Verse. 2088 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

وَمَا مَنَعَنَاۗ اَنْ نُّرْسِلَ بِالْاٰيٰتِ اِلَّاۗ اَنْ كَذَّبَ بِہَا الْاَوَّلُوْنَ۝۰ۭ وَاٰتَيْنَا ثَمُوْدَ النَّاقَۃَ مُبْصِرَۃً فَظَلَمُوْا بِہَا۝۰ۭ وَمَا نُرْسِلُ بِالْاٰيٰتِ اِلَّا تَخْوِيْفًا۝۵۹
Wama manaAAana an nursila bialayati illa an kaththaba biha alawwaloona waatayna thamooda alnnaqata mubsiratan fathalamoo biha wama nursilu bialayati illa takhweefan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما منعنا أن نرسل بالآيات» التي اقترحها أهل مكة «إلا أن كذب بها الأولون» لما أرسلناها فأهلكناهم ولو أرسلناها إلى هؤلاء لكذبوا بها واستحثوا الإهلاك وقد حكمنا بإمهالهم لإتمام أمر محمد صلى الله عليه وسلم «وآتينا ثمود الناقة» أي «مبصرة» بينة واضحة «فظلموا» كفروا «بها» فأهلكوا «وما نرسل بالآيات» المعجزات «إلا تخويفا» للعباد فيؤمنوا.

59

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر الدليل على فساد قول المشركين وأتبعه بالوعيد أتبعه بذكر مسألة النبوة، وذلك لأن كفار قريش اقترحوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إظهار معجزات عظيمة قاهرة كما حكى الله عنهم أنهم قالوا: { أية : لَوْلاَ يَأْتِينَا بِـئَايَةٍ } تفسير : [طه: 133] { أية : كَمَا أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 5] وقال آخرون: المراد ما طلبوه بقولهم: { أية : لَن نُّؤْمِنَ لك حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعًا } تفسير : [الإسراء: 90] وعن سعيد بن جبير أن القوم قالوا: إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء فمنهم: من سخرت له الريح ومنهم من كان يحيي الموتى فأتنا بشيء من هذه المعجزات فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِٱلأَيَـٰتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ } وفي تفسير هذا الجواب وجوه: الوجه الأول: المعنى أنه تعالى لو أظهر تلك المعجزات القاهرة ثم لم يؤمنوا بها بل بقوا مصرين على كفرهم فحينئذ يصيرون مستحقين لعذاب الاستئصال، لكن إنزال عذاب الاستئصال على هذه الأمة غير جائز، لأن الله تعالى أعلم أن فيهم من سيؤمن أو يؤمن أولادهم، فلهذا السبب ما أجابهم الله تعالى إلى مطلوبهم وما أظهر تلك المعجزات القاهرة. روى ابن عباس أن أهل مكة سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً وأن يزيل لهم الجبال حتى يزرعوا تلك الأراضي، فطلب الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك من الله تعالى فقال الله تعالى: إن شئت فعلت ذلك لكن بشرط أنهم إن كفروا أهلكتهم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: « حديث : لا أريد ذلك بل تتأنى بهم » تفسير : فنزلت هذه الآية. الوجه الثاني: في تفسير هذا الجواب أنا لا نظهر هذه المعجزات لأن آباءكم الذين رأوها لم يؤمنوا بها وأنتم مقلدون لهم، فلو رأيتموها أنتم لم تؤمنوا بها أيضاً. الوجه الثالث: أن الأولين شاهدوا هذه المعجزات وكذبوا بها، فعلم الله منكم أيضاً أنكم لو شاهدتموها لكذبتم فكان إظهارها عبثاً، والعبث لا يفعله الحكيم. ثم قال تعالى: {وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها} وفيه أبحاث: البحث الأول: المعنى أن الآية التي التمسوها هي مثل آية ثمود، وقد آتيناها ثمود واضحة بينة ثم كفروا بها فاستحقوا عذاب الاستئصال فكيف يتمناها هؤلاء على سبيل الاقتراح والتحكم على الله تعالى. البحث الثاني: قوله تعالى: {مُبْصِرَةً } وفيه وجهان: الأول: قال الفراء: {مُبْصِرَةً } أي مضيئة. قال تعالى: { أية : وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً } تفسير : [يونس: 67] أي مضيئاً. الثاني: {مُبْصِرَةً } أي ذات أبصار أي فيها أبصار لمن تأملها يبصر بها رشده ويستدل بها على صدق ذلك الرسول. البحث الثالث: قوله: {فَظَلَمُواْ بِهَا } أي ظلموا أنفسهم بتكذيبهم بها، وقال ابن قتيبة: {ظَلَمُواْ بِهَا } أي جحدوا بأنها من الله تعالى. ثم قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلأَيَـٰتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا } قيل: لا آية إلا وتتضمن التخويف بها عند التكذيب إما من العذاب المعجل أو من عذاب الآخرة. فإن قيل: المقصود الأعظم من إظهار الآيات أن يستدل بها على صدق المدعي فكيف حصر المقصود من إظهارها في التخويف. قلنا: المقصود أن مدعي النبوة إذا أظهر الآية فإذا سمع الخلق أنه أظهر آية فهم لا يعلمون أن تلك الآية معجزة أو مخوفة، إلا أنهم يجوزون كونها معجزة، وبتقدير أن تكون معجزة فلو لم يتفكروا فيها ولم يستدلوا بها على الصدق لاستحقوا العقاب الشديد، فهذا هو الخوف الذي يحملهم على التفكر والتأمل في تلك المعجزات، فالمراد من قوله: {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلأَيَـٰتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا } هذا الذي ذكرناه، والله أعلم. واعلم أن القوم لما طالبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعجزات القاهرة، وأجاب الله تعالى بأن إظهارها ليس بمصلحة صار ذلك سبباً لجرأة أولئك الكفار بالطعن فيه وأن يقولوا له: لو كنت رسولاً حقاً من عند الله تعالى لأتيت بهذه المعجزات التي اقترحناها منك، كما أتى بها موسى وغيره من الأنبياء، فعند هذا قوى الله قلبه وبين له أنه تعالى ينصره ويؤيده فقال: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ } وفيه قولان: القول الأول: المعنى أن حكمته وقدرته محيطة بالناس فهم في قبضته وقدرته، ومتى كان الأمر كذلك فهم لا يقدرون على أمر من الأمور إلا بقضائه وقدره، والمقصود كأنه تعالى يقول له: ننصرك ونقويك حتى تبلغ رسالتنا وتظهر ديننا. قال الحسن: حال بينهم وبين أن يقتلوه كما قال تعالى: { أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [المائدة: 67]. والقول الثاني: أن المراد بالناس أهل مكة، وإحاطة الله بهم هو أنه تعالى يفتحها للمؤمنين فكان المعنى: وإذ بشرناك بأن الله أحاط بأهل مكة بمعنى أنه يغلبهم ويقهرهم ويظهر دولتك عليهم، ونظيره قوله تعالى: { أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } تفسير : [القمر: 45] وقال: { أية : قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ } تفسير : [آل عمران: 12] إلى قوله: {أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ } لما كان كل ما يخبر الله عن وقوعه فهو واجب الوقوع، فكان من هذا الاعتبار كالواقع فلا جرم قال: {أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ } وروي أنه لما تزاحف الفريقان يوم بدر ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش مع أبي بكر كان يدعو ويقول: « حديث : أللهم إني أسألك عهدك ووعدك لي » تفسير : ثم خرج وعليه الدرع يحرض الناس ويقول: {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ }. ثم قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا الَّتي أَرَيْنَـٰكَ إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ } وفي هذه الرؤيا أقوال: القول الأول: أن الله أرى محمداً في المنام مصارع كفار قريش فحين ورد ماء بدر قال: « حديث : والله كأني أنظر إلى مصارع القوم » تفسير : ثم أخذ يقول: « حديث : هذا مصرع فلان هذا مصرع فلان » تفسير : فلما سمعت قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية، وكانوا يستعجلون بما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. والقول الثاني: أن المراد رؤياه التي رآها أنه يدخل مكة وأخبر بذلك أصحابه، فلما منع عن البيت الحرام عام الحديبية كان ذلك فتنة لبعض القوم، وقال عمر لأبي بكر أليس قد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ندخل البيت ونطوف به، فقال أبو بكر إنه لم يخبر أنا نفعل ذلك في هذه السنة فسنفعل ذلك في سنة أخرى، فلما جاء العام المقبل دخلها، وأنزل الله تعالى: { أية : لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقّ } تفسير : [الفتح: 27] اعترضوا على هذين القولين فقالوا: هذه السورة مكية، وهاتان الواقعتان مدنيتان، وهذا السؤال ضعيف لأن هاتين الواقعتين مدنيتان أما رؤيتهما في المنام فلا يبعد حصولها في مكة. والقول الثالث: قال سعيد بن المسيب رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء والإشكال المذكور عائد فيه لأن هذه الآية مكية وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة منبر، ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يبعد أن يرى بمكة أن له بالمدينة منبراً يتداوله بنو أمية. والقول الرابع: وهو الأصح وهو قول أكثر المفسرين أن المراد بها ما أراه الله تعالى ليلة الإسراء، واختلفوا في معنى هذه الرؤيا فقال الأكثرون: لا فرق بين الرؤية والرؤيا في اللغة، يقال رأيت بعيني رؤية ورؤيا، وقال الأقلون: هذا يدل على أن قصة الإسراء إنما حصلت في المنام، وهذا القول ضعيف باطل على ما قررناه في أول هذه السورة، وقوله: {إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ } معناه: أنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر لهم قصة الإسراء كذبوه وكفر به كثير ممن كان آمن به وازداد المخلصون إيماناً فلهذا السبب كان امتحاناً. ثم قال تعالى: {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْءانِ } وهذا على التقديم والتأخير، والتقدير: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس وقيل المعنى: والشجرة الملعونة في القرآن كذلك. واختلفوا في هذه الشجرة، فالأكثرون قالوا: إنها شجرة الزقوم المذكورة في القرآن في قوله: { أية : إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ } تفسير : [الدخان: 43، 44] وكانت هذه الفتنة في ذكر هذه الشجرة من وجهين: الأول: أن أبا جهل قال: زعم صاحبكم بأن نار جهنم تحرق الحجر حيث قال: { أية : وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ } تفسير : [التحريم: 6] ثم يقول: بأن في النار شجراً والنار تأكل الشجر فكيف تولد فيها الشجر. والثاني: قال ابن الزبعري ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد فتزقموا منه، فأنزل الله تعالى حين عجبوا أن يكون في النار شجر: { أية : إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ فِتْنَةً لّلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [الصافات: 63] الآيات. فإن قيل: ليس في القرآن لعن هذه الشجرة. قلنا: فيه وجوه: الأول: المراد لعن الكفار الذين يأكلونها. الثاني: العرب تقول لكل طعام مكروه ضار إنه ملعون. والثالث: أن اللعن في أصل اللغة هو التبعيد فلما كانت هذه الشجرة الملعونة في القرآن مبعدة عن جميع صفات الخير سميت ملعونة. القول الثاني: قال ابن عباس رضي الله عنهما: الشجرة بنو أمية يعني الحكم بن أبي العاص قال ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام أن ولد مروان يتداولون منبره فقص رؤياه على أبي بكر وعمر وقد خلا في بيته معهما فلما تفرقوا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم يخبر برؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتد ذلك عليه، واتهم عمر في إفشاء سره، ثم ظهر أن الحكم كان يتسمع إليهم فنفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الواحدي: هذه القصة كانت بالمدينة، والسورة مكية فيبعد هذا التفسير إلا أن يقال: هذه الآية مدنية ولم يقل به أحد، ومما يؤكد هذا التأويل قول عائشة لمروان لعن الله أباك وأنت في صلبه فأنت بعض من لعنه الله. والقول الثالث: أن الشجرة الملعونة في القرآن هي اليهود لقوله تعالى: { أية : لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [المائدة: 78]. فإن قال قائل: إن القوم لما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الإتيان بالمعجزات القاهرة فأجاب أنه لا مصلحة في إظهارها لأنها لو ظهرت ولم تؤمنوا نزل الله عليكم عذاب الاستئصال، وذلك غير جائز وأي تعلق لهذا الكلام بذكر الرؤيا التي صارت فتنة للناس وبذكر الشجرة التي صارت فتنة للناس. قلنا: التقدير كأنه قيل: إنهم لما طلبوا هذه المعجزات ثم إنك لم تظهرها صار عدم ظهورها شبهة لهم في أنك لست بصادق في دعوى النبوة إلا أن وقوع هذه الشبهة لا يوهن أمرك ولا يصير سبباً لضعف حالك ألا ترى أن ذكر تلك الرؤيا صار سبباً لوقوع الشبهة العظيمة في القلوب ثم إن قوة تلك الشبهات ما أوجبت ضعفاً في أمرك ولا فتوراً في اجتماع المحقين عليك فكذلك هذه الشبهة الحاصلة بسبب عدم ظهور هذه المعجزات لا توجب فتوراً في حالك، ولا ضعفاً في أمرك، والله أعلم. ثم قال تعالى: {وَنُخَوّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا } والمقصود منه ذكر سبب آخر في أنه تعالى ما أظهر المعجزات التي اقترحوها، وذلك لأن هؤلاء خوفوا بمخاوف الدنيا والآخرة وبشجرة الزقوم فما زادهم هذا التخويف إلا طغياناً كبيراً، وذلك يدل على قسوة قلوبهم وتماديهم في الغي والطغيان، وإذا كان الأمر كذلك فبتقدير أن يظهر الله لهم تلك المعجزات التي اقترحوها لم ينتفعوا بها ولا يزدادون إلا تمادياً في الجهل والعناد، وإذا كان كذلك، وجب في الحكمة أن لا يظهر الله لهم ما اقترحوه من الآيات والمعجزات، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} في الكلام حذف، والتقدير: وما منعنا أن نرسل بالآيات التي اقترحوها إلا أن يكذبوا بها فيهلكوا كما فُعِل بمن كان قبلهم. قال معناه قَتادة وابن جُريج وغيرهما. فأخر الله تعالى العذاب عن كفار قريش لعلمه أن فيهم من يؤمن وفيهم من يولد مؤمناً. وقد تقدّم في «الأنعام» وغيرها أنهم طلبوا أن يحوّل الله لهم الصَّفَا ذهبا وتتنحىّ الجبال عنهم؛ فنزل جبريل وقال: «إن شئت كان ما سأل قومك ولكنهم إن لم يؤمنوا لم يمهلوا. وإن شئت استأنيت بهم». فقال: «لا، بل استأن بهم». و «أن» الأولى في محل نصب بوقوع المنع عليهم، و «أن» الثانية في محل رفع. والباء في «بالآيات» زائدة. ومجاز الكلام: وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأوّلين، والله تعالى لا يكون ممنوعاً عن شيء؛ فالمعنى المبالغة في أنه لا يفعل، فكأنه قد منع عنه. ثم بيّن ما فعل بمن سأل الآيات فلم يؤمن بها فقال: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً} أي آية دالة مضيئة نَيّرة على صدق صالح، وعلى قدرة الله تعالى. وقد تقدّم ذلك. {فَظَلَمُواْ بِهَا} أي ظلموا بتكذيبها. وقيل: جحدوا بها وكفروا أنها من عند الله فٱستأصلهم الله بالعذاب. {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً} فيه خمسة أقوال: الأوّل ـ العبر والمعجزات التي جعلها الله على أيدي الرسل من دلائل الإنذار تخويفاً للمكذّبين. الثاني ـ أنها آيات الانتقام تخويفاً من المعاصي. الثالث ـ أنها تقلب الأحوال من صغر إلى شباب ثم إلى تكهّل ثم إلى مشيب، لتعتبر بتقلب أحوالك فتخاف عاقبة أمرك؛ وهذا قول أحمد بن حنبل رضي الله عنه. الرابع ـ القرآن. الخامس ـ الموت الذّريع؛ قاله الحسن.

البيضاوي

تفسير : {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَـٰتِ} ما صرفنا عن إرسال الآيات التي اقترحها قريش. {إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} إلا تكذيب الأولين الذين هم أمثالهم في الطبع كعاد وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك، واستوجبوا الاستئصال على ما مضت به سنتنا وقد قضينا أن لا نستأصلهم، لأن منهم من يؤمن أو يلد من يؤمن. ثم ذكر بعض الأمم المهلكة بتكذيب الآيات المقترحة فقال: {وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ} بسؤالهم. {مُبْصِرَةً } بينة ذات أبصار أو بصائر، أو جاعلتهم ذوي بصائر وقرىء بالفتح. {فَظَلَمُواْ بِهَا } فكفروا بها، أو فظلموا أنفسهم بسبب عقرها. {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَـٰتِ } أي بالآيات المقترحة. {إِلاَّ تَخْوِيفًا } من نزول العذاب المستأصل، فإن لم يخافوا نزل أو بغير المقترحة كالمعجزات وآيات القرآن إلا تخويفاً بعذاب الآخرة، فإن أمر من بعثت إليهم مؤخر إلى يوم القيامة، والباء مزيدة أو في موقع الحال والمفعول محذوف. {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ} واذكر إذ أوحينا إليك. {إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ } فهم في قبضة قدرته، أو أحاط بقريش بمعنى أهلكهم من أحاط بهم العدو، فهي بشارة بوقعة بدر والتعبير بلفظ الماضي لتحقق وقوعه. {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءيَا ٱلَّتِى أَرَيْنَـٰكَ } ليلة المعراج وتعلق به من قال إنه كان في المنام، ومن قال إنه كان في اليقظة فسر الرؤيا بالرؤية. أو عام الحديبية حين رأى أنه دخل مكة. وفيه أن الآية مكية إلا أن يقال رآها بمكة وحكاها حينئذ، ولعله رؤيا رآها في وقعة بدر لقوله تعالى: {أية : إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً }تفسير : [الأنفال: 43] ولما روي (حديث : أنه لما ورد ماءه قال لكأني أنظر إلى مصارع القوم هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان، فتسامعت به قريش واستسخروا منه)تفسير : وقيل رأى قوماً من بني أمية يرقون منبره وينزون عليه نزو القردة فقال: «هذا حظهم من الدنيا يعطونه بإسلامهم»، وعلى هذا كان المراد بقوله: {إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ} ما حدث في أيامهم. {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلقُرْءانِ } عطف على {ٱلرُّءيَا} وهي شجرة الزقوم، لما سمع المشركون ذكرها قالوا إن محمداً يزعم أن الجحيم تحرق الحجارة ثم يقول ينبت فيها الشجر، ولم يعلموا أن من قدر أن يحمي وبر السَمَنْدَل من أن تأكله النار، وأحشاء النعامة من أذى الجمر وقطع الحديد المحماة الحمر التي تبتلعها، قدر أن يخلق في النار شجرة لا تحرقها. ولعنها في القرآن لعن طاعميها وصفت به على المجاز للمبالغة، أو وصفها بأنها في أصل الجحيم فإنه أبعد مكان من الرحمة، أو بأنها مكروهة مؤذية من قولهم طعام ملعون لما كان ضاراً، وقد أولت بالشيطان وأبي جهل والحكم بن أبي العاصي، وقرأت بالرفع على الابتداء والخبر محذوف أي والشجرة الملعونة في القرآن كذلك. {وَنُخَوّفُهُمْ } بأنواع التخويف. {فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا } إلا عتواً متجاوز الحد. {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَءسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا } لمن خلقته من طين، فنصب بنزع الخافض، ويجوز أن يكون حالاً من الراجع إلى الموصول أي خلقته وهو طين، أو منه أي أأسجد له وأصله طين. وفيه على الوجوه الثلاثة إيماء بعلة الإنكار. {قَالَ أَرَءيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَيَّ} الكاف لتأكيد الخطاب لا محل له من الإِعراب، وهذا مفعول أول والذي صفته والمفعول الثاني محذوف للدلالة صلته عليه، والمعنى أخبرني عن هذا الذي كرمته علي بأمري بالسجود له لم كرمته علي. {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } كلام مبتدأ واللام موطئة للقسم وجوابه: {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً} أي لأستأصلنهم بالاغواء إلا قليلاً لا أقدر أن أقاوم شكيمتهم، من أحتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلاً، مأخوذ من الحنك وإنما علم أن ذلك يتسهل له إما استنباطاً من قول الملائكة {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا }تفسير : [البقرة: 30] مع التقرير، أو تفرساً من خلقه ذا وهم وشهوة وغضب. {قَالَ ٱذْهَبْ} امض لما قصدته وهو طرد وتخلية بينه وبين ما سولت له نفسه. {فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ } جزاؤك وجزاؤهم فغلب المخاطب على الغائب، ويجوز أن يكون الخطاب للتابعين على الالتفات. {جَزَاء مَّوفُورًا } مكملاً من قولهم فر لصاحبك عرضه، وانتصاب جزاء على المصدر بإضمار فعله أو بما في {جَزَاؤُكُمْ } من معنى تجازون، أو حال موطئة لقوله {مَّوفُورًا }. {وَٱسْتَفْزِزْ } واستخفف. {مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ } أن تستفزه والفز الخفيف. {بِصَوْتِكَ } بدعائك إلى الفساد. {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم } وصح عليهم من الجلبة وهي الصياح. {بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } بأعوانك من راكب وراجل، والخيل الخيالة ومنه قوله عليه الصلاة والسلام «حديث : يا خيل الله اركبي» تفسير : والرجل اسم جمع للراجل كالصحب والركب، ويجوز أن يكون تمثيلاً لتسلطه على من يغويه بمغوار صوت على قوم فاستفزهم من أماكنهم وأجلب عليهم بجنده حتى استأصلهم. وقرأ حفص {وَرَجِلِكَ } بالكسر وغيره بالضم وهما لغتان كندس وندس ومعناه: وجمعك الرجل. وقرىء و «رجالك» و «رجالك». {وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلأَمْوٰلِ } بحملهم على كسبها وجمعها من الحرام والتصرف فيها على ما لا ينبغي. {وَٱلأَوْلْـٰدِ} بالحث على التوصل إلى الولد بالسبب المحرم، والإِشراك فيه بتسميته عبد العزى، والتضليل بالحمل على الأديان الزائغة والحرف الذميمة والأفعال القبيحة. {وَعِدْهُمْ} المواعيد الباطلة كشفاعة الآلهة والاتكال على كرامة الآباء وتأخير التوبة لطول الأمل. {وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً } اعتراض لبيان مواعيده الباطلة، والغرور تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب.

ابن كثير

تفسير : قال سنيد عن حماد بن زيد عن أيوب، عن سعيد بن جبير قال: قال المشركون: يا محمد إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء، فمنهم من سخرت له الريح، ومنهم من كان يحيي الموتى، فإن سرك أن نؤمن بك ونصدقك، فادع ربك أن يكون لنا الصفا ذهباً، فأوحى الله إليه: إني قد سمعت الذي قالوا، فإن شئت أن نفعل الذي قالوا، فإن لم يؤمنوا نزل العذاب، فإنه ليس بعد نزول الآية مناظرة، وإن شئت أن نستأني بقومك، استأنيت بهم. قال: «حديث : يا رب استأن بهم» تفسير : وكذا قال قتادة وابن جريج وغيرهما، وروى الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير عن الأعمش عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن نستأني بهم، وإن شئت أن يأتيهم الذي سألوا، فإن كفروا هلكوا، كما أهلكت من كان قبلهم من الأمم. وقال: «حديث : لا، بل استأن بهم» تفسير : وأنزل الله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَـٰتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} الآية، ورواه النسائي وابن جرير به. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن عمران بن حكيم، عن ابن عباس، قال: قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهباً ونؤمن بك. قال: «حديث : وتفعلون؟» تفسير : قالوا: نعم. قال: فدعا، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهباً، فمن كفر منهم بعد ذلك، عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، وإن شئت فتحت لهم أبواب التوبة والرحمة، فقال: «حديث : بل باب التوبة والرحمة».تفسير : وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا محمد بن إسماعيل بن علي الأنصاري، حدثنا خلف بن تميم المصيصي عن عبد الجبار بن عمر الأبلي، عن عبد الله بن عطاء بن إبراهيم عن جدته أم عطاء مولاة الزبير بن العوام قالت: سمعت الزبير يقول لما نزلت {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ } تفسير : [الشعراء: 214] صاح رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي قبيس: «حديث : يا آل عبد مناف إني نذير» تفسير : فجاءته قريش، فحذرهم وأنذرهم، فقالوا: تزعم أنك نبي يوحى إليك، وإن سليمان سخر له الريح والجبال، وإن موسى سخر له البحر، وإن عيسى كان يحيي الموتى، فادع الله أن يسير عنا هذه الجبال، ويفجر لنا الأرض أنهاراً، فنتخذها محارث، فنزرع ونأكل، وإلا فادع الله أن يحيي لنا موتانا لنكلمهم ويكلمونا، وإلا فادع الله أن يصيِّر لنا هذه الصخرة التي تحتك ذهباً، فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنك تزعم أنك كهيئتهم. وقال: فبينا نحن حوله، إذ نزل عليه الوحي، فلما سرِّي عنه، قال: «حديث : والذي نفسي بيده، لقد أعطاني ما سألتم، ولو شئت لكان، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة، فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم، فتضلوا عن باب الرحمة، فلا يؤمن منكم أحد، فاخترت باب الرحمة، فيؤمن مؤمنكم، وأخبرني أنه إن أعطاكم ذلك، ثم كفرتم، أن يعذبكم عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين» تفسير : ونزلت: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَـٰتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} وقرأ ثلاث آيات، ونزلت: {أية : وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : الآية [الرعد: 31]. ولهذا قال تعالى: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلأَيَـٰتِ} أي: نبعث الآيات، ونأتي بها على ما سأل قومك منك؛ فإنه سهل علينا، يسير لدينا، إلا أنه قد كذب بها الأولون بعد ما سألوها، وجرت سنتنا فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤخرون إن كذبوا بها بعد نزولها، كما قال الله تعالى في المائدة: {أية : قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [المائدة: 115] وقال تعالى عن ثمود حين سألوا آية؛ ناقة تخرج من صخرة عينوها، فدعا صالح عليه السلام ربه، فأخرج لهم منها ناقة على ما سألوه، فلما ظلموا بها، أي: كفروا بمن خلقها، وكذبوا رسوله، وعقروها، فقال: {أية : تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} تفسير : [هود: 65]. ولهذا قال تعالى: {وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا} أي: دالة على وحدانية من خلقها، وصدق رسوله الذي أجيب دعاؤه فيها {فَظَلَمُواْ بِهَا} أي: كفروا بها، ومنعوها شربها، وقتلوها، فأبادهم الله عن آخرهم، وانتقم منهم، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وقوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلأَيَـٰتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا} قال قتادة: إن الله تعالى يخوف الناس بما شاء من الآيات؛ لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون، ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود رضي الله عنه، فقال: يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه، وهكذا روي أن المدينة زلزلت على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرات، فقال عمر: أحدثتم، والله لئن عادت لأفعلن ولأفعلن. وكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: «حديث : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله عز وجل يخوف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك، فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره - ثم قال - يا أمة محمد والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِٱلأَيَٰتِ } التي اقترحها أهل مكة {إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ } لما أرسلناها فأهلكناهم ولو أرسلناها إلى هؤلاء لكذبوا بها واستحقوا الإِهلاك وقد حكمنا بإمهالهم لإِتمام أمر محمد {وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ} آية {مُبْصِرَةً } بيّنة واضحة {فَظَلَمُواْ } كفروا {بِهَا } فأهلكوا {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلأَيَٰتِ } المعجزات {إِلاَّ تَخْوِيفًا } للعباد ليؤمنوا.

النسفي

تفسير : {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَـٰتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ } استعير المنع لترك إرسال الآيات. و«أن» الأولى مع صلتها في موضع النصب لأنها مفعول ثان لـ {منعنا} و«أن» الثانية مع صلتها في موضع الرفع لأنها فاعل {منعنا} والتقدير: وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين. والمراد الآيات التي اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهباً ومن إحياء الموتى وغير ذلك وسنة الله في الأمم أن من اقترح منهم آية فأجيب إليها ثم لم يؤمن أن يعاجل بعذاب الاستئصال. والمعنى: وما منعنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك وعذبوا العذاب المستأصل، وقد حكمنا أن نؤخر أمر من بعثت إليهم إلى يوم القيامة. ثم ذكر من تلك الآيات التي اقترحها الأولون ثم كذبوا بها لما أرسلت فأهلكوا واحدة وهي ناقة صالح عليه السلام، لأن آثار هلاكهم قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم فقال: {وءَاتينا ثمود الناقة} باقتراحهم {مُبْصِرَةً } آية بينة {فَظَلَمُواْ بِهَا } فكفروا بها {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَـٰتِ } إن أراد بها الآيات فالمعنى لا نرسلها {إِلاَّ تَخْوِيفًا } من نزول العذاب العاجل كالطليعة والمقدمة له، فإن لم يخافوا وقع عليهم، وإن أراد غيرها فالمعنى وما نرسل ما نرسل من الآيات كآيات القرآن وغيرها إلا تخويفاً وإنذاراً بعذاب الآخرة وهو مفعول له.

ابن عادل

تفسير : لما استدلَّ على فساد قول المشركين، وأتبعه بالوعيد، أتبعه بذكر مسألة النبوة، واعلم أنَّ الكفَّار كانوا يقترحون على رسول الله صلى الله عليه وسلم إظهار المعجزات، كما حكى الله تعالى عنهم ذلك في قولهم: {أية : فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 5]. وقال آخرون: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُر لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنبُوعاً} تفسير : [الإسراء: 90] الآيات. وقال سعيد بن جبيرٍ: إنَّهم قالوا إنَّك تزعمُ أنَّه كان قبلك أنبياءُ منهم من سخِّرت له الريحُ، ومنهم من أحيا الموتى، فأتنا بشيءٍ من هذه المعجزات، فأجابهم الله تعالى بهذه الآية. وفي تفسير هذا الجواب وجوهٌ: الأول: أن المعنى أنِّي إن أظهرتُ تلك المعجزاتِ، ثم لم يؤمنوا بها، بل بقوا مصرِّين على الكفر، فحينئذ: يصيرون مستحقين لعذاب الاستئصال، لكنَّ إنزال عذاب الاستئصال على هذه الأمَّة غير جائزٍ؛ لأن الله تعالى علم [أن] فيهم من سيؤمن أو يؤمن من أولادهم، فلهذا لم يظهر تلك المعجزات. قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - إنَّ أهل مكَّة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصَّفا ذهباً، وأن يزيل عنهم الجبال، حتَّى يزرعوا تلك الأرض، فطلب الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - ذلك من الله تعالى، فقال سبحانه جلَّ ذكره: إن شئت أن أستأني فعلت وإن شئت أن أوتيهم ما شاءوا فعلت لكن بشرط؛ أنهم إن لم يؤمنوا، أهلكتهم، قال: لا أريد ذلك، فنزلت هذه الآية. الثاني في تفسير هذا الجواب: أنَّا لا نظهر المعجزاتِ؛ لأن آباءكم رأوها، ولم يؤمنوا بها، وأنتم مقتدون بهم، فلو رأيتموها، لم تؤمنوا بها أيضاً. الثالث: أنَّ الأوَّلين رأوا هذه المعجزات، وكذَّبوا بها، فعلم الله منكم أيضاً: أنَّكم لو شاهدتموها، لكذَّبتم بها، فكان إظهارها عبثاً، والحكيم لا يفعل العبث. قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ}: "أن" الأولى وما في حيزها في محلِّ نصبٍ أو جرٍّ على اختلاف القولين؛ لأنها على حذف الجارِّ، أي: من أن نرسلَ، والثانية وما في حيِّزها في محلِّ رفع بالفاعليَّة، أي: وما منعنا من إرسال الرسل بالآيات إلا تكذيب الأوَّلين، أي: لو أرسلنا الآيات المقترحة لقريشٍ، لأهلكوا عند تكذيبهم؛ كعادة من قبلهم، لكن علم الله سبحانه أنَّه يؤمن بعضهم، ويكذِّبُ بعضهم من يؤمنُ، فلذلك لم يرسل الآيات لهذه المصلحة. وقدَّر أبو البقاء رحمه الله مضافاً قبل الفاعل، فقال: "تقديره: إلاَّ إهلاكُ التكذيب". كأنَّه يعني أنَّ التكذيب نفسه لم يمنع من ذلك، وإنَّما منع منه ما يترتَّب على التَّكذيب، وهو الإهلاك، ولا حاجة إلى ذلك؛ لاستقلالِ المعنى بدونه. قوله تعالى: {وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً}. قرأ العامة بنصب "مُبْصِرةً" على الحال، وزيدُ بن عليٍّ يرفعها على إضمار مبتدأ، أي: هي، وهو إسناد مجازي، إذ المراد إبصار أهلها، ولكنها لمَّا كانت سبباً في الإبصار، نسب إليها، وقرأ قومٌ بفتح الصَّاد، مفعولٌ على الإسناد الحقيقيِّ، وقتادة بفتح الميم والصَّاد، أي: محل إبصارٍ، كقوله - عليه السلام -: "حديث : الولدُ مَبْخَلةٌ مَجْبَنةٌ"تفسير : ، وكقوله: [الكامل] شعر : 3433-................. والكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لنَفْسِ المُنْعمِ تفسير : أجرى هذه الأشياء مجرى الأمكنة؛ نحو: أرضٌ مسبعةٌ ومذأبةٌ. قوله تعالى: {إِلاَّ تَخْوِيفاً} يجوز أن يكون مفعولاً له، وأن يكون مصدراً في موضع الحال: إمَّا من الفاعل، أي: مخوِّفين أو من المفعول، أي: مخوَّفاً [بها]. فصل المعنى أنَّ الآية التي التمسوها مثل آية ثمود، وقد آتينا ثمود النَّاقة مبصرة، أي: واضحة بيِّنة، ثم كفروا بها، فاستحقُّوا بها عذاب الاستئصال، فكيف يتمنَّاها هؤلاء على سبيل الاقتراح والتَّحكُّم. قال الفراء: مبصرة: مضيئة. قال تعالى: {أية : وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً}تفسير : [يونس: 67] أي: مضيئاً، وقيل: مبصرة أي: ذات إبصار، أي: فيها إبصارٌ لمن تأمَّلها ببصر بها رشده، ويستدلُّ بها على صدق ذلك الرسول - صلوات الله عليه -. {فَظَلَمُواْ بِهَا} أي: ظلموا أنفسهم بتكذيبها، أي: فعاجلناهم بالعقوبة. وقال ابن قتيبة: ظلموا بها، أي: جحدوا بأنَّها من الله تعالى، ثم قال تعالى {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً} قيل: لأنه لا آية إلاَّ وتتضمَّن التخويف عند التكذيب، إمَّا من العذاب المعجَّل، أو من العذاب المؤجَّل عذاب الآخرة. فإن قيل: المقصود الأعظم من إظهار الآياتِ أن يستدلَّ بها على صدق المدَّعى؛ فكيف حصر المقصود من إظهارها في التَّخويف؟. فالجواب: أن مدَّعي النبوّة، إذا أظهر الآية، فإذا سمع الخلق منه ذلك، فهم لا يعلمون أنَّ تلك الآية معجزةٌ، أو غير معجزةٍ، إلاَّ أنَّهم يجوزون كونها معجزة، وبتقدير أن تكون معجزة، فلو لم يتفكَّروا فيها، ولم يستدلُّوا على الصِّدق، لاستحقوا العذاب الشديد، فهذا الخوف هو الذي يحملهم على التفكُّر والتأمل في تلك المعجزات، فهذا هو المراد من قوله: {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً}.

البقاعي

تفسير : ولما كانت كفار قريش تكرر اقتراحهم للآيات بعد أن اشتد أذاهم، وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لشدة حرصه على إيمان كل أحد فكيف بقومه العرب فكيف ببني عمه منهم - ربما أحب أن الله تعالى يجيبهم إلى مقترحهم طمعاً في إيمانهم وإراحة له ولأتباعه من أذاهم، وكان ما رأوه من آية الإسراء أمراً باهراً ثم لم يؤمنوا، بل ارتد بعض من كان آمن منهم، كان المقام في قوة اقتضائه أن يقال بعد ذكر آية العذاب: ما لهم لا يعجل عذابهم أو يجابون إلى مقترحاتهم ليقضى الأمر؟ فيقال في الجواب: ما منعنا من تعجيل عذابهم إلا أنا ضربنا لهم أجلاً لا بد من بلوغه {وما منعنا} أي على ما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء ولا يمنعها مانع {أن نرسل} أي إرسالاً يظهر عظمتنا على وجه العموم {بالآيات} أي التي اقترحتها قريش، فكان كأنه لا آيات عندهم سواها {إلا} علمنا في عالم الشهادة بما وقع من {أن كذب بها} أي المقترحات {الأولون} وعلمنا في عالم الغيب أن هؤلاء مثل الأولين في أن الشقي منهم لا يؤمن بالمقترحات كما لم يؤمن بغيرها، وأنه يقول فيها ما قال في غيرها من أنها سحر ونحو هذا، والسعيد لا يحتاج في إيمانه إليها، فكم أجبنا أمة إلى مقترحها فما زاد ذلك أهل الضلالة منهم إلا كفراً، فأخذناهم لأن سنتنا جرت أنا لا نمهل بعد الإجابة إلى المقترحات من كذب بها، ونحن قد قضينا برحمة هذه الأمة وتشريفها على الأمم السالفة بعدم استئصالها، لما يخرج من أصلاب كفرتها من خلص عبادنا، والمنع هنا مبالغة مراد بها نفي إجابتهم إلى مقترحاتهم، ولا يجوز أخذه على ظاهره، لأنه وجود ما يتعذر معه وقوع الفعل من القادر عليه، ثم عطف على ما دل عليه المقام وهو: فكم أجبنا - إلى آخر ما ذكرته، قوله تعالى: {وءاتينا} أي بما لنا من العزة الباهرة {ثمود الناقة} حال كونها {مبصرة} أي مضيئة، جديرة بأن يستبصر بها كل من شاهدها {فظلموا بها} أي فوقعوا في الظلم الذي هو كالظلام بسببها، بأن لم يؤمنوا ولم يخافوا عاقبتها، وخص آية ثمود بالذكر تحذيراً بسبب أنهم عرب اقترحوا ما كان سبباً لاستئصالهم، ولأن لهم من علمها وعلم مساكنهم بقربها إليهم وكونها في بلادهم ما ليس لهم من علم غيرها، وخص الناقة لأنها حيوان أخرجه من حجر، والمقام لإثبات القدرة على الإعادة ولو كانوا حجارة أو حديداً، ودل على سفههم في كلا الأمرين على طريق النشر المشوش بذكر داود عليه السلام إشارة إلى الحديد، والناقة إشارة إلى الحجارة، فلله هذه الإشارة ما أدقها‍‍! وهذه العبارة ما أجلها وأحقها‍! {وما نرسل} أي بما لنا من الجلالة التي هي بحيث تذوب لها الجبال {بالآيات} أي المقترحات وغيرها {إلا تخويفاً *} أي للمرسل إليهم بها، فإن خافوا نجوا وإلا هلكوا فإذا كشف الأمر لكم في عالم الشهادة عن أنهم لا يخافونها وفق ما كان عندنا في عالم الغيب، علم أنه لا فائدة لكم فيها. ولما كان التقدير للتعريف بمطابقة الخبر الخبر: اذكر أنا قلنا لك {أية : إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل ءاية} تفسير : [يونس: 96] واذكر ما وقع من ذلك ماضياً من آيات الأولين وحالاً من قصة الإسراء، عطف عليه قوله تعالى: {وإذ} أي واذكر إذ {قلنا} على ما لنا من العظمة المحيطة {لك إن ربك} المتفضل بالإحسان إليك بالرفق بأمتك {أحاط بالناس} علماً وقدرة، تجد ذلك إذا طبقت بعضه على بعض أمراً سوياً حذو القذة لا تفاوت فيه، واعلم أنه مانعك منهم وحائطك ومظهر دينك كما وعدك؛ ثم عطف على {وما نرسل} قوله تعالى: {وما جعلنا} أي بما لنا من القوة الباهرة التي لها الغنى المطلق {الرءيا التي أريناك} أي بتلك العظمة التي شاهدتها ليلة الإسراء {إلا فتنة} أي امتحاناً واختباراً {للناس} ليتبين بذلك في عالم الشهادة المتقي المحسن والجاهل المسيء كما هو عندنا في عالم الغيب، فنقيم بها عليهم الحجة، لا ليؤمن أحد من حقت عليهم الكلمة ولا لنزداد نحن علماً بسرائرهم، ولا شك في أن قصة الإسراء إلى بيت المقدس ثم إلى السماوات العلى كان يقظة لا مناماً بالدليل القطعي المتواتر من تكذيب من كذب وارتداد من ارتد، وهذا مذهب الجمهور وأهل السنة والجماعة، وقد ورد في صحته ما لا يحصى من الأخبار - هذا النقل، وأما الإمكان العقلي فثابت غير محتاج إلى بيان، فإن كل ذرة من ذرات الموجودات فيها من العجائب والغرائب والدقائق والرقائق ما يتحير فيه العقول، لكن لما كان على وفق العادة ألفته الطباع، فلم تنكره الأبصار ولا الأسماع، وأما مثل هذا فلما كان على خلاف العادة استنكره ضعفاء العقول الذين لا يتجاوز فهمهم المحسوسات، على ما ألفوا من العادات، وأما أولو الألباب الذين سلموا من نزعات الشيطان ووساوس العادة، ونظروا بأعين البصائر إلى آثار رحمة الله في صنع المصنوعات وإحداث المحدثات في الملك والملكوت، والشهادة والغيب، والخلق والأمر، فاعترفوا به، وأنه من عظيم الآيات، وبدائع الدلائل النيرات، وأدل دليل على ذلك قوله تعالى { فتنة} لأنه لو كان رؤيا منام لم يكن بحيث يستبعده أحد فلم يكن فتنة، ولعله إنما سماه رؤيا - وهي للمنام - على وجه التشبيه والاستعارة، لما فيه من الخوارق التي هي بالمنام أليق في مجاري العادات، روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما {وما جعلنا الرءيا التي أريناك} الآية، قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة أسري به. ولما كان كل ما خفي سببه وخرج عن العادة فتنة يعلم به في طبعه الحق ومن في طبعه الباطل، ومن هو سليم الفطرة ومن هو معكوسها، وكان قد أخبر أن شجرة الزقوم تنبت في أصل الجحيم، وكان ذلك في غاية الغرابة، ضمه إلى الإسراء في ذلك فقال تعالى: {والشجرة} عطفاً على الرؤيا {الملعونة في القرءان} بكونها ضارة، والعرب تسمي كل ضار ملعوناً، وبكونها في دار اللعنة، وكل من له عقل يريد بعدها عنه، وهي كما رواه البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما شجرة الزقوم جعلناها أيضاً فتنة للناس نقيم بها عليهم الحجة في الكفر والإيمان، فنثبتهم أي من أردنا إيمانه منهم بالأول وهو الإسراء {ونخوفهم} بالثاني وأمثاله {فما يزيدهم} أي الكافرين منهم التخويف حال التخويف، فما بعده من أزمنة الاستقبال أجدر بالزيادة {إلا طغياناً} أي تجاوزاً للحد هو في غاية العظم {كبيراً *} فيقولون في الأول ما تقدم في أول السورة، وفي الثاني: إن محمداً يقول: إن وقود النار الناس والحجارة، ثم يقول: إن فيها شجراً، قد علمتم أن النار تحرق الشجر، ولم يقولوا ما هم أعلم الناس به من أن الذي جعل لهم من الشجر الأخضر ناراً قادر على أن يجعل في النار شجراً، ومن أنسب الأشياء استحضاراً هنا ما ذكره العلامة شيخ مشايخنا زين الدين أبو بكر بن الحسين المراغي بمعجم العين المدني في تأريخ المدينة الشريفة في أوائل الباب الرابع في ذكر الأودية فإنه قال: وادي الشظاة - أي بمعجمتين مفتوحتين - يأتي من شرقي المدينة من أماكن بعيدة عنها إلى أن يصل السد الذي أحدثته نار الحرة التي ظهرت في جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة - يعني: وهي المشار إليها بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم"حديث : لا تقوم الساعة حتى تخرج نار بالحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى" تفسير : قال: وكان ظهورها من واد يقال به أحيليين في الحرة الشرقية، وصارت من مخرجها إلى جهة الشمال مدة ثلاثة أشهر تدب دبيب النمل، تأكل ما مرت عليه من جبل وحجر ولا تأكل الشجر، فلا تمر على شيء من ذلك إلا صار سداً لا مسلك لإنسان فيه ولا دابة إلى منتهى الحرة من جهة الشمال - فذكر القصة وهي غريبة، وأسند فيها عن المطري فيما يتعلق بعدم أذاها للخشب.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد والنسائي والبزار وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل والضياء في المختارة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ حديث : سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعون، فقيل له‏:‏ ‏"‏إن شئت أن تتأنى بهم، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم من الأمم‏"‏‏.‏ قال لا‏:‏ "‏بل أستأني بهم‏""‏ تفسير : فأنزل الله ‏ {‏وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون‏}‏. وأخرج أحمد والبيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ حديث : قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهباً ونؤمن لك‏.‏ قال‏:‏ "‏وتفعلون" قالوا‏:‏ نعم‏.‏ فدعا فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال‏:‏ ‏"‏إن ربك يقرئك السلام ويقول لك إن شئت أصبح الصفا لهم ذهباً فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة‏"‏ قال‏:‏ "‏باب التوبة والرحمة‏" "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي في الدلائل، عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ حديث : قال الناس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم‏ -‏ لو جئتنا بآية كما جاء بها صالح والنبيون‏.‏ فقال‏:‏ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن شئتم دعوت الله فأنزلها عليكم، وإن عصيتم هلكتم، فقالوا‏:‏ لا نريدها‏ . تفسير : وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال‏:‏ ‏ ‏"‏حديث : قال أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن كان ما تقول حقاً، ويسرك أن نؤمن، فحول لنا الصفا ذهباً، فأتاه جبريل فقال‏:‏ ‏"‏إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكنه إن كان، ثم لم يؤمنوا لم ينظروا، وإن شئت استأنيت بقومك‏"‏ قال‏: "بل أستأني بقومي‏""‏ تفسير : فأنزل الله‏:‏ ‏ {‏وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون‏} ‏ وأنزل الله ‏{أية : ‏ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون‏}‏ ‏تفسير : [‏الأنبياء: 6‏]. وأخرج ابن جرير، عن الحسن رضي الله عنه في قوله‏: ‏{‏وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون‏} ‏ قال‏:‏ رحمة لكم أيتها الأمة‏.‏ قال‏:‏ إنا لو أرسلنا بالآيات، فكذبتم بها أصابكم ما أصاب من قبلكم‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ لم تؤت قرية بآية فكذبوا بها، إلا عذبوا وفي قوله‏:‏ ‏ {‏وآتينا ثمود الناقة مبصرة‏} ‏ قال‏:‏ آية‏. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏وما نرسل بالآيات إلا تخويفا‏ً} ‏ قال‏:‏ الموت‏. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد في الزهد وابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن جرير وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏وما نرسل بالآيات إلا تخويفا‏ً} ‏ قال‏:‏ الموت الذريع‏. واخرج ابن أبي داود في البعث، عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏وما نرسل بالآيات إلا تخويفا‏ً} ‏ قال‏:‏ الموت من ذلك‏. وأخرج ابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏وما نرسل بالآيات إلا تخويفا‏ً}‏ قال‏:‏ إن الله يخوّف الناس بما شاء من آياته لعلهم يعتبون، أو يذكرون، أو يرجعون‏.‏ ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود رضي الله عنه فقال‏:‏ يا أيها الناس، إن ربكم يستعتبكم فاعتبوه‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس‏}‏ قال‏:‏ عصمك من الناس‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏إن ربك أحاط بالناس‏}‏ قال‏:‏ فهم في قبضته‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏إن ربك أحاط بالناس‏} ‏ قال‏:‏ أحاط بهم، فهو مانعك منهم وعاصمك، حتى تبلغ رسالته‏. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن ابن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس‏}‏ قال‏:‏ هي رؤيا عين، أريها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به إلى بيت المقدس، وليست برؤيا منام ‏ {‏والشجرة الملعونة في القرآن‏}‏ قال‏:‏ هي شجرة الزقوم‏. وأخرج سعيد بن منصور، عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏وما جعلنا الرؤيا التي أريناك‏} ‏ قال‏:‏ ما أري في طريقه إلى بيت المقدس‏. وأخرج ابن سعد وأبو يعلى وابن عساكر، عن أم هانئ رضي الله عنها، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أسري به أصبح يحدث نفراً من قريش وهم يستهزئون به، فطلبوا منه آية، فوصف لهم بيت المقدس، وذكر لهم قصة العير‏.‏ فقال الوليد بن المغيرة‏:‏ هذا ساحر، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏ {‏وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس‏}‏‏. وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصبح يحدث بذلك، فكذب به أناس، فأنزل الله فيمن ارتد‏:‏ ‏ {‏وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس‏}‏. وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية، قال‏:‏ هو ما رأى في بيت المقدس ليلة أسري به‏. وأخرج ابن جرير، عن قتادة - رضي الله عنه -‏ {‏وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس‏} ‏ يقول‏:‏ أراه من الآيات والعبر في مسيره إلى بيت المقدس‏.‏ ذكر لنا أن ناساً ارتدوا بعد إسلامهم حين حدثهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمسيره أنكروا ذلك، وكذبوا به، وعجبوا منه، وقالوا أتحدثنا أنك سرت مسيرة شهرين في ليلة واحدة‏!‏‏. وأخرج ابن جرير، عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال‏:‏ رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني فلان ينزون على منبره نزو القردة، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكاً حتى مات، وأنزل الله ‏{‏وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس‏}‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عمر رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنهم القردة، وأنزل الله في ذلك ‏{‏وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة‏}‏ يعني الحكم وولده‏ . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، عن يعلى بن مرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أريت بني أمية على منابر الأرض، وسيتملكونكم، فتجدونهم أرباب سوء‏"‏ تفسير : واهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك‏:‏ فأنزل الله ‏ {‏وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس‏}‏‏. وأخرج ابن مردويه، عن الحسن بن علي رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - أصبح وهو مهموم، فقيل‏:‏ مالك يا رسول الله‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"‏حديث : إني أريت في المنام كأن بني أمية يتعاورون منبري هذا‏"‏ تفسير : فقيل‏:‏ يا رسول الله، لا تهتهم فإنها دنيا تنالهم‏.‏ فأنزل الله‏:‏ ‏ {‏وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس‏}‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر، عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال‏:‏ رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية على المنابر فساءه ذلك، فأوحى الله إليه‏:‏ ‏"‏إنما هي دنيا أعطوها‏"‏، فقرت عينه وهي قوله‏:‏ ‏ {‏وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس‏}‏ يعني بلاء للناس‏. وأخرج ابن مردويه، ‏"حديث : عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لمروان بن الحكم‏:‏ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول‏:‏ لأبيك وجدك‏ "إنكم الشجرة الملعونة في القرآن‏" "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس - رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏وما جعلنا الرؤيا التي أريناك‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أري أنه دخل مكة هو وأصحابه، وهو يومئذ بالمدينة، فسار إلى مكة قبل الأجل، فرده المشركون، فقال أناس قدْ رُدَّ وكان حدثنا أنه سيدخلها، فكانت رجعته فتنتهم‏. وأخرج ابن اسحق وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال أبو جهل لما ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شجرة الزقوم تخويفاً لهم يا معشر قريش، هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوّفكم بها محمد‏؟‏ قالوا‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ عجوة يثرب بالزبد والله لئن استمكنا منها لنتزقمنها تزقما‏.‏ فأنزل الله‏:‏ ‏{أية : ‏إن شجرة الزقوم طعام الأثيم‏}‏ ‏تفسير : [‏الدخان: 43 - 44‏]‏ وأنزل الله ‏{‏والشجرة الملعونة في القرآن‏} ‏الآية‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏والشجرة الملعونة في القرآن‏}‏ قال‏:‏ هي شجرة الزقوم خوفوا بها‏.‏ قال أبو جهل‏:‏ أيخوفني ابن أبي كبشة بشجرة الزقوم‏؟‏ ثم دعا بتمر وزبد فجعل يقول‏:‏ زقموني‏.‏ فأنزل الله تعالى‏:‏ {أية : طلعها كأنه رؤوس الشياطين} تفسير : ‏[‏الصافات: 65‏]‏ وأنزل الله ‏{‏ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيرا‏ً}‏‏. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏والشجرة الملعونة‏} ‏ قال‏:‏ ملعونة لأن {أية : طلعها كأنه رؤوس الشياطين‏}‏ ‏تفسير : [الصافات: 65‏] وهم ملعونون‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏ونخوفهم‏} ‏ قال‏:‏ أبو جهل بشجرة الزقوم ‏ {‏فما يزيدهم‏} ‏ قال‏:‏ ما يزيد أبا جهل ‏ {‏إلا طغياناً كبيراً‏}‏‏.

ابو السعود

تفسير : {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِٱلأَيَـٰتِ} أي الآياتِ التي اقترحتها قريشٌ من إحياء الموتى وقلبِ الصَّفا ذهباً ونحوِ ذلك {إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأشياء أي وما منعنا من إرسالها شيءٌ من الأشياء إلا تكذيبُ الأولين بها حين جاءتهم باقتراحهم، وعدمُ إرساله تعالى بها وإن كان بمشيئته المبنيةِ على الحِكَم البالغةِ لا لمنع مانعٍ عن ذلك من التكذيب أو غيرِه لاستحالة العجزِ عليه تعالى، لكنّ تكذيبَهم المذكورَ بواسطة استتباعِه لاستئصالِهم بحُكم السنة الإلٰهية واستلزامِه لتكذيب الآخرين بحكم الاشتراكِ في العتوّ والعناد وإفضائِه إلى أن يحِل بهم مثلُ ما حل بهم بحكم الشِرْكة في الجريرة، لمّا كان منافياً لإرسال ما اقترحوه من الآيات لتعين التكذيبِ المستدعي للاستئصال المخالفِ لما جرى به قلمُ القضاءِ من تأخير عقوباتِ هذه الأمةِ إلى الآخرة لحِكَمٍ باهرة من جملتها ما يُتوَّهم من إيمان بعض أعقابِهم، عَبّر عن تلك المنافاةِ بالمنع على نهج الاستعارةِ إيذاناً بتعاضد مبادي الإرسالِ لا كما زعَموا من عدم إرادتِه تعالى لتأيـيده عليه الصلاة والسلام بالمعجزات، وهو السرُّ في إيثار الإرسالِ على الإيتاء لما فيه من الإشعار بتداعي الآياتِ إلى النزول لولا أن تُمسْكَها يدُ التقدير، وإسنادُ هذا المنعِ إلى تكذيب الأولين لا إلى عمله تعالى بما سيكون من الآخرين كما في قوله تعالى: { أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} تفسير : [الأنفال: 23] لإقامة الحجةِ عليهم بإبراز الأُنموذج وللإيذان بأن مدارَ عدم الإجابةِ إلى إيتاء مقترحِهم ليس إلا صنيعَهم {وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ} عطفٌ على ما يُفصح عنه النظمُ الكريمُ كأنه قيل: وما منعنا أن نُرسِلَ بالآيات إلا أن كذّب بها الأولون حيث آتيناهم ما اقترحوا من الآيات الباهرةِ فكذبوها، وآتينا باقتراحهم ثمودَ الناقةَ {مُبْصِرَةً} على صيغة الفاعل، أي بَـيّنةً ذاتَ إبصارٍ، أو بصائرَ يدركها الناسُ أو أُسند إليها حالُ من يشاهدها مجازاً، أو جاعلتَهم ذوي بصائرَ من أبصره جعله بصيراً، وقرىء على صيغة المفعول وبفتح الميم والصاد وهي نصبٌ على الحالية، وقرىء بالرفع على أنها خبرُ مبتدأ محذوف. {فَظَلَمُواْ بِهَا} فكفروا بها ظالمين أي لم يكتفوا بمجرد الكفرِ بها بل فعلوا بها ما فعلوا من العقْر، أو ظلموا أنفسَهم وعرّضوها للهلاك بسبب عقرِها، ولعل تخصيصَها بالذكر لما أن ثمودَ عربٌ مثلُهم وأن لهم من العلم بحالهم ما لا مزيدَ عليه من حيث يشاهدون آثارَ هلاكِهم وروداً وصُدوراً، أو لأنها من جهة إنها حيوانٌ أُخرج من الحجر أوضحُ دليلٍ على تحقق مضمونِ قوله تعالى: { أية : قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً} تفسير : [الإسراء: 50] {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلأَيَـٰتِ} المقترَحة {إِلاَّ تَخْوِيفًا} لمن أُرسلت هي عليهم مما يعقُبها من العذاب المستأصِل كالطليعة له، وحيث لم يخافوا ذلك فُعل بهم ما فعل فلا محل للجملة حينئذ من الإعراب، ويجوز أن تكون حالاً من ضمير ظلموا أي فظلموا بها ولم يخافوا عاقبتَه والحالُ أنا ما نُرسل بالآيات التي هي من جملتها إلا تخويفاً من العذاب الذي يعقُبها فنزل بهم ما نزل.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً} [الآية: 59]. قال حارث المحاسبى: الآيات التى يظهرها الله فى عباده رحمة على السابقين وتنبيهًا للمقتصدين وتخويفًا للعاصين. قال: وسُئل أحمد بن حنبل عن هذه الآية وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا، قال: موعظة وتحذيرًا والآيات هى الشباب، والكهولة، والشيبة، وتقلت الأحوال بك لعلك تعتبر بحال أو تتعظ فى وقت قوله تعالى: {قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} [الآية: 61]. قال أبو عثمان: الكبر وتعظيم النفس أول كل بليّة ومعصية ألم تر إلى إبليس كيف قام بالحجة فى تهوين خلق آدم وتعظيم نفسه بالمشافهة لرب العزة حيث يقول: {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً}.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا}. أجرى الله سُنَّتَه أنه إذا أظهر آية اقْتَرَحَتْها أُمَّةٌ من الأمم ثم لم تؤمن بها بعد إظهارها أَنْ يُعَجِّلَ لها العقوبة، وكان المعلومُ والمحكومُ به ألا يجتاحَ العذابُ القومَ الذين كانوا في وقت الرسول - عليه السلام - لأَجْلِ مَنْ في أصلابهم مِنَ الذين عَلِمَ أنهم يؤمِنُون؛ فلذلك أَجَّرَ عنهم العذاب الذي تعجَّلوه. قوله جلّ ذكره: {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً}. التخويف بالآيات ذلك من مقتضى تجمله؛ فإنْ لم يخافوا وَقَعَ عليهم العذاب. ثم إنه عَلِمَ أنه لا يفوته شيءٌ بتأخير العقوبة عنهم فَأَخَّر العذابَ. وله أن يفعل ما يشاء بمقتضى حُكْمِه وعِلْمه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً} الكرمات للنفوس على مرتبتين الاولى لها لطمانيتها فى ايمانها بالله والاخرى لها لامتناعها عن معصية الله رؤية آيات العظمة للنفس تخويف وللعقل تحذير وللقلب خشية وللروح ترويح واستيناس وللسر اجلال وتعظيم ولسر السر معرفة وتوحيد ويقين وشاهده الذات بعد الصفة قال الحارث المحاسبى الآيات التى يظهرها الله فى عباده رحمة على السابقين وتنبيه للمقتصدين وتخويف للعاصيين سئل احمد بن حنبل عن هذه الآيات وما نرسل بالآيات الا تخويفا قال موعظة وتحذيرا والآيات هى الشباب والكهولية والشيبة وتقلب الاحوال بك لعلك تتغير بحال او تتعظ فى وقت.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما منعنا ان نرسل بالآيات} الباء مزيدة اى وما صرفنا عن ارسال الآيات التى اقترحها قريش من احياء الموتى وقلب الصفا ذهبا ورفع جبال مكة لتنبسط الارض وتصلح للزراعة واجراء الانهار لتحصل الحدائق ونحو ذلك {الا ان كذب بها الاولون} استثناء مفرغ من اعم الاشياء اى وما منعنا عن ارسالها شئ من الاشياء الا تكذيب الاولين الذين هم امثالهم فى الطبع كعاد وثمود وانها لو ارسلت لكذبوا تكذيب اولئك واستوجبوا الاستئصال على ما مضت به سنتنا وقد قضينا ان لا نستأصلهم لان فيهم من يؤمن او يلد من يؤمن ثم ذكر بعض الامم المهلكه بتكذيب الآيات المقترحة فقال {وآتينا ثمود الناقة} وهو عطف على ما يفصح عنه النظم الكريم كأنه قيل وما منعنا ان نرسل بالآيات الا ان كذب بها الأولون حيث آتيناهم ما اقترحوا من الآيات الباهرة فكذبوها وآتينا ثمود الناقة بسؤالهم {مبصرة} بينة ذات ابصار على ان يكون للنسبة فالتاء للبالغة او ساند اليها حال من يشاهدها مجازا {فظلموا بها} فكفرا بها ظالمين اى لم يكتفوا بمجرد الكفر بها بل فعلوا بها ما فعلوا من العقر وظلموا انفسهم وعرضوها للهلاك بسبب عقرها ولعل تخصيصها بالذكر لما ان ثمود عرب مثلهم وان لهم من العالم بحالهم ما لا مزيد عليه حيث يشاهدون آثار هلاكهم ورودا وصدورا {وما نرسل بالآيات} المقترحة {الا تخويفا} من نزول العذاب المستأصل كالطليعة له فان لم يخافوا انزل او بغير المقترحة كالمعجزات وآثار القرآن الا تخويفا بعذاب الآخرة فان امر من بعثت اليهم مؤخر الى يوم القيامة كرامة لك. قيل ان الرسول عليه السلام هو الامان الاعظم ما عاش وما دامت سنته باقية فاذا اماتوها اماتهم الله واهلكم اذ لهذه الامة نصيب من عذاب الدنيا بقدر حالهم وذلك فى اواخر الزمان كما سبق فى المجلس السابق. ومنه الزلازل والمخاوف والطاعون فانه زجر لاهل الفسق وتسلط الظلمة فانه عذب أى عذاب. فينبغى للمؤمن ان يسارع الى طريق التقوى واحياء سنة خير الورى وفى الحديث "حديث : من احيى سنتى فقد احيانى ومن احيانى فقد احبنى ومن احبنى كان معى فى الجنة"تفسير : وفى الحديث "حديث : من حفظ سنتى اكرمه الله باربع خصال المحبة فى قلوب البررة والهيبة فى قلوب الفجرة والسعة فى الرزق والثقه بالدين"تفسير : كما ان الرسول عليه السلام امان ما عاش فكذا وارثه الاكمل فان اعتقاده واتباع طريقته كالايمان بالرسول واتباع شريعته اذ هو نائب عنه وخليفة له فالاقتران باهل الصلاح والتقوى مما يرفع الله به العذاب وقد ورد فى الحديث "حديث : اذا تحيرتم فى الامور فاستعينوا من أهل القبور"تفسير : ذكره الكاشفى فى الرسالة العلية وابن الكمال فى الاربعين حديثا والمراد باهل القبور من مات بالاختيار قبل الموت بالاضطرار: قال الحافظ شعر : مدد از خاطر رندان طلب اى دل ورنى كار صعبست مبادا كه خطايى بكنيم تفسير : واعلم ان المؤمن الصادق فى ايمانه لا يعذبه الله فى الآخرة لان نبيه يكون فيهم يوم القيامة وما دام هو بين الامة لا يعذبهم الله وتقول لهم جهنم جزيا مؤمن فان نورك قد اطفأ نارى فان دخل المجرمون النار فذلك بجهة الخلوص لا الخلود.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {أنْ نرسل}: مفعول "منعنا"، و {إلا أن كَذَّب}: فاعل. يقول الحق جلّ جلاله: وما صَرَفَنَا عن إرسال الآيات التي اقْتَرَحَتْهَا قريش بقولهم: اجعل لنا الصّفَا ذَهَبًا، إلا تكذيب الأولين بها، فهلكوا، وهم أمثالهم في الطبع، كعاد وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوها، فيهلكوا أمثالهم، كما مضت به سنتُنا، وقد قضينا في أزلنا ألا نستأصلهم؛ لأن فيهم من يُؤمن، أو يلد من يؤمن. ثم ذكر بعض الأمم المهلكة بتكذيب الآيات المقترحة فقال: {وآتينا ثمودَ الناقةَ} بسبب سؤالهم، {مُبصرةً}؛ بينة ذات إبصار، أو بصائر واضحة الدلالة، يُدركها كلُّ من يبصرها. {فظلموا بها}؛ فكفروا بها، أو: فظلموا أنفسهم بسبب عقرها، فهلكوا، {وما نُرسل بالآياتِ} المقترحة {إِلا تخويفًا} من نزول العذاب المستأصِلِ، فإن لم يخافوا نزل بهم، أو: وما نرسل بالآيات غير المقترحة، كالمعجزات وآيات القرآن، إلا تخويفًا بعذاب الآخرة؛ فإن أمر من بعث إليهم مؤخر إلى يوم القيامة. قاله البيضاوي. قال في الحاشية: ومقتضى حديث الكسوف، وقوله فيه: "ذلك يُخوف بهما عبادة": أن التخويف لا يختص بالخوارق، بل يعم غيرها، مما هو معتاد نفيه، ويأتي غِبا. وفي الوجيز: (بالآيات) أي: العبر والدلالات. وفي الورتجبي: الآيات هي: الشباب والكهولة والشيبة، وتقلب الأحوال بك، لعلك تعتبر بحال، أو تتعظ بوقت. هـ. الإشارة: إمساك الكرامات عن المريد السائر أو الولي: رحمة واعتناء به، فلعله؛ حين تظهر له، يقف معها ويستحسن حاله، أو يزكي نفسه ويرفع عنها عصا التأديب، فيقف عن السير، ويُحرم الوصول إلى غاية الكمال، وفي الحكم: "ما أرادت همة سالك أن تقف عندما كشف لها، إلاّ نادته هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك". وقال الششتري رضي الله عنه: شعر : ومهما ترى كلَّ المراتِبِ تجتلي عليْكَ فحُلْ عنها فعَن مِثْلها حُلْنا وقُلْ ليْس لي في غَيْر ذاتِكَ مَطْلبٌ فلا صورةٌ تُجْلى ولا طُرْفَةٌ تُجْنى تفسير : ولما نزّه تعالى نفسه في أول السورة عن الجهة، التي تُوهمها قضيةُ الإسراء، صَرَّحَ هنا بأنه محيط بكل مكان وزمان، لا يختص بمكان دون مكان.

الجنابذي

تفسير : {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ} الّتى اقترحها قريش {إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} فأهلكوا واستوصلوا بتكذيبهم وما كنّا لنهلك امّة محمّد (ص) ومحمّد (ص) فيهم رحمةً بهم، او المعنى انّ تكذيب الامم السّابقة بالآيات صار سبباً لمنع انزال الآيات لانّ هؤلاء من اسناخ الامم الماضية الا يرون الى ثمود {وَ} قد {آتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ} الّتى اقترحوها {مُبْصِرَةً} من أبصره، اذا جعله ذا بصيرةٍ، او من ابصر اذا وضح او صار ذا بصر او بصيرةٍ، فانّ النّاقة كانت مبصرةً بالبصر الظّاهر وبالبصر الباطن حيث كانت لا تتعدّى نوبتها فى شرب يومها {فَظَلَمُواْ بِهَا} اى بسبب عقرها انفسهم {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً} فما لهم يتجرّئون على اقتراحها.

اطفيش

تفسير : {وَمَا مَنَعَنَا} ما صرفنا {أن نُرْسِلَ} أى عن أن نرسل. {بِالايَاتِ} الباء صلة للتأْكيد والآيات مفعول به أو الباء أصلية متعلقة بنرسل بمعنى مع أو بمحذوف حال والمفعول محذوف أى أن نرسلك بالآيات. {إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ} أن مصدرية والمصدر فاعل نرسل أى ما منعنا عن إِرسال الآيات التى طلبتها قريش تعنتاً إِلا تكذيب الأَولين الذين هم أمثالهم فى الطبع على القلوب كعاد وثمود، فلو أرسلنا إِليهم الآيات التى طلبوها كما أرسلنا للأَولين لم يؤمنوا كما لم يؤمن الأَولون فنهلكهم كما أهلكنا الأَولين فإرسالنا إهلاك من طلب الآية تعنتا فجاءته فلم يؤمن وقد قضينا أن لا نهلك قريشاً باستئصال لأَن فيهم من سيؤمن أو يدل مؤمناً ولإِتمام أمرك يا محمد طليت قريش قلب الصفا ذهباً وإِحياء الموتى وإِزاحة الجبال ليحرثوا تعنتاً لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فأَوحى الله عز وجل إِليه إن شئت فعلت، فإِن لم يؤمنوا أهلكتهم عاجلا، وإِن شئت استأنيت بهم عسى أن أجتبى منهم مؤمنين. فقال يا رب بل تستأْنى بهم فنزل {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأَولون} يقال استأنى لمعنى آخر وتباطأ وأخبره الله سبحانه وتعالى أن هذه الأَمة يستأْصل آخرها بنفخة الموت، ثم ذكر بعض الأُمم التى طلبت الآيات تعنتاً فجاءها ما طلبت فلم تؤمن فأهلكت إِذ قال: {وَآتَيْنا ثمُودَ النَّاقَةَ} لما طلبوها {مُبْصِرَةً} بينة واضحة ذات إبصار وذات بصائر ومصيرة لهم ذوى بصائر، وقرئ بفتح الصاد أى يشاهدها ثمود بعيونهم أو المعنى على الكسر والفتح أنها بينة لقريش بأَثر هلاك ثمود يعاينون أثرها ذاهبين وراجعين فكأَنه قيل واضحاً أثرها أو مشاهداً أثرها فإِن اثر هلاكهم أثر لها إِذ كانت سببه وقد علموا أيضاً موردها ومصدرها من الماء وقرئ بفتح الميم والصاد أى موضع إِبصارهم {فَظَلَمُوا بِهَا} أى فكفروا بها. قالوا إنها ليست من الله عز وجل فأهلكوا أو ظلموا أنفسهم بسبب قتلها {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ} التى يطلبها الأَقوام تعنتا من رسلهم. {إِلاَّ تَخْوِيفاً} من نزول العذاب المتواصل فإِن لم يخافوا ويرتدعوا عن الشرك نزل العذاب أو ما نرسل بالآيات التى هى لمعجزات وآيات كتب الله سبحانه، وآيات السماء كالكسوف والخسوف والرعد وقوس قزح ونجم الذيل وآيات الأَرض كالزلزلة إلا تخويفاً لعذاب الآخرة وإِنذاراً به لمن لم يؤمن، والآيات التى تنظر ثلاثة أقسام قسم عام وهو المخلوقات حيث ما وضعت نظرك وجدت آية وهنا فكرة العلماء، وقسم معتاد يجئ فى بعض الأَحيان كالخسوف وهنا فكرة الجهلة، وقسم خارق عادة وقد انقضى بانقضاء النبوة والباء فى قوله بالآيات صلة للتأْكيد فى المفعول به أو أصلية متعلقة بنرسل أو بمحذوف حال بمعنى مع والمفعول محذوف وهو صاحب الحال أى تبشيراً نرسلك أو نرسل الرسل مطلقاً.

اطفيش

تفسير : {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ} الدالات على رسالتك اللاتى اقترحتها قريش منك {إِلاّ أَنْ كذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ} فيكذبون بها كما كذب بها الأولون المهلكون بالتكذيب، فيستحقون الإهلاك كالأولين، وليس فى قضائنا إهلاكهم كالأولين بالموت فجأة بمرة أو بالصواعق وبالإغراق أو نحو ذلك لإتمام أمر محمد، ومن يؤمن من أمته، ومن يلدون من المؤمنين اقترحوا منه صلى الله عليه وسلم أن يجعل الصفا ذهباً، وأن يزيل الجبال من مكة للحرث، وينحر العيون ونحو ذلك، فسأل الله فأجابه على أنه إن لم يؤمنوا عجَّل إهلاكهم كثمود وقوم عيسى، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا أريد إهلاكهم رجاء للإيمان" تفسير : فنزلت الآية. والمنع الصرف عن الشئ قهراً أو استيلاء، والله لا يقهره أحد، ولا يستولى عليه، قيل فهو بمعنى الترك، والمعنى وما تركنا، وذلك تعبير بالسبب، والملزوم عن المسبب واللازم، وفيه أنه لا يتصور أن يكون إن كذب بها الأولون فاعلا لمنع مع أنه بمعنى الترك، لأن التارك هو الله، لا تكذيب، وأجيب بأنه لا يلزم اتحاد الفاعل فى المعنى الحقيقى والمجازى، وهو جواب لا يصح فإنه لا بد من موافقة العبارة فى المعنى المجازى لها فى المعنى الحقيقى، والمناسب لتركنا بإسكان الكاف أن يكون إن كذب تعليلا بلام محذوفة، فالواضح أن يفسر منعنا بصرفنا فلا قهر. والباء فى بالآيات صلة فى المفعول أو للملابسة، والمفعول محذوف أى لن نرسل رسولا متلبسا بالآيات، والضمير فى بها للآيات على طريق الاستخدام، لأن ما أرسله على الأولين ليس عين ما يرسله على قريش لو كان يرسله، أو يقدر مضافاً أى إِلا إن كذب بمثلها. ويجوز أن يكون منعنا بمعنى دعانا فيقدر إلى أن نرسل، والمراد الأولين المهلكون بالعذاب كقوم نوح وعاد وثمود، ممن قريش على طبيعتهم، وصرح ببعض الأولين المكذبين بالآيات المقترحين لها، المهلكين فى قوله عز وجل: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ} خارجة من صخرة، وبْراء عشراء أو يتبعها ولدها على ما فى محله {مُبْصِرَةً} مهتدية، إسناد الاهتداء إليها مجاز عقلى، لأنها سبب فيه، لو عقلوا أو يقدر مضاف أى مبصراً أهلها لو عقلوا، وأولى من ذلك أنه متعد أى مصيِّرة للناس بصيرين أو مهتدين، لو تأملوا لخروجها من صخرة ملساء حاملة بولدها، أو خروجها به تابعًا لها، وعظم جثتها وضرعها، أو ذلك للنسب أى ذات بصيرة فى نفسها أى اهتداء كالعاقل، أو ذات إِبصار للناس. {فَظَلَمُوا بِهَا} ظلموا أنفسهم بسببها، إِذ قتلوها، أو كانوا ظالمين بسبب قتلها، وقيل: ظلموا بها: كفروا بها، وأهلكهم الله، وخص الناقة بالذكر لأنها من أموال العرب، وهم عرب، ولأن ثمود عرب، ولأنهم أجدادهم، ولأنهم يمرون بمنازلهم فى الذهاب إلى الشام، فيشاهدونها. {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاّ تَخْوِيفًا} ما نرسل الآيات فالباء صلة، أو ما نرسل نبيًّا مع الآيات إِلا تخويفًا للكافرين من نزول العذاب، فإن كانت بغير اقتراح ولم يؤمنوا، ترك إهلاكهم، ويموتون بدون استئصال، وعذبوا يوم القيامة، فالتخويف مع الاقتراح بعذاب الدنيا وبعده عذاب الآخرة، ومع غير اقتراح كسائر المعجزات، وكتب الله كالقرآن بعذاب الآخرة.

الالوسي

تفسير : وأجيب بأن ذلك سهل فقد استعمل في مقام التخويف فيما لم يكن عن عقوبة كقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِٱلأَيَـٰتِ} أي الآيات التي اقترحتها قريش، فقد أخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه والطبراني وغيرهم عن ابن عباس قال: حديث : سأل أهل مكة النبـي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعوا فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم من الأمم فقال عليه الصلاة والسلام: لا بل أستأني بهمتفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأن ما بعدها في تأويل مصدر منصوب على أنه مفعول منع على ما صرح به الطبرسي أو منصوب بنزع الخافض كما قيل: لتعدي الفعل إلى مفعوله الثاني بالحرف كما في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [النساء: 141] أي وما منعنا الإرسال أو من الإرسال بالآيات {إِلاَّ أنْ كَذَّبَ بهَا} أي بجنسها {الأَوَّلُونَ} من الأمم السابقة المقترحة. والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء و(أن) وما بعدها في تأويل مصدر فاعل منع أي ما منعنا شيء من الأشياء إلا تكذيب الأولين. وزعم أبو البقاء أنه على تقدير مضاف أي إلا إهلاك تكذيب الأولين، ولا حاجة إليه عند الآخرين. والمنع لغة كف الغير وقسره عن فعل يريد أن يفعله ولاستحالة ذلك في حقه سبحانه لاستلزامه العجز المحال المنافي للربوبية قالوا: إنه هنا مستعار للصرف وأن المعنى وما صرفنا عن إرسال الآيات المقترحة إلا تكذيب الأولين المقترحين المستتبع لاستئصالهم فإنه يؤدي إلى تكذيب الآخرين المقترحين بحكم اشتراكهم في العتو والعناد وهو مفض إلى أن يحل بهم مثل ما حل بهم بحكم الشركة في الجريرة والفساد وجريان السنة الإلٰهية والعادة الربانية بذلك وفعل ذلك بهم مخالف لما كتب في لوح القضاء بمداد الحكمة من تأخير عقوبتهم، وحاصله أنا تركنا إرسال الآيات لسبق مشيئتنا تأخير العذاب عنهم لحكم نعلمها. واستشعر بعضهم من الصرف نوع محدور فجعل المنع مجازاً عن الترك. وتعقب بأنه لا يصح مع كون الفاعل التكذيب لأن التارك هو الله تعالى. وأجيب بأن دعوى لزوم اتحاد الفاعل في المعنى الحقيقي والمستعار له مما لم يقم عليه دليل بل الظاهر خلافه. وذكر بعض المحققين ولله تعالى أبوه وإن نوقش أن تكذيب الأولين المستتبع للاستئصال والمستلزم لتكذيب الآخرين المفضي لحلول الوبال مناف لإرسال الآيات المقترحة لتعين التكذيب المستدعي لما ينافي الحكمة في تأخير عقوبة هذه الأمة فعبر عن تلك المنافاة بالمنع على نهج الاستعارة إيذاناً بتعاضد مبادي الإرسال لا كما زعموا من عدم إرادته تعالى لتأييد رسوله صلى الله عليه وسلم بالمعجزات وهو السر في إيثار الإرسال على الإيتاء لما فيه من الإشعار بتداعي الآيات إلى النزول لولا أن تمسكها يد التقدير. وإسناد المنع إلى تكذيب الأولين لا إلى علمه تعالى بما سيكون من المقترحين الآخرين كما في قوله تعالى: {أية : لَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} تفسير : [الأنفال: 23] لإقامة الحجة عليهم بإبراز الأنموذج وللإيذان بأن مدار عدم الإجابة إلى إيتاء مقترحهم ليس إلا صنيعهم. ثم حكمة التأخير قيل إظهار مزيد شرف النبـي صلى الله عليه وسلم، وقيل العناية بمن سيولد من بعضهم من المؤمنين وبمن سيؤمن منهم، وينبغي أن يزاد في كل إلى غير ذلك مثلاً وإلا فلا حصر. وقيل معنى الآية أنا لا نرسل الآيات المقترحة لعلمنا بأنهم لا يؤمنون عندها كما لم يؤمن بها من اقترحوها قبلهم فيكون إرسالها عبثاً لا فائدة فيه والحكيم لا يفعله، وأنت تعلم أنه إذا كان إرسال المقترح إذا لم يؤمن عنده المقترح عبثاً لا يفعله الحكيم أشكل / فعله من أول مرة على أن ما روي في سبب النزول يقتضي التفسير الأول كما لا يخفى. وفسرت الآيات بالمقترحة لأن ما بها إثبات دعوى الرسالة من مقتضيات الإرسال وما زاد على ذلك ولم يكن عن اقتراح لطف من الملك المتعال. {وَءاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ} عطف على ما يفصح عنه النظم الكريم كأنه قيل: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون حيث آتيناهم ما اقترحوا على أنبيائهم عليهم السلام من الآيات الباهرة فكذبوها وآتينا ثمود الناقة باقتراحهم على نبيهم صالح عليه السلام وأخرجناها لهم من الصخرة {مُبْصِرَةً} على صيغة اسم الفاعل حال من الناقة، والمراد ذات إبصار أو ذات بصيرة يبصرها الغير ويتبصر بها فالصيغة للنسب أو جاعلة الناس ذوي بصائر على أنه اسم فاعل من أبصره والهمزة للتعدية أي جعله ذا بصيرة وإدراك ويحتمل أن يكون إسناد الإبصار إليها مجازاً وهو في الحقيقة حال من يشاهدها. وقرأ قوم {مُبْصِرَةً} بزنة اسم المفعول أي يبصرها الناس ولا خفاء في ذلك. وقرأ قتادة {مبصرة} بفتح الميم والصاد أي محل إبصار بجعل الحامل على الشيء بمنزلة محله نحو حديث : الولد مبخلة مجبنةتفسير : . وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {مبصرة} بزنة اسم الفاعل والرفع على إضمار مبتدأ أي هي مبصرة. وقرأ الجمهور {ثَمُودَ} ممنوعاً من الصرف، وقال هارون: أهل الكوفة ينونون في كل وجه وقال أبو حاتم لا تنون العامة والعلماء بالقرآن {ثَمُودَ} في وجه من الوجوه وفي أربعة مواطن ألف مكتوبة ونحن نقرؤه بغير ألف اهـ. وهو كما قال الراغب عجمي، وقيل عربـي وترك صرفه لكونه اسم قبيلة، وهو فعول من الثمد وهو الماء القليل الذي لا مادة له ومنه قيل: فلان مثمود ثمدته النساء أي قطعن مادة مائة لكثرة غشيانه لهن ومثمود إذا كثر عليه السؤال حتى نفدت مادة ماله وصحح كثير عربيته أي آتينا تلك القبيلة الناقة {فَظَلَمُواْ بِهَا} أي فكفروا بها وجحدوا كونها من عند الله تعالى لتصديق رسوله أو فكفروا بها ظالمين أي لم يكتفوا بمجرد الكفر بها بل فعلوا بها ما فعلوا من العقر أو ظلموا أنفسهم وعرضوها للهلاك بسبب عقرها. ولعل تخصيص إيتائها بالذكر لما أن ثمود عرب مثل أهل مكة المقترحين وأن لهم من العلم بحالهم ما لا مزيد عليه حيث يشاهدون آثار هلاكهم لقرب ديارهم منهم وروداً وصدوراً، وجوز أن يكون ذلك لأن الناقة من جهة أنها حيوان أخرج من الحجر أوضح دليل على تحقق مضمون قوله تعالى: {أية : قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً} تفسير : [الإسراء: 50] الخ والأول أقرب. {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلأَيَـٰتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا } أي لمن أرسلت عليهم، والمراد بها إما المقترحة فالتخويف بالاستئصال لإنذارها به في عادة الله تعالى أي ما نرسلها إلا تخويفاً من العذاب المستأصل كالطليعة له فإن لم يخافوا فعل بهم ما فعل، وأما غيرها كآيات القرآن والمعجزات فالتخويف بعذاب الآخرة دون العذاب الدنيوي بالاستئصال أي ما نرسلها إلا تخويفاً وإنذاراً بعذاب الآخرة. واستظهر أبو حيان كون المراد بها الآيات التي معها إمهال كالخسوف والكسوف وشدة الرعد والبرق والرياح والزلازل وغور ماء العيون وزيادتها على الحد حتى يغرق منها بعض الأرضين، وعد الحسن من ذلك الموت الذريع أي ما نرسلها إلا تخويفاً مما هو أعظم منها. أخرج ابن جرير عن قتادة قال: إن الله تعالى يخوف الناس بما شاء من آياته لعلهم يعتبرون أو يذكرون ويرجعون. وذكر ابن عطية أن آيات الله تعالى المعتبر بها ثلاثة أقسام، قسم عام في كل شيء. ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. وهناك فكرة العلماء، وقسم معتاد كالرعد والكسوف وهناك فكرة الجهلة، وقسم / خارق للعادة وقد انقضى بانقضاء النبوة وإنما يعتبر اليوم بتوهم مثله وتصوره اهـ. وفيه غفلة عن الكرامة فإن أهل السنة يثبتونها للولي في كل عصر. والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. وجوز على الوجه الأول أن تكون حالاً من ضمير (ظلموا) أي فظلموا بها ولم يخافوا العاقبة والحال أنا ما نرسل بالآيات التي هي من جملتها إلا تخويفاً من العذاب الذي يعقبها فنزل بهم ما نزل. ونصب {تَخْوِيفًا} على أنه مفعول له. وجوز أن يكون حالاً أي مخوفين، والباء في الموضعين سيف خطيب، و {الأَيَـٰتِ} مفعول {نُرْسِلُ} أو للملابسة والمفعول محذوف أي ما نرسل نبياً ملتبساً بها، وقيل إنها للتعدية وأن أرسل يتعدى بنفسه وبالباء. ورد بأنه لم ينقل عن أحد من الثقات، قال الخفاجي: ولا حجة في قول كثير:شعر : لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول تفسير : لاحتمال الزيادة فيه أيضاً مع أن الرسول فيه بمعنى الرسالة فهو مفعول مطلق والكلام في دخولها على المفعول به، ولا يخفى أن جعل الرسول مفعولاً به وزيادة الباء فيه مما لا يقدم عليه فاضل.

ابن عاشور

تفسير : {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَـٰتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا} هذا كشف شبهة أخرى من شبه تكذيبهم إذ كانوا يسألون النبي أن يأتيهم بآيات على حسب اقتراحهم، ويقولون: لو كان صادقاً وهو يطلب منا أن نؤمن به لجاءنا بالآيات التي سألناه، غروراً بأنفسهم أن الله يتنازل لمباراتهم. والجملة معطوفة على جملة {أية : وإن من قرية إلا نحن مهلكوها}تفسير : الآية [الإسراء: 58]، أي إنما أمهلنا المتمردين على الكفر إلى أجل نزول العذاب ولم نجبهم إلى ما طلبوا من الآيات لعدم جدوى إرسال الآيات للأولين من قبيلهم في الكفر على حسب اقتراحهم فكذبوا بالآيات. وحقيقة المنع: كف الفاعل عن فعل يريد فعله أو يسعى في فعله، وهذا محال عن الله تعالى إذ لا مكره للقادر المختار. فالمنع هنا مستعار للصرف عن الفعل وعدم إيقاعه دون محاولة إتيَانِه. والإرسال يجوز أن يكون حقيقة فيكون مفعول {أن نرسل} محذوفاً دل عليه فعل {نرسل}. والتقدير: أن نرسل رسولَنا، فالباء في قوله: {بالآيات} للمصاحبة، أي مصاحباً للآيات التي اقترحها المشركون. ويجوز أن يكون الإرسال مستعاراً لإظهار الآيات وإيجادها، فتكون الباء مزيدة لتأكيد تعلق فعل {نرسل بالآيات}، وتكون {بالآيات} مفعولاً في المعنى كقوله تعالى: {أية : وامسحوا برؤوسكم}تفسير : [المائدة: 6]. والتعريف في {بالآيات} على كلا الوجهين للعهد، أي المعهودة من اقتراحهم كقولهم: {أية : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً}تفسير : [الإسراء: 90] و {أية : قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى} تفسير : [القصص: 48] و {أية : قالوا لن نؤمن حتى نوتَى مثل ما أوتي رسل الله }تفسير : [الأنعام: 124] على أحد التأويلين. و (أن) الأولى مفيدة مصدراً منصوباً على نزع الخافض، وهو (مِن) التي يتعدى بها فعل المنع، وهذا الحذف مطرد مع (أن). و (أن) الثانية مصدرها فاعل {منعنا} على الاستثناء المفرغ. وإسناد المنع إلى تكذيب الأولين بالآيات مجاز عقلي لأن التكذيب سبب الصرف. والمعنى: أننا نعلم أنهم لا يؤمنون كما لم يؤمن من قبلهم من الكفرة لما جاءتهم أمثال تلك الآيات. فعلم الناس أن الإصْرار على الكفر سجية للمشرك لا يقلعها إظهار الآيات، فلو آمن الأولون عندما أظهرت لهم الآيات لكان لهؤلاء أن يجعلوا إيمانهم موقوفاً على إيجاد الآيات التي سألوها. قال تعالى: {أية : إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية}تفسير : [يونس: 96-97]. والأظهر أن هذا تثبيت لأفئدة المؤمنين لئلا يفتنهم الشيطان، وتسلية للنبيء لحرصه على إيمان قومه فلعله يتمنى أن يجيبهم الله لما سألوا من الآيات ولحزنه من أن يظنوه كاذباً. وجملة {وآتينا ثمود الناقة} في محل الحال من ضمير الجلالة في {منعنا}، أي وقد آتينا ثموداً آية كما سألوه فزادوا كفراً بسببها حتى عجل لهم العذاب. ومعنى {مبصرة} واضحة الدلالة، فهو اسم فاعل أبصر المتعدي إلى مفعول، أي جعل غيرَه مُبصراً وذا بصيرة. فالمعنى: أنها مفيدة البصيرة، أي اليقين، أي تجعل من رآها ذا بصيرة وتفيدهُ أنها آية. ومنه قوله تعالى: {أية : فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين}تفسير : [النمل: 13]. وخص بالذكر ثمود وآيتها لشهرة أمرهم بين العرب، ولأن آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبَة من أهل مكة يبصرها صادرهم وواردهم في رحلاتهم بين مكة والشام. وقوله: {فظلموا بها} يجوز أن يكون استُعمل الظلم بمعنى الكُفر لأنه ظلم النفس، وتكون الباء للتعدية لأن فعل الكفر يعدى إلى المكفور بالباء. ويجوز أن يكون الظلم مضمناً معنى الجحد، أي كابروا في كونها آية، كقوله تعالى: {أية : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً }تفسير : [النمل: 14]. ويجوز بقاء الظلم على حقيقته، وهي الاعتداء بدون حق، والباء صلة لتوكيد التعدية مثل الباء في {أية : وامسحوا برؤوسكم}تفسير : [المائدة: 6]، أي ظلموا الناقة حينَ عَقَروها وهي لم تجن عليهم، فكان عقرها ظلماً. والاعتداء على العجماوات ظلم إذا كان غير مأذون فيه شرعاً كالصيد. {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً} هذا بيان لحكمة أخرى في ترك إرسال الآيات إلى قريش، تشير إلى أن الله تعالى أراد الإبقاء عليهم ليدخل منهم في الإسلام كثير ويكون نشر الإسلام على يد كثير منهم. وتلك مكرمة للنبيء صلى الله عليه وسلم فلو أرسل الله لهم الآيات كما سألوا مع أن جبلتهم العناد لأصروا على الكفر فحقت عليهم سنّة الله التي قد خلت في عباده وهي الاستئصال عقب إظهار الآيات، لأن إظهار الآيات تخويف من العذاب والله أراد الإبقاء على هذه الأمة قال: {أية : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}تفسير : [الأنفال: 33] الآية، فعوضنا تخويفهم بدلاً عن إرسال الآيات التي اقترحوها. والقول في تعدية وما نرسل بالآيات} كالقول في {وما منعنا أن نرسل بالآيات} معنى وتقديراً على الوجهين. والتخويف: جعل المرء خائفاً. والقصر في قوله: {إلا تخويفاً} لقصر الإرسال بالآيات على علة التخويف، وهو قصر إضافي، أي لا مباراة بين الرسل وأقوامهم أو لا طمعاً في إيمان الأقوام فقد علمنا أنهم لا يؤمنون.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا} الآية. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه آتى ثمود الناقة في حال كونها آية مبصرة، أي بينة تجعلهم يبصرون الحق واضحاً لا لبس فيه فظلموا بها. ولم يبين ظلمهم بها ها هنا، ولكنه أوضحه في مواضع أخر. كقوله: {أية : فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ}تفسير : [الأعراف:77] الآية، وقوله {أية : فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا}تفسير : [الشمس:14] الآية، وقوله {أية : فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ}تفسير : [القمر:29]، إلى غير ذلك من الآيات.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِٱلآيَاتِ} {وَآتَيْنَا} (59) - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَباً، وَأَنْ يُنَحَِّي عَنْهُمْ جِبَالَ مَكَّةَ فَيَزْرَعُوا، عَلَى أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ إِنْ حَقَّقَ لَهُمْ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُم الرَّسُولُ: أوتَفْعَلُونَ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ رَبَّهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، وَيَقُولُ لَكَ: إِنْ شِئْتَ أَصْبَحَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَباً، فَمَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَذَّبْتُهُ عَذَاباً لاَ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ العَالَمِينَ. وَإِنْ شِئْتَ فَتَحْتُ لَهُمْ أَبْوَابَ التَّوْبَةَ وَالرَّحْمَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: بَلْ بَاب التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ الكَرِيمِ: إِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ إِلَى قُرَيْشٍ كَمَا سَأَلُوهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ سَهْلٌ عَلَيْهِ يَسِيرٌ، وَلَكِنَّ الذِي مَنَعَهُ مِنْ إِرْسَالِ الآيَاتِ التِي سَأَلُوهَا هُوَ تَكْذِيبُ الأَوَّلِينَ بِمِثْلِهَا، بَعْدَ أَنْ سَأَلُوهَا وَجَاءَتْهُمْ. فَإِذا أَرْسَلَهَا اللهُ إِلَى قُرَيشٍ، وَكَذَّبُوا بِهَا عُوجِلُوا بِالعَذَابِ، وَلَمْ يُمْهَلُوا. وَقَدْ سَأَلَتْ ثَمُودُ نَبِيَّهَا صَالِحاً أَنْ يُخْرِجَ لَهُمْ نَاقَةَ عُشَرَاءَ، فَدَعَا اللهُ، فَأَخَرَجَهَا لَهُمْ مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ هَذِهِ النَّاقَةَ حُجَّةً وَاضِحَةً، وَدَلاَلَةً عَلَى وَحْدَانِيَّةِ خَالِقِهَا وَقُدْرَتِهِ، وَعَلاَمَةً عَلَى صِدْقِ رِسَالَةِ رَسُولِهِ صَالِحٍ، فَكَفَرَتْ ثَمُودُ بِالنَّاقَةِ، وَمَنَعُوهَا شُرْبَهَا، وَقَتَلُوهَا، فَأَبَادَهُمُ اللهُ عَنْ آخِرِهِمْ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى إِنَّهُ يُخَوِّفُ النَّاسَ بِمَا شَاءَ مِنَ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ وَيَرْجِعُونَ إِلَى اللهِ. مَبْصِرَةً - آيَةً بَيِّنَةً وَاضِحَةً أَوْ ذَاتَ بَصِيرَةٍ لِمَنْ يَتَأَمَّلُهَا. فَظَلَمُوا بِهَا - فَكَفَرُوا بِهَا ظَالِمِينَ فَأُهْلِكُوا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الآيات: جمع آية، وهي الأمر العجيب الذي يلفت النظر ويسترعى الانتباه، وهذه الآيات إما أن تكون آيات كونية نستدل بها على قدرة المدبِّر الأعلى سبحانه مثل المذكورة في قوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ..}تفسير : [فصلت: 37]. وقد تكون الآيات بمعنى المعجزة التي تثبت صِدْق الرسول في البلاغ عن ربه تعالى، وقد تكون الآيات بمعنى آيات القرآن الكريم، والتي يسمونها حاملة الأحكام. فالآيات إذن ثلاثة: كونية، ومعجزات، وآيات القرآن. فأيها المقصود في الآية: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ ..} [الإسراء: 59]. الآيات الكونية وهي موجودة لا تحتاج إلى إرسال، الآيات القرآنية وهي موجودة أيضاً، بقي المعجزات وهي موجودة، وقد جاءت معجزة كل نبي على حَسْب نبوغ قومه، فجاءت معجزة موسى من نوع السحر الذي نبغ فيه بنو إسرائيل، وكذلك جاءت معجزة عيسى مما نبغ فيه قومه من الطب. وجاءت معجزة محمد صلى الله عليه وسلم في الفصاحة والبلاغة والبيان؛ لأن العرب لم يُظِهروا نبوغاً في غير هذا المجال، فتحدّاهم بما يعرفونه ويُجيدونه ليكون ذلك أبلغ في الحجة عليهم. إذن: فما المقصود بالآيات التي منعها الله عنهم؟ المقصود بها ما طلبوه من معجزات أخرى، جاءت في قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ ..}تفسير : [الإسراء: 90-93]. والمتأمل في كل هذه الاقتراحات من كفار مكة يجدها بعيدة كل البُعْد عن مجال المعجزة التي يُراد بها في المقام الأول تثبيت الرسول، وبيان صِدْق رسالته وتبليغه عن الله، وهذه لا تكون إلا في أمر نبغ فيه قومه ولهم به إلمام، وهم أمة كلام وفصاحة وبلاغة، وهل لهم إلمام بتفجير الينابيع من الأرض؟ وهل إسقاط السماء عليهم كِسَفاً يقوم دليلاً على صدْق الرسول؟ أم أنه الجدل العقيم والاستكبار عن قبول الحق؟ إذن: جلس كفار مكة يقترحون الآيات ويطلبون المعجزات، والحق سبحانه وتعالى يُنزِل من المعجزات ما يشاء، وليس لأحد أن يقترح على الله أو يُجبره على شيء، قال تعالى: {أية : قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}تفسير : [يونس: 16]. فالحق تبارك وتعالى قادر أن يُنزل عليهم ما اقترحوه من الآيات، فهو سبحانه لا يُعجِزه شيء، ولا يتعاظمه شيء، ولكن للبشر قبل ذلك سابقة مع المعجزات. والحق سبحانه يقول: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا ..} [الإسراء: 59]. مبصرة: أي آية بينة واضحة. لقد طلب قوم ثمود معجزة بعينها فأجابهم الله وأنزلها لهم، فما كان منهم إلا أن استكبروا عن الإيمان، وكفروا بالآية التي طلبوها، بل وأكثر من ذلك ظلموا بها أي: جاروا على الناقة نفسها، وتجرّأوا عليها فعقروها. وهذه السابقة مع ثمود هي التي منعتنا عن إجابة أهل مكة فيما اقترحوه من الآيات، وليس عَجْزاً مِنَّا عن الإتيان بها. وقوله تعالى عن الناقة أنها آية {مُبْصِرَةً} لبيان وضوحها كما في قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً ..}تفسير : [الإسراء: 12] فهل آية النهار مُبصِرة، أم مُبْصَر فيها؟ كانوا قديماً يعتقدون أن الإنسان يرى الشيء من شعاع ينطلق من عينة إلى الشيء المرئيّ فتحدث الرؤية، إلى أن جاء ابن الهيثم وأثبت خطأ هذه المقولة، وبيّن أن الإنسان يرى الشيء إذا خرج من الشيء شعاع إلى العين فتراه، بدليل أنك ترى الشيء إذا كان في الضوء، ولا تراه إذا كان في ظلمة، وبهذا الفهم نستطيع القول بأن آية النهار هي المبصرة؛ لأن أشعتها هي التي تُسبّب الإبصار. ثم يقول تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً} [الإسراء: 59]. أي: نبعث بآيات غير المعجزات لتكون تخويفاً للكفار والمعاندين، فمثلاً الرسول صلى الله عليه وسلم اضطهده أهل مكة ودبَّروا لقتله جهاراً وعلانية، فخيّب الله سَعْيهم ورأوا أنهم لو قتلوه لَطالبَ أهله بدمه، فحاكوا مؤامرة أخرى للفتك به بليل، واقترحوا أنْ يُؤْتَى من كل قبيلة بفتى جَلْدٍ، ويضربوه ضَرْبة رجل واحد. ولكن الحق سبحانه أطلع رسوله على مكيدتهم، ونجّاه من غدرهم، فإذا بهم يعملون له السحر لِيُوقِعوا به، وكان الله لهم بالمرصاد، فأخبر رسوله بما يُدبّر له، وهكذا لم يفلح الجهر، ولم يفلح التبييت، ولم يفلح السحر، وباءت محاولاتهم كلها بالفشل، وعلموا أنه لا سبيلَ إلى الوقوف في وجه الدعوة بحال من الأحوال، وأن السلامة في الإيمان والسير في ركابه من أقصر الطرق. إذن: للحق سبحانه آيات أخرى تأتي لِرَدْع المكذبين عن كذبهم، وتُخوّفهم بما حدث لسابقيهم من المُكذِّبين بالرسل، حيث أخذهم الله أَخْذ عزيز مقتدر، ومن آيات التخويف هذه ما جاء في قوله تعالى: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 40]. فكل هذه آيات بعثها الله على أمم من المكذبين، كُلّ بما يناسبه. ثم يقول الحق سبحانه مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا} معناه كفروا وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ} فالفِتنةُ: البَِلاءُ. والشَّجرةُ المَلعونِة: الزَِّقومُ.

الجيلاني

تفسير : {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ} أي: ما صرفنا عن إرسال الآيات المقترحة عنك يا أكمل الرسل والإتيان بها {إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا} وبأمثالها {ٱلأَوَّلُونَ} أي: الأمم الماضون بعد إتيان ما اقترحوا عتواً وعناداً، فاستأصلناهم بتكذيبهم؛ إذ من سنتنا القديمة وعادتنا المستمرة استئصال المقترحين المكذبين على أنبيائنا بعد إتيانهم بمقترحاتهم، فلو حصل مقترحات هؤلاء المقترحين أيضاً ليكذبوك ألبتة، فلزم علينا حينئذٍ إهلاكهم واستئصالهم على مقتضى سنتنا المستمرة، لكن مضى حكمنا ألا ننتقم من مكذبيك في النشأة الأولى؛ لأن منهم من يؤمن ومنهم من يُولد مؤمناً، لذلك ما جئنا بمقترحاتهم. {وَ} اذكر لهم إن كانوا شاكين مترددين فيما ذكرنا بعض قصص الأمم الماضية المشهودة في الآفاق، وذكِّرهم كيف {آتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ} المقترحة حين اقترحوا على نبينا صالح عليه السلام بإخراجها من الحجر المعيِّن، فأخرجها منه بإذن الله وقدرته، حال كون أعينهم {مُبْصِرَةً} خروجها منه، ومع ذلك {فَظَلَمُواْ بِهَا} أي: بالناقة بعدما أمرهم سبحانه بمحافظتها ورعايتها على لسان صالح، فكذبوه قعقروها، واستأصلناهم لأجلها، وأمثالها من الأمم الهالكة بتكذيبهم بعد إتيان ما اقترحوا أكثر من أن يحصى. {وَ} بالجملة: {مَا نُرْسِلُ} ونأتي {بِٱلآيَاتِ} المقترحة {إِلاَّ تَخْوِيفاً} [الإسراء: 59] من نزول العذاب المهلك المستأصِل على المقترحين. {وَ} اذكر للمؤمنين وقت {إِذْ قُلْنَا} موحياً {لَكَ} مسلياً عليك: لا تحزن من كثرة عدَدَ عودك وعُدَدهم، ولا تخفْ من شوكتهم {إِنَّ رَبَّكَ} الذي اصطفاك من البرية للرسالة العامة قد {أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ} إحاطة الظل بأظلالها، فهم مقهورون تحت قبضة قدرته يفعل بهم حسب إرادته ومشيئته، فامضِ على ما أُمرت بلا خوفٍ وترددٍ فلك الاستيلاء والغلبة. {وَ} أيضاً {مَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ} حين نزولك ماء بدرٍ، وأصبحت تقول مشيراً بإصبعك: "هَذَا مَصْرَعُ فُلاَنٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلاَن" فأخبر قريشُ بقولك وإشارتك إلى مصارعهم، فاستهزءوا معك واستبعد بعض المؤمنين أيضاً {إِلاَّ فِتْنَةً} واختباراً {لِّلنَّاسِ} هل يؤمنون بك ويصدّقون قولك، أم يكذبونك وينكرون بك. ثم لما وقع الأمر على الوجه الذي أُريت في منامك، اطمأن المؤمنون وازدادوا يقيناً وإخلاصاً، وجحد الكافرون وأزدادوا شقاقاً ونفاقاً، ونسبوا أمرك هذا إلى السحر والكهانة الرجم بالغيب عناداً ومكابرةً. {وَ} أيضاً ما جعلنا {ٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ} المكروهة التي يلعنها كل من يذوقها ويطعمها، وهي الزقوم المنبت على أدوية الجحيم؛ لذلك لُعنت {فِي ٱلقُرْآنِ} حتى يحترز المؤمنون عن الأعمال المقربة إليها الموجبة لأكلها إلا قتنةً وابتلاءً للناس، لذلك لما سمعت قريش شجرة الزقوم، جعلوها منشأ الهزل والسخرية مع الرسول صى الله عليه وسلم حتى قال أبو جهل: إن محمداً يخوفنا عن نار تحرق الحجارة، ويزعم أنها تنبت الشجرة، وقد علمتم أن النار تحرق الشجر، وما هي إلى قرية بلا مرية. ثم اعلم أن الأمور الدينية كلها تعبدي، فلو ظهر لما وجه عقلي فيها ولو لم يظهر، لزم الإطاعة والانقياد على سبيل التعبيد والتسليم من الصادق المصدوق، مع أن نبت الشجر في النار، مما لا يمتنع عقلاً أيضاً؛ لأن وجود الحيوان في النار أبعد من وجود النبات فيها. وحكاية الدويبة التي يقال لها: السمندل، هي تعيش في النار كالسمك في الماء متى خرجت منها ماتت، واتخاذ الناس من شعرها منديلاً متى اتسخت، طرحت على النار فأحرقت، وأخرجت سالمة نظفية منها، مشهورة معروفة، لا شك في وقوعها. وأعجب من ذلك ابتلاع النعامة الجمرة والجذوة والحديدة المحماة المحمرة في النار، ولا تضرها اصلاً {وَ} من قساوة قلوب أولئك الغواة، وغلظ حجبهم {نُخَوِّفُهُمْ} بأنواع المخاوف الدنيوية والأخروية {فَمَا يَزِيدُهُمْ} تلك التخويفات الهائلة {إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً} [الإسراء: 60] متجاوزاً عن الحد غاية التجاوز لشدة عمههم وعتوهم. {وَ} ليس طغيانهم وإصرارهم عليه إلا بتسويلات الشياطين وتغريراتهمه على مقتضى العداوة القديمة، والخصومة المستمرة بين الشيطان وبني آدم. اذكر وقت {إِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ} بأجمعهم بعدما جاوءا بما جاءوا من الحجج والدلائل الدالة على عدم لياقة آدمة ب الخلافة والنيابة إلى أن أُفحموا وأُلزموا: {ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ} وتذللوا عنده، ولا تجادلوا في حقه إنا قد إخترناه لخلافتنا {فَسَجَدُواْ} سجود تواضع وتكريم امتثالاً للأمر الوجوبي، بعدما ما تمادوا في إيراد الحجج استحياء منه سبحانه، ورهبة من سطوة قهره بالإعراض عن أمره وما خالف أمر الله منهم {إَلاَّ إِبْلِيسَ} فإنه أصر على الإنكار، ولم يرغب إلى امتثال المأمور بل زاد على الجدال والنزاع؛ حيث {قَالَ} مستعبداً مستنكراً {أَأَسْجُدُ} وأتذلل من نجابة أصلي وشرف عنصري {لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} [الإسراء: 61] أي: لمن أنشأته وصوَّرته من طين متى مذموم لا شرف له ولا نجابة، وما هو إلا تفضيل المفضول وتكريم المرذول. ثم لما طرده الحق من ساحة عز الحضور، وأخرجه من بين الملائكة، ولعنه لعنة مؤبدة إلى أن آيس عن القبول مطلقاً {قَالَ} إبليس معترضاً على الله مسيئاً الأدب معه سبحانه، مستفهماً على سبيل الاستبعدا والاستنكار: {أَرَأَيْتَكَ} أي: أخبرني {هَـٰذَا} القالب المستحقر المسترذل {ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} وأمرتني بسجوده وطردتني لأجله طرداً مخلداً، بناءً على أنه يعبدك ويعرفك، ويوحدك حق توحيدك، ويقدسك حق تقديسك وتنزيهك، ويتفطن على حق قدرك وقدر حقيتك، والله وبحق عظمتك وجلالك {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ} وأبقيتني فيما بينهم {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} المعدة لتنفيذ الأعمال وعرضها على جنابك {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} أي: أضلنهم وأغوينهم بالإغواء والإغواء إلى حيث أمحونَّ أسماءهم عن دفتر المؤمنين، فكيف عن العارفين المكاشفين المشاهدين، لأن تركيبهم وبنيتهم هذا مقتضى أنواع الفسادات وأصناف العصيان والضلالاات، ولي فيهم مداخل كثيرة أوسوسهم وأغريهم إلى حيث أضلهم عن منهج الرشاد ومسلك السداد {إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 62] منهم فإنهم ثابتون على ما جُبلوا لأجله لا أقدر على إغوائهم؛ لكونهم مؤيدين من عندك، موفقين بتوفيقك. ثم لما سمع سبحانه منه ما سمع {قَالَ} سبحانه ساخطاً عليه مغاضباً طارداً له أشد طرد وتبعيد: {ٱذْهَبْ} يا ملعون فقد أمهلناك فيما بينهم إلى قيام الساعة، فذلك أن تفعل بهم ما نفعل {فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} بعدما جبلناهم على فطرة التوحيد والمعرفة، ومع ذلك أرسلنا عليهم الرسل المنبهين المرشدين لهم طريق الرشاد، وأنزلنا عليهم الكتب المبينة لهم أحوال المبدأ والمعاد، ومع ذلك يتركون متابعة الكتب والرسل، ويتبعون لك ويقتفون أثرك، فيهم حينئذٍ خارجون عن زمرة عبادنا الصالحين، لا قون بك، مستحقون بما استحققت أنت وأعوانك من الجزاء {فَإِنَّ جَهَنَّمَ} الطرد والحرمان وأنواع المذلة والخذلان حينئذٍ {جَزَآؤُكُمْ} تابعاً ومتبوعاً ضالاً ومضلاً {جَزَاءً مَّوْفُوراً} [الإسراء: 63] أي: مستوفياً وافراً وافياً، لا مزيد عليها مؤيداً مخلداً. {وَ} بعدما سمعت جزاءك وجزاء من تبعك منهم {ٱسْتَفْزِزْ} أيها المطرود الملعون؛ ي: حرِّك، وزلزل عن موضع ثبوتهم وقرارهم على جادة التوحيد {مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ} وتمكنت على إضلالهم عن طريق الحق {بِصَوْتِكَ} أي: بمجرد أن تصوت عليهم، فينحرفوا من غاية ضعفهم في الإيمان {وَ} إن لم تقدر، ولم تظفر عليهم بمجرد صوت لرسوخهم وتمكنهم في الجملة {أَجْلِبْ} أي: سِح وصوّت {عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ} أي: بركبان أعوانك وجنودك {وَرَجِلِكَ} أي: بمشاتهم ورجالهم، وبالجملة: تمم، وأوفر جميع حيلك ومكرك مهما أمكنك حتى تستفزهم وتضعفهم من مقر الإيمان والعرفان. {وَ} إن شئت اتحادهم وإخاءهم {شَارِكْهُمْ فِي} جميع {ٱلأَمْوَالِ} أي: علّمهم السرقةَ الغضب وقطعَ الطريق والربا والحيلَ المشهورة المعروفة في هذا الزمن، بالحيل الشرعية التي وضعها المتفقهة المتفسقة، خذلهم الله من تلقاء نفوسهم الخبيثة الدنية {وَ} شاركهم أيضاً في {ٱلأَوْلادِ} أي: علمهم طريق الإباحةة والاستباحة وتحليل المحرمات المؤدية، إلى تخليط الأنساب وامتزاج المياه كما ابتدعها أهل التلبيس والتدليس من المتشيخة الذين هم من جنودك، أهلكهم الله وقهر عليهم، {وَ} إن شئت {عِدْهُمْ} بالمواعيد الكاذبة التي مالت إليها نفوسهم واقضتت شهواتهم من ترك التكاليف والأعمال الشاقة من الفرائض والسنن والآداب والنوافل المقربة نحو الحق، والإنكار على النشأة الآخرة، وما يترتب عليها من الأمور المسئولة عنها، المؤاخذة عليه والجنة والنار {وَ} معلوم أن {مَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ} المغوي المضل {إِلاَّ غُرُوراً} [الإسراء: 64] أي: تزييناً وتحسيناً للباطل بصورة الحق وادعاء الحقية والحقيقة لهم؛ ليغريهم بها، ويضلهم عن طريق الحق. وبالجملة: افعل بهم أيها الحريص على إضلالهم ما شئت من المكر والحيل والخداع، وهم إن كانوا من زمرة أرباب الاطمئنان الإيقان، المقررين في مقر التوحيد والعرفان، الموفقين عليه من عندنا، لا يتبعونك ولا يقبلون منك وساوسك وهذياناتك، وليس لك عليهم سلطان أصلاً. وإن كانوا من المطبوعين المختومين من عندنا، المجبولين على الضلال والغواية، فيتبعوك ويقتفوا أثرك، فلحقهم ما لحق بك، وهم من جنودك وأتباعك، وبالجملة: {أية : مَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}تفسير : [النور: 40]. ثم قال سبحانه: {إِنَّ} خُلَّص {عِبَادِي} أضافهم سبحانه إلى نفسه؛ لكمال إخلاصهم واختصاصهم {لَيْسَ لَكَ} أيها المضل المغوي {عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} أي: حجة واستيلاء تغلبهم بها بعدما اتخذوني خليلاً وأخذوني كفيلاً {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً} [الإسراء: 65] حفيظاً يتوكلون عليه مخلصين، ويستعيذون نحوه من إغرائك وإغوائك أيها لطاغي ملتجئين. وكيف لا يحفظم سبحانه، ولا يعذبكم أيها المؤمنون المخلصون عما يؤذيكم ويقصد مقتكم: {رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي} يُسري ويُجري {لَكُمُ ٱلْفُلْكَ} الجاريةَ {فِي ٱلْبَحْرِ} بتيسيره وتسهيله عنايةً منه إيااكم {لِتَبْتَغُواْ} وتطلبوا {مِن فَضْلِهِ} ما يوسع لكم طريق المعاش من أنواع التجارات والأرباح، واستخراج الجواهر منها، وغير ذلك {إِنَّهُ} سبحانه من كمال جوده وسعة رحمته {كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [الإسراء: 66] مشفقاً عطوفاً، سيما بعد اتكالكم عليه سبحانه على وجه الأرض.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن آيات إرساله الآيات بقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} [الإسراء: 59] يشير إلى اختصاص هذه الأمة بالرحمة والعناية كرامة لوجه حبيبه ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الأمم السالفة مثل ثمود وغيرها لما التمست الآيات من أنبيائهم فأرسل الله بها، ثم لم يؤمنوا وجحدوا أنها من عند الله كما قال: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً} [الإسراء: 59] ليؤمنوا فلم يؤمنوا بها وعقروها وكذبوا، جرت سنة الله على ألا يهلكهم ويعذبهم ويأخذهم نكال الآخرة والأولى، فلما التمست قريش من النبي الآيات مثل أن يجعل الله لهم الضفادع وغيرها. كما قال تعالى: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ} [الإسراء: 59] أي: وما منعنا الرحمة السابقة غضباً في الأزل أن نسعف ملتمسهم إلا أنا علمنا أنهم لا يؤمنون بها ولا يكذبون بها كما {كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ} [الإسراء: 59] فيقضي السنة التي لا تبديل لها أن تهلك أمتك كما أهلكنا الأولين، وقد سبقت لأمتك منا كرامة لك ألا نعذبهم وأنت فيهم. {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ} [الإسراء: 60] أي: أحاط بما في نفوس الناس من الخير والشر علماً فيعلم ما هو مقتضى كل نفس ولهذا قال: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً} [الإسراء: 60] ولا يزيدهم التخويف إلا الطغيان؛ لأنه تعالى كان عالماً بحال نفوس أهل الشقاوة، منهم أنه صلى الله عليه وسلم إذا قص رؤياه عليهم أنهم يكذبونه، فجوَّز هذا التكذيب في حقهم؛ لأنه لم يكن بعد إرساله آية ملتمسة موجبة لهلاكهم ولم يجوِّزهم التكذيب بعد إرسال الآية الملتمسة الموجبة لهلاكهم فضلاً منه ورحمة. ثم أخبر عن فضل آدم على الملائكة بوجوب السجود بقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ} [الإسراء: 61] إشارة إلى أن آدم عليه السلام كان مستحقاً لسجود الملائكة؛ وذلك لأنه تعالى خلق آدم فتجلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم وكانت السجدة في الحقيقة للحق تعالى، وكان آدم عليه السلام بمثابة الكعبة قبلة السجود فتسجد الملائكة لاستعداد ائتمارهم بأوامر الحق وانتهائهم عن نواهي الحق، كقوله تعالى: {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم: 6] فدل الائتمار بأوامر الحق والانتهاء عن نواهيه عن السعادة الأزلية {إَلاَّ إِبْلِيسَ} [الإسراء: 61] فإنه {أية : أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ} تفسير : [البقرة: 34] فدلت المخالفة والإباء على الشقاوة الأزلية، ومن شقاوة إبليس {قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} [الإسراء: 61] اعتراضاً وعجباً ونكراً فاستحق اللعن والطرد والبعد.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يذكر تعالى رحمته بعدم إنزاله الآيات التي يقترح بها المكذبون، وأنه ما منعه أن يرسلها إلا خوفا من تكذيبهم لها، فإذا كذبوا بها عاجلهم العقاب وحل بهم من غير تأخير كما فعل بالأولين الذين كذبوا بها. ومن أعظم الآيات الآية التي أرسلها الله إلى ثمود وهي الناقة العظيمة الباهرة التي كانت تصدر عنها جميع القبيلة بأجمعها ومع ذلك كذبوا بها فأصابهم ما قص الله علينا في كتابه، وهؤلاء كذلك لو جاءتهم الآيات الكبار لم يؤمنوا، فإنه ما منعهم من الإيمان خفاء ما جاء به الرسول واشتباهه هل هو حق أو باطل؟ فإنه قد جاء من البراهين الكثيرة ما دل على صحة ما جاء به الموجب لهداية من طلب الهداية فغيرها مثلها فلا بد أن يسلكوا بها ما سلكوا بغيرها فترك إنزالها والحالة هذه خير لهم وأنفع. وقوله: { وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا } أي: لم يكن القصد بها أن تكون داعية وموجبة للإيمان الذي لا يحصل إلا بها، بل المقصود منها التخويف والترهيب ليرتدعوا عن ما هم عليه. { وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ } علما وقدرة فليس لهم ملجأ يلجأون إليه ولا ملاذ يلوذون به عنه، وهذا كاف لمن له عقل في الانكفاف عما يكرهه الله الذي أحاط بالناس. { وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً } أكثر المفسرين على أنها ليلة الإسراء. { وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ } التي ذكرت { فِي الْقُرْآنِ } وهي شجرة الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم. والمعنى إذا كان هذان الأمران قد صارا فتنة للناس حتى استلج الكفار بكفرهم وازداد شرهم وبعض من كان إيمانه ضعيفا رجع عنه بسبب أن ما أخبرهم به من الأمور التي كانت ليلة الإسراء ومن الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كان خارقا للعادة. والإخبار بوجود شجرة تنبت في أصل الجحيم أيضا من الخوارق فهذا الذي أوجب لهم التكذيب. فكيف لو شاهدوا الآيات العظيمة والخوارق الجسيمة؟!! أليس ذلك أولى أن يزداد بسببه شرهم؟! فلذلك رحمهم الله وصرفها عنهم، ومن هنا تعلم أن عدم التصريح في الكتاب والسنة بذكر الأمور العظيمة التي حدثت في الأزمنة المتأخرة أولى وأحسن لأن الأمور التي لم يشاهد الناس لها نظيرا ربما لا تقبلها عقولهم لو أخبروا بها قبل وقوعها، فيكون ذلك ريبا في قلوب بعض المؤمنين ومانعا يمنع من لم يدخل الإسلام ومنفرا عنه. بل ذكر الله ألفاظا عامة تتناول جميع ما يكون. { وَنُخَوِّفُهُمْ } بالآيات { فَمَا يَزِيدُهُمْ } التخويف { إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا } وهذا أبلغ ما يكون في التملي بالشر ومحبته وبغض الخير وعدم الانقياد له.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا / ٱلأَوَّلُونَ} [59] 310- أنا زكريا بن يحيى، نا إسحاق، نا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: حديث : سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصَّفا ذهبا وأن يُنحي عنهم الجبال فيزدَرعوا، قال الله عز وجل: "إن شئت آتيناهم ما سألوا فإن كفروا أُهلِكوا كما أُهْلك مَنْ قبلهم، وإن شئت نستأْني بهم لعلنا ننتجُ منهم" فقال: "[لا] بل أستأْني بهم" فأنزل الله هذه الآية: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً} .