Verse. 2089 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

وَاِذْ قُلْنَا لَكَ اِنَّ رَبَّكَ اَحَاطَ بِالنَّاسِ۝۰ۭ وَمَا جَعَلْنَا الرُّءْيَا الَّتِيْۗ اَرَيْنٰكَ اِلَّا فِتْنَۃً لِّلنَّاسِ وَ الشَّجَرَۃَ الْمَلْعُوْنَۃَ فِي الْقُرْاٰنِ۝۰ۭ وَنُخَوِّفُہُمْ۝۰ۙ فَمَا يَزِيْدُہُمْ اِلَّا طُغْيَانًا كَبِيْرًا۝۶۰ۧ
Waith qulna laka inna rabbaka ahata bialnnasi wama jaAAalna alrruya allatee araynaka illa fitnatan lilnnasi waalshshajarata almalAAoonata fee alqurani wanukhawwifuhum fama yazeeduhum illa tughyanan kabeeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اذكر «إذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس» علما وقدرة فهم في قبضته فبلّغهم ولا تخف أحدا فهو يعصمك منهم «وما جعلنا الرؤيا التي أريناك» عيانا ليلة الإسراء «إلا فتنة للناس» أهل مكة إذ كذبوا بها وارتد بعضهم لما أخبرهم بها «والشجرة الملعونة في القرآن» هي الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم جعلناها فتنة لهم إذ قالوا: النار تحرق الشجر فكيف تنبته «ونخوفهم» بها «فما يزيدهم» تخويفنا «إلا طغيانا كبيرا».

60

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ} قال ابن عباس: الناس هنا أهل مكة، وإحاطته بهم إهلاكه إياهم؛ أي أن الله سيهلكهم. وذكره بلفظ الماضي لتحقق كونه. وعنى بهذا الإهلاك الموعود ما جرى يوم بدر ويوم الفتح. وقيل: معنى «أحاط بالناس» أي أحاطت قدرته بهم، فهم في قبضته لا يقدرون على الخروج من مشيئته؛ قاله مجاهد وابن أبي نَجيح. وقال الكلبيّ: المعنى أحاط علمه بالناس. وقيل: المراد عصمته من الناس أن يقتلوه حتى يبلّغ رسالة ربه؛ أي وما أرسلناك عليهم حفيظاً، بل عليك التبليغ، فبلغ بجدّك فإنا نعصمك منهم ونحفظك، فلا تَهَبْهم، وٱمضِ لما آمرك به من تبليغ الرسالة، فقدرتنا محيطة بالكل؛ قال معناه الحسن وعروة وقتادة وغيرهم. قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} لمّا بين أن إنزال آيات القرآن تتضمن التخويف ضَمّ إليه ذكر آية الإسراء، وهي المذكورة في صدر السورة. وفي البخاريّ والترمذيّ عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} قال: هي رؤيا عَيْن أُرِيها النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة أسْرِيَ به إلى بيت المقدس. قال: {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ} هي شجرة الزَّقُّوم. قال أبو عيسى الترمذيّ: هذا حديث صحيح. وبقول ابن عباس قالت عائشة ومعاوية والحسن ومجاهد وقَتادة وسعيد بن جُبير والضحاك وابن أبي نَجيح وابن زيد. وكانت الفتنة ارتدادَ قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه أُسْرِيَ به. وقيل: كانت رؤيا نوم. وهذه الآية تقضي بفساده، وذلك أن رؤيا المنام لا فتنة فيها، وما كان أحد لينكرها. وعن ابن عباس قال: الرؤيا التي في هذه الآية هي رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يدخل مكة في سنة الحُدَيْبِيَة، فَرُدّ فٱفتتن المسلمون لذلك، فنزلت الآية، فلما كان العام المقبل دخلها، وأنزل الله تعالى {أية : لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الفتح: 27]. وفي هذا التأويل ضعف؛ لأن السورة مكية وتلك الرؤيا كانت بالمدينة. وقال في رواية ثالثة: إنه عليه السلام رأى في المنام بني مروان يَنْزُون على منبره نَزْوَ القردَة، فساءه ذلك فقيل: إنما هي الدنيا أعطوها، فسُرِّيَ عنه، وما كان له بمكة منبر ولكنه يجوز أن يرى بمكة رؤيا المنبر بالمدينة. وهذا التأويل الثالث قاله أيضاً سهل بن سعد رضي الله عنه. قال سهل: إنما هذه الرؤيا هي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى بني أمية ينزون على منبره نزو القردة، فٱغتم لذلك، وما استجمع ضاحكاً من يومئذ حتى مات صلى الله عليه وسلم. فنزلت الآية مخبرة أن ذلك من تملكهم وصعودهم يجعلها الله فتنة للناس وامتحاناً. وقرأ الحسن بن عليّ في خطبته في شأن بيعته لمعاوية: {أية : وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [الأنبياء: 111]. قال ٱبن عطية: وفي هذا التأويل نظر، ولا يدخل في هذه الرؤيا عثمان ولا عمر بن عبد العزيز ولا معاوية. قوله تعالى: {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ} فيه تقديم وتأخير؛ أي ما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس. وفتنتُها أنهم لما خُوِّفوا بها قال أبو جهل استهزاء: هذا محمد يتوعّدكم بنار تحرق الحجارة، ثم يزعم أنها تنبت الشجر والنارُ تأكل الشجر، وما نعرف الزقوم إلا التمر والزبد، ثم أمر أبو جهل جاريةً فأحضرت تمراً وزبداً وقال لأصحابه: تزقمّوا. وقد قيل: إن القائل ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد ٱبن الزِّبَعْرَى حيث قال: كثّر الله من الزقوم في داركم؛ فإنه التمر بالزبد بلغة اليمن. وجائز أن يقول كلاهما ذلك. فافتتن أيضاً لهذه المقالة بعض الضعفاء، فأخبر الله تعالى نبيّه عليه السلام أنه إنما جعل الإسراء وذكر شجرة الزقوم فتنة واختباراً ليَكْفر من سبق عليه الكفر ويصدّق من سبق له الإيمان. كما روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قيل له صبيحة الإسراء: إن صاحبك يزعم أنه جاء البارحة من بيت المقدس! فقال: إن كان قال ذلك فقد صدق. فقيل له: أتصدقه قبل أن تسمع منه؟ فقال: أين عقولكم؟ أنا أصدّقه بخبر السماء، فكيف لا أصدقه بخبر بيت المقدس، والسماء أبعد منها بكثير. قلت: ذكر هذا الخبر ٱبن إسحاق، ونصه: «قال كان من الحديث فيما بلغني عن مسراه صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن مسعود وأبي سعيد الخُدْرِيّ وعائشة ومعاوية بن أبي سفيان والحسن بن أبي الحسن وابن شهاب الزُّهْرِيّ وقتادة وغيرهم من أهل العلم وأمّ هانىء بنت أبي طالب، ما اجتمع في هذا الحديث، كُلٌّ يحدّث عن بعض ما ذكر من أمره حين أسري به صلى الله عليه وسلم، وكان في مسراه وما ذكر عنه بلاء وتمحيص وأمر من أمر الله عز وجل في قدرته وسلطانه فيه عبرة لأولي الألباب، وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدّق وكان من أمر الله تعالى على يقين؛ فأسرى به صلى الله عليه وسلم كيف شاء وكما شاء ليُرِيَه من آياته ما أراد، حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم، وقدرته التي يصنع بها ما يريد. وكان عبد الله بن مسعود فيما بلغني عنه يقول: حديث : أُتِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق ـ وهي الدابة التي كانت تُحمل عليها الأنبياء قبله تضع حافرها في منتهى طرفها ـ فحمل عليها، ثم خرج به صاحبه يُري الآيات فيما بين السماء والأرض، حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء قد جُمعوا له فصلّى بهم ثم أُتِيَ بثلاثة آنية: إناء فيه لبن وإناء فيه خمر؛ وإناء فيه ماء. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فسمعت قائلاً يقول حين عُرضت عليّ إن أخذ الماء فغَرِق وغَرِقت أمّته وإن أخذ الخمر فغَوِيَ وغَوَتْ أمته وإن أخذ اللبن فهُدِيَ وهُدِيَتْ أمته قال فأخذت إناء اللبن فشربت فقال لي جبريل هُدِيتَ وهُدِيتْ أمتُك يا محمد».تفسير : قال ابن إسحاق: وحدّثت عن الحسن أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بينما أنا نائم في الحِجْر جاءني جبريل عليه السلام فهمزني بقدمه فجلست فلم أر شيئاً ثم عُدت لمضجَعِي فجاءني الثانية فهمزني بقدمه فجلست فلم أر شيئاً فعدت لمضجَعِي فجاءني الثالثة فهمزني بقدمه فجلست فأخذ بعضدِي فقمت معه فخرج إلى باب المسجد فإذا دابة أبيضُ بين البغل والحمار في فخذيه جناحان يَحْفِز بهما رجليه يضع حافره في منتهى طَرْفه فحملني عليه ثم خرج معي لا يفوتني ولا أفوته».تفسير : قال ابن إسحاق: وحُدثت عن قتادة أنه قال: حُدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لما دنوت منه لأركبه شَمَسَ فوضع جبريل يده على مَعْرَفَته ثم قال ألا تستحي يا بُراق مما تصنع فوالله ما ركبك عبد لله قبل محمد أكرم عليه منه قال فاستحيا حتى أرفض عرقاً ثم قَرّ حتى ركبته».تفسير : قال الحسن في حديثه: فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضى معه (جبريل) حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء، فأمّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلّى بهم ثم أتى بإناءين: في أحدهما خمر وفي الآخر لبن، قال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إناء اللبن فشرب منه وترك إناء الخمر. قال: فقال له جبريل: هُديت الفِطْرة وهُديت أمَّتُك وحُرّمت عليكم الخمر. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فلما أصبح غَدَا على قريش فأخبرهم الخبر، فقال أكثر الناس: هذا والله الأمر البَيّن! والله إن العير لتطّرد شهراً من مكة إلى الشأم، مدبرة شهرا ومقبلةً شهرا، فيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة! قال: فارتد كثير ممن كان أسلم، وذهب الناس إلى أبي بكر فقالوا: هل لك يا أبا بكر في صاحبك! يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس، وصلّى فيه ورجع إلى مكة. قال فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إنكم تكذبون عليه. فقالوا: بلى، ها هوذا في المسجد يحدّث به الناس. فقال أبو بكر: والله إن كان قاله لقد صدق فما يعجّبكم من ذلك! فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدّقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه. ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا نبيّ الله، أحدّثتَ هؤلاء أنك جئت ببيت المقدس هذه الليلة؟ قال «نعم» قال: يا نبيّ الله، فصفه لي فإني قد جئته؟ فقال الحسن: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رفع لي حتى نظرت إليه» فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفه لأبي بكر ويقول أبو بكر رضي الله عنه: صدقت، أشهد أنك رسول الله. كلما وصف له منه شيئاً قال: صدقت، أشهد أنك رسول الله. قال: حتى إذا انتهى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: «وأنت يا أبا بكر الصدّيق» فيومئذٍ سماه الصدّيق. قال الحسن: وأنزل الله تعالى فيمن ارتدّ عن الإسلام لذلك: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً} فهذا حديث الحسن عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما دخل فيه من حديث قتادة. وذكر باقي الإسراء عمن تقدّم في السيرة. وقال ابن عباس: هذه الشجرة بنو أميّة، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم نفى الحَكَم. وهذا قول ضعيف محدَث والسورة مكية، فيبعد هذا التأويل، إلا أن تكون هذه الآية مدنية، ولم يثبت ذلك. وقد قالت عائشة لمروان: لعن الله أباك وأنت في صلبه فأنت بعض من لعنة الله. ثم قال: «والشجرة الملعونة في القرآن» ولم يجز في القرآن لعن هذه الشجرة، ولكن الله لعن الكفار وهم آكلوها. والمعنى: والشجرة الملعونة في القرآن آكلوها. ويمكن أن يكون هذا على قول العرب لكل طعام مكروه ضار: ملعون. وقال ابن عباس: الشجرة الملعونة هي هذه الشجرة التي تلتوي على الشجر فتقتله، يعني الكَشُوث. {وَنُخَوِّفُهُمْ} أي بالزّقوم. {فَمَا يَزِيدُهُمْ} التخويف إلا الكفر.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم محرضاً على إبلاغ رسالته، مخبراً له بأنه قد عصمه من الناس، فإنه القادر عليهم، وهم في قبضته، وتحت قهره وغلبته. قال مجاهد وعروة بن الزبير والحسن وقتادة وغيرهم في قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ} أي: عصمك منهم، وقوله: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِى أَرَيْنَـٰكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} الآية، قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة، عن ابن عباس: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِى أَرَيْنَـٰكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلقُرْءَانِ} شجرة الزقوم، وكذا رواه أحمد وعبد الرزاق وغيرهما عن سفيان بن عيينة به. وكذا رواه العوفي عن ابن عباس. وهكذا فسر ذلك بليلة الإسراء مجاهد وسعيد ابن جبير والحسن ومسروق وإبراهيم وقتادة وعبد الرحمن بن زيد، وغير واحد، وقد تقدمت أحاديث الإسراء في أول السورة مستوفاة ولله الحمد والمنة. وتقدم أن ناساً رجعوا عن دينهم بعد ما كانوا على الحق، لأنه لم تحمل قلوبهم وعقولهم ذلك، فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وجعل الله ذلك ثباتاً ويقينا لآخرين، ولهذا قال: {إِلاَّ فِتْنَةً} أي: اختباراً وامتحاناً، وأما الشجرة الملعونة، فهي شجرة الزقوم؛ كما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى الجنة والنار، ورأى شجرة الزقوم، فكذبوا بذلك، حتى قال أبو جهل عليه لعائن الله: هاتوا لنا تمراً وزبداً، وجعل يأكل من هذا بهذا، ويقول: تزقموا، فلا نعلم الزقوم غير هذا، حكى ذلك ابن عباس ومسروق وأبو مالك والحسن البصري، وغير واحد، وكل من قال إنها ليلة الإسراء، فسره كذلك بشجرة الزقوم. وقيل: المراد بالشجرة الملعونة: بنو أمية، وهو غريب ضعيف. وقال ابن جرير: حدثت عن محمد بن الحسن ابن زبالة، حدثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل ابن سعد، حدثني أبي عن جدي قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني فلان ينزون على منبره نزو القرود، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكاً حتى مات، قال: وأنزل الله في ذلك: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِى أَرَيْنَـٰكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} الآية، وهذا السند ضعيف جداً؛ فإن محمد بن الحسن بن زبالة متروك، وشيخه أيضاً ضعيف بالكلية، ولهذا اختار ابن جرير أن المراد بذلك ليلة الإسراء، وأن الشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم، قال: لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك، أي: في الرؤيا والشجرة، وقوله: {وَنُخَوِّفُهُمْ} أي: الكفار؛ بالوعيد والعذاب والنكال، {فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا} أي: تمادياً فيما هم فيه من الكفر والضلال، وذلك من خذلان الله لهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ } علماً وقدرة فهم في قبضته فبلِّغهم ولا تخف أحداً فهو يعصمك منهم {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِى أَرَيْنَٰكَ } عياناً ليلة الإِسراء {إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ } أهل مكة إذ كذبوا بها وارتدّ بعضهم لما أخبرهم بها {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلقُرْءَانِ } وهي الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم جعلناها فِتنَةً لهم إذ قالوا: النار تحرق الشجر فكيف تنبته؟ {وَنُخَوِّفُهُمْ } بها {فَمَا يَزِيدُهُمْ } تخويفنا {إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وإذا قلنا لك إنّ ربّك أحاط بالناس} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه أحاطت بالناس قدرته فهم في قبضته، قاله مجاهد وابن أبي نجيح. الثاني: أحاط علمه بالناس، قاله الكلبي. الثالث: أنه عصمك من الناس أن يقتلوك حتى تبلغ رسالة ربك، قاله الحسن وعروة وقتادة. {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاّ فتنة للناس} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها رؤيا عين ليلة الإسراء به من مكة إلى بيت المقدس، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والضحاك وابن أبي نجيح وابن زيد، وكانت الفتنة ارتداد قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه أُسريَ به. الثاني: أنها رؤيا نوم رأى فيها أنه يدخل مكة، فعجل النبي صلى الله عليه وسلم قبل الوقت يوم الحيبية، فرجع فقال ناس قد كان قال إنه سيدخلها فكانت رجعته فتنتهم، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. الثالث: أنها رؤيا منام رأى فيها قوماً يعلون على منابره ينزون نزو القردة. فساءه، وهذا قول سهل بن سعد. وقيل إنه ما استجمع ضاحكاً حتى مات صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية. {والشجرة الملعونة في القرآن} فيها أربعة أقاويل: أحدها: أنها شجرة الزقوم طعام الأثيم، وقال الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك وسعيد بن جبير وطاووس وابن زيد. وكانت فتنتهم بها قول أبي جهل وأشياعه: النار تأكل الشجر فكيف تنبتها. الثاني: هي الكشوت التي تلتوي على الشجر، قاله ابن عباس. الثالث: أنهم اليهود تظاهروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأحزاب، قاله ابن بحر. الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في منامه قوماً يصعدون المنابر، فشق عليه، فأنزل الله تعالى {والشجرة الملعونة في القرآن} قاله سعيد بن المسيب. والشجرة كناية عن المرأة، والجماعة أولاد المرأة كالأغصان للشجر.

ابن عطية

تفسير : قال الطبري: معنى قوله: {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس} أي في منعك يا محمد وحياطتك وحفظك، فالآية إخبار له بأنه محفوظ من الكفرة، آمن أن يقتل أو ينال بمكروه عظيم، أي فالتبليغ رسالة ربك، ولا تتهيب أحداً من المخلوقين، وهذا تأويل بيّن جار مع اللفظ، وقد روي نحوه عن الحسن بن أبي الحسن والسدي، إلا أنه لا يناسب ما بعده مناسبة شديدة، ويحتمل أن يجعل الكلام مناسباً لما بعده، توطئة له، فأقول: اختلف الناس في {الرؤيا}، فقال الجمهور: هي رؤيا عين ويقظة، وهي ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء، قالوا: فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة الإسراء بما رأى في تلك الليلة من العجائب، قال الكفار إن هذا لعجيب تحت الحداة إلى بيت المقدس شهرين إقبالاً وإدباراً، ويقول محمد إنه جاءه من ليلة وانصرف منه، فافتتن بهذا التلبيس قوم من ضعفة المسلمين، فارتدوا وشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآيات فعلى هذا، يحسن أن يكون معنى قوله {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس} أي: في إضلالهم وهدايتهم، وأن كل واحد ميسر لما خلق له، أي فلا تهتم أنت بكفر من كفر، ولا تحزن عليهم، فقد قيل لك إن الله محيط بهم مالك لأمرهم، وهو جعل رؤياك هذه فتنة ليكفر من سبق عليه الكفر، وسميت الرؤية في هذا التأويل "رؤيا"، إذ هما مصدران من رأى، وقال النقاش جاء ذلك على اعتقاد من اعتقد أنها منامة وإن كانت الحقيقة غير ذلك. وقالت عائشة {الرؤيا} في الإسراء رؤيا منام، وهذا قول الجمهور على خلافه، وهذه الآية تقضي بفساده، وذلك أن رؤيا المنام لا فتنة فيها، وما كان أحد لينكرها، وقد ذكر هذا مستوعباً في صدر السورة، وقال ابن عباس: {الرؤيا} التي في هذه الآية، هي رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يدخل مكة، فعجل في سنة الحديبية فرد، فافتتن المسلمون بذلك، فنزلت الآيات، وقال سهل بن سعد: إنما هذه "الرؤيا" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى بني أمية ينزون على منبره نزو القردة، فاهتم لذلك وما استجمع ضاحكاً من يومئذ حتى مات، فنزلت الآية مخبرة أن ذلك من ملكهم وصعودهم المنابر، إنما يجعلها الله فتنة للناس وامتحاناً، ويجيء قوله {أحاط بالناس} أي بأقداره، وأن كل ما قدره نافذ، فلا تهتم بما يكون بعدك من ذلك وقد قال الحسن بن علي، في خطبته في شأن بيعته لمعاوية {أية : وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين} تفسير : [الأنبياء: 111]، وفي هذا التأويل نظر، ولا يدخل في هذه "الرؤيا" عثمان بن عفان، ولا عمر بن عبد العزيز، ولا معاوية، وقوله {والشجرة الملعونة في القرآن}: معطوفة على قوله {الرؤيا}، أي جعلنا الرؤيا والشجرة فتنة {والشجرة} هنا في قول الجمهور هي شجرة الزقوم، وذلك أن أمرها لما نزل في سورة الصافات قال أبو جهل وغيره هذا محمد يتوعدكم بنار تحرق الحجارة، ثم يزعم أنها تنبت الشجر، والنار تأكل الشجر وما نعرف الزقوم إلا التمر بالزبد، ثم أمر أبو جهل جارية له، فأحضرت تمراً وزبداً وقال لأصحابه تزقموا، فافتتن أيضاً بهذه المقالة بعض الضعفاء، فأخبر الله نبيه أنه إنما جعل الإسراء وذكر شجرة الزقوم فتنة واختباراً ليكفر من سبق عليه الكفر، ويصدق من سبق له الإيمان، كما روي أن أبا بكر الصديق، قيل له، صبيحة الإسراء إن صاحبك يزعم أنه جاء البارحة بيت المقدس وانصرف منه فقال إن كان قال ذلك فلقد صدق، فقيل له: أتصدقه قبل أن تسمع منه، قال: أين عقولكم، أنا أصدقه بخبر السماء فكيف لا أصدقه بخبر بيت المقدس والسماء أبعد منها بكثير. وقالت فرقة: {والشجرة}: إشارة إلى القوم المذكورين قبل في {الرؤيا}. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف محدث، وليس هذا عن سهل بن سعد، ولا مثله، وقال الطبري عن ابن عباس: إن {الشجرة الملعونة} يريد الملعون آكلها، لأنها لم يجر لها ذكر. قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يريد {الملعونة}، هنا فأكد الأمر بقوله {في القرآن} وقالت فرقة: {الملعونة}، المبعدة المكروهة، وهذا أراد لأنها لعنها بلفظ اللعنة المتعارف، وهذا قريب في المعنى من الذي قبله، وأيضاً فما ينبت في أصل الجحيم، فهو في نهاية البعد من رحمة الله، وقوله {ونخوفهم} يريد: إما كفار مكة، وإما الملوك من بني أمية بعد الخلافة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم، "حديث : الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً عضوضاً" تفسير : والأول منها أصوب كما قلنا قبل، وقوله {فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً} يريد كفرهم وانتهاكهم فيه كقول أبي جهل في الزقوم والتزقم، فقد قال النقاش إن في ذلك نزلت، وفي نحوه وقرأ الأعمش "ويخوفهم" وقرأ الجمهور و"ونخوفهم" بالنون.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَحَاطَ} علم، أو عصمك منهم أن يقتلوك حتى تبلغ الرسالة أو أحاطت بهم قدرته فهم في قبضته. {فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} لما أخبرهم أنه أُسري به إلى بيت المقدس رؤيا عين ارتد جماعة من المسلمين افتتاناً بذلك، أو رأى في النوم أنه يدخل مكة فلما رجع عام الحديبية افتُتن قوم برجوعه، أو رأى قوماً ينزون على منابره نزوان القردة فساءه ذلك قاله سهل بن سعد {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ} شجرة الزقوم طعام الأثيم. افتتنوا بها فقال أبو جهل وشيعته: النار تأكل الشجر فكيف تنبته، أو هي الكشوث الذي يلتوي على الشجر "ع".

النسفي

تفسير : {وَإذا قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءيَا ٱلَّتِى أَرَيْنَـٰكَ إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ } واذكر إذ أوحينا إليك أن ربك أحاط بقريش علماً وقدرة فكلهم في قبضته، فلا تبال بهم وامض لأمرك وبلغ ما أرسلت به، أو بشرناك بوقعة بدر وبالنصرة عليهم وذلك قوله: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ }[القمر: 45] {أية : قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ }تفسير : [آل عمران: 12] فجعله كأن قد كان ووجد فقال: أحاط بالناس على سنته في إخباره، ولعل الله تعالى أراه مصارعهم في منامه فقد كان يقول حين ورد ماء بدر: «حديث : والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم»تفسير : وهو يومىء إلى الأرض ويقول: «حديث : هذا مصرع فلان»تفسير : فتسامعت قريشاً بما أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر بدر وما أري في منامه من مصارعهم فكانوا يضحكون ويسخرون ويستعجلون به استهزاء. {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلقُرْءانِ } أي وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس، فإنهم حين سمعوا بقوله:{أية : إن شجرة الزقوم طعام الأثيم}تفسير : [الدخان: 43] جعلوها سخرية وقالوا: إن محمداً يزعم أن الجحيم تحرق الحجارة، ثم يقول: تنبت فيها الشجرة وما قدروا الله حق قدره إذا قالوا ذلك فإنه لا يمتنع أن يجعل الله الشجرة من جنس لا تأكله النار فوبر السمندل ــ وهو دويبة ببلاد الترك ــ يتخذ منه مناديل إذا اتسخت طرحت في النار، فذهب الوسخ وبقي المنديل سالماً لا تعمل فيه النار وترى النعامة تبتلع الجمر فلا يضرها، وخلق في كل شجرة ناراً فلا تحرقها، فجاز أن يخلق في النار شجرة لا تحرقها. والمعنى أن الآيات إنما ترسل تخويفاً للعباد، وهؤلاء قد خوفوا بعذاب الدنيا ــ وهو القتل يوم بدر ــ وخوفوا بعذاب الآخرة وبشجرة الزقوم فما أثر فيهم. ثم قال: {وَنُخَوّفُهُمْ } أي بمخاوف الدنيا والآخرة {فَمَا يَزِيدُهُمْ } التخويف {إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا } فكيف يخاف قوم هذه حالهم بإرسال ما يقترحون من الآيات؟ وقيل: الرؤيا هي الإسراء، والفتنة ارتداد من استعظم ذلك وبه تعلق من يقول: كان الإسراء في المنام، ومن قال: كان في اليقظة فسر الرؤيا بالرؤية. وإنما سماها رؤيا على قول المكذبين حيث قالوا له لعلها رؤيا رأيتها استبعاداً منهم كما سمى أشياء بأساميها عند الكفرة كقوله {أية : فَرَاغَ إِلَىٰ ءالِهَتِهِمْ} تفسير : [الصافات:91] {أية : أَيْنَ شُرَكَائِىَ }تفسير : [النحل: 27] أو هي رؤيا أنه سيدخل مكة، والفتنة الصد بالحديبية. فإن قلت: ليس في القرآن ذكر لعن شجرة الزقوم. قلت: معناه: والشجرة الملعون آكلها وهم الكفرة لأنه قال {أية : ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضَّالُّونَ ٱلْمُكَذّبُونَ * لاَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مّن زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ }تفسير : [الواقعة:53،52] فوصفت بلعن أهلها على المجاز، ولأن العرب تقول: لكل طعام مكروه ضار ملعون، ولأن اللعن هو الإبعاد من الرحمة وهي في أصل الجحيم في أبعد مكان من الرحمة.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ} هذه الآيةُ إِخبار للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه محفوظٌ من الكَفَرة آمِنٌ، أي: فَلْتُبْلِّغْ رسالةَ ربِّك، ولا تتهَّيب أحداً من المخلوقين؛ قاله الطبريُّ؛ ونحوه للحَسَن والسُّدِّيِّ. وقوله سبحانه: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَـٰكَ...} الآية: الجمهورُ أنَّ هذه الرؤيا رْؤَيا عينٍ ويقظةٍ، وذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لما كان صَبِيحَةَ الإِسراء، وأخبر بما رأى في تلك الليلة من العجائب، قال الكفَّار: إِن هذا لعجب، وٱستبعدوا ذلك؛ فٱفْتُتِنَ بهذا قومٌ من ضَعَفَةِ المسلمين؛ فٱرتدُّوا؛ وشقَّ ذلك على النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فنزلَتْ هذه الآية؛ فعلى هذا يحسُنْ أنْ يكون معنى قوله: {أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ} في إِضلالهم وهدايتهم، أي: فلا تهتمَّ، يا محمَّد، بكُفْر من كفر، وقال ابن عباس: الرؤيا في هذه الآية هي رؤيا النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه يدخُلُ مكَّة، فعجَّل في سنة الحُدَيْبِيَة، فَصُدَّ فٱفَتُتِنَ المسلمون لذلك، يعني بعَضهم، وليس بفتْنَة كُفْر. وقوله: {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ} معطوفة على قوله: {ٱلرُّءْيَا }، أي جعلنا الرؤيا والشَّجرةَ فتنةً {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ}؛ في قول الجمهورِ: هي شجرةٌ الزَّقُّوم، وذلك أن أمرها لما نَزَلَ في سورة «والصَّافَّات» قال أبو جَهْل وغيره: هذا محمَّد يتوعَّدكم بنَارٍ تَحْرِقُ الحِجَارة، ثم يزعُمُ أنها تُنْبِتُ الشجَرَ، والنار تأكلُ الشجَر، وما نعرفُ الزَّقُّوم إِلا التمر بالزُّبْد، ثم أحضر تمراً وزُبْداً، وقال لأصحابه، تَزقَّمُوا، فٱفتُتِنَ أيضاً بهذه المقالةِ بعْضُ الضعفاء، قال الطبري عن ابن عباس: أن الشجرة الملعونَةَ، يرُيد المعلونَ أُكُلُهَا؛ لأنها لم يَجْرِ لها ذكر. قال * ع * ويصحُّ أَن يريد الملعونَةِ هنا، فأكَّد الأمر بقوله: {فِي ٱلقُرْآنِ}، وقالت فرقة: {ٱلْمَلْعُونَةَ }، أي: المُبْعَدَة المكْروهة، وهذا قريب في المعنى من الذي قبله، ولا شك أن ما ينبت في أصْل الجحيمِ هو في نهاية البُعْدِ من رحمة الله سبحانه. وقوله سبحانه: {وَنُخَوِّفُهُمْ } يريد كفَّار مكَّة. وقوله: {أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} الكافُ في «أَرَأَيْتَكَ» هي كافُ خطابٍ ومبالغةٍ في التنبّه، لا موضعَ لها من الإِعراب، فهي زائدةٌ، ومعنى «أَرأَيْتَ»: أتأملت ونحوه، كأنَّ المخاطِبَ بها ينبِّه المخاطَبَ ليستَجْمِعَ لما ينصُّه بعْدُ. وقوله: {لأَحْتَنِكَنَّ} معناه لأُمِيلَنَّ ولأَجُرَّنَّ، وهو مأخوذ من تَحْنِيكِ الدابَّة، وهو أن يشدَّ على حَنَكِها بحَبْل أو غيره، فتقاد، والسَّنةُ تَحْتَنِكُ المالَ، أي: تجتره، وقال الطبري «لأحتنكَنَّ» معناه لأستأصلنَّ، وعن ابن عباس: لأستولين، وقال ابن زيد: لأُضِلَّنَّ. قال * ع * وهذا بدلُ اللفظ، لا تفسير. وقوله: {ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ}، وما بعده من الأوامر: هي صيغةُ «افْعَلْ» بمعنى التهديد، كقوله تعالى: { أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ } تفسير : [فصلت:40] «الموفور»، المُكْمَل، {وَٱسْتَفْزِزْ} معناه: ٱستخِفَّ وٱخدَعْ، وقوله: {بِصَوْتِكَ }: قيل: هو الغِنَاء والمزامير والمَلاَهي، لأنها أصواتٌ كلُّها مختصة بالمعاصي، فهي مضافةٌ إِلى الشيطانِ، قاله مجاهد، وقيل: بدعائك إِياهم إِلى طاعتك. قال ابن عباس: صوته دعاءُ كُلِّ مَنْ دعا إِلى معصيةِ اللَّه، والصوابُ أنْ يكون الصوتُ يعمُّ جميع ذلك. وقوله: {وَأَجْلِبْ }، أي: هوِّل، و«الجَلَبة» الصوتُ الكثير المختلِطُ الهائل. وقوله: {بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} قيل: هذا مجازٌ وٱستعارة بمعنى اسع سعيك، وابلغ جهدك، وقيل: حقيقة وإنَّ له خيلاً ورَجُلاً من الجنِّ، قاله قتادة، وقيل: المراد فرسان الناس، ورجالتهم المتصرِّفون في الباطل، فإِنهم كلهم أعوان لإِبليس على غيرهم؛ قاله مجاهد. {وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَٰلِ وَٱلأَوْلَـٰدِ } عامٌّ لكل معصية يصنعها الناس بالمال، ولكلِّ ما يصنع في أمر الذرِّية من المعاصي، كالإيلاد بالزنا وكتسميتهم عَبْدَ شَمْس، وأبا الكُوَيْفِر، وعَبْدَ الحارِثِ، وكلَّ اسْمٍ مكروه؛ ومن ذلك: وأد البنات؛ ومن ذلك: صبغهم في أديان الكفر، وغير هذا، وما أدخله النَّقَّاش من وطْء الجنِّ، وأنه يُحْبِلُ المرأة من الإِنسِ، فضعيفٌ كلُّه. * ت *: أما ما ذكره من الحبل، فلا شك في ضَعْفه، وفسادِ قولِ ناقله، ولم أر في ذلك حديثاً لا صحيحاً ولا سقيماً، ولو أمكن أنْ يكون الحَبَلُ من الجنِّ، كما زعم ناقله، لكان ذلك شُبْهَةً يدرأُ بها الحَدُّ عمَّن ظهر بها حَبَلٌ من النساء اللواتِي لا أزواج لهنَّ؛ لٱحتمال أنْ يكون حَبَلُها من الجنِّ؛ كما زعم هذا القائلُ، وهو باطلٌ، وأما ما ذكره من الوطء، فقد قيل ذلك؛ وظواهر الأحاديث تدلُّ عليه، وقد خرَّج البخاريُّ ومسلم وأبو داود والترمذيُّ والنسائي وابن ماجه، عن ابن عبَّاس، قال: قَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : لَوْ أنَّ أحَدَكُمْ إِذَا أرَادَ أنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وجَنّب الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ في ذَلِكَ، لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبداً » تفسير : فظاهر قوله عليه السلام: « اللَّهُمَّ، جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبَ الشَّيْطَانَ مَا رَزقتنا » - يقتضي أنَّ لهذا اللعين مشاركةً مَّا في هذا الشأنِ، وقد سمعتُ من شيخنا أبي الحسن عليِّ بن عِثمانَ الزَّواويِّ المَانْجَلاَتِيِّ سَيِّدِ علماء بِجَايَةَ في وقَتْه، قال: حدَّثني بعضُ الناس ممَّن يوثَقُ به يخبر عن زوجته؛ أنها تجدُ هذا الأمْرَ، قال المخبِرُ: وأصْغَيْتُ إِلى ما أخبرت به الزوجَةُ، فسمعتُ حِسَّ ذلك الشىءِ، واللَّه أعلم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ} الآية. اعلم أنَّ القوم، لمَّا طالبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعجزاتِ القاهرة، وأجاب الله بأنَّ إظهارها ليس بمصلحةٍ، صار ذلك سبباً لجرأة أولئك الكفار بالطَّعن فيه، وأن يقولوا له: لو كنت رسُولاً حقًّا من عند الله تعالى، لأتيت بهذه المعجزات التي اقترحناها، كما أتى به موسى وغيره من الأنبياء - صلوات الله عليهم-، فعند هذا قوَّى الله قلبه، وبيَّن له أنَّه ينصرهُ، ويؤيِّده، فقال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ} أي: هم في قبضته لا يقدرون على الخروج عن مشيئته، فهو حافظك منهم، فلا تهبهم، وامضِ لما أمرك به من تبليغ الرِّسالة، كقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 67]. وقيل: المراد بالنَّاسِ أهلُ مكَّة، وإحاطة الله بهم هو أنَّه تعالى يفتحها للمؤمنين؛ فيكون المعنى: وإذ بشَّرناكَ بأنَّ الله أحَاطَ بأهل مكَّة؛ بمعنى أنَّه ينصرك، ويظهر دولتك عليهم؛ كقوله تعالى: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}تفسير : [القمر: 45] وقوله: {أية : قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ} تفسير : [آل عمران: 12]، ولما كان كلّ ما أخبر الله عن وقوعه، فهو واجبُ الوقوع، فكان من هذا الاعتبار كالواقع، فلا جرم قال: {أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ}. حديث : وروي أنَّه لما تزاحف الفريقانِ يوم بدرٍ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريشِ، مع أبي بكرٍ - رضي الله عنه - كان يدعُو، ويقول: اللَّهُمَّ، إنِّي أسألك عهدك ووعدك لي، ثمَّ خرج، وعليه الدِّرْع يحرضُ النَّاس ويقول: {سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}تفسير : [القمر: 45]. ثم قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ}. والأكثرون على أنَّ المراد منه ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراجِ من العجائب والآيات. قال ابن عباسٍ: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قولُ سعيد بن جبيرٍ، والحسن، ومسروقٍ، وقتادة، ومجاهد، وعكرمة، وابن جريحٍ والأكثرين. ولا فرق بين الرُّؤية والرُّؤيا في اللغة، يقال: رأيتُ بعيني رؤية ورُؤيا. وقال بعضهم: هذا يدلُّ على أن قصَّة الإسراء إنما حصلت في المنامِ، وتقدَّم بيان ضعف هذا في أوَّل السورة، وقيل: إنَّه تعالى أراه في المنام مصارعَ قريشٍ، فحين ورد ماء بدر، قال: والله، لكَأنِّي أنظر إلى مصارع القومِ، ثمَّ أخَذ يقول: هذا مصرعُ فلانٍ، هذا مصرعُ فلانٍ، فلما سمعوا قريش ذلك، جعلوا رؤياه سخرية، وكانوا يستعجلون بما وعده رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: المراد رؤياه التي رآها؛ أنَّه يدخل مكَّة، وأخبر بذلك أصحابه، وعجل السَّير قبل الأجل إلى مكة فصدَّه المشركون، فرجع إلى المدينة، فلما منع عن البيت الحرام عام الحديبية، ورجع، كان ذلك فتنة لبعض القوم، وقال عمر لأبي بكرٍ - رضي الله عنهما -: أليس قد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّا ندخلُ البيت ونطوف به؟ فقال أبو بكرٍ - رضي الله عنه -: إنَّه لم يخبر بأنّا نفعل ذلك في هذه السَّنة، فسنفعل ذلك في سنةٍ أخرى، فلمَّا جاء العام المقبل، دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله تعالى: {أية : لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الفتح: 27] واعترضُوا على هذين القولين بأنَّ هذه السورة مكيَّة، وهاتان الواقعتان مدنيتان، وهو اعتراضٌ ضعيفٌ؛ لأن هاتين الوقعتين، وإن كانتا مدنيتين، فرؤيتهما في المنام لا تبعد أن تكون مكيَّة. وقال سعيد بن المسيَّب: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أميَّة ينزون على منبره، [نَزْوَ القردة]، فساءه ذلك، وهو قول ابن عبَّاس في رواية عطاء، وفيه الاعتراض المذكور؛ لأنَّ هذه الآية مكيَّة، وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكَّة منبرٌ. ويمكنُ أن يجاب عنه بأنَّه لا يبعد أن يرى بمكة أنَّ له بالمدينة منبراً يتداوله بنُو أميَّة. قوله: "والشَّجرةَ": العامة على نصبها نسقاً على "الرُّؤيا" و "المَلعُونَة" نعتٌ، قيل هو مجازٌ؛ إذ المراد: الملعون طاعموها؛ لأن الشجرة لا ذنب لها، وهي شجرةُ الزقُّوم، وقيل: بل على الحقيقة، ولعنها: إبعادها من رحمة الله؛ لأنَّها تخرج في أصلِ الجحيم، وقرأ زيد بن عليٍّ برفعها على الابتداء، وفي الخبر احتمالان: أحدهما: هو محذوفٌ، أي: فتنة. والثاني: - قاله أبو البقاء - أنه قوله "في القُرآنِ" وليس بذاك. فصل قال المفسِّرون: هذا على التَّقديم والتَّأخير، والتقدير: وما جعلنا الرؤيا الَّتي أريناك والشَّجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للنَّاس. وقيل: المعنى: والشجرة الملعُونة في القرآن كذلك، وهي شجرة الزقُّوم، والفتنة في الشجرة الملعونة من وجهين: الأول: أن ابا جهلٍ، قال: زعم صاحبكم أنَّ نار جهنَّم تحرق الحجر، حيث قال تعالى: {أية : وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} تفسير : [البقرة: 24] ثم يقول: إنَّ في النَّار شجراً، والنَّار تأكلُ الشَّجر، فكيف تولَّد فيها الشَّجرُ. والثاني: قال ابنُ الزبعرى: إن محمداً يخوفنا بالزقُّوم، وما نعلم الزقُّوم إلاَّ التَّمر والزُّبد، فتزقَّموا منه، فأنزل الله تعالى حين عجبوا أن يكون في النار شجر {أية : إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ} تفسير : [الصافات: 63]. فإن قيل: ليس في القرآنِ لعن هذه الشجرة. فالجواب من وجوهٍ: الأول: المراد لعن الكفَّار الذين يأكلونها. الثاني: أنَّ العرب تقول لكلِّ طعام ضارٍّ: إنَّه ملعونٌ. الثالث: أنَّ اللَّعن في اللغة: هو الإبعاد، فلما كانت هذه الشجرةُ مبعدة عن صفات الخير، سمِّيت ملعونة. وقال ابن عبَّاس - رضي الله عنه -: الشجرة الملعونةُ في القرآن: بنو أميَّة، يعني: الحكم بن أبي العاص، قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنامِ أنَّ ولد مروان يتداولون منبرهُ، فقصَّ رؤياه على أبي بكرٍ وعمر - رضي الله عنهما - في خلوة من مجلسه، فلمَّا تفرَّقُوا، سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم يخبر برؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتدَّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم واتَّهم عمر في إفشاء سرِّه، ثم ظهر لهُ أنَّ الحكم كان يستمعُ إليهم، فنفاهُ صلى الله عليه وسلم. قال الواحديُّ - رحمه الله -: هذه القصَّة كانت في المدينة، والسورة [مكية]، فيبعد هذا التفسير، إلاَّ أن يقال: هذه الآية مدنية، ولم يقل به أحدٌ، ويؤكِّد هذا التَّأويل قول عائشة - رضي الله تعالى عنها - لمروان: لعن الله أباك، وأنت في صلبه، فأنت بعض من لعنة الله. وقيل: الشجرة الملعونة في القرآن هم اليهود؛ لقوله تعالى: {أية : لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [المائدة: 78]. وقيل: الشَّجرة الملعونة هي الَّتي تلتوي على الشَّجر، فتخنقه، يعني "الكشوث". فإن قيل: إنَّ القوم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الإتيان بالمعجزاتِ القاهرة، فأجاب بأنَّه لا مصلحة في إظهارها؛ لأنَّها لو ظهرت، ولم يؤمنوا، نزل عليهم عذاب الاستئصال، وذلك غير جائزٍ، فأيُّ تعلقٍ لهذا الكلام بذكرِ الرؤيا التي صارت فتنة للنَّاس وبذكر الشجرة [التي صارت فتنة للنَّاس]. فالجواب: أنَّ التقدير كأنَّه قيل: إنَّهم لما طلبوا هذه المعجزات، ثم إنَّك لم تظهرها، صار عدم ظهورها شبهة لهم في أنَّك لست بصادق في دعوى النبوَّة، إلاَّ أنَّ وقوع هذه الشبهة لا يضيق صدرك، ولا يوهنُ أمرك، ولا يصير سبباً لضعف حالك؛ ألا ترى أنَّ تلك الرؤيا صارت سبباً لوقوع الشبهة العظيمة عندهم، ثم إنَّ قوة تلك الشبهات ما أوجبت ضعفاً في أمرك، فكذلك هذه الشبهة الحاصلة بسبب عدم ظهور هذه المعجزات لا يوجبُ فتوراً في حالك، ولا ضعفاً في أمرك. ثم قال تعالى: {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ} أي التخويف {إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً}، أي: تمرُّداً وعتُواً عظيماً، والمقصود من ذلك وجهٌ آخر في أنَّه ما أظهر المعجزات التي اقترحوها؛ لأنَّ هؤلاء خوفوا بأشياء كثيرة من الدنيا والآخرة، وبشجرة الزَّقوم، فما زادهم هذا التخويفُ إلاَّ طغياناً كبيراً؛ وذلك يدلُّ على قسوة قلوبهم، وتماديهم في الغيِّ والطُّغيان. وإذا كان كذلك فبتقدير أن يظهر الله لهم تلك المعجزات التي اقترحوها، لم ينتفعوا بها، ولم يزدادوا إلاَّ تمادياً في الجهل والعناد، وإذا كان كذلك، وجب في الحكمة ألاَّ يظهر الله لهم ما اقترحوه من الآيات والمعجزات. قرأ العامة "ونُخوِّفهُم" بنون العظمة، والأعمش بياء الغيبة.

ابو السعود

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ} أي علماً كما نقله الإمامُ الثعلبـيُّ عن ابن عباس رضي الله عنهما فلا يخفى عليه شيءٌ من أفعالهم الماضيةِ والمستقبلة من الكفر والتكذيبِ، وفي قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءيَا ٱلَّتِى أَرَيْنَـٰكَ إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ} إلى آخر الآية تنبـيهٌ على تحققها بالاستدلال عليها بما صدَر عنهم عند مجيءِ بعض الآياتِ لاشتراك الكلِّ في كونها أموراً خارقةً للعادات منزّلةً من جانب الله على النبـي عليه الصلاة والسلام، فتكذيبُهم لبعضها مستلزمٌ لتكذيب الباقي كما أن تكذيبَ الآخرين بغير المقترَحة يدل على تكذيبهم بالآيات المقترَحة، والمرادُ بالرؤيا ما عاينه عليه الصلاة والسلام ليلةَ المِعراج من عجائب الأرضِ والسماءِ حسبما ذُكر في فاتحة السورةِ الكريمة، والتعبـيرُ عن ذلك بالرؤيا إما لأنه لا فرقَ بـينها وبـين الرؤيةِ، أو لأنها وقعت بالليل، أو لأن الكفرةَ قالوا: لعلها رؤيا، أي وما جعلنا الرؤيا التي أريناكها عِياناً ـ مع كونها آيةً عظيمةً وأيةَ آيةٍ حقيقةٍ بأن لا يتلعثم في تصديقها أحدٌ ممن له أدنى بصيرةٍ ـ إلا فتنةً افتُتن بها الناسُ حتى ارتد بعضهم {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِى ٱلقُرْءانِ} عطف على الرؤيا، والمرادُ بلعنها فيه لعنُ طاعمِها على الإسناد المجازيِّ أو إبعادُها عن الرحمة فإنها تنبُت في أصل الجحيم في أبعدِ مكان من الرحمة، أي وما جعلناها إلا فتنةً لهم حيث أنكروا ذلك وقالوا: إن محمداً يزعُم أن الجحيمَ يحرُق الحجارةَ، ثم يقول: « حديث : ينبُت فيها الشجرُ »تفسير : ، ولقد ضلوا في ذلك ضلالاً بعيداً حيث كابروا قضيةَ عقولهم فإنهم يرَوْن النعامةَ تبتلع الجمْرَ وقِطعَ الحديد المحمّاةَ فلا تضرّها، ويشاهدون المناديلَ المتخَذةَ من وبْر السمندر تُلقى في النار فلا تؤثر فيها ويرَون أن في كل شجر ناراً، وقرىء بالرفع على حذف الخبر كأنه قيل: والشجرةُ الملعونةُ في القرآن كذلك. {وَنُخَوّفُهُمْ} بذلك وبنظائرها من الآيات فإن الكلَّ للتخويف، وإيثارُ صيغةِ الاستقبال للدِلالة على التجدد والاستمرارِ فما يزيدهم التخويفُ {إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا} متجاوزاً عن الحد فلو أُرسلنا بما اقترحوه من الآيات لفعلوا بها ما فعلوا بنظائرها، وفُعل بهم ما فعل بأشياعهم وقد قضينا بتأخير العقوبةِ العامة لهذه الأمةِ إلى الطامة الكبرى. هذا هو الذي يستدعيه النظمُ الكريمُ وقد حمل أكثرُ المفسرين الإحاطةَ على الإحاطة بالقدرة تسليةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما عسى يعتريه من عدم الإجابةِ إلى إنزال الآياتِ التي اقترحوها لأن إنزالها ليس بمصلحة من نوع حزنٍ من طعْن الكفرةِ حيث كانوا يقولون: لو كنتَ رسولاً حقاً لأتيت بهذه المعجزات كما أتى بها موسى وغيرُه من الأنبـياء عليهم الصلاة والسلام، فكأنه قيل: اذكر وقتَ قولِنا لك: إن ربك اللطيفَ بك قد أحاط بالناس فهم في قبضة قدرتِه لا يقدرون على الخروج من مشيئته فهو يحفَظُك منهم فلا تهتمَّ بهم وامضِ لما أمرتُك به من تبليغ الرسالةِ، ألا ترى أن الرؤيا التي أريناك من قبلُ جعلناها فتنةً للناس مُورثةً للشبهة مع أنها ما أورثت ضَعفاً لأمرك وفتوراً في حالك، وقد فُسر الإحاطةُ بإهلاك قريشٍ يوم بدر، وإنما عبر عنه بالماضي مع كونه منتظَراً حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: { أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر، الآية 45] وقوله تعالى: { أية : قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ} تفسير : [آل عمران، الآية 12] وغيرُ ذلك جرياً على عادته سبحانه في أخباره، وأُوّلت الرؤيا بما رآه عليه الصلاة والسلام في المنام من مصارعهم. لما رُوي حديث : أنه عليه الصلاة والسلام لما ورد ماءَ بدرٍ قال: «والله لكأني أنظرُ إلى مصارع القوم ـ وهو يومىء إلى الأرض ـ هذا مصرَعُ فلان وهذا مصرعُ فلان» تفسير : فتسامعت به قريش فاستسخروا منه، وبما رآه عليه الصلاة والسلام أنه سيدخل مكةَ وأخبر به أصحابَه فتوجه إليها فصده المشركون عامَ الحديبـية واعتذر عن كون ما ذكر مدنياً بأنه يجوز أن يكون الوحيُ بإهلاكهم، وكذا الرؤيا واقعاً بمكة وذكرُ الرؤيا وتعيـينُ المَصارعِ واقعَين بعد الهجرة. وأنت خبـيرٌ بأنه يلزم منه أن يكون افتتانُ الناسِ بذلك واقعاً بعد الهجرة وأن يكون ازديادُهم طغياناً متوقعاً غيرَ واقعٍ عند نزول الآية، وقد قيل: الرؤيا ما رآه عليه الصلاة والسلام في وقعة بدر من مضمون قوله تعالى: { أية : إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ} تفسير : [الأنفال: 43] ولا ريب في أن تلك الرؤيا مع وقوعها في المدينة ما جُعلت فتنة للناس.

القشيري

تفسير : الإيمانُ بما خَصَصْنَاكَ به امتحان لهم وتكليفٌ، ليتميزَ الصادقُ من المنافقِ، والمؤمنُ من الجاحد؛ فالذين تَدَارَكَتْهُم الحمايةُ وقفوا وثبتوا، وصَدَّقوا بما قيل لهم وحققوا. وأما الذين خَامَر الشكُّ قلوبَهم، ولم تباشِرْ خلاصةُ التوحيد أسرارَهم، فما إزدادوا بما امتُحِنُوا به إلا تحيُّراً وضلالاً وَتَبَلُّداً.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ قلنا لك} واذكر اذ اوحينا اليك {ان ربك احاط بالناس} اى علما وقدرة فهم فى قبضته فامض لامرك ولا تخف احدا. قال بعض الكبار احاطة الله سبحانه عند العارفين بالموجودات كلها عبارة عن تجليه بصورة الموجودات فهو سبحانه باحدية جميع اسمائه سار فى الموجودات كلها ذاتا وحياة وعلما وقدرة الى غير ذلك من الصفات والمراد باحاطته تعالى هذه السراية ولا يعزب عنه ذرة فىالسموات والارض وكل ما يعزب عنه يلتحق بالعدم وقالوا هذه الاحاطة ليست كاحاطة الظرف بالمظروف ولا كاحاطة الكل بأجزاءه بل كاحاطة الملزوم بلازمه فان التعينات اللاحقة لذاته الملطقة انما هى لوازم له بواسطة او بغير واسطة وبشرط او بغير شرط ولا تقدح كثرة اللوازم فى وحدة الملزوم ولا تنافيها {وما جعلنا الرؤيا التى اريناك الا فتنة للناس} المراد بالرؤيا ما عاينه عليه السلام ليلة المعراج من عجائب الارض والسماء والتعبير عن ذلك بالرؤيا اما لانه لا فرق بينه وبين الرؤية كما فى الكواشى الرؤيا تكون نوما ويقظة كالرؤية اولانها وقعت بالليل ونقضت بالسرعة كأنها منام او لان الكفرة قالوا لعلها رؤيا فتسميتها رؤيا على قول المكذبين. قال فى الحواشى السعدية قد يقال تسميتها رؤيا على وجه التشبيه والاستعارة لما فيها من الخوارق التى هى بالمنام اليق فى مجارى العادات انتهى. اى وما جعلنا الرؤيا التى اريناكها ليلة الاسراء عيانا مع كونها آية عظيمة حقيقة بان لا يتلعثم فى تصديقها احد ممن له ادنى بصيرة الا فتنة افتتن بها الناس حتى ارتد بعضهم {والشجرة الملعونة فى القرآن} عطف على الرؤيا والمراد بلعنها فيه لعن طاعمها على الاسناد المجازى او ابعادها عن الرحمة فان تلك الشجرة التى هى الزقوم تنبت فى اصل الجحيم فى ابعد مكان من الرحمة اى وما جعلناها الا فتنة لهم حيث انكروا ذلك وقالوا ان محمدا يزعم الجحيم تحرق الحجارة ثم يقول ينبت فيها الشجرة ولقد ضلوا فى ذلك ضلالا بعيدا حيث كابروا قضية عقولهم فانهم يرون النعامة تبتلع الجمر وقطع الحديد المحماة فلا يضرها ويشاهدون المناديل المتخذة من وبر السمندل تلقى فى النار ولا تؤثر فيها. قال الكاشفى [وعجب ازايشان بودكه ازدرخت سبزآتش ميكر فتند كما قال تعالى {أية : جعل لكم من الشجرة الاخضر نارا}تفسير : وهيج فكر نمى كردندكه آتش در درخت وديعت نهد جه عجب كه درخت درآتش بروياند] وهو المرخ والعفار يوجدان فى اغلب بوادى العرب يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما اخضران يقطر منهما الماء فيسحق المرخ وهو ذكر على العفار وهو انثى فنتقدح النار باذن الله تعالى {ونخوفهم} بذلك وبنظائره من الآيات فان الكل للتخويف {فما يزيدهم} التخويف {الا طغيانا كبيرا} عتوا متجاوزا عن الحد فلو انا ارسلنا بما اقترحوه من الآيات لفعلوا بها ما فعلوا بنظائرها وفعل بهم ما فعل باشياعهم وقد قضينا بتأخير العقوبة العامة لهذه الامة الى الطامة الكبرى. واوحى الله الى عيسى عليه السلام كم من وجه مليح صبيح ولسان فصيح وبدن صحيح غدا بين طباق النيران يصيح فلا بد من الخوف فان العارفين يخافون فما ظنك بغيرهم. قال المزنى دخلت على الشافعى رحمه الله فى مرضه الذى مات فيه فقلت له كيف اصبحت يا استاذى قال اصبحت عن الدنيا راحلا ولاخوانى مفارقا ولعملى ملاقيا ولكأس المنية شاربا وعلى الله واردا فما ادرى أروحى الى جنة ام الى نار ثم انا اقول شعر : ولم ادرأى الحالتين تنوبنى وانك لا تدرى متى انت ميت تفسير : : وفى المثنوى شعر : لا تخافون هست نزل خائفان هست درخور از برى خائفان هركه ترسد مرورا ايمن كنند مردل ترسند را ساكن كنند آنكة خوفش نيست جون كويى مترس درس جه دهى نيست او محتاح درس تفسير : واعلم ان رؤية الآيات واستماعها تزيد المؤمنين ايمانا وتقويهم فى باب اليقين لان التربة الطيبة لا تغير الماء الزلال ولا تخرجه عن طبعه والخبيثة لا يحصل لها به نماء اذ لا يستعد ولا يستحق الا العقم نسأل الله تعالى ان يفيض علينا سجال العلوم ويزيدنا فى الفهوم.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإِذْ قلنا لك} فيما أوحينا إليك {إِنَّ ربك أحَاطَ بالناس} علماً وقدرة، وأسراراً وأنواراً، كما يليق بجلاله وتجليه، فلا يختص بمكان ولا زمان، بل هو مظهر الزمان والمكان، وقد كان ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان، {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك} في قضية الإسراء، قال ابن عباس: "هي رؤيا عين" حيث رأى أنوار جبروته في أعلى عليين، وشاهد أسرار ذاته أريناك ذلك في ذلك المكان {إلا فتنةً للناس}؛ اختباراً لهم، من يصدق بذلك ولا يكيف، ومن يجحده من الكفرة. ومن يقف مع ظاهره، فيقع في التجسيم والتحييز، ومن تنهضه السابقة إلى التعشق؛ فيجاهد نفسه حتى تعرج روحه إلى عالم الملكوت، فتكاشف بإحاطة أسرار الذات بكل شيء. وإنما خص الحق تعالى إحاطته بالناس، مع أنه محيط بكل شيء، كما في الآية الأخرى: {أية : أَلآ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطُ} تفسير : [فُصِّلَت: 54]؛ لأنهم المقصودون بالذات من هذا العالم، وما خلق إلا لأجلهم. فاكتفى بالإحاطة بهم عن إحاطته بكل شيء. ثم قال تعالى: {والشجرة الملعونة في القرآن} وهي: شجرة الزقوم، أي: ما جعلناها إلا فتنة للناس. وذلك أن قريشاً لما سمعوا أن في جهنم شجرة الزقوم، سخروا من ذلك، فافتتنوا بها، حيث أنكروها، وكفروا بالقرآن، وقالوا: كيف تكون شجرة في النار، والنار تحرق الشجر؟! وقفوا مع الإلف والعادة، ولم ينفذوا إلى عموم تعلق القدرة. ومن قدر على حفظ وبر السَّمَنْدَل منها، وهو يمشي فيها، قدر على أن يخلق في النار شجرة، ولم تحرقها. وقال أبو جهل: ما أعرف الزقوم إلا التمر بالزبد. فإن قيل: أين لُعِنت شجرة الزقوم في القرآن؟ فالجواب: أن المراد لعنة آكلها، وقيل: إن اللعنة هنا بمعنى الإبعاد، وهي في أصل الجحيم. قال تعالى: {ونُخوِّفهم} بأنواع التخويف، أو بالزقوم، {فما يزيدُهُم إِلا طغيانًا كبيرًا}؛ عنوًا مجاوزاً للحد. الإشارة: الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته. فإذا انمحت الأكوان ثبتت وحدة المكون. "كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما كان عليه"، من قامت به الأشياء، وهو وجودها ونور ذاتها، ومحيط بها، كيف تحصره، أو تحيزه، أو تحول بينه وبين موجوداته؟ قيل لسيدنا علي - كرم الله وجهه -: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين كان ربنا قبل خلق الأشياء؟ فتغير وجهه، وسكت، ثم قال: قولكم: أين؟ يقتضي المكان، وكان الله ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان. هـ. وقال الشيخ الشاذلي: (قيل لي: يا عليّ؛ بي قُلْ، وعليّ دُل، وأنا الكل). وفي الحديث: "حديث : لاَ تَسُبُّوا الدَهْرَ، فَإنَّ الله هُوَ الدَّهْرُ، بِيَده الليْلُ والنَّهَار"تفسير : ، ولا يفهم هذا على التحقيق إلا أهل الذوق، بصحبة أهل الذوق. وإلا فسلِّم تسلم، واعتقد التنزيه وبطلان التشبيه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ثمَّ بين عداوة ابليس المتقدمة: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا...}

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ} بالوحى اى تذكّر وقت قولنا لك {إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ} اى اهلكهم يعنى اذكر تبشيرنا لك باهلاكهم وقد انجزه له فى بدر وغيره، والتّأدية بالماضى للاشارة الى تحقّق وقوعه او احاط بهم قدرة فلا يستطيعون الخروج من قدرته وحكومته {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ} اى وما جعلنا الشّجرة الملعونة فى القرآن الاّ فتنةً للنّاس، وقد وردت اخبار كثيرة من العامّة والخاصّة باختلاف الفاظها انّه (ص) رأى فى منامنه انّ رجالاً او قردة من بنى تميمٍ وعدىٍّ او من بنى اميّة يرقون منبره يردّون النّاس القهقرى، الاّ انّ العامّة رووا من بنى اميّة وحده ولم يذكروا بنى تميمٍ وعدىٍّ ولا زريقاً وزفر، والشّجرة الملعونة فسّرت فى اخبارنا تارة ببنى اميّة عموماً، وتارةً ببنى مروان، وتارة بمروان وبنيه. اعلم، انّ القرآن تارةً يطلق على المدوّن الّذى اتى به محمّد (ص) وعلى هذا فقوله فى القرآن متعلّق بالملعونة، وتارة على مقام الجمع المشتمل على جميع مراتب العالم ومنها السّجّين واهله، وعلى هذا فهو متعلّق بجعلنا يعنى انّ المقصود من ارخاء عنان الاشقياء وامدادهم فى غصب حقّ آل محمّد (ص) ومن جعل السّجّين واهله فى العالم ان يفتتن النّاس بهم ويتخلّص المحقّ عن المبطل ويتميّز الحقّ عن الباطل {وَنُخَوِّفُهُمْ} بانواع التّخويف {فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} هو بتقدير من ليوافق سائر الآيات، او حال عن المفعول وقد سبق بيان الآية.

الأعقم

تفسير : {وإذ قلنا لك} يا محمد {ان ربك أحاط بالناس} لفظ الإِحاطة توسع ومجاز، والمراد أحاط بهم علماً وقدرة، والمعنى أنه عالم بجميع الأشياء {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاَّ فتنة للناس}، قيل: هي رؤيا عين، وما رأى ليلة المعراج من الآيات والعبر وأسري به إلى بيت المقدس ثم إلى السماء فلما أخبر به المشركون كذبوه، وقيل: هي رؤيا نوم وهي أنه رأى في المنام أنه يدخل مكة قصدها عام الحديبية فرجع ودخلها في العام القابل ونزل {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} الآية، ولما رجع (عليه السلام) من الحديبية قال ناس: قد حدثنا أنه سيدخلها، وقال بعضهم: لم يوقت {والشجرة الملعونة في القرآن} قيل: شجرة الزقوم وقد ذكرها تعالى في قوله: {أية : إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم} تفسير : [الدخان: 43-44] والملعونة قيل: ملعون أكلها، وقيل: اليهود لأنهم أصل اللعنة والعرب تضف الشيء بالشجرة، والأكثر على أنها شجرة الزقوم {ونخوّفهم} بما تقدم من الإِهلاك وما وعدوا من الشجرة وعذابها {فما يزيدهم} ذلك {إلا طغياناً كبيراً} أي يجاوزوا في حد الكفر {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم}، قيل: هو تحية، وقيل: هو قبلة السجود {إلا إبليس} تكبّر ولم يكن من الملائكة إلا أنه أمر معهم بالسجود {لمن خلقت طيناً} فأخطأ إبليس من وجوه: أحدها: أن الفضل بالتقوى، وثانيها: أن الأرض خير من النار، وثالثها: أنه لم يؤمر بتعظيم غيره بمعنى يرجع إلى أصله، ورابعها: أنه رد الأمر ولم يرض بالقضاء، وخامسها: أنه اعتقد أن الأمر قبيح {قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي} أي فضّلته عليّ {لأحتنكن ذريته}، قيل: لأستولي عليهم، وقيل: لأحتوينهم، والاحتناك الانقطاع من الأصل، يقال: احتنك فلان ما عند فلان إذا استقصاه فأخذه كله، واحتنك الجراد الزرع إذا أكله كله، الموفور المكمل أي تاماً كاملاً، لأحتنكن من احتنكت الدابة إذا جعلت في حنكها الأسفل يقودها به {إلا قليلاً} وهم الصالحون استثناء لعلمه إن كيده لا ينفد فيهم، فـ {قال} تعالى مجيباً له عن قوله على سبيل الاستصغار: {اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً} يعني أنه تعالى لا يمنعه منهم جبريل ولكن يخلي بينهم وبينه، وهذا جواب استصغار كمن يقول افعل ما شئت فلن تضر إلاَّ نفسك {واستفزز} الاستفزاز الازعاج يقال: استفزّه أي استزلّه {من استطعت منهم بصوتك}، قيل: بدعائك إلى معصية الله، وقيل: بالغناء والمزامير والهوى، وقيل: كل صوت دعا به إلى الفساد فهو من صوت الشيطان كالغناء والنياحة والدعاء إلى الباطل {وأجلب عليهم} قيل: اجمع عليهم ما قدرت عليه من مكابدتك {بخيلك ورجلك} كل راجل وماشي في معصية الله من الإِنس والجن، وروي كل راكب قاتل في معصية الله فهو من خيل من الشيطان، وكل راجل كذلك، وقيل: خيله ورجله كل داع إلى معصيته {وشاركهم في الأموال والأولاد} وأما المشاركة بالأموال والأولاد فهو كل معصية يحملهم عليها كالزنا والمكاسب المحرمة كالبحيرة والسائبة والانفاق في الفسوق والإِسراف ومنع الزكاة، وقيل: أولاد الزنا وقتل الموؤدة، قوله تعالى: {وعدهم} كان الآخرة لهم كما وعد آدم بأن يكون ملكاً ومخلداً، وقيل: منهم زينة الدنيا باعتقاد الباطل وأن لا ثواب لهم ولا عقاب {وما يعدهم الشيطان إلا غروراً}. {إن عبادي} يريد الصالحين {ليس لك عليهم سلطان} أي لا تقدر أن تغويهم {وكفى بربك وكيلا} لهم يتوكلون به في الاستعاذة منك، وقيل: حافظاً ومانعاً منك.

الهواري

تفسير : قوله: { وَإِذْ قُلْنَا لَكَ} أي: أوحينا إليك { إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ} قال: عصمك من الناس، أي: منعك منهم فلا يصلون إليك حتى تبلغ عن الله الرسالة. كقوله: (أية : وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) تفسير : [المائدة:67] أي: أن يصلوا إليك حتى تبلغ عن الله الرسالة. وكقوله: {عَالِمُ الغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} أي: من بين يدي ذلك الرسول {وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} أي: رصداً من الملائكة {لِّيَعْلَمَ} أي: ذلك الرسول (أية : أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ) تفسير : [الجن:28] أي: أحاط الله بما لديهم حتى يبلغوا عن الله الرسالة. ذكروا أن مجاهداً قال: أحاط بالناس، فهم في قبضته. ذكروا عن الحسن أن النبي عليه السلام شكا إلى ربه أمر قومه فقال: يا ربّ، إن قومي قد خوَّفوني، فأعطني من قِبَلك آية أعلم ألا مخافة عليّ. فأوحى الله إليه أن يأتي وادي كذا وكذا فيه شجرة، فليدع غصناً منها يأته. فانطلق إلى الوادي فدعا غصناً منها، فجاء يخط في الأرض خطاً حتى انتصب بين يديه. فحبسه ما شاء الله أن يحبسه، ثم قال: ارجع كما جئت، فرجع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : علمت يا رب ألا مخافة عليّ تفسير : قوله: { وَمَا جَعَلْنَا الرُّءْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ} يعني ما أراه الله ليلة أُسرِي به، وليس برؤيا المنام، ولكن بالمعاينة { إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} يعني مشركي مكة. إن النبي عليه السلام لما أخبرهم بمسيره إلى بيت المقدس ورجوعه من ليلته كذّب بذلك المشركون فافتتنوا بذلك. وقال بعضهم: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ} أي: ما أراه الله من الآيات والعبر في مسيره إلى بيت المقدس {إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} أي: إلا بلاء للناس. أي: المشركين. وقال الحسن: إن نفراً كانوا أسلموا ثم ارتدوا عند ذلك. قال: { وَالشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ فِي القُرْءَانِ} يقول: وما جعلنا أيضاً الشجرة الملعونة في القرآن، يعني شجرة الزَّقُّوم، وهو تفسير مجاهد والحسن، إلا فتنة للناس، أي: للمشركين. لما نزلت دعا أبو جهل بن هشام لعنة الله بتمر وزبد فقال: تعالوا تزقَّموا، فما نعلم الزقّوم إلا هذا. فأنزل الله: {إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ} أي: للمشركين {أية : إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الجَحِيمِ...}تفسير : إلى آخر الآية [الصّافّات:63-64] فوصفها ووصف كيف يأكلونها في النار. وقال الحسن: يعني بقوله: {المَلْعُونَةَ فِي القُرْءَانِ} أي: إن أَكَلَتَها ملعونون في القرآن. كقوله: (أية : وَاسْأَلِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا) تفسير : [يوسف:82]، وإنما يعني أهل القرية. قال: { وَنُخَوِّفُهُمْ} أي: بشجرة الزَّقُّوم { فَمَا يَزِيدُهُمْ} أي: تخويفنا إياهم بها وبغيرها { إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً}.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ} أى واذكر {قُلْنَا لَكَ}.حديث : وروى أنه - صلى الله عليه وسلم - شكا إِلى الله تعالى أمر قومه، يا رب تخوفت فاعطنى آية على أن لا مخافة على. فقال: ائت وادى كذا وفيه شجرة تدعو غصناً منها ففعل، فجاءه الغصن يشق الأَرض حتى وقف بين يديه، فحبسه ما شاء الله أن يحبسه ثم قال ارجع كما جئت، فرجع. فقال - صلى الله عليه وسلم - يا رب لا مخافة علىتفسير : ، وقيل أحاط بضلال الناس واهتدائهم فلا تهتم بكفر من كفر. {إِنَّ رَبَّكَ أحَاطَ بِالنَّاسِ} أحاط بهم علمه وقدرته فهم فى قبضته لا يتصرفون بما يريد فبلغ الرسالة ولا تخف فإِنه يعصمكم من الناس. قاله السدى والحسن والطبرى فذلك إِشارة إِلى نحو قوله والله يعصمك من الناس، ويجوز أن يكون المراد بالناس قريشاً والإِحاطة بهم إهلاكهم يوم بدر، يقال أحاط العدو بفلان تريد أنهم قتلوه، فالتعبير بالماضى لتحقق الوقوع بعدو لا بد، فإِن الآية مكية وإِهلاكهم بعد الهجرة أو إحاطته بهم أنه أوعد إِهلاكهم وأنهم كالإِنسان المحبوس فى بيت أحاط به جدره، يقتل إِذا جاء وقت قتله، وذلك إِشارة إِلى نحو قوله سيهزم الجمع وقوله قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون، وكان يوم بدر فى العريش مع أبى بكر يدعو اللهم إنى أسالك عهدك ووعدك، ثم خرج وعليه درع يحرض الناس ويقرأ سيهزم الجمع ويولون الدر وأراه الله تعالى مصارعهم فى المنام حين ورد ماء بدر ونام، وكان يقول: هذا مصرع فلان غدا، هذا مصرع فلان غدا، فسمع قريش فضحكوا واستهزءوا واستعجلوا، وإلى هذه الرؤيا أشار الله سبحانه وتعالى بقوله: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِى أرَيْنَاكَ} إِياها وهى إراءتهُ إِياه فى المنام مصارع القوم. {إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} أهل مكة فى دين الله إِذ تضاحكوا واستهزءوا واستعجلوا هكذا قيل، والأَشهر أن جبريل أراه مصارعهم فى اليقضة، وقيل إنه رأى فى المنام قوماً من بنى أُمية يتداولون منبره كما تداول الكرة، وقيل يثبون على منبره كما تثب القردة فساءه ذلك، واستيقظ وفسرها بأَن ذلك حضر بنى أُمية يعطونه بإِسلامهم وعليه فالمراد بالفتنة ما حدث فى أيامهم للناس عموماً من الزلل والضلال فى القتال والملك وغيرهما. وقال ابن عباس: المراد ما رأى النبى - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية أنه دخل مكة هو وأصحابه فعجل السير إِلى مكة قبل أن يؤمر به فصده المشركون من الحديبية فرجع للمدينة فافتتن بعض المؤمنين بوسواس الشيطان أنه ليس نبياً، إِذ كان أخبرهم أنه يدخلها فلم يدخلها ودخلها فى العام المقبل واعترض هذا القول بأَن الآية مكية وقصة الحديبية مدنية وأُجيب بأَنه رأى الرؤيا بمكة وحكاها عام الحديبية. وقال الجمهور إِن الرؤيا رؤيا لليلة المعراج المذكورة فى أول السورة، وتعلق بذلك من قال إِن ذلك فى المنام، ومن قال إن ذلك فى اليقظة فسر الرؤيا بالرؤية وهو قول عن ابن عباس إلا أنه نفى أن يكون رأى ربه تعالى الله، وبه قال ابن جبير والحسن وقتادة ومجاهد وعكرمة وغيرهم، وقيل سرى بروحه وجسده نسب لأَصحابنا وضعف، والصحيح عندى أنه فى اليقظة، وقيل معراجان: معراج يقظة، ومعراج نوم، وتقدم ذلك كله وعلى ذلك فالفتنة تكذيب بعض من آمن وارتداده وتكذيب المشركين أنه بلغ بيت المقدس والسماء السابعة ورجع فى ليلته ورأى ما رأى فى طريقه وبيان ذلك أنه لما رجع من السماء منصرفاً إِلى مكة على البراق مر بقافلة لقريش، ويقال للقافلة العير بكسر العين وأتى بالفتح فالحمار فانظر ما مر فى سورة يوسف، فيها جمل عليه غرارتان سوداء وبيضاء، فلما حاذى - صلى الله عليه وسلم - الإِبل نفرت واستدارت وصرع ذلك البعير وانكسر، ومر بقافلة ضل لها بعير ورأى من جاء به ورده إِليهم، وصرح بعضهم أن البعير الضال ناقة، فسلم عليهم ولعل ذلك كان قبل تحريم السلام على الشرك، وقال اللقانى: لعل المراد السلام اللغوى وهو الأَمان ويحتمل أن المراد الشرعى وفعله بيان للجواز أو لعل هذا مذهبه، أما مذهبنا ومذهب الشافعية تحريم بداءة مشرك بالسلام ولو ذميا فإِن ظهر أنه مشرك بعد ما سلمت عليه فقل له اردد سلامى، وإِن سلم فقل وعليك وإِن سلمت على قوم هو فيهم فاستثنه ولو بقلبك، والواضح عندى أن تقول السلام عليكم غير فلان أو السلام على غير فلان، أو السلام على فلان وفلان وفلان بتعديد المسلمين إن لم يشق أو السلام عليكم أيها المسلمون أو السلام على من تبع الهدى، كما تكتب إِليه كتابا فإِنك تبدأه بقولك سلام على من اتبع الهدى، ولما سلم عليهم قال بعضهم: هذا صوت محمد، وكان معهم قدح ماء فشربه ثم انتهى إِلى عير بالتنعيم ثم أتى أهله قبيل الصبح بمكة ونزل عن البراق وارتفع البراق من موضعه إِلى موضعه فى الجنة بنفسه أو مع جبريل أو غيره وكان الإِسراء ليلا لأَنه وقت الخلوة ولأَنه وقت الصلاة المفروضة عليه فى قوله عز وعلا: {قم الليل} وليكون أبلغ للمؤمن من الإِيمان وفتنة للكافر وقعد بقية الليل فى بيته ثم مضى إِلى المسجد وقد اشتد عليه الأَمر يعرف أن الناس يكذبونه، وقعد فيه حزيناً فمر به عدو الله أبو جهل وهذه كنيته واسمه عمرو بن هشام وهو فرعون هذه الأُمة فجاءه حتى جلس إِليه فقال له: هل كان من شئ وذلك منه استهزاء لعنه الله. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعم. قال: ما هو. قال: أسرى بى الليلة. قال: إِلى أين؟ قال: إِلى بيت المقدس. قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا. قال: نعم. فلم يعزم أبو جهل أن يبادر إِليه بالتكذيب مخافة أن لا يذكر له الحديث إن دعا قومه إليه. قال: أرأيت إن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتنى به. قال: نعم. قال: يا معشر بنى كعب بن لؤى، خص بنى كعب ليجمع قبائل قريش وذلك حرص على تكذيبه وإِذاعة كلامه وتصديق الناس له فى تكذيبه إِياه، فانفض إِليه أهل المجالس وجاءوا حتى جلسوا إِليهما. فقال: حدث قومك بما حدثتنى به، ولم يقل قال لى محمد كذا مخافة أن يسكت محمد فلا يقول نعم قلت ذلك، فقال - صلى الله عليه وسلم - إنى أسرى بى الليلة، ثم ذكر لهم المعراج إِلى السماء ليتدرجوا. قالوا: إلى أين؟ قال: إِلى بيت المقدس. قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا أى بيننا فظهرانى مقحم أو الأَصل بين ظهرنا فزيدت الأَلف والنون تأْكيداً ويعرب كالمثنى ومعناه أن ظهراً منهم قدامه وظهراً منهم وراءه فهو محفوف بهم من جانبيه. قال: نعم أصبحت بين ظهرانيكم فجعل بعض يصفق وبعض يضع يده على رأس نفسه تعجباً وضجوا وعظموا ذلك، وفى بضع العبارات فمن بين مصفق ومن بين واضع.. إلخ. أى فهم محصورون فى مصفق وواضع يده.. الخ. فقال المطعم بن عدى: كل امرك قبل اليوم كان أمما، أى سهلا خفيفاً ممكنا غير قولك اليوم، أنا أشهد أنك كاذب، نحن نضرب أكباد الإِبل إِلى بيت المقدس مصعداً شهراً ومنحدراً شهراً، تزعم أنك أتيته فى ليلة، واللات والعزى أصدقك. وقوله نضرب أكباد الإِبل بمعنى نضرب مجاور أكباد الإِبل أو من إِطلاق الحال على المحل والمعنى نضرب الإِبل وذلك هو الضرب نحو العصى ولكنه كناية عن السفر على الإِبل وقوله مصعدا الخ.. أى كل منا حال كونه مصعداً ويجوز فتح العين على المصدر من أصعد فى الأَرض إِذا توجه مستقبلا أرضاً أرفع منها أى حال كوننا مصعدين أى ذاهبين أو ذهاباً شهراً أى مدة شهرو منحدراً شهراً أى راجعين أو رجوعاً كذلك. فقال أبو بكر: يا مطعم بيس ما قلت لابن أخيك جبهته أى مستقبلته بمكروه وكذبته أنا أشهد أنه صادق وأن ما سماه ابن أخيه من حيث القبيلة أو على وجه المدح بالشفقة فى معرض الذم وإِنما أسرى به إِلى بيت المقدس لأَنه فى محل المحشر فسهل لأُمته بوطئ قدمه صلى الله عليه وسلم إِذا حشروا فيه ولأَنه مجمع أرواح الأَنبياء فشرف الله الأَنبياء بزيارته صلى الله عليه وسلم وليخبر المشركين بصفات بيت المقدس فيجدروا وصفه موافقا فقال المشركون كالطعم يا محمد صف لنا بيت المقدس كيف بناءؤه وكيف هيئته من طول وغيره وكيف قربه من الجبل وفى القوم من سافر إِليه وقبل القابل له صفه لنا أبو بكر إِقامة لبرهان صدقة فشرع صلى الله عليه وسلم ينعت لهم ويقول بناؤه كذا وهيئته كذا وقربه من الجبل كذا فما زال ينعت لهم حتى التبس عليه النعت فاشتد عليه الأَمر اشتدادا ما رأى مثله فجئ بالمسجد وهو ينظر إِليه حتى وضع دون دار عقيل أو عقال أى فى موضع أقرب إِلى النبى - صلى الله عليه وسلم - من دار عقيل وأقرب إِليه من عقال البعير إِلى البعير وعقيل أخو على أسن من على بعشرين سنة مات فى خلافة معاوية بعد ما عمى وقيل فى أول خلافة يزيد بن معاوية وهو الذى قال له معاوية ما لكم يا بنى هاشم تصابون بأَبصاركم فقال كما تصابون ببضائركم يا بنى أُمية فقال الكفار له - صلى الله عليه وسلم - كم للمسجد من باب ولم يكن عدها فجعل ينظر إِليها بابا ويعلمهم وأبو بكر رضى الله عنه يقول صدقت أصدقت أشهد أنك رسول الله فقالوا أما النعت فوالله لقد أصاب وأما دعوى أنه ذهب إِلى بيت المقدس وعاد فى ليلته فلا نصدقه فيها قالوا لأَبى بكر افتصدقه أنه ذهب الليلة إِلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح قال نعم أنى لا أصدقه فيما هو أبعد من ذلك أصدقه فى خير السماء فى غدوة أو روحه فبذلك لقب الصديق ولقب بعتيق أيضا واسمه فى الجاهلية عبد الكعبة فسماه النبى - صلى الله عليه وسلم - عبد الله وإِشتهر بكنيته وهو أول من لقب فى الإِسلام ثم قالوا يا محمد أخبرنا عن عيرنا فقال أتيت على عبر بنى فلان بالروحاء هو بلد على نحو أربعين ميلا من المدينة الشريفة قد أضلوا ناقة لهم فانطلقوا فى طلبها فانتبهت إِلى رحالهم وليس بها منهم أحد وإِذا بقدح ماء فشربت منه وإِنما شرب بغير إِذن صاحب الماء وليس مال الكفار مباحا حينئذ لأَن العرب ترضى بذلك وكان عرفهم إباحة اللبن لابن السبيل وكانوا يشترطون على رعاتهم أن لا يمنعوا اللبن مر بهم فكيف الماء وذكروا فى الخصائص أنه أُبيح له أخذ الطعام والشراب من ما لكنهما المحتاج إِليهما إِذا احتاج وإِنه يجب على صاحبهما البذل له قال الله تعالى النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم وإِنتبهت إِلى غير بنى فلان بمكان كذا فيها جمل أحمر عليه غرارة سوداء وغرارة بيضاء فلما حاذيت البعير نفرت وصرع ذلك البعير وإِنكسر ثم انتبهت إِلى عير بنى فلان فى التنعيم وهو على ثلاثة أميال من مكة ويسمى مساجد عايشة تقدمها جمل ورق وهو الذى يبين بياض وسواد وفى رواية جمل أدم عليه مسح أسود وغرارتان سودوان والمسح جل تحت الرجل وها هى ذى تطلع عليكم من الثنية والإشارة التى فى الروحاء لقرب التنعيم جدا والمعراج كان ليلة الاثنين على المختار ولأَنها التى ظل منها بعير قالوا فمتى تجئ قال يوم الأَربعاء فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينتظرون وقد ولى النهار ولم تجئ العير فدعا النبى - صلى الله عليه وسلم - الله الرحمن الرحيم سرا وحبست له الشمس مدة من الزمان على قدر ما يجئ العير كما وقفت ليوشع قال السبكى: شعر : وشمس الضحى طاعتك بعد مغيبها فما غربت بل وافقتك بوقفة تفسير : فطلعت العير فقالوا لأَهل الإِبل هل ضل لكم بعير ثم وجدتموه قالوا نعم قالوا فهل عندكم قصعة من ماء وهى القدح المذكور فقال رجل أنا والله وضعتها فما شربها أحد منا ولا أهرقت فى الأَرض أى ولا صبت. فقالوا: هل انكسرت لكم ناقة حمراء. قالوا: نعم. فرموه بالسحر، وقالوا صدق الوليد فى قوله إنه ساحر، فأَنزل الله سبحانه وتعالى: {وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس} وهى رؤية البصر، لقوله فتنة للناس لأَن ذلك لو كان فى المنام لم يكذبوه ولم يفتتنوا به أو سميت الرؤية رؤيا لشبه أمر الغيب بأَمر الرؤيا النومية فاستعير لفظ الرؤيا المرؤية استعارة تصريحية أصلية تحقيقية. {وَالشَّجَرَةَ} معطوف على الرؤيا أى وما جعلنا الرؤيا التى أريناك والشجرة الملعونة فى القرآن إلا فتنة للناس وقرئ بالرفع أى وكذلك الشجرة الملعونة فى القرآن والقراءتان فى لفظ الشجرة ولفظ الملعونة لأَنه نعت وهى شجرة الزقوم ينبتها الله فى النار. {الْمَلْعُونَةَ فِى الْقُرْآنِ} أى الملعون آكلوها وهم أصحاب النار فحذف المضاف، ولعن أصحاب النار فى القرآن كثير، رأيت هذا مروياً عن ابن عباس ذكره ابن جرير الطبرى ومروياً عن الحسن أو وصفت باللعن لأَنها تجاور الملعونين وعلى هذا الوجه فقوله فى القرآن تابع الأَصل هذا المجاز، لأَن الوصف باللعن حقيقة لأَصحاب النار أو وصفت باللعن لأَنها ذكرت فى الآية الأُخرى بصفة ذم وشتم وهى أنها فى أصل الجحيم وأنها طعام الأثيم، وفى القرآن متعلق بملعونة وقيل ملعونة بمعنى كريهة تقول العرب لكل طعام كريهة إِنه ملعون فعلى هذا يتعلق فى القرآن بملعونة أيضاً على معنى أنها ذكرت فيه بما يدل على أنها كريهة مثل كونها فى أصل الجحيم وكونها طعام الأثيم أو بمحذوف هو حال أى مذكورة فى القرآن وقيل وصفت باللعن لأَن اللعن الإِبعاد من الرحمة وهى فى أصل النار فى أبعد مكان من الرحمة، وإن قلت فما الفتنة التى جعل الله بالشجرة المذكورة. قلت: لما سمع المشركون ذكرها قالوا: محمد يزعم أن النار تحرق الحجارة ثم يقول: تنبت فيها شجرة. قال ذلك أبو جهل فى كلامه هذا يا ابن أبى كبشة، وأبو كبشة هو زوج مرضعته وقال: وما نعرف الزقوم إلا الزبد مع الثمر يا جارية زقمينا. فأَتت بزبد وتمر، فقال: يا قوم تزقموا فإِن هذا ما يخوفكم به محمد، وقال عبد الله بن الزبعر: أتخوفنا بالزقوم ولا نعرف الزقوم إلا الزبد والتمر. فذلك فتنة لهم فى دينهم بتلك الشجرة، وافتتن بقولهم أيضاً بعض الضعفاء وما قدروا الله حق قدره فإِن قدره الله صالحة لذلك وأدنى وأعظم. روى أن لبلاد الترك دويبة تسمى السمندل تتخذ المناديل من وبرها، وإذا اتسخت طرحت فى النار فيذهب الوسخ فيبقى المنديل سالماً لا تؤثر فيه النار، وترى النعامة تبلع الجمر وما يضرها، وتبلع قطعة الحديد المحماة بالنار حتى صارت حمراء كالجمرة فلا تضرها، وقد خلق الله وجل وعلا فى كل شجرة ناراً فلا تحرق الشجرة ولا ماء الشجرة ورطوبتها يبطل النار، ومن قدر على ذلك يقدر أن يخلق فى النار شجرة لا تحرقها وتفسير الشجرة بشجرة الزقوم تفسير للجمهور ومجاهد، وفى رواية عن ابن عباس أنها الكثوث الذى يلتوى على الشجرة والشوك فيجففه، وذكرها فى القرآن على هذا هو ذكر الشجرة الخبيثة فى سورة إِبراهيم عليه السلام على أنها الكثوث، وقيل هى إِبليس، وقيل أبو جهل، وقيل الحكم بن أبى العاص، وإِن قلت: قال بعضهم يصح أن يريد الملعونة هنا فأَكد الأَمر بقوله فى القرآن هل يصح قول هذا البعض. قلت: لا يصح لأنها لم تلعن فى هذه الآية ولا فى هذه السورة إلا بقوله الملعونة وهو إخبار عن لعن مذكور واقع اللهم إلا إن أراد بالملعونة إن شاء اللعن لا الإخبار وهو وجه ضعيف لا يحمل عليه القرآن لأَن المعروف فى الأَشياء الجمل لا الاسم. {وَنُخَوِّفُهُمْ} أى كفار مكة بأَنواع التخويف. {فَمَا يَزِيدُهُمْْ} تخويفنا أو ما تخوفهم به. {إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً} عتوا متجاوزاً للحد عظيماً.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ} واذكر إِذ قلنا لك بالوحى، أو بواسطة جبريل عليه السلام. {إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ} علماً وقدرة لا يخرجون عما أراد، ولا يعجزه شئ فبلِّغهم ما أوحى إليك، ولا تخف؛ إن الله يعصمك من القتل، ولو كانوا يؤذونك بألسنتهم، والناس عام دخل فيه قريش، أو أريد به خاص، لأنهم المعاندون جدا الحاضرون أو أحاط بقريش أهلكهم يوم بدر، أى سيهلكهم يوم بدر، والآية مكية، وذكر ذلك بالماضى لتحقيق الوقوع بعد، كأنه وقع من قولك أحاط بهم العدو، وكقوله تعالى: "أية : وأحيط بثمره" تفسير : [الكهف: 42] وهذا تبشير له صلى الله عليه وسلم. {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ} فى المنام، احتج بهذا مَن قال الإسراء فى المنام، لا فى اليقظة، وهو مذهب أصحابنا، وقوم من غيرهم، وقيل: اليقظة لمبالغة الكفار فى التكذيب، ولو كان فى النوم لم يبالغوا تلك المبالغة، وإطلاق الرؤيا على رؤية اليقظة وارد فى لغة العرب قال الراعى: شعر : وكبر للرؤيا وهش فؤاده بوبش عظيم كان جمائلا تفسير : وأيضا سماها رؤيا مشاكلة لتسميتهم إياها رؤيا وجرياناً على زعمهم كما سمى الأصنام آلهة، وأيضاً يشبه ما فى المنام لكونه ليلا، وللسرعة، وخرق العادة حتى قال بعض مَن ضعف إيمانه للنبى صلى الله عليه وسلم: لعل ذلك يا رسول الله فى النوم، وحتى ارتد بعض من ضعف إِيمانه. وقال بعض من قال الإسراء فى اليقظة أن الرؤيا هنا غير رؤية الإسراء، بل رؤياه فى المنام عام الحديبية دخل مكة، واعترض بأن الآية مكية والحديبية بعد الهجرة، وأجيب بأنه رأى فى مكة أنه سيدخلها بعد الخروج عنها، فحكى الرؤيا فى الحديبية، ولم يدخلوها للعمرة التى قصدوها، بل رجعوا على أن يدخلوها من قابل، فافتتن بعض حتى قال عمر لأبى بكر رضى الله عنهما: قد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ندخل البيت ونطوف به، فقال أبو بكر: لم يقل ندخله فى هذا العام وسندخل فى عام آخر، ودخله من قال، ونزل: "أية : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق"تفسير : [الفتح: 27] وقيل: هذه الرؤيا التى فى سورة الإسراء رآها فى مكة فى شأن وقعة بدر أنها تقع بعد الهجرة، وسمع قريش ذلك فسخروا منه. ويجوز أن يكون رأى فى المنام مصارع المشركين، وهو فى بدر أو قريب منه، فسمع المشركون الخارجون من مكة للقتال، فسخروا منه، قال: "حديث : والله لكأنى أنظر إلى مصارع المشركين، هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان" تفسير : ولم يخطئ. وفى وقعة بدر نزل: "أية : إذ يريكهم الله فى منامك قليلاً" تفسير : [الأنفال: 43] وقيل: هذه الرؤيا فى سورة الإسراء، هى أنه رأى فى نومه قومًا من بنى أمية يرقون على منبره وينزون عليه نزو القردة فقال: "حديث : هو حظهم فى الدنيا يعطونه على إسلامهم" تفسير : {إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ} هى تكذيبهم بالإسراء، حتى ارتد كثير من الناس أو قولهم: وُعدنا بالدخول ولم ندخل، وهذا فى شأن الحديبية، وتساخرهم بقوله: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وهذا فى شأن قتلى الكفار فى بدر، وقتال معاوية عليًّا، وقتل الحسين وعمار، ووقعة الحرة، وهذا فى غزو بنى أمية على المنبر فى الرؤيا. {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِى الْقُرْآنِ} عطف على الرؤيا، أى وما جعلنا الرؤيا التى أريناك، والشجرة الملعونة فى القرآن إِلا فتنة للناس، وهى شجرة الزقوم، لعنت فى قوله تعالى: "أية : إِنَّ شجرت الزقوم طعام الأثيم"تفسير : [الدخان: 43 - 44] إِلخ فلعنها إبعادها عن مقام الخير وأهله، وإنباتها فى مقام الشر لأهله. ويجوز أن يراد الملعون أهلها، فحذف المضاف أو ذاك من المجاز العقلى، وتقول العرب لكل طعام مكروه ضار: إِنه ملعون لكونه ضارًّا مكروهًا، فيكون المراد بلعنها أنها طعام مكروه، ووصفت بالملعونة لتشبيه طلعها برءوس الشياطين، والشياطين ملعونون. ومعنى الفتن بها أنه لما سمع الكفار ذلك قالوا: إن محمداً يزعم أن الحجيم تحرق الحجارة، ثم يقول ينبت فيها الشجر، وما نعرف الزقوم إِلا التمر بالزبد، قال أبو جهل - لعنه الله -: يا جارية زقمينا، فأحضرتهما، فقال لأصحابه: تزقموا هذا هو ما يذكر محمد، ولم يعلموا أن الله قادر على ذلك، وأن الله أبرد النار على إبراهيم ولباسه إلاكتافة، وأنبت النبات فى تنور موسى المحمى، وفى بلاد الترك دابة صغيرة تسمى السمندل لا تؤثر فيها النار حية أو ميتة، ويتخذ من وبرها مناديل، فإذا اتسخت ألقيت فى النار فيذهب الوسخ فتبقى سالمة. ويقال: فى بلاد الهند مكان بلاد الترك، ويقال: طائر مكان دابة، ويقال: السمندر بالراء مكان اللام، والنعامة تبلغ الجمر وقطع الحديد المحماة ولا تضرها، ولم يعلموا أن نبات النار من جنس النار، والنار لا تحرق النار. ومما يشبه ذلك أن البحر المالح ينبت حجارة المرجان، واللحم والدم ينبتان الشعر، وقيل: الشجرة الملعونة الشيطان، وأبو جهل فرعون رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحَكم وأبوه أبو العاصى الحَكم، قالت عائشة رضى الله عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لمروان: "الشجرة الملعونة أبوك وجدُّك" فهؤلاء لعنوا فى عموم ذم الكفار فى القرآن. وعن ابن عباس: أن الشجرة بنو أمية بن الحَكم بن أبى العاصى، وأنه صلى الله عليه وسلم رأى فى المنام بنى مروان يتداولون مقبره، وقصها على أبى بكر وعمر فى خلوة بيت، ثم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحَكم يخبر بها، فاشتد عليه ذلك واتهم عمر بالإفشاء، ثم ظهر أن الحَكم تسمَّع إليهم، واعترض بأن الرؤيا بالمدينة، والسورة مكية والحكم فيها. وروى أن عائشة قالت لمروان: لعن الله أباك وأنت فى صلبه فأنت أبغض مَن لعنه الله، والفتنة على هذا أنهم طلبوا معجزة قاهرة، فأجيبوا بأنه تعالى لم يقضها لهم ليتم أمر النبى صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فلا يستأصلوا فقالوا: إنه صلى الله عليه وسلم غير صادق، فضاق قلبه وسلاّه بالآية، وأنه لا يضعف أمرك بقولهم. {وَنُخَوِّفُهُمْ} من عقاب الله فى الدنيا والآخرة بالآيات المتلوَّات، والمعجزات، والآيات متضمنة لشجرة الزقوم، ولم يقل: وخوفناهم لإفادة التكرار. {فَمَا يَزِيدُهُمْ} أى التخويف {إِلاّ طُغْيَانًا كَبِيرًا} طغيانًا مجاوزاً للحد.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا} أي واذكر زمان قولنا بواسطة الوحي {لَكَ} يا محمد {إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ} أي علماً كما رواه غير واحد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه فلا يخفى عليه سبحانه شيء من أحوالهم وأفعالهم الماضية والمستقبلة من الكفر والتكذيب. وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءيَا ٱلَّتِى أَرَيْنَـٰكَ إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ} إلى آخر الآية تنبيه على تحققها بالاستدلال عليها بما صدر عنهم عند مجيء بعض الآيات لاشتراك الكل في كونها أموراً خارقة للعادات منزلة من جناب رب العزة جل مجده لتصديق رسوله عليه الصلاة والسلام فتكذيبهم ببعضها يدل على تكذيب الباقي كما أن تكذيب الأولين بغير المقترحة يدل على تكذيبهم بالمقترحة. والمراد بالرؤيا ما عاينه صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به من العجائب السماوية والأرضية كما أخرجه البخاري والترمذي والنسائي وجماعة عن ابن عباس وهي عند كثير بمعنى الرؤية مطلقاً وهما مصدر رأى مثل القربـي والقرابة. وقال بعض: هي حقيقة في رؤيا المنام ورؤيا اليقظة ليلاً والمشهور اختصاصها لغة بالمنامية وبذلك تمسك من زعم أن الإسراء كان مناماً وفي الآية ما يرد عليه، والقائلون بهذا المشهور الذاهبون إلى أنه كان يقظة كما هو الصحيح قالوا: إن التعبير بها إما مشاكلة لتسميتهم له رؤيا أو جار على زعمهم كتسمية الأصنام آلهة فقد روى أن بعضهم قال له صلى الله عليه وسلم لما قص عليهم الإسراء لعله شيء رأيته في منامك أو على التشبيه بالرؤيا لما فيها من العجائب أو لوقوعها ليلاً أو لسرعتها أي وما جعلنا الرؤيا التي أريناكها عياناً مع كونها آية عظيمة وأية آية وقد أقمت البرهان على صحتها إلا فتنة افتتن بها الناس حتى ارتد بعض من أسلم منهم. {وَٱلشَّجَرَةَ} عطف على {ٱلرُّءيَا} أي وما جعلنا الشجرة {ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلْقُرْءانَ} إلا فتنة لهم أيضاً. والمراد بها كما روى البخاري وخلق كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما شجرة الزقوم. والمراد بلعنها لعن طاعميها من الكفرة كما روي عنه أيضاً، ووصفها بذلك من المجاز في الإسناد وفيه من المبالغة ما فيه / أو لعنها نفسها ويراد باللعن معناه اللغوي وهو البعد فهي لكونها في أبعد مكان من الرحمة وهو أصل الجحيم الذي تنبت فيه ملعونة حقيقة. وأخرج ابن المنذر عن الحبر أنها وصفت بالملعونة لتشبيه طلعها برؤس الشياطين والشياطين ملعونون. وقيل تقول العرب لكل طعام مكروه ضار: ملعون. وروي في جعلها فتنة لهم أنه لما نزل في أمرها في الصافات وغيرها ما نزل قال أبو جهل وغيره: هذا محمد يتوعدكم بنار تحرق الحجارة ثم يقول ينبت فيها الشجر وما نعرف الزقوم إلا التمر بالزبد، وأمر أبو جهل جارية له فأحضرت تمراً وزبداً وقال لأصحابه تزقموا وافتتن بهذه المقالة أيضاً بعض الضعفاء ولقد ضلوا في ذلك ضلالاً بعيداً حيث كابروا قضية عقولهم فإنهم يرون النعامة تبتلع الجمر وقطع الحديد المحماة الحمر فلا تضرها والسمندل يتخذ من وبره مناديل تلقى في النار إذا اتسخت فيذهب الوسخ وتبقى سالمة، ومن أمثالهم في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار. وعن ابن عباس أنها الكشوث المذكورة في قوله تعالى: {أية : كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} تفسير : [إبراهيم: 26] ولعنها في القرآن وصفها فيه بما سمعت في هذه الآية ومر آنفاً ما مر عن العرب. والافتتان بها أنهم قالوا عند سماع الآية: ما بال الحشائش تذكر القرآن، والمعول عليه عند الجمهور رواية الصحيح عن الحبر. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {وٱلشجرة} بالرفع على الابتداء وحذف الخبر أي والشجرة الملعونة في القرآن كذلك. {وَنُخَوّفُهُمْ} بذلك ونظائره من الآيات فإن الكل للتخويف، وإيثار صيغة الاستقبال للدلالة على الاستمرار التجددي. وقرأ الأعمش {ويخوفهم} بالياء آخر الحروف {فَمَا يَزِيدُهُمْ} التخويف {إِلاَّ طُغْيَانًا} تجاوزاً عن الحد {كَبِيراً} لا يقادر قدره فلو أرسلنا بما اقترحوه من الآيات لفعلوا بها فعلهم بإخوانها وفعل بهم ما فعل بأمثالهم وقد سبقت كلمتنا بتأخير العقوبة العامة إلى الطامة الكبرى هذا فيما أرى هو الأوفق بالنظم الكريم واختاره في «إرشاد العقل السليم». وعن الحسن ومجاهد وقتادة وأكثر المفسرين تفسير الإحاطة بالقدرة، والكلام مسوق لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عما عسى يعتريه من عدم الإجابة إلى إنزال الآيات المقترحة لمخالفتها للحكمة من نوع حزن من طعن الكفرة حيث كانوا يقولون: لو كنت رسولاً حقاً لأتيت بهذه المعجزة كما أتى بها من قبلك من الأنبياء عليهم السلام فكأنه قيل اذكر وقت قولنا لك: إن ربك اللطيف بك قد أحاط بالناس فهم في قبضة قدرته لا يقدرون على الخروج من ربقة مشيئته فهو يحفظك منهم فلا تهتم بهم وامض لما أمرتك به من تبليغ الرسالة ألا ترى أن الرؤيا التي أريناك من قبل جعلناها فتنة للناس مورثة للشبهة مع أنها ما أورثت ضعفاً لأمرك وفتوراً في حالك. وبعضهم حمل الإحاطة على الإحاطة بالعلم إلا أنه ذكر في حاصل المعنى ما يقرب مما ذكر فقال: أي إنه سبحانه عالم بالناس على أتم وجه فيعلم قصدهم إلى إيذائك إذا لم تأتهم بما اقترحوا ويعصمك منهم فامض على ما أنت فيه من التبليغ والإنذار ألا ترى الخ. ولا يخفى أن ذكر الرب مضافاً إلى ضميره صلى الله عليه وسلم وأمره عليه الصلاة والسلام بذكر ذلك القول أنسب بكون الآية مسوقة لتسليته على الوجه الذي نقل، وذكر التخويف وأنه ما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً أوفق / بما فسرت به الآية أولاً، وادعى بعضهم أنه لا يخلو عن نوع تسلية. وقيل: الإحاطة هنا الإهلاك كما في قوله تعالى:{أية : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} تفسير : [الكهف: 42] والناس قريش ووقت ذلك الإهلاك يوم بدر، وعبر عنه بالماضي مع كونه منتظراً حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45] وقوله سبحانه: {أية : قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ} تفسير : [آل عمران: 12] وغير ذلك لتحقق الوقوع. وأولت الرؤيا بما رآه صلى الله عليه وسلم في المنام من مصارعهم كما صرح به في بعض الروايات، وصح حديث : أنه صلى الله عليه وسلم لما ورد ماء بدر كان يقول: والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم وهو يضع يده الشريفة على الأرض هٰهنا وهٰهنا ويقول: هذا مصرع فلان هذا مصرع فلانتفسير : ، وهو ظاهر في كون ذلك مناماً. ويروى أن قريشاً سمعت بما أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن بدر وما أري في منامه من مصارعهم فكانوا يضحكون ويسخرون وهو المراد بالفتنة، وبما رآه عليه الصلاة والسلام أنه سيدخل مكة وأخبر أصحابه فتوجه إليها فصده المشركون عام الحديبية وإليه ذهب أبو مسلم والجبائي. واعتذر عن كون ما ذكر مدنياً بأنه يجوز أن يكون الوحي بإهلاكهم وكذا الرؤيا واقعاً بمكة وذكر الرؤيا وتعيين المصارع واقعين بعد الهجرة ويلزم منه أن يكون الافتتان بذلك بعد الهجرة وأن يكون ازديادهم طغياناً متوقعاً غير واقع عند نزول الآية وكل ذلك خلاف الظاهر. وأخرج ابن جرير عن سهل بن سعد قال: «حديث : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فما استجمع ضاحكاً حتى مات عليه الصلاة والسلام وأنزل الله تعالى هذه الآية {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءيَا} الختفسير : . وأخرج ابن أبـي حاتم وابن مردويه والبيهقي في «الدلائل» وابن عساكر عن سعيد بن المسيب قال: حديث : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية على المنابر فساءه ذلك فأوحى الله تعالى إليه إنما هي دنيا أعطوها فقرت عينه تفسير : وذلك قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا} الخ. وأخرج ابن أبـي حاتم عن يعلى بن مرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : رأيت بني أمية على منابر الأرض وسيملكونكم فتجدونهم أرباب سوء واهتم عليه الصلاة والسلام لذلك فأنزل الله سبحانه {وَمَا جَعَلْنَا} الآية» تفسير : وأخرج عن ابن عمر أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : رأيت ولد الحكم بن أبـي العاص على المنابر كأنهم القردة وأنزل الله تعالى في ذلك {وَمَا جَعَلْنَا} الخ والشجرة الملعونة الحكم وولده» تفسير : وفي عبارة بعض المفسرين هي بنو أمية. وأخرج ابن مردويه حديث : عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت لمروان بن الحكم: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأبيك وجدك: إنكم الشجرة الملعونة في القرآن» تفسير : فعلى هذا معنى إحاطته تعالى بالناس إحاطة أقداره بهم. والكلام على ما قيل على حذف مضاف أي وما جعلنا تعبير الرؤيا أو الرؤيا فيه مجاز عن تعبيرها، ومعنى جعل ذلك فتنة للناس جعله بلاء لهم ومختبراً وبذلك فسره ابن المسيب، وكان هذا بالنسبة إلى خلفائهم الذين فعلوا ما فعلوا وعدلوا عن سنن الحق وما عدلوا وما بعده بالنسبة إلى ما عدا خلفاءهم منهم ممن كان عندهم عاملاً وللخبائث عاملاً أو ممن كان من أعوانهم كيفما كان. ويحتمل أن يكون المراد ما جعلنا خلافتهم وما جعلناهم أنفسهم إلا فتنة، وفيه من المبالغة في ذمهم ما فيه. وجعل ضمير {نخوفهم} على هذا لما كان له أولاً أو للشجرة باعتبار أن المراد بها بنو أمية ولعنهم لما صدر منهم من استباحة الدماء المعصومة والفروج المحصنة وأخذ الأموال من غير حلها ومنع الحقوق عن أهلها وتبديل الأحكام والحكم بغير ما أنزل الله تعالى على نبيه عليه الصلاة / والسلام إلى غير ذلك من القبائح العظام والمخازي الجسام التي لا تكاد تنسى ما دامت الليالي والأيام. وجاء لعنهم في القرآن إما على الخصوص كما زعمته الشيعة أو على العموم كما نقول فقد قال سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ} تفسير : [الأحزاب: 57] وقال عز وجل {أية : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ * أَوْلَٰـئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَـٰرَهُمْ} تفسير : [محمد: 22-23] إلى آيات أخر ودخولهم في عموم ذلك يكاد يكون دخولاً أولياً لكن لا يخفى أن هذا لا يسوغ عند أكثر أهل السنة لعن واحد منهم بخصوصه فقد صرحوا أنه لا يجوز لعن كافر بخصوصه ما لم يتحقق موته على الكفر كفرعون ونمروذ فكيف من ليس كافراً. وادعى السراج البلقيني جواز لعن العاصي المعين ونور دعواه بحديث «الصحيحين» «حديث : إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان لعنها الملائكة حتى تصبح»تفسير : . وقال ولده الجلال بحثت مع والدي في ذلك باحتمال أن يكون لعن الملائكة لها بالعموم بأن يقول: لعن الله تعالى من باتت مهاجرة فراش زوجها ولو استدل لذلك بخبر مسلم حديث : أنه صلى الله عليه وسلم مر بحمار وسم بوجهه فقال: لعن الله تعالى من فعل هذا تفسير : لكان أظهر إذ الإشارة بهذا صريحة في لعن معين إلا أن يؤول بأن المراد فاعل جنس ذلك لا فاعل هذا المعين وفيه ما فيه. واستدل بعض من وافقه لذلك أيضاً بما صح أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اللهم العن رعلاً وذكوان وعصية عصوا الله تعالى ورسوله» تفسير : فإن فيه لعن أقوام بأعيانهم. وأجيب بأنه يجوز أنه عليه الصلاة والسلام علم موتهم أو موت أكثرهم على الكفر فلم يلعن إلا من علم موته عليه وهو كما ترى. ولا يخفى أن تفسير الآية بما ذكر غير ظاهر الملاءمة للسياق والله تعالى أعلم بصحة الأحاديث. وقيل الشجرة الملعونة مجاز عن أبـي جهل وكان فتنة وبلاء على المسلمين لعنه الله تعالى، وقيل مجاز عن اليهود الذين تظاهروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعنهم في القرآن ظاهر، وفتنتهم أنهم كانوا ينتظرون بعثته عليه الصلاة والسلام فلما بعث كفروا به وقالوا: ليس هو الذي كنا ننتظره فثبطوا كثيراً من الناس بمقالتهم عن الإسلام.

ابن عاشور

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ} هذه تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم على حزنه من تكذيب قومه إياه، ومن إمهال عتاة أعداء الدين الذين فتنوا المؤمنين، فذكره الله بوعده نصرَه. وقد أومأ جَعْلُ المسند إليه لفظ الرب مضافاً إلى ضمير الرسول أن هذا القول مسوق مساق التكرمة للنبيء وتصبيره، وأنه بمحل عناية الله به إذ هو ربه وهو ناصره؛ قال تعالى: {أية : واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا}تفسير : [الطور: 48]. فجملة {وإذ قلنا لك} الخ يجوز أن تكون معطوفة على جملة {أية : وما منعنا أن نرسل بالآيات}تفسير : [الإسراء: 59] ويجوز أن تكون معترضة. و (إذ) متعلقة بفعل محذوف، أي اذكُرْ إذ قلنا لك كلاماً هو وعد بالصبر، أي اذكر لهم ذلك وأعدهُ على أسماعهم، أو هو فعل {اذكر} على أنه مشتق من الذُّكر ــــ بضم الذال ــــ وهو إعادة الخبر إلى القوة العقلية الذاكرة. والإحاطة لما عدي فعلها هنا إلى ذاتِ الناس لا إلى حال من أحوالهم تعين أنها مستعملة في معنى الغلبة، كما في قوله تعالى: {أية : وظنوا أنهم أحيط بهم}تفسير : في سورة [يونس: 22]. وعُبِّرَ بصيغة المضي للتنبيه على تحقيق وقوع إحاطة الله بالناس في المستقبل القريب. ولعل هذا إشارة إلى قوله تعالى: {أية : أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها }تفسير : [الرعد: 41]. والمعنى: فلا تحزن لافترائهم وتطاولهم فسننتقم منهم. {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} عطف على جملة {أية : وما منعنا أن نرسل بالآيات}تفسير : [الإسراء: 59] وما بينهما معترضات. والرؤيا أشهر استعمالها في رؤيا النوم، وتستعمل في رؤية العين كما نقل عن ابن عباس في هذه الآية، قال: هي رؤيا عَيْن أريها النبي ليلة أسري به إلى بيت المقدس، رواه الترمذي وقال: إنه قول عائشة ومعاوية وسبعة من التابعين، سماهم الترمذي. وتأولها جماعة أنها ما رآه ليلة أسري به إذ رأى بيت المقدس وجعل يصفه للمشركين، ورأى عِيرَهم واردة في مكان معين من الطريق ووصف لهم حال رجال فيها فكان كما وصف. ويؤيد هذا الوجه قوله: {التي أريناك} فإنه وصف للرؤيا ليُعلم أنها رؤية عين. وقيل: رأى أنه يدخل مكة في سنة الحديبية فرده المشركون فلم يدخلها فافتتن بعض من أسلموا فلما كان العام المقبل دخلها. وقيل: هي رؤيا مصارع صناديد قريش في بَدر أريها النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أي بمكة. وعى هذين القولين فهي رؤيا نوم ورؤيا الأنبياء وحي. والفتنة: اضطراب الرأي واختلال نظام العيش، وتطلق على العذاب المكرر الذي لا يطاق، قال تعالى: {أية : إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات}تفسير : [البروج: 10]، وقال:{أية : يوم هم على النار يفتنون }تفسير : [الذاريات: 13]. فيكون المعنى على أول القولين في الرؤيا أنها سبب فتنة المشركين بازدياد بعدهم عن الإيمان، ويكون على القول الثاني أن المرئي وهو عذابهم بالسيف فتنة لهم. {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً} {والشجرة} عطف على الرؤيا، أي ما جعلنا ذكر الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس. وهذا إشارة إلى قوله تعالى: {أية : إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون}تفسير : في سورة [الصافات: 64، 66]، وقوله:{أية : إن شجرة الزقوم طعام الأثيم}تفسير : الآية في سورة [الدخان: 43، 44]، وقوله:{أية : إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم}تفسير : في سورة [الواقعة: 51، 52]. روي أن أبا جهل قال: زعم صاحبكم أن نار جهنم تحرق الحجر؛ ثم يقول بأن في النار شجرة لا تحرقها النار. وجهلوا أن الله يخلق في النار شجرة لا تأكلها النار. وهذا مروي عن ابن عباس وأصحابه في أسباب النزول للواحدي و «تفسير الطبري». وروي أن ابن الزبعرى قال: الزقوم التمر بالزبد بلغة اليمن، وأن أبا جهل أمر جارية فأحضرت تمراً وزبداً وقال لأصحابه: تمزقوا. فعلى هذا التأويل فالمعنى: أن شجرة الزقوم سبب فتنة مكفرهم وانصرافهم عن الإيمان. ويتعين أن يكون معنى جعل شجرة الزّقوم فتنة على هذا الوجه أن ذكرها كان سببَ فتنة بحذف مضاف وهو ذكر بقرينة قوله: "الملعونة في القرآن" لأن ما وصفت به في آيات القرآن لعْن لها. ويجوز أن يكون المعنى: أن إيجادها فتنة. أي عذاب مكرر، كما قال: {أية : إنا جعلناها فتنة للظالمين}تفسير : [الصافّات: 63]. والملعونة أي المذمومة في القرآن في قوله: {أية : طعام الأثيم} تفسير : [الدخان: 44] وقوله: {أية : طلعها كأنه رؤوس الشياطين}تفسير : [الصافات: 65] وقوله:{أية : كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم}تفسير : [الدخان: 45-46]. وقيل معنى الملعونة: أنها موضوعة في مكان اللعنة وهي الإبعاد من الرحمة، لأنها مخلوقة في موضع العذاب. وفي الكشاف: قيل تقول العرب لكل طعام ضار: ملعون. عطف على جملة {أية : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون}تفسير : [الإسراء: 59] الدال على أنهم متصلبون في كفرهم مكابرون معاندون. وهذه زيادة في تسلية النبي حتى لا يأسف من أن الله لم يرهم آيات، لأن النبي حريص على إيمانهم، كما قال موسى عليه السلام {أية : فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم}تفسير : [يونس: 88]. ويوجد في بعض التفاسير أن ابن عباس قال: في الشجرة الملعونة بنو أمية. وهذا من الأخبار المختلقة عن ابن عباس، ولا إخالها إلا مما وضعه الوضاعون في زمن الدعوة العباسية لإكثار المنفرات من بني أمية، وأن وصف الشجرة بأنها الملعونة في القرآن صريح في وجود آيات في القرآن ذكرت فيها شجرة ملعونة وهي شجرة الزقوم كما علمت. ومثل هذا الاختلاق خروج عن وصايا القرآن في قوله: {أية : ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان}تفسير : [الحجرات: 11]. وجيء بصيغة المضارع في نُخوِّفهم} للإشارة إلى تخويف حاضر، فإن الله خوفهم بالقحط والجوع حتى رأوا الدخان بين السماء والأرض وسألوا الله كشفه فقال تعالى: {أية : إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون}تفسير : [الدخان: 15] فذلك وغيره من التخويف الذي سبق فلم يزدهم إلا طغياناً. فالظاهر أن هذه الآية نزلت في مدة حصول بعض المخوفات. وقد اختير الفعل المضارع في {نخوفهم} و{يزيدهم} لاقتضائه تكرر التخويف وتجدده، وأنه كلما تجدد التخويف تجدد طغيانهم وعظم. والكبير: مستعار لِمعنى الشديد القوى في نوع الطغيان. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : قل قتال فيه كبير}تفسير : في سورة [البقرة: 217].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ} الآية. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنه أحاط بالناس. أي فهم في قبضته يفعل فيهم كيف يشاء فيسلط نبيه عليهم ويحفظه منهم. قال بعض أهل العلم: ومن الآيات التي فصلت بعض التفصيل في هذه الإحاطة، قوله تعالى: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}تفسير : [القمر:45]، وقوله: {أية : قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ}تفسير : [آل عمران:12] الآية، وقوله: {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [المائدة:67]. وفي هذا أن هذه الآية مكية، وبعض الآيات المذكورة مدني. أما آية القمر وهي قوله: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ}تفسير : [القمر:45] الآية فلا إشكال في البيان بها لأنها مكية. قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ}. التحقيق في معنى هذه الآية الكريمة: أن الله جل وعلا جعل ما أراه نبيه صلى الله عليه وسلم من الغرائب والعجائب ليلة الإسراء والمعراج فتنة للناس، لأن عقول بعضهم ضاقت عن قبول ذلك، معتقدة أنه لا يمكن أن يكون حقاً، قالوا: كيف يصلي ببيت المقدس، ويخترق السبع الطباق، ويرى ما رأى في ليلة واحدة، ويصبح في محله بمكة؟ هذا محال! فكان هذا الأمر فتنة لهم لعدم تصديقهم به، واعتقادهم أنه لا يمكن، وأنه جل وعلا جعل الشجرة الملعونه في القرآن التي هي شجرة الزقوم فتنة للناس، لأنهم لما سمعوه صلى الله عليه وسلم يقرأ {أية : إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ}تفسير : [الصافات:64] قالوا: ظهر كذبه. لأن الشجر لا ينبت في الأرض اليابسة، فكيف ينبت في أصل النار؟ فصار ذلك فتنة. وبين أن هذا هو المراد من كون الشجرة المذكورة فتنة لهم بقوله: {أية : أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيم}تفسير : [الصافات:62-64] الآية، وهو واضح كما ترى. وأشار في موضع آخر إلى الرؤيا التي جعلها فتنة لهم، وهو قوله: {أية : أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ}تفسير : [النجم:12-18]. وقد قدمنا إيضاح هذا في أول هذه السورة الكريمة. وبهذا التحقيق الذي ذكرنا تعلم أن قول من قال: إن الرؤيا التي أراه الله إياها هي رؤياه في المنام بني أمية على منبره، وإن المراد بالشجرة الملعونة في القرآن بنو أمية لا يعول عليه. إذ لا أساس له من الصحة. والحديث الوارد بذلك ضعيف لا تقوم به حجة. وإنما وصف الشجرة باللعن لأنها في أصل النار، وأصل النار بعيد من رحمة الله. واللعن: الإبعاد عن رحمة الله، أو لخبث صفاتها التي وصفت بها في القرآن، أو للعن الذين يطعمونها. والعلم عند الله تعالى.

الواحدي

تفسير : {وإذْ قلنا لك إنَّ ربك أحاط بالناس} أَيْ: فهم في قبضته وقدرته، يمنعك منهم حتى تبلِّغ الرِّسالة، ويحول بينك وبينهم أن يقتلوك. {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك} يعني: ما أُري ليلة أُسري به، وكانت رؤيا يقظة {والشجرة الملعونة في القرآن} وهي شجرة الزَّقوم {إلاَّ فتنةً للناس} فكانت الفتنة في الرُّؤيا أنَّ بعضهم ارتدَّ حين أعلمهم بقصَّة الإسراء، وازداد الكفَّار تكذيباً، وكانت الفتنة في الزَّقوم أنَّهم قالوا: إنَّ محمداً يزعم أنَّ في النار شجراً، والنَّار تأكل الشَّجر، وقالوا: لا نعلم الزَّقوم إلاَّ التَّمر والزُّبد، فأنزل الله تعالى في ذلك: {أية : إنَّا جعلناها فتنةً للظالمين} تفسير : الآيات {ونخوفهم} بالزَّقوم فما يزدادون إلاَّ كبراً وعتوَّاً.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 60- واذكر - أيها النبى - حين قلنا لك: إن ربك أحاط بالناس، فهم فى قبضة قدرته، فبلِّغهم ولا تخف أحداً فهو يعصمك منهم، وما جعلنا ما عاينته ليلة الإسراء من العجائب إلا امتحاناً واختباراً للناس، يزداد به إيمان المؤمن وكفر الكافر، وما جعلنا الشجرة المذمومة فى القرآن - وهى شجرة الزَّقوم التى تنبت فى أصل الجحيم - إلا اختباراً لهم أيضاً، إذ قالوا: النار تحرق الشجر، فكيف تنبته؟ ونخوفهم بها، فما يزيدهم تخويفنا إلا تجاوزا للحد الكبير. 61- وأن الله ليذكر بأصل الخلق والعداوة بين آدم وإبليس، إذ قال للملائكة: اسجدوا لآدم سجود تحية وتكريم بالانحناء، فسجدوا على الفور، إلا إبليس امتنع وقال منكراً: كيف أسجد لمن خلقته من طين، وأنا من نار، فأنا خير منه. 62- قال إبليس: أخبرنى يا رب عن هذا الذى كرمته علىَّ، بأن أمرتنى بالسجود له. لِمَ كرَّمته علىَّ وأنا خير منه؟ وعزتك لئن أخرتنى حياً إلى يوم القيامة لأهلكن ذريته بالإغواء، إلا قليلا منهم ممن عصمته وحفظته. 63- قال له المولى - تهديداً واستدراجاً -: امض لشأنك الذى اخترته لنفسك، فمن أطاعك من ذرية آدم فإن جهنم جزاؤك وجزاؤهم جزاء وافراً كاملا.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلرُّؤيَا} {أَرَيْنَاكَ} {ٱلقُرْآنِ} {طُغْيَاناً} (60) - يَحُثُّ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ الكَرِيمَ عَلَى القِيَامِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ مِنْ إِبْلاَغِ الرِّسَالَةِ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ القَادِرُ عَلَى عِبَادِهِ، وَهُمْ فِي قَبْضَتِهِ وَتَحْتَ قَهْرِهِ وَغَلَبَتِهِ، فَلاَ يَقْدِرُونَ عَلَى أَمْرٍ إِلاَّ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، وَقَدْ عَصَمَكَ اللهُ مِنْ أَعْدَائِكَ، فَلاَ يَقْدِرُونَ عَلَى إِيصَالِ الأَذَى إِلَيْكَ وَمَا جَعَلَ اللهُ الرُّؤْيَا، التِي أَرَاهَا رَسُولَهُ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ، إلا امْتِحَاناً وَاخْتِبَاراً لِلنَّاسِ، فَأَنْكَرَهَا قَوْمٌ، وَكَذَّبُوا بِهَا، وَكَفَرَ بَعْضُ مَنْ كَانَ أَسْلَمَ وَآمَنَ بِرِسَالَةِ الرَّسُولِ، وَازْدَادَ المُخْلِصُونَ إِيمَاناً. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسَ: إِنَّ الرُّؤْيَا كَانَتْ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيهَا رَسُولُ اللهِ، لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ). وَمَا جَعَلَ اللهُ الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ التِي جَاءَ ذِكْرُهَا فِي القُرْآنِ (وَهِيَ شَجَرَةُ الزَّقُومِ-: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُومِ طَعَامُ الأَثِيمِ-، فَعَجِبَ المُشْرِكُونَ وَاسْتَهْزَؤُوا .. مِنْ وُجُودِ شَجَرَةٍ فِي أَصْلِ الجَحِيم...) إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ، فَالمُؤْمِنُونَ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً، وَعَلِمُوا أَنَّ الذِي جَاءَ هُوَ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَأَمَّا المُجْرِمُونَ المُكَذِّبُونَ فَازْدَادُوا تَشَكُّكاً وَطُغْيَاناً، وَكُفْراً. وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ يُخَوِّفُ الكُفَّارَ بِالوَعِيدِ، وَالعَذَابِ، وَالنّكَالِ، فَلاَ يَزِيدُهُمْ ذَلِكَ إِلاَّ طُغْيَاناً، وَتَمَادِياً فِي الكُفْرِ وَالضَّلاَلِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: اذكر يا محمد، وليذكر معك أصحابك إذ قلنا لك: إن ربك أحاط بالناس، فلا يمكن أن يتصرفوا تصرُّفاً، أو يقولوا قولاً يغيب عن عِلْمِه تعالى، لأن الإحاطة تعني الإلمام بالشيء من كُلّ نواحيه. وما دام الأمر كذلك فاطمئن يا محمد، كما نقول في المثل (حُط في بطنك بطيخة صيفي)، واعلم أنهم لن ينالوا منك لا جهرة ولا تبييتاً، ولا استعانة بالجنس الخفي (الجن)؛ لأن الله محيط بهم، وسيبطل سَعْيَهم، ويجعل كَيْدهم في نحورهم. لذلك لما تحدَّى الحق سبحانه وتعالى الكفار بالقرآن تحدَّى الجن أيضاً، فقال: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}تفسير : [الإسراء: 88]. ففي هذا الوقت كان يشيع بين العرب أن كل نابغة في أمر من الأمور له شيطان يُلهمه، وكانوا يدَّعُون أن هذه الشياطين تسكن وادياً يسمى "وادي عبقر" في الجزيرة العربية، فتحدّاهم القرآن أنْ يأتوا بالشياطين التي تُلهمهم. وهكذا يُطمئن الحق سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه يحيط بالناس جميعاً، ويعلم كل حركاتهم ظاهرة أو خفيّة من جنس ظاهر أو من جنس خفيّ، وباطمئنان رسول الله تشيع الطمأنينة في نفوس المؤمنين. وهذا من قيوميته تعالى في الكون، وبهذه القيومية نردُّ على الفلاسفة الذين قالوا بأن الخالق سبحانه زاول سلطانه في الكون مرة واحدة، فخلق النواميس، وهي التي تعمل في الكون، وهي التي تُسيّره. والرد على هذه المقولة بسيط، فلو كانت النواميس هي التي تُسيِّر في الكون ما رأينا في الكون شذوذاً عن الناموس العام؛ لأن الأمر الميكانيكي لا يحدث خروجاً عن القاعدة، إذن: فحدوث الشذوذ دليل القدرة التي تتحكم وتستطيع أن تخرق الناموس. ومثال ذلك: النار التي أشعلوها لحرق نبي الله وخليله إبراهيم - عليه السلام - فهل كان حظ الإيمان أو الإسلام في أن ينجو إبراهيم من النار؟ لا .. لم يكن الهدف نجاة إبراهيم عليه السلام، وإلا لما مكَّنهم الله من الإمساك به، أو سخر سحابة تطفئ النار، ولكن أراد سبحانه أن يُظهر لهم آية من آياته في خَرْق الناموس، فمكّنهم من إشعال النار ومكّنَهم من إبراهيم حتى ألقوْه في النار، ورأَوْهُ في وسطها، ولم يَعُدْ لهم حجة، وهنا تدخلت القدرة الإلهية لتسلب النار خاصية الإحراق: {أية : قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [الأنبياء: 69]. إذن: فالناموس ليس مخلوقاً ليعمل مطلقاً، وما حدث ليس طلاقة ناموس، بل طلاقة قدرة للخالق سبحانه وتعالى. فكأن الحق سبحانه يريد أنْ يُسلِّي رسوله ويُؤْنِسه بمدد الله له دائماً، ولا يفزعه أن يقوم قومه بمصادمته واضطهاده، ويريد كذلك أنْ يُطمئن المؤمنين ويُبشِّرهم بأنهم على الحق. وقوله تعالى: {أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ ..} [الإسراء: 60]. الإحاطة تقتضي العلم بهم والقدرة عليهم، فلن يُفلتوا من علم الله ولا من قدرته، ولا بُدَّ من العلم مع القدرة؛ لأنك قد تعلم شيئاً ضاراً ولكنك لا تقدر على دَفْعه، فالعلم وحده لا يكفي، بل لا بُدَّ له من قدرة على التنفيذ، إذن: فإحاطته سبحانه بالناس تعني أنه سبحانه يُعلِّمهم ويقدر على تنفيذ أمره فيهم. كلمة (الناس) تُطلَق إطلاقاتٍ متعددة، فقد يراد بها الخلْق جميعاً من آدم إلى قيام الساعة، كما في قول الحق تبارك وتعالى: {أية : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ * مَلِكِ ٱلنَّاسِ * إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ * مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ * ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ * مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ}تفسير : [الناس: 1-6]. وقد يُراد بها بعض الخَلْق دون بعض، كما في قوله تعالى: {أية : أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ..}تفسير : [النساء: 54]. فالمراد بالناس هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عنه كفار مكة: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 31]. وكما في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ ..}تفسير : [آل عمران: 173] فهؤلاء غير هؤلاء. وقد وقف العلماء عند كلمة الناس في الآية: {إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ ..} [الإسراء: 60] وقصروها على الكافرين الذين يقفون من رسول الله موقف العداء، لكن لا مانع أن نأخذ هذه الكلمة على عمومها، فُيَراد بها أحاط بالمؤمنين، وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحاط بالكافرين وعلى رأسهم صناديد الكفر في مكة. لذلك فالإحاطة هنا ليست واحدة، فلكل منهما إحاطة تناسبه، فإنْ كنتَ تريد الإحاطة بالمؤمنين وعلى رأسهم رسول الله فهي إحاطة عناية وحماية حتى لا ينالهم أذى، وإنْ أردتَ بها الكافرين فهي إحاطة حصار لا يُفلِتون منه ولا ينفكُّون عنه، وهذه الإحاطة لها نظير، وهذه لها نظير. فنظير الإحاطة بالكافرين قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ..}تفسير : [يونس: 22]. أي: حُوصِروا وضُيِّق عليهم فلا يجدون منفذاً. ونظير الإحاطة بالمؤمنين وعلى رأسهم رسول الله قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ}تفسير : [الصافات: 171-172]. فالحق سبحانه محيط بالمؤمنين وبرسوله صلى الله عليه وسلم إحاطة عناية، وكأنه يقول له: امْضِ إلى شأنك وإلى مهمتك، ولن يُضيرك ما يُدبِّرون. لذلك كان المؤمنون في أَوْج فترات الاضطهاد والقسوة من الكفار في وقت كل المؤمنون غير قادرين حتى على حماية أنفسهم ينزل قول الحق تبارك وتعالى:{أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ}تفسير : [القمر: 45]. حتى أن عمر - رضي الله عنه - الذي جاء القرآن على وَفْق رأيه يقول: أيّ جَمْع هذا؟! ويتعجب، كيف سنهزم هؤلاء ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا وهذه تسلية لرسول الله وتبشير للمؤمنين، فمهما نالوكم بالاضطهاد والأذى فإن الله ناصركم عليهم. وكما قال في آية أخرى: {أية : وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ}تفسير : [الصافات: 173]. فاذكر جيداً يا محمد حين تنزل بك الأحداث، ويظن أعداؤك أنهم أحاطوا بك، وأنهم قادرون عليك، اذكر أن الله أحاط بالناس، فأنت في عناية فلن يصيبك شرٌّ من الخارج، وهم في حصار لن يُفلِتوا منه. ثم يقول تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ..} [الإسراء: 60]. كلمة {ٱلرُّؤيَا} مصدر للفعل رأى، وكذلك (رؤية) مصدر للفعل رأى، فإنْ أردتَ الرؤيا المنامية تقول: رأيتُ رُؤْيا، وإنْ أردتَ رأي البصرية تقول: رأيتُ رؤية. ومن ذلك قول يوسف عليه السلام في المنام الذي رآه: {أية : وَقَالَ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ ..}تفسير : [يوسف: 100]. ولم يَقُلْ رؤيتي. إذن: فالفعل واحد، والمصدر مختلف. وقد اختلف العلماء: ما هي الرؤيا التي جعلها الله فتنة للناس؟ جمهرة العلماء على أنها الرؤيا التي ثبتتْ في أول السورة: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ..}تفسير : [الإسراء: 1] أي: حادثة الإسراء والمعراج. وبعضهم رأى أنها الرُّؤْيا التي قال الله فيها: {أية : لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً}تفسير : [الفتح: 27]. فقد وعد رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بأنهم سيدخلون المسجد الحرام في هذا العام، ولكن مُنِعوا من الدخول عند الحديبية، فكانت فتنة بين المسلمين وتعجبوا أنْ يعدهم رسول الله وَعْداً ولا ينجزه لهم. ثم بيّن الحق - تبارك وتعالى - لهم الحكمة من عدم دخول مكة هذا العام، فأنزل على رسوله وهو في طريق عودته إلى المدينة: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}تفسير : [الفتح: 25]. إذن: الحق سبحانه منعهم تحقيق هذه الرؤيا في الحديبية؛ لأنهم لو دخلوا مكة مُحاربين حاملين السلاح، وفيها مؤمنون ومؤمنات لا يعلمهم أحد، وسوف يصيبهم من الأذى وينالهم من هذه الحرب؛ لأنهم لن يُميِّزوا بين مؤمن وكافر، فقد يقتلون مؤمناً فتصيبهم مَعَرَّةٌ بقتله، ولو أمكن التمييز بين المؤمنين والكفار لدخلوا مكة رَغْماً عن أُنُوف أهلها. لذلك كان من الطبيعي أنْ يتشكَّكَ الناس فيما حدث بالحديبية، وأن تحدث فتنة تزلزل المسلمين، حتى إن الفاروق ليقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألسنا على الحق؟ أليسوا هم على الباطل؟ ألستَ رسول الله؟ فيقول أبو بكر: الزم غَرْزَه يا عمر، إنه رسول الله. وقد ساهمتْ السيدة أم سلمة - أم المؤمنين - في حَلِّ هذا الإشكال الذي حدث نتيجة هذه الفتنة، فلما اعترض الناس على رسول الله في عودته من الحديبية دخل عليها، فقال: "حديث : يا أم سلمة، هلك المسلمون، أمرتُهم فلم يمتثلوا".تفسير : فقالت: يا رسول الله إنهم مكروبون، جاءوا على شَوْق للبيت، ثم مُنِعوا وهم على مَقْرُبة منه، ولا شكَّ أن هذا يشقّ عليهم، فَامْضِ يا رسول الله لما أمرك الله، فإذا رأوك عازماً امتثلوا، ونجح اقتراح السيدة أم سلمة في حل هذه المسألة. وقال بعضهم: إن المراد بالرؤيا التي جعلها الله فتنة ما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل غزوة بدر، حيث أقسم وقال: حديث : "والله لكأني انظر إلى مصارع القوم". وأخذ يومِئ إلى الأرض وهو يقول: "هذا مَصْرع فلان، وهذا مَصْرع فلان، وهذا مَصْرع فلان" . تفسير : وفعلاً، جاءت الأحداث موافقة لقوله صلى الله عليه وسلم فَقُلْ لي: بالله عليك، مَنِ الذي يستطيع أنْ يتحكَّم في معركة كهذه، الأصل فيها الكَرّ والفَرّ، والحركة والانتقال لِيُحدد الأماكن التي سيقتل فيها هؤلاء، اللهم إنه رسول الله. لكن أهل التحقيق من العلماء قالوا: إن هذه الأحداث سواء ما كان في الحديبية، أو ما كان من أمر الرسول يوم بدر، هذه أحداث حدثتْ في المدينة، والآية المرادة مكية، مما يجعلنا نستبعد هذين القولين ويؤكد أن القول الأول - وهو الإسراء والمعراج - هو الصواب. وقد يقول قائل: وهل كان الإسراء والمعراج رؤيا منامية؟ إنه كان رؤية بصرية، فما سِرّ عدول الآية عن الرؤية البصرية إلى الرؤيا المنامية؟ وكيف يعطي الحق سبحانه وتعالى للكفار والمشككين فرصة لأن يقول: إن الإسراء والمعراج كان مناماً؟ نقول: ومَنْ قال إن كلمة رؤيا مقصورة على المنامية؟ إنها في لغة العرب تُطلق على المنامية وعلى البصرية، بدليل قول شاعرهم الذي فرح بصيد ثمين عنَّ له: شعر : فَكَبَّر لِلْرُؤْيَا وهَاش فُؤَادُهُ وَبشَّرَ نَفْساً كَانَ قَبْلُ يَلُومُهَا تفسير : أي: قال الله أكبر حينما رأى الصيد الثمين يقترب منه، فعبَّر بالرؤيا عن الرؤية البصرية. لكن الحق سبحانه اختار كلمة (رُؤْيَا) ليدل على أنها شيء عجيب وغريب كما نقول مثلاً: هذا شيء لا يحدث إلا في المنام. وهذا من دِقّة الأداء القرآني، فالذي يتكلم رَبّ، فاختار الرؤيا؛ لأنها معجزة الإسراء وذهاب النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس في ليلة. فَوَجْه الإعجاز هنا ليس في حدث الذهاب إلى بيت المقدس لأن كثيراً من كفار مكة قد ذهب إليها في رحلات التجارة أو غيرها، بل وَجْه الإعجاز في الزمن الذي اختُصِر لرسول الله، فذهب وعاد في ليلة واحدة، بدليل أنهم سألوا رسول الله "صِفْ لنا بيت المقدس". ولو كانوا يشكُّون في الحدث ما سألوا هذا السؤال، إذن: فاعتراضهم على وقت هذه الرحلة التي كانوا يضربون إليها أكباد الإبل شهراً، ويخبر محمد أنه أتاها في ليلة واحدة، ولأن الإسراء حدث في هذا الزمن الضيق المختصر ناسب أن يُطلق عليه رؤيا، لأن الرؤيا المنامية لا زمنَ لها، ويختصر فيها الزمن كذلك. ولقد توصّل العلماء الباحثون في مسألة وعي الإنسان أثناء نومه، وعن طريق الأجهزة الحديثة إلى أنْ قالوا: إن الذهن الإنساني لا يعمل أثناء النوم أكثر من سبع ثوان، وهذه هي المدّة التي يستغرقها المنام. في حين إذا أردتَ أن تحكي ما رأيتَ فسيأخذ منكم وقتاً طويلاً. فأين الزمن - إذن - في الرؤيا المنامية؟ لا وجود له؛ لأن وسائل الإدراك في الإنسان والتي تُشعِره بالوقت نائمة فلا يشعر بوقت، حتى إذا جاءت الرؤيا مرَّتْ سريعة حيث لا يوجد في الذهن غيرها. لذلك مَنْ يمشي على عجل لا يستغرق زمناً، كما نقول: (فلان يفهمها وهي طايرة) وهذا يدل على السرعة في الفعل؛ لأنه يركز كل إدراكاته لشيء واحد. ومن ناحية أخرى، لو أن الإسراء والمعراج رؤيا منامية، أكانت توجد فتنة بين الناس؟ وهَبْ أن قائلاً قال لنا: رأيت الليلة أنني ذهبتُ من القاهرة إلى نيويورك، ثم إلى هاواي، ثم إلى اليابان، أنُكذِّبه؟! إذن: قَوْل الله تعالى عن هذه الرؤيا أنها فتنة للناس عَدَّلَتْ المعنى من الرؤيا المنامية إلى الرؤية البصرية، وكأن الحق سبحانه اختار هذه الكلمة ليجعل من الكافرين بمحمد دليلاً على صدقه، فيقولون: نحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً وأنت تدعي أنك أتيتها في ليلة؟ فلو كانت هذه الحادثة مناماً ما قالوا هذا الكلام. لكن، ما الحكمة من فتنة الناس واختبارهم بمثل هذا الحدث؟ الحكمة تمحيص الناس وصَهْرهم في بوتقة الإيمان لنميز الخبيث من الطيب، والمؤمن من الكافر، فلا يبقى في ساحتنا إلا صادق الإيمان قويُّ العقيدة، لأن الله تعالى لا يريد أن يسلم منهجه الذي سيحكم حركة الحياة في الدنيا إلى أن تقوم الساعة، إلا إلى قوم موثوق في إيمانهم ليكونوا أهلاً لحمل هذه الرسالة. فكان الإسراء هو هذه البوتقة التي ميَّزَتْ بين أصالة الصِّدِّيق حينما أخبروه أن صاحبك يُحدِّثنا أنه أتى بيت المقدس، وأنه عُرِج به إلى السماء وعاد من ليلته، فقال: "إنْ كان قال فقد صدق" هكذا من أقرب طريق، فميزان الصدق عنده مجرد أن يقول رسول الله. وكذلك ميزت الزَّبَد الذي زلزلته الحادثة وبلبلته، فعارض وكذب. ثم يقول تعالى: {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ ..} [الإسراء: 60]. أي: وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنةً للناس أيضاً، وإنْ كانت الفتنة في الإسراء كامنَة في زمن حدوثه، فهي في الشجرة كامنة في أنها تخرج في أصل الجحيم، في قَعْر جهنم، ومعلوم أن الشجرة نبات لا يعيش إلا بالماء والري، فكيف تكون الشجرة في جهنم؟ ومن هنا كانت الشجرة فتنة تُمحِّص إيمان الناس؛ لذلك لما سمع أبو جهل هذه الآية جعلها مُشكلة، وخرج على الناس يقول: اسمعوا ما يحدثكم به قرآن محمد، يقول: إن في الجحيم شجرة تسمى "شجرة الزقوم"، فكيف يستقيم هذا القول، والنار تحرق كل شيء حتى الحجارة؟ وهذا الاعتراض مقبول عقلاً، لكن المؤمن لا يستقبل آيات الله استقبالاً عقلياً، وإنما يعمل حساباً لقدرته تعالى؛ لأن الأشياء لا تأخذ قوامها بعنصر تكوينها، وإنما تأخذه بقانون المعنصِر نفسه، فالخالق سبحانه يقول للشجرة: كوني في أصل الجحيم، فتكون في أصل الجحيم بطلاقة القدرة الإلهية التي قالت للنار: كُوني بَرْداً وسلاماً على إبراهيم. وقد قال ابن الزَّبْعَري حينما سمع قوله تعالى: {أية : أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ}تفسير : [الصافات: 62-64]. فقال: والله ما عرفنا الزقوم إلا الزُّبْد على التمر، فقوموا تزقَّموا معي، أي: استهزاءً بكلام الله، وتكذيباً لرسوله صلى الله عليه وسلم. أما المؤمن فيستقبل هذه الآيات استقبالَ الإيمان والتسليم بصدق كلام الله، وبصدق المبلِّغ عن الله، ويعلم أن الأشياء لا تأخذ صلاحيتها بعنصر تكوينها، وإنما بإرادة المعنْصِر أن يكون؛ لأن المسألة ليست ميكانيكا، وليست نواميس تعمل وتدير الكون، بل هي قدرة الخالق سبحانه وطلاقة هذه القدرة. ولسائل أن يقول: كيف يقول الحق سبحانه عن هذه الشجرة أنها (ملعونة)؟ ما ذنب الشجرة حتى تُلْعَن، وهي آية ومعجزة لله تعالى، وهي دليل على اقتداره سبحانه، وعلى أن النواميس لا تحكم الكون، بل ربّ النواميس سبحانه هو الذي يحكم ويُغيِّر طبائع الأشياء؟ كيف تُلْعَن، وهي الطعام الذي سيأكله الكافر ويتعذب به؟ إنها أداة من أدوات العقاب، ووسيلة من وسائل التعذيب لأعداء الله. نقول: المراد هنا: الشجرة الملعون آكلها، لأنه لا يأكل منها إلا الأثيم، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ}تفسير : [الدخان: 43-44] والأثيم لا شَكَّ معلون. لكن، لماذا لم يجعل المعلونية للآكل وجعلها للشجرة؟ قالوا: لأن العربي دَرَجَ على أن كل شيء ضار ملعون، أي: مُبْعَد من رحمة الله، فكأن الكافر حينما يرى هذه الشجرة هو الذي يلعنها، فهي ملعونة من آكلها. وقد أكل منها لأنه ملعون، إذن: نستطيع القول إنها ملعونة، وملعون آكلها. ومن الإشكالات التي أثارتها هذه الآية في العصر الحديث قول المستشرقين الذين يريدون أن يتورّكوا على القرآن، ويعترضوا على أساليبه، مثل قوله تعالى عن شجرة الزقوم: {أية : طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ}تفسير : [الصافات: 65]. ووَجْه اعتراضهم أن التشبيه إنما يأتي عادةً لِيُوضِّح أمراً مجهولاً من مخاطب بأمر معلوم له، أما في الآية فالمشبَّه مجهول لنا؛ لأنه غَيْب لا نعلم عنه شيئاً، وكذلك المشبَّه به لم نَرَهُ، ولم يعرف أحد مِنّا رأس الشيطان، فكيف يُشبِّه مجهولاً بمجهول؟ لأننا لم نَرَ شجرة الزقوم لنعرف طَلْعها، ولم نَرَ الشيطان لنعرف رأسه. ثم يقولون: الذي جعل المسلمين يمرُّون على هذه الآية أنهم يُعطون للقرآن قداسة، هذه القداسة تُربّى فيهم التهيُّب أنْ يُقبلوا على القرآن بعقولهم ليفتشوا فيه، ولو أنهم تخلصوا من هذه المسألة وبدأوا البحث في أسلوب القرآن دون تهيُّب لاستطاعوا الخروج منه بمعطيات جديدة. وللردِّ على قَوْل المستشرقين السابق نقول لهم: لقد تعلمتم العربية صناعة، وليس عندكم الملَكَة العربية أو التذوّق الكافي لفهم كتاب الله وتفسير أساليبه، وفَرْقٌ بين اللغة كملَكَة واللغة كصناعة فقط. الملَكة اللغوية تفاعل واختمار للغة في الوجدان، فساعة أنْ يسمعَ التعبير العربي يفهم المقصود منه، أما اللغة المكتسبة - خاصة على كِبَر - فهي مجرد دراسة لإمكان التخاطب، فلو أن عندكم هذه الملكة لما حدث منكم هذا الاعتراض، ولعلمتم أن العربي قبل نزول القرآن قال: شعر : يَغُطُّ غَطِيطَ البكْر شُدّ خِنَاقُه لِيقتُلَنِي والمرْءُ ليسَ بقتَّالِ أَيقتُلِني وَالمشْرفيُّ مُضَاجِعِي وَمسْنُونَةٍ زُرْقٍ كأنْيَابِ أَغْوَالِ تفسير : فهل رأيتم الغول؟ وهل له وجود أصلاً؟ لكن الشاعر العربي استساغ أن يُشبّه سلاحه المسنون بأنياب الغول؛ لأن الغول يتصوَّره الناس في صورة بشعة مخيفة، فهذا التصوّر والتخيُّل للغول أجاز أنْ نُشبّه به. وكذلك الشيطان، وإنْ لم يَرَهُ أحد أن الناس تتخيله في صورة بشعة وقبيحة ومخيفة، فلو كلّفنا جميع رسّامي الكاريكاتير في العالم برسم صورة مُتخيّلة للشيطان لرسم كل واحد منهم صورة تختلف عن الآخر؛ لأن كلاً منهم سيتصوره بصورة خاصة حَسْب تصوره للشيطان وجهة البشاعة فيه. فلو أن الحق سبحانه شبَّه طَلْع شجرة الزقوم بشيء معلوم لنا لَتصوّرناه على وجه واحد، لكن الحق تبارك وتعالى أراد أنْ يُشيعَ بشاعته، وأنْ تذهب النفس في تصوُّر بشاعته كل مذهب، وهكذا يؤدي هذا التشبيه في الآية مَا لا يُؤديّه غيره، ويُحدِث من الأثر المطلوب ما لا يُحدِثه تعبير آخر، فهو إبهام يكشف ويجليِّ. ثم يقول تعالى: {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً} [الإسراء: 60]. أي: نُخوّفهم بأنْ يتعرّضوا للعقوبات التي تعرّض لها المكذِّبون للرسل، فالرسل نهايتهم النصر، والكافرون بهم نهايتهم الخُذْلان. وأنت حينما تُخوّف إنساناً أو تُحذره من شر سيقع له، فقد أحسنتَ إليه وأسديتَ إليه جميلاً ومعروفاً، كالولد الذي يُخوِّف ابنه عاقبة الإهمال، ويُذكّره بالفشل واحتقار الناس له، إنه بذلك ينصحه ليلتفت إلى دروسه ويجتهد. فقوله تعالى: {وَنُخَوِّفُهُمْ ..} [الإسراء: 60] التخويف هنا نعمة من الله عليهم، لأنه يُبشّع لهم الأمر حتى لا يقعوا فيه، وسبق أن ذكرنا أن التخويف قد يكون نعمة في قوله تعالى، في سورة الرحمن: {أية : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}تفسير : [الرحمن: 35-36]. فجعل النار والشُّوَاظ هنا نعمة؛ لأنها إعلام بشيء سيحدث في المستقبل، وسيكون عاقبة عمل يجب أن يحذروه الآن. وقوله تعالى: {فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً} [الإسراء: 60]. أي: يزدادون بالتخويف طغياناً، لماذا؟ لأنهم يفهمون جيداً مطلوبات الإيمان، وإلا لو جهلوا هذه المطلوبات لقالوا: لا إله إلا الله وآمنوا وانتهت القضية، لكنهم يعلمون تماماً أن كلمة لا إله إلا الله تعني: لا سيادةَ إلا لهذه الكلمة، ومحمد رسول الله لا بلاغَ ولا تشريعَ إلا منه، ومن هنا خافوا على سيادتهم في الجزيرة العربية وعلى مكانتهم بين الناس، كيف والإسلام يُسوِّي بين السادة والعبيد؟! إذن: كلما خوَّفْتهم وذكّرتهم بالله ازدادوا طغياناً ونفوراً من دين الله الذي سيهدم عليهم هذه السلطة الزمنية التي يتمتعون بها، وسيسحب بساط السيادة من تحت أقدامهم؛ لذلك تجد دائماً أن السلطة الزمنية لأعداء الرسل، وتأتي الرسل لهدم هذه السلطة، وجَعْل الناس سواسية. وقد اتضح هدم الإسلام لهذه السلطة الزمنية للكفار عندما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان أهلها يستعدون لتنصيب عبد الله بن أُبيٍّ ملِكاً عليهم، فلما جاء رسول الله المدينة انفض الناس عن ابن أُبيٍّ، وتوجهت الأنظار إليه صلى الله عليه وسلم، وطبيعي - إذن - أن يغضب ابن أُبيٍّ، وأن يزدادَ كُرْهه لرسول الله، وأن يسعى لمحاربته ومناوأته، وأنْ يحسده على ما نال من حُبِّ الناس والتفافهم حوله. ثم أراد الحق سبحانه أن يقول: إن هذه سُنّة من سُنَن المعاندين للحق والكائدين للخير دائماً، فقال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ ...}.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} [60] 311- أنا محمد بن العلاء، نا ابن إدريس، نا الحسن بن عُبيد الله، عن أبي الضُّحى، عن ابن عباس، في {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ} قال: حين أُسرِيَ به. قال: {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ} قال: هي شجرة الزَّقوم. 312- أخبرنا محمد بن منصور، نا سفيان، عن عمرو، سميع عكرمة يحدِّث، عن ابن عباس، في قوله: {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ} قال: هي شجرة الزَّقوم. {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ} قال: رُؤْيا عين رآها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أُسرِيَ به.

همام الصنعاني

تفسير : 1580- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ}: [الآية: 60]، قال: منعك من النَّاسِ. 1581- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ}: [الآية: 60]، قال: الرؤيا التي أراه الله في بيت المقدس حين أُسْرِيَ به ، فكان ذلِك فتنةً للكفار. 1582- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عُيَيْنَة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ}: [الآية: 60]، قال: هي رُؤيا عين، رأها ليلَة أُسري به. 1583- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزّهري، أنهم ذهبوا إلى أبي بكر فقالوا: إنَّ صَاحِبَك يقولُ: إنه قد ذهب إلى بيت المقدس في ليلةٍ ورجع، فقالأ: أوَ قالَ ذلِكَ؟ قالوا: نعم، قال: فأشهد إنْ كان قال ذلك لقد صدق، فقالوا: أتصدقه في أن ذهَب إلى بيت المقدس في ليلةٍ ورجع؟ قال: نعم، أُصدِّقه بما هو أبعد من ذلك، في خير السَّماء غدوة وعشية، فسُمِّيَ الصديق لذلك. 1584- حدثنا عبد الرزاق، قال معمر، وقال الزّهري، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله. قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : قمت في الحجر حِينَ كَذَّبَنِي قومي، فَرُفِعَ لي بيت المقدس، حتى جعلتُ أنعتُ لهم آياتِه . تفسير : 1585- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ}: [الآية: 60]، قال الزقوم، قال: وذلِكَ أن المشركين قالوا: يُخبرنا محمد أن في النارِ شجرة والنّار تأكل الشجر، ولا تدع منه شيئاً؛ فذلك فتنة لهُمْ. 1586- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا إسرائيل، عن فرات القزاز، قال، سألت سعيد بن جبير عنِ الشجرة المعلونة في القرآن فقال: شجرة الزقوم. 1587- عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عُيَيْنَة، عن عمرو، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، قال: هي الزقوم.