Verse. 2083 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

رَبُّكُمْ اَعْلَمُ بِكُمْ۝۰ۭ اِنْ يَّشَاْ يَرْحَمْكُمْ اَوْ اِنْ يَّشَاْ يُعَذِّبْكُمْ۝۰ۭ وَمَاۗ اَرْسَلْنٰكَ عَلَيْہِمْ وَكِيْلًا۝۵۴
Rabbukum aAAlamu bikum in yasha yarhamkum aw in yasha yuAAaththibkum wama arsalnaka AAalayhim wakeelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم» بالتوبة والإيمان «أو إن يشأ» تعذيبكم «يعذبكم» بالموت على الكفر «وما أرسلناك عليهم وكيلاً» فتجبرهم على الإيمان وهذا قبل الأمر بالقتال.

54

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ} هذا خطاب للمشركين، والمعنى: إن يشأ يوفقكم للإِسلام فيرحمكم، أو يميتكم على الشرك فيعذبكم؛ قاله ابن جُريج. و «أعلم» بمعنى عليم؛ نحو قولهم: الله أكبر، بمعنى كبير. وقيل: الخطاب للمؤمنين؛ أي إن يشأ يرحكم بأن يحفظكم من كفار مكة، أو إن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم؛ قاله الكلبي. {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} أي وما وكلّناك في منعهم من الكفر ولا جعلنا إليك إيمانهم. وقيل: ما جعلناك كفيلاً لهم تؤخذ بهم؛ قاله الكلبي. وقال الشاعر:شعر : ذكرت أبا أرْوَى فبتّ كأنني بردّ الأمور الماضيات وكيل تفسير : أي كفيل.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ} أيها الناس، أي: أعلم بمن يستحق منكم الهداية، ومن لا يستحق {إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ} بأن يوفقكم لطاعته والإنابة إليه {أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ} - يا محمد - {عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} أي: إنما أرسلناك نذيراً، فمن أطاعك دخل الجنة، ومن عصاك دخل النار. وقوله: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي بمراتبهم في الطاعة والمعصية {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ} وكما قال تعالى: {أية : تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ} تفسير : [البقرة: 253] وهذا لا ينافي ما ثبت في "الصحيحين": أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تفضلوا بين الأنبياء» تفسير : فإن المراد من ذاك هو التفضيل بمجرد التشهي والعصبية، لا بمقتضى الدليل، فإذا دل الدليل على شيء، وجب اتباعه، ولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء، وأن أولي العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون نصاً في آيتين من القرآن في سورة الأحزاب {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} تفسير : [الأحزاب: 7] وفي الشورى في قوله: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} تفسير : [الشورى: 13] ولا خلاف أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضلهم، ثم بعده إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، عليهم السلام، على المشهور، وقد بسطناه بدلائله في غير هذا الموضع، والله الموفق. وقوله تعالى: {وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} تنبيه على فضله وشرفه. قال البخاري: حدثنا إسحاق بن نصر، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدابته لتُسْرج، فكان يقرأ قبل أن يَفْرغ" تفسير : يعني: القرآن.

المحلي و السيوطي

تفسير : {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ } بالتوبة والإِيمان {أَوْ إِن يَشَأْ } تعذيبكم {يُعَذِّبُكُم } بالموت على الكفر {وَمَا أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً } فتجبرهم على الإِيمان وهذا قبل الأمر بالقتال.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إن يشاء يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إن يشأ يرحمكم بالهداية أو يعذبكم بالإضلال. الثاني: إن يشاء يرحمكم فينجيكم من أعدائكم أو يعذبكم بتسلطهم عليكم، قاله الكلبي. الثالث: إن يشأ يرحمكم بالتوبة أو يعذبكم بالإقامة، قاله الحسن: {وما أرسلناك عليهم وكيلاً} فيه وجهان: أحدهما: ما وكلناك أن تمنعهم من الكفر بالله سبحانه، وتجبرهم على الإيمان به. الثاني: ما جعلناك كفيلاً لهم تؤخذ بهم، قاله الكلبي، قاله الشاعر: شعر : ذكرت أبا أرْوَى فَبِتُّ كأنني بِرَدِّ الأمور الماضيات وكيلُ تفسير : وكيل: أي كفيل.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَرْحَمْكُمْ} بالهدى و {يُعَذِّبْكُمْ} بالضلال، أو بالتوبة ويعذبكم بالإصرار، أو بإنجائكم من عدوكم ويعذبكم بتسليطهم عليكم. {وَكِيلاً} يمنعهم من الكفر، أو كفيلاً لهم يؤخذ بهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } اختلف الناس في {ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }: فقالت فرقةٌ: هي لا إِلٰه إِلا اللَّه؛ وعلى هذا، فــ «العباد»: جميعُ الخلق، وقال الجمهور {ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }: هي المحاورة الحَسَنة، بحسب معنى معنى، قال الحسن يقول: يَغْفِرُ اللَّه لك، يَرْحَمُكَ اللَّه وقوله: {لِّعِبَادِيَ} خاصُّ بالمؤمنين، قالت فرقة: أمر اللَّه المؤمنين فيما بينهم بُحْسن الأدب، وخَفْضِ الجناحِ، وإلانة القَوْلَ، واطِّراحِ نَزَعاتِ الشيطان، ومعنى النَّزْغُ: حركاتُ الشيطانِ بُسْرعة؛ ليوجب فساداً، وعداوةُ الشيطان البيِّنة: هي من قصة آدم عليه السلام، فما بعد، وقالَتْ فرقة: إِنما أمر اللَّه في هذه الآية المؤمنين بإِلانة القوْلِ للمشركين بمكَّة أيام المُهَادنة، ثم نُسِخَتْ بآية السيف. وقوله سبحانه: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ}: يقوِّي هذا التأويل؛ إِذ هو مخاطبةٌ لكفَّار مكَّة؛ بدليل قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً } فكأن اللَّه عزَّ وجل أمر المؤمنين ألاَّ يخاشنوا الكُفَّار في الدين، ثم قال للكفَّار إِنه أعلم بهم ورجَّاهم وخوفهم، ومعنى {يَرْحَمْكُمْ} بالتوبة عليكم من الكُفْر؛ قاله ابن جُرَيْج وغيره. وقوله سبحانه: {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} قرأ الجمهور: «زَبُوراً» بفتح الزاي، وهو فَعُولٌ بمعنى مَفْعُولٍ، وهو قليلٌ؛ لم يَجِىءْ إلا في قَدُوعِ وَرَكُوبٍ وَحَلُوب، وقرأ حمزة: بَضَمِّ الزاي قال قتادة: زبور دَاوُدَ مَواعظُ ودعاءٌ، وليس فيه حلالٌ ولا حرامٌ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ} يوِّفقكُمْ، فتؤمنوا {أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ} يميتكم على الكفر، فيعذِّبكم، قاله ابن جريح. وقال الكلبيُّ: إن يشأ يرحمكم، فينجيكم من أهل مكَّة، وإن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم. {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} حفيظاً، وكفيلاً، والمقصود إظهار اللِّين والرِّفقِ لهم عند الدَّعوة؛ فإنَّ ذلك هو المؤثِّرُ في القلبِ قيل: نسختها آية القتالِ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏ {‏ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم‏}‏ قال‏:‏ فتؤمنوا ‏ {‏وإن يشأ يعذبكم‏}‏ فتموتوا على الشرك كما أنتم‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ} [الآية: 54]. قال القاسم: سبق علمه فى الخلق بالرحمة، والعذاب فلا مبدل لما أراد وقد وسم الخلق بسمة الرحمة والعذاب فهو يرجع إلى منتهاه بما قد حركه فى مبدأه.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً}. سَدَّ على كلِّ أحدٍ طريقَ معرفته بنفسه ليتعلَّق كُلُّ قلبه بربه. وجَعَلَ العواقبَ على أربابها مشتبهةً، فقال {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ}. ثم قدَّمَ حديثَ الرحمةِ على حديثِ العذاب، فقال: {إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ} وفي ذلك تَرَجِّ للأمل أَنْ يَقْوى. ويوصف العبدُ بالعلم ويوصف الربُّ بالعلم، ولكن العبدَ يعلم ظاهرَ حاله، وعِلْمُ الرب يكون بحاله وبمآله, ولهذا فالواجب على العبد أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى, وهذا معنى: {إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ} بعد قوله: {أَعْلَمُ بِكُمْ}. قوله جلّ ذكره: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً}. فَضَّل بعضَ الأنبياءِ على بعضِ في النبوةِ والدرجة، وفي الرسالة واللطائف والخصائص. وجعل نبيَّنا - صلى الله عليه وسلم - أَفضلهم؛ فهم كالنجوم وهو بينهم بَدْرٌ، وهم كالبدور وهو بينهم شمس، وهم شموسٌ وهو شمسُ الشموس.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ} علمه سبحانه كان ازليا قبل وجود المعلومات خارجا عن جميع العلات اختار فى علمه بعلمه واراداه جواهر ارواح المقربين والعارفين من بين البرية بشرف قبول معرفته واستعداد حمل امانته وجعلها فى اماكن غيبه طائرة فى مزار قدمه واراها منازل العبودية والامتحان من فيض قهره ولطفه فحبسها بعضا فى مقام المشاهدة وحبسها بعضا فى مواقف الوصلة موحبسها بعضا فى منازل الدنو والقربة وهو كان عالما بشوق الشائقين اليه وداء المحبين لديه واستيناس المستانسين به واستغراق العارفين فى بحار عظمته وحيرة الموحدين فى ميادين ازليته فيرحم بعضهم بروية حسن الجمال حتى بقوا معه بنعت عيش السرمدية ويعذب بعضهم بان يفنيهم فيه من تسلط سطوات العظمة عليهم حتى لا يدركوا فى محل الفناء فيض البقاء وذلك من غيرته على نفسه فرحمته على العارفين كشف ووصال بلا حجاب وعذابه عليهم غلبة النكرة على قلوبهم وهذا دابه مع اهل ولايته ابدا وحديث سبق العناية حيث اختار اهل وداده بمعرفته خلصهم من عذاب فرقته واذا اراد طرد الغافلين شغلهم بغيره عن الاقبال عليه ورؤيته ورحمته قال القاسم سبق علمه فى الخلق بالرحمة والعذاب ولا مبدل لما اراد وقد وسم الخلق بسمة الرحمة والعذاب وهو يرجع الى منتهاه بما قد جرى له فى مبتداه وقال الاستاد سد على كل احد طريق معرفته بنفسه ليعلق كل قلبه بربه فجعل العواقب على اربابها مشتبهة فقال ربكم اعلم بكم قدم حديث الرحمة على حديث العذاب فقال ان يشاء يرحمكم او ان يشاء يعذبكم وفى ذلك ترجيح للامل ان يقوى وتصديق ما ذكرنا فى حقيقة الآية وتفضيل مقاماتهم بعضا على بعض قوله سبحانه {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} بين سبحانه انه اعلم بما اعطى ملائكته فى السّماوات من مقام الخوف والعبودية واختاره لهم شرف القربة وفضل بعضهم على بعض فى الذكر والتسبيح والعبادة والخوف والخشية وهو اعلم بما هو اعطى من فى الارض من الشريعة والطريقة والحقيقة وفضل بعضهم على بعض فى الذكر والتسبيح والعبادة والخوف والخشية وهو اعلم بما هو اعطى من فى الارض من الشريعة والطريقة والحقيقة وفضل بعضهم على بعض فى مراسم السلوك واعطى الشريعة للعموم والطريقة للخصوص والحقيقة لخصوص الخصوص فلما تم نظام الولاية رقى الامر الى درجات النبوة فاعطى المرسلين خبر غيب الغيب واعطى النبيين خبر الغيب وكشف جميع مراتب القربة وادارهم فى ملكوته بالهمم وسيّرهم فى ميادين جبروته بالارواح والاسرار وفضل بعضهم على بعض فى الدنو ودنو الدنو والتجلى والتدلى والكلام والخطاب والمعارف والكواشف فبعضهم اهل روية القدم وخبره وبعضهم اهل رؤية البقاء وخبره وبعضهم اهل رؤية الصفات وعلمها وبعضهم اهل روية الذات ومعرفته فهؤلاء اهل الاول والآخر والظاهر والباطن وقال تعالى هو الاول والآخر والظاهر والباطن فاهل القدم اهل الاول واهل البقاء اهل الآخر واهل الصفات اهل الظاهر واهل الذات اهل الباطن فاصطفى آدم بعلم الاسماء والنعوت ومباشرة الصفة وتجلى الذات فصار فى محل عين الجمع لقوله عليه السّلام خلق الله آدم على صورته واصطفى نوحا بالسلطنة والمعجزة واجابة الدعوة واصطفى الخليل بالخلة والسماع ومقام الالتباس حيث قال هذا ربى وافراد القدم عن الحدوث بقوله انى برى مما تشركون واصطفى موسى بالخطاب الاصلى وسماع الكلام الازلى والتجلى واصطفى عيسى بدرجة القدس وجعله روح القدس من كلمته العلية الازلية واصطفى داؤد بالزبور الذى فيه نبأ الذات والصفات واعطاه مقام العشق وحسن الصوت الذى من مزامير الصفات والحان بلابل القدم واصطفى سليمان بالملك والتمكين واصطفى يوسف بكسوة حسن جماله الذى اشرق فى وجهه من طلوع صبح الصفة فى عالم الفعل واصطفى محمد صلى الله عليه وسلم بجميع ما اعطاه اياهم وخصه بالمعراج والدين والتجلى === والمحبة الكبرى والمجلس الاعلى والمقام الادنى فكان قاب قوسين او ادنى فرمى بقوس الازل ما وهبه الله الى الجمهور ورمى من قوس الابد ما وهبه الله له فبقى بين القوسين بعد ذهاب الكونين فصار هدفا بقوس قاب قوسين لان هناك لا يليق الا صاحب الرفيق الاعلى والمخبر عن مقام الادنى المذكور اسمه بطه محمد سيد الورى صلى الله عليه وسلم بعدد ذرات ما بين العرش الى الثرى قال محمد بن الفضل تفضيل الانبياء بالخصائص كالخلة والكلام والمعراج وغير ذلك فضل البعض منهم على بعض وفضل محمدا صلى الله عليه وسلم على الجميع الا تراه يقول انا سيد ولد آدم ولا فخر كيف افتخر بهذا وانا باين منهم بحالى واقف مع الله بحسن الادب لو كنت مفتخرا لافتخرت بالحق والقرب والدنو منه فلما لم افتخر بمحل الدنو والقرب كيف افتخر بسادة الاجناس.

اسماعيل حقي

تفسير : {ربكم} ايها المشركون {اعلم بكم} منا {ان يشأ يرحمكم} بالتوفيق للايمان {او ان يشأ يعذبكم} بالاماتة على الكفر فهو تفسير للتى هى احسن وما بينهما اعتراض اى قولوا لهم هذه الكلمة وما يشا كلها ولا تصرحوا بانهم من اهل النار فانه مما يهيجهم على الشر مع ان العاقبة مما لا يعلمه الا الله فعسى يهديهم الى الايمان هذا ما ذهب اليه صاحب الكشاف وتبعه البيضاوى وابو السعود رحمهما الله. وقال الجمهور المراد بالتى هى احسن هى المحاورة الحسنة بحسب المعنى والرحمة الانجاء من كفار مكة واذا هم والتعذيب تسليطهم عليهم فيكون الخطاب فى ربكم للمؤمنين. وفى التأويلات هو اعلم بمن جعله منكم مظهر صفه لطفه ورحمته فيرحمه ويخلصه من اضلال الشيطان واغوائه وبمن جعله منكم مظهر صفة قهره وعذابه فيعذبه باضلاله واغوائه {وما ارسلناك عليهم وكيلا} موكولا اليك يا محمد امورهم ومفوضا تجبرهم على الايمان كما قال {أية : ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون}تفسير : ونذيرا فدارهم ومر اصحابك بالمداراة والاحتمال وترك المخاصمة وعنه عليه السلام "حديث : ان الله امرنى بمداراة الناس كما امرنى باقامة الفرائض"تفسير : : حافظ شعر : اسايشى دوكيتى تفسير اين دوحر فست بادوستان تلطف بادشمنان مدارا تفسير : كما قال بعضهم فى عيش الانسان الكامل [باخدا بصدق. وباخلق بانصاف. وبانفس بقهر. وبازير دستان بشفقت. وبابزركان بحرمت. وبادوستان بنصيحت. وباد شمنان بمدارا. وبأعلما بتواضع. وبادرويشان بسخا. وباجاهلان. بخاموشى.

الهواري

تفسير : قوله: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ} أي: بأعمالكم، يعني المشركين { إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ} أي: يتوب عليكم فيمنّ عليكم بالإِيمان { أَوْ إِن يَّشَأْ يُعَذِّبْكُمْ} أي: بإقامتكم على الشرك { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} أي: حفيظاً لأعمالكم حتى تجازيهم بها. قوله: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ}. قال الحسن: كلَّم بعضَهم، واتخذ بعضهم خليلاً، وأعطى بعضهم إحياءَ الموتى. { وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً}. وهو اسم الكتاب الذي أعطاه الله. قال بعضهم: بلغنا أن الزبور دعاء علّمه الله داود، وهو تحميد وتمجيد لله، وليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لا تخيّروا بين الأنبياءتفسير : . وذكر الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة . تفسير : قوله: { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ} يعني الأوثان { فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا} يملكون {تَحْوِيلاً} أي: لما نزل بكم من الضر. أي: أن تحولوا ذلك الضر إلى غيره أهون منه. قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ} أي: القربة { أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ} أي: الجنة { وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} أي: النار { إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراًً} أي: يحذره المؤمنون. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نَفَراً من لجن، فأسلم الجنيون ولم يعلم بذلك النفر من العرب. قال الله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ} يعني الجنيين الذين يعبدهم هؤلاء {يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ...} إلى آخر الآية. وتفسير الحسن: أنهم الملائكة وعيسى. يقول: أولئك الذين يعبدهم المشركون والصابئون والنصارى. لأن المشركين قد كانوا يعبدون الملائكة والصابئون يعبدونهم. قال بعضهم: بلغنا أن آل بني مليكة كانوا يعبدون الملائكة والنصارى تعبد عيسى. قال: فالملائكة وعيسى الذين يعبد هؤلاء {يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ}.

اطفيش

تفسير : {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ} رحمتكم. {يَرْحَمْكُمْ} بالهداية إِلى الإِيمان {أوْ إِن يَشَأْ} تعذيبكم. {يُعَذِّبْكُمْ} بأَن يميتكم على الكفر فيعذبهم عليه، وقيل الخطاب للمؤمنين: إن يشأ يرحمكم بالتنجية من أهل مكة، وإِن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم وهذا ضعيف، والصحيح الأَول وعليه ابن جرير الطبرى وغيره. {وَمَا أرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} حفيظاً تجبرهم على الإيمان بل مبشراً ومنذراً فدارهم ومر أصحابك بالاحتمال منهم، وقيل وكلا بمعنى موكولا إِليك أمرهم تقهرهم على الإِيمان فكان الحذف والإِيصال، قيل هذا منسوخ بآية السيف.

اطفيش

تفسير : {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ} أيها المشركون، العلم بعاقبتكم عند الله. {إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ} بالتوفيق إلى التوبة والإسلام، فتكونوا من أهل الجنة. {أَوْ إِنْ يَشأْ يُعَذِّبْكُمْ} بأن لا يوفقكم إِلى التوبة، فتموتوا على الكفر، والمعنى قولوا لهم إن يشأ الله يرحمكم، أو قولوا إن يشأ يعذبكم فأو للتخيير فيما يقولون، ويجوز أن تكون بمعنى الواو، فيقولوا ذلك جميعاً، وقيل للإضراب تهديداً، ويجوز أن يكون قوله: {ربكم أعلم..} إلخ ليس تمثيلا للتى هى أحسن، بل مستأنف خطاب للمؤمنين، إن يشأ يرحمكم بإنجائكم من الكفار بإهلاكهم، أو إلقاء الرعْب فى قلوبهم، وإِن يشأ يعذبكم تسليطهم عليكم بالأذى كالقتل والنهب. {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} رقيباً وكفيلا أن لا يعصوا، أو موكولا إِليك أمرهم فتقهرهم على الإيمان، بل أرسلناك مبشراً ونذيراً، ومأموراً أنت وأصحابك بتحمل أذاهم، ثم أمره الله بالقتال فقال: "أية : يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم"تفسير : [التوبة: 73، التحريم: 9] وقد يقال: المراد أنك لا تسمعهم الحق مع ختم الله على قلوبهم، ولو بالجهاد كما قال الله عز وجل: "أية : إنَّ الله يُسمِع من يشاء وما أنت بمسمع مَنْ فى القبور" تفسير : [فاطر: 22] وهذا يقال به قبل القتال وبعده إلا القهر على الإيمان، فإنه لا إكراه فى الدين، فيؤمنوا بإرادتهم، أو يقتلون. وروى أن المشركين أفرطوا فى إيذاء المسلمين، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل: "أية : وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن"تفسير : [الإسراء: 53] إلى {وكيلاً} فالخطاب فى قوله عز وجل: {ربكم أعلم..} إِلخ على هذا للمؤمنين على معنى الإنجاء من الكافر، وعدم الإنجاء كما مر قريباً. ويروى أن مشركاً شتم عمر فهم بضربه الضرب اللائق به، أو هَمَّ بسبه مجازاة، فأمر فى العموم بالعفو، فيكون سبباً آخر لنزول "أية : وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن"تفسير : [الإسراء: 53] على هذين السببين فى النزول أن يقال للشاتم سلام عليكم، لا نبتغى الجاهلين، أو هداك الله، أو عفا الله عنك، ويعنى هذه الشتمة فقط أو أصلح الله شأنك، وقد مر جواز طلب الهداية أو يعنى بنحو ذلك كله أن الشاتم على غير صواب لا الدعاء له.

الالوسي

تفسير : {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ} بالتوفيق للإيمان {أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذّبْكُمْ} بالإماتة على الكفر، وهذا تفسير {أية : ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [الإسراء: 53] والجملتان اعتراض بينهما والخطاب فيه للمشركين فكأنه قيل: قولوا لهم هذه الكلمة وما يشاكلها وعلقوا أمرهم على مشيئة الله تعالى ولا تصرحوا بأنهم من أهل النار فإنه مما يهيجهم على الشر مع أن الخاتمة مجهولة لا يعلمها غيره تعالى فلعله سبحانه يهديهم إلى الإيمان. والظاهر أن (أو) للانفصال الحقيقي، / وقال الكرماني: هي للإضراب ولذا كررت معها (إن)، وقال ابن الأنباري: دخلت (أو) هنا لسعة الأمرين عند الله تعالى ويقال لها المبيحة كالتي في قولهم جالس الحسن أو ابن سيرين فإنهم يعنون قد وسعنا لك الأمر وهو كما ترى {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} أي موكولاً ومفوضاً إليك أمرهم تقسرهم على الإسلام وتجبرهم عليه وإنما أرسلناك بشيراً ونذيراً فدارهم ومر أصحابك بمداراتهم وتحمل أذيتهم وترك المشاقة معهم، وهذا قبل نزول آية السيف.

ابن عاشور

تفسير : هذا الكلام متصل بقوله: {أية : نحن أعلم بما يستمعون به}تفسير : [الإسراء: 47] إلى قوله: {أية : فلا يستطيعون سبيلا }تفسير : [الإسراء: 48]. فإن ذلك ينطوي على ما هو شأن نجواهم من التصميم على العناد والإصرار على الكفر. وذلك يسوء النبي صلى الله عليه وسلم ويحزنه أن لا يهتدوا، فوُجه هذا الكلام إليه تسلية له. ويدل لذلك تعقيبه بقوله: {وما أرسلناك عليهم وكيلا}. ومعنى {إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم} على هذا الكنايةُ عن مشيئة هديْه إياهم الذي هو سبب الرحمة، أو مشيئة تركهم وشأنَهم. وهذا أحسن ما تفسر به هذه الآية ويبين موقعها، وما قيل غيره أراه لا يلتئم. وأوتي بالمسند إليه بلفظ الرب مضافاً إلى ضمير المؤمنين الشامل للرسول تذكيراً بأن الاصطفاء للخير شأن من معنى الربوبية التي هي تدبير شؤون المربوبين بما يليق بحالهم، ليكون لإيقاع المسند على المسند إليه بعد ذلك بقوله: {أعلم بكم} وقعٌ بديع، لأن الذي هو الرب هو الذي يكون أعلم بدخائل النفوس وقابليتها للاصطفاء. وهذه الجملة بمنزلة المقدمة لما بعدها وهي جملة {إن يشأ يرحمكم} الآية، أي هو أعلم بما يناسب حال كل أحد من استحقاق الرحمة واستحقاق العذاب. ومعنى {أعلم بكم} أعلم بحالكم، لأن الحالة هي المناسبة لتعلق العلم. فجملة {إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم} مبينة للمقصود من جملة {ربكم أعلم بكم}. والرحمة والتعذيب مكنًى بهما عن الاهتداء والضلال، بقرينة مقارنته لقوله: {ربكم أعلم بكم} الذي هو كالمقدمة. وسلك سبيل الكناية بهما لإفادة فائدتين: صريحهما وكنايتهما، ولإظهار أنه لا يسأل عما يَفعل، لأنه أعلم بما يليق بأحوال مخلوقاته. فلما ناط الرحمة بأسبابها والعذابَ بأسبابه، بحكمته وعدله، عُلم أن معنى مشيئته الرحمة أو التعذيب هو مشيئة إيجاد أسبابهما، وفعل الشرط محذوف. والتقدير: إن يشأ رحمتَكم يرحمْكم أو إن يشأ تعذيبَكم يعذبْكم، على حكم حذف مفعول فعل المشيئة في الاستعمال. وجيء بالعطف بحرف (أو) الدالة على أحد الشيئين لأن الرحمة والتعذيب لا يجتمعان فــــ (أو) للتقسيم. وذكر شرط المشيئة هنا فائدته التعليم بأنه تعالى لا مكره له، فجمعت الآية الإشارة إلى صفة العلم والحكمة وإلى صفة الإرادة والاختيار. وإعادةُ شرط المشيئة في الجملة المعطوفة لتأكيد تسلط المشيئة على الحالتين. وجملة {وما أرسلناك عليهم وكيلاً} زيادة لبيان أن الهداية والضلال من جعل الله تعالى، وأن النبي غير مسؤول عن استمرار من استمر في الضلالة. إزالة للحرج عنه فيما يجده من عدم اهتداء من يدعوهم، أي ما أرسلناك لتجبرهم على الإيمان وإنما أرسلناك داعياً. والوكيل على الشيء: هو المسؤول به. والمعنى: أرسلناك نذيراً وداعياً لهم وما أرسلناك عليهم وكيلاً، فيفيد معنى القصر لأن كونه داعياً ونذيراً معلوم بالمُشاهدة فإذا نفي عنه أن يكون وكيلاً وملجئاً آل إلى معنى: ما أنت إلا نذير. وضمير {عليهم} عائد إلى المشركين، كما عادت إليهم ضمائر {أية : على قلوبهم}تفسير : [الإسراء: 46] وما بعده من الضمائر اللائقة بهم. و{عليهم} متعلق بــــ {وكيلا}. وقدم على متعلقه للاهتمام وللرعاية على الفاصلة.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَرْسَلْنَاكَ} (54) - رَبَّكُمْ هُوَ العَلِيمُ بِكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الهِدَايَةَ وَبِمَنْ لاَ يَسْتَحِقُّهَا، فَإِنْ شَاءَ رَحِمَكُمْ بِتَوفِيقِكُمْ إِلَى طَاعَتِهِ، وَالإِنَابَةِ إِلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَكُمْ بِصَرْفِكُمْ عَنِ الإِيمَانِ وَالهُدَى، فَتَمُوتُونَ عَلَى شِرْكِكُمْ، وَتَصِيرُونَ إِلَى النَّارِ وَعَذَابِها. فَعَاقِبَةُ النَّاسِ مَجْهُولَةٌ، وَلاَ يَعْلَمُ الغَيْبَ إِلاَّ اللهُ، وَلَمْ نُرْسِلْكَ يَا مُحَمَّدُ وَكِيلاً عَلَيْهِمْ لِتُجْبِرَهُمْ عَلَى الإِيمَانِ بِاللهِ، وَإِنَّمَا أَرْسَلْنَاكَ مُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلى اللهِ، وَحِسَابُ النَّاسِ عَلَى اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ. وَكِيلاً - موْكُولاً إِلَيْكَ أَمْرُهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : في هذه الآية إشارة إلى طلاقة المشيئة الإلهية، فالحق سبحانه إنْ شاء يرحمنا بفضله، وإنْ شاء يُعذِّبنا بعدله؛ لأن الحق سبحانه لو عاملنا بميزان عدله ما نجا منّا أحد، ولو جلس أحدنا وأحصى ماله وما عليه لوجد نفسه لا محالةَ واقعاً تحت طائلة العقاب؛ لذلك يَحسُن بنا أن ندعوُ الله بهذا الدعاء: "اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل، وبالإحسان لا بالميزان، وبالجبر لا بالحساب". والحق تبارك وتعالى لا يُيئس العُصَاة من فضله، ولا يملي لهم بعدله، بل يجعلهم بين هذه وهذه ليكونوا دائماً بين الخوف والرجاء. وحينما كان المسلمون الأوَّلون يتعرضون لشتى ألوان الإهانة والتعذيب ولا يجدون مَنْ يمنعهم من هذا التعذيب، فكانوا يذهبون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون إليه ما ينزل بهم، فرسول الله ينظر في أنحاء العالم من حوله بحثاً عن المكان المناسب الذي يلجأ إليه هؤلاء المضطهدون، ويأمرهم بالهجرة إلى الحبشة ويقول: "إن فيها ملكاً لا يُظْلَم عنده أحدٌ". لقد كانوا في مرحلة لا يستطيعون فيها الدفاع عن أنفسهم، فالضعيف منهم عاجز عن المواجهة، والقوي منهم لا يستطيع حماية الضعيف؛ لأنه كان يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقترح عليه الرد على الكفار ومواجهتهم بكذا وكذا، فكان صلى الله عليه وسلم يقول لهم: "لم أومر، لم أومر ...". لأن الله تعالى أراد أَلاَّ يبقي للإيمان جندي إلا وقد مَسَّه العذاب، وذاق ألوان الاضطهاد ليربي فيهم الصبر على الأذى وتحمُّل الشدائد؛ لأنهم سيحملون رسالة الانسياح بمنهج الله في الأرض، ولا شكَّ أن القيام بمنهج الله يحتاج إلى صلابة وإلى قوة، فلا بُدَّ من تمحيص المؤمنين، لذلك حدث للإسلام في عصر النبوة أحداث وشدائد، ومرَّت به عقبات مثل تعذيب المؤمنين وإيذائهم وحادث الإسراء والمعراج. وكانت الحكمة من هذه الأحداث تمحيص المؤمنين وغربلة المنتسبين لدين الله، حتى لا يبقى إلا القوي المأمون على حَمْل منهج الله، والانسياح به في شتَّى بقاع الأرض، وحتى لا يبقى في صفوف المؤمنين مَنْ يحمل راية الإيمان لمغنَم دنيوي، فالغنيمة في الإسلام ليست في الدنيا بل في جنة عَرْضُها السماوات والأرض. لذلك، ففي بيعة العقبة الثانية قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: سل يا محمد لربك ما شئت، ثم سل لنفسك بعد ذلك ما شئت، ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك. حديث : قال: أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأسألكم لنفسي ولأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما منعتم منه أنفسكم، قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ فماذا قال لهم رسول الله؟ أقال لهم تملكون الدنيا؟ لا، بل قال: "لكم الجنة" قالوا: فلك ذلك . تفسير : فهذه هي الجائزة الحقيقية التي ينبغي أن يفوز بها المؤمن؛ لأنه من الجائز أن يموت أحدهم بعد أن أعطى رسول الله هذا العهد ولم يدرك شيئاً من خير الدنيا في ظل الإسلام، إذن: فالنبي صادق في هذا الوعد. وما دام الجزاء هو الجنة فلا بُدَّ لها من جنود أقوياء يصبرون على الأحداث، ويُواجهون الفتن والمكائد. فالمعنى: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ ..} [الإسراء: 54] بالخروج من مكة مهاجرين إلى ديار الأمن في الحبشة {أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ..} [الإسراء: 54] أي: عذاباً مقصوداً لكي يُمحِّص إيمانكم ويُميِّز المؤمنين منكم الجديرين بحمل رسالة الله ومنهجه. ثم يقول تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} [الإسراء: 54]. الوكيل: هو المفوَّض من صاحب الشأن بفعل شيء ما، والمراد: ما أرسلناك إلا للبلاغ، ولستَ مسئولاً بعد ذلك عن إيمانهم، ولستَ وكيلاً عليهم؛ لأن الهداية والتوفيق للإيمان بيد الحق سبحانه وتعالى. إذن: قول الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} [الإسراء: 54]. ليست قهراً لرسول الله، وليست إنقاصاً من قَدْره، بل هي رحمة به ورأفة، كأنه يقول له: لا تُحمِّل نفسك يا محمد فوق طاقتها، كما خاطبه في آية أخرى بقوله:{أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}تفسير : [الشعراء: 3] فالحق - تبارك وتعالى - في هذه المسألة لا يعتب على رسوله، بل يعتب لصالحه، والمتتبع لمواقف العتاب للرسول صلى الله عليه وسلم يجده عِتَاباً لصالحه صلى الله عليه وسلم رحمةً به، وشفقةً عليه، لا كما يقول البعض: إن الله تعالى يُصحّح للرسول خطئاً وقع فيه. ومثال لهذا قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ} [عبس: 1-3] الله تعالى يعتب على رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ترك الرجل الذي جاءه سائلاً عن الدين، وشَقَّ على نفسه بالذهاب إلى جدال هؤلاء الصناديد، وكأن الحق سبحانه يشفق على رسوله أن يشقَّ على نفسه، فالعتاب هنا حِرْصاً على رسول الله وعلى راحته. وكذلك في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [التحريم: 1]. والتحريم تضييق على النفس، فالحق سبحانه يعتب على رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ضيَّق على نفسه، وحرَّم عليها ما أحلَّه الله لها. كما تعتب على ولدك الذي سَهِر طويلاً في المذاكرة حتى أرهقَ نفسه، فالعتاب لصالح الرسول لا ضده. ثم يقول الحق سبحانه: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ...}.