Verse. 2087 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

وَاِنْ مِّنْ قَرْيَۃٍ اِلَّا نَحْنُ مُہْلِكُوْہَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيٰمَۃِ اَوْ مُعَذِّبُوْہَا عَذَابًا شَدِيْدًا۝۰ۭ كَانَ ذٰلِكَ فِي الْكِتٰبِ مَسْطُوْرًا۝۵۸
Wain min qaryatin illa nahnu muhlikooha qabla yawmi alqiyamati aw muAAaththibooha AAathaban shadeedan kana thalika fee alkitabi mastooran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإن» ما «من قرية» أريد أهلها «إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة» بالموت «أو معذبوها عذابا شديدا» بالقتل وغيره «كان ذلك في الكتاب» اللوح المحفوظ «مسطورا» مكتوبا.

58

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما قال: { أية : إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا } تفسير : [الإسراء: 57] بين أن كل قرية مع أهلها فلا بد وأن يرجع حالها إلى أحد أمرين: إما الإهلاك وإما التعذيب قال مقاتل: أما الصالحة فبالموت، وأما الطالحة فبالعذاب، وقيل: المراد من قوله: {وَإِن مّن قَرْيَةٍ } قرى الكفار، ولا بد أن تكون عاقبتها أحد أمرين: إما الاستئصال بالكلية وهو المراد من الإهلاك أو بعذاب شديد دون ذلك من قتل كبرائهم وتسليط المسلمين عليهم بالسبي واغتنام الأموال وأخذ الجزية، ثم بين تعالى أن هذا الحكم حكم مجزوم به واقع فقال: {كَانَ ذٰلِك فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَسْطُورًا } ومعناه ظاهر.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا} أي مخربوها. {قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً} قال مقاتل: أما الصالحة فبالموت، وأما الطالحة فبالعذاب. وقال ابن مسعود: إذا ظهر الزنى والربا في قرية أذِن الله في هلاكهم. فقيل: المعنى وإن من قرية ظالمة؛ يقوّي ذلك قوله: {أية : وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} تفسير : [القصص: 59]. أي فليتق المشركون، فإنه ما من قرية كافرة إلا سيحل بها العذاب. {كَانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ} أي في اللّوح. {مَسْطُوراً} أي مكتوباً. والسطر: الخط والكتابة وهو في الأصل مصدر. والسَّطَر (بالتحريك)، مثله. قال جرير:شعر : من شاء بايعته ماليِ وخُلْعَتَه ما تُكْمِل الَّتيْمُ في ديوانهم سَطَرَا تفسير : الخلعة (بضم الخاء): خيار المال. والسطر جمع أسطار؛ مثل سبب وأسباب، ثم يجمع على أساطير. وجمع السطر أسطر وسطور؛ مثل أفلس وفلوس. والكتاب هنا يراد به اللوح المحفوظ.

البيضاوي

تفسير : {وَإِن مّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } بالموت والاستئصال. {أَوْ مُعَذّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا } بالقتل وأنواع البلية. {كَانَ ذٰلِك فِى ٱلْكِتَـٰبِ } في اللوح المحفوظ. {مَسْطُورًا } مكتوباً.

ابن كثير

تفسير : هذا إخبار من الله عز وجل بأنه قد حتم وقضى بما عنده في اللوح المحفوظ: أنه ما من قرية إلا سيهلكها؛ بأن يبيد أهلها جميعهم أو يعذبهم {عَذَاباً شَدِيداً} إما بقتل، أو ابتلاء بما يشاء، وإنما يكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم، كما قال تعالى عن الأمم الماضين: {أية : وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} تفسير : [هود: 101] وقال تعالى: {أية : فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَـٰقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً } تفسير : [الطلاق: 9] وقال: {أية : وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ} تفسير : [الطلاق: 8] الآيات.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِنْ } ما {مِن قَرْيَةٍ } أريد أهلها {إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ } بالموت {أَوْ مُعَذّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا } بالقتل وغيره {كَانَ ذٰلِك فِى ٱلْكِتَٰبِ } اللوح المحفوظ {مَسْطُورًا } مكتوباً.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الآيات معجزات الرسل جعلها الله تعالى من دلائل الإنذار تخويفاً للمكذبين. الثاني: أنها آيات الانتقام تخويفاً من المعاصي. الثالث: أنها تقلُّبُ الأحوال من صغر إلى شباب ثم إلى تكهُّل ثم إلى مشيب، لتعتبر بتقلب أحوالك فتخاف عاقبة أمْرك، وهذا قول أحمد بن حنبل رحمه الله.

الخازن

تفسير : قوله سحانه وتعالى: {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة} أي بالموت والخراب {أو معذبوها عذاباً شديداً} أي بالقتل وأنواع العذاب إذا كفروا وعصوا، وقيل: الإهلاك في حق المؤمنين الإماتة وفي حق الكفار العذاب قال عبد الله بن مسعود: إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله في هلاكها {كان ذلك في الكتاب} أي في اللوح المحفوظ {مسطوراً} أي مكتوباً مثبتاً. عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فقال: ما أكتب: قال: القدر وما هو كائن إلى يوم القيامة إلى الأبد"تفسير : أخرجه الترمذي. قوله سبحانه وتعالى {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} قال ابن عباس حديث : سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً وفضة وأن ينحي الجبال عنهم ليزرعوا فأوحى الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئت أن أستأني بهم فعلت وإن شئت أن أوتيهم ما سألوا فعلت، فإن لم يؤمنوا أهلكتهم كما أهلكت من كان قبلهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا بل تستأني بهمتفسير : فأنزل الله عز وجل {وما منعنا أن نرسل الآيات} أي التي سألها الكفار قومك {إلا أن كذب بها الأولون} أي فأهلكناهم فإن لم يؤمن قومك بعد إرسال الآيات أهلكناهم، لأن من سنتنا في الأمم إذا سألوا الآيات ثم لم يؤمنوا بعد إتيانها أن نهلكهم ولا نمهلهم وقد حكمنا بإمهال هذه الأمة إلى يوم القيامة، ثم ذكر من تلك الآيات التي اقترحها الأولون ثم كذبوا بها لما أرسلت فأهلكوا فقال تعالى {وآتينا ثمود الناقة مبصرة} أي بينة، وذلك لأن آثار إهلاكهم في بلاد العرب قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم {فظلموا بها} أي جحدوا أنها من عند الله. وقيل: فظلموا أنفسهم بتكذيبها فعاجلناهم بالعقوبة {وما نرسل بالآيات} المقترحة {إلا تخويفاً} أي وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً من العذاب، فإن لم يخافوا وقع عليهم. وقيل: معناه وما نرسل بالآيات يعني العبر والدلالات، إلا تخويفاً أي إنذاراً بعذاب الآخرة إن لم يؤمنوا فإن الله سبحانه وتعالى يخوف الناس بما شاء من آياته لعلهم يرجعون. قوله عز وجل {وإذ قلنا لك} أي واذكر يا محمد إذ قلنا لك {إن ربك أحاط بالناس} أي إن قدرته محيطة بهم فهم في قبضته وقدرته لا يقدرون على الخروج من مشيئته وإذا كان الأمر كذلك فهم لا يقدرون على أمر من الأمور إلا بقضائه وقدره وهو حافظك ومانعك منهم، فلا تهبهم وامض لما أمرك من التبليغ للرسالة، فهو ينصرك ويقويك على ذلك {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} الأكثرون من المفسرين على أن المراد ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج من العجائب والآيات. قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه سلم ليلة المعراج وهي ليلة أسري به إلى بيت المقدس أخرجه البخاري. وهو قول سعيد بن جبير والحسن ومسروق وقتادة ومجاهد وعكرمة وابن جريج وغيرهم. والعرب تقول: رأيت بعيني رؤية ورؤيا فلما ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس أنكر بعضهم ذلك وكذبوا فكانت فتنة للناس، وازداد المخلصون إيماناً. وقال قوم: أسري بروحه دون جسده وهو ضعيف. وقال قوم كان له معراجان: معراج رؤية عين في اليقظة ومعراج رؤيا منام. وقيل: أراد بهذه الرؤيا ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، أنه دخل مكة هو وأصحابه فعجل المسير إلى مكة قبل الأجل، فصده المشركون فرجع إلى المدينة فكان رجوعه في ذلك العام بعدما أخبر أنه يدخلها فتنة لبعضهم، ثم دخل مكة في العام المقبل وأنزل الله عز وجل لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق، وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أن ولد الحكم بن أمية يتداولون منبره كما يتداول الصبيان الكرة فساءه ذلك. فإن اعترض معترض على هذا التفسير وقال السورة مكية وهاتان الواقعتان كانتا بالمدينة أجيب بأنه لا إشكال فيه فإنه لا يبعد أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ذلك بمكة، ثم كان ذلك حقيقة بالمدينة {والشجرة الملعونة في القرآن} يعني شجرة الزقوم التي وصفها الله تعالى في سورة الصافات والعرب تقول لكل طعام كريه: طعام ملعون, والفتنة فيها أن أبا جهل قال: إن ابن أبي كبشة يعني النبي صلى الله علي وسلم توعدكم بنار تحرق الحجارة، ثم يزعم أنه تنبت فيها شجرة وتعلمون أن النار تحرق الشجر. وقيل: إن عبد الله بن الزبعري قال: إن محمداً يخوفنا بالزقوم ولا نعرف الزقوم إلا الزبد والتمر، فقال أبو جهل: يا جارية تعالي فزقمينا فأتت بزبد وتمر فقال يا قوم فإن هذا ما يخوفكم به محمد، فأنزل الله سبحانه وتعالى حين عجبوا أن يكون في النار شجر {إنا جعلناها فتنة للظالمين} الآيات. فإن قلت: أين لعنت شجرة الزقوم في القرآن، قلت: لعنت حيث لعن الكفار الذين يأكلونها لأن الشجرة لا ذنب لها حتى تلعن، وإنما وصفت بلعن أصحابها على المجاز. وقيل وصفها الله تعالى باللعن لأن اللعن الإبعاد من الرحمة، وهي في أصل جهنم في أبعد مكان من الرحمة، وقال ابن عباس: في رواية عنه إن الشجرة الملعونة هي الكشوث الذي يلتوي على الشجر والشوك فيجففه {ونخوفهم فما يزيدهم} أي التخويف {إلا طغياناً كبيراً} أي تمرداً وعتواً عظيماً قوله سبحانه وتعالى {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طيناً} أي من طين وذلك أن آدم خلق من تراب الأرض من عذبها وملحها، فمن خلق من العذب فهو سعيد ومن خلق من الملح فهو شقي {قال} يعني إبليس {أرأيتك} الكاف للمخاطب والمعنى أخبرني {هذا الذي كرمت علي} أي فضلته {لئن أخرتن} أي أمهلتني {إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته} أي لأستأصلنهم بالإضلال. وقيل: معناه لأقودنهم كيف شئت. وقيل: لأستولين عليهم بالإغواء {إلا قليلاً} يعني المعصومين الذي استثناهم الله تعالى في قوله {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} {قال} الله تعالى {اذهب} أي امض لشأنك وليس هو من الذهاب الذي هو ضد المجيء {فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم} أي جزاؤك وجزاء أتباعك {جزاء موفوراً} أي مكملاً. قوله سبحانه وتعالى {واستفزز} أي استخفف واستزل واستعجل وأزعج {من استعطت منهم} أي من ذرية آدم {بصوتك} قال ابن عباس: معناه بدعائك إلى معصية الله وكل داع إلى معصية الله فهو من جند إبليس. وقيل: أراد بصوتك الغناء والمزامير واللهو واللعب {واجلب عليهم بخيلك ورجلك} أي أجمع عليهم مكايدك وحبائلك، واحثثهم على الإغواء. وقيل: معناه استعن عليهم بركبان جندك ومشاتهم. يقال: إن له خيلاً ورجلاً من الجن والإنس فكل من قاتل أو مشى في معصية الله، فهو من جند إبليس. وقيل: المراد منه ضرب المثل كما تقول للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك ورجلك {وشاركهم في الأموال والأولاد} أما المشاركة في الأموال فكل مال أصيب من حرام أو أنفق في حرام، وقيل هو الربا، وقيل: هو ما كانوا يذبحونه لآلهتهم ويحرمونه كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام. وأما المشاركة في الأولاد فروي عن ابن عباس أنها الموؤدة، وقيل: أولاد الزنا. وعن ابن عباس أيضاً هي تسميتهم أولادهم بعبد العزى، وعبد الحارث وعبد شمس ونحوه، وقيل: هو أن يرغبوا أولادهم في الأديان الباطلة الكاذبة، كاليهودية والنصرانية والمجوسية ونحوها. وقيل إن الشيطان يقعد على ذكر الرجل وقت الجماع فإذا لم يقل بسم الله أصاب معه امرأته وأنزل في فرجها كما ينزل الرجل. وروي في بعض الأخبار أن فيكم مغربين قال: ما المغربون قال: الذين شارك فيهم الجن. وعن ابن عباس أنه سأله رجل فقال: إن امرأتي استيقظت وفي فرجها شعلة نار قال: ذلك من وطء الجن {وعدهم} أي منهم الجميل في طاعتك، وقيل: قل لهم لا جنة ولا نار ولا بعث، وذلك أن الشيطان إذا دعا المعصية فلا بد أن يقرر أولاً أنه لا مضرة في فعلها ألبتة، وذلك لا يمكن إلا إذا قال له لا معاد ولا جنة ولا نار ولا حياة بعد هذه الحياة، فيقرر عند المدعو أنه لا مضرة في هذه المعاصي وإذا فرغ من هذا النوع قرر عنده أن هذا الفعل يفيد أنواعاً من اللذة والسرور ولا حياة للإنسان في الدنيا إلا به، فهذا طريق الدعوة إلى المعصية ثم ينفره عن فعل الطاعات وأنه يقرر عنده أن لا جنة ولا نار ولا عقاب فلا فائدة فيها. وقيل معنى عدهم أي شفاعة الأصنام عند الله وإيثار العاجل على الأجل. فإن قلت: كيف ذكر الله هذه الأشياء بصيغة الأمر، والله سبحانه وتعالى يقول: إن الله لا يأمر بالفحشاء؟ قلت: هذا على طريق التهديد كقوله تعالى: اعلموا ما شئتم. وكقول القائل اجتهد جهدك فسترى ما ينزل بك. وقوله سبحانه وتعالى {وما يعدهم الشيطان إلا غروراً} أي يزين الباطل بما يظن أنه حق واعلم أن الله سبحانه وتعالى لما قال: وعدهم، أردفه بما هو زاجر عن قبول وعده بقوله: ما يعدهم الشيطان إلا غرورا والسبب فيه أنه إنما يدعو إلى قضاء الشهوة وطلب الرياسة ونحو ذلك، ولا يدعو إلى معرفة الله تعالى، ولا إلى عبادته وتلك الأشياء التي يدعو إليها خيالية لا حقيقة لها ولا تحصل إلا بعد متاعب ومشاق عظيمة، وإذا حصلت كانت سريعة الذهاب والانقضاء وينغصها الموت والهرم وغير ذلك، وإذا كانت هذه الأشياء بهذه الصفة كانت الرغبة فيها غروراً.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ} الآية. فلمَّا قال: {أية : إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً}تفسير : [الإسراء: 57] بيَّن أنَّ كلَّ قرية مع أهلها، فلا بدَّ وأن يرجع حالها إلى أحد أمرين: إمَّا الإهلاك، وإمَّا التَّعذيب. قال مقاتلٌ: أما الصالحة فبالموت، وأما الطالحة، فبالعذاب. وقيل: المعنى: وإن من قريةٍ من قرى الكفَّار، فلا بدَّ وأن يكون عاقبتها إمَّا بالاستئصال بالكلِّيَّة، وهو الهلاك، أو بعذاب شديدٍ من قتل كبرائهم، وتسليط المسلمين عليهم بالسَّبي، واغتنام الأموالِ، وأخذ الجزية {كَانَ ذَٰلِك فِي ٱلْكِتَٰبِ مَسْطُوراً} في اللَّوح المحفوظ. قال صلوات الله وسلامه عليه: "حديث : أوَّل ما خلق الله تعالى القلم قال: أكتُبْ، قال: ما أكْتبُ؟ قال: القَدَر، وما هُو كَائِنٌ إلى الأبدِ ". تفسير : و "إنْ" نافية و "مِنْ" مزيدة في المبتدأ، لاستغراق الجنس. وقال ابن عطيَّة: هي لبيان الجنس، وفيه نظر من وجهين: أحدهما: قال أبو حيَّان: "لأنَّ التي للبيان، لا بدَّ أن يتقدَّمها مبهم ما، تفسِّره؛ كقوله تعالى: {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ} تفسير : [فاطر: 2]، وهنا لم يتقدم شيء مبهم" ثم قال "ولعلَّ قوله "لبيان الجنس" من الناسخ، ويكون هو قد قال: لاستغراقِ الجنس؛ ألا ترى أنه قال بعد ذلك" "وقيل: المراد الخصوص". وخبر المبتدأ الجملة المحصورة من قوله: {إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا}. والثاني: أنَّ شرط ذلك أن يسبقها محلَّى بأل الجنسيَّة، وأن يقع موقعها "الذي" كقوله: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} تفسير : [الحج: 30].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة‏}‏ قال‏:‏ مبيدوها أو معذبوها‏.‏ قال‏:‏ بالقتل والبلاء كل قرية في الأرض سيصيبها بعض هذا‏. وأخرج ابن جرير من طريق سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله رضي الله عنه قال‏:‏ إذا ظهر الزنا، والربا في قرية، أذن الله في هلاكها‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن إبراهيم التيمي في قوله‏:‏ {‏كان ذلك في كتاب مسطورا‏ً} ‏ قال‏:‏ في اللوح المحفوظ‏.

القشيري

تفسير : العذاب على أقسام: فالألم الذي يَرِدُ على النفوس والظواهر يتصاغر بالإضافة إلى مَا يَرِدُ على القلوب والسرائر؛ فعذابُ القلوبُ لأصحابِ الحقائقِ أَحَدُّ في الشِّدَّةِ مِما يُصيب أصحابَ الفقر والقلة. ثم إن الحقَّ سبحانه أجرى سُنَّتَه بأن مَنْ وصلت منه إلى غيره راحةٌ انعكست الراحةُ إلى موصلها، وبخلاف ذلك مَنْ وصلت منه إلى غيره وَحْشَةٌ عادت الوحشةُ إلى موصلها. ومَنْ سام الناس ظُلْماً وخَسْفَاً فَبِقَدْرِ ظُلْمِه يَعذِّبُه اللَّهُ - سبحانه وتعالى - في الوقت بتنغيص العَيْشِ، واستيلاءِ الغضب مِنْ كلِّ أحدٍ عليه، وتَتَرَجَّمُ ظنونُه وتتقسَّمُ أفكاره في أحواله وأشغاله، ولو ذاق من راحة الفراغ حلاوة الخلوة شظية لَعَلِمَ ما طعم الحياة.. ولكنْ حُرِموا النِّعَم، وما علموا ما مُنُوا به من النِّقَم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وان} نافية {من} استغراقية {قرية} [ديهى وشهرى]. قال المولى ابو السعود رحمه الله المراد بها القرية الكافرة اى ما من قرية الكفار {الا نحن مهلكوها} اى مخربوها البتة بالخسف بها او باهلاك اهلها بالكلية لما ارتكبوا من عظائم المعاصى الموجبة لذلك {قبل يوم القيامة} لان الهلاك يومئذ غير مختص بالقرى الكافرة ولا هو بطريق العقوبة وانما هو لانقضاء عمر الدنيا {او معذبوها} اى معذبوا اهلها على الاسناد المجازى {عذابا شديدا} بالقتل والقحط والزلالزل ونحوها من البلاء الدنيوية والعقوبات الاخروية لان التعذيب. مطلق عما قيد به الاهلاك من قبلية يوم القيامة وكثير من القرى العاصية قد اخرت عقوبتها الى يوم القيامة هذا ما ذهب اليه المولى ابو السعود رحمه الله. يقول الفقير لا يخفى ان هذا التعميم لا يناسب سوق الآية وقيد القبيلة معتبر فى الشق الثانى ايضا وهو لا ينافى العذاب الشديد الواقع بعد يوم القيامة حسبما افصح عنه القاطع فالوجه حمل الاهلاك على الاستئصال والتعذيب على انواع البلية التى هى اشد من الموت وعمم فى بحر العلوم القرية يدل عليه ايراده قوله عليه السلام "حديث : ان امتى امة مرحومة انما جعل عذابها فى القتل والزلازل والفتن"تفسير : وقوله عليه السلام "حديث : ان حظ امتى من النار بلاها تحت الارض"تفسير : وقد قيل الهلاك للقرى الصالحة والعذاب للطالحة قالوا خراب مكة من الحبشة وخراب المدينة من الجوع وخراب البصرة من الغرق وخراب ايلة من العراق وخراب الجزيرة من الجبل وخراب الشام من الروم وخراب مصر من انقطاع النيل وخراب الاسكندرية من البربر وخراب الاندلس من الروم وخراب فارس من الزلازل وخراب اصفهان من الدجال وخراب نهاوند من الجبل وخراب خراسان من حوافر الخيل وخراب الرى من الديلم وخراب الديلم من الارمن وخراب الارمن من الخزر وخراب الخزر من الترك وخراب الترك من الصواعق وخراب السند من الهند وخراب الهند من اهل السد يأجوج ومأجوج - روى - عن وهب بن منبه ان الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب ارمينية وارمينية آمنة حتى تخرب مصر ومصر آمنة حتى تخرب الكوفة ولا تكون الملحمة الكبرى حتى تخرب الكوفة واذا كانت الملحمة الكبرى فتحت قسطنطينية على يدى رجل من بنى هاشم {كان ذلك} الذى ذكر من الهلاك والتعذيب {فى الكتاب} اى اللوح المحفوظ {مسطورا} مكتوبا لم يغادر منه شئ الا بين فيه كيفياته واسبابه الموجبة له ووقته المضروب له وفى الحديث "حديث : اول شئ خلق الله القلم من نور فاخذه بيمنيه وكلتا يديه يمين والقلم مسيرة خمسمائة عام واللوح مثله فقال للقلم اجر فجرى بما هو كائن الى يوم القيامة برها وفاجرها رطبها ويابسها فصدقوا بما بلغكم عن الله من قدرته"تفسير : وفى الحديث "حديث : اول ما خلق الله القلم بيده ثم خلق النون وهو الدواة ثم قال اكتب فقال وما اكتب قال ما كان وما هو كائن الى يوم القيامة ثم ختم على فم القلم فلم ينطق ولا ينطق الى يوم القيامة"تفسير : رواه ابن عباس رضى الله عنهما. وفى التأويلات النجمية {وان من قرية} اى قرية قالب الانسان {الا نحن مهلكوها} بموت قلبه وروحه {قبل يوم القيامة} اى قبل موت القالب فان من مات فقد قامت قيامته {او معذبوها} بصب البلاء والمحن والامراض والعلل والمصائب والنقص فى الاموال والانفس وانواع الرياضات والمجاهدات ومخالفات الهوى بالاختيار والاضطرار {عذابا شديدا} فان الفطام من المألوفات شديد {كان ذلك فى الكتاب مسطورا} من الازل عزة وعظمة وكبرياء وجبروتاً فلا يصل السائر الصادق المحب الى سرادقات جلاله شوقا الى جماله الا بعد العبور على العقبه الكؤود {حديث : فلا اقتحم العقبة وما ادراك ما العقبة}تفسير : فلما كان حال البلوغ الى بيته قوله {أية : لم تكونوا بالغيه الا بشق الانفس}تفسير : فكيف يكون حال اهل الوصول اليه ولهذا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ما اوذى نبى مثل ما اوذيت"تفسير : فلما لم يصل احد الى مقامه الذى وصل ما اوذى احد فى السير الى الله والسير فى الله والسير بالله مثل ما اوذى صلى الله عليه وسلم وايذاء السائرين باذابة وجودهم فى السير ففى السير الى الله ذوبان الافعال وفى السير فى الله ذوبان الصفات وفى السير بالله ذوبان الذات فافهم جدا: سعدى شعر : جفا نبرده جه دانى توقدر يار تحصيل كام دل بتكابوى خوش ترست تفسير : حافظ شعر : ممكن زغسه شكايت كه در طريق طلب براحتى نرسيد آنكه زحمتى نكشيت وقال خام را طاقت بروانه برسوخته نيست ناز كانرا نرسد شيوه جان افشانى تفسير : اللهم اجعلنا من اهل الصبر على البلاء وارزقنا من غنائم اهل الولاء.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإِن من قرية} أي: أهلها، {إلا نحن مُهلكوها قبلَ يوم القيامة}؛ بالموت والاستئصال، {أو مُعذبوها عذابًا شديدًا}؛ بالقتل وغيره، {كان ذلك في الكتاب}؛ في اللوح المحفوظ {مسطورًا}؛ مكتوبًا. وقال في المستخرج: وإن من قرية إلا نحن مهلكوها؛ الصالحة بالإفناء، والطالحةُ بالبلاء، أو معذبوها بالسيف؛ إذا ظهر فيهم الزنى والربا. هـ. قال ابن جزي: رُوي أن هلاك مكة بالحبشة، والمدينة بالجوع، والكوفة بالترك، والأندلس بالخيل. ثم قال: وأما هلاك قرطبة وأشبيلية وطُليطلة وغيرها، فبأخذ الروم لها. هـ. قلت: قد استولى العدو على الأندلس كلها فهو خرابها. أعاد الله عمارتها بالإسلام. آمين. وقال في حُسْن المحاضرة: وأخرج الحاكم في المستدرك عن كعب قال: الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينية - والجزيرة أرض بالبصرة، وموضع باليمامة، لا جزيرة الأندلس - ثم قال: ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب الجزيرة: والكوفة آمنة من الخراب حتى تخرب مصر، ولا تكون الملحمة حتى تخرب الكوفة، ولا تفتح مدينة الكفر حتى تكون الملحمة، ولا يخرج الدجال حتى تُفتح مدينة الكفر. قال: وأخرج الديلمي في مسند الفردوس، وأورده القرطبي في التذكرة من حديث حذيفة مرفوعًا: يبدو الخراب في أطراف الأرض، حتى تخرب مصر، ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب البصرة، وخراب البصرة من العراق، وخراب مصر من جفاف النيل، وخراب مكة من الحبشة، وخراب المدينة من الجوع، وخراب اليمن من الجراد، وخراب الأُبُلَّةِ من الحِصار، وخراب فارس من الصعاليك، وخراب الترك من الديلم، وخراب الديلم من الأرمن، وخراب الأرمن من الخَرز، وخراب الخرز من الترك، وخراب الترك من الصواعق، وخراب السند من الهند، وخراب الهند من الصين، وخراب الصين من الرمل، وخراب الحبشة من الرجفة، وخراب العراق من القحط. هـ. قلت: وسكت عن المغرب، ولعله المعنِيُّ بقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ حَتَّى يَأتِي أمْرُ اللهِ"تفسير : . زاد في رواية: وهم أهل المغرب، ورجحه صاحب المدخل، قال: لأنهم متمسكُون بالسنة أكثر من المشرق. والله تعالى أعلم بغيبه. الإشارة: القرية محل تقرر السر، وهو القلب، فإما أن يُهلكه الله بالتلف والضلال، وإما أن يُعذبه عذابًا شديدًا؛ بالمجاهدات والمكابدات، ثم ينعمه نعيمًا كبيرًا بالمشاهدات والمناجاة. كان ذلك في الكتاب مسطورًا، فريق في الجنة وفريق في السعير. ثمَّ أجاب عن تأخر الآيات بعد اقتراحها

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى انه ليس {من قرية إِلا} والله تعالى مهلكها {قبل يوم القيامة}. بكفر من فيها من معاصيهم جزاء على افعالهم القبيحة {أو معذبوها عذاباً شديداً} والمعنى ان يكون إِما الإِهلاك والإستئصال أو العذاب، والمراد بذلك قرى الكفر والضلال دون قرى الإيمان. وقيل إِن ذلك يكون في آخر الزمان، فيهلك الله كل قرية بعقوبة بعض من فيها، ويكون امتحاناً للمؤمنين الذين فيها. وقيل: ان المعنى ما من قرية إِلا والله مهلكها إِما بالموت لأهلها او عذاب يستأصلهم ثم اخبر أن ذلك كائن لا محالة، ولا يكون خلافه، لان ذلك مسطور في الكتاب يعني في اللوح المحفوظ، والمسطور هو المكتوب يقال: سطر سطراً، قال العجاج: شعر : واعلم بأن ذا الجلال قد قدر في الصحف الاولى التي كان سطر تفسير : ثم قال {وما منعنا أن نرسل بالآيات} يعني الآيات التي اقترحتها قريش من قولهم: حول لنا الصفا ذهباً وفجر لنا من الارض ينبوعا، وغير ذلك، فأنزل الله الآية إِني إِن حولته، فلم يؤمنوا لم امهلهم كسنتي فيمن قبلهم، وهو قول قتادة وابن جريج. والمنع وجود ما لا يصح معه وقوع الفعل من القادر عليه فكأنه قد منع منه، ولا يجوز إِطلاق هذه الصفة في صفات الله، والحقيقة إِنا لم نرسل بالآيات لئلا يكذب بها هؤلاء كما كذَّب من قبلهم، فيستحقوا المعاجلة بالعقوبة. وقال قوم: يجوز أن يكون قوله تعالى {إِلا أن كذب بها الأولون} تكون (إِلا) زايدة، وتقديره ما منعنا ان نرسل بالآيات {أن كذب بها الأولون} أي لم يمنعنا ذلك من إِرسالها بل أرسلناها مع تكذيب الاولين. ومعنى {أن كذب} هو التكذيب، كما تقول: أريد ان تقوم بمعنى أريد قيامك. ويحتمل ان يكون "إِلا" بمعنى (الواو) كما قال {أية : لئلا يكون للناس عليكم حجة إِلاّ الذين ظلموا}تفسير : معناه والذين ظلموا منهم، فلا حجة لهم عليهم. ويكون المعنى وما منعنا أن نرسل بالآيات وإِن كذب بها الأولون أي لسنا نمتنع من إِرسالها، وإِن كذبوا بها و (أن) الاولى في موضع نصب بوقوع "منعنا" عليها. و (أن) الثانية رفع والمعنى، وما منعنا إِرسال الآيات إِلا تكذيب الاولين من الامم، والفعل لـ (أن) الثانية. وقوله {وآتينا ثمود الناقة مبصرة} معناه مبصرة تبصر الناس بما فيها من العبر، والهدى من الضلالة والشقاء من السعادة، ويجوز أن يكون المراد انها ذات إِبصار، حكى الزجاج: مبصرة بمعنى مبينة، وبالكسر معناه تبين لهم، قال الفراء: مَبصرة مثل مَجبنة ومَنحلة، وكل (مَفعلة) وضعته موضع (فاعل) أغنت عن الجمع والتأنيث، تقول العرب: هذا عشب ملبنة، مسمنة. والولد مجبنة منحلة. وان كان من الياء والواو، فاظهرهما، تقول سراب مبولة، وكلام مهينة للرجال قال عنترة: شعر : والكفر مخبثة لنفس المنعم تفسير : ومعنى مبصرة مضيئة، قال الله تعالى {أية : والنهار مبصراً}تفسير : اي مضيئاً. وقوله {فظلموا بها} يعني بالناقة [لأنهم نحروها وعصوا الله في ذلك، لانه نهاهم عن ذلك، فخالفوا ونحروها. وقيل: ظلموا بها] معناه ظلموا بتكذيبهم إِياها بانها معجزة باهرة. وقوله {وما نرسل بالآيات إِلا تخويفاً} اي لم نبعث الآيات ونظهرها إِلا لتخويف العباد من عقوبة الله ومعاصيه. وقوله {وإذا قلنا لك} اي اذكر الوقت الذي قلنا لك يا محمد {إن ربك أحاط بالناس} اي احاط علماً باحوالهم، وما يفعلونه من طاعة او معصية، وما يستحقونه على ذلك من الثواب والعقاب، وقادرعلى فعل ذلك بهم، فهم في قبضته، لا يقدرون على الخروج من مشيئته. وقوله {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} قيل في معنى ذلك قولان: احدهما - انه اراد رؤية عين؛ ليلة الاسراء الى البيت المقدس، فلما اخبر المشركين بما رأى كذبوا به، ذكره ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، وابراهيم، وابن جريج، وابن زيد، والضحاك، ومجاهد. الثاني - في رواية اخرى عن ابن عباس: انه رؤيا نوم، وهي رؤيا انه سيدخل مكة، فلما صده المشركون في الحديبية شك قوم ودخلت عليهم الشبهة، فقالوا يا رسول الله: أو ليس قد اخبرتنا انا ندخل المسجد؟ فقال: قلت لكم انكم تدلونها السنة؟!. فقالوا: لا، فقال سندخلنها إِن شاء الله، فكان ذلك فتنة وامتحاناً وروي عن ابي جعفر وابي عبد الله (ع) ان ذلك رؤيا رآها في منامه أن قروداً تصعد منبره وتنزل، فساءه ذلك وروى مثل ذلك سهل بن سعد الساعدي عن أبيه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ذلك. ومثله عن سعد بن بشار، فأنزل الله عليه جبرائيل واخبره ما يكون من تغلب أمر بني أمية على مقامه وصعودهم منبره. وقوله {والشجرة الملعونة في القرآن} قال ابن عباس والحسن وأبو مالك وسعيد بن جبير وابراهيم ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد: إِنها شجرة الزقوم التي ذكرها الله في قوله {أية : إن شجرة الزقوم طعام الأثيم}تفسير : والمعنى ملعون آكلها، وكانت فتنتهم بها قول ابي جهل وذويه النار تأكل الشجرة وتحرقها، فكيف ينبت فيها الشجر. وعن أبي جعفر ان الشجرة الملعونة هم بنو امية، وقال البلخي: يجوز ان يكون المراد به الكفار. وقوله {ونخوفهم} أي نرهبهم بما نقصّ عليهم من هلاك من مضى بها، فما يزدادون عند ذلك {إِلا طغياناً كبيراً} أي عتوّاً عظيماً وتمادياً وغيّاً.

الجنابذي

تفسير : {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً}. اعلم، انّ الانسان ان لم يتّصل بنفسه وقواها بالله تعالى بتوسّط عروة الولاية الوثقى فانّه سيهلك قبل يوم القيامة عن الحياة الانسانيّة ويحيى بالحياة السّبعيّة او البهيميّة او الشّيطانيّة ويحشر فى زمرتها، وان اتّصل الى الله بنفسه وجميع قواها او بعضها فانّ المتّصل لا يهلك بل يبقى حيّاً بالحياة الانسانيّة لكنّه يعذّب ليتخلّص عن خليطه السّجينىّ ويترقّى الى العلّيّين، فالمراد ما من قريةٍ من قرى العالم الكبير او قرى العالم الصّغير الاّ نحن مهلكوها بتمام اهلها او ببعضهم قبل يوم القيامة او معذّبوها {كَانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً} فان قيل: لا يتصوّر الاهلاك ولا العذاب بالنّسبة الى الانيباء والاولياء (ع) الّذين كانوا اخلصهم الله لنفسه اجيب بأنّهم اهلكوا فى الدّنيا ما كان عليه من شوب السّجيّن ان كان او عذّبوا نفسهم بالرّياضات والمجاهدات الاختياريّة والبلايا الآلهيّة فيصدق عليهم ذلك ايضاً.

الهواري

تفسير : قوله: { وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ} أي: تموت بغير عذاب {أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً} أي: يكون موتهم بالعذاب. قال بعضهم: قضى الله إما أن يُهلكوا بموت أو بعذاب إذا تركوا أمرَه وكذبوا رسلَه، يعني إهلاك الأمم بتكذيبها الرسل. { كَانَ ذَلِكَ فِي الكِتَابِ مَسْطُوراً} أي: مكتوباً. وقال في آية أخرى: (أية : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ) تفسير : [آل عمران:185]. قوله: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالأَيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ} أي: إن القوم كانوا إذا سألوا نبيَّهم الآيةَ فجاءتهم الآية، لم يؤمنوا فيُهلكهم الله. وهو كقوله: {قَالُوا} يعني مشركي العرب للنبي: {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ} أي: موسى وعيسى والرسل التي جاءت قومها بالآيات. قال الله:{مَا ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ} أي: من أهل قرية {أية : أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [الأنبياء:5-6] أي: لا يؤمنون لو جاءتهم أية. وقد أخَّر الله عذاب كفار آخر هذه الأمة بالاستئصال إلى النفخة الأولى. قال: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالأَيَاتِ} إلى قومك يا محمد {إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ} وكنا إذا أرسلنا إلى قوم بآية فلم يؤمنوا أهلكناهم، فلذلك لم نرسل لهم بالآيات، لأن آخر كفار هذه الأمة أُخِّروا إلى النفخة الأولى. قال بعضهم: قال أهل مكة للنبي عليه السلام: إن كان ما تقول حقّاً، ويَسُرُّك أن نؤمن لك فحوِّل لنا الصفا ذهباً، فأتاه جبريل فقال: إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكن إن هم لم يؤمنوا لم يُنظَروا، وإن شئت استأنيتَ بقومك. قال: حديث : لا، بل أستأني بقوميتفسير : . فأنزل الله: [{وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالأَيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ}] وأنزل: {مَا ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ}. قوله: {وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} أي: بيّنة. [وقال مجاهد: آية] { فَظَلَمُوا بِهَا} أي: ظلموا أنفسهم بعقرها { وَمَا نُرْسِلُ بِالأَيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً}. أي: يخوّفهم الله بالآيات فيخبرهم أنهم إذا لم يؤمنوا بعد مجيء الآية عذَّبهم.

اطفيش

تفسير : {وَإِن مِّنْ قَرْيَةٍ} إن نافية ومن صلة للتأْكيد. {إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا} مبطلوها بإماتة أهلها وخرابها بتدريج أو دفعه. {قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أوْ مُعَذِّبُوهَا} أى معذبو أهلها. {عَذَاباً شدِيداً} بالقتل والبلايَا كالمرض والطاعون والجوع وذلك فى قرى المشركين، فالآية فى إِعزاز الإِسلام وإِهانة الكفر وأهله وتقليلهم، وقيل معذبو أهلها بالقتل وأنواع العذاب إِذا عصوا. قال عبد الله بن مسعود: إِذا ظهر الزنى والربا فى قرية أذن الله عز وجل فى هلاكها، وقيل الإِهلاك فى حق المؤمنين بالإِماتة وفى حق الكفار بالعذاب، وقدر بعضهم وإن من قرية أردنا إِهلاكها إلا نحن مهلكوها فهو كقوله ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم إِذ قدرنا ذلك المحذوف، وقيل ذلك فى كل قرية كفر أو إِسلام كما يدل عليه كلام الضحاك الآتى {كَان ذَلِكَ فِى الْكِتَابِ} أى فى اللوح المحفوظ {مَسْطُوراً} مكتوباً بالسطار ويجوز أن يكون سطره فى الكتاب كناية عن سبقه فى القضاء. قال عبادة بن الصامت رضى الله عنه سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم يقول:حديث : أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب القدر ما هو كائن إِلى الأَبدتفسير : . وعن الضحاك: مكة تخربها الحبشة وتهلك المدينة بالجوع والبصرة بالغرق والكوفة بالترك والجبال بالصواعق والرواجف وخراسان بضروب وذكر غير ذلك.

اطفيش

تفسير : {وَإنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا} من صلة فى المبتدأ أى لا قرية من القرى المخصوصة التى يدخلها الإسلام، أو يبلغها خبره إلا تهلك بفتح المسلمين لها، أو تعذب برغب الإسلام، ولا تفتح كما فى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : زويت لى الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لى منها"تفسير : أو قرى الدنيا كلها على أنه بلغها خبره كلها ولو إِجمالا، أو المراد مهلوكًا بالموت دون قتل، فإن الموت هلاك قال الله عز وجل: "أية : إن امرؤ هلك"تفسير : [النساء: 176] أو معذبوها بالقتل، أو الصالحة بالموت، والصالحة بالقتل، أو نحو الصاعقة والخسف، إذا تركت أمره ونهيه، أو كذبت الرسول. وعن الضحاك: تهلك مكة بالحبشة، والمدينة بالجوع، والبصرة بالغرق، والكوفة بالترك، والجبال بالصواعق، والرواجف إلخ، وجاء الحديث: "حديث : إن آخر البلاد خرابًا المدينة يخرج مخلصوها مع المهدى وترجف بمنافقيها" تفسير : وقيل بالجوع، وإن مكة تخربها الحبشة، ويصطفون إلى البحر ينقلون حجارة الكعبة فيلقونها فى البحر، وذلك فى زمن عيسى، أو حين لا يقال الله وهو أظهر. وجاء فى الحديث: "حديث : أنه تجئ بعد موت عيسى عليه السلام، وأنه تطير نار كالريح لها دوى كالرعد حرها بالليل أشد تبقى ثمانية أيام تأكل الأنفس والأموال، فقيل: يا رسول الله أتصيب المسلمين؟ فقال: لا مسلم يومئذ" تفسير : أو المراد إهلاك الدنيا كلها فتكون قاعا صفصفاً لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، فيكون الإهلاك يوم القيامة، والتعذيب قبل ذلك، وأو لتنويع الأضرار وهو ضعيف. {كَانَ ذَلِكَ} المذكور من الإهلاك والتعذيب، ومنه القحط وسائر المصائب {فِى الْكِتَابِ} اللوح المحفوظ {مَسْطُورًا} مكتوباً.

الالوسي

تفسير : {وَإِن مّن قَرْيَةٍ} الظاهر العموم لأن (إن) نافية و(من) زائدة لاستغراق الجنس أي وما من قرية من القرى {إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} بإماتة أهلها حتف أنوفهم {أَوْ مُعَذّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا} بالقتل وأنواع البلاء، وروي هذا عن مقاتل وهو ظاهر ما روي عن مجاهد وإليه ذهب الجبائي وجماعة، وروي عن الأول أنه قال: الهلاك للصالحة والعذاب للطالحة، وقال أيضاً: وجدت في «كتاب الضحاك بن مزاحم» في تفسيرها أما مكة فتخربها الحبشة وتهلك المدينة بالجوع والبصرة بالغرق والكوفة بالترك والجبال بالصواعق والرواجف، وأما خراسان فهلاكها ضروب ثم ذكرها بلداً بلداً. وروي عن وهب بن منبه أن الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينية وأرمينية آمنة حتى تخرب مصر ومصر آمنة حتى تخرب الكوفة ولا تكون الملحمة الكبرى حتى تخرب الكوفة فإذا كانت الملحمة الكبرى فتحت قسطنطينية على يد رجل من بني هاشم وخراب الأندلس من قبل الزنج وخراب إفريقية من قبل الأندلس وخراب مصر من انقطاع النيل واختلاف الجيوش فيها وخراب العراق من الجوع وخراب الكوفة من قبل عدو يحصرهم ويمنعهم الشرب من الفرات وخراب البصرة من قبل الغرق وخراب الأبلة من عدو يحصرهم براً وبحراً وخراب الري من الديلم وخراب خراسان من قبل التُبَّت وخراب التُبَّت من قبل الصين وخراب الهند واليمن من قبل الجراد والسلطان وخراب مكة من الحبشة وخراب المدينة من قبل الجوع. وعن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : آخر قرية من قرى الإسلام خراباً المدينة» تفسير : كذا نقله العلامة أبو السعود. وما في «كتاب الضحاك» وكذا ما روي عن وهب لا يكاد يعول عليه، وما روي عن أبـي هريرة مقبول وقد رواه عنه بهذا اللفظ النسائي ورواه أيضاً الترمذي بنحوه وقال حسن غريب ورواه أبو حيان بلفظ «حديث : آخر قرية في الإسلام خراباً بالمدينة» تفسير : وفي «البحور الزاخرة» أن / سبب خرابها أن بعض أهلها يخرجون مع المهدي إلى الجهاد ثم ترجف بمنافقيها وترميهم إلى الدجال ويهاجر بعض المخلصين إلى بيت المقدس عند إمامهم، ومن بقي منهم تقبض الريح الطيبة روحه فتبقى خاوية، ويأبـى كونها سبب خرابها الجوع حسبما سمعت عن الضحاك وابن منبه ظاهر ما أخرجه الشيخان «حديث : لتتركن المدينة على خير ما كانت مذللة ثمارها لا يغشاها إلا العوافي الطير والسباع وآخر من يحشر راعيان من مزينة» تفسير : الحديث. وأخرج الإمام أحمد بسند رجاله ثقات «حديث : المدينة يتركها أهلها وهي مرطبة قالوا: فمن يأكلها؟ قال: السباع والعوافي» تفسير : وما ذكر من أن مكة تخربها الحبشة ثابت في «الصحيحين» وغيرهما لكن بلفظ «حديث : يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة»تفسير : وفي حديث حذيفة مرفوعاً «حديث : كأني أنظر إلى حبشي أحمر الساقين أزرق العينين أفطس الأنف كبير البطن وقد صف قدميه على الكعبة هو وأصحاب له ينقضونها حجراً حجراً ويتداولونها بينهم حتى يطرحوها في البحر» تفسير : وفي حديث أحمد عن أبـي هريرة أنه تجيء الحبشة فيخربونه أي البيت خراباً لا يعمر بعده أبداً. نعم اختلف في أنه متى يكون ذلك؟ فقيل: زمن عيسى عليه السلام، وقيل حين لا يبقى على الأرض من يقول الله وهو آخر الآيات، ومال إلى ذلك السفاريني. وظاهر ما تقدم في المدينة من الأخبار بأنها آخر قرى الإسلام خراباً يقتضي أن خراب مكة قبلها والله تعالى أعلم. وما ذكر في خبر ابن منبه من أن مصر آمنة حتى تخرب الكوفة إن صح يقتضي أن الكوفة تعمر ثم تخرب وإلا فهي قد خربت منذ مئات من السنين وبقيت إلى الآن خراباً، ومصر آمنة عامرة على أحسن حال اليوم وبعمارتها حسبما يقتضيه الخبر جاءت آثار عديدة كما لا يخفى على من طالع الكتب المؤلفة في أمارات الساعة وأخبار المهدي والسفياني إلا أن في أكثرها للمنقر مقالاً. وزعم البوني وأضرابه أنها تعمر في أواخر القرن الثالث عشر وقد أخذوا ذلك من كلام الشيخ محي الدين قدس سره، وأنت تعلم أنه أشبه شيء بالهندية ولا يكاد يعد من اللغة العربية، وما ذكر من أن خراب العراق من الجوع يعم بغداد فإنها قاعدته. وقال القاضي عياض في «الشفاء»: روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة تنتقل إليها الخزائن يخسف بها» تفسير : يعني بغداد وهذا صريح في أن هلاكها بالخسف لا بالجوع لكن ذكر المحدثون أن في سند الخبر مجهولاً. ثم الظاهر على هذا التفسير أن قوله تعالى: {أَوْ مُعَذّبُوهَا} الخ مقيد بمثل ما قيد به المعطوف عليه فيكون كل من الإهلاك والتعذيب قبل يوم القيامة أي في الزمان القريب منه وقد شاع استعمال ذلك بهذا المعنى وستسمعه قريباً إن شاء الله تعالى في الحديث وإنكاره مكابرة غير مسموعة وكأنه سبحانه بعد أن ذكر من شأن البعث والتوحيد ما ذكر ذكر بعض ما يكون قبل يوم البعث مما يدل على عظمته سبحانه وفيه تأييد لما ذكر قبله، وقد صح أنه بعد موت عيسى عليه السلام تجيء ريح باردة من قبل الشام فلا تبقي على وجه الأرض أحداً في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته فيبقى شرار الناس وعليهم تقوم الساعة، وجاء في غير ما خبر ما يصيب الناس قبل قيامها من العذاب، فمن ذلك ما أخرجه الطبراني وابن عساكر عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه «لتقصدنكم نار هي اليوم خامدة في واد يقال له برهوت يغشى الناس فيها عذاب أليم تأكل الأنفس والأموال تدور الدنيا كلها في ثمانية أيام تطير طيران الريح والسحاب حرها بالليل أشد من حرها بالنهار ولها بين السماء والأرض دوي كدوي الرعد القاصف قيل: يا رسول الله أسليمة يومئذٍ على المؤمنين والمؤمنات؟ قال: وأين المؤمنون والمؤمنات الناس يومئذٍ شر من الحمر يتسافدون كما يتسافد البهائم وليس فيهم رجل يقول / مه مه» إلى غير ذلك من الأخبار، ولا يبعد بعد أن اعتبر العموم في القرية حمل الإهلاك والتعذيب على ما تضمنته تلك الأخبار من إماتة المؤمنين بالريح وتعذيب الباقين من شرار الناس بالنار المذكورة، وصح أنها تسوقهم إلى المحشر وورد أنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك وأنه تلقى الآفة على الظهر حتى لا تبقى ذات ظهر حتى أن الرجل ليعطي الحديقة المعجبة بالشارف ذات القتب ليفر عليها، وكون ذلك قبل يوم القيامة هو المعول عليه وقد اعتمده الحافظ ابن حجر وصوبه القاضي عياض وذهب إليه القرطبـي والخطابـي وجاء مصرحاً به في بعض الأحاديث، فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً «ستخرج نار من حضرموت أو من بحر حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس» الحديث ولا يبعد أن يعذبوا بغير ذلك أيضاً بل في الآثار ما يقتضيه. {كَانَ ذَلِكَ} أي ما ذكر من الإهلاك والتعذيب {فِى ٱلْكِتَـٰبِ} أي في اللوح المحفوظ كما روي عن إبراهيم التيمي وغيره {مَسْطُورًا} مكتوباً، وذكر غير واحد أنه ما من شيء إلا بين فيه بكيفياته وأسبابه الموجبة له ووقته المضروب له. واستشكل العموم بأنه يقتضي عدم تناهي الإبعاد وقد قامت البراهين النقلية والعقلية على خلاف ذلك فلا بد أن يقال بالتخصيص بأن يحمل الشيء على ما يتعلق بهذه النشأة أو نحو ذلك. وقال بعضهم بالعموم إلا أنه التزم كون البيان على نحو يجتمع مع التناهي فاللوح المحفوظ في بيانه جميع الأشياء الدنيوية والأخروية وما كان وما يكون نظير «الجفر الجامع» في بيانه لما يبينه، وقد رأيت أنا صحيفة للشيخ الأكبر قدس سره ادعى أنه يعلم منها ما يقع في أرض المحشر يوم القيامة وأخرى ادعى أنه يعلم منها أسماء أهل الجنة والنار وأسماء آبائهم وأخرى ادعى أنه يعلم منها الحوادث التي تكون في الجنة، وقبول هذه الدعاوى وردها مفوض إليك. وفسر بعضهم الكتاب بالقضاء السابق ففي الكلام تجوز لا يخفى. هذا وذهب أبو مسلم إلى أن المراد «ما من قرية من قرى الكفار واختاره المولى أبو السعود وجعل الآية بياناً لتحتم حلول عذابه تعالى بمن لا يحذره إثر بيان أنه حقيق بالحذر وأن أساطين الخلق من الملائكة والنبيين عليهم السلام على حذر من ذلك، وذكر أن المعنى ما من قرية من قرى الكفار إلا نحن مخربوها البتة بالخسف بها أو بإهلاك أهلها بالمرة لما ارتكبوا من عظائم الموبقات المستوجبة لذلك أو معذبو أهلها عذاباً شديداً لا يكتنه كنهه والمراد به ما يعم البلايا الدنيوية من القتل والسبـي ونحوهما والعقوبات الأخروية مما لا يعلمه إلا الله تعالى حسبما يفصح عنه إطلاق التعذيب عما قيد به الإهلاك من قبلية يوم القيامة ولا يخص بالبلايا الدنيوية كيف وكثير من القرى العاتية العاصية قد أخرت عقوبتها إلى يوم القيامة» ثم أنه يحتمل أن يقال في وجه الربط على تقدير التخصيص أنه سبحانه بعد أن أشار إلى أن الكفرة المخاطبين في بلاء وضر وأن آلهتهم لا يملكون كشف ذلك عنهم ولا تحويله أشار إلى أن مثل ذلك لا بد وأن يصيب الكفرة ولا يملك أحد كشفه ولا تحويله عنهم، وهذا ظاهر بناءً على ما تقدم عن البعض في سبب النزول الذي بسببه فسر الضر بالقحط فتأمل «وفي اختيار صيغة الفاعل في الموضعين وإن كانت بمعنى المستقبل من الدلالة على التحقق والتقرر ما فيه، والتقييد بيوم القيامة لأن الإهلاك يومئذٍ غير مختص بالقرى الكافرة ولا هو بطريق العقوبة وإنما هو لانقضاء عمر الدنيا، ثم قال: إن تعميم القرية لا يساعده السياق ولا السباق» اهـ وفيه تأمل. ومن الناس من رجحه / على ما سبق بأن فيه حمل الإهلاك على ما يتبادر منه وهو ما يكون عن عقوبة ولا كذلك فيما سبق.

سيد قطب

تفسير : انتهى الدرس السابق بتقرير أن الله وحده هو المتصرف في مصائر العباد، إن شاء رحمهم وإن شاء عذبهم؛ وأن الآلهة التي يدعونها من دونه لا تملك كشف الضر عنهم ولا تحويله إلى سواهم. فالآن يستطرد السياق إلى بيان المصير النهائي للبشر جميعاً ـ كما قدره الله في علمه وقضائه ـ وهو انتهاء القرى جميعها إلى الموت والهلاك قبل يوم القيامة، أو وقوع العذاب ببعضها إن ارتكبت ما يستحق العذاب. فلا يبقى حي إلا ويلاقي نهايته على أي الوجهين: الهلاك حتف أنفه أو الهلاك بالعذاب. وبمناسبة ذكر العذاب الذي يحل ببعض القرى يشير السياق إلى ما كان يسبقه من الخوارق على أيدي الرسل ـ قبل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ـ هذه الخوارق التي امتنعت في هذه الرسالة، لأن الأولين الذين جاءتهم كذبوا بها ولم يهتدوا فحق عليهم الهلاك. والهلاك لم يقدر على أمة محمد لذلك لم يرسله بالخوارق المادية، وما كانت الخوارق إلا تخويفاً للأمم الخالية مما يحل بها من الهلاك إذا كذبت بعد مجيئها. وقد كف الله الناس عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعصمه منهم فلا يصلون إليه. وأراه الرؤيا الصادقة في الإسراء لتكون ابتلاء للناس، ولم يتخذ منها خارقة كخوارق الرسالات من قبل، وخوفهم الشجرة الملعونة في القرآن ـ شجرة الزقوم ـ التي رآها في أصل الجحيم، فلم يزدهم التخويف إلا طغياناً. وإذن فما كانت الخوارق إلا لتزيدهم طغياناً. وفي هذا الموضع من السياق تجيء قصة إبليس مع آدم، وإذن الله لإبليس في ذرية آدم إلا الصالحين من عباده فقد عصمهم من سلطانه وإغوائه.. فتكشف القصة عن أسباب الغواية الأصيلة التي تقود الناس إلى الكفر والطغيان، وتبعدهم عن تدبر الآيات. ويلمس السياق في هذا الموضع وجدان الإنسان بذكر فضل الله على بني آدم، ومقابلتهم هذا الفضل بالبطر والجحود، فلا يذكرون الله إلا في ساعات الشدة. فإذا مسهم الضر في البحر لجأوا إليه. فإذا أنجاهم إلى البر أعرضوا. والله قادر على أن يأخذهم في البر وفي البحر سواء! ولقد كرمهم الله وفضلهم على كثير ممن خلقه، ولكنهم لا يشكرون ولا يذكرون. ويختم هذا الدرس بمشهد من مشاهد القيامة؛ يوم يلقون جزاءهم على ما قدمت أيديهم، فلا مجال للنجاة لأحد إلا بما قدمت يداه. {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديداً. كان ذلك في الكتاب مسطورا}.. فقد قدر الله أن يجيء يوم القيامة ووجه هذه الأرض خال من الحياة، فالهلاك ينتظر كل حي قبل ذلك اليوم الموعود. كذلك قدر العذاب لبعض هذه القرى بما ترتكب من ذنوب. ذلك ما ركز في علم الله. والله يعلم ما سيكون علمه بما هو كائن. فالذي كان والذي سيكون كله بالقياس إلى علم الله سواء. وقد كانت الخوارق تصاحب الرسالات لتصديق الرسل وتخويف الناس من عاقبة التكذيب وهي الهلاك بالعذاب. ولكن لم يؤمن بهذه الخوارق إلا المستعدة قلوبهم للإيمان؛ أما الجاحدون فقد كذبوا بها في زمانهم. ومن هنا جاءت الرسالة الأخيرة غير مصحوبة بهذه الخوارق: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون. وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها. وما نرسل بالآيات إلا تخويفا}. إن معجزة الإسلام هي القرآن. وهو كتاب يرسم منهجاً كاملاً للحياة. ويخاطب الفكر والقلب، ويلبي الفطرة القويمة. ويبقى مفتوحاً للأجيال المتتابعة تقرؤه وتؤمن به إلى يوم القيامة. أما الخارقة المادية فهي تخاطب جيلاً واحداً من الناس، وتقتصر على من يشاهدها من هذا الجيل. على أن كثرة من كانوا يشاهدون الآيات لم يؤمنوا بها. وقد ضرب السياق المثل بثمود، الذين جاءتهم الناقة وفق ما طلبوا واقترحوا آية واضحة. فظلموا بها أنفسهم وأوردها موارد الهلكة تصديقاً لوعد الله بإهلاك المكذبين بالآية الخارقة. وما كانت الآيات إلا إنذاراً وتخويفاً بحتمية الهلاك بعد مجيء الآيات. هذه التجارب البشرية اقتضت أن تجيء الرسالة الأخيرة غير مصحوبة بالخوارق. لأنها رسالة الأجيال المقبلة جميعها لا رسالة جيل واحد يراها. ولأنها رسالة الرشد البشري تخاطب مدارك الإنسان جيلاً بعد جيل، وتحترم إدراكه الذي تتميز به بشريته والذي من أجله كرمه الله على كثير من خلقه. أما الخوارق التي وقعت للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأولها خارقة الإسراء والمعراج فلم تتخذ معجزة مصدقة للرسالة. إنما جعلت فتنة للناس وابتلاء. {وإذ قلنا لك: إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس، والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيرا}. ولقد ارتد بعض من كان آمن بالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد حادثة الإسراء، كما ثبت بعضهم وازداد يقيناً. ومن ثم كانت الرؤيا التي أراها الله لعبده في تلك الليلة {فتنة للناس} وابتلاء لإيمانهم. أما إحاطة الله بالناس فقد كانت وعداً من الله لرسوله بالنصر، وعصمة له من أن تمتد أيديهم إليه. ولقد أخبرهم بوعد الله له وبما أطلعه الله عليه في رؤياه الكاشفة الصادقة. ومنه شجرة الزقوم التي يخوف الله بها المكذبين. فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل متهكماً: هاتوا لنا تمراً وزبداً، وجعل يأكل من هذا بهذا ويقول: تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا! فماذا كانت الخوارق صانعة مع القوم لو كانت هي آية رسالته كما كانت علامة الرسالات قبله ومعجزة المرسلين؟ وما زادتهم خارقة الإسراء ولا زادهم التخويف بشجرة الزقوم إلا طغياناً كبيراً؟ إن الله لم يقدر إهلاكهم بعذاب من عنده. ومن ثم لم يرسل إليهم بخارقة. فقد اقتضت إرادته أن يهلك المكذبين بالخوارق. أما قريش فقد أمهلت ولم تؤخذ بالإبادة كقوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب.. ومن المكذبين من آمن بعد ذلك وكان من جند الإسلام الصادقين. ومنهم من أنجب المؤمنين الصادقين. وظل القرآن ـ معجزة الإسلام ـ كتاباً مفتوحاً لجيل محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وللأجيال بعده، فآمن به من لم يشهد الرسول وعصره وصحابته. إنما قرأ القرآن أو صاحب من قرأه. وسيبقى القرآن كتاباً مفتوحاً للأجيال، يهتدي به من هم بعد في ضمير الغيب، وقد يكون منهم من هو أشد إيماناً وأصلح عملاً، وأنفع للإسلام من كثير سبقوه.. وفي ظل الرؤيا التي رآها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ واطلع فيها على ما اطلع من عوالم، والشجرة الملعونة التي يطعم منها أتباع الشياطين.. يجيء مشهد إبليس الملعون، يهدد ويتوعد بإغواء الضالين: {وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم. فسجدوا إلا إبليس. قال: أأسجد لمن خلقت طيناً؟ قال: أرأيتك هـذا الذي كرَّمت عليَّ لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكنَّ ذريته إلا قليلاً. قال: اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً. واستفزز من استطعت منهم بصوتك، وأجلب عليهم بخيلك ورجلك، وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم. وما يعدهم الشيطان إلا غروراً. إن عبادي ليس لك عليهم سلطان. وكفى بربك وكيلا}.. إن السياق يكشف عن الأسباب الأصيلة لضلال الضالين، فيعرض هذا المشهد هنا، ليحذر الناس وهم يطلعون على أسباب الغواية، ويرون إبليس عدوهم وعدو أبيهم يتهددهم بها، عن إصرار سابق قديم! {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال: أأسجد لمن خلقت طينا؟} إنه حسد إبليس لآدم يجعله يذكر الطين ويغفل نفخة الله في هذا الطين! ويعرض إبليس بضعف هذا المخلوق واستعداده للغواية، فيقول في تبجح: {أرأيتك هذا الذي كرمت عليّ؟} أترى هذا المخلوق الذي جعلته أكرم مني عندك؟ { لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا}.. فلأستولين عليهم وأحتويهم وأملك زمامهم وأجعلهم في قبضة يدي أصرف أمرهم. ويغفل إبليس عن استعداد الإنسان للخير والهداية استعداده للشر والغواية. عن حالته التي يكون فيها متصلاً بالله فيرتفع ويسمو ويعتصم من الشر والغواية، ويغفل عن أن هذه هي مزية هذا المخلوق التي ترفعه على ذوي الطبيعة المفردة التي لا تعرف إلا طريقاً واحداً تسلكه بلا إرادة. فالإرادة هي سر هذا المخلوق العجيب. وتشاء إرادة الله أن يطلق لرسول الشر والغواية الزمام، يحاول محاولته مع بني الإنسان: {قال: اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا}.. اذهب فحاول محاولتك. اذهب مأذوناً في إغوائهم. فهم مزودون بالعقل والإرادة، يملكون أن يتبعوك أو يعرضوا عنك {فمن تبعك منهم} مغلباً جانب الغواية في نفسه على جانب الهداية، معرضاً عن نداء الرحمن إلى نداء الشيطان، غافلاً عن آيات الله في الكون، وآيات الله المصاحبة للرسالات، {فإن جهنم جزاؤكم} أنت وتابعوك {جزاء موفورا}. {واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك}. وهو تجسيم لوسائل الغواية والإحاطة، والاستيلاء على القلوب والمشاعر والعقول. فهي المعركة الصاخبة، تستخدم فيها الأصوات والخيل والرجل على طريقة المعارك والمبارزات. يرسل فيها الصوت فيزعج الخصوم ويخرجهم من مراكزهم الحصينة، أو يستدرجهم للفخ المنصوب والمكيدة المدبرة. فإذا استدرجوا إلى العراء أخذتهم الخيل، وأحاطت بهم الرجال! {وشاركهم في الأموال والأولاد}.. وهذه الشركة تتمثل في أوهام الوثنية الجاهلية، إذ كانوا يجعلون في أموالهم نصيباً للآلهة المدعاة ـ فهي للشيطان ـ وفي أولادهم نذوراً للآلهة أو عبيداً لها ـ فهي للشيطان ـ كعبد اللات وعبد مناة. وأحياناً كانوا يجعلونها للشيطان رأساً كعبد الحارث! كما تتمثل في كل مال يجبى من حرام، أو يتصرف فيه بغير حق، أو ينفق في إثم. وفي كل ولد يجيء من حرام. ففيه شركة للشيطان. والتعبير يصور في عمومه شركة تقوم بين إبليس وأتباعه تشمل الأموال والأولاد وهما قوام الحياة! وإبليس مأذون في أن يستخدم وسائله كلها، ومنها الوعود المغرية الخادعة: {وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} كالوعد بالإفلات من العقوبة والقصاص. والوعد بالغنى من الأسباب الحرام. والوعد بالغلبة والفوز بالوسائل القذرة والأساليب الخسيسة.. ولعل أشد الوعود إغراء الوعد بالعفو والمغفرة بعد الذنب والخطيئة؛ وهي الثغرة التي يدخل منها الشيطان على كثير من القلوب التي يعز عليه غزوها من ناحية المجاهرة بالمعصية والمكابرة. فيتلطف حينئذ إلى تلك النفوس المتحرجة، ويزين لها الخطيئة وهو يلوح لها بسعة الرحمة الإلهية وشمول العفو والمغفرة! اذهب مأذوناً في إغواء من يجنحون إليك. ولكن هنالك من لا سلطان لك عليهم، لأنهم مزودون بحصانة تمنعهم منك ومن خيلك ورجلك! {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان. وكفى بربك وكيلا}.. فمتى اتصل القلب بالله، واتجه إليه بالعبادة. متى ارتبط بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها. متى ايقظ في روحه النفخة العلوية فأشرقت وأنارت.. فلا سلطان حينئذ للشيطان على ذلك القلب الموصول بالله، وهذا الروح المشرق بنور الإيمان.. {وكفى بربك وكيلا} يعصم وينصر ويبطل كيد الشيطان. وانطلق الشيطان ينفذ وعيده، ويستذل عبيده. ولكنه لا يجرؤ على عباد الرحمن، فما له عليهم من سلطان. ذلك ما يبيته للناس من شر واذى؛ ثم يوجد في الناس من يتبعون هذا الشيطان، ويستمعون إليه، ويعرضون عن نداء الله لهم وهدايته. والله رحيم بهم يعينهم ويهديهم وييسر لهم المعاش، وينجيهم من الضر والكرب، ويستجيب لهم في موقف الشدة والضيق.. ثم إذا هم يعرضون ويكفرون: {ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله، إنه كان بكم رحيماً. وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه، فلما نجاكم إلى البر أعرضتم، وكان الإنسان كفورا}.. والسياق يعرض هذا المشهد، مشهد الفلك في البحر، نموذجاً للحظات الشدة والحرج. لأن الشعور بيد الله في الخضم أقوى واشد حساسية، ونقطة من الخشب أو المعدن تائهة في الخضم، تتقاذفها الأمواج والتيارات والناس متشبثون بهذه النقطة على كف الرحمن. إنه مشهد يحس به من كابده، ويحس بالقلوب الخافقة الواجفة المتعلقة بكل هزة وكل رجفة في الفلك صغيراً كان أو كبيراً حتى عابرات المحيط الجبارة التي تبدو في بعض اللحظات كالريشة في مهب الرياح على ثبج الموج الجبار! والتعبير يلمس القلوب لمسة قوية وهو يشعر الناس أن يد الله تزجي لهم الفلك في البحر وتدفعه ليبتغوا من فضله {إنه كان بكم رحيما} فالرحمة هي أظهر ما تستشعره القلوب في هذا الأوان. ثم ينتقل بهم من الإزجاء الرخي للاضطراب العتي. حين ينسى الركب في الفلك المتناوح بين الأمواج كل قوة وكل سند وكل مجير إلا الله، فيتجهون إليه وحده في لحظة الخطر لا يدعون أحداً سواه: {ضل من تدعون إلا إياه}.. ولكن الإنسان هو الإنسان، فما إن تنجلي الغمرة، وتحس قدماه ثبات الأرض من تحته حتى ينسى لحظة الشدة، فينسى الله، وتتقاذفه الأهواء وتجرفه الشهوات، وتغطي على فطرته التي جلاها الخطر: {فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا} إلا من اتصل قلبه بالله فأشرق واستنار. وهنا يستجيش السياق وجدان المخاطبين بتصوير الخطر الذي تركوه في البحر وهو يلاحقهم في البر أو وهم يعودون إليه في البحر، ليشعروا أن الأمن والقرار لا يكونان إلا في جوار الله وحماه، لا في البحر ولا في البر؛ لا في الموجة الرخية والريح المواتية ولا في الملجأ الحصين والمنزل المريح: {أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً، ثم لا تجدوا لكم وكيلاً؟ أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى، فيرسل عليكم قاصفاً من الريح فيغرقكم بما كفرتم، ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا؟}. إن البشر في قبضة الله في كل لحظة وفي كل بقعة. إنهم في قبضته في البر كما هم في قبضته في البحر. فكيف يأمنون؟ كيف يأمنون أن يخسف بهم جانب البر بزلزال أو بركان، أو بغيرهما من الأسباب المسخرة لقدرة الله؟ أو يرسل عليهم عاصفة بركانية تقذفهم بالحمم والماء والطين والأحجار، فتهلكهم دون أن يجدوا لهم من دون الله وكيلاً يحميهم ويدفع عنهم؟ أم كيف يأمنون أن يردهم الله إلى البحر فيرسل عليهم ريحاً قاصفة، تقصف الصواري وتحطم السفين، فيغرقهم بسبب كفرهم وإعراضهم، فلا يجدون من يطالب بعدهم بتبعة إغراقهم؟ ألا إنها الغفلة أن يعرض الناس عن ربهم ويكفروا. ثم يأمنوا أخذه وكيده. وهم يتوجهون إليه وحده في الشدة ثم ينسونه بعد النجاة. كأنها آخر شدة يمكن أن يأخذهم بها الله! ذلك وقد كرم الله هذا المخلوق البشري على كثير من خلقه. كرمه بخلقته على تلك الهيئة، بهذه الفطرة التي تجمع بين الطين والنفخة، فتجمع بين الأرض والسماء في ذلك الكيان! وكرمه بالاستعدادات التي أودعها فطرته؛ والتي استأهل بها الخلافة في الأرض، يغير فيها ويبدل، وينتج فيها وينشئ، ويركب فيها ويحلل، ويبلغ بها الكمال المقدر للحياة. وكرمه بتسخير القوى الكونية له في الأرض وإمداده بعون القوى الكونية في الكواكب والأفلاك.. وكرمه بذلك الاستقبال الفخم الذي استقبله به الوجود، وبذلك الموكب الذي تسجد فيه الملائكة ويعلن فيه الخالق جل شأنه تكريم هذا الإنسان! وكرمه بإعلان هذا التكريم كله في كتابه المنزل من الملأ الأعلى الباقي في الأرض.. القرآن.. {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}.. {وحملناهم في البر والبحر} والحمل في البر والبحر يتم بتسخير النواميس وجعلها موافقة لطبيعة الحياة الإنسانية وما ركب فيها من استعدادات، ولو لم تكن هذه النواميس موافقة للطبيعة البشرية لما قامت الحياة الإنسانية، وهي ضعيفة ضئيلة بالقياس إلى العوامل الطبيعية في البر والبحر. ولكن الإنسان مزود بالقدرة على الحياة فيها، ومزود كذلك بالاستعدادات التي تمكنه من استخدامها. وكله من فضل الله. {ورزقناهم من الطيبات}.. والإنسان ينسى ما رزقه الله من الطيبات بطول الألفة فلا يذكر الكثير من هذه الطيبات التي رزقها إلا حين يحرمها. فعندئذ يعرف قيمة ما يستمتع به، ولكنه سرعان ما يعود فينسى.. هذه الشمس. هذا الهواء. هذا الماء. هذه الصحة. هذه القدرة على الحركة. هذه الحواس. هذا العقل.. هذه المطاعم والمشارب والمشاهد.. هذا الكون الطويل العريض الذي استخلف فيه، وفيه من الطيبات ما لا يحصيه. {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} فضلناهم بهذا الاستخلاف في ملك الأرض الطويل العريض. وبما ركب في فطرتهم من استعدادات تجعل المخلوق الإنساني فذاً بين الخلائق في ملك الله.. ومن التكريم أن يكون الإنسان قيماً على نفسه، محتملاً تبعة اتجاهه وعمله. فهذه هي الصفة الأولى التي بها كان الإنسان إنساناً. حرية الاتجاه وفردية التبعة. وبها استخلف في دار العمل. فمن العدل ان يلقى جزاء اتجاهه وثمرة عمله في دار الحساب: {يوم ندعوا كل أناس بإمامهم. فمن أوتي كتابه بيمينه فأولـئك يقرأون كتابهم ولا يظلمون فتيلا. ومن كان في هـذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا}.. وهو مشهد يصور الخلائق محشورة. وكل جماعة تنادى بعنوانها باسم المنهج الذي اتبعته، أو الرسول الذي اقتدت به، أو الإمام الذي ائتمت به في الحياة الدنيا. تنادى ليسلم لها كتاب عملها وجزاءها في الدار الآخرة.. فمن أوتي كتابه بيمينه فهو فرح بكتابه يقرؤه ويتملاه، ويوفى أجره لا ينقص منه شيئاً ولو قدر الخيط الذي يتوسط النواة! ومن عمي في الدنيا عن دلائل الهدى فهو في الآخرة أعمى عن طريق الخير. واشد ضلالاً. وجزاؤه معروف. ولكن السياق يرسمه في المشهد المزدحم الهائل، أعمى ضالاً يتخبط، لا يجد من يهديه ولا ما يهتدي به، ويدعه كذلك لا يقرر في شأنه أمراً، لأن مشهد العمى والضلال في ذلك الموقف العصيب هو وحده جزاء مرهوب؛ يؤثر في القلوب!

ابن عاشور

تفسير : لما عرضَ بالتهديد للمشركين في قوله: {أية : إن عذاب ربك كان محذورا}تفسير : [الإسراء: 57]، وتحداهم بقوله:{أية : قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم}تفسير : [الإسراء: 56] جاء بصريح التهديد على مسمع منهم بأن كل قرية مثل قريتهم في الشرك لا يعدوها عذاب الاستيصال وهو يأتي على القرية وأهلها، أو عذاب الانتقام بالسيف والذل والأسر والخوف والجوع وهو يأتي على أهل القرية مثل صرعى بدر، كل ذلك في الدنيا. فالمراد: القرى الكافرُ أهلُها لقوله تعالى:{أية : وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون}تفسير : في سورة [هود: 117]، وقوله: {أية : وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون}تفسير : في سورة [القصص: 59]. وحذف الصفة في مثل هذا معروف كقوله تعالى:{أية : يأخذ كل سفينة غصباً }تفسير : [الكهف: 79] أي كل سفينة صالحة، بقرينة قوله:{ أية : فأردت أن أعيبها} تفسير : [الكهف: 79]. وليس المقصود شمول ذلك القرى المؤمنة، على معنى أن لا بد للقرى من زوال وفناء في سنة الله في هذا العالم، لأن ذلك معارض لآيات أخرى، ولأنه مناف لغرض تحذير المشركين من الاستمرار على الشرك. فلو سلمنا أن هذا الحكم لا تنفلت منه قرية من القرى بحكم سنّة الله في مصير كل حادث إلى الفناء لما سلمنا أن في ذكر ذلك هنا فائدة. والتقييد بكونه {قبل يوم القيامة} زيادة في الإنذار والوعيد، كقوله: {أية : ولعذاب الآخرة أشد وأبقى}تفسير : [طه: 127]. و (من) مزيدة بعد (إنْ) النافية لتأكيد استغراق مدخولها باعتبار الصفة المقدرة، أي جميع القرى الكافرة كيلا يحسب أهلُ مكة عدم شمولهم. والكتاب: مستعار لعلم الله وسابق تقديره، فتعريفه للعهد؛ أو أريد به الكتب المنزلة على الأنبياء، فتعريفه للجنس فيشمل القرآن وغيره. والمسطور: المكتوب، يقال: سطر الكتاب إذا كتبه سطوراً، قال تعالى: {أية : والقلم وما يسطرون}تفسير : [القلم: 1].

الشنقيطي

تفسير : قال بعض أهل العلم: في هذه الآية الكريمة حذف الصفة، أي وإن من قرية ظالمة، إلا نحن مهلكوها. وهذا النعت المحذوف دلت عليه آيات من كتاب الله تعالى. كقوله {أية : وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ}تفسير : [القصص:59] وقوله: {أية : ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ}تفسير : [الأنعام:131]. أي بل لا بد أن تنذرهم الرسل فيكفروا بهم وبربهم. وقوله {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}تفسير : [هود:117]، وقوله {أية : وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً}تفسير : [ الطلاق:8-9] إلى غير ذلك من الآيات. وغاية ما في هذا القول حذف النعت مع وجود أدلة تدل عليه. ونظيره في القرآن قوله تعالى: {أية : وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً}تفسير : [الكهف:79] أي كل سفينة صالحة. بدليل أن خرق الخضر للسفينة التي ركب فيها هو وموسى يريد به سلامتها من أخذ الملك لها، لأنه لا يأخذ المعيبة التي فيها الخرق وإنما يأخذ الصحيحة. ومن حذف النعت قوله تعالى: {أية : قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [البقرة:71] أي بالحق الواضح الذي لا لبس معه في صفات البقرة المطلوبة. ونظيره من كلام العرب قول الشاعر، وهو المرقش الأكبر: شعر : ورب أسيلة الخدين بكر مهفهفة لها فرع وجيد تفسير : أي فرع فاحم وجيد طويل، وقول عبيد بن الأبرص: شعر : من قوله وقول من فعله فعل ومن نائله نائل تفسير : أي قوله قول فصل، وفعله فعل جميل، ونائله نائل جزيل، وإلى هذا أشار في الخلاصة بقوله: شعر : وما من المنعوت والنعت عقل يجوز حذفه وفي النعت يقل تفسير : وقال بعض أهل العلم: الآية عامة. فالقرية الصالحة إهلاكها بالموت، والقرية الطالحة إهلاكها بالعذاب. ولا شك أن كل نفس ذائقة الموت. والمراد بالكتاب: اللوح المحفوظ، والمسطور: المكتوب. ومنه قوله جرير: شعر : من شاء بايعته مالي وخلعته ما تكمل التيم في ديوانها سطرا تفسير : وما يرويه مقاتل عن كتاب الضحاك بن مزاحم في تفسير هذه الآية: من أن مكة تخربها الحبشة، وتهلك المدينة بالجوع، والبصرة بالغرق، والكوفة بالترك، والجبال بالصواعق والرواجف. وأما خراسان فهلاكها ضروب. ثم ذكر بلداً بلداً - لا يكاد يعول عليه. لأنه لا أساس له من الصحة، وكذلك ما يروى عن وهب بن منبه: أن الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينية، وأرمينية آمنة حتى تخرب مصر، ومصر آمنة حتى تخرب الكوفة، ولا تكون الملحمة الكبرى حتى تخرب الكوفة. فإذا كانت الملحمة الكبرى فتحت قسطنطينة على يد رجل من بني هاشم. وخراب الأندلس من قبل الزنج، وخراب إفريقية من قبل الأندلس، وخراب مصر من انقطاع النيل واختلاف الجيوش فيها، وخراب العراق من الجوع، وخراب الكوفة من قبل عدو يحصرهم ويمنعهم الشراب من الفرات، وخراب البصرة من قبيل الغرق، وخراب الأبلة من عدو يحصرهم براً وبحراً، وخراب الري من الديلم، وخراب خراسان من قبل التبت، وخراب التبت من قبل الصين، وخراب الهند واليمن من قبل الجراد والسلطان، وخراب مكة من الحبشة، وخراب المدينة من الجوع اهـ كل ذلك لا يعول عليه. لأنه من قبيل الإسرائيليات.

القطان

تفسير : الناقة: مبصرة: معجزة فيها دلالة واضحة. فظلموا بها: فكفروا بها. احاط بالناس: احاطت بهم قدرته. {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً}. وقد جرت سُنتنا ان نهلك كل قرية ظالمة بمن فيها، او نعذب اهلها عذابا شديدا بالقتل وغيره، فليحذر قومك ذلك، فقد جرى بذلك قضاؤنا، وسُطر ذلك في اللوح المحفوظ. {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ}. كان كفار قريش يقولون: يا محمد، تزعم انه كان قبلك انبياء منهم من سُخرت له الريح، ومنهم من كان يحيي الموتى، فإنْ سرك ان نؤمن بك ونصدقك فادع ربك ان يجعل لنا الصفا ذهبا. فقال: ما منعنا من ارسال الآيات التي سألوها الا تذكيب الاولين بمثلها، فان ارسلناها، وكذبوا بها، ارسلنا عليهم العذاب واستأصلناهم. {وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا}. وقد كنا ارسلنا الناقة الى قوم ثمود فنحروها، فكفروا، فانزلنا عليهم العذاب فأبدناهم. {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً} فالآيات التي يرسلها الله ما هي الا لتخويف الظالمين ليعتبروا بها. {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ}. واذكر ايها النبي اذ اوحينا اليك ان ربك هو القادر على عباده، فهم في قبضته، فبلّغ رسالتك ولا تخف من احد فهو يعصمك منهم، فالله ناصرك ومؤيدك. في صحيح البخاري والترمذي عن ابن عباس قال: "حديث : وما جعلنا الرؤيا التي اريناك الا فتنة للناس" قال: هي رؤيا عين أُريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أُسِرى به الى بيت المقدس. "والشجرة الملعونة في القرآن" هي شجرة الزقوم ". تفسير : فقد افتتن اناس من المسلمين ليلة الاسراء فارتدوا، وقامت ضجة كبرى في مكة كما مر في اول هذه السورة، وكان ابو جهل يقول: ان محمدا توعدكم بنار تحرق الحجارة، ثم يزعم انها تنبت شجرة، وتعلمون ان النار ترحق الشجر!! وهؤلاء لا يعلمون أَنَّ الحياة الأخرى تختلف عن حياتنا كل الاختلاف ولكنهم ضلوا فلم يؤمنوا وفُتنا بالاسراء، وفتنوا بالشجرة. {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً} ونخوف هؤلاء الضالين، فما يزيدهم هذا التخويف الا تماديا في الطغيان والضلال. والشجرة الملعونة ولا ذنب لها، والمعنى ملعون آكلها، وهذا التعبير كثير في كلام العرب.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْقِيَامَةِ} {ٱلْكِتَابِ} (58) - وَمَا مِنْ قَرْيَةٍ مِنَ القُرَى التِي ظَلَمَ أَهْلُهَا أَنْفُسَهُمْ بِالكُفْرِ وَالمَعَاصِي، إِلاَّ وَيُهْلِكُهَا اللهُ، وَيُهْلِكُ أَهْلَها، وَيُبِيدُهُمْ بِالاسْتِئْصَالِ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ، أَوْ يُعَذِّبُهُمْ بِابْتِلاَئِهِمْ بِأَصْنَافٍ مِنَ العَذَابِ، بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ، وَخَطَايَاهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ مُثْبَتاً فِي عِلْمِ اللهِ، أَوْ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: حديث : إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ. فَقَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ المُقَدَّرَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِتفسير : ). (أَخْرََجَهُ التِّرْمِذِيُّ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ساعةَ أنْ تسمعَ {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ} فاعلم أن الأسلوب قائم على نفي وإثبات، فالمعنى: لا توجد قرية إلا والله مُهلِكها قبل يوم القيامة، أو مُعذِّبها عذاباً شديداً، لكن هل كل القرى ينسحب عليها هذا الحكم؟ نقول: لا، لأن هذا حكم مطلق والإطلاقات في القرآن تُقيّدها قرآنيات أخرى، وسوف نجد مع هذه الآية قول الحق سبحانه: {أية : ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ}تفسير : [الأنعام: 131]. وقال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}تفسير : [هود: 117]. فهذه آيات مُخصِّصة تُوضِّح الاستثناء من القاعدة السابقة، وتُقيِّد المبدأ السابق والسور العام الذي جاءت به الآية، فيكون المعنى - إذن - وإنْ من قرية غير غافلة وغير مُصلِحة إلا والله مُهلكها أو مُعذِّبها. وقوله: {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا ..} [الإسراء: 58]. {مُهْلِكُوهَا} أي: بعذاب الاستئصال الذي لا يُبقِي منهم أحداً. {مُعَذِّبُوهَا} أي: عذاباً دون استئصال. لأن التعذيب مرحلة أولى، فإنْ أتى بالنتيجة المطلوبة وأعاد الناس إلى الصواب فبها ونِعْمتْ وتنتهي المسألة، فإنْ لم يقتنعوا وأصرُّوا ولم يرتدعوا وعاندوا يأتي الإهلاك، وهذا واضح في قول الحق سبحانه: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}تفسير : [النحل: 112]. والواقع أن في حاضرنا شواهدَ عدة على هذه المسألة، فلا بُدَّ لأيِّ قرية طغتْ وبغَتْ أن ينالها شيء من العذاب، والأمثلة أمامنا واضحة، ولا داعيَ لذكرها حتى لا ننكأ جراحنا. وطبيعي أن يأتي العذاب قبل الإهلاك؛ لأن العذاب إيلام حيّ يشعر بالعذاب ويُحِسّ به، والإهلاك إذهاب للحياة، وهذا يمنع الإحساس بالعذاب. وباستقراء تاريخ الأمم السابقة نلاحظ ما حاق بهم من سُنّة إهلاك الظالمين، فقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط نزل بهم عذاب الله الذي لا يُرَدُّ عن القوم الكافرين، ولكنه كان عذاب استئصال؛ لأن الأنبياء في هذا الوقت لم يكونوا مُطَالَبين بحمل السلاح لنشر دعوتهم، فكان عليهم البلاغ، والحق سبحانه وتعالى هو الذي يتولّى تأديب المخالفين. إلا إذا طلب أتباع النبي الجهاد معه لنشر دعوته، كما حدث من أتباع موسى عليه السلام: {أية : إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ ..}تفسير : [البقرة: 246]. وهكذا طلب بنو إسرائيل القتال وحَمْل السلاح، ولكن حذّرهم نبيهم، وخشي أنْ يفرضَ عليهم ثم يتقاعسوا عنه، وهذا ما حدث فعلاً ولم يَبْق معه إلا قليل منهم، وهذا القليل سرعان ما تراجع هو أيضاً واحداً بعد الآخر. إذن: الهِمَّة الإنسانية في هذا الوقت لم يكُنْ عندها استعداد ونضج لأنْ تحملَ سلاحاً في سبيل الله، فكان على الرسول أنْ يُبلِّغ، وعلى السماء أنْ تُؤدِّب بهذا اللون من العذاب الذي يستأصلهم فلا يُبقي منهم أحداً. أما في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد رحمنا ربنا تبارك وتعالى من هذا العذاب، فقال: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ..}تفسير : [الأنفال: 33]. وهذه من كرامات الله تعالى لرسوله، فلم يأخذ قومه بعذاب الاستئصال، لماذا؟ لأن رسولهم آخر الرسل وخاتم الأنبياء، وسوف يُنَاطُ بهم حَملُ رسالته ونَشْر دعوته، والانسياح بمنهج الله في شتى بقاع الأرض. ذلك لأن الحق - سبحانه وتعالى - حينما يرسل منهجه إلى الأرض يُقدِّر غفلة الناس عن المنهج، ويُقدِّر فكرة التأسِّي بالجيل السابق، فهذان مُعوِّقان في طريق منهج الله، يقول تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ..}تفسير : [الأعراف: 172-173]. فأوضح لنا الحق سبحانه أن الإنسان يتخبّط أو ينحرف عن المنهج، إما بسبب غفلة، أو بسبب تقليد أعمى لأُسْوة سيئة، فأول مَنْ تلقى عن الله آدم، ثم بلّغ ذريته منهج الله، وبمرور الأجيال حدثتْ الغفلة عن بعض المنهج نتيجة ما رُكِّب في الإنسان من حُبٍّ للشهوات، وهذه الشهوات هي التي تصرفه عن منهج ربه، فإنْ حدثت غفلة في جيل فإنها سوف تزداد في الجيل التالي، وهكذا؛ لأن الجيل سيقع تحت مُؤثِّرين: الغفلة الذاتية فيه، والتأسي بالجيل السابق. إذن: بتوالي الأجيال وازدياد الغفلة عن المنهج لا بُدَّ أن الحق سبحانه سيبعث في مواكب الرسل مَنْ يُنبّه الناس. ومن هنا كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم خَيْر أمة أُخرِجَتْ للناس: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ..}تفسير : [آل عمران: 110] لماذا؟ {أية : تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ..}تفسير : [آل عمران: 110] فخيرية هذه الأمة ناشئة من حَمْل رسالة الدعوة، وقد كرَّم الله أمة محمد بأنْ جعل كل مَنْ آمن به يحمل دعوته إلى يوم القيامة، لقد بلّغ الرسول مَنْ عاصروه من أمته، وعلى أمته أن تُبلّغ مَنْ بعده؛ لذلك يشهد علينا رسول الله، ونشهد نحن على الناس. وفي الحديث الشريف "حديث : نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، ثم أدَّاها إلى مَنْ لم يسمعها، فَرُبَّ مُبلَّغ أَوْعَى من سامع ". تفسير : وهكذا تظل في الأمة هذه الخيرية وتحمل دعوة رسولها حيث لا رسول من بعده إلى يوم القيامة، ولأهمية هذا الدور الذي يقوم به المسلمون في كل زمان ومكان يُنبِّهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مسألة هامة في مجال حَمْل الدعوة ونَشْرها، فيقول: "حديث : إن كل واحد منكم يقف على ثغرة من ثغرات هذا الدين، فإياكم أن يؤتَى الدين من ثغرة أحدكم"تفسير : . أو كما قال. فليعلم كل مسلم أنه محسوب للدين أو عليه، فالعيون تتطلع إليه وتَرْصُد تصرفاته في مجتمعه، فهو صورة للدين وسفير له، وعليه أن يراعي هذه المسئولية ويقوم بها على أكمل وجه ليكون أداة جَذْب، وليكون وجهاً مشرقاً لتعاليم هذا الدين. فأنت حارس على باب من الأبواب، وعليك أنْ تسدَّه بصدق انطباعك عن الإيمان، وبصدق انقيادك لقضايا الإسلام، وبهذا السلوك تكون وسيلة إغراء للآخرين الذين يراودهم الإيمان، ويتراءى لهم منهج الله من بعيد. ويحلو للبعض أن يأخذوا الإسلام بجريرة أهله، ويحكموا عليه بناءً على تصرفات المنتسبين إليه، وهذا خطأ، فَمنْ أراد الصورة الحقيقية للإسلام فليأخذْها من منابع الدين في كتاب الله وسنة رسوله، فإنْ رأيتَ بين المنتسبين للإسلام سارقاً فلا تقُلْ: هذا هو الإسلام؛ لأن الإسلام حرَّم السرقة، وجعل لها عقوبة وحَدّاً يُقَام على السارق، وليس لأحد أن يكون حجة على دين الله. لذلك فإن كبار العلماء والمفكرين الذين درسوا في الدين الإسلامي لم ينظروا إلى تصرُّفات المسلمين وحاضرهم، بل أخذوه من منابعه الأصلية. ومنهم "جينو" الفرنسي الذي قال: الحمد لله الذي هداني للإسلام قبل أن أعرف المسلمين. لأنه في الحقيقة لو اطلع على أحوالنا الآن لَكَان في المسألة كلام آخر. إذن: الذين نظروا إلى قضايا الإسلام نظرة عَدْل وإنصاف لا بُدَّ أن يهتدوا إلى الإسلام، لكن منهم مَنْ نظر إليه نظرة عَدْل وإنصاف إلا أنهم أبعدوا قضية التديّن من قلوبهم، وإن اقتنعتْ بها عقولهم، وفَرْق كبير بين القضية العقلية والقضية القلبية. ومن هؤلاء الكاتب الذي ألَّفَ كتاباً عن العظماء في التاريخ وأسماه: "العظماء مائة أعظمهم محمد بن عبد الله" وهو كاتب غير مؤمن، لكنه أخذ يستقرئ صفحة التاريخ، ويسجِّل أصحاب الأعمال الجلية التي أثَّرت في تاريخ البشرية، فوجدهم مائة، وبالمقارنة بينهم وجد أن أعظمهم محمد صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم يتربَّ محمد في مدرسة، ولم يتخرج في جامعة، ولم يجلس إلى مُعلم. ألم تسأل نفسك أيها المؤلف: من أين أتى محمد بهذه الأوليّة؟ ولماذا استحق أن يكون في المقدمة؟ لقد ذكرتَ حيثيات النبوغ في جميع شخصياتك، من تربية ودراسة في جامعات وعلى أساتذة وإطلاع وأبحاث، فلماذا لم تذكر حيثيات النبوغ في رسول الله؟ ألم تعلم أنه أُميّ في أمة أُميّة؟ مما يدل على أن هذا الباحث تناول هذه القضية بعقله لا بقلبه. نعود إلى مسألة الإهلاك والعذاب؛ لأنها أثارتْ خلافاً بين رجال القانون في موضوع إقامة حَدِّ الرجْم على الزاني المحصن والجَلْد للزاني غير المحصن، فقد رأى جماعة منهم أن الجلد ثابت بالقرآن، أما الرجم فثابت بالسنة، لذلك قال بعضهم بأن رجم الزاني المحصَن سنة. وهذا قول خاطئ وبعيد عن الصواب، لأن هناك فرقاً بين سُنية الدليل وسُنية الحكم، فسُنية الدليل أن يكون الأمر فَرْضاً، لكن دليله من السنة كهذه المسألة التي معنا. وكصلاة المغرب مثلاً ثلاث ركعات وهي فَرْض لكن دليلها من السنة، أما سُنية الحكم فيكون الحكم نفسه سُنة يُثَاب فاعله، ولا يُعَاقب تاركه كالتسبيح ثلاثاً في الركوع مثلاً. إذن: فرجْم الزاني المحصَن فَرْض، لكن دليله من السنة، فالسُّنية هنا سُنية دليل، لا سنية حكم. فمَنْ يقول: إن الرجْم لم يَرِدْ به نصٌّ في كتاب الله، نقول: الدليل عليه جاء في السنة، وهي المصدر الثاني للتشريع، حتى على قول مَنْ قال بأن القرآن هو المصدر الوحيد للتشريع، ففي القرآن: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ..}تفسير : [الحشر: 7]. إذن: ففِعْل الرسول صلى الله عليه وسلم كنصِّ القرآن سواء بسواء، وهل رجم في عهد رسول الله أو لم يرجم؟ رجم فعلاً في عهد رسول الله، فإنْ قال قائل: فهذا ليس نصّاً في الرجْم. نقول: بل الفعل أقوى من النص؛ لأن النص قد تتأول فيه، أما الفعل فهو صريح لا يحتمل تأويلاً. ودليل آخر على فرضية الرجم، وهو الشاهد في هذه الآية، في قوله تعالى عن إقامة الحد على الأمة:{أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ..}تفسير : [النساء: 25]. فيقولون: الرجْم لا يُنصَّف. إذن: ليس هناك رَجْم. نقول: أنتم لم تُفرِّقوا بين الرجم وبين العذاب، فالرجم إماتة، والعذاب إيلام لحيٍّ يشعر ويُحِسُّ بهذا الإيلام، والمقصود به (الجَلْد). إذن: {أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ..}تفسير : [النساء: 25] أي: من الجَلْد، وهو الذي يُنصَّف، ولو كان الحكم عاماً لَقَال: فعليهن نصف ما على المحصنات. فقوله:{أية : مِنَ ٱلْعَذَابِ ..}تفسير : [النساء: 25] دليل على وجود الرَّجْم الذي لا فَرْق فيه بين حُرة وأمة. وكذلك نلحظ التدرج من العذاب إلى الإهلاك في قول سليمان - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - حينما تفقّد الطير، واكتشف غياب الهدهد: {أية : لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ ..}تفسير : [النمل: 21]. ولسائل أنْ يسأل: هل لا بُدَّ للقرى الظالمة أن ينالها الإهلاك أو العذاب قبل يوم القيامة؟ نعم لا بُدَّ أن يمسَّهم شيء من هذا؛ لأن الله تعالى لو أخَّر كل العذاب لهؤلاء إلى يوم القيامة لاستشرى الظلم وعمَّ الفساد في الكون، وحين يرى الناس الظالم يرتع في الحياة، وينعم بها مع ظلمه لأغراهم ذلك بالظلم، أما إذا رأوه وقد حاق به سوء عمله، ونزلت به النوازل لارتدعوا عن الظلم، ولَعلِموا أن عاقبته وخيمة، ولن يفلت الظالم من عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة. أما لو تأخر عذاب الظالمين إلى الآخرة، فالوَيْل مِمَّنْ لا يؤمنون بها. لذلك لما مات رَأْسٌ من رؤوس الظلم في الشام، ولم يَرَ الناس عليه أثراً لعذاب أو نقمة، قال أحدهم: إن وراء هذه الدار داراً يُجَازى فيها المحسن بإحسانه، والمسىء بإساءته؛ لأنه يستحيل أنْ يُفلِتَ الظالم من العذاب. وفي مناقشتي مع الشيوعيين في بروكسل قلت لهم: لقد قسوتُمْ على المخالفين لكم من الرأسماليين والإقطاعيين عام 1917 وما بعدها، فقالوا: إنهم يستحقون أكثر من ذلك، فقد فعلوا كذا وكذا، قُلْت: منذ متى؟ قالوا: طوال عمرهم وهم يفعلون ذلك، فقلتُ: إذا كنتم أخذتم المعاصرين لكم بذنوبهم، فما بال الذين سبقوهم؟ وما حظّهم من العقاب الذي أنزلتموه بإخوانهم؟ قالوا: ما أدركناهم. قلت: إذن كان من الواجب عليكم أنْ تؤمنوا باليوم الآخر، حيث سيعذب فيه هؤلاء، فإنْ أفلتوا من عذاب الدنيا جاءت الآخرة لتُصفّي معهم الحساب، كما يقول تعالى: {أية : وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ ..}تفسير : [الطور: 47] وأريد منكم أنْ تطلعوا على تفسير هذه الآية التي نحن بصددها: {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً} [الإسراء: 58]. راجعوا تفسيرها في كتاب النسفي، وسوف تجدون به أمثلة تُؤيّد هذه الآية، يقول: قرية كذا سيحدث لها كذا، وقرية كذا سيحدث لها كذا. وقد جاء الواقع على وفق ما قال، إلى أن ذكر مصر وقال عنها كلاماً طويلاً أظن أنه يُمثِّل ما أصاب مصر منذ سنة 1952، وكان مما قال عنها: ويدخل مصر رجل من جهينة فويْلٌ لأهلها، وويل لأهل الشام، وويل لأهل أفريقيا، وويل لأهل الرملة، ولا يدخل بيت المقدس. اقرأوا هذا الكلام عند النسفي. ثم يقول تعالى: {كَانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً} [الإسراء: 58]. أي: مُسجّل ومُسطّر في اللوح المحفوظ، ولا يقول الحق سبحانه: {كَانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً} [الإسراء: 58] وتأتي الأحداث بغير ذلك، بل لا بُدَّ أنْ يؤكد هذه الحقائق القرآنية بأحداث كونية واقعية. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا} بالمَوتِ {أَوْ مُعَذِّبُوهَا} بالسَّيفِ. تفسير : وقوله تعالى: {كَانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً} معناهُ مَكتوبٌ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ما من قرية من القرى المكذبة للرسل إلا لا بد أن يصيبهم هلاك قبل يوم القيامة أو عذاب شديد كتاب كتبه الله وقضاء أبرمه، لا بد من وقوعه، فليبادر المكذبون بالإنابة إلى الله وتصديق رسله قبل أن تتم عليهم كلمة العذاب، ويحق عليهم القول.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 525 : 27 : 28 - سفين عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} قال، مبيدوها. [الآية 58].