه فألقمه حجراً قال: فقلت ما هذا؟ قالا: إنطلق فإنطلقت فأتينا على رجل كريه المرآة كأكره ما رأيت رجلاً وإذا هو عنده نار [يحشها ويسعى] حولها قلت لهما: ما هذا؟ قالا: إنطلق فإنطلقنا فأتينا على روضة [معتمة] فيها من كل نوع الربيع وإذا شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ طويل فإذا حوله صبيان كأكثر ولدان رأيتهم قط. قال: قلت ما هؤلاء؟ قالا: إنطلق فإنطلقنا فأتينا على دوحة عظيمة لم أرَ دوحة قط أعظم منها [ولا أحسن] قالا لي: أرق فارتقينا فانتهينا إلى مدينة مبنية من ذهب ولبن فضة فأتينا باب المدينة فأستفتحناها ففتح لنا فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم [كأحسن] ما رأيت [وشطر كأقبح] مارأيت، قالا لهم: إذهبوا فقعوا في ذلك النهر وإذا نهر معترض يجري كأنه المخيض من البياض فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا وقد ذهب السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة قال: فقلت لهما [والله] إني ما رأيت مثل الليلة عجباً فما هذا الذي رأيت قالا إنا [سنخبرك أما الذي] أتيت عليه يشدخ رأسه بالحجر فإنه رجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة وأما الذي أتيت عليه يشرشر شدقه وعينه ومنخره إلى قفاه فإنه [رجل يغدوا] من بيته فيكذب [الكذبة تبلغ الآفاق]. وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل التنور فإنهم الزناة والزواني، وأما الرجل الذي يسبح في النهر ويلقم الحجارة فإنه آكل الربا، وأما الرجل الكريه المرآة الذي عنده النار يحشها فإنه مالك خازن النار، وأما الرجل الطويل الذي في [الروضة] فإبراهيم (عليه السلام) وأما الولدان الذين حوله فكل مولود يولد على الفطرة. أما القوم الذين كانوا شطر خلقهم حسناً وشطر قبيحاً فإنهم قوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً فتجاوز الله عنهم، وأما الروضة فهي جنات عدن وأما المدينة التي دخلت فدار الشهداء. قال: بينما بصري صعدا فإذا مثل الذبابة البيضاء، قالا لي: هاهو ذا منزلك، وأنا جبرئيل وهذا ميكائيل. فقلت: بارك الله فيكما دعاني أدخل داري، فقالا: إنه قد بقي لك ولم تستكمله ولو استكملته دخلت دارك . تفسير : وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: هي رؤيا التي رأى أنه يدخل مكة عام الحديبية هو وأصحابه وهو يومئذ بالمدينة فعجّل رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى مكة قبل الأجل فردّه المشركون. فقال ناس: قد ردَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان حدثنا إنه سيدخلها فكانت رجعته فتنتهم وقد كان في العام المقبل سار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلها فأنزل الله عزّ وجلّ: {أية : لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الفتح: 27]. سفيان بن عيينة عن علي بن زيد بن حذيفة عن سعيد بن المسيب، من قول الله تعالى {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} قال: أرى بني أمية على المنابر فساءه ذلك فقيل له إنها الدنيا يعطونها [فتزوى] عنه إلاّ فتنة للناس قال: بلا للناس. وروى عبد المهيمن عن بن عبّاس عن سهل بن سعد عن أبيه عن جده قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فما إستجمع ضاحكاً حتّى مات، فإنزل الله في ذلك {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ} المذكورة {فِي ٱلقُرْآنِ} يعني شجرة الزقوم، ومجاز الآية: الشجرة الملعونة المذكورة في القرآن، ونصب الشجرة عطفاً بها على الرؤيا تأويلها: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلاّ فتنة للناس فكانت فتنتهم في الرؤيا ماذكرت، وفتنتهم في الشجرة الملعونة أن أبا جهل قال لما نزلت هذه الآية: أليس من الكذب ابن أبي كبشة أن يوعدكم بحرق الحجارة ثمّ يزعم إنه ينبت فيها شجرة وأنتم تعلمون إن النار تحرق الشجرة فما يقولون في الزقوم. فقال عبد الله بن [الزبوي]: إنها الزبد والتمر بلغة بربرة. فقال أبو جهل: ياجارية زقمينا فأتته بالزبد التمر، فقال: يزعموا ياقوم فإن هذا ما يخوفكم به محمّد والله ما يعلم الزقوم إلاّ الزبد والتمر، فأنزل الله تعالى {أية : إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ} تفسير : [الدخان: 43، 44] ووصفها في الصافات فقال: {أية : إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات: 64] أي خلقت من النار وحذيت بها وأنزل الله {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً}. وروى ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن مولى لبني هاشم حدثه إن عبد الله بن الحرث ابن نوفل [أرسل] إلى ابن عبّاس: نحن الشجرة الملعونة في القرآن؟ قال: فقال: الشجرة الملعونة هي هذه الشجرة التي تلتوي على الشجر يعني الكشوث. {فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} يعني من طين. وروى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: بعث رب العزة إبليس فأخذ كفاً من أديم الأرض من عذبها ومِلْحها فخلق منه آدم فكل شيء خلقه من عذبها فهو صائر إلى السعادة وإن كان ابن كافرين، وكل شيء خلقه من ملحها فهو صائر إلى الشقاوة وإن كان ابن نبيين. قال: ومن ثمّ قال إبليس: أأسجد لمن خلقت طينا أيّ هذه الطينة أنا جئت بها، ومن ثمّ سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض. {قَالَ} إبليس {أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} أي فضلته {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} وأمهلتني {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} أيّ لأستولين على أولاده ولأحتوينهم ولأستأصلنهم بالاضلال ولأجتاحنهم. يقال: [إحتنك] فلان ما عند فلان من علم أو كمال مما استقصاه وأخذه كله، واحتنك الجراد الزرع إذا أكله كله. قال الشاعر: شعر : أشكوا إليك سنة قد أجحفت وأحنكت أموالنا واجتلفت تفسير : ويقال: هو من قول العرب حنّك الدابة يحنكها إذا شد في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به حتى يثبت. {إِلاَّ قَلِيلاً} يعني المعصومين الذين إستثناهم الله في قوله {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} تفسير : [الحجر: 42] {قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ} أي جزاءك وجزاء أتباعك {جَزَاءً مَّوْفُوراً} وأمراً مكملاً {وَٱسْتَفْزِزْ} [استولي] واستخف وإستزل وإستمل {مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ} أي من ذرية آدم {بِصَوْتِكَ}. قال ابن عبّاس وقتادة: بدعائك إلى معصية الله وكل داع إلى معصية فهو من جند إبليس. وقال مجاهد: بالغناء والمزامير. {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم} أي إجمع وصح. مقاتل: إستفز عنهم. {بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} أي ركبان جندهم ومشاتهم. قال المفسرون: كل راكب وماش في معاصي الله. ابن عبّاس ومجاهد وقتادة: إن له خيلاً ورجلاً من الجن والإنس، فما كان من راكب يقاتل في معصية فهو من خيل إبليس، وما كان من راجل يقاتل في معصية الله فهو من رجل إبليس والرجل الرجالة. وقرأ حفص: ورجيلك بكسر الراء، وهما لغتان يقال: راجل ورجل مثل تاجر وتجر، وراكب وركب. {وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ} قال قوم: هو كل مال أصيب من حرام وأنفق في حرام، وهذا قول مجاهد والحسن وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن زيد، ورواية عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس. عطاء بن أبي رباح: هو الربا. قتادة: ما كان المشركون يحرمونه من الأنعام كالبحائر والسوايب والوصيلة والحوامي وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس. وقال الضحاك: هو ما كان يذبحونه لآلهتهم. {وَٱلأَوْلادِ}. قال بعضهم: هم أولاد الزنا، وهو قول مجاهد والضحاك ورواية عطية عن ابن عبّاس. الوالبي عنه: هو ما قبلوا من أولادهم وأتوا فيهم الحرام. الحسن وقتادة: عدو الله شاركهم في أموالهم وأولادهم فمجّسوا وهوّدوا ونصّروا وصبّغوا غير صبغة الاسلام. أبو صالح عن ابن عبّاس: مشاركته إياهم في الأولاد وتسميتهم أولادهم عبد الحرث وعبد شمس وعبد فلان. {وَعِدْهُمْ} ومنّهم الجميل في طاعتك. قال الله {وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} باطلاً وخديعة لأنه لايغني عنهم من عذاب الله إذا نزل بهم شيئاً كقوله {أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 22]. {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً * رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي} [يسوي ويجري]. {لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِي ٱلْبَحْرِ} إلى قوله {وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ} أصابكم [الجهد] {فِي ٱلْبَحْرِ} وخفتم الغرق {ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ} إلا دعاؤكم إياه فلم تجدوا ما يكفيكم سواه {فَلَمَّا نَجَّاكُمْ} من البحر وأخرجكم {إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ} عن الايمان والطاعة وكفرتم بما جاءكم {وَكَانَ ٱ ;لإِنْسَانُ كَفُوراً} {أَفَأَمِنْتُمْ} بعد ذلك {أَن يَخْسِفَ بِكُمْ} يغيبكم ويذهبكم في {جَانِبَ ٱلْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً} حجارة تمطر عليكم من السماء كما أمطر على قوم لوط. وقال أبو عبيد والقتيبي: الحاصب الذي يرمي بالحصباء، وهي الحصا الصغار. قال الفرزدق: شعر : مستقبلين شمال الشام يضربنا بحاصب كنديف القطن منثور تفسير : {ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً * أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ} في البحر {تَارَةً} مرة {أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ ٱلرِّيحِ} أي قاصفاً وهي الريح الشديدة. قال ابن عبّاس وقال أبو عبيدة: هي التي تقصف كل شيء أيّ تدقّه وتحطّمه وهي التي تقصف الشجر أي تكسره {فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً} ناصراً ولا ثائراً. وإختلف القراء في هذه الآية. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: نخسف ونرسل ونعيدكم ونغرقكم كلها بالنون لقوله (علينا). وقرأ الباقون: كلها بالياء لقوله (إياه). إلاّ أبا جعفر فإنه قرأ (تغرقكم) بالتاء يعني الريح. {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ} ميمون بن مهران عن ابن عبّاس في قوله {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ} قال: كل شيء يأكل بفيه إلاّ ابن آدم يأكل بيديه، وعنه أيضاً بالعقل. الضحاك: بالنطق وثمّ التمييز. عطاء: تعديل العامّة وإمتدادها، يمان: بحسن الصورة. محمّد بن كعب: بأن جعل محمّداً منهم، وقيل: الرجال باللحي والنساء بالذواب. محمّد بن جرير: بتسليطهم على غيرهم من الخلق وتسخير سائر الخلق لهم. {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} يعني لذيذ المطاعم والمشارب. مقاتل: السمن والزبد والتمر والحلاوى وجعل رزق غيرهم مالا يخفى عليكم. {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}. قال قوم: قوله: (كثير ممن خلقنا) إستثناء للملائكة. قال الكلبي: فُضلوا على الخلائق كلهم غير طائفة من الملائكة جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وأشباههم. وقال الآخرون: المراد به جميع من خلقنا فالعرب قد تضع الأكبر والكثير في موضع الجمع والكل، كقول الله عزّ وجلّ {أية : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى&# 1648; مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} تفسير : [الشعراء: 221- 223] والمراد به جميع الشياطين. معمر عن زيد بن أسلم، في قوله تعالى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ} قال: قالت: الملائكة ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويتمتعون ولم تعطنا ذلك فأعطنا في الآخرة، فقال: وعزتي وجلالي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كما قلت له كن فيكون. حماد بن سلمة عن أبي المهرم قال: سمعت أبا هريرة يقول: المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده. {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} قال مجاهد وقتادة: بنبيهم، يدل عليه ماروى السدي عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} قال: بنبيهم. وقال أبو صالح وأبو نضر والضحاك وابن زيد: بكتابهم الذي أنزل عليهم وهي رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد وعن علي بن الحسين بن علي المرتضى (عليهم السلام) عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ندعو كل أناس بإمامهم قال: "حديث : يوتى كل قوم بإمام زمانهم وكتاب ربهم وسنّة نبيهم ". تفسير : أبو العالية والحسن: بأعمالهم، ودليل هذا التأويل قوله تعالى في سياق الآية { فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ} الآية ونظيرها قوله {أية : وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ} تفسير : [يس: 12] فسمي الكتاب إماماً. روى ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من الجنة ياعبد الله هذا خير فمن كان من باب الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب [الريان]". فقال أبو بكر الصديق (رضي الله عنه): يارسول الله بأبي أنّت وأمي ما علي من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة فهل يدعى من تلك الأبواب كلها أحد؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكون منهم" . تفسير : وتصديق هذا القول أيضاً حديث الألوية والرايات. باذان وسعيد بن جبير عن ابن عبّاس: بإمامهم الذي دعاهم في الدنيا إلى الضلالة أو الهدي. عليّ بن أبي طلحة: بأئمتهم في الخير والشر. قال الله تعالى {أية : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} تفسير : [الأنبياء: 73] قال: {أية : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} تفسير : [القصص: 41] ،وقيل: لمعبودهم. محمّد بن كعب: بإمهاتهم. قالت الحكماء: في ذلك ثلاثة أوجه من الحكمة أحدها: لأجل عيسى (عليه السلام)، والثاني: أخيار الشرف الحسن والحسين (عليهما السلام)، والثالث: لئلا يفضح أولاد الزنا. {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} إلى قوله تعالى {فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ} أختلفوا في هذه الاشارة. فقال قوم: هي راجعة إلى النعم التي عددها الله في هذه الآيات. عكرمة: جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عبّاس فسأله رجل عن هذه الآية فقال: إقرأ ماقبلها {رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ} إلى قول الله {سَبِيلاً} فقال ابن عبّاس: من كان في هذه النعم التي رأى وعاين أعمى فهو في أمر الآخرة التي لم ير ولم يعاين أعمى وأضل سبيلاً. وقال آخرون: هي راجعة إلى الدنيا يقول من كان في هذه الدنيا أعمى عن قدرة الله وآياته فهو في الآخرة أعمى. وقال أبو بكر الوراق: من كان في هذه الدنيا أعمى عن حجته فهو في الآخرة أعمى عن جنته. وقال الحسن: من كان في الدنيا ضالاً كافراً فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً، لأنه لم يتب في الدنيا ففي الآخرة لا تقبل توبته. وإختلف القراء في هذين الحرفين. فأمالها أهل الكوفة وفخمها الآخرون. وأمّا أبو عمرو فكان يكسر الأول ويفتح الآخر يعني فهو في الآخرة أشد عمي لقوله: {وَأَضَلُّ سَبِيلاً} هي اختيار أبي عبيدة. قال الفراء: حدثني بالشام شيخ من أهل البصرة إنه سمع من العرب تقول: ما أسود شعره. قال الشاعر: شعر : أما الملوك فأنت اليوم الأمم لؤماً وأبيضهم سربال طباخ
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وسبق أنْ أوضحنا الفرق بين عبيد وعباد، وأنهما جَمْع عبد، لكن عبيد تدل على مَنْ خضع لسيّده في الأمور القهرية، وتمرَّد عليه في الأمور الاختيارية، أما عباد فتدلّ على مَنْ خضع لسيده في كُلِّ أموره القهرية والاختيارية، وفضَّل مراد الله على مُرَاده، وعنهم قال تعالى: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً * وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً}تفسير : [الفرقان: 63-64]. وهذا الفَرْق قائم بينهما في الدنيا دون الآخرة، حيث في الآخرة تنحلّ صفة الاختيار التي بنينا عليها التفرقة، وبذلك يتساوى الجميع في الآخرة، فكلهم عبيد وعباد؛ لذلك قال تعالى في الآخرة للشيطان: {أية : أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ}تفسير : [الفرقان: 17]. فسمَّاهم عباداً رغم ضلالهم وكفرهم. وقوله تعالى: {يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..} [الإسراء: 53]. أي: العبارة التي هي أحسن، وكذلك الفِعْل الذي هو أحسن. والمعنى: قُلْ لعبادي: قولوا التي هي أحسن يقولوا التي هي أحسن؛ لأنهم مُؤتمرون بأمك مُصدِّقون لكَ. و{ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تعني: الأحسن الأعلى الذي تتشقَّق منه كُل أَحْسَنيات الحياة، والأحسن هو الإيمان بالله بشهادة أن لا إله إلا الله، هذه أحسن الأشياء وأولها، لذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : خَيْرُ ما قُلْتُه أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله" . تفسير : لأن من باطنها ينبتُ كل حسن، فهي الأحسن الكبيرة؛ لأنك ما دُمْتَ تؤمن بالله فلن تتلقّى إلا عنه، ولن تخاف إلا منه، ولن ترجوَ إلا هو، وهكذا يحسُن أمرك كلُّه في الدنيا والآخرة. وأنت حين تقول: لا إله إلا الله، لا تقولها إلا وأنت مؤمن بها؛ لأنك تريد أنْ تُشِيِعها فيمن سمعك، ولا تكتفي بنفسك فقط، بل تحب أنْ يُشاركك الآخرون هذا الخير؛ لذلك إذا أردنا أن ننطقَ بهذه الكلمة نقول: أشهد أن لا إله إلا الله. فمعنى أشهد يعني عند مَنْ لم يشهد، فكأن إيمانك بها دَعاك إلى نَقْلها إلى الناس، وبثِّها فيما بينهم. ويمكن أن نقول {ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} الأحسن هو: كل كلمة خير، أو الأحسن هو: الجدل بالتي هي أحسن، كما قال تعالى: {أية : وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..}تفسير : [النحل: 125]. أو نقول: الأحسن يعني التمييز بين الأقوال المتناقضة وفَرْزها أمام العقل، ثم نختار الأحسن منها، فنقول به. فالأحسن - إذن - تَشيُع لتشمل كُلَّ حَسَن في أيِّ مجال من مجالات الأقوال أو الأفعال، ولنأخذ مثلاً مجال الجدل، وخاصة إذا كان في سبيل إعلاء كلمة الله، فلا شكّ أن المعارض كَارِهٌ لمبدئك العام، فإنْ قَسَوْتَ عليه وأغلظْتَ له القول أو اخترتَ العبارة السيئة فسوف ينتقل الخلاف بينكما من خلاف في مبدأ عام على عَدَاء شخصي. وإذا تحوَّلَتْ هذه المسألة إلى قضية شخصية فقد أججَّتَ أُوَار غضبه؛ لأنه في حاجة لأنْ تَرْفُقَ به، فلا تجمع عليه مرارة أنْ تُخرِجه مما أَلِف إلى ما يكره، بل حاول أنْ تُخرِجه مما أَلِف إلى ما يحب لتطفئ شراسته لعداوتك العامة، وتُقرِّب من الهُوّة بينك وبينه فيقبل منك ما تقول. يقول تعالى: {أية : وَلاَ تَسْتَوِي ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}تفسير : [فصلت: 34]. وقد يطلُع علينا مَنْ يقول: لقد دفعتُ بالتي هي أحسن، ومع ذلك لا يزال عدوي قائماً على عداوتي، ولم أكسب محبته. نقول له: أنت ظننتَ أنك دفعتَ بالتي هي أحسن، ولكن الواقع غير ذلك، إنك تحاول أنْ تُجرِّب مع الله، والتجربة مع الله شَكٌّ، فادفع بالتي هي أحسن من غير تجربة، وسوف يتحول العدو أمامك إلى صديق. وما أروعَ قول الشاعر: شعر : يَا مَنْ تُضَايِقُه الفِعَالُ مِنَ التيِ ومِنَ الذِي ادْفَع - فَدَيْتُك - بالتِي حتَّى تَرَى فَإذَا الذِي تفسير : لكن، لماذا نقول التي هي أحسن؟ لأن الشيطان ينزغ بينكم: {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ..} [الإسراء: 53] والنزْغ هو نَخْس الشيطان ووسوسته، وقد قال تعالى في آية أخرى: {أية : وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ..}تفسير : [الأعراف: 200]. فإن كنْت مُنتبِهاً له، عارفاً بحيله فذكرتَ الله عند نَخْسه ونَزْغه انصرف عنك، وذهب إلى غيرك؛ لذلك يقول تعالى عن الشيطان: {أية : مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ}تفسير : [الناس: 4] أي: الذي يخنس ويختفي إذا ذُكِرَ الله، لكن إذا رأى منك ضعفاً وغفلة ومرَّتْ عليك حِيَلُة، واستجبتَ لوساوسه، فقد أصبحت فريسة سهلة بين أنيابه ومخالبه. وعادةً تأتي خواطر الشيطان وكأنها مِجَسٌّ للمؤمن واختبار لانتباهه وحَذَّره من هذا العدو، فينزغه الشيطان مرَّة بعد أخرى لِيُجرّبه ويختبره. فإذا كان النزغ هكذا، فأنت حين تجادل بالتي هي أحسن لا تعطي للشيطان فُرْصة لأنْ يُؤجِّج العداوة الشخصية بينكما، فيُزيّن لك شَتْمه أو لَعْنه، وهكذا يتحول الخلاف في المبدأ العام إلى عداوة ذاتية شخصية. لذلك إذا رأيتَ شخصين يتنازعان لا صِلَة لك بهما، ولكن ضايقك هذا النزاع، فما عليك إلا أنْ تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثاً، وأتحدّى أن يستمر النزاع بعدها، إنها الماء البارد الذي يُطفئ نار الغضب، ويطرد الشيطان فتهدأ النفوس، وما أشبهك في هذا الموقف برجل الإطفاء الذي يسارع إلى إخماد الحريق، وخصوصاً إذا قلت هذه العبارة بنية صادقة في الإصلاح، وليس لك مأرَبٌ من هذا التدخّل. والحق سبحانه يقول: {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ..} [الإسراء: 53]. تلاحظ أن نَزْغ الشيطان لا يقتصر على المتخاصمين والمتجادلين حول مبدأ ديني عقدي، بل ينزغ بين الإخوة والأهل والأحبة، ألم يَقُل يوسف: {أية : مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ ..}تفسير : [يوسف: 100]. لقد دخل الشيطان بين أولاد النبوة، وزرع الخلاف حتى بين الأسباط وفيهم رائحة النبوة، ولذلك لم يتصاعد فيهم الشر، وهذا دليل على خَيْريتهم، وأنت تستطيع أنْ تُمِّيز بين الخيِّر والشرير، فتجد الخيِّر يهدد بلسانه بأعنف الأشياء، ثم يتضاءل إلى أهون الأشياء، على عكس الشرير تراه يُهدد بأهونِ الأشياء، ثم يتصاعد إلى أعنف ما يكون. انظر إلى قوْل إخوة يوسف:{أية : ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً ..}تفسير : [يوسف: 9] فقال الآخر وكان أميل إلى الرفق به: {أية : وَأَلْقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ ..}تفسير : [يوسف: 10] وقد اقترح هذا الاقتراح وفي نيته النجاة لأخيه، بدليل قوله تعالى: {أية : يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ ..}تفسير : [يوسف: 10] وهكذا تضاءل الشر في نفوسهم. ثم يقول تعالى: {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً} [الإسراء: 53]. أي: أن عداوة الشيطان لكم قديمة منذ أبيكم آدم - عليه السلام - فهي عداوة مُسْبقة، قال عنها الحق سبحانه: {أية : إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ} تفسير : [طه: 117]. لذلك يجب على الأب كما يُعلِّم ابنه علوم الحياة ووسائلها أنْ يُعلّمه قصة العداوة الأولى بين الشيطان وآدم - عليه السلام - ويُعلمه أن خواطر الخير من الله وخواطر الشر من الشيطان، فليكُنْ على حَذَر من خواطره ووساوسه، وبذلك يُربِّي في ابنه مناعة إيمانية، فيحذر كيد الشيطان ونَزْغه، ويعلم أن كل أمر يخالف أوامر الشرع فهو من الشيطان، وهذه التربية من الآباء تحتاج إلى إلحاح بها على الأبناء حتى ترسخ في أذهانهم. فقوله تعالى: {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً} [الإسراء: 53] أي: كان ولا يزال. وإلى يوم القيامة بدليل قوله: {أية : لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء: 62]. أي: لأتعهّدنّهم بالإضلال والغواية إلى يوم القيامة. ثم يقول الحق سبحانه: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} معناه يَفْسُدُ ويَهِيجُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا من لطفه بعباده حيث أمرهم بأحسن الأخلاق والأعمال والأقوال الموجبة للسعادة في الدنيا والآخرة فقال: { وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } وهذا أمر بكل كلام يقرب إلى الله من قراءة وذكر وعلم وأمر بمعروف ونهي عن منكر وكلام حسن لطيف مع الخلق على اختلاف مراتبهم ومنازلهم، وأنه إذا دار الأمر بين أمرين حسنين فإنه يأمر بإيثار أحسنهما إن لم يمكن الجمع بينهما. والقول الحسن داع لكل خلق جميل وعمل صالح فإن من ملك لسانه ملك جميع أمره. وقوله: { إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزغُ بَيْنَهُمْ } أي: يسعى بين العباد بما يفسد عليهم دينهم ودنياهم. فدواء هذا أن لا يطيعوه في الأقوال غير الحسنة التي يدعوهم إليها، وأن يلينوا فيما بينهم لينقمع الشيطان الذي ينزغ بينهم فإنه عدوهم الحقيقي الذي ينبغي لهم أن يحاربوه فإنه يدعوهم {أية : ليكونوا من أصحاب السعير }. تفسير : وأما إخوانهم فإنهم وإن نزغ الشيطان فيما بينهم وسعى في العداوة فإن الحزم كل الحزم السعي في ضد عدوهم وأن يقمعوا أنفسهم الأمارة بالسوء التي يدخل الشيطان من قبلها فبذلك يطيعون ربهم ويستقيم أمرهم ويهدون لرشدهم. { رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ } من أنفسكم فلذلك لا يريد لكم إلا ما هو الخير ولا يأمركم إلا بما فيه مصلحة لكم وقد تريدون شيئا والخير في عكسه. { إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ } فيوفق من شاء لأسباب الرحمة ويخذل من شاء فيضل عنها فيستحق العذاب. { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلا } تدبر أمرهم وتقوم بمجازاتهم وإنما الله هو الوكيل وأنت مبلغ هاد إلى صراط مستقيم. { وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } من جميع أصناف الخلائق فيعطي كلا منهم ما يستحقه تقتضيه حكمته ويفضل بعضهم على بعض في جميع الخصال الحسية والمعنوية كما فضل بعض النبيين المشتركين بوحيه على بعض بالفضائل والخصائص الراجعة إلى ما من به عليهم من الأوصاف الممدوحة والأخلاق المرضية والأعمال الصالحة وكثرة الأتباع ونزول الكتب على بعضهم المشتملة على الأحكام الشرعية والعقائد المرضية، كما أنزل على داود زبورا وهو الكتاب المعروف. فإذا كان تعالى قد فضل بعضهم على بعض وآتى بعضهم كتبا فلم ينكر المكذبون لمحمد صلى الله عليه وسلم ما أنزله الله عليه وما فضله به من النبوة والكتاب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):