Verse. 2084 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

وَرَبُّكَ اَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ۝۰ۭ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّـبِيّٖنَ عَلٰي بَعْضٍ وَّاٰتَيْنَا دَاوٗدَ زَبُوْرًا۝۵۵
Warabbuka aAAlamu biman fee alssamawati waalardi walaqad faddalna baAAda alnnabiyyeena AAala baAAdin waatayna dawooda zabooran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وربك أعلم بمن في السماوات والأرض» فيخصهم بما شاء على قدر أحوالهم «ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض» بتخصيص كل منهم بفضيلة كموسى بالكلام وإبراهيم بالخلة ومحمد بالإسراء «وآتينا داود زبورا».

55

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ} أعاد بعد أن قال: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ} ليبيّن أنه خالقهم وأنه جعلهم مختلفين في أخلاقهم وصورهم وأحوالهم ومالهم؛ {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} تفسير : [الملك: 14]. وكذا النبيّون فضّل بعضهم على بعض عن علم منه بحالهم. وقد مضى القول في هذا في «البقرة». {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} الزبور: كتاب ليس فيه حلال ولا حرام، ولا فرائض ولا حدود؛ وإنما هو دعاء وتحميد وتمجيد. أي كما آتينا داود الزبور فلا تنكروا أن يؤتى محمد القرآن. وهو في مُحاجّة اليهود.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } فيخصهم بما يشاء على قدر أحوالهم {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ } بتخصيص كل منهم بفضيلة كموسى بالكلام، وإبراهيم بالخلة ومحمد بالإِسراء {وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً }.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ}: في هذه الباءِ قولان: أشهرهما: أنها تتعلق بـ "أعْلَمُ" كما تعلَّقت الباء بـ "أعْلَمُ" قبلها، ولا يلزمُ من ذلك تخصيص علمه بمن في السماوات والأرض فقط. والثاني: أنها متعلقة بـ "يَعْلَمُ" مقدَّراً، قاله الفارسيُّ، محتجًّا بأنَّه يلزمُ من ذلك تخصيصُ علمه بمن في السماوات والأرض، وهو وهمٌ؛ لأنَّه لا يلزمُ من ذكر الشيء نفيُ الحكم عمَّا عداه، وهذا هو الذي يقول الأصوليُّون: إنه مفهومُ اللَّقبِ، ولم يقل به إلاَّ أبو بكرٍ الدَّقَّاق في طائفة قليلة. فصل معنى الآية أنَّ علمه غير مقصورٍ عليكم، ولا على أحوالكم، بل علمه متعلِّق بجميع الموجودات والمعدومات، وبجميع ذرَّات الأرضين، والسَّموات، فيعلم حال كلِّ أحد، ويعلم ما يليقُ به من المصالح والمفاسد، ولهذا جعلهم مختلفين في صورهم، وأحوالهم، وأخلاقهم، وفضَّل بعض النبيين على بعضٍ، وآتى موسى التوراة، وداود الزَّبُور، وعيسى الإنجيل، ولم يبعد أيضاً أن يؤتي محمَّداً صلى الله عليه وسلم القرآن مع تفضيله على الخلق. فإن قيل: ما السَّبب في تخصيص داود بالذكر هاهنا؟. فالجواب من وجوهٍ: الأول: أنَّه تعالى ذكر أنَّه فضَّل بعض النَّبيِّينَ على بعض، ثم قال: {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} يعني أنَّ داود آتاه ملكاً عظيماً، ثم إنَّه تعالى لم يذكر ما آتاه من الملك، وذكر ما آتاه من الكتب؛ تنبيهاً على أنَّ التفضيل الذي ذكره قبل ذلك المراد منه التفضيل بالعلم والدِّين، لا بالمال. والثاني: أنَّ تخصيصه بالذِّكر أنَّه تعالى كتب في الزَّبُور أن محمَّداً خاتم الأنبياء، وأنَّ امَّة محمد خيرُ الأمم - صلوات الله وسلامه عليه -. قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} تفسير : [الأنبياء: 105] وهم محمد وأمته. فإن قيل: هلا عرفه كقوله: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ}. فالجواب أن التنكير ها هنا يدل على تعظيم حاله؛ لأن الزبور عبارة عن المزبور، فكان معناه الكتاب، وكان معنى التنكير أنه كامل في كونه كتاباً. ويجوز أن يكون "زبور" علماً، فإذا دخلت عليه "أل" كقوله: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ} كانت للمْحِ الأصل كعبَّاس والعباس، وفضل والفضل. وقيل: نكَّره هنا دلالة على التبعيض، أي: زبُوراً من الزُّبر، أو زبوراً فيه ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق على القطعة منه زبورٌ، كما يطلق على بعض القرآن، قرآن. الثالث: أنَّ السَّبب في تخصيص داود - صلوات الله عليه - أنَّ كفار قريش ما كانوا أهل نظرٍ وجدلٍ، بل كانوا يرجعون إلى اليهود في استخراج الشُّبهات، واليهود كانوا يقولون: لا نبيَّ بعد موسى، ولا كتاب بعد التَّوراة، فنقض الله عليهم كلامهم بإنزالِ الزَّبُور على داود، وتقدَّم خلافُ القراء في الزبور في آخر سورة النساء. قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم}: مفعولا الزَّعم محذوفان؛ لفهم المعنى، أي: زعمتموهم آلهة، وحذفهما اختصاراً جائزٌ، واقتصاراً فيه خلاف. فصل في سبب نزول الآية قال المفسرون: إن المشركين أصابهم قحطٌ شديدٌ؛ حتَّى أكلوا الكلاب والجيفَ واستغاثوا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم ليدعو لهم، قال الله تعالى {قُلِ} للمشركين {ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم} أنها آلهة من دونه. واعلم أنه ليس المراد الأصنام؛ لأنَّه تعالى قال في صفتهم: {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} تفسير : [الإسراء: 57] وابتغاءُ الوسيلة إلى الله تعالى لا يليق بالأصنام البتَّة، وإذا ثبت هذا، فنقول: إنَّ قوماً عبدوا الملائكة، فنزلت هذه الآية فيهم. وقال ابن عبَّاس رضي الله عنه ومجاهدٌ: إنَّها نزلت في الذين عبدوا المسيح، وعزيراً، والملائكة، و الشمس، والقمر، والنجوم. وقيل: إنَّ قوماً عبدوا نفراً من الجنِّ، فأسلم النَّفر، وبقي أولئك الناس متمسِّكين بعبادتهم، فنزلت فيهم الآية. قال ابن عباس: كل موضعٍ في كتاب الله ورد فيه لفظ الزعم، فهو كذبٌ. ثم إنَّه تعالى احتجَّ على فساد مذهب هؤلاء بأنَّ الإله المعبود هو القادر على إزالةِ الضرر، وإيصال النفع وهذه الأشياء التي يعبدونها، وهي الملائكة، والجنُّ، والمسيحُ، وعزيرٌ لا يقدرون على كشف الضرِّ، ولا على تحصيل النَّفع، فما الدليل على أنَّ الأمر كذلك؟ فإن قلتم: لأنَّا نرى أولئك الكفَّار يتضرَّعون إليها، ولا تحصل الإجابة. قلنا: ونرى أيضاً المسلمين يتضرَّعون إلى الله تعالى، ولا تحصل الإجابة والمسلمون يقولون بأجمعهم: إنَّ القدرة على كشف الضرِّ، وتحصيل النفع ليست إلاَّ لله تعالى، وعلى هذا التقدير، فالدليل غير تامٍّ. فالجواب: أنَّ الدليل تامٌّ كاملٌ؛ لأنَّ الكفار كانوا مقرِّين بأنَّ الملائكة عباد الله تعالى، وخالق الملائكة، وخالق العالم لا بدَّ وأن يكون أقدر من الملائكة، وأقوى منهم، وأكمل حالاً منهم. وإذا ثبت هذا، فنقول: كمال قدرة الله معلوم متفقٌ عليه، وكمال قدرة غير الله غير معلوم، ولا متفقٍ عليه، بل المتَّفق عليه أنَّ قدرتهم بالنِّسبة إلى قدرة الله تعالى قليلٌة حقيرةٌ، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون الاشتغال بعبادة الله أولى من الاشتغال بعبادة الملائكة؛ لأنَّ استحقاق الله العبادة معلومٌ، وكون الملك كذلك مجهولٌ؛ والأخذ بالمعلوم أولى، وسلك المتكلِّمون من أهل السنَّة طريقة أخرى، وهو أنَّهم أقاموا الحجة العقليَّة على أنَّه لا موجد إلاَّ الله تعالى، ولا يخرج الشيء من العدم إلى الوجود إلا الله، وإذا ثبت ذلك ثبت أنه لا ضارَّ ولا نافع إلا الله تعالى، فوجب القطع بأنه لا معبود إلا الله تعالى، وهذه الطريقة لا تتم للمعتزلة، لأنهم لما جوزوا كون العبد موجداً لأفعاله امتنع عليهم الاستدلال على أن الملائكة - عليهم السلام - لا قدرة لها على الإحياء والإماتة، وخلق الجسم، وإذا عجزوا عن ذلك، لا يتمُّ لهم هذا الدليلُ، فهذا هو الدليل القاطع على صحَّة قوله: {فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً}، والتحويلُ عبارة عن النَّقل من حالٍ إلى حالٍ، ومن مكانٍ إلى مكانٍ، يقال: حوَّله، فتحوَّل. قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ}: "أولئك" مبتدأ، وفي خبره وجهان: أظهرهما: أنّه الجملة من "يَبْتغُونَ" ويكون الموصولُ نعتاً، أو بياناً أو بدلاً، والمراد باسم الإشارة الأنبياء أو الملائكة الذين عبدوا من دون الله، والمراد بالواو العبَّاد لهم، ويكون العائدُ على "الَّذينَ" محذوفاً، والمعنى: أولئك الأنبياء الذين يدعونهم المشركون، لكشف ضرِّهم - أو يدعونهم آلهة، فمفعولها أو مفعولاها محذوفان - يبتغون. ويجوز أن يكون المراد بالواو ما أريد بأولئك، أي: أولئك الأنبياء الذين يدعون ربَّهم أو النَّاس إلى الهدى يبتغون، فمفعول "يَدْعُونَ" محذوف. والثاني: أن الخبر نفسُ الموصول، و "يَبْتَغُون" على هذا حالٌ من فاعل "يَدْعُون" أو بدلٌ منه. وقرأ العامة "يَدعُونَ" بالغيب، وقد تقدَّم الخلاف في الواو؛ هل تعود على الأنبياء أو على عابديهم، وزيد بن عليٍّ بالغيبة أيضاً، إلا أنه بناه للمفعول، وقتادة، وابن مسعود بتاء الخطاب، وهاتان القراءتان تقوِّيان أنَّ الواو للمشركين، لا للأنبياء في قراءة العامة. فصل إذا أعدنا "يَدْعُونَ" للعابدين، و "يَبْتَغُونَ" للمعبودين، فالمعنى: أولئك المعبودون يبتغون إلى ربِّهم الوسيلة؛ لأنَّ الملائكة يرجعون إلى الله في طلبِ المنافع، ودفع المضارِّ، يرجون رحمته، ويخافون عذابه، وإذا كانوا كذلك، كانوا عاجزين محتاجين، والله - تعالى - أغنى الأغنياء، فكان الاشتغال [بعبادته] أولى. فإن قيل: لا نسلِّم أنَّ الملائكة محتاجون إلى رحمة الله تعالى، وخائفون من عذابه. فالجواب: أنَّ الملائكة: إمَّا أن يقال: إنَّها واجبة الوجود لذواتها، أو يقال: إنَّها ممكنة الوجود لذواتها، والأول باطلٌ؛ لأن جميع الكفَّار كانوا معترفين بأن الملائكة عبادُ الله، ومحتاجون إليه. وأما الثاني: فهو يوجب القول بأنَّ الملائكة محتاجون في ذواتها، وفي كمالاتها إلى الله تعالى، فكان الاشتغالُ بعبادة الله تعالى أولى من الاشتغال بعبادةِ الملائكة. وإن أعدنا "يَدْعُونَ" إلى الأنبياء - عليهم السلام - المذكورين في قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ} فالمعنى هو أنَّ الذي عظمت منزلتهم - وهم الأنبياء - لا يعبدون إلا الله تعالى، ولا يبتغون الوسيلة إلاَّ إليه، فأنتم بالاقتداءِ بهم أحق، فلا تعبدوا غير الله - عزَّ وجلَّ - والمراد بالوسيلةِ: الدَّرجةُ العليا. وقيل: كل ما يتقرَّب إلى الله تعالى. واحتجُّوا على صحَّة هذا القول بأنَّ الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، فلا يخافون عذابه، فثبت أنَّ هذا غير لائقٍ بالملائكةِ، وإنما هو لائقٌ بالأنبياء - صلوات الله عليهم -. وأجيب بأنَّ الملائكة يخافون من عذاب الله، لو اقدموا على الذنب، قال تعالى: {أية : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ}تفسير : [الأنبياء: 29] وقال تعالى: {أية : يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ} تفسير : [النحل: 50] ثم قال عزَّ وجلَّ: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} أي من حقِّه أن يحذر، فإن لم يحذره بعض الناس لجهله، فإنَّه لا يخرج عن كونه يجب الحذر عنه. قوله تعالى: {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} في "أيُّ" هذه وجهان: أحدهما: أنها استفهامية. والثاني: أنها موصولة بمعنى "الَّذي" وإنما كثر كلام المعربين فيها من حيث التقدير، فقال الزمخشريُّ: "وأيُّهم بدلٌ من واو "يَبْتَغُونَ" و "أيُّ" موصولة، أي: يبتغي من هو أقربُ منهم وأزلفُ، أو ضمِّن "يَبْتغُونَ الوسيلة" معنى يحرصون، فكأنه قيل: يحرصون أيهم يكون أقرب". فجعلها في الوجه الأول موصولة، وصلتها جملة من مبتدأ وخبر، حذف المبتدأ، وهو عائدها، و "أقْرَبُ" خبرٌ. واحتملت "أيُّ" حينئذٍ أن تكون مبنية، وهو الأكثر فيها، وأن تكون معربة، وسيأتي موضعه في مريم: [69] إن شاء الله تعالى وفي الثاني جعلها استفهامية؛ بدليل أنه ضمَّن الابتغاء معنى شيء تعلق، وهو يحرصون، فيكون "أيُّهُمْ" مبتدأ و "أقربُ" خبره، والجملة في محلِّ نصب على إسقاط الخافض؛ لأنَّ "تحْرِصُ" يتعدَّى بـ "على" قال تعالى: {أية : إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ} تفسير : [النحل: 37]، {أية : أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَٰوةٍ} تفسير : [البقرة: 96]. وقال أبو البقاء: "أيُّهُمْ" مبتدأ، و "أقْرَبُ" خبره، وهو استفهامُ في موضع نصبٍ بـ "يَدْعُونَ"، ويجوز أن يكون "أيُّهُمْ" بمعنى الذي، وهو بدلٌ من الضمير في "يَدعُونَ". قال أبو حيان: "علَّق "يَدْعُونَ" وهو ليس فعلاً قلبيًّا، وفي الثاني فصل بين الصلة ومعمولها بالجملة الحاليَّة، ولا يضرُّ ذلك، لأنَّها معمولة للصِّلة". قال شهاب الدين: أمَّا كون "يَدْعُونَ" لا يعلق، هو مذهب الجمهور، وقال يونس: يجوز تعليق الأفعال مطلقاً، القلبية وغيرها، وأمَّا قوله "فصل بالجملة الحالية" يعني بها "يَبْتَغُونَ" فصل بها بين "يَدعُونَ" الذي هو صلة "الَّذينَ" وبين معموله، وهو "أيُّهم أقْرَبُ" لأنه معلَّقٌ عنه، كما عرفته، إلا أنَّ الشيخ لم يتقدَّم في كلامه إعرابُ "يَبْتغُونَ" حالاً، بل لم يعربها إلاَّ خبراً للموصول، وهذا قريبٌ. وجعل أبو البقاء أيًّا الموصولة بدلاً من واو "يَدْعُونَ"، ولم أرَ أحداً وافقه على ذلك، بل كلُّهم يجعلونها من واو "يَبْتَغُونَ" وهو الظاهر. وقال الحوفي- رحمه الله -: "أيُّهم أقربُ" ابتداء وخبر، والمعنى: ينظرون أيُّهم أقرب، فيتوسَّلون به، ويجوز أن يكون "أيهم أقرب" بدلاً من واو "يَبْتَغُون". قال شهاب الدين: فقد أضمر فعلاً معلقاً، وهو ينظرون فإن كان من نظر البصرِ، تعدَّى بـ "إلى" وإن كان من نظر الفكر، تعدَّى بـ "في" فعلى التقديرين: الجملة الاستفهامية في موضع نصبٍ بإسقاطِ الخافض، وهذا إضمارُ ما لا حاجة إليه. وقال ابن عطية: "وأيُّهُمْ ابتداء، و "أقْرَبُ" خبره، والتقدير: نظرهم ووكدهم أيهم أقرب، ومنه قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه-: "فبات النَّاس يدُوكُونَ أيُّهمْ يُعطَاهَا"، أي: يتبارون في القرب". قال أبو حيان: "فَجَعلَ المحذوف "نظرُهمْ ووكْدهُمْ" وهذا مبتدأ، فإن جعلت "أيُّهمْ أقربُ" في موضع نصب بـ "نَظرُهُمْ" بقي المبتدأ بلا خبر، فيحتاج إلى إضمار خبر، وإن جعلت "أيُّهم أقربُ" الخبر، لم يصحَّ؛ لأنَّ نظرهم ليس هو "أيُّهم أقربُ" وإن جعلت التقدير: "نَظرهُمْ في أيهم أقربُ" أي: كائنٌ أو حاصلٌ، لم يصحَّ ذلك؛ لأنَّ كائناً وحاصلاً ليس ممَّا يعلَّق". فقد تحصَّل في الآية الكريمة ستَّة أوجه: أربعة حال جعل "أيّ" استفهاماً: الأول: أنها معلِّقة للوسيلة، كما قرَّره الزمخشريُّ. الثاني: أنها معلّقة لـ "يَدعُونَ" كما قاله أبو البقاء. الثالث: أنها معلقة لـ "يَنْظُرونَ" مقدراً، كما قاله الحوفيُّ. الرابع: أنها معلقة لـ "نَظرُهمْ" كما قدَّره ابن عطيَّة. واثنان حال جعلها موصولة: الأول: البدل من واو "يَدعُونَ" كما قاله أبو البقاء. الثاني: أنها بدلٌ من واو "يَبْتغُونَ" كما قاله الجمهور.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض‏}‏ قال‏:‏ اتخذ الله إبراهيم خليلاً، وكلم موسى تكليماً، وجعل عيسى كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فكان، وهو عبد الله ورسوله من كلمة الله وروحه، وآتى سليمان ملكاً عظيماً لا ينبغي لأحد من بعده، وآتى داود زبوراً، وغفر لمحمد صلى الله عليه وسلم ما تقدم من ذنبه وما تأخر‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض‏}‏ قال‏:‏ كلم الله موسى، وأرسل محمداً إلى الناس كافة‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏وآتينا داود زبورا‏ً}‏ قال‏:‏ كنا نحدث أنه دعاء علمه داود وتحميد أو تمجيد الله عز وجل ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ الزبور ثناء على الله ودعاء وتسبيح‏. وأخرج أحمد في الزهد، عن عبد الرحمن بن مردويه قال‏:‏ في زبور آل داود ثلاثة أحرف‏:‏ طوبى لرجل لا يسلك سبيل الخطائين، وطوبى لمن لم يأتمر بأمر الظالمين، وطوبى من لم يجالس البطالين‏. وأخرج أحمد في الزهد، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال‏:‏ في أول شيء من مزامير داود عليه السلام‏:‏ طوبى لرجل لا يسلك طريق الخطائين ولم يجالس البطالين، ويستقيم على عبادة ربه عز وجل، فمثله كمثل شجرة نابتة على ساقية لا يزال فيها الماء يفضل ثمرها في زمان الثمار، ولا تزال خضراء في غير زمان الثمار‏. وأخرج أحمد، عن مالك بن دينار رضي الله عنه قال‏:‏ قرأت في بعض زبور داود - عليه السلام - تساقطت القرى وأبطل ذكرهم، وأنا دائم الدهر مقعد كرسي للقضاء‏.‏ وأخرج أحمد، عن وهب رضي الله عنه قال‏:‏ وجدت في كتاب داود - عليه السلام - أن الله تبارك وتعالى يقول‏:‏ ‏"‏بعزتي وجلالي إنه من أهان لي ولياً، فقد بارزني بالمحاربة، وما ترددت عن شيء أريد، ترددي عن موت المؤمن، قد علمت أنه يكره الموت ولا بد له منه، وأنا أكره أن أسوءه‏"‏ قال‏:‏ وقرأت في كتاب آخر‏:‏ ان الله تبارك وتعالى يقول‏:‏ ‏"‏كفاني لعبدي مالاً إذا كان عبدي في طاعتي أعطيته قبل أن يسألني، واستجبت له من قبل أن يدعوني، فإني أعلم بحاجته التي ترفق به من نفسه‏"‏ قال‏:‏ وقرأت في كتاب آخر‏:‏ إن الله عز وجل يقول‏:‏ ‏"‏بعزتي إنه من اعتصم بي وإن كادته السموات بمن فيهن، والأرضون بمن فيهن، فإني أجعل له من بين ذلك مخرجاً، ومن لم يعتصم بي، فإني أقطع يديه من أسباب السماء، وأخسف به من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء، ثم أكله إلى نفسه‏"‏‏. وأخرج أحمد، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال‏:‏ في حكمة آل داود, وحق على العاقل أن لا يشتغل عن أربع ساعات‏:‏ ساعة يناجي ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفضي فيها إلى اخوانه الذين يخبرونه بعيوبه، ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن هذه الساعات‏:‏ عون على هذه الساعات، وإجماع للقلوب، وحق على العاقل أن يكون عارفاً بزمانه، حافظاً للسانه، مقبلاً على شأنه، وحق على العاقل أن لا يظعن إلا في احدى ثلاث‏:‏ زاد لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد، عن خالد الربعي رضي الله عنه قال‏:‏ وجدت فاتحة الزبور الذي يقال له‏:‏ زبور داود عليه السلام - أن رأس الحكمة خشية الله تعالى‏.‏ وأخرج أحمد، عن أيوب الفلسطيني رضي الله عنه قال‏:‏ مكتوب في مزامير داود عليه السلام: ‏"‏أتدري لمن أغفر قال‏:‏ لمن يا رب‏؟‏ قال‏:‏ للذي إذا أذنب ذنباً ارتعدت لذلك مفاصله، فذلك الذي آمر ملائكتي أن لا يكتبوا عليه ذلك الذنب‏"‏‏.‏ وأخرج أحمد عن مالك بن دينار رضي الله عنه قال‏:‏ مكتوب في الزبور، بطلت الامانة، والرجل مع صاحبه بشفتين مختلفتين، يهلك الله عز وجل كل ذي شفتين مختلفتين‏.‏ قال‏:‏ ومكتوب في الزبور، بنار المنافق تحترق المدينة‏. وأخرج أحمد، عن مالك بن دينار رضي الله عنه قال‏:‏ مكتوب في الزبور - وهو أول الزبور - ‏"‏طوبى لمن لم يسلك سبيل الأثمة، ولم يجالس الخطائين، ولم يفيء في هم المستهزئين، ولكن همه سنة الله عز وجل، وإياها يتعلم بالليل والنهار، مثله مثل شجرة تنبت على شط تؤتي ثمرتها في حينها، ولا يتناثر من ورقها شيء، وكل عمله بأمري، ليس ذلك مثل عمل المنافقين‏"‏‏. وأخرج أحمد عن مالك بن دينار رضي الله عنه قال‏:‏ قرأت في الزبور بكبر المنافق يحترق المسكين‏. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال‏:‏ قرأت في آخر زبور داود - عليه الصلاة والسلام - ثلاثين سطراً ‏"‏يا داود هل تدري أي المؤمنين أحب إلي أن أطيل حياته‏؟‏ الذي إذا قال لا إله إلا الله اقشعر جلده، وإني أكره لذلك الموت كما تكره الوالدة لولدها، ولا بد له منه، إني أريد أن أسره في دار سوى هذه الدار، فإن نعيمها بلاء، ورخاءها شدة، فيها عدو لا يألوهم خبالاً يجري منه مجرى الدم، من أجل ذلك عجلت أوليائي إلى الجنة‏. وأخرج ابن أبي شيبة، عن مالك بن مغول قال‏:‏ في زبور داود مكتوب ‏"‏إني أنا الله لا إله إلا أنا ملك الملوك قلوب الملوك بيدي، فأيما قوم كانوا على طاعة جعلت الملوك عليهم رحمة، وأيما قوم كانوا على معصية، جعلت الملوك عليهم نقمة، لا تشغلوا أنفسكم بسبب الملوك، ولا تتوبوا إليهم، توبوا إليَّ أعطف قلوبهم عليكم‏"‏‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ} [الآية: 55]. قال محمد بن الفضل: تفضيل الأنبياء بالخصائص كالخُلة والكلام، والمعراج، وغير ذلك، فضل البعض منهم على البعض صلى الله عليهم أجمعين، وفضل محمدًا صلى الله عليه وسلم على الجميع ألا تراه يقول: أنا سيد ولد آدم ولا فخر، كيف أفتخر بهذا وأنا بائن منهم بحالى واقف مع الله بحسن الأدب لو كنت مفتخرًا لافتخرت بالحق، والقرب، والدنو منه. فكما لم أفتخر بمحل الدنو والقرب كيف أفتخر بسيادة الأجناس؟.

اسماعيل حقي

تفسير : {وربك اعلم بمن فى السموات والارض} وتفاصيل احوالهم الظاهرة والباطنة التى بها يستأهلون الاصطفاء والاجتباء فيختار منهم لنبوته وولايته من يستحقه وهو رد لاستبعاد قريش ان يكون يتيم ابى طالب نبيا وان يكون العراة الجوع اصحابه كصهيب وبلال وخباب وغيرهم دون ان يكون ذلك فى بعض الاكابر والصناديد وذكر من فى السموات ابطال قولهم {لولا انزل علينا الملائكة} وذكر من فى الارض لرد قولهم {أية : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}تفسير : اى من احدى القريتين مكة والطائف كالوليد بن المغيرة المخزومى وعروة بن مسعود الثقفى وقيل غيرهما. وفى التأويلات هو اعلم بمن جعل منهم مظهر صفة لطفه ومن جعل منهم مظهر صفة قهره فى السموات كالملائكة وابليس والارض كالمؤمنين والكافرين {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} قال البيضاوى وتبعه ابو السعود اى بالفضائل النفسانية والتبرى من العلائق الجسمانية لا بكثرة الاموال والاتباع حتى داود فانه شرفه بما اوحى اليه من الكتاب لا بما اوتى من الملك انتهى. يقول الفقير هذا صريح فى انهم متفاضلون فى معنى التبرى من العلائق الجسمانية وهو خطأ فان تفاضلهم فىذلك انما هو على من عداهم من افراد الامة لا على اخوانهم الانبياء وتحقيقه انه ليس فيهم العلائق الروحانية لمنافاتها الوصول الى الله تعالى والاخذ من عالم القدس ولذا قالوا باب العلم بالله لا ينفتح وفى القلب لمحة للعالم باسره الملك والملكوت واما العلائق الجسمانية كالملك وكثرة الازواج والاولاد ونحو ذلك فهى وعدمها سواء بالنسبة اليهم فعيسى ويحيى عليهما السلام مع ما هما عليه من الزهد والتجرد لا فضلية لهما فى ذلك على داود وسليمان عليهما السلام مع ما هما عليه من الملك وكثرة الازواج واسناد العلاقة اليهم ولو صورة ليس من الادب فالوجه ان التفضيل انما هو بالكتاب والرسالة والخلة والتكليم والمعراج والرؤية والشفاعة ونحو ذلك كما قال تعالى {أية : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله}تفسير : الآية والقرآن يفسر بعضه بعضا. قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر فضل سليمان عليه السلام بالظهور بمجموع الملك وعيسى بالكلام فى المهد والتأييد بروح القدس واحياء الموتى وخلق الطين طيرا بالاذن ونحو ذلك وموسى بالتكليم واليد والعصا وفرق البحر وانفجار الحجر ونحوها وفضل صالح بخروج ناقة من الحجر ونحوها وهود بالريح العقيم وابراهيم بالنجاة من النار ونحو ذلك ويوسف بالجمال وتأويل الرؤيا ولما تفاضل استعدادهم لتمام التجلى من حيث النبوة تفاضلوا ايضا فانه ليس فى الوجود الا متغذ مرزوق وقد فضل الله بعض المرزوقين على بعض والرزق حسى للجسوم وعقلى للارواح كالعلوم فاما من حيث ولايتهم الذاتية واستنادهم الى الله تعالى فهم نفس واحدة فلا فاضل ولا مفضول ولذا قال عليه السلام "حديث : لا تفضلونى بين الانبياء"تفسير : {وآتينا داود زبورا} فضيلا له كان زبور داود مائة وخمسين سورة ليس فيها حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود بل تمجيد وتحميد ودعاء نكر زبورا هنا وعرفه فى الانبياء حيث قال {ولقد كتبنا فى الزبور} لانهما واحد كعباس والعباس. وفى التأويلات النجمية قوله {أية : ولقد فضلنا}تفسير : الآية يشير الى ان الحكمة الازلية اقتضت ارتفاع درجات المقبولين واتضاع دركات المردودين فانهما مظاهر صفة اللطف والقهر ولكل واحد من اللطف والقهر نصيب منه حكمة بالغة فى اظهار كمالات اللطف والقهر من الازل الى الابد وفضلنا الانبياء بعضهم على بعض بارتفاع المكان فى القربة وقبول اثر نظر العناية على حسب سرايته فى الامة وخيريتها ألا ترى انه عليه السلام لما كان افضل الانبياء كانت امته خير الامم وكتابه افضل الكتب ففى قوله {وآتينا داود زبورا} اشارة الى ان فضل النبى صلى الله عليه وسلم على داود بقدر فضل القرآن على الزبور انتهى. وقد نعت الله نبينا عليه السلام وامته المرحومة فى جميع الكتب المتقدمة شعر : اى وصف تو در كتاب موسى وى نعت تو در زبور داود مقصود تويى ز آفرينش باقى بطفيل تست موجود تفسير : وفضله الله بكثرة الاتباع ايضا كما قال عليه السلام "حديث : اهل الجنة عشرون ومائة صف ثمانون منها امتى " تفسير : وفى جامع الاصول عن الزهرى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال حديث : جلس ناس من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتذاكرون وهم ينتظرون خروجه فخرج حتى دنا منهم فسمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم فقال بعضهم عجبا ان الله تعالى اتخذ من خلقه خليلا اتخذ ابراهيم خليلا وقال آخر ماذا باعجب من كلام موسى كلمة تكليما وقال آخر ماذا باعجب من جعل عيسى كلمة الله وروحه فقال آخر ما باعجب من ادم اصطفاه الله عليهم فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم على اصحابه وقال "قد سمعت كلامكم واعجبكم ان ابراهيم خليل الله وهو كذلك وان موسى نجى الله وهو كذلك وان عيسى روح الله وكلمته وهو كذلك وان آدم اصطفاه الله وهو كذلك ألا وانا حبيب الله ولا فخر وانا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر وانا اكرم الاولين والآخرين على الله ولا فخر وانا اول من يحرك حلقة الجنة فيفتح الله فادخلها ومعى فقراء المهاجرين ولا فخر"تفسير : وفى الحديث "حديث : ان الله اختارنى على الانبياء واختار اصحابى على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين واختار من اصحابى اربعا ابا بكر وعمر وعثمان وعليا"تفسير : رضى الله عنهم كما فى بحر العلوم: قال المولى الجامعى قدس سره شعر : خدا بر سروران سرداريش داد ز خيل انبيا سا لا ريش داد بى ديوار ايمان بود كارش شد اورا جار ركن از جار يارش تفسير : فكما ان البيت يقوم بالاركان الاربعة فكذا الدين يقوم بالخلفاء الاربعة ولذلك قال عليه السلام "حديث : عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى"تفسير : لانهم اصول بالنسبة الى من عداهم من المؤمنين.

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى لنبيه {إِن ربّك} يا محمد {أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} وانما قال ذلك ليدل على أن تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض وقع موقع الحكمة، لأنه من عالم بباطن الأمور، واذا ذكر ما هو معلوم فانما يذكره ليدل به على غيره والانبياء وان كانوا في أعلى مراتب الفضل، لهم طبقات بعضهم أعلى من بعض، وإِن كانت المرتبة الوسطى لا تلحق العليا ولا يلحق مرتبة النبي من ليس بنبيّ أبداً. وقوله {وآتينا داود زبوراً} اي خصصناه بالذكر، وفيه لغتان فتح الزاي، وضمها. والفتح أفصح. ثم قال لنبيه {قل} لهم {ادعوا الذين زعمتم من دونه} يعني الذين زعمتم انهم أرباب وآلهة من دون الله ادعوهم اذا نزل بكم ضرر، فانظروا هل يقدرون على دفع ذلك ام لا. وقال ابن عباس والحسن {الذين من دونه} الملائكة والمسيح وعزير. وقال ابن مسعود: أراد به ما كانوا يعبدون من الجن: وقد أسلم اولئك النفر من الجن لان جماعة من العرب كانوا يعبدون الجن، فأسلم الجن وبقي الكفار على عبادتهم. وقال أبو علي: رجع الى ذكر الانبياء في الآية الاولى. والتقدير إِن الأنبياء يدعون الى الله يطلبون بذلك الزلفة لديه ويتوسلون به اليه والى رضوانه وثوابه، أيُّهم كان أفضل عند الله، واشد تقرباً اليه بالأعمال. ثم قال {فلا يملكون} يعني الذين تدعون من دون الله {كشف الضر} والبلاء {عنكم} ولا تحويله الى سواكم. ثم قال {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربّهم الوسيلة أيّهم أقرب...} الاية قوله {أولئك} رفع بالابتداء و {الذين} صفة لهم و {يبتغون إلى ربهم} خبر الابتداء. والمعنى الجماعة الذين يدعون يبتغون الى ربهم {أيهم} رفع بالإبتداء و {أقرب} خبره. والمعنى يطلبون الوسيلة ينظرون ايهم اقرب فيتوسلون به، ذكره الزجاج. وقال قوم: الوسيلة هي القرية والزلفة. وقال الزجاج: الوسيلة والسؤال والسؤل والطلبة واحد، والمعنى إِن هؤلاء المشركين يدعون هؤلاء الذين اعتقدوا فيهم انهم ارباب ويبتغي المدعوون أرباباً الى ربِّهم القربة والزلفة لأنهم اهل إِيمان به. والمشركون بالله يعبدونهم من دون الله، ايهم اقرب عند الله بصالح اعماله واجتهاده في عبادته، فهم يرجون بأفعالهم رحمته ويخافون عذابه بخلافهم إِياه {إِن عذاب ربك كان محذوراً} اي متقى.

الجنابذي

تفسير : {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فيهدى من يستأهل للهداية ويضلّ من يستحقّ الضّلالة فما لك تحرص على هديهم او تحزن على ضلالتهم بل عليك التّكلان عليه والرّضا بفعله، ويعلم ايضاً من يستأهل للنّبوّة ومن لا يستأهل، ومن يستحقّ من الانبياء كمال النّبوّة ومن لا يستحقّ، ومن يستأهل للخلافة والولاية ومن لا يستأهل؛ فمالهم يتكلّمون فى النّيوّة وينكرون نبوّتك لكونك يتيماً غير ذى مالٍ او يتكلّمون فى الخلافة وينكرون خلافة علىٍّ (ع) {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ} ممّن يعتقدون نبوّتهم فما لهم ينكرون تفضيلك على بعض الانبياء (ع) {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} فما لهم ينكرون نزول القرآن عليك منّا. "حديث : روى عن النّبىّ (ص) انّ الله فضّل انبياءه المرسلين (ع) على ملائكته المقرّبين (ع) وفضّلنى على جميع النّبيّين والمرسلين (ع)، والفضل بعدى لك يا علىّ (ع) وللائمّة من ولدك (ع)، وانّ الملائكة لخدّامنا وخدّام محبّينا ".

اطفيش

تفسير : {وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن فِى السَّمَٰوَاتِ والأَرْضِ} أى بأَحوال من فيهن وبمن يتأَهل للنبوة وذلك رد على قريش فى استبعادهم أن يكون يتيم أبى طالب - صلى الله عليه وسلم - نبياً وأن يكون العراة الجوع أصحابه كصهيب وبلال وخباب وغيرهم دون أن يكون ذلك فى أكابرهم وأشرافهم {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ} بالخصال الدينية الراسخة فى نفوسهم والإِخلاص عن علائق الجسم الدنية وبالكرامات كموسى بالكلام، وإِبراهيم بالخلة، ومحمد بالإِسراء التام والمحبة لا بكثرة المال والأتباع وعظم الملك، حتى داود وابنه سليمان فإِن شرف داود بالزبور وشرف ابنه بالخضوع الموضوع فى قلبه إلا بالملك، وقيل المراد التفضيل بالنعم الدينية والدنيوية والجسمية لتأَهلهم لها فيدخل فى ذلك خلق عيسى بلا أب وإِبراؤه الأَكمه والأَبرص وإِحياءه الموتى بإِذن الله سبحانه وإيتاءِ سليمان ملكاً لا ينبغى لغيره، وقيل إن ذلك تلويح وإشارة إِلى تفضيل سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وقوله {وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً} بيان لتفضيله بأَن أُوتى داود كتاباً عظيماً تضمن أنه آخر الأنبياء وخيرهم وأُمته خير الأُمم، وأنهم عباد صالحون يرثون الأَرض، ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأَرض يرثها عبادى الصالحون، وخص داود بالذكر لأَنه أعطى الملك مع النبوة والزبور ليذكره بالكتاب تنبيها على أن التفضيل بالدين لا بالدنيا ولأَنه ذكر فى الزبور أن محمداً خاتم النبيين وغير ذلك مما مر، ولأَن اليهود زعمت أنه لا نبى بعد موسى، ولا كتاب بعد التوراة فكذبهم الله عز وجل أن داود رسول الله وأنه أنزل عليه الزبور وأن محمد رسول وذكره فيه ولم يبعد أن يفضل الله الرحمن الرحيم محمداً - صلى الله عليه وسلم - على جميع الخلائق، فضل الله يؤتيه من يشاء وتنكير زبور للتعظيم بناء على أن ال فى الزبور للتعريف وإِن قلنا إن زبوراً علم بدون ال، قال فيه إِذا دخلته للمح الأَصل، لأَنه فى الأَصل اسم جنس فكل كتاب زبور فهو كالنعمان ونعمان ولأَنه فى الأَصل وصف بمعنى مفعول كحلوب بمعنى محلوبة وركوب بمعنى مركوبة فهو كالعباس، وعباس أو لأَنه مصدر كالفضل وفضل فيكون فى الأَصل من المصادر المفتوحة، الأَول على وزن فعول كالقبول، ويؤيده قراءة حمزة بالضم، أو نكرة للتبعيض وخص بعضه بالذكر لأَنه البعض المذكور به نبينا - صلى الله عليه وسلم - أو سمى ذلك البعض باسم الكتاب كما يسمى بعض القرآن قرآناً. قال قتادة: الزبور مواعظ ودعاء، عمله الله لداود - كما ذكره الشيخ هود - وثناء على الله سبحانه وتمجيد ليس فيه حلال وحرام وفرائض وحدود وأحكام وهو مائة وخمسون سورة.

اطفيش

تفسير : {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِى السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ} هو أعلم من أنفسهم بهم، وبأحوالهم فيختار لنبوءته وولايته من يصلى، ولو كان يتيماً فقيراً، ولصحابته مَن يصلح لها، ولو حفاة عراة كما قال عز وجل: "أية : الله أعلم حيث يجعل رسالته" تفسير : [الأنعام: 124] وكانوا يقولون: هو يتيم أبى طالب وأصحابه حفاة عراة جُوع "أية : لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم" تفسير : [الزخرف: 31] وذلك كلام منهم منكر، وأفتى بعض المالكية بقتل قائلها، قال فى الشفاء: من قال يتيم أبى طالب قتل. {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ} كإبراهيم بالخلة، وموسى بالكلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم بالإسراء، وداود بالزبور. {عَلَى بَعْضٍ} بالفضائل النفسانية، والعلوم الدينية لا بالمال وسعة لذلك، وكثرة الأصحاب وقوتهم، وعدم اليتم كما فضلنا محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأمته على سائر الأنبياء والأمم، كما قال عز وجل: "أية : ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادىَ الصالحون" تفسير : [الأنبياء: 105] وهم الأنبياء صلى الله عليه وعليهم وسلم وأمته ولذلك قال: ولقول اليهود لا نبى ولا كتاب بعد موسى والتوراة. {وآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا} فيه ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وأُمته بأمر الدين كما أن فضل داود بالزبور، لا بما أوتى من الملك، وحُسن الصوت، وكثرة الأتباع، ولو كان بالمال وسعة الملك لكان سليمان أحق بالتفضيل، ولم يشهر أن داود ممن وصف بعظم حسن الصورة، والأمة خير الأمم، لكون نبيها خير الأنبياء، وكونها خير الأمم بنص القرآن وقد قيل بعض النبيين فى الآية هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وزبوراً بمعنى مزبور أى مكتوب، أو عظيم الزبر كصبور، ويضعف أنه مصدر فىالأصل للتأكيد، كأنه نفس الزجر أو الكتابة، كالقبول بالفتح، لأن مفعولا الذى هو مصدر محصور فى ألفاظ قليلة، لم يذكروا فيها زبوراً، واسم كتاب داود زبور بدون أل، وإذا دخلت عليه أل كقوله تعالى: "أية : ولقد كتبنا فى الزبور"تفسير : [الأنبياء: 105] فللمح الأصل، وإن قلنا اسمه الزبور بأل فزبور بدونها تلويح لأصله الذى هو نكرة، فجاء بصيغة التنكير للتعظيم، أو لأن المعنى قطعة منه، ذكر فيها فضل محمد صلى الله عليه وسلم وأمته على غيرهم، أو المعنى كتاب من الكتب، فزبور نكرة لا علم ذكر فيه محمد أو أصحابه، قيل: هو مائة وخمسون سورة أطولها قدر ربع القرآن، وأقصرها قدر سورة: "أية : إِذا جاء نصر الله" تفسير : [النصر: 1] وهذا غير معهود بين الناس والمشهور خلافه، والله أعلم. ولعل أهل الكتاب اختصروه، وليس فيه حلال ولا حرام، ولا فرض ولا حكم، ولا حد، بل مواعظ ودعاء لله، وتحميد وتسبيح، و فى جملة ما فيه: أنا الله لا إِله إِلا أنا مالك الملوك، قلوبهم بيدى، فمن أطاعنى جعلتهم له رحمة، ومن عصانى جعلتهم عليه نقمة، فلا تشتغلوا بسببهم، فتوبوا إِلىَّ لا إِليهم، أعطف قلوبهم عليكم.

الالوسي

تفسير : {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} وبأحوالهم الظاهرة والباطنة فيختار منهم لنبوته وولايته من يشاء ممن تراه حكمته أهلاً لذلك وهو رد عليه إذ قالوا: بعيد أن يكون يتيم ابن أبـي طالب نبياً وأن يكون العراة الجوع كصهيب وبلال وخباب وغيرهم أصحابه دون أن يكون ذلك من الأكابر والصناديد. وذكر من في السمٰوات لإبطال قولهم {أية : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَٰـئِكَةُ} تفسير : [الفرقان: 21] وذكر من في الأرض لرد قولهم: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] فلا يدل تخصيصهما بالذكر وتعلقهما بأعلم على اختصاص أعلميته تعالى بما ذكر فما قاله أبو علي من أن الجار متعلق بعلم محذوفاً ولا يجوز تعلقه بأعلم لاقتضائه أنه سبحانه ليس بأعلم بغير ذلك ناشيء عن عدم العلم بما ذكرنا على أن أبا حيان أنكر تعدي علم بالباء وإنما يتعدى لواحد بنفسه في مثل هذا الموضع. {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ} بالفضائل النفسانية والمزايا القدسية وإنزال الكتب السماوية لا بكثرة الأموال والأتباع {وَءاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} بيان لحيثية تفضيله عليه الصلاة والسلام وأنه بإيتائه الزبور لا بإيتائه الملك والسلطنة وفيه إيذان بتفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم فإن كونه عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء. وأمته خير الأمم مما تضمنه الزبور وقد أخبر سبحانه عن ذلك بقوله عز قائلاً: {أية : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ} تفسير : [الأنبياء: 105] يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، وأمته ونص بعضهم أن هذا من باب التلميح نحو قصة المنصور وقد وعد الهذلي بعدة فنسيها فلما حجا وأتيا المدينة قال له يوماً وهو يسايره يا أمير المؤمنين هذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص:شعر : يا بيت عاتكة الذي أتغزل تفسير : ففطن لمراده حيث قال ذلك ولم يسأله وعلم أنه يشير إلى قوله في هذه القصيدة:شعر : وأراك تفعل ما تقول وبعضهم مذق اللسان يقول ما لا يفعل تفسير : فأنجز عدته. والزبور في الأصل وصف للمفعول كالحلوب أو مصدر كالقبول. نعم هذا الوزن في المصادر قليل والأكثر ضم الفاء وبه قرأ حمزة وجعله بعضهم على هذه القراءة جمع زبر بكسر الزاي بمعنى مزبور ثم جعل علماً للكتاب المخصوص وليس فيه من الأحكام شيء. أخرج ابن أبـي حاتم عن الربيع بن أنس قال: الزبور ثناء على الله عز وجل ودعاء وتسبيح، وأخرج هو وابن جرير عن قتادة قال: كنا نحدث أن الزبور دعاء علمه داود عليه السلام وتحميد وتمجيد لله عز وجل ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود. والذي تدل عليه بعض الآثار اشتماله على بعض النواهي والأوامر، فقد روى ابن أبـي شيبة أنه مكتوب فيه «إنى أنا الله لا إله إلا أنا ملك الملوك قلوب الملوك بيدي فأيما قوم كانوا على طاعة جعلت الملوك عليهم رحمة وأيما قوم كانوا على معصية جعلت الملوك عليهم نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ولا تتوبوا إليهم وتوبوا إلي أعطف قلوبهم عليكم». و«المزامير» التي يفهم منها الأمر والنهي كثيرة فيه كما لا يخفى على من رآه، ومع هذا الفرق / بينه وبين التوراة ظاهر. ودخول أل عليه في بعض الآيات للمح الأصل وذلك لا ينافي العلمية كما في العباس والفضل. وجوز أن يكون نكرة غير علم ونكر ليفيد أنه بعض من الكتب الإلٰهية أو من مطلق الكتب ولا إشكال أيضاً في دخول أل عليه أي آتيناه زبوراً من الزبر وجوز أن يكون مختصاً بكتاب داود عليه السلام وليس بعلم بل من غلبة اسم الجنس وهو كالقرآن يطلق على المجموع وعلى الأجزاء. وتقدم إفادة التنكير للبعضية في قوله تعالى: {أية : لَيْلاً} تفسير : [الإسراء: 1] فيجوز أن يكون المراد هنا آتيناه بعضاً من الزبور فيه ذكره صلى الله عليه وسلم. هذا ووجه ربط الآيات بما تقدم على هذا التفسير على ما في «الكشف» أنه تعالى لما أرشد نبيه صلى الله عليه وسلم إلى جواب الكفار بجده في استهزائهم وتوقره في استخفافهم ليكون أغيظ لهم وأشجى لحلوقهم أرشده إلى أن يحمل أصحابه أيضاً على ذلك وأن يستنوا بسنته وعلل ذلك بما اعترض به من أن الشيطان ينزغه يحمل على المخاشنة فعلى العاقل الحازم أن لا يغتر بوساوسه كيف وقد تبين له أنه عدو مبين، وقوله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} تفسير : [الإسراء: 54] متعلق بجميع السابق من قوله تعالى: {أية : قُلْ كُونُواْ} تفسير : [الإسراء: 50] المشتمل على مجادلته بالتي هي أحسن {أية : وَقُل لّعِبَادِى } تفسير : [الإسراء: 53] المشتمل على حملهم عليها إلى قوله سبحانه: {أية : أَوْ إنْ يَشَأْ يُعَذّبُكُم} تفسير : [الإسراء: 54] وقوله عز وجل: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} من تتمة {أية : إن تتبعون إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا} تفسير : [الإسراء: 47] فإنهم طعنوا فيه وحاشاه تارة بأنه شاعر ساحر مجنون وأخرى بنحو {أية : لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] و{أية : لو كان خيراً ما سبقونا إليه}تفسير : [الأحقاف: 11] فأجيب عن الأول بما أجيب وعن الثاني بقوله سبحانه: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ} وربك أعلم. وجوز أن يكون الخطاب في قوله تعالى: {أية : رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ} تفسير : [الإسراء: 54] الخ للمؤمنين وروي ذلك عن الكلبـي وأخرج الأول ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج والمعنى أنه تعالى إن يشأ يرحمكم أيها المؤمنون في الدنيا بإنجائكم من الكفرة ونصركم عليهم أو إن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم. والمراد بالتي هي أحسن المجادلة الحسنة فكأنه تعالى لما ذكر الحجة اليقينية في صحة المعاد أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقول للمؤمنين إذا أردتم إيراد الحجة على المخالفين فاذكروا الدلائل بالطريق الأحسن وهو أن لا يكون ذلك ممزوجاً بالشتم والسب لأنه لو اختلط به لا يبعد أن يقابل بمثله فيزداد الغضب ويهيج الشر فلا يحصل المقصود وأشار سبحانه إلى ذلك بقوله عز قائلاً: {أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ} تفسير : [الإسراء: 53] الخ وضمير {أية : بَيْنَهُمْ} تفسير : [الإسراء: 53] إما للكفار أو للفريقين. وروى أن المشركين أفرطوا في إيذاء المؤمنين فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت وقيل شتم عمر رجل فهم رضي الله تعالى عنه به فأمره الله تعالى بالعفو. قال في «الكشف» إنه على هذين القولين الكلمة التي هي أحسن نحو يهديكم الله تعالى وليست مفسرة بِـ {أية : رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ} تفسير : [الإسراء: 54] وقوله سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ} تفسير : [الإسراء: 53] تعليل للأمر بالاحتمال بأن المخاشنة من فعل الشيطان والخطاب في قوله تعالى: {أية : رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ} تفسير : [الإسراء: 54] للمؤمنين وفيه حث على المداراة أي فداروهم لأن ربكم أعلم بكم وبما يصلح لكم من أوامر إن يشأ يرحمكم بقبول أوامره ونواهيه أو إن يشأ يعذبكم بآبائكم أو ان يشأ يرحمكم بالملاينة والتراحم لأنه سبب السلامة عن أذى الكفار أو إن يشأ يعذبكم بمخاشنتكم في غير إبانها وما أرسلناك عليهم وكيلاً فهؤلاء المؤمنون وهم أتباعك أولى وأولى بأن لا يكونوا وكيلاً عليهم ثم قال والأول أوفق لتأليف النظم وفي إفادة {أية : رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ} تفسير : [الإسراء: 54] الحث على ما قرر تكلف ما اهـ. وقيل: المراد من (عبادي) الكفار وحيث كان المقصود من الآيات الدعوة لا يبعد أن يعبر عنهم بذلك ليصير سبباً لجذب قلوبهم وميل طباعهم إلى قبول الدين الحق فكأنه قيل قل يا محمد لعبادي الذين أقروا بكونهم عباداً لي يقولوا التي هي / أحسن وهي الكلمة الحقة الدالة على التوحيد وإثبات القدرة على البعث وعرفهم أنه لا ينبغي لهم أن يصروا على المذهب الباطل تعصباً للأسلاف فإن ذلك من الشيطان وهو للإنسان عدو مبين فلا ينبغي أن يلتفت إلى قوله. والمراد من الأمر بالقول الأمر باعتقاد ذلك وذكر القول لما أنه دليل الاعتقاد ظاهراً ثم قال لهم سبحانه: ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم بالهداية أو إن يشأ يعذبكم بالإماتة على الكفر إلا أن تلك المشيئة غائبة عنكم فاجتهدوا أنتم في طلب الدين الحق ولا تصروا على الباطل لئلا تصيروا محرومين عن السعادات الأبدية والخيرات السرمدية، ثم قال سبحانه: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} تفسير : [الإسراء: 54] أي لا تشدد الأمر عليهم ولا تغلظ لهم بالقول، والمقصود من كل ذلك إظهار اللين والرفق لهم عند الدعوة لأنه أقرب لحصول المقصود، ثم إنه تعالى عمم علمه بقوله: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ } الخ ويحسن على هذا ما روي عن ابن عباس وأخرجه ابن أبـي حاتم عن ابن سيرين من تفسير {أية : ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [الإسراء: 53] بلا إله إلا الله ونقل ذلك ابن عطية عن فرقة من العلماء ثم قال «ويلزم عليه أن يراد بعبادي جميع الخلق لأن جميعهم مدعو إلى قول لا إله إلا الله ويجيء قوله سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الإسراء: 53] غير مناسب إلا على معنى ينزغ خلالهم وأثناءهم ويفسر النزغ بالوسوسة والإملال» ولا يخفى أنه في حيز المنع، وما ذكر من الدليل لا يتم إلا إذا لم يكن للتخصيص نكتة، وهي هٰهنا ظاهرة ويكون قوله تعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مّن دُونِهِ}.

ابن عاشور

تفسير : تماثل القرينتين في فاصلتيْ هذه الآية من كلمة {والأرض} وكلمة {على بعض}، يدل دلالة واضحة على أنهما كلام مرتبط بعضه ببعض، وأن ليس قوله: {وربك أعلم بمن في السماوات والأرض} تكملة لآية {أية : ربكم أعلم بكم}تفسير : [الإسراء: 54] الآية. وتغيير أسلوب الخطاب في قوله: {وربك أعلم} بعد قوله: {أية : ربكم أعلم بكم}تفسير : [الإسراء: 54] إيماء إلى أن الغرض من هذه الجملة عائد إلى شأن من شؤون النبي التي لها مزيد اختصاص به، تقفية على إبطال أقوال المشركين في شؤون الصفات الإلهية، بإبطال أقوالهم في أحوال النبي. ذلك أن المشركين لم يقبلوا دعوة النبي بغرورهم أنه لم يكن من عظماء أهل بلادهم وقادتهم، وقالوا: أبعث الله يتيم أبي طالب رسولاً، أبعث الله بشراً رسولاً، فأبكتهم الله بهذا الرد بقوله: وربك أعلم بمن في السماوات والأرض} فهو العالم حيث يجعل رسالته. وكان قوله: {وربك أعلم بمن في السماوات والأرض} كالمقدمة لقوله: {ولقد فضلنا بعض النبيين} الآية. أعاد تذكيرهم بأن الله أعلم منهم بالمستأهل للرسالة بحسب ما أعده الله فيه من الصفات القابلة لذلك، كما قال الله تعالى عنهم {أية : قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته}تفسير : في سورة [الأنعام: 124]. وكان الحكم في هذه المقدمة على عموم الموجودات لتكون بمنزلة الكلية التي يؤخذ منها كل حكم لجزئياتها، لأن المقصود بالإبطال من أقوال المشركين جامع لصور كثيرة من أحوال الموجودات من البشر والملائكة وأحوالهم؛ لأن بعض المشركين أحالوا إرسال رسول من البشر، وبعضهم أحالوا إرسال رسول ليس من عظمائهم، وبعضهم أحالوا إرسال من لا يأتي بمثل ما جاء به موسى عليه الصلاة والسلام. وذلك يثير أحوالاً جمة من العصور والرجال والأمم أحياءً وأمواتاً. فلا جرم كان للتعميم موقع عظيم في قوله: {بمن في السماوات والأرض}، وهو أيضاً كالمقدمة لجملة {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض}، مشيراً إلى أن تفاضل الأنبياء ناشىء على ما أودعه الله فيهم من موجبات التفاضل. وهذا إيجاز تضمن إثباتَ النبوءة وتقررها فيما مضى ما لا قبل لهم بإنكاره، وتعدّدَ الأنبياء مما يجعل محمداً صلى الله عليه وسلم ليس بدعا من الرسل، وإثباتَ التفاضل بين الأفراد من البشر، فمنهم رسول ومنهم مرسل إليهم، وإثباتَ التفاضل بين أفراد الصنف الفاضل. وتقرر ذلك فيما مضى تقرراً لا يستطيع إنكاره إلا مكابر بالتفاضل حتى بين الأفضلين سنةً إلهية مقررة لا نكران لها. فعلم أن طعنهم في نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم طعن مكابرة وحسد. كما قال تعالى في شأن اليهود {أية : أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم مُلكاً عظيماً}تفسير : في سورة [النساء: 54]. وتخصيص داوود ــــ عليه السلام ــــ بالذكر عقب هذه القضية العامة وجهه صاحب «الكشاف» ومن تبعه بأن فائدة التلميح إلى أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء وأمته أفضل الأمم لأن في الزبور أن الأرض يرثها عباد الله الصالحون. وهذا حسن. وأنا أرى أن يكون وجه هذا التخصيص الإيماء إلى أن كثيراً من الأحوال المرموقة في نظر الجاهلين وقاصري الأنظار بنظر الغضاضة هي أحوال لا تعوق أصحابها عن الصعود في مدارج الكمال التي اصطفاها الله لها، وأن التفضيل بالنبوءة والرسالة لا ينشأ عن عظمة سابقة؛ فإن داوود ــــ عليه السلام ــــ كان راعياً من رعاة الغنم في بني إسرائيل، وكان ذا قوة في الرمي بالحجر، فأمر الله شاول ملك بني إسرائيل أن يختار داوود لمحاربة جالوت الكنعاني، فلما قَتل داوودُ جالوتَ آتاه الله النبوءة وصيره ملِكاً لإسرائيل، فهو النبي الذي تجلى فيه اصطفاء الله تعالى لمن لم يكن ذا عظمة وسيادة. وذكر إيتائه الزبور هو محل التعريض للمشركين بأن المسلمين سيرثون أرضهم وينتصرون عليهم لأن ذلك مكتوب في الزبور كما تقدم آنفاً. وقد أوتي داوود الزبور ولم يؤت أحد من أنبياء بني إسرائيل كتاباً بعد موسى ــــ عليه السلام ــــ. وذكر داوود تقدم في سورة الأنعام وفي آخر سورة النساء. وأما الزبور فذكر عند قوله تعالى: {أية : وآتينا داوود زبورا}تفسير : في آخر سورة [النساء: 163]. والزبور: اسم لمجموع أقوال داوود عليه السلام التي بعضها مما أوحاه إليه وبعضها مما ألهمه من دعوات ومناجاة وهو المعروف اليوم بكتاب المزامير من كتب العهد القديم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 55- وربك أعلم بكل من فى السموات والأرض وبأحوالهم فيختار منهم لنبوته من يشاء، وقد اختارك لرسالته فلا يصح أن يستكثروا عليك النبوة، وهؤلاء الأنبياء ليسوا سواء فى الفضل عنده - جل شأنه - بل بعضهم أفضل من بعض، ولقد فضل بعض النبيين على بعض بالمعجزات وكثرة التابعين، لا بالملك، فَفَضَّل داود أنه أوتى الزبور، لا لأنه أوتى الملك. فلا عجب أن تنال الفضل العظيم بما أوتيت من القرآن. 56- قل لهؤلاء الذين يعبدون المخلوقين، ويزعمونهم آلهة من دون الله: ادعوا من تعبدونه إذا نزلت بكم شدة، أو خفتم نزولها، وسلوهم فى شأنها، فلن تجدوا منهم كشفاً لضركم، ولا تحويلا له عنكم. 57- وإن هؤلاء المخلوقين الذين يدعوهم من يعبدهم يعبدون الله، ويطلبون الدرجة والمنزلة عنده بالطاعة، ويحرص كل منهم أن يكون أقرب إلى الله، ويطمعون فى رحمته، ويرهبون عذابه، إن عذاب الله ينبغى أن يحذر ويخاف!!. 58- وقد جرت سنتنا أن نهلك كل قرية ظالمة بمن فيها، أو نعذب أهلها عذاباً شديداً بالقتل وغيره، فليحذر ذلك قومك، فقد جرى بذلك قضاؤنا، وسُطِّر فى كتابنا. 59- لقد اقترح عليك قومك أن تأتيهم بالآيات والمعجزات، ولم يقنعوا بما آتاهم مما يقنع ذوى الألباب، وقد جرت سنتنا مع من يقترح الآيات ثم يجاب إليها ولا يؤمن بها أن نستأصله بالعذاب كما فعلنا بالأولين. ومنهم ثمود، إذ اقترحوا آيات، فكانت الناقة معجزة مضيئة نيرة واضحة مجلية للشك والريب فكفروا بها، فكان ما كان من أمرهم، وكان من حكمة الله ألا يجيب قومك إلى ما طلبوا خشية أن يكفروا بها، ويرجى منهم مَنْ يؤمن أو يلد مَنْ يؤمن. والآيات إنما نرسل بها إلى الناس تخويفاً وإرهاباً.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {ٱلنَّبِيِّينَ} {وَآتَيْنَا} (55) - وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَرَاتِبِ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، فِي الطَّاعَةِ وَالمَعْصِيَةِ، وَقَدْ فَضَّلَ بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ ... وَقَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى {أية : تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ}، تفسير : وَهُوَ تَفْضِيلٌ اللهُ أَعْلَمُ بِأَسْبَابِهِ. وَهَذا القَوْلُ لاَ يُنَافِي مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (حديث : لاَ تُفَضِّلُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ)تفسير : ، فَالمَقْصُودُ هُنَا التَّفْضِيلُ بِمُجَرَّدِ التَّشَهي وَالعَصَبِيَّةِ، لاَ بِمُقْتَضَى دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَلَكِنْ إِذَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى شِيءٍ وَجَبَ اتِّبَاعُهُ، وَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الرُّسُلَ أَفْضَلُ مِنْ بَاقِي الأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ أَفْضَلُهُمْ. وَأُوْلُو العَزْمِ هُمْ خَمْسَةٌ: نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ. وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ آتَى دَاوُدَ زَبُوراً، وَفَضَّلَهُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَمْ يُفَضِّلْهُ بِالمُلْكِ. الزَّبُورُ - كِتَابٌ فِيهِ تَحْمِيدٌ وَتَمْجِيدٌ لِلْخَالِقِ وَمَوَاعِظُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {أَعْلَمُ} أفعل تفضيل تدلُّ على المبالغة في العلم، وإنْ كان الحق سبحانه أعلم فما دونه يمكن أنْ يتصفَ بالعلم، فنقول: عالم. ولكن الله أعلم؛ لأن الله تعالى لا يمنع عباده أن تشرئب عقولهم وتطمح إلى معرفة شيء من أسرار الكون. والمعنى أن الحق سبحانه وتعالى لا يقتصر علمه عليك يا محمد وعلى أمتك، وقد سُبِقت الآية بقوله تعالى: {أية : رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ..}تفسير : [الإسراء: 54] ولكن علمه سبحانه يسَع السماوات والأرض عِلْماً مُطْلقاً لا يغيب عنه مثقال ذرة، وبمقتضى هذا العلم يُقسِّم الله الأرزاق ويُوزِّع المواهب بين العباد، كُلّ على حسب حاله، وعلى قَدْر ما يُصلحه. فإنْ رأيتَ شخصاً ضيَّق الله عليه فاعلم أنه لا يستحق غير هذا، ولا يُصلحه إلا ما قَسَمه الله له؛ لأن الجميع عبيد لله مربوبون له، ليس بين أحد منهم وبين الله عداوة، وليس بين أحد منهم وبين الله نسب. فالجميع عنده سواء، يعطي كُلاً على قَدْر استعداده عطاءَ ربوبية، لا يحرم منه حتى الكافر الذي ضاق صدره بالإيمان، وتمكّن النفاق من قلبه حتى عشق الكفر وأحب النفاق، فالله تعالى لا يحرمه مِمّا أحبّ ويزيده منه. إذن: لعلمه سبحانه بمَنْ في السماوات والأرض يعطي عباده على قَدْر مَا يستحقّون في الأمور القَهْرية التي لا اختيارَ لهم فيها، فهُمْ فيها سواء. أما الأمور الاختيارية فقد تركها الخالق سبحانه لاجتهاد العبد وأَخْذه بالأسباب، فالأسباب موجودة، والمادة موجودة، والجوارح موجودة، والعقل موجود، والطاقة موجودة. إذن: على كل إنسان أن يستخدم هذه المعطيات ليرتقي بحياته على قَدْر استطاعته. ثم يقول تعالى: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ ..} [الإسراء: 55]. مَن الذي فضَّل؟ الله سبحانه وتعالى هو الذي يُفضّل بعض النبيين على بعض، وليس لنا نحن أن نُفضّل إلا مَنْ فضَّله الله؛ لأنه سبحانه هو الذي يملك أن يُجازي على حَسْب الفضل، أما نحن فلا نملك أنْ نجازي على قَدْر الفضل. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى ". تفسير : لأن الذي يُفضِّل هو الله تعالى، وقد نُصّ على هذا التفضيل في قوله تعالى:{أية : تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ..}تفسير : [البقرة: 253]. فالتفضيل على حسب ما يعلمه الله تعالى من أن أُولى العزم من الرسل قد فَضَّلهم عن غيرهم لِمَا تحمّلوه من مشقة في دعوة أقوامهم، ولما قاموا به من حمل منهج الله والانسياح به، أو من طول مُدّتهم من قومهم .. الخ فهو وحده يعلم أسباب التفضيل. ثم يقول تعالى: {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} [الإسراء: 55]. فلماذا ذكر داود بالذات مقترناً بالكتاب الذي أُنِزل عليه؟ قالوا: لأن داود عليه السلام أُوتِي مع الكتاب المُلْك، فكان نبياً ملِكاً، فكأن الحق سبحانه يشير إلى أن تفضيل داود لا من حيث أنه ملِك، بل من حيث هو نبي صاحب كتاب. وفي الحديث الشريف يقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد خُيِّرْتُ بين أن أكون عبداً نبياً أو نبياً ملكاً، فاخترت أن أكون عبداً نبياً ". تفسير : ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ ...}.