Verse. 2085 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

قُلِ ادْعُوا الَّذِيْنَ زَعَمْتُمْ مِّنْ دُوْنِہٖ فَلَا يَمْلِكُوْنَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيْلًا۝۵۶
Quli odAAu allatheena zaAAamtum min doonihi fala yamlikoona kashfa alddurri AAankum wala tahweelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» لهم «ادعوا الذين زعمتم» أنهم آلهة «من دونه» كالملائكة وعيسى وعزير «فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا» له إلى غيركم.

56

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المقصود من هذه الآية الرد على المشركين وقد ذكرنا أن المشركين كانوا يقولون ليس لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله تعالى فنحن نعبد بعض المقربين من عباد الله وهم الملائكة، ثم إنهم اتخذوا لذلك الملك الذي عبدوه تمثالاً وصورة واشتغلوا بعبادته على هذا التأويل والله تعالى احتج على بطلان قولهم في هذه الآية فقال: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مّن دُونِهِ } وليس المراد الأصنام لأنه تعالى قال في صفتهم: {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ } وابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى لا يليق بالأصنام ألبتة. إذا ثبت هذا فنقول: إن قوماً عبدوا الملائكة فنزلت هذه الآية فيهم، وقيل: إنها نزلت في الذين عبدوا المسيح وعزيراً، وقيل: إن قوماً عبدوا نفراً من الجن فأسلم النفر من الجن، وبقي أولئك الناس متمسكين بعبادتهم فنزلت هذه الآية، قال ابن عباس: كل موضع في كتاب الله تعالى ورد فيه لفظ زعم فهو كذب، ثم إنه تعالى احتج على فساد مذهب هؤلاء أن الإله المعبود هو الذي يقدر على إزالة الضرر، وإيصال المنفعة، وهذه الأشياء التي يعبدونها وهي الملائكة والجن والمسيح وعزير لا يقدرون على كشف الضر ولا على تحصيل النفع، فوجب القطع بأنها ليست آلهة. ولقائل أن يقول: هذا الدليل إنما يتم إذا دللتم على أن الملائكة لا قدرة لها على كشف الضر ولا على تحصيل النفع فما الدليل على أن الأمر كذلك حتى يتم دليلكم؟ فإن قلتم: لأنا نرى أن أولئك الكفار كانوا يتضرعون إليها فلا تحصل الإجابة. قلنا: معارضة لذلك قد نرى أيضاً أن المسلمين يتضرعون إلى الله تعالى فلا تحصل الإجابة، والمسلمون يقولون: إن القدر الحاصل من كشف الضر وتحصيل النفع إنما يحصل من الله تعالى لا من الملائكة، وأولئك الكفار يقولون إنه يحصل من الملائكة لا من الله تعالى، وعلى هذا التقدير فالدليل غير تام. والجواب: أن الدليل تام كامل، وذلك لأن الكفار كانوا مقرين بأن الملائكة عباد الله. وخالق الملائكة، وخالق العالم لا بد وأن يكون أقدر من الملائكة، وأقوى منهم، وأكمل حالاً منهم. وإذا ثبت هذا فنقول: كمال قدرة الله تعالى معلوم متفق عليه، وكمال قدرة الملائكة غير معلوم ولا متفق عليه، بل المتفق عليه أن قدرتهم بالنسبة إلى قدرة الله تعالى قليلة حقيرة، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الاشتغال بعبادة الله تعالى أولى من الاشتغال بعبادة الملائكة، لأن كون الله مستحقاً للعبادة معلوم، وكون الملائكة كذلك مجهول والأخذ بالمعلوم أولى، وأما أصحابنا المتكلمون من أهل السنة والجماعة فلهم في هذا الباب طريقة أخرى وهو أنهم يقيمون بالحجة العقلية على أنه لا موجد إلا الله تعالى ولا مخرج لشيء من العدم إلى الوجود إلا الله تعالى. وإذا ثبت هذا ثبت أنه لا ضار ولا نافع إلا الله تعالى، فوجب القطع بأنه لا معبود إلا الله تعالى، وهذه الطريقة لا تتم للمعتزلة لأنهم لما جوزوا كون العبد موجداً لأفعاله امتنع عليهم الاستدلال على أن الملائكة لا قدرة لها على الإحياء والإماتة وخلق الجسم. وإذا عجزوا عن ذلك لم يتم لهم هذا الدليل فهذا هو ذكر الدليل القاطع على صحة قوله: {لاَّ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً } والتحويل عبارة عن النقل من حال إلى حال ومكان إلى مكان يقال: حوله فتحول. ثم قال تعالى: {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ } وفيه قولان: الأول: قال الفراء قوله: {يَدَّعُونَ } فعل الآدميين العابدين. وقوله: {يَبْتَغُونَ } فعل المعبودين ومعناه أولئك المعبودين يبتغون إلى ربهم الوسيلة، فإنه لا نزاع أن الملائكة يرجعون إلى الله في طلب المنافع ودفع المضار ويرجون رحمته ويخافون عذابه وإذا كان كذلك كانوا موصوفين بالعجز والحاجة، والله تعالى أغنى الأغنياء فكان الاشتغال بعبادته أولى. فإن قالوا: لا نسلم أن الملائكة محتاجون إلى رحمة الله وخائفون من عذابه، فنقول: هؤلاء الملائكة إما أن يقال: إنها واجبة الوجود لذواتها، أو يقال: ممكنة الوجود لذواتها، والأول باطل لأن جميع الكفار كانوا معترفين بأن الملائكة عباد الله ومحتاجون إليه، وأما الثاني فهو يوجب القول بكون الملائكة محتاجين في ذواتها وفي كمالاتها إلى الله تعالى، فكان الاشتغال بعبادة الله أولى من الاشتغال بعبادة الملائكة. والقول الثاني: أن قوله: {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ } هم الأنبياء الذين ذكرهم الله تعالى بقوله: { أية : وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ } تفسير : [الإسراء: 55] وتعلق هذا الكلام بما سبق هو أن الذين عظمت منزلتهم وهم الأنبياء لا يعبدون إلا الله تعالى ولا يبتغون الوسيلة إلا إليه، فأنتم بالاقتداء بهم حق فلا تعبدوا غير الله تعالى. واحتج القائلون بهذا القول على صحته بأن قالوا: الملائكة لا يعصون الله فلا يخافون عذابه، فثبت أن هذا غير لائق بالملائكة وإنما هو لائق بالأنبياء. قلنا: الملائكة يخافون عذاب الله لو أقدموا على الذنب والدليل عليه قوله تعالى: { أية : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّي إِلَـٰهٌ مّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } تفسير : [الأنبياء: 29]. أما قوله: {إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا } فالمراد أن من حقه أن يحذر، فإن لم يحذره بعض الناس لجهله فهو لا يخرج من كونه بحيث يجب الحذر عنه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ} لما ابتليت قريش بالقَحْط وشَكُوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الله هذه الآية؛ أي ادعوا الذين تعبدون من دونه وزعمتم أنهم آلهة. وقال الحسن: يعني الملائكة وعيسى وعزيراً. ٱبن مسعود: يعني الجن. {فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ} أي القحط سبع سنين، على قول مقاتل. {وَلاَ تَحْوِيلاً} من الفقر إلى الغنى ومن السَّقَم إلى الصحة.

البيضاوي

تفسير : {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم } أنها آلهة. {مِن دُونِهِ } كالملائكة والمسيح وعزير. {فَلاَ يَمْلِكُونَ } فلا يستطيعون. {كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ } كالمرض والفقر والقحط. {وَلاَ تَحْوِيلاً } ولا تحويل ذلك منكم إلى غيركم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {قُلِ} يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله {ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ} من الأصنام والأنداد، فارغبوا إليهم {ف} - إنهم {فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ} أي: بالكلية {وَلاَ تَحْوِيلاً} أي: بأن يحولوه إلى غيركم، والمعنى: أن الذي يقدر ذلك هو الله وحده لا شريك له الذي له الخلق والأمر. قال العوفي عن ابن عباس في قوله: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم} الآية، قال: كان أهل الشرك يقولون: نعبد الملائكة والمسيح وعزيراً، وهم الذين يدعون، يعني: في الملائكة والمسيح وعزيراً. وقوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ} الآية، روى البخاري من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم عن أبي معمر عن عبد الله في قوله: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ} قال: ناس من الجن كانوا يعبدون، فأسلموا، وفي رواية: قال: كان ناس من الإنس يعبدون ناساً من الجن، فأسلم الجن، وتمسك هؤلاء بدينهم، وقال قتادة عن معبد بن عبد الله الزماني عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن مسعود في قوله: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ} الآية، قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فنزلت هذه الآية، وفي رواية عن ابن مسعود: كانوا يعبدون صنفاً من الملائكة يقال لهم: الجن، فذكره. وقال السدي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} قال: عيسى وأمه وعزير، وقال مغيرة عن إبراهيم: كان ابن عباس يقول في هذه الآية: هم عيسى وعزير والشمس والقمر. وقال مجاهد: عيسى والعزير والملائكة. واختار ابن جرير قول ابن مسعود لقوله: {يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ} وهذا لا يعبر به عن الماضي، فلا يدخل فيه عيسى والعزير والملائكة، وقال: والوسيلة هي القربة، كما قال قتادة، ولهذا قال: {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ}. وقوله تعالى: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَـٰفُونَ عَذَابَهُ} لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء، فبالخوف ينكف عن المناهي، وبالرجاء يكثر من الطاعات. وقوله تعالى: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} أي: ينبغي أن يحذر منه، ويخاف من وقوعه وحصوله، عياذاً بالله منه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } لهم {ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ } أنهم آلهة {مِن دُونِهِ } كالملائكة وعيسى وعزير {فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً } له إلى غيركم.

الشوكاني

تفسير : قوله: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مّن دُونِهِ } هذا ردّ على طائفة من المشركين كانوا يعبدون تماثيل على أنها صور الملائكة، وعلى طائفة من أهل الكتاب كانوا يقولون بإلهية عيسى ومريم وعزير، فأمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم: ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله؛ وقيل: أراد بـ {الذين زعمتم} نفراً من الجن عندهم ناس من العرب، وإنما خصصت الآية بمن ذكرنا لقوله: {يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ }، فإن هذا لا يليق بالجمادات {فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرّ عَنْكُمْ } أي: لا يستطيعون ذلك، والمعبود الحق هو الذي يقدر على كشف الضرّ، وعلى تحويله من حال إلى حال، ومن مكان إلى مكان، فوجب القطع بأن هذه التي تزعمونها آلهة ليست بآلهة، ثم إنه سبحانه أكد عدم اقتدارهم ببيان غاية افتقارهم إلى الله في جلب المنافع ودفع المضارّ، فقال: {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ } فـ {أولئك} مبتدأ {والذين يدعون} صفته، وضمير الصلة محذوف أي: يدعونهم، وخبر المبتدأ: {يبتغون إلى ربهم الوسيلة}، ويجوز أن يكون {الذين يدعون} خبر المبتدأ أي: الذين يدعون عباده إلى عبادتهم، ويكون {يبتغون} في محل نصب على الحال. وقرأ ابن مسعود (تدعون) بالفوقية على الخطاب. وقرأ الباقون بالتحتية على الخبر؛ ولا خلاف في {يبتغون} أنه بالتحتية. و{الوسيلة}: القربة بالطاعة والعبادة أي: يتضرّعون إلى الله في طلب ما يقربهم إلى ربهم، والضمير في ربهم يعود إلى العابدين أو المعبودين {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ } مبتدأ وخبر. قال الزجاج: المعنى أيهم أقرب بالوسيلة إلى الله أي: يتقرّب إليه بالعمل الصالح، ويجوز أن يكون بدلاً من الضمير في {يبتغون} أي: يبتغي من هو أقرب إليه تعالى الوسيلة، فكيف بمن دونه؟ وقيل: إن يبتغون مضمن معنى يحرصون أي: يحرصون أيهم أقرب إليه سبحانه بالطاعة والعبادة {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ } كما يرجوها غيرهم {وَيَخَـٰفُونَ عَذَابَهُ } كما يخافه غيرهم {إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا } تعليل قوله {يخافون عذابه} أي: إن عذابه سبحانه حقيق بأن يحذره العباد من الملائكة والأنبياء وغيرهم. ثم بيّن سبحانه مآل الدنيا وأهلها فقال: {وَإِن مّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } "إن" نافية، و"من" للاستغراق أي: ما من قرية، أيّ قرية كانت من قرى الكفار. قال الزجاج: أي ما من أهل قرية إلاّ سيهلكون إما بموت وإما بعذاب يستأصلهم، فالمراد بالقرية: أهلها، وإنما قيل: {قبل يوم القيامة} لأن الإهلاك يوم القيامة غير مختص بالقرى الكافرة، بل يعم كل قرية لانقضاء عمر الدنيا؛ وقيل: الإهلاك للصالحة والتعذيب للطالحة، والأوّل أولى لقوله: {أية : وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَـٰلِمُونَ } تفسير : [القصص: 59]. {كَانَ ذَلِكَ } المذكور من الإهلاك، والتعذيب {فِى ٱلْكِتَـٰبِ } أي: اللوح المحفوظ {مَسْطُورًا } أي: مكتوباً، والسطر الخط وهو في الأصل مصدر، والسطر بالتحريك مثله. قال جرير:شعر : من شاء بايعته مالي وخلعته ما يكمل التيم في ديوانهم سطرا تفسير : والخلفة بضم الخاء: خيار المال، والسطر: جمع أسطار، وجمع السطر بالسكون أسطر. {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِٱلأَيَـٰتِ وَلاَ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأوَّلُونَ } قال المفسرون: إن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً وأن ينحي عنهم جبال مكة، فأتاه جبريل فقال: إن شئت كان ما سأل قومك، ولكنهم إن لم يؤمنوا بها يمهلوا وإن شئت استأنيت بهم، فأنزل الله هذه الآية. والمعنى: وما منعنا من إرسال الآيات التي سألوها إلاّ تكذيب الأوّلين، فإن أرسلناها وكذب بها هؤلاء عوجلوا ولم يمهلوا كما هو سنّة الله سبحانه في عباده، فالمنع مستعار للترك، والاستثناء مفرّغ من أعمّ الأشياء، أي: ما تركنا إرسالها لشيء من الأشياء إلاّ تكذيب الأوّلين، فإن كذب بها هؤلاء كما كذب بها أولئك لاشتراكهم في الكفر والعناد حلّ بهم ما حلّ بهم، و «أن» الأولى في محل نصب وبإيقاع المنع عليها، و «أن» الثانية في محل رفع، والباء في {بالآيات} زائدة. والحاصل: أن المانع من إرسال الآيات التي اقترحوها هو أن الاقتراح مع التكذيب موجب للهلاك الكلي وهو الاستئصال، وقد عزمنا على أن نؤخر أمر من بعث إليهم محمد إلى يوم القيامة؛ وقيل: معنى الآية: إن هؤلاء الكفار من قريش ونحوهم مقلدون لآبائهم فلا يؤمنون ألبتة كما لم يؤمن أولئك، فيكون إرسال الآيات ضائعاً، ثم إنه سبحانه استشهد على ما ذكر بقصة صالح وناقته، فإنهم لما اقترحوا عليه ما اقترحوا من الناقة وصفتها التي قد بينت في محل آخر، وأعطاهم الله ما اقترحوا فلم يؤمنوا استؤصلوا بالعذاب. وإنما خصّ قوم صالح بالاستشهاد، لأن آثار إهلاكهم في بلاد العرب قريبة من قريش وأمثالهم يبصرها صادرهم وواردهم فقال: {وآتينا ثمود الناقة مبصرة} أي: ذات إبصار يدركها الناس بأبصارهم كقوله: {أية : وجعلنا آية النهار مبصرة} تفسير : [الإسراء: 12] أو أسند إليها حال من يشاهدها مجازاً، أو أنها جعلتهم ذوي إبصار، من أبصره جعله بصيراً. وقرىء على صيغة المفعول. وقرىء بفتح الميم والصاد وانتصابها على الحال. وقرىء برفعها على أنها خبر مبتدأ محذوف، والجملة معطوفة على محذوف يقتضيه سياق الكلام أي: فكذبوها وآتينا ثمود الناقة، ومعنى {فَظَلَمُواْ بِهَا } فظلموا بتكذيبها أو على تضمين ظلموا معنى جحدوا أو كفروا أي: فجحدوا بها أو كفروا بها ظالمين ولم يكتفوا بمجرد الكفر أو الجحد {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلأَيَـٰتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا } اختلف في تفسير {بالآيات} على وجوه: الأوّل: أن المراد بها العبر والمعجزات التي جعلها الله على أيدي الرسل من دلائل الإنذار تخويفاً للمكذبين؛ الثاني: أنها آيات الانتقام تخويفاً من المعاصي؛ الثالث: تقلب الأحوال من صغر إلى شباب ثم إلى تكهل ثم إلى شيب، ليعتبر الإنسان بتقلب أحواله فيخاف عاقبة أمره؛ الرابع آيات القرآن، الخامس: الموت الذريع، والمناسب للمقام أن تفسر الآيات المذكورة بالآيات المقترحة، أي: لا نرسل الآيات المقترحة إلا تخويفاً من نزول العذاب، فإن لم يخافوا وقع عليهم. والجملة مستأنفة لا محل لها، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من ضمير ظلموا بها أي: فظلموا بها، ولم يخافوا، والحال أنّ ما نرسل بالآيات التي هي من جملتها إلاّ تخويفاً. قال ابن قتيبة: وما نرسل بالآيات المقترحة إلاّ تخويفاً من نزول العذاب العاجل. ولما ذكر سبحانه الامتناع من إرسال الآيات المقترحة على رسوله للصارف المذكور، قوي قلبه بوعد النصر والغلبة فقال: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ } الظرف متعلق بمحذوف، أي: اذكر إذ قلنا لك، أي: أنهم في قبضته وتحت قدرته، فلا سبيل لهم إلى الخروج مما يريده بهم لإحاطته لهم بعلمه وقدرته، وقيل: المراد بالناس: أهل مكة، وإحاطته بهم إهلاكه إياههم أي: إن الله سيهلكهم، وعبر بالماضي تنبيهاً على تحقق وقوعه، وذلك كما وقع يوم بدر ويوم الفتح، وقيل: المراد أنه سبحانه عصمه من الناس أن يقتلوه حتى يبلّغ رسالة ربه {وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا ٱلَّتِى أَرَيْنَـٰكَ إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ } لما بين سبحانه أن إنزال الآيات يتضمن التخويف ضمّ إليه ذكر آية الإسراء، وهي المذكورة في صدر السورة، وسماها رؤيا لأنها وقعت بالليل، أو لأن الكفرة قالوا لعلها رؤيا، وقد قدّمنا في صدر السورة وجهاً آخر في تفسير هذه الرؤيا، وكانت الفتنة ارتداد قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسري به، وقيل: كانت رؤيا نوم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أنه يدخل مكة فافتتن المسلمون لذلك، فلما فتح الله مكة نزل قوله تعالى: {أية : لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقّ } تفسير : [الفتح: 27] وقد تعقب هذا بأن هذه الآية مكية، والرؤيا المذكورة كانت بالمدينة، وقيل: إن هذه الرؤيا المذكورة في هذه الآية هي أنه رأى بني مروان ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك، فقيل: إنما هي الدنيا أعطوها فسرّي عنه، وفيه ضعف، فإنه لا فتنة للناس في هذه الرؤيا إلاّ أن يراد بالناس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، ويراد بالفتنة ما حصل من المساءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يحمل على أنه قد كان أخبر الناس بها فافتتنوا، وقيل: إن الله سبحانه أراه في المنام مصارع قريش حتى قال: "والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم"، وهو يومىء إلى الأرض ويقول: "هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان" فلما سمع قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية. {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلقُرْءانِ } عطف على الرؤيا، قيل: وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلاّ فتنة للناس. قال جمهور المفسرين: وهي شجرة الزقوم، والمراد بلعنها لعن آكلها كما قال سبحانه: {أية : إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأَثِيمِ } تفسير : [الدخان: 43 - 44]. وقال الزجاج: إن العرب تقول: لكل طعام مكروه: ملعون، ومعنى الفتنة فيها: أن أبا جهل وغيره قالوا: زعم صاحبكم أن نار جهنم تحرق الحجر، ثم يقول: ينبت فيها الشجر، فأنزل الله هذه الآية. وروي أن أبا جهل أمر جارية فأحضرت تمراً وزبداً وقال لأصحابه: تزقموا. وقال ابن الزبعري: كثر الله من الزقوم في داركم، فإنه التمر بالزبد بلغة اليمن، وقيل: إن الشجرة الملعونة: هي الشجرة التي تلتوي على الشجر فتقتلها، وهي شجرة الكشوث؛ وقيل: هي الشيطان؛ وقيل: اليهود؛ وقيل: بنو أمية {وَنُخَوّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا } أي: نخوّفهم بالآيات فما يزيدهم التخويف إلاّ طغياناً متجاوزاً للحد، متمادياً غاية التمادي، فما يفيدهم إرسال الآيات إلاّ الزيادة في الكفر، فعند ذلك نفعل بهم ما فعلناه بمن قبلهم من الكفار، وهو عذاب الاستئصال، ولكنا قد قضينا بتأخير العقوبة. وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبخاري، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن ابن مسعود في قوله: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً } قال: كان نفر من الإنس يعبدون نفراً من الجن فأسلم النفر من الجنّ وتمسك الإنسيون بعبادتهم، فأنزل الله {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ } كلاهما، يعني: الفعلين بالياء التحتية، وروي نحو هذا عن ابن مسعود من طرق أخرى. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: كان أهل الشرك يعبدون الملائكة والمسيح وعزيراً. وروي عنه من وجه آخر بلفظ عيسى وأمه وعزير. وروي عنه أيضاً من وجه آخر بلفظ هم: عيسى وعزير، والشمس والقمر. وأخرج الترمذي، وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سلوا الله لي الوسيلة، قالوا وما الوسيلة؟ قال القرب من الله، ثم قرأ {يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ }»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم التيمي في قوله: {كَانَ ذٰلِك فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًا } قال: في اللوح المحفوظ. وأخرج أحمد، والنسائي، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: «سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم من الأمم، قال: "لا بل أستأني بهم"، فأنزل الله {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِٱلاْيَـٰتِ }" الآية. وأخرج أحمد، والبيهقي من طريق أخرى عنه نحوه. وأخرج البيهقي في الدلائل عن الربيع بن أنس قال: قال الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم لو جئتنا بآية كما جاء بها صالح والنبيّون؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن شئتم دعوت الله فأنزلها عليكم، فإن عصيتم هلكتم"تفسير : ، فقالوا: لا نريدها. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَـٰتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا } قال: الموت. وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر عن الحسن قال: هو الموت الذريع. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ } قال: عصمك من الناس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: فهم في قبضته. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وأحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءيَا } الآية قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس، وليست برؤيا منام {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلقُرْءانِ } قال: هي شجرة الزقوم. وأخرج أبو سعيد، وأبو يعلى، وابن عساكر عن أم هانىء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسري به أصبح يحدّث نفراً من قريش وهم يستهزئون به، فطلبوا منه آية فوصف لهم بيت المقدس، وذكر لهم قصة العير، فقال الوليد بن المغيرة: هذا ساحر، فأنزل الله إليه {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءيَا } الآية. وأخرج ابن جرير عن سهل بن سعد قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني فلان ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فما استجمع ضاحكاً حتى مات. فأنزل الله {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءيَا ٱلَّتِى أَرَيْنَـٰكَ إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ }. قال ابن كثير بعد أن ساق إسناده: وهذا السند ضعيف جداً. وذكر من جملة رجال السند محمد بن الحسن بن زبالة وهو متروك وشيخه عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد ضعيف جداً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنهم القردة، فأنزل الله {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءيَا ٱلَّتِى أَرَيْنَـٰكَ إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ }» تفسير : يعني: الحكم وولده. وأخرج ابن أبي حاتم عن يعلى بن مرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" حديث : رأيت بني أمية على منابر الأرض وسيملكونكم فتجدونهم أرباب سوء»تفسير : ، واهتمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك، فأنزل الله الآية. وأخرج ابن مردويه عن الحسين بن عليّ نحوه مرفوعاً وهو مرسل. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، وابن عساكر عن سعيد بن المسيب نحوه وهو مرسل. وأخرج ابن مردويه عن عائشة أنها قالت لمروان بن الحكم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأبيك وجدّك: «حديث : إنكم الشجرة الملعونة في القرآن»تفسير : وفي هذا نكارة، لقولها: يقول لأبيك وجدّك، ولعل جدّ مروان لم يدرك زمن النبوّة. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أنه دخل مكة هو وأصحابه، وهو يومئذٍ بالمدينة فسار إلى مكة قبل الأجل فردّه المشركون، فقال ناس: قد ردّ، وقد كان حدّثنا أنه سيدخلها، فكانت رجعته فتنتهم. وقد تعارضت هذه الأسباب، ولم يمكن الجمع بينها فالواجب المصير إلى الترجيح، والراجح كثرة وصحة هو كون سبب نزول هذه الآية قصة الإسراء فيتعين ذلك. وقد حكى ابن كثير إجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك في الرؤيا، وفي تفسير الشجرة وأنها شجرة الزقوم، فلا اعتبار بغيرهم معهم. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال: قال أبو جهل لما ذكر رسول الله شجرة الزقوم تخويفاً لهم: يا معشر قريش هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد؟ قالوا لا، قال: عجوة يثرب بالزبد. والله لئن استمكنا منها لنزقمنها تزقماً. قال الله سبحانه: {أية : إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأثِيمِ }تفسير : [الدخان: 43 ــ 44]، وأنزل {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلقُرْءانِ } الآية. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله: {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ } قال: ملعونة لأنه قال: {أية : طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءوسُ ٱلشَّيـٰطِينِ } تفسير : [الصافات: 65]. والشياطين ملعونون.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {أولئك الذين يدعون يبتغُون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقْرَبُ} الآية فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في نفر من الجن كان يعبدهم قوم من الإنس، فأسلم الجن ابتغاء الوسيلة عند ربهم، وبقي الإنس على كفرهم؛ قاله عبد الله بن مسعود. الثاني: أنهم الملائكة كانت تعبدهم قبائل من العرب، وهذا مروي عن ابن مسعود أيضاً. الثالث: هم وعيسى وأُمُّهُ، قاله ابن عباس ومجاهد. وهم المعنيّون بقوله تعالى {قلِ ادعُوا الذين زعمتم مِن دونه} وتفسيرها أن قوله تعالى {اولئك الذين يدعون} يحتمل وجهين: أحدهما: يدعون الله تعالى لأنفسهم. الثاني: يدعون عباد الله الى طاعته. وقوله تعالى: {يبتغون إلى ربهم الوسيلة} وهي القربة، وينبني تأويلها على احتمال الوجهين في الدعاء. فإن قيل إنه الدعاء لأنفسهم كان معناه يتوسلون إلى الله تعالى بالدعاء إلى ما سألوا. وإن قيل دعاء عباد الله إلى طاعته كان معناه أنهم يتوسلون لمن دعوه إلى مغفرته. {أيهم أقرَبُ} تأويله على الوجه الأول: أيهم أقرب في الإجابة. وتأويله على الوجه الثاني: أيهم أقرب إلى الطاعة. {ويرجون رحمته ويخافون عذابهُ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون هذا الرجاء والخوف في الدنيا. الثاني: أن يكونا في الآخرة. فإن قيل إنه في الدنيا احتمل وجهين: أحدهما: أن رجاء الرحمة التوفيق والهداية، وخوف العذاب شدة البلاء. وإن قيل إن ذلك في الآخرة احتمل وجهين: أحدهما: أن رجاء الرحمة دوام النعم وخوف عذاب النار. الثاني: أن رجاء الرحمة العفو، وخوف العذاب مناقشة الحساب. ويحتمل هذا الرجاء والخوف وجهين: أحدهما: أن يكون لأنفسهم إذا قيل إن أصل الدعاء كان لهم. الثاني: لطاعة الله تعالى إذا قيل إن الدعاء كان لغيرهم. ولا يمتنع أن يكون على عمومه في أنفسهم وفيمن دعوه. قال سهل بن عبد الله: الرجاء والخوف ميزانان على الإنسان فإذا استويا استقامت أحواله، وإن رجح أحدهما بطل الآخر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو وزن رجاء المؤمن وخوفه لاعتدلا".

ابن عطية

تفسير : الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم في هذه الآية، ليسوا عبدة الأصنام، وإنما هم عبدة من يعقل، واختلف في ذلك. فقال ابن عباس: هي في عبدة العزير والمسيح وأمه ونحوهم، وقال ابن عباس أيضاً، وابن مسعود: هي في عبدة الملائكة، وقال ابن مسعود أيضاً: هي في عبدة شياطين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم أولئك الشياطين، وعبدتهم بقوا يعبدونهم فنزلت الآية في ذلك. وقال ابن عباس أيضاً: هي في عبدة الشمس والقمر والكواكب وعزير والمسيح وأمه، وأي ذلك كان، فمعنى الآية: قل لهؤلاء الكفرة {ادعوا} عند الشدائد، و {الضر} هؤلاء المعبودين، فإنهم لا يملكون كشفه ولا تحويله عنكم، ثم أخبرهم على قراءة ابن مسعود وقتادة "تدعون" بالتاء، أو أخبر النبي عليه السلام على قراءة الجمهور، "يدعون" بالياء من تحت، أن هؤلاء المعبودين، يطلبون التقرب إلى الله والتزلف إليه وأن هذه حقيقة حالهم، وقرأ ابن مسعود "إلى ربك"، والضمير في {ربهم} للمتبعين أو للجميع، و {الوسيلة}، هي القربة، وسبب الوصول إلى البغية، وتوسل الرجل: إذا طلب الدنو والنيل لأمر ما، وقال عنترة: شعر : إن الرجال لهم إليك وسيلة تفسير : ومنه قول النبي عليه السلام: "حديث : من سأل الله لي الوسيلة" تفسير : الحديث. و {أيهم} ابتداء، و {أقرب} خبر، و {أولئك} يراد به المعبودون وهو: ابتداء خبره {يبتغون} والضمير في {يدعون} للكفار، وفي {يبتغون} للمعبودين، والتقدير: نظرهم ووكدهم أيهم أقرب وهذا كما قال عمر بن الخطاب في حديث الراية بخيبر: فبات الناس يدوكون أيهم يعطاها أي يتبارون في طلب القرب، وطفف الزجاج في هذا الموضع فتأمله، وقال ابن فورك وغيره: إن الكلام من قوله {أولئك الذين} راجع إلى النبيين المتقدم ذكرهم، فـ {يدعون} على هذا من الدعاء، بمعنى الطلبة إلى الله، والضمائر لهم في {يدعون} وفي {يبتغون} وباقي الآية بين. وقوله تعالى: {وإن من قرية} الآية: أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه ليس مدينة من المدن إلا هي هالكة قبل يوم القيامة بالموت والفناء، هذا مع السلامة وأخذها جزءاً أو هي معذبة مأخوذة مرة واحدة فهذا عموم في كل مدينة و {من} لبيان الجنس، وقيل المراد الخصوص {وإن من قرية} ظالمة، وحكى النقاش أنه وجد في كتاب الضحاك بن مزاحم في تفسير هذه الآية استقراء البلاد المعروفة اليوم، وذكر لهلاك كل قطر منها صفة، ثم ذكر نحو ذلك عن وهب بن منبه، فذكر فيه أن هلاك الأندلس وخرابها يكون بسنابك الخيل واختلاف الجيوش فيها، وتركت سائرها لعدم الصحة في ذلك، والمعلوم أن كل قرية تهلك، إما من جهة القحوط والخسف غرقاً، وإما من الفتن، أو منهما، وصور ذلك كثيرة لا يعلمها إلا الله عزّ وجل، فأما ما هلك بالفتنة، فعن ظلم ولا بد، إما في كفر أو معاص، أو تقصير في دفاع، وحزامة، وأما القحط فيصيب الله به من يشاء، وكذلك الخسف. وقوله {مهلكوها} الضمير لها، وفي ضمن ذلك الأهل، وقوله {معذبوها} هو على حذف مضاف، فإنه لا يعذب إلا الأهل، وقوله {في الكتاب} يريد في سابق القضاء، وما خطه القلم في اللوح المحفوظ، و"المسطور" المكتوب إسطاراً، وقوله تعالى: {وما منعنا أن نرسل} الآية، هذه العبارة في معناها هي على ظاهر ما تفهم العرب، فسمى سبق قضائه بتكذيب من كذب وتعذيبه منعاً، وأن الأولى في موضع نصب، والثانية في موضع رفع، والتقدير: وما منعنا الإرسال إلا التكذيب، وسبب هذه الآية حديث : أن قريشاً اقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، واقترح بعضهم أن يزيل عنهم الجبال حتى يزرعوا الأرض، فأوحى الله إلى محمد عليه السلام، إن شئت أن أفعل ذلك لهم، فإن تأخروا عن الإيمان عاجلتهم العقوبة، وإن شئت استأنيت بهم، عسى أن أجتبي منهم مؤمنين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بل تستأني بهم يا رب" تفسير : ، فأخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لم يمنعه من إرسال الآيات المقترحة إلا الاستيناء، إذ قد سلفت عادته بمعالجة الأمم الذين جاءتهم الآيات المقترحة فلم يؤمنوا، قال الزجاج: أخبر تعالى أن موعد كفار هذه الأمة الساعة، بقوله {أية : بل الساعة موعدهم} تفسير : [القمر: 46]، فهذه الآية تنظر إلى ذلك، ثم ذكر أمر ثمود، احتجاجاً إن قال منهم قائل نحن كنا نؤمن لو جاءتنا آية اقترحناها ولا نكفر بوجه، فذكر الله تعالى ثمود، بمعنى: لا تؤمنون إن تظلموا بالآية كما ظلمت ثمود بالناقة، وقرأ الجمهور: "ثمود" بغير تنوين، قال هارون: أهل الكوفة ينونون "ثموداً" في كل وجه، قال أبو حاتم: لا تنون العامة والعلماء بالقرآن "ثمود" في وجه من الوجوه، وفي أربعة مواطن ألف مكتوبة، ونحن نقرؤها بغير ألف، وقوله {مبصرة} على جهة النسب أي معها إبصار، كما قال: {أية : آية النهار مبصرة} تفسير : [الإسراء: 12] أي معها إبصار ممن ينظر، وهذا عبارة عن بيان أمرها، ووضوح إعجازها، وقرأ قوم "مُبصَرة" بضم الميم وفتح الصاد، حكاه الزجاج، ومعناه متبينة، وقرأ قتادة "مَبصَرة" بفتح الميم والصاد، وهي مَفعَلة من البصر ومثله قول عنترة: [الكامل]. شعر : الكفر مخبثة لنفس المنعم تفسير : وقوله {فظلموا بها} أي وضعوا الفعل غير موضعه، أي بعقرها، وقيل بالكفر في أمرها، ثم أخبر الله تعالى أنه إنما يرسل {بالآيات} غير المقترحة {تخويفاً} للعباد، وهي آيات معها إمهال لا معاجلة، فمن ذلك الكسوف والرعد والزلزلة وقوس قزح وغير ذلك، قال الحسن والموت الذريع، وروي أن الكوفة رجفت في مدة عبد الله بن مسعود. فقال: أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فاعتبوه، ومن هذا حديث : قول النبي علي السلام في الكسوف: "فافزعوا إلى الصلاة" تفسير : الحديث، وآيات الله المعتبر بها ثلاثة أقسام: فقسم عام في كل شيء إذ حيثما وضعت نظرك وجدت آية، وهنا فكرة العلماء، وقسم معتاد غباً كالرعد والكسوف ونحوه، وهنا فكرة الجهلة فقط، وقسم خارق للعادة وقد انقضى بانقضاء النبوءة، وإنما يعتبر به توهماً لما سلف منه.

النسفي

تفسير : {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم } إنها آلهتكم {مِن دُونِهِ } من دون الله وهم الملائكة، أو عيسى وعزير، أو نفر من الجن عبدهم ناس من العرب ثم أسلم الجن ولم يشعروا {فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً } أي ادعوهم فهم لا يستطيعون أن يكشفوا عنكم الضر من مرض أو فقر أو عذاب، ولا أن يحولوه من واحد إلى آخر {أُوْلَـٰئِكَ } مبتدأ {ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ } صفة أي يدعونهم آلهة أو يعبدونهم والخبر {يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ } يعني أن آلهتهم أولئك يبتغون الوسيلة وهي القربة إلى الله عز وجل {أَيُّهُم } بدل من واو يبتغون و«أي» موصولة أي يبتغي من هو {أَقْرَبُ } منهم الوسيلة إلى الله فكيف بغير الأقرب أو ضمن يبتغون الوسيلة معنى يحرصون فكأنه قيل: يحرصون أيهم يكون أقرب إِلى الله وذلك بالطاعة وازدياد الخير {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَـٰفُونَ عَذَابَهُ } كغيرهم من عباد الله فكيف يزعمون أنهم آلهة {إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا } حقيقاً بأن يحذره كل أحد من ملك مقرب ونبي مرسل فضلاً عن غيرهم {وَإِن مّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَوْ مُعَذّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا } قبل الهلاك للصالحة والعذاب للطالحة {كَانَ ذٰلِك فِى ٱلْكِتَـٰبِ } في اللوح المحفوظ {مَسْطُورًا } مكتوباً. وعن مقاتل: وجدت في كتب الضحاك في تفسيرها: أما مكة فيخربها الحبشة، وتهلك المدينة بالجوع، والبصرة بالغرق، والكوفة بالترك، والجبال بالصواعق والرواجف. أما خراسان فعذابها ضروب، وأما بلخ فتصيبهم هدَّة فيهلك أهلها، وأما بدخشان فيخربها أقوام، وأما ترمذ فأهلها يموتون بالطاعون، وأما صغانيان إلى ولشجرد فيقتلون بقتل ذريع، وأما سمرقند فيغلب عليها بنو قنطوراء فيقتلون أهلها قتلاً ذريعاً، وكذا فرغانة والشاش واسبيجاب وخوارزم، وأما بخارى فهي أرض الجبابرة فيموتون قحطاً وجوعاً، وأما مرو فيغلب عليها الرمل ويهلك بها العلماء والعباد، وأما هراة فيمطرون بالحيات فتأكلهم أكلاً، وأما نيسابور فيصيب أهلها رعد وبرق وظلمة فيهلك أكثرهم، وأما الري فيغلب عليها الطبرية والديلم فيقتلونهم، وأما أرمينية وأذربيجان فيهلكها سنابك الخيول والجيوش والصواعق والرواجف، وأما همذان فالديلم يدلخها ويخربها، وأما حلوان فتمر بها ريح ساكنة وهم نيام فيصبح أهلها قردة وخنازير ثم يخرج رجل من جهينة فيدخل مصر، فويل لأهلها ولأهل دمشق، وويل لأهل إفريقية وويل لأهل الرملة، ولا يدخل بيت المقدس، وأما سجستان فيصيبهم ريح عاصف أياماً ثم هدة تأتيهم ويموت فيها العلماء وأما كرمان وأصبهان وفارس فيأتيهم عدو وصاحوا صيحة تنخلع القلوب وتموت الأبدان .

البقاعي

تفسير : ولما أثبت أن شأنه تعالى فعل ذلك وأمثاله من التفضيل والتحويل على حسب علمه وقدرته، ثبت بغير شبهة أن لا مفزع إلا إليه، فأمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم تحقيقاً لذلك أن يأمرهم بما يظهر به عجز شركائهم، رداً عليهم في قولهم: لسنا بأهل لعبادته استقلالاً، فنحن نعبد بعض المقربين ليشفع لنا عنده، فقال تعالى: {قل ادعوا الذين} وأشار إلى ضعف عقولهم وعدم تثبتهم بالتعبير بالزعم فقال تعالى: {زعمتم} أنهم آلهة؛ وبين سفول رتبتهم بقوله تعالى: {من دونه} أي من سواه كالملائكه وعزير والمسيح والأصنام، ليجلبوا لكم خيراً، أو يدفعوا عنكم ضراً {فلا} أي فإن دعوتموهم أو لم تدعوهم فإنهم لا {يملكون كشف الضر} أي البؤس الذي من شأنه أن يرض الجسم كله {عنكم} حتى لا يدعوا شيئاً منه {ولا تحويلاً *} له من حالة إلى ما هو أخف منها، فضلاً عن أن يبدلوه بحالة حسنة أو يحولوه إلى عدوكم، والآية نحو قوله تعالى: {أية : فما يستطيعون صرفاً ولا نصراً} تفسير : [ الفرقان: 19] فكيف يتخذ أحد منهم دوني وكيلاً؟ قالوا: وسبب نزولها شكوى قريش إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما نزل بهم من القحط حين دعا عليهم بسبع كسبع يوسف عليه السلام. ولم ينضب { يملكون} لئلا يظن أن النفي مسبب عن الدعاء فيتقيد به. ولما بين أنه لا ضر لهم ولا نفع، بين أنهم يتسابقون إلى القرب إليه رجاء أن ينفعهم وخوف أن يضرهم فقال تعالى: {أولئك} أي الذين أعلوا مراتبهم بالإقبال على طاعة الله، وكان المشركون يعلون مراتبهم بتألههم، وعبر عن ذلك واصفاً للمبتدإ بقوله تعالى: {الذين يدعون} أي يدعوهم الكفار ويتألهونهم؛ ثم أخبر عن المبتدإ بقوله تعالى: {يبتغون} أي يطلبون طلباً عظيماً {إلى ربهم} المحسن إليهم وحده {الوسيلة} أي المنزلة والدرجة والقربة بالأعمال الصالحة {أيهم أقرب} أي يتسابقون بالأعمال مسابقة من يطلب كل منهم أن يكون إليه أقرب ولديه أفضل {ويرجون رحمته} رغبة فيما عنده {ويخافون عذابه} تعظيماً لجنابه، المكلف منهم كالملائكة والمسيح وعزير بالفعل، وغيرهم كالأصنام بالقوة من حيث إنه قادر على أن يخلق فيها قوة الإدراك للطاعة والعذاب فتكون كذلك فالعابدون لهم أجدر بأن يعبدوه ويبتغوا إليه الوسيلة؛ وروى البخاري في التفسير عن عبد الله رضي الله عنه {إلى ربهم الوسيلة} قال: كان ناس من الإنس يعبدون ناساً من الجن فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم. ثم علل خوفهم بأمر عام فقال تعالى: {إن عذاب ربك} أي المحسن إليك برفع انتقام الاستئصال منه عن أمتك {كان} أي كوناً ملازماً له {محذوراً *} أي جديراً بأن يحذر لكل أحد من ملك مقرب ونبي مرسل فضلاً عن غيرهم، لما شوهد من إهلاكه للقرون ومن صنائعه العظيمة. ولما كان المعنى: فاحذرونا فإنا أبدنا الأمم السالفة ودمرنا القرى المشيدة، عطف عليه قوله تعالى: {وإن} أي وما؛ وأعرق في النفي فقال تعالى: {من قرية} من القرى هذه التي أنتم بها وغيرها {إلا نحن} أي بما لنا من العظمة {مهلكوها} بنوع من الهلاك، لما هم عليه من الكفر أو العصيان، وعن مقاتل أنها عامة للصالحة بالموت والطالحة بالعذاب. ولما كان الممكن ليس له من ذاته إلا العدم، وذلك مستغرق لزمان القبل، حذف الجار فقال تعالى: {قبل يوم القيامة} الذي أنتم به مكذبون، كما فعلنا في بيت المقدس في المرتين المذكورتين أول السورة لإفساد أهلها فاحذروا مثل ذلك {أو معذبوها} أي القرية بعذاب أهلها {عذاباً شديداَ} مع بقائها. ولما أكد ذلك بالاسمية، زاده تأكيداً في جواب من كأنه قال: هل في ذلك من ثنيا لأن مثله لا يكاد يصدق؟ فقال تعالى: {كان ذلك} أي الأمر العظيم {في الكتاب} الذي عندنا {مسطوراً *} على وجه الخبر، والأخبار لا تنسخ، فلو لم يكن حشر كان أمرنا جديراً بأن يمتثل حذراً من سطواتنا، ولا بد من أن نخيفكم بعد طول أمنكم ونهلك كثيراً من أعزائكم على يد هذا الرجل الواحد الذي أنتم كلكم متمالئون عليه مستهينون بأمره، مع أنا أرسلناه لعزكم وعلو ذكركم، ولا بد أن ندخله إلى بلدكم هذا بجنود أولي بأس شديد، لإفسادكم فيه واستهانتكم به كما فعلنا ببني إسرائيل حين أفسدوا في مسجدهم كما تقدم؛ قال الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني في كتاب الفتن: حدثنا عبد بن أحمد بن محمد الهروي في كتابه ثنا عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين ثنا محمد بن هارون الحضرمي ثنا علي بن عبد الله التميمي ثنا عبد المنعم بن إدريس قال: أخبرنا أبي عن وهب بن منبه قال: الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب إرمينية، وإرمينية آمنة من الخراب حتى تخرب مصر، ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب الكوفة، ولا تكون الملحمة الكبرى حتى تخرب الكوفة، فإذا كانت الملحمة الكبرى فتحت القسطنطينية على يدي رجل من بني هاشم، وخراب الأندلس من قبل الزنج، وخراب إفريقية من قبل الأندلس، وخراب مصر من انقطاع النيل واختلاف الجيوش فيها، وخراب العراق من قبل الجوع والسيف، وخراب الكوفة من قبل عدو من ورائهم يحقرهم حتى لا يستطيعوا أن يشربوا من الفرات قطرة، وخراب البصرة من قبل العراق، وخراب الأبلة من قبل عدو يحفزهم مرة براً ومرة بحراً، وخراب الريّ من قبل الديلم، وخراب خراسان من قبل تبت، وخراب تبت من قبل الصين، وخراب الصين من قبل الهند، وخراب اليمن من قبل الجراد والسلطان، وخراب مكة من قبل الحبشة، وخراب المدينة من قبل الجوع؛ حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد حدثنا علي بن محمد بن نصير حدثنا محمد بن خلف أخبرنا سالم بن جنادة أخبرنا أبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:"حديث : آخر قرية من قرى الإسلام خراباً المدينة" تفسير : انتهى. وقد أخرجه الترمذي من هذا الوجه.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل، عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا‏ً} ‏ قال‏:‏ كان نفر من الإنس يعبدون نفراً من الجن، فأسلم النفر من الجن، وتمسك الإنسيون بعبادتهم، فأنزل الله ‏ {‏أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة‏} ‏ كلاهما بالياء‏. وأخرج ابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ نزلت هذه الآية في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن، فأسلم الجنيون، والنفر من العرب لا يشعرون بذلك‏. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ كان قبائل من العرب يعبدون صنفاً من الملائكة يقال لهم الجن، ويقولون هم بنات الله، فأنزل الله ‏{‏أولئك الذين يدعون‏}‏ الآية‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية‏.‏ قال‏:‏ كان أهل الشرك يعبدون الملائكة والمسيح وعزيرا‏ً. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏فلا يملكون كشف الضر عنكم‏}‏ قال‏:‏ عيسى وأمه وعزير‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏أولئك الذين يدعون‏}‏ قال‏:‏ هم عيسى وعزير والشمس والقمر‏. وأخرج الترمذي وابن مردويه واللفظ له، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -‏ ‏"حديث : "‏سلوا الله لي الوسيلة" قالوا‏:‏ وما الوسيلة‏؟‏ قال‏: "القرب من الله"‏ ثم قرأ ‏ {‏يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب‏} .

ابو السعود

تفسير : {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم} أنها آلهةٌ {مِن دُونِهِ} تعالى من الملائكة والمسيحِ وعُزيرٍ {فَلاَ يَمْلِكُونَ} فلا يستطيعون {كَشَفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ} بالمرة كالمرض والفقر والقَحطِ ونحو ذلك {وَلاَ تَحْوِيلاً} أي ولا تحويلَه إلى غيركم {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ} أي أولئك الآلهةُ الذين يدعوهم المشركون من المذكورين {يَبْتَغُونَ} يطلبون لأنفسهم {إِلَىٰ رَبّهِم} ومالكِ أمورِهم {ٱلْوَسِيلَةَ} القربةَ بالطاعة والعبادة {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} بدلٌ من فعل يبتغون وأيُّ موصولةٌ، أي يبتغي مَنْ هو أقرب إليه تعالى الوسيلةَ فكيف بمن دونه؟ أو ضُمّن الابتغاءُ معنى الحِرص فكأنه قيل: يحرِصون أيُّهم أقربَ إليه تعالى بالطاعة والعبادة {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ} بها {وَيَخَـٰفُونَ عَذَابَهُ} بتركها كدأب سائرِ العباد فأين هم من كشف الضرِّ فضلاً عن الإلٰهية {إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا} حقيقاً بأن يحذرَه كلُّ أحدٍ حتى الملائكةُ والرسلُ عليهم الصلاة والسلام، وهو تعليلٌ لقوله تعالى: {وَيَخَـٰفُونَ عَذَابَهُ} وتخصيصُه بالتعليل لما أن المقامَ مقامُ التحذيرِ من العذاب وأن بـينهم وبـين العذاب بَوناً بعيداً. {وَإِن مّن قَرْيَةٍ} بـيانٌ لتحتم حلول عذابِه تعالى بمن لا يحذره إثرَ بـيانِ أنه حقيقٌ بالحذر وأن أساطينَ الخلق من الملائكة والنبـيـين عليهم الصلاة والسلام على حذر من ذلك، وكلمةُ إنْ نافيةٌ ومِنْ استغراقيةٌ، والمرادُ بالقرية القريةُ الكافرةُ أي ما من قرية من قرى الكفار {إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا} أي مُخْرِبوها البتةَ بالخسف بها أو بإهلاك أهلِها بالمرة لما ارتكبوا من عظائمِ المُوبقات المستوجبةِ لذلك، وفي صيغة الفاعلِ وإن كانت بمعنى المستقبَل ما ليس فيه من الدِلالة على التحقق والتقرّرِ وإنما قيل: {قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} لأن الإهلاكَ يومئذ غيرُ مختصَ بالقرى الكافرة ولا هو بطريق العقوبةِ وإنما هو لانقضاء عمرِ الدنيا {أَوْ مُعَذّبُوهَا} أي معذبو أهلِها على الإسنادِ المجازيِّ {عَذَاباً شَدِيداً} لا بالقتل والسبْـي ونحوِهما من البلايا الدنيويةِ فقط، بل بما لا يُكتَنه كُنهُه من فنون العقوبات الأخرويةِ أيضاً حسبما يُفصح عنه إطلاقُ التعذيبِ عما قُيد به الإهلاكُ من قَبْلية يومِ القيامة، كيف لا وكثيرٌ من القرى العاتية العاصيةِ قد أُخّرت عقوباتُها إلى يوم القيامة {كَانَ ذَلِكَ} الذي ذكر من الإهلاك والتعذيب {فِى ٱلْكِتَـٰبِ} أي اللوح المحفوظ {مَسْطُورًا} مكتوباً لم يغادَرْ منه شيءٌ إلا بُـيِّن فيه بكيفياته وأسبابِه الموجبةِ له ووقتِه المضروبِ له. هذا وقد قيل: الهلاكُ للقُرى الصالحة والعذابُ للطالحة، وعن مقاتل: «وجدتُ في كتاب الضحاك بن مزاحم في تفسيرها أما مكةُ فُيْخرِبها الحبشةُ وتهلِك المدينةُ بالجوع والبصرةُ بالغرق والكوفةُ بالتُّرك والجبالُ بالصواعق والرواجف، وأما خراسانُ فهلاكُها ضُروبٌ ثم ذكرها بلداً بلداً، وقال الحافظ أبو عمْرو الداني في كتاب الفتن: أنه رُوي عن وهْب بن منبّه أن الجزيرةَ آمنةٌ من الخراب حتى تخرَبَ أرمينيةُ، وأرمينيةُ آمنةٌ حتى تخرَب مصرُ، ومصرُ آمنةٌ حتى تخرَبَ الكوفةُ ولا تكون الملحمةُ الكبرى حتى تخرَب الكوفةُ، فإذا كانت الملحمةُ الكبرى فُتحت قُسطنطينةُ على يَديْ رجلٍ من بني هاشم، وخرابُ الأندلس من قِبَل الزَّنْج، وخرابُ إفريقيةَ من قِبَل الأندلس، وخرابُ مصرَ من انقطاع النيلِ واختلافِ الجيوش فيها، وخرابُ العراقِ من الجوع، وخرابُ الكوفة من قِبل عدوٍّ من ورائهم يحصُرهم حتى لا يستطيعون أن يشربوا من الفرات قطرةً، وخرابُ البصرة من قِبل الغرق، وخرابُ الأَيْلة من قبل عدوٍّ يحصُرهم برًّا وبحراً، وخرابُ الرّيّ من الديلم، وخرابُ خراسانَ من قبل التّبْت، وخرابُ التبت من قبل الصّين، وخرابُ الهندِ واليمن من قبل الجرَاد والسلطان، وخرابُ مكةَ من الحبشة، وخرابُ المدينة من الجوع». وعن أبـي هريرة رضي الله عنه أن النبـي عليه الصلاة والسلام قال: « حديث : آخرُ قريةٍ من قرى الإسلام خراباً المدينةُ » تفسير : وقد أخرجه العمري من هذا الوجه. وأنت خبـيرٌ بأن تعميمَ القريةِ لا يساعده السباقُ ولا السياق.

القشيري

تفسير : استعينوا فيما يستقبلكم بالأصنام التي عبدتموها من دون الله حتى تتحققوا أنه لا تنفعكم عبادةُ شيءٍ من دون الله، ولا يضركم تَرْكُ ذلك، ولقد قيل في الخبر: "حديث : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ".

اسماعيل حقي

تفسير : {قل ادعوا} [بخوانييد اى مشركان مكة]{الذين زعمتم} انهم آلهة {من دونه} اى متجاوزين الله تعالى كالملائكة والمسيح وامه وعزير {فلا يملكون} فلا يستطيعون {كشف الضر عنكم} ازالة نحو المرض والفقر والقحط {ولا تحويلا} ولا تحويله ونقله منكم الى غيركم من القبائل.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {أولئك}: مبتدأ، و {الذين يدعون}: صفته، و {يبتغون}: خبره. وضمير "يدعون": للكفار، وفي "يبتغون": للآلهة المعْبُودين، وقيل: الضمير في "يدعون" و "يبتغون": للأنبياء المذكورين قبلُ في قوله: {فضَّلنا بعض النبيين على بعض}، والوسيلة: ما يتوسل به ويتقرب إلى الله، و {أيهم}: بدل من فاعل {يبتغون}، و "أيّ": والوسيلة: ما يتوسل به ويتقرب إلى اللهِ، و {أيهم}: بدل من فاعل {يبتغون}، و "أيّ": موصولة، أي: يبتغي من هو أقرب إليه تعالى -الوسيلة -، فكيف بمن دونه؟ أو ضمَّنَ معنى يبتغون: يحرصون، أي: يحرصون أيهم يكون إليه تعالى أقرب؟ يقول الحقّ جلّ جلاله: {قلْ} لهم: {ادعوا الذين زعمتم} أنهم آلهة تعبدونهم {من دونه} كالملائكة والمسيح وعُزير، أو كالأصنام والأوثان، {فلا يملكون}؛ لا يستطيعون {كشف الضر عنكم}، كالمرض والفقر والقحطِ، {ولا تحويلاً} لذلك عنكم إلى غيركم، قال تعالى: {أولئك الذين يدعون} أنهم آلهة، هم في غاية الافتقار إلى الله والتوسل إليه، كلهم {يبتغون إِلى ربهم الوسيلةَ} أي: التقرب بالطاعة، ويحرصون {أيهم أقربُ} إلى الله من غيره، فكيف يكونون آلهة؟ أو: أولئك الذين يدعونهم آلهة، يطلبون إلى ربهم الوسيلة بالطاعة، يطلبها أيهم أقرب، أي: الذي هو أقرب، فكيف بغير الأقرب؟ {ويرجون رحمته ويخافون عذابه} كسائر العباد، فكيف يزعمون أنهم آلهة؟ {إن عذاب ربك كان محذورًا}؛ مخوفًا، أي: حقيقًا بأن يحذره كل أحد، حتى الرسل والملائكة. أعاذنا الله من جميعه. آمين. الإشارة: كل ما دخل عالم التكوين لزمته القهرية والعبودية، فهو عاجز عن إصلاح نفسه، فكيف يصلح غيره؟ ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه، فكيف يدفع عن غيره؟ فارفع همتك، أيها العبد، إلى مولاك، وأنزل حوائجك كلها به دون أحد سواه، فكل ما سواه مفتقر إليه، والفقير المضطر لا ينفع نفسه، فكيف ينفع غيره؟ والله يتولى هداك. ثمَّ بين قهريته تعالى

الجنابذي

تفسير : {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم} شركاء الله فى الوجوب ايّتها الثّنويّة او فى الآلهة ايّتها الثّنويّة والصّابئة، او فى العبادة ايّتها الوثنيّة وغير الوثنيّة، او فى الولاية ايّتها التّابعة لغير ولىّ الامر، او فى الطّاعة ايّتها التّابعة للامراء والسّلاطين، او للعلماء السّوء والمبطلين، او فى الوجود والشّهود وهم اكثر النّاس الاّ من شذّ وندروهم المقرّبون من الانبياء والاولياء (ع) الكاملين، واسقط المفعول ليذهب ذهن السّامع كلّ مذهبٍ ممكنٍ كما ذكر، اى قل ادعو الّذين زعمتم واجبى الوجود او آلهةً او معبودين او اولياء الله او مطاعين او مستقلّين فى الوجود {مِّن دُونِهِ} التّقييد به للاشعار بصحّة دعوة الاولياء (ع) والمطاعين من الله فانّهم يملكون باذنٍ من الله كشف الضّرّ {فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً} له الى غيركم.

اطفيش

تفسير : {قُلِ ادْعُوا} اطلبوا فى كشف الضر عنكم وتحويله. {الَّذِينَ زَعَمْتُم} أنهم آلهة. {مِّن دُونِهِ} من دون الله عز وجل كالملائكة والأَصنام والمسيح وعزير ومريم والشمس والقمر والنجوم والجن فالتعبير بصيغة العقلاء كالذين ويستطيعون ونحوهما مما يأْتى تغليب للعقلاء من ذلك أو تنزل لغير العقلاء من ذلك منزلة العقلاء عندهم. وقال ابن عباس ليست الآية فى عبادة الأَصنام بل فى عبادة من يعقل كموسى وأُمه وعزير، وفى رواية عنه هم عيسى وأمه وعزير والملائكة والشمس والقمر والنجوم وعن الحسن الملائكة وعيسى، روى أن المشركين أصابهم قحط أكلوا به الخيف فاستغاثوا بالنبى - صلى الله عليه وسلم - ليدعوا لهم. فقال الله عز وجل: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه}. {فَلا يَمْلِكُونَ} لا يستطيعون {كَشْفَ} إِزالة. {الْضُّرِّ} الجوع والقحط والمرض والعذاب. {عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً} له منكم إِلى غيركم أو ولا تحويلا للحال من العسر إِلى اليسر..

اطفيش

تفسير : {قُلِ} للمشركين العابدين لغير الله من العقلاء كالملائكة والجن، وعيسى ومريم، وعزير لقوله: "أية : أولئك الذين يدعون" تفسير : [الإسراء: 57]. {ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ} قال ابن عباس: كل زعم فى القرآن بمعنى الكذب، ويطلق أيضا على الحق، ويطلق أيضا على ما قيل بلا دليل، ولا يقطع بكذبه، ومن الحق قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : زعم جبريل على ما قيل من وروده" تفسير : وقول ضمام بن ثعلبة: أتانا يا محمد رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك كذا قيل. قلت: الحق أن هذا مما لم يتبين له دليل، فلما قال صلى الله عليه وسلم صدق رسوله، فتحقق الأمر عند ضمام أن زعم رسوله حزم، وأن زعمه صلى الله عليه وسلم جزم، وقول سيبويه: زعم الخليل يحتمل عدم الدليل. {مِنْ دُونِهِ} معنى من دون غيره، فليس المراد أنهم يعبدون غير الله وحده، وقريش يعبدون الله وغيره، ولا إشكال، ويجوز أن يقال: عبادة غير الله ناقصة لعبادة الله، فكأنهم اقتصروا على عبادة غير الله والتقدير زعمتم أنهم آلهة، أو زعمتموهم آلهة، والأول أولى لقلة نصب زعم مفعولين صريحين نحو: زعمتنى شيخاً، ولوروده فى سائر القرآن بأن، وإن قيل كان بعض العرب يعبدون طائفة من الملائكة يسمونهم الجن، وبعض وهم خزاعة يعبد طائفة من الجن، وأسلم الجن دونهم، ويجعلون للملك الذى يعبدونه تمثالا على صورته التى يتوهمونها، ويعبدونه. وعن ابن عباس ومجاهد: نزلت فى الذين يعبدون المسيح، وأمه وعزير أو الملائكة والشمس والقمر والنجوم، وعليه فقوله: "أية : أولئك الذين يدعون" تفسير : [الإسراء: 57] إلخ راجع إلى المجموع لا الجميع، لأن الشمس والقمر والنجوم لا تتصف بابتغاء الوسيلة أيهم أقرب، والأصنام كذلك إن أدخلت فى الآية، والأولى تخصيصهم بالعقلاء المذكورين من الملائكة والأنبياء. وروى أن قريشا أصابهم قحط شديد أكلوا به الكلاب والجيف، واستغاثوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل قوله تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه}. {فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً} لا يستطيعون إزالة القحط والمرض والفقر، والمصائب عنكم، ولا تحويلا لذلك عنكم إلى غيركم ممن لا يعبد هؤلاء، ولا سيما أن عزيراً مات، فكيف يزيل ذلك وإِنما يزيله الله، قال الله عز وجل: "أية : وما بكم من نعمة فمن الله" تفسير : [النحل: 53].

الالوسي

تفسير : {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مّن دُونِهِ} الخ كالاستدلال على حقية ما دعاهم إليه من التوحيد وربطه بما تقدم على ما ذكرناه أولاً لا أظنه يخفي. والزعم بتثليث الزاي قريب من الظن ويقال إنه القول المشكوك فيه ويستعمل بمعنى الكذب حتى قال ابن عباس: كلما ورد في القرآن زعم فهو كذب وقد يطلق على القول المحقق والصدق الذي لا شك فيه. فقد أخرج مسلم من حديث أنس حديث : أن رجلاً من أهل البادية ـ واسمه ضمام بن ثعلبة ـ جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله تعالى أرسلك قال: صدق تفسير : الحديث فإن تصديق النبـي عليه الصلاة والسلام إياه مع قوله زعم وتزعم دليل على ما قلنا. وورد عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: زعم جبريل عليه السلام كذا، وقد أكثر سيبويه وهو إمام العربية في «كتابه» من قوله: زعم الخليل زعم أبو الخطاب يريد بذلك القول المحقق وقد نقل ذلك جماعات من أهل اللغة وغيرهم ونقله أبو عمر الزاهد في «شرح الفصيح» عن شيخه أبـي العباس ثعلب عن العلماء باللغة من الكوفيين والبصريين. وهو مما يتعدى إلى مفعولين وقد حذفا هٰهنا أو ما يسد مسدهما أي زعمتم أنهم آلهة أو زعمتموهم آلهة ويدل عليه قوله تعالى: {مِن دُونِهِ} وحذف المفعولين معاً أو حذف ما يسد مسدهما جائز والخلاف في حذف أحدهما. والظاهر أن المراد من الموصول كل من عبد من دون الله سبحانه من العقلاء. وأخرج عبد الرزاق وابن أبـي شيبة والبخاري والنسائي والطبراني وجماعة عن ابن مسعود قال: كان نفر من الإنس يعبدون نفراً من الجن فأسلم النفر من الجن وتمسك الإنسيون بعبادتهم فنزلت هذه الآية. وكان هؤلاء الإنس من العرب كما صرح به في رواية البيهقي وغيره عنه، وفي أخرى التصريح بأنهم من خزاعة، وفي رواية ابن جرير أنه قال: كان قبائل من العرب يعبدون صنفاً من الملائكة يقال لهم الجن ويقولون هم بنات الله سبحانه فنزلت الآية. وعن ابن عباس أنها نزلت في الذين أشركوا بالله تعالى فعبدوا عيسى وأمه / وعزيراً والشمس والقمر والكواكب، وعلى هذا ففي الآية على ما في «البحر» تغليب العاقل على غيره. ومتى صح إدراج الشمس والقمر والكواكب على سبيل التغليب بناءً على أنها ليست من ذوي العلم فليدرج سائر ما عبد بالباطل من الأصنام ويرتكب التغليب. وتعقب بأن ما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى من ابتغاء الوسيلة ورجاء الرحمة والخوف من العذاب يؤيد إرادة العقلاء كعيسى وعزير عليهما السلام بناءً على أن الأصنام لا يعقل منها ذلك، وارتكاب التغليب هناك أيضاً خلاف الظاهر جداً. والدعاء كالنداء لكن النداء قد يقال إذا قيل: يا أو أيا أو نحوهما من غير أن يضم إليه الاسم والدعاء لا يكاد يقال إلا إذا كان معه الاسم نحو يا فلان وقد يستعمل كل منهما موضع الآخر. والمراد ادعوهم لكشف الضر الذي هو أولى من جلب النفع وأهم وتوجه القلب إلى من يكشفه أكمل وأتم. {فَلاَ يَمْلِكُونَ} فلا يستطيعون بأنفسهم {كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ} كالمرض والفقر والقحط وغيرها {وَلاَ تَحْوِيلاً} ولا نقله منكم إلى غيركم ممن لم يعبدهم أو ولا تبديله بنوع آخر ومن لا يملك ذلك لا يستحق العبادة إذ شرط استحقاقها القدرة الكاملة التامة على دفع الضر وجلب النفع ولا تكون كذلك إذا كانت مفاضة من الغير، وكأن المراد من نفي ملكهم ذلك نفي قدرتهم التامة الكاملة عليه وكون قدرة الآلهة الباطلة مفاضة منه تعالى مسلم عند الكفرة لأنهم لا ينكرون أنها مخلوقة لله تعالى بجميع صفاتها وأن الله سبحانه أقوى وأكمل صفة منها، وبهذا يتم الدليل ويحصل الإفحام وإلا فنفي قدرة نحو الجن والملائكة الذين عبدوا من دون الله تعالى مطلقاً على كشف الضر مما لا يظهر دليله فإنه إن قيل: هو أنا نرى الكفرة يتضرعون إليهم ولا تحصل لهم الإجابة عورض بأنا نرى أيضاً المسلمين يتضرعون إلى الله تعالى ولا تحصل لهم الإجابة. وقد يقال: المراد نفي قدرتهم على ذلك أصلاً ويحتج له بدليل الأشعري على استناد جميع الممكنات إليه عز وجل ابتداء. وفسر بعضهم الضر هنا بالقحط بناءً على ما روي أن المشركين أصابهم قحط شديد أكلوا فيه الكلاب والجيف فاستغاثوا بالنبـي صلى الله عليه وسلم ليدعو لهم فنزلت، وأنت تعلم أن هذا لا يوجب التخصيص. واستدل بهذه الرواية على أن نفي الاستطاعة مطلقاً عن آلهتهم كان إذ ذاك مسلماً عندهم وإلا لما تركوها واستغاثوا بالنبـي صلى الله عليه وسلم ليدعو لهم وفيه نظر فانظر وتدبر.

ابن عاشور

تفسير : لم أر لهذه الآية تفسيراً ينثلج له الصدر، والحيرة بادية على أقوال المفسرين في معناها وانتظام موقعها مع سابقها، ولا حاجة إلى استقراء كلماتهم. ومرجعها إلى طريقتين في محمل {الذين زعمتم من دونه} إحداهما في «تفسير الطبري» وابن عطية عن ابن مسعود والحسن. وثانيتهما في «تفسير القرطبي» والفخر غير معزوة لقائل. والذي أرى في تفسيرها أن جملة {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه} إلى {تحويلاً} معترضة بين جملة {أية : ولقد فضلنا بعض النبيين} تفسير : [الإسراء: 55] وجملة {أية : أولئك الذين يدعون}تفسير : [الإسراء: 57]. وذلك أنه لما جرى ذكر الأفضلين من الأنبياء في أثناء آية الرد على المشركين مقالتهم في اصطفاء محمد صلى الله عليه وسلم للرسالة واصطفاء أتباعه لولايته ودينه، وهي آية {أية : وربك أعلم بمن في السماوات والأرض}تفسير : [الإسراء: 55] إلى آخرها، جاءت المناسبة لرد مقالة أخرى من مقالاتهم الباطلة وهي اعتذارهم عن عبادة الأصنام بأنهم ما يعبدونهم إلا ليقربوهم إلى الله زلفى، فجعلوهم عباداً مقربين ووسائل لهم إلى الله، فلما جرى ذكر المقربين حقاً انتُهزت مناسبة ذكرهم لتكون مخلصاً إلى إبطال ما ادعوه من وسيلة أصنامهم على عادة إرشاد القرآن من اغتنام مناسبات الموعظة، وذلك من أسلوب الخطباء. فهذه الآية متصلة المعنى بآية {أية : قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً}تفسير : [الإسراء: 42]. فبعد أن أبطل أن يكون مع الله آلهة ببرهان العقل عاد إلى إبطال إلهيتهم المزعومة ببرهان الحسّ. وهو مشاهدة أنها لا تغني عنهم كشف الضر. فأصل ارتباط الكلام هكذا: ولقد فضلنا بعض النبيئين على بعض وآتينا داوود زبورا أولئك الذين يدعون يبتغون الآية. فبمناسبة الثناء عليهم بابتهالهم إلى ربهم ذكر ضد ذلك من دعاء المشركين آلهتهم. وقدم ذلك، على الكلام الذي أثار المناسبة، اهتماماً بإبطال فعلهم ليكون إبطاله كالغرض المقصود ويكون ذكر مقابله كالاستدلال على ذلك الغرض. ولعل هذه الآية نزلت في مدة إصابة القحط قريشاً بمكّة، وهي السبع السنون التي هي دعوة النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف»تفسير : . وتسلسل الجدال وأخذ بعضه بحُجز بعض حتى انتهى إلى هذه المناسبة. والمِلْكُ بمعنى الاستطاعة والقدرة كما في قوله: {أية : قل فمن يملك من الله شيئاً} تفسير : [المائدة: 17]، وقوله: {أية : قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً}تفسير : في سورة [العقود: 76]. والمقصود من ذلك بيان البون بين الدعاء الحق والدعاء الباطل. ومن نظائر هذا المعنى في القرآن قوله تعالى: {أية : إن وَلِيّي الله الذي نزَّل الكتاب وهو يتولَّى الصالحين والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون}تفسير : في سورة [الأعراف: 196-197]. والكشف: مستعار للإزالة. والتحويل: نقل الشيء من مكان إلى مكان، أي لا يستطيعون إزالة الضر عن الجميع ولا إزالته عن واحد إلى غيره.

الشنقيطي

تفسير : بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المعبودين من دون الله الذين زعم الكفار أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، ويشفعون لهم عنده لا يملكون كشف الضر عن عابديهم. أي إزالة المكروه عنهم، ولا تحويلاً أي تحويله من إنسان إلى آخر، أو تحويل المرض إلى الصحة، والفقر إلى الغنى، والقحط إلى الجدب ونحو ذلك. ثم بين فيها أيضاً أن المعبودين الذين عبدهم الكفار من دون الله يتقربون إلى الله بطاعته، ويبتغون الوسيلة إليه، أي الطريق إلى رضاه ونيل ما عنده من الثواب بطاعته فكان الواجب عليكم أن تكونوا مثلهم. قال ابن مسعود: نزلت هذه الآية في قوم من العرب من خزاعة أو غيرهم، كانوا يعبدون رجالاً من الجن، فأسلم الجنيون وبقي الكفار يعبدونهم فأنزل الله {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ} الآية وعن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في الذين كانوا يعبدون عزيراً والمسيح وأمه. وعنه أيضاً، وعن ابن مسعود، وابن زيد، والحسن: أنها نزلت في عبدة الملائكة. وعن ابن عباس: أنها نزلت في عبدة الشمس والقمر والكواكب وعزير والمسيح وأمه. وهذا المعنى الذي بينه جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أن كل معبود من دون الله لا ينفع عابده، وأن كل معبود من دونه مفتقر إليه ومحتاج له جل وعلا - بينه أيضاً في مواضع أخر، كقوله "في سبأ" {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}تفسير : [سبأ:22-23]، وقوله "في الزمر":{أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ}تفسير : [الزمر:38]، إلى غير ذلك من الآيات وقد قدمنا "في سورة المائدة" أن المراد بالوسيلة في هذه الآية الكريمة "وفي آية المائدة": هو التقرب إلى الله بالعمل الصالح. ومنه قول لبيد: شعر : أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم بلى كل ذي لب إلى الله واسل تفسير : وقد قدمنا "في المائدة" أن التحقيق أن قول عنترة: شعر : إن الرجال لهم إليك وسيلة إن يأخذوك تكحلي وتخضبي تفسير : من هذا المعنى، كما قدمنا أنها تجمع على وسائل، كقوله: شعر : إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائل تفسير : وأصح الأعاريب في قوله: {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} أنه بدل من واو الفاعل في قوله {يَبْتَغُونَ} وقد أوضحنا هذا "في سورة المائدة" بما أغنى عن إعادته هنا، والعلم عند الله تعالى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فلا يملكون: أي لا يستطيعون. كشف الضر: أي إزالته بشفاء المريض. ولا تحويلا: أي للمرض من شخص مريض إلى آخر صحيح ليمرض به. يدعون: أي ينادونهم طالبين منهم أو متوسلين بهم. يبتغون إلى ربهم الوسيلة: أي يطلبون القرب منه باالطاعات وأنواع القربات. كان محذورا: أي يحذره المؤمنون ويحترسون منه بترك معاصي الله تعالى. في الكتاب مسطورا: أي في كتاب المقادير الذي هو اللوح المحفوظ مكتوباً. أن نرسل بالآيات: أي بالآيات التي طلبها أهل مكة كتحويل الصفا إلى جبل ذهب. أو إزالة جبال مكة لتكون أرضاً زراعية وإجراء العيون فيها. إلا أن كذب بها الأولون: إذ طالب قوم صالح بالآية ولما جاءتهم كفروا بها فأهلكهم الله تعالى. الناقة مبصرة: أي وأعطينا ثمود قوم صالح الناقة آية مبصرة واضحة بينة. فظلموا بها: أي كفروا بها وكذبوا فأهلكهم الله تعالى. إلا تخويفا: إلا من أجل تخويف العباد بأنا إذا أعطيناهم الآيات ولم يؤمنوا أهلكناهم. أحاط بالناس: أي قدرة وعلما فهم في قبضته وتحت سلطانه فلا تخفهم. وما جعلنا الرؤيا: هي ما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة الإِسراء والمعراج عن عجائب خلق الله تعالى. والشجرة الملعونة: هي شجرة الزقوم الوارد لفظها في الصافات والدخان. ونخوفهم: بعذابنا في الدنيا بالإِهلاك والإِبادة وفي الآخرة بالزقوم والعذاب الأليم. فما يزيدهم: أي التخويف إلا طغينانا وكفراً. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير التوحيد فيقول تعالى لرسوله قل يا محمد صلى الله عليه وسلم لأولئك المشركين أدعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله سبحانه وتعالى فإنهم لا يملكون أن يكشفوا الضر عن مريض ولا يستطيعون تحويله عنه إلى آخر عدو له يريد أن يمسه الضر لأنهم أصنام وتماثيل لا يسمعون ولا يبصرون فضلا على أن يستجيبوا دعاء من دعاهم لكشف ضر أو تحويله إلى غيره، هذا ما دلت عليه الآية الأولى [54] {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً}. وقوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ}. يخبرهم تعالى بأن أولئك الذين يعبدونهم من الجن أو الملائكة أو الأنبياء أو الصالحين هم أنفسهم يدعون ربهم ويتوسلون للحصول على رضاه. بشتى أنواع الطاعات والقربات فالذي يَعْبُدُ لا يُعْبَد، والذي يتقرب إلى الله بالطاعات لا يتقرب إليه وإنما يتقرب إلى من هو يتقرب إليه ليحظى بالمنزلة عنده، وقوله {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ}، أي أن أولئك الذين يدعوهم الجهال من الناس ويطلبون منهم قضاء حاجاتهم هم أنفسهم يطلبون الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه. لأن عذابه تعالى كان وما زال يحذره العقلاء، لأنه شديد لا يطاق. فكيف يُدعى ويُرجى ويُخاف من هو يَدعو ويَرجو ويَخاف لو كان المشركون يعقلون. وقوله تعالى: {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ} أي مدينة من المدن {إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا} أي بعذاب إبادة قبل يوم القيامة، {أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً} بمرض أو قحط أو خوف من عدو {كَانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً} أي مكتوباً في اللوح المحفوظ، فلذا لا يستعجل أهل مكة العذاب فإنه إن كان قد كتب عليهم فإنه نازل بهم لا محالة وإن لم يكن قد كتب عليهم فلا معنى لاستعجاله فإنه غير واقع بهم وهم مرجون للتوبة أو لعذاب يوم القيامة وقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ} أي بالمعجزات وخوارق العادات {إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا} أي بالمعجزات الأولون من الأمم فأهلكناهم بتكذيبهم بها، فلو أرسلنا نبينا محمداً بمثل تلك الآيات وكذبت بها قريش لأهلكهم، وهو تعالى لا يريد أهلاكهم بل يريد هدايتهم ليهتدي على أيديهم خلقاً كثيراً من العرب والعجم والأبيض والأصفر فسبحان الله العليم الحكيم وقوله تعالى {وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً} أي آية مبصرة أي مضيئة بينة فظلموا بها أي كذبوا بها فعقروها فظلموا بذلك أنفسهم وعرضوها لعذاب الإِبادة فأبادهم الله فأخذتهم الصيحة وهم ظالمون هذا دليل على أن المانع من الإِرسال بالآيات هو ما ذكر تعالى في هذه الآية وقوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً} يخبر تعالى أنه ما يرسل الرسل مؤيدين بالآيات التي هي المعجزات والعبر والعظات إلا لتخويف الناس عاقبة الكفر والعصيان لعلهم يخافون فيؤمنون ويطيعون قوله تعالى {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ} أي اذكر يا محمد إذ قلنا لك بواسطة وحينا هذا إن ربك أحاط بالناس. فهم في قبضته وتحت قهره وسلطانه فلا ترهبهم ولا تخش منهم أحداً فإن الله ناصرك عليهم، ومنزل نقمته بمن تمادى في الظلم والعناد، وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ} يريد رؤيا الإِسراء والمعراج حيث أراه الله من آياته وعجائب صنعه وخلقه، ما أراه {إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} أي لأهل مكة اختباراً لهم هل يصدقون أو يكذبون، إذ ليس لازماً لتقرير نبوتك وإثبات رسالتك وفضلك أن نريك الملكوت الأعلى وما فيه من مظاهر القدرة والعلم والحكمة والرحمة. وقوله تعالى: {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ} أي وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن الكريم وهي شجرة الزقزم وأنها {أية : تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ}تفسير : [الصافات: 64] إلا فتنة كذلك لأهل مكة حيث قالوا كيف يصح وجود نخلة ذات طلع في وسط النار، كيف لا تحرقها النار قياساً للغائب على الشاهد وهو قياس فاسد، وقوله تعالى {وَنُخَوِّفُهُمْ} بالشجرة الملعونة وأنها {أية : طَعَامُ ٱلأَثِيمِ كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ} تفسير : [الدخان: 44-46] وبغيرها من أنواع العذاب الدنيوي والأخروي، وما يزيدهم ذلك إلا طغياناً كبيراً أي ارتفاعاً وتكبراً عن قول الحق والاستجابة له لما سبق في علم الله من خزيهم وعذابهم فاصبر أيها الرسول وامض في دعوتك فإن العاقبة لك. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير التوحيد بالحكم على عدم استجابة الآلهة المدعاة لعابديها. 2- بيان حقيقة عقلية وهي أن دعاء الأولياء والاستغاثة بهم والتوسل إليهم بالذبح والنذر هو أمر باطل ومضحك في نفس الوقت، إذ الأولياء كانوا قبل موتهم يطلبون الوسيلة إلى ربهم بأنواع الطاعات والقربات ومن كان يَعْبُدْ لا يُعْبَدْ. ومن كان يَتَقرب يُتقَرَّب إليه، ومن كان يَتَوَسَّلْ لا يُتَوسلْ إليه بل يعبد الذي كان يُعْبَد وَيُتَوسل إلى الذي كان يُتَوسل إليه ويتقرب إلى الذي كان يتقرب إليه، وهو الله سبحانه وتعالى. 3- تقرير عقيدة القضاء والقدر. 4- بيان المانع من عدم إعطاء الرسول صلى الله عليه وسلم الآيات على قريش. 5- بيان علة الإِسراء والمعراج، وذكر شجرة الزقوم في القرآن الكريم.

د. أسعد حومد

تفسير : (56) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا غَيْرَ اللهِ: ادْعُوا الأَصْنَامَ وَالأَنْدَادَ - الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ أَرْبَابٌ وَآلِهَةٌ مِنْ دُونِ اللهِ - حِينَ يَنْزِلُ بِكُم الضُّرُّ إِلَى عَوْنِكُمْ، وَلِرَفْعِ الضُّرِّ عَنْكُمْ، فَإِنَّهُمْ لاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ، وَلاَ يَمْلِكُونَ تَحْوِيلَهُ إِلى غَيْرِكُمْ، وَالذِي يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ، لاَ شَرِيكَ لَهُ. تَحْوِيلاً - نَقْلَهُ إِلى غَيْرِكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَعْبُدْهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: قل للذين يُعارضونك في الوحدانية إذا مسَّكم ضُرٌّ فلا تلجأوا إلى مَنْ تكفرون به، بل الجأوا إلى مَنْ زعمتم أنهم شركاء وآمنتم بهم. فإنهم لن يستمعوا إليك؛ لأن الإنسان بطبعه لا يخدع نفسه، ولو علموا أن الذين يتخذونهم آلهة من دون الله ينفعونهم في شيء لما دَعَوْا ربهم الذين يكفرون به وتركوا الذين يؤمنون بهم، لماذا؟ لأن الإنسان لا يتمرد ولا يطغى إلا إذا كان مُسْتغنياً بكل ملكاته، بمعنى أن تكون ملكاته كلها على هيئة الاستقامة والانسجام، فإذا اختلتْ له ملكة من الملكات ضَعُفَ طغيانه، وحاول أن يستكمل هذا النقص، وحينئذ لن يخدع نفسه بأن يطلب الاستكمال مِمَّن لا يملكه، بل يطلبه ممَّنْ يعتقد أنه يملكه. لذلك يقول تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ..}تفسير : [الإسراء: 67]. وقال: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ..}تفسير : [الزمر: 8]. لماذا؟ لأن ما أصابه من ضُرٍّ أضعفه، وكسر عنده غريزة الاستعلاء والاستكبار، لقد كفر بالله من قبل حينما حمله التكاليف، ولكن الآن وبعد أن نزل به الضُّر وأحاط به البلاء فلا بُدَّ أن يكون صريحاً مع نفسه لا يخدعها. وضربنا لهذه المسألة مثلاً بحلاق الصحة عند أهل الريف في الماضي وكان مسئولاً عن صِحَّة الناس، ويقوم مقام الطبيب في هذا الوقت، فإذا ما عُيِّن بالقرية طبيب هاجمه الحلاق وأفسد ما بينه وبين الناس، وأشاع عنه عدم العلم وقِلَّة الخبرة ليخلوَ له وجه الناس، ولا يشاركه أحد في رزقه، ومرَّت الأيام وأصيب الحلاق بضُرٍّ، حيث مرض ولد له، فإذا به يحمله خُفْيةً بليْل، ويتسلل به إلى الطبيب، ولكن سرعان ما ينكشف أمره ويُفتضح بين الناس. إذن: الإنسان في ساعة الضر لا يخدع نفسه ولا يكذب عليها، فقل لهم: إذا مسكم الضر فاذهبوا إلى مَن ادعيتم أنهم آلهة وادعوهم، فإنهم لن يستجيبوا ولن يدعوهم، ولو دَعَوْهم فلن يكشفوا عنهم ضرهم: {فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ ..} [الإسراء: 56]. وقوله تعالى: {وَلاَ تَحْوِيلاً} [الإسراء: 56] أي: ولا يملكون تحويل حالكم من الضر إلى النفع أو النعمة أو الرحمة، أو: لا يملكون تحويل هذا الضر إلى أعدائكم، فهم - إذن - لا يملكون هذه ولا هذه. فالحق سبحانه يُلقِّن رسوله صلى الله عليه وسلم الحجة، ليوضح لهم أنهم يغالطون أنفسهم، ويعارضون مواجيدهم وفطرتهم، فإن أصابهم الضر في ذواتهم لا يلجأون إلى آلهتهم؛ لأنهم يعلمون أنها لا تملك لهم نفعاً ولا ضراً، ولن تسمعهم، وإن سمعتهم - فرضاً - ما استجابوا لهم، ويوم القيامة يكفرون بشركهم، بل يلجأون إلى الله الذي يملك وحده كَشْف الضُّر عنهم. ثم يقول الحق سبحانه: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { قُلْ } للمشركين بالله الذين اتخذوا من دونه أندادا يعبدونهم كما يعبدون الله ويدعونهم كما يدعونه ملزما لهم بتصحيح ما زعموه واعتقدوه إن كانوا صادقين: { ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ } آلهة من دون الله فانظروا هل ينفعونكم أو يدفعون عنكم الضر، فإنهم لا { يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ } من مرض أو فقر أو شدة ونحو ذلك فلا يدفعونه بالكلية، { وَلا } يملكون أيضا تحويله من شخص إلى آخر من شدة إلى ما دونها. فإذا كانوا بهذه الصفة فلأي شيء تدعونهم من دون الله؟ فإنهم لا كمال لهم ولا فعال نافعة، فاتخاذهم آلهة نقص في الدين والعقل وسفه في الرأي. ومن العجب أن السفه عند الاعتياد والممارسة وتلقيه عن الآباء الضالين بالقبول يراه صاحبه هو الرأي: السديد والعقل المفيد. ويرى إخلاص الدين لله الواحد الأحد الكامل المنعم بجميع النعم الظاهرة والباطنة هو السفه والأمر المتعجب منه كما قال المشركون: {أية : أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب }. تفسير : ثم أخبر أيضا أن الذين يعبدونهم من دون الله في شغل شاغل عنهم باهتمامهم بالافتقار إلى الله وابتغاء الوسيلة إليه فقال: { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ } من الأنبياء والصالحين والملائكة { يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ } أي: يتنافسون في القرب من ربهم ويبذلون ما يقدرون عليه من الأعمال الصالحة المقربة إلى الله تعالى وإلى رحمته، ويخافون عذابه فيجتنبون كل ما يوصل إلى العذاب. { إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا } أي: هو الذي ينبغي شدة الحذر منه والتوقي من أسبابه. وهذه الأمور الثلاثة الخوف والرجاء والمحبة التي وصف الله بها هؤلاء المقربين عنده هي الأصل والمادة في كل خير. فمن تمت له تمت له أموره وإذا خلا القلب منها ترحلت عنه الخيرات وأحاطت به الشرور. وعلامة المحبة ما ذكره الله أن يجتهد العبد في كل عمل يقربه إلى الله وينافس في قربه بإخلاص الأعمال كلها لله والنصح فيها وإيقاعها على أكمل الوجوه المقدور عليها، فمن زعم أنه يحب الله بغير ذلك فهو كاذب.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 523 : 25 : 5 - سفين عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر قال، كان أناس يعبدون الجن. فأسلم أولئك، وبقي هؤلآء على عبادتهم. فنزلت {قُلِ (ٱدْعُواْ) ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً * أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ}. [الآية 56]. 524 : 26 : 6 - سفين عن منصور عن إبراهيم مثله.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً} [ 56] 307- أرنا محمد بن منصور، نا سفيان، نا سليمان، عن إبراهيم، عن أبي مَعمر، عن عبد الله قال: كان نفرٌ من الإنس يعبدون الجن، فأسلم الجن وثبت الإنس على عبادتهم، فأنز الله عز وجل: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ} [57]. 308- أرنا محمد بن العلاء، نا ابن إدريس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ} [57] قال: كان قوم من الإنس يعبدون قوما من الجن فأسلموا، وبقي الذين كانوا يعبدونهم على عبادتهم، فقال: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ}. قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ} [57] 309- أنا عمرو بن علي، نا يحيى، قال: نا سفيان، قال: ناني سليمان، عن إبراهيم، عن أبي مَعمر، عن عبد الله في قوله: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ} قال: كان ناس من الإنس يعبدون ناسا من الجنِّ فأسلم الجنُّ، وتمسك هؤلاء بدينهم.