Verse. 2090 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

وَاِذْ قُلْنَا لِلْمَلٰۗىِٕكَۃِ اسْجُدُوْا لِاٰدَمَ فَسَجَدُوْۗا اِلَّاۗ اِبْلِيْسَ۝۰ۭ قَالَ ءَ اَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيْنًا۝۶۱ۚ
Waith qulna lilmalaikati osjudoo liadama fasajadoo illa ibleesa qala aasjudu liman khalaqta teenan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اذكر «إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم» سجود تحية بالانحناء «فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا» نصب بنزع الخافض أي من طين.

61

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم وجوه. الأول: اعلم أنه تعالى لما ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في محنة عظيمة من قومه وأهل زمانه، بين أن حال الأنبياء مع أهل زمانهم كذلك. ألا ترى أن أول الأولياء هو آدم، ثم إنه كان في محنة شديدة من إبليس. الثاني: أن القوم إنما نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاندوه واقترحوا عليه الاقتراحات الباطلة لأمرين الكبر والحسد، أما الكبر فلأن تكبرهم كان يمنعهم من الإنقياد، وأما الحسد فلأنهم كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من النبوة والدرجة العالية، فبين تعالى أن هذا الكبر والحسد هما اللذان حملا إبليس على الخروج من الإيمان والدخول في الكفر، فهذه بلية قديمة ومحنة عظيمة للخلق. والثالث: أنه تعالى لما وصفهم بقوله: {أية : فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً} تفسير : [الإسراء: 60] بين ما هو السبب لحصول هذا الطغيان وهو قول إبليس {لأحتنكن ذريته إلا قليلاً} فلأجل هذا المقصود ذكر الله تعالى قصة إبليس وآدم، فهذا هو الكلام في كيفية النظم. المسألة الثانية: اعلم أن هذه القصة قد ذكرها الله تعالى في سور سبعة، وهي: البقرة والأعراف والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص والكلام المستقصى فيها قد تقدم في البقرة والأعراف والحجر فلا فائدة في الإعادة ولا بأس بتعديد بعض المسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن المأمورين بالسجود لآدم أهم جميع الملائكة أم ملائكة الأرض على التخصيص، فظاهر لفظ الملائكة يفيد العموم إلا أن قوله تعالى في آخر سورة الأعراف في صفة ملائكة السموات {أية : وله يسجدون} تفسير : [الأعراف: 206] يوجب خروج ملائكة السموات من هذا العموم. المسألة الثانية: أن المراد من هذه السجدة وضع الجبهة على الأرض أو التحية، وعلى التقدير الأول فآدم كان هو المسجود له أو يقال كان المسجود له هو الله تعالى وآدم كان قبلة للسجود؟ المسألة الثالثة: أن إبليس هل هو من الملائكة أم لا؟ وإن لم يكن من الملائكة فأمر الملائكة بالسجود كيف يتناوله؟ المسألة الرابعة: هل كان إبليس كافراً من أول الأمر أو يقال إنما كفر في ذلك الوقت؟ المسألة الخامسة: الملائكة سجدوا لآدم من أول ما كملت حياته أو بعد ذلك. المسألة السادسة: شبهة إبليس في الامتناع من السجود أهو قوله: {أأسجد لمن خلقت طيناً} أو غيره. المسألة السابعة: دلت هذه الآيات على أن إبليس كان عارفاً بربه، إلا أنه وقع في الكفر بسبب الكبر والحسد، ومنهم من أنكر وقال ما عرف الله ألبتة. المسألة الثامنة: ما سبب حكمة إمهال إبليس وتسليطه على الخلق بالوسوسة؟ ولنرجع إلى التفسير فنقول: إنه تعالى حكى في هذه الآية عن إبليس نوعاً واحداً من العمل ونوعين من القول، أما العمل فهو أنه لم يسجد لآدم وهو المراد من قوله: {فسجدوا إلا إبليس} وأما النوعان من القول؟ فأولهما: قوله: {أأسجد لمن خلقت طيناً} وهذا استفهام بمعنى الإنكار معناه أن أصلي أشرف من أصله فوجب أن أكون أنا أشرف منه، والأشرف يقبح في العقول أمره بخدمة الأدنى. والنوع الثاني من كلامه: قوله: {أرأيتك هذا الذي كرمت علي} قال الزجاج: قوله: {أرأيتك} معناه أخبرني، وقد استقصينا في تفسير هذه الكلمة في سورة الأنعام. وقوله: {هذا الذي كرمت علي} فيه وجوه. الأول: معناه: أخبرني عن هذا الذي فضلته علي لم فضلته علي وأنا خير منه؟ ثم اختصر الكلام لكونه مفهوماً. الثاني: يمكن أن يقال هذا مبتدأ محذوف منه حرف الاستفهام، والذي مع صلته خبر، تقديره أخبرني أهذا الذي كرمته علي! وذلك على وجه الاستصغار والاستحقار، وإنما حذف حرف الاستفهام لأن حصوله في قوله {أرأيتك} أغنى عن تكراره. والوجه الثالث: أن يكون {هذا} مفعول {أرأيت} لأن الكاف جاءت لمجرد الخطاب لا محل لها، كأنه قال على وجه التعجب والإنكار أبصرت أو علمت هذا الذي كرمت علي، بمعنى لو أبصرته أو علمته لكان يجب أن لا تكرمه علي، هذا هو حقيقة هذه الكلمة، ثم قال تعالى حكاية (عنه) {لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلاً} وفيه مباحث: البحث الأول: قرأ ابن كثير {لئن أخرتني إلى يوم القيامة} بإثبات الياء في الوصل والوقف، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالحذف ونافع وأبو عمرو بإثباته في الوصل دون الوقف. البحث الثاني: في الاحتناك قولان، أحدهما: أنه عبارة عن الأخذ بالكلية، يقال: أحتنك فلان ما عند فلان من مال إذا استقصاه وأخذه بالكلية، واحتنك الجراد الزرع إذا أكله بالكلية. والثاني: أنه من قول العرب حنك الدابة يحنكها، إذا جعل في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به، وقال أبو مسلم: الاحتناك افتعال من الحنك كأنهم يملكهم كما يملك الفارس فرسه بلجامه. فعلى القول الأول معنى الآية لأستأصلنهم بالإغواء. وعلى القول الثاني لأقودنهم إلى المعاصي كما تقاد الدابة بحبلها. البحث الثالث: قوله: {إلا قليلاً} هم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: {أية : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} تفسير : [الإسراء: 65] فإن قيل كيف ظن إبليس هذا الظن الصادق بذرية آدم؟ قلنا فيه وجوه. الأول: أنه سمع الملائكة يقولون: {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} تفسير : [البقرة: 30] فعرف هذه الأحوال. الثاني: أنه وسوس إلى آدم فلم يجد له عزماً فقال الظاهر أن أولاده يكونون مثله في ضعف العزم. الثالث: أنه عرف أنه مركب من قوة بهيمية شهوانية، وقوة سبعية غضبية، وقوة وهمية شيطانية، وقوة عقلية ملكية، وعرف أن القوى الثلاث أعني الشهوانية والغضبية والوهمية تكون هي المستولية في أول الخلقة، ثم إن القوة العقلية إنما تكمل في آخر الأمر، ومتى كان الأمر كذلك كان ما ذكره إبليس لازماً، واعلم أنه تعالى لما حكى عن إبليس ذلك حكى عن نفسه أنه تعالى قال له اذهب، وهذا ليس من الذهاب الذي هو نقيض المجيء وإنما معناه أمض لشأنك الذي اخترته، والمقصود التخلية وتفويض الأمر إليه. ثم قال: {فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً} ونظيره قول موسى عليه الصلاة والسلام {أية : فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس} تفسير : [طه: 97] فإن قيل أليس الأولى أن يقال: فإن جهنم جزاؤهم جزاء موفوراً. ليكون هذا الضمير راجعاً إلى قوله: {فمن تبعك}؟. قلنا فيه وجوه. الأول: التقدير فإن جهنم جزاؤهم وجزاؤكم ثم غلب المخاطب على الغائب فقيل جزاؤكم. والثاني: يجوز أن يكون هذا الخطاب مع الغائبين على طريقة الإلتفات. والثالث: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» تفسير : فكل معصية توجد فيحصل لإبليس مثل وزر ذلك العامل. فلما كان إبليس هو الأصل في كل المعاصي صار المخاطب بالوعيد هو إبليس، ثم قال: {جزاء موفوراً} وهذه اللفظة قد تجيء متعدياً ولازماً، أما المتعدي فيقال: وفرته أفره وفراً (و) وفرة فهو (و) موفر، قال زهير: شعر : ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتق الشتم يشتم تفسير : واللازم كقوله: وفر المال يفر وفوراً فهو وافر، فعلى التقدير الأول: يكون المعنى جزاء موفوراً موفراً. وعلى الثاني: يكون المعنى جزاء موفوراً وافراً، وانتصب قوله {جزاء} على المصدر.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ} تقدّم ذكر كَوْنِ الشيطان عدوّ الإنسان، فانجرّ الكلام إلى ذكر آدم. والمعنى: اذكر بتمادي هؤلاء المشركين وعتوّهم على ربهم قصة إبليس حين عصى ربه وأبَى السجود، وقال ما قال، وهو ما أخبر الله تعالى في قوله تعالى: {فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} أي من طين. وهذا استفهام إنكار. وقد تقدّم القول في خلق آدم في «البقرة، والأنعام» مستوفًى. {قَالَ أَرَأَيْتَكَ} أي قال إبليس. والكاف توكيد للمخاطبة. {هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} أي فضّلته عليّ. ورأى جوهر النار خيراً من جوهر الطين ولم يعلم أن الجواهر متماثلة. وقد تقدّم هذا في الأعراف. و«هذا» نصب بأرأيت. «الذي» نعته. والإكرام: اسم جامع لكل ما يحمد. وفي الكلام حذف تقديره: أخبرني عن هذا الذي فضلته عليّ، لم فضلته وقد خلقتني من نار وخلقته من طين؟ فحذف لعلم السامع. وقيل: لا حاجة إلى تقدير الحذف، أي أترى هذا الذي كرمته عليّ لأفعلن به كذا وكذا. ومعنى {لأَحْتَنِكَنَّ} في قول ابن عباس: لأستولِيَنّ عليهم. وقاله الفراء. مجاهد: لأحتوِيَنّهم. ابن زيد: لأضلنهم. والمعنى متقارب، أي لأستأصلنّ ذريته بالإغواء والإضلال، ولأجتاحنّهم. وروي عن العرب: احْتَنَك الجراد الزرع إذا ذهب به كلّه. وقيل: معناه لأسوقنهم حيث شئت وأقودَنّهم حيث أردت. من قولهم: حنكت الفرس أحنِكه وأحنُكه حنكا إذا جعلت في فيه الرّسن. وكذلك احتنكه. والقول الأوّل قريب من هذا، لأنه إنما يأتي على الزرع بالحَنَك. وقال الشاعر:شعر : أشكو إليك سَنَةً قد أجحفت جهدا إلى جهدٍ بنا وأضعفت وٱحتنكت أموالنا واجتلفت تفسير : {إَلاَّ قَلِيلاً} يعني المعصومين، وهم الذين ذكرهم الله في قوله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} وإنما قال إبليس ذلك ظنا، كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} أو علم من طبع البشر تركّب الشهوة فيهم، أو بنى على قول الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}. وقال الحسن: ظن ذلك لأنه وسوس إلى آدم عليه السلام فلم يجد له عَزْماً.

ابن كثير

تفسير : يذكر تبارك وتعالى عداوة إبليس - لعنه الله -لآدم وذريته، وأنها عداوة قديمة منذ خلق آدم؛ فإنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، فسجدوا كلهم إلا إبليس استكبر وأبى أن يسجد له افتخاراً عليه واحتقاراً له {قَالَ أَءَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} كما قال في الآية الأخرى: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تفسير : [الأعراف: 12] وقال أيضاً: أرأيتك يقول للرب جراءة وكفراً، والرب يحلم وينظر {قَالَ أَرَءَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ} الآية، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يقول: لأستولين على ذريته إلا قليلاً. وقال مجاهد: لأحتوينَّ. وقال ابن زيد: لأضلنهم، وكلها متقاربة، والمعنى: أرأيتك هذا الذي شرفته وعظمته علي، لئن أنظرتني، لأضلن ذريته إلا قليلاً منهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ } سجود تحية بالانحناء {فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَءسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا } نصب بنزع الخافض أي من طين.

الشوكاني

تفسير : لما ذكر سبحانه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في بلية عظيمة من قومه ومحنة شديدة، أراد أن يبين أن جميع الأنبياء كانوا كذلك، حتى أن هذه عادة قديمة، سنها إبليس اللعين، وأيضاً لما ذكر أن الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ذكر ها هنا ما يحقق ذلك فقال: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ } هذه القصة قد ذكرها الله سبحانه في سبعة مواضع: في البقرة، والأعراف، والحجر، وهذه السورة، والكهف، وطه، وصۤ، وقد تقدّم تفسيرها مبسوطاً فلنقتصر ها هنا على تفسير ما لم يتقدّم ذكره من الألفاظ، فقوله: {طِينًا } منتصب بنزع الخافض، أي: من طين، أو على الحال. قال الزجاج: المعنى لمن خلقته طيناً، وهو منصوب على الحال. {أَرَءيْتَكَ } أي: أخبرني عن هذا الذي فضلته عليّ لم فضلته؟ وقد {أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } تفسير : [الاعراف: 12] فحذف هذا للعلم به {لأحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ } أي: لأستولينّ عليهم بالإغواء والإضلال. قال الواحدي: أصله من احتناك الجراد الزرع، وهو أن تستأصله بأحناكها وتفسده، هذا هو الأصل، ثم سمي الاستيلاء على الشيء وأخذه كله احتناكاً؛ وقيل معناه: لأسوقنّهم حيث شئت، وأقودنّهم حيث أردت، من قولهم: حنكت الفرس أحنكه حنكاً: إذا جعلت في فيه الرسن، والمعنى الأوّل أنسب بمعنى هذه الآية، ومنه قول الشاعر:شعر : أشكو إليك سنة قد أجحفت جهدا إلى جهد بنا وأضعفت واحتنكت أموالنا واختلفت تفسير : أي: استأصلت أموالنا، واللام في {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ } هي الموطئة، وإنما أقسم اللعين هذا القسم على أنه سيفعل بذرية آدم ما ذكره لعلم قد سبق إليه من سمع استرقه، أو قاله لما ظنه من قوة نفوذ كيده في بني آدم، وأنه يجري منهم في مجاري الدم، وأنهم بحيث يروج عندهم كيده وتنفق لديهم وسوسته إلاّ من عصم الله، وهم المرادون بقوله: {إِلاَّ قَلِيلاً } وفي معنى هذا الاستثناء قوله سبحانه: {إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ } ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ } تفسير : [سبأ: 20]. فإنه يفيد أنه قال ما قاله هنا اعتماداً على الظن، وقيل: إنه استنبط ذلك من قول الملائكة {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } تفسير : [البقرة: 30]، وقيل: علم ذلك من طبع البشر لما ركب فيهم من الشهوات، أو ظنّ ذلك لأنه وسوس لآدم، فقبل منه ذلك ولم يجد له عزماً، كما روي عن الحسن. {قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ } أي: أطاعك {فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ } أي: إبليس ومن أطاعه {جَزَاء مَّوفُورًا } أي: وافراً مكملاً، يقال: وفرته أفره وفراً، ووفر المال بنفسه يفر وفوراً، فهو وافر، فهو مصدر، ومنه قول زهير:شعر : ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتّقي الشتم يشتم تفسير : ثم كرّر سبحانه الإمهال لإبليس اللعين فقال: {وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ } أي: استزعج واستخف من استطعت من بني آدم، يقال: أفزه واستفزه أي: أزعجه واستخفه، والمعنى: أستخفهم بصوتك داعياً لهم إلى معصية الله، وقيل: هو الغناء واللهو واللعب والمزامير {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } قال الفراء وأبو عبيدة: أجلب من الجلبة والصياح، أي: صح عليهم. وقال الزجاج أي: أجمع عليهم كل ما تقدر من مكايدك. فالإجلاب: الجمع. والباء في {بخيلك} زائدة. وقال ابن السكيت: الإجلاب: الإعانة، والخيل تقع على الفرسان كقوله صلى الله عليه وسلم: «يا خيل الله اركبي»، وتقع على الأفراس، والرجل بسكون الجيم: جمع رجل كتاجر وتجر، وصاحب وصحب. وقرأ حفص بكسر الجيم على أنه صفة. قال أبو زيد: يقال: رجل ورجل، بمعنى راجل، فالخيل والرجل كناية عن جميع مكايد الشيطان، أو المراد كل راكب وراجل في معصية الله. {وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلأمْوٰلِ وَٱلأوْلَـٰدِ } أما المشاركة في الأموال، فهي: كل تصرف فيها يخالف وجه الشرع سواء كان أخذاً من غير حق، أو وضعاً في غير حق كالغصب والسرقة والربا، ومن ذلك تبتيك آذان الأنعام وجعلها بحيرة وسائبة، والمشاركة في الأولاد: دعوى الولد بغير سبب شرعي، وتحصيله بالزنا وتسميتهم بعبد اللات وعبد العزى، والإساءة في تربيتهم على وجه يألفون فيه خصال الشر وأفعال السوء ويدخل فيه ما قتلوا من أولادهم خشية إملاق، ووأد البنات وتصيير أولادهم على الملة الكفرية التي هم عليها، ومن ذلك مشاركة الشيطان للمجامع إذا لم يسم، ثم قال: {وعدهُمْ } قال الفراء: قل لهم: لا جنة ولا نار. وقال الزجاج: وعدهم بأنهم لا يبعثون {وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً } أي: باطلاً، وأصل الغرور: تزيين الخطأ بما يوهم الصواب؛ وقيل معناه: وعدهم النصرة على من خالفهم، وهذه الأوامر للشيطان من باب التهديد والوعيد الشديد، وقيل: هي على طريقة الاستخفاف به وبمن تبعه. {إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ } يعني: عباده المؤمنين كما في غير هذا الموضع من الكتاب العزيز من أن إضافة العباد إليه يراد بها المؤمنون لما في الإضافة من التشريف، وقيل: المراد جميع العباد بدليل الاستثناء بقوله في غير هذا الموضع {أية : إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ }تفسير : [الحجر: 42] والمراد بالسلطان: التسلط {وَكَفَىٰ بِرَبّكَ وَكِيلاً } يتوكلون عليه، فهو الذي يدفع عنهم كيد الشيطان ويعصمهم من إغوائه. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال إبليس إن آدم خلق من تراب من طين، خلق ضعيفاً وإني خلقت من نار، والنار تحرق كل شيء {لأحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً } فصدق ظنّه عليهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه {لأحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ} قال: لأستولينّ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد {لأحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ } قال: لأحتوينّهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: لأضلنّهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد {مَّوفُورًا } قال: وافراً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ } قال: صوته: كل داع دعا إلى معصية الله {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ } قال: كل راكب في معصية الله {وَرَجِلِكَ} قال: كل راجل في معصية الله {وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلأمْوٰلِ } قال: كل مال في معصية الله {وَٱلأوْلـٰدِ } قال: كل ما قتلوا من أولادهم وأتوا فيهم الحرام. وأخرج الفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في الآية قال: كل خيل تسير في معصية الله، وكل مال أخذ بغير حقه، وكل ولد زنا. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: {ٱلأمَوَالِ } ما كانوا يحرّمون من أنعامهم {وَٱلأوْلـٰدِ } أولاد الزنا. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال: {ٱلأمَوَالِ } البحيرة والسائبة والوصيلة لغير الله {وَٱلأوْلـٰدِ } سموا عبد الحارث وعبد شمس.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {... لأحتنكن ذُرِّيته إلاّ قليلاً} فيه ستة تأويلات: أحدها: معناه لأستولين عليهم بالغلبة، قاله ابن عباس. الثاني: معناه لأضلنهم بالإغواء. الثالث: لأستأصلنهم بالإغواء. الرابع: لأستميلنهم، قاله الأخفش. الخامس: لأقودنهم إلى المعاصي كما تقاد الدابة بحنكها إذا شد فيه حبل يجذبها وهو افتعال من الحنك إشارة إلى حنك الدابة. السادس: معناه لأقطعنهم إلى المعاصي، قال الشاعر: شعر : أشْكوا إليك سَنَةً قد أجحفت جهْداً إلى جهدٍ بنا وأضعفت واحتنكَتْ أَمْولُنا واجتلفت.

ابن عطية

تفسير : المعنى: واذكر إذ قلنا، وكذلك {إذ} [الإسراء: 60] في الآية المتقدمة: هي منصوبة بفعل مضمر، وقد تقدم في غير موضع ذكر خلق آدم وأمر السجود، واختلف في قوله {إلا إبليس} فقيل هو استثناء منقطع، لأن {إبليس} لم يكن من الملائكة، وقيل هو متصل لأن إبليس من الملائكة، وقوله {طيناً} يصح أن يكون تمييزاً، ويصح أن يكون حالاً، وقاس {إبليس} في هذه النازلة فأخطأ، وذلك أنه رأى الفضيلة لنفسه، من حيث رأى النار أفضل من الطين، وجهل أن الفضائل في الأشياء، إنما تكون حيث خصصها الله تعالى، ولا ينظر إلى أصولها. وذكر الطبري عن ابن عباس أن إبليس هو الذي أمره الله فأخذ من الأرض طينة آدم، والمشهور أنه ملك الموت، وكفر إبليس في أن جهل صفة العدل من الله تعالى، حين لحقته الأنفة، والكبر، وكان أصل ذلك الحسد، ولذلك قيل: إن أول ما عصي الله بالحسد، وظهر ذلك من إبليس، من قوله {أرأيتك هذا الذي كرمت علي} {أية : أنا خير منه} تفسير : [الأعراف: 11] حسبما ذكر الله في آية أخرى. فهذا هو النص بأن فعلك غير مستقيم، والكاف في قوله {أرأيتك} هي كاف خطاب ومبالغة في التنبيه، لا موضع لها من الإعراب، فهي زائدة، ومعنى أرأيت: أتأملت ونحوه، كأن المخاطب بها ينبه المخاطب ليستجمع لما ينصه عليه بعد، وقال سيبويه: هي بمعنى أخبرني، ومثل بقوله أرأيتك زيداً أبو من هو؟ وقاله الزجاج: في {أية : آياتنا} تفسير : [طه: 56] ولم يمثل، وقول سيبويه: صحيح حيث يكون بعدها استفهام كمثاله، وأما في هذه الآية، فهي كما قلت، وليست التي ذكر سيبويه رحمه الله، وقرأ ابن كثير "أخرتني" بياء في الوصل والوقف، وهذا هو الأصل، وليس هذا الموضع كالقافية التي يحسن فيها الحذف، كمثل قول الأعشى: [المتقارب] شعر : فهل يمنعني ارتياد البلاد من حذر الموت أن يأتين تفسير : وقرأ نافع وأبو عمرو بالياء في الوصل وبحذفها في الوقف، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي "أخرتن" بحذف الياء في الوصل والوقوف، وهذا تشبيه بياء قاض ونحوه، لكونها ياء متطرفة قبلها كسرة، ومنه قوله تعالى: {أية : يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه} تفسير : [هود: 105] وقوله {لأحتنكن} معناه: لأميلن ولأجرن، وهو مأخوذ من تحنيك الدابة، وهو أن يشد على حنكها بحبل أو غيره فتنقاد، وألسنة تحتنك المال، أي تجتره، ومنه قول الشاعر: شعر : تشكو إليك سنة قد أجحفت جهداً إلى جهة بنا فأضعفت واحتنكت أموالنا وجلفت تفسير : ومن هذا الشعر، قال الطبري {لأحتنكن} معناه: لاستأصلن، وعبر ابن عباس في ذلك بـ "لأستولين"، وقال ابن زيد لأضلن، وهذا بدل اللفظ لا تفسير، وحكم إبليس بهذا الحكم على ذرية آدم، من حيث رأى الخلقة مجوفة مختلفة الأجزاء وما اقترن بها من الشهوات والعوارض، كالغضب ونحوه، ثم استثنى القليل، لعلمه أنه لا بد أن يكون في ذريته من يصلب في طاعة الله، وقوله: {اذهب} وما بعده من الأوامر، هو صيغة افعل من التهديد، كقوله تعالى {أية : اعملوا ما شئتم} تفسير : [فصلت: 40] و {تبعك} معناه في طريق الكفر الذي تدعو إليه، فالآية في الكفار وفي من ينفذ عليه الوعيد من العصاة وقوله {جزاء} مصدر في موضع الحال، و"الموفور" المكمل {واستفزز} معناه استخف واخدع حتى يقع في إرادتك، تقول استفزني فلان في كذا إذا خدعك حتى تقع في أمر أراده، ومن الخفة قيل لولد البقرة فز ومثله قول زهير: شعر : كما استغاث بسيىء فز غيطلة خاف العيون فلم ينظر به الحشك تفسير : و"الصوت" هنا: هو الغناء والمزامير والملاهي، لأنها أصوات كلها مختصة بالمعاصي، فهي مضافة إلى {الشيطان}، قاله مجاهد، وقيل معناه: بدعائك إياهم إلى طاعتك، قال ابن عباس: صوته، كل داع إلى معصية الله، والصواب أن يكون الصوت يعم جميع ذلك. وقوله {وأجلب} أي هول؛ والجلبة: الصوت الكثير المختلط الهائل، وقرأ الحسن: "واجلُب" بوصل الألف وضم اللام. وقوله {بخيلك ورجلك} قيل هذا مجاز واستعارة، بمعنى: اسع سعيك، وابلغ جهدك، وقيل معناه: أن له من الجن خيلاً ورجلاً، قاله قتادة، وقيل المراد: فرسان الناس ورجالتهم، المتصرفون في الباطل، فإنهم كلهم أعوان لإبليس على غيرهم، قاله مجاهد وقرأ الجمهور "ورجْلك" بسكون الجيم، وهو جمع راجل، كتاجر وتجر، وصاحب وصحب، وشارب وشرب، وقرأ حفص عن عاصم: "ورجِلك" بكسر الجيم على وزن فعل، وكذلك قرأ الحسن وأبو عمرو بخلاف عنه، وهي صفة؛ تقول فلان يمشي رجلاً، غير راكب، ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : أنا أقاتل عن ديني على فرسي ولا كذا رجلاً إلا بأصحابي تفسير : وقرأ قتادة وعكرمة: "ورجالك". {وشاركهم في الأموال} عام: لكل معصية يصنعها الناس بالمال، فإن ذلك المصرف في المعصية، هو خط إبليس، فمن ذلك البحائر وشبهها، ومن ذلك مهر البغي، وثمن الخمر، وحلوان الكاهن، والربا، وغير ذلك مما يوجد في الناس دأباً. وقوله {والأولاد} عام لكل ما يصنع في أمر الذرية من المعاصي فمن ذلك الإيلاد بالزنا، ومن ذلك تسميتهم عبد شمس، وعبد الجدي، وأبا الكويفر، وكل اسم مكروه ومن ذلك الوأد الذي كانت العرب تفعله، ومن ذلك صنعهم في أديان الكفر، وغير هذا، وما أدخل النقاش من وطء الجن وأنه تحبل المرأة من الإنس فضعيف كله. وقوله {وعدهم} أي منّهم بما لا يتم لهم، وبأنهم غير مبعوثين، فهذه مشاركة في النفوس، ثم أخبر الله تعالى أنه يعدهم {غروراً} منه، لأنه لا يغني عنهم شيئاً، وقوله {إن عبادي} الآية، قول من الله تعالى لإبليس، وقوله {عبادي} يريد المؤمنين في الكفر، والمتقين في المعاصي، وخصهم باسم العباد، وإن كان اسماً عاماً لجميع الخلق، من حيث قصد تشريفهم والتنويه بهم، كما يقول رجل لأحد بنيه إذا رأى منه ما يحب: هذا ابني، على معنى التنبيه منه والتشريف له، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد ابن أبي وقاص: "حديث : هذا خالي فليرني امرؤ خاله" تفسير : و"السلطان" الملكة والتغلب، وتفسيره هنا بالحجة قلق، ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: {وكفى بربك} يا محمد حافظاً للمؤمنين، وقيماً على هدايتهم.

النسفي

تفسير : {وَإِذا قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُد لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا } هو تمييز أو حال من الموصول، والعامل فيه {أأسجد} على أأسجد له وهو طين أي أصله طين {قَالَ أَرَءيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِى } الكاف لا موضع لها لأنها ذكرت للخطاب تأكيداً هذا مفعول به والمعنى أخبرني عن هذا الذي {كَرَّمْتَ عَلَيَّ} أي فضلته، لم كرمته علي وأنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، فحذف ذلك اختصاراً لدلالة ما تقدم عليه. ثم ابتدأ فقال: {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ } وبلا ياء: كوفي وشامي. واللام موطئة للقسم المحذوف {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ } لأستأصلنهم بإغوائهم {إِلاَّ قَلِيلاً } وهم المخلصون. قيل: من كل ألف واحد. وإنما علم الملعون ذلك بالإعلام أو لأنه رأى أنه خلق شهواني .

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {اخرتني} بالياء في الحالين: ابن كثير غير الهاشمي عن ابن فليح وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل. الباقون بالحذف {ورجلك} بكسر الجيم: حفص وأبو زيد عن المفضل الآخرون بسكونها. {أن نخسف}، {أونرسل}، {أن نعيدكم}، {فنرسل}، {فتضركم} كلها بالنون: ابن كثير وأبو عمرو. والباقون على الغيبة إلا يعقوب ويزيد فإنهما قرأ {فتغرقكم} بالتاء الفوقانية على أن الضمير للريح من الرياح على الجميع يزيد: {هذه أعمى} بالإمالة {أعمى} بالتفخيم: أبو عمرو ونصير والبرجمي ورويس. وقرأ حمزة وعلي غير نصير وخلف ويحيى وحماد جميعاً بالإمالة. الباقون جميعاً بالتفخيم. الوقوف: {إبليس} ط {طيناً} ه لاتحاد فاعل فعل قبله وفعل بعده بلا حرف عطف {عليّ} ز لحق القسم المحذوف مع اتحاد الكلام {قليلاً} ه {موفوراً} ه {وعدهم} ط للعدول {غروراً} ه {سلطان} ط {وكيلاً} ه {من فضله} ط {رحيماً} ه {الا إياه} ج {أعرضتم} ط {كفوراً} ه {وكيلاً} ه لا للعطف {تبيعاً} ه {تفضيلاً} ه {بإمامهم} ج {فتيلاً} ه {سبيلاً}. التفسير: قال أهل النظم: إنه لما ذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان من قومه في بلية عظيمة ومحنة شديدة، أراد أن يبين أن جميع الأنبياء كانوا كذلك حتى آدم عليه السلام. وأيضاً إن القوم كان منشأ نزاعهم واقتراحاتهم الفاسدة أمرين: الكبر والحسد. فبين الله سبحانه أن هذه عادة قديمة سنها إبليس لعنة الله عليه. وأيضاً لما وصف القوم بزيادة الطغيان عقيب التخويف أراد أن يذكر السبب لحصول هذا الطغيان وهو قول إبليس {لأحتنكن ذريته} وهذه القصة ذكرها الله تعالى في سبع سور: البقرة والأعراف والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص. ونحن قد استقصينا القول فيه فلا حاجة إلى الإعادة فلنقتصر على تفسير الألفاظ، قال جار الله {طيناً} حال إما من الموصول والعامل فيه {أسجد} معناه أأسجد له وهو طين في الأصل؟ وإما من الراجع إلى الموصول من الصلة تقديره أأسجد لمن كان في وقت خلقه طيناً؟ ومعنى الاستفهام إنكار أمر الأشرف على زعمه بخدمة الأدون ولذلك {قال أرأيتك} أي أخبرني عن {هذا الذي كرمته} أي فضلته {عليّ} لم كرمته وأنا خير منه؟ فاختصر الكلام لكونه معلوماً. ويمكن أن يقال: هذا مبتدأ والاستفهام فيه مقدر معناه أخبرني أهذا الذي كرمته عليّ؟ والإشارة هنا تفيد الاستحقار. وقيل: إن هذا مفعول: {أرأيت} لأن الكاف لمجرد الخطاب كأنه قال على وجه التعجب والإنكار: أبصرت أو علمت هذا بمعنى لو أبصرته أو علمته لكان يجب أن لا يكرّم عليّ. ثم ابتدأ فقال {لئن أخرتني} واللوم موطئة للقسم المحذوف وجوابه {لأحتنكن ذرّيته} لأستأصلنهم بالإغواء من احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلاً من الحنك. ومنه ما ذكر سيبويه "أحنك الشاتين" أي آكلهما. وقال أبو مسلم: هو افتعال من الحنك يقال منه حنك الدابة يحنكها إذا جعل في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به كأنه يملكهم كما يملك الفارس فرسه بلجامه. وإنما ظن إبليس بهم ذلك لأنه سمع قول الملائكة في حقهم {أية : تجعل فيها من يفسد فيها} تفسير : [البقرة: 30] أو نظر إليه فتوسم أنه خلق شهواني إلى غير ذلك من قواه السبعية والوهمية والبهيمية. أو قاس ذرية آدم عليه حين عمل وسوسته فيه. وضعفه جار الله بأن الظاهر أنه قال ذلك قبل أكل آدم من الشجرة {قال} أي الله تعالى {اذهب} ليس المراد منه نقيض المجيء وإنما المراد امض لشأنك الذي اخترته خذلاناً وتخيلة وإمهالاً. ثم رتب على على الإمهال قوله: {فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم} أراد جزاؤهم وجزاؤك فغلب المخاطب على الغائب لأنه الأصل في المعاصي وغيره تبع له. وجوز في الكشاف أن يكون الخطاب لتابعيه على طريقة الالتفات. وانتصب {جزاء موفوراً} على المصدر والعامل فيه معنى تجازون المضمر، أو المدلول عليه بقوله: {فإن جهنم جزاؤكم} أو على الحال الموطئة. والموفور الموفر من قولهم "فر لصاحبك عرضه فرة". وقيل: هو بمعنى الوافر. ثم أكد الإمهال والخذلان بقوله: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك} أفزه الخوف واستفزه أزعجه واستخفه، وصوته دعاؤه إلى معصية الله. وقيل: الغناء واللهو واللعب {وأجلب عليهم بخيلك ورجلك} قال الفراء وأبو عبيدة: أجلب من الجلبة والصياح أي صح عليهم. وقال الزجاج: أي أجمع عليهم كل من تقدر عليه من مكايدك. فالإجلاب الجمع والباء في {بخيلك} زائدة. وقال ابن السكيت: الإجلاب الإعانة، والخيل يقع على الفرسان قال صلى الله عليه وسلم:حديث : يا خيل الله اركبي.تفسير : وعلى الأفراس جميعاً. والرجل بسكون الجيم جمع راجل كتاجر وتجر وصاحب وصحب. وبكسر الجيم صفة معناه وجمعك الرجل. تضم جيمه أيضاً مثل ندس وندس وحذر وحذر. عن ابن عباس: كل راكب وراجل في معصية الله فهو من خيل إبليس وجنوده. وقيل: يحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضها راكب وبعضها راجل، والأقرب أن هذا كلام ورد تمثيلاً فقد يقال للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك ورجلك. قال في الكشاف: مثلت حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع على قوم فصوت بهم صوتاً يستفزهم من أماكنهم ويقلقهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجند من خيالة ورجالة حتى إذا استأصلهم. أما المشاركة في الأموال فهي كل تصرف في المال لا على وجه الشرع سواء كان أخذاً من غير عوض أو وضعاً في غير حق كالربا والغضب والسرقة. وقيل: هي تبتيك آذان الأنعام وجعلها بحيرة وسائبة. والمشاركة في الأولاد دعوى الولد بغير سبب وتحصيله بالدعاء إلى الزنا، أو تسميتهم بعبد اللات وعبد العزى، أو تربيتهم لا كما ينبغي حتى ينشأوا غير راشدين ولا مؤدبين ولا متدينين بدين الحق. {وعدهم} بتزيين المعاصي في أعينهم وترغيبهم فيها وتثقيل الطاعات والعبادات عليهم وتنفيرهم عنها، وهذه قضية كلية وربما يخصه المفسرون، فعن بعضهم أن المراد وعدهم بأنه لا جنة ولا نار. وقيل: تسويف التوبة. وقيل: بالكرامة على الله بالأنساب والأحساب. وقيل: بشفاعة الأصنام والأماني الباطلة وإيثار العاجل على الآجل. ثم نفى أن يكون لوعد الشيطان عاقبة حميدة فقال: {وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} لأنه إنما يدعو إلى اللذات البهيمية أو السبعية أو الخيالية، وأكثرها دفع الآلام وكلها لا أصل لها ولا دوام. ومن أراد الاستقصاء في هذا الباب فعليه بمطالعة باب "ذم الغرور من كتاب إحياء علم الدين" للشيخ الإمام محمد الغزالي رحمه الله. ولما قال للشيطان على سبيل الوعيد والتهديد افعل ما تقدر عليه ربط جأش سائر المكلفين بقوله: {أية : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} تفسير : [الحجر: 42] قال الجبائي: المراد كل عباده لأنه استثنى متبعيه في غير هذا الموضع قائلاً: {أية : إلاَّ من تبعك} تفسير : [الحجر: 42] وقال أهل السنة: المراد عباد الله المخلصين. ثم زاد في تقوية جانب المكلف فختم الآية بقوله: {وكفى بربك وكيلاً} فهو يدفع كيد الشيطان ويعصمهم من إغوائه. ثم عدد على بني آدم بعض ما أنعم به عليهم ليكون تذكيراً لهم وتحذيراً فقال: {ربكم الذي يزجى لكم} أي يسير لأجلكم {الفلك في البحر} والإزجاء سوق الشيء حالاً بعد حال {لتبتغوا من فضله} الربح بالتجارة {إنه كان بكم رحيماً} فلذلك هداكم إلى مصالح المعاش المؤدية إلى منافع المعاد {وإذا مسكم الضر} أي خوف الغرق {في البحر ضل من تدعون} ذهب عن أوهامكم وخواطركم كل من تدعونه في حوادثكم {إلا إياه} وحده فإنكم تعقدون برحمته رجاءكم، أو المراد ضل من تدعون من الآلهة عن إغاثتكم ولكن الله هو الذي ترجونه وحده فكان الاستثناء منقطعاً {فلما نجاكم} من ذلك الضر وأخرجكم {إلى البر أعرضتم} عن الإخلاص {وكان الإنسان كفوراً} لنعمة الله لأنه عند الشدة يتمسك برحمة الله وفي الرخاء يعرض عنه. ثم أنكر عليهم سوء معاملتهم قائلاً: {أفأمنتم} تقديره أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض {أن يخسف} أصله دخول الشيء في الشيء ومنه عين خاسفة للتي غارت حدقتها في الرأس، وخسف القمر دخل تحت الحجاب وهو دائرة الظل عند الحكماء {بكم} حال، وإنما قال: {جانب البر} لأنه ذكر البحر في الآية الأولى وهو جانب والبر جانب، وخسف جانب البر بهم قلبه وهم عليه فالخسف تغييب تحت التراب كما أن الغرق تغييب تحت الماء، فهبوا أنكم نجوتم من هول البحر فهل أمنتم من هول البر فإنه قادر على تسليط آفات البر عليكم. إما من جانب التحت بالخسوف، وإما من جانب الفوق بإمطار الحجارة وذلك أن {يرسل عليكم} حاصباً وهي الريح التي تحصب أي ترمي بالحصباء. وقال الزجاج: الحاصب التراب الذي فيه حصباء، فالحاصب ذو الحصباء كاللابن والتامر. ولا يخفى أن هذين العذابين أشد من غرق البحر. {ثم لا تجدوا لكم وكيلاً} يصرف ذلك عنكم {أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى} بأن يقوي دواعيكم ويوفر حوائجكم إلى ركوب البحر {فيرسل عليكم قاصفاً} وريحاً لها قصيف أي صوت شديد أو القاصف الكاسر. وقوله: {من الريح} بيان له {فيغرقكم بما كفرتم} بسبب كفركم {ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً} مطالباً يتبعنا لإنكار ما نزل بكم أو لنصرفه عنكم فهو كقوله: {أية : ولا يخاف عقباها} تفسير : [الشمس: 16]. ثم أجمل ذكر النعمة بقوله: {ولقد كرمنا بني آدم} وقد ذكر المفسرون في تكريمه وجوهاً منها: الخط فيه يقدر الإنسان على إيداع العلوم التي استنبطها - هو أو غيره - الدفاتر فتبقى على وجه الدهر مصونة عن الاندراس محفوظة عن الانطماس {أية : اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم} تفسير : [العلق: 3 - 4] ومنها الصورة الحسنة {أية : وصوركم فأحسن صوركم} تفسير : [غافر: 64]، ومنها القامة المعتدلة {أية : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} تفسير : [التين: 4] ومنها أن كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم. يحكى عن الرشيد أنه حضر لديه طعام فأحضرت الملاعق - وعنده أبو يوسف - فقال له: جاء في تفسير جدك ابن عباس هذا التكريم هو أنه جعل لهم أصابع يأكلون بها فرد الملاعق وأكل بأصابعه. ومنها ما قال الضحاك: إنه النطق والتمييز فإن الإنسان يمكنه تعريف غيره كل ما عرفه بخلاف سائر الحيوان، ويدخل الأخرس في هذا الوصف لأنه يعرف بالإشارة أو الكتابة، ويخرج الببغاء ونحوه لأنه لا يقدر على تعريف جميع الأحوال على الكمال. ومنها تسليطهم على ما في الأرض وتسخيره لهم، فالأرض لهم كالأم الحاضنة {أية : منها خلقناكم وفيها نعيدكم} تفسير : [طه: 55] وهي لهم فراش ومهاد، والماء ينتفعون به في الشرب والزراعة والعمارة وماء البحر ينتفع به في التجارة واستخراج الحلي منه، والهواء مادة الحياة ولولا هبوب الرياح لاستولى النتن على المعمورة، والنار ينتفع بها في الطبخ والإنضاج ودفع البرد وغير ذلك، وانتفاعهم بالمركبات المعدنية والنباتية والحيوانية ظاهر. وبالجملة فهذا العالم بأسره كقرية معمورة أو خوان معد، والإنسان فيه كالرئيس المخدوم والملك المطاع، فأي تكريم يكون أزيد من هذا؟ ولا شك أن الإنسان - لكونه مستجمعاً للقوة العقلية القدسية وللقوتين الشهوية البهيمية والغضبية السبعية ولقوّتي الحس والحركة الإرادية وللقوى النباتية وهي الاغتذاء والنموّ والتوليد - يكون أشرف مما لم يستجمع الجميع سوى المجردات المحضة. وقال بعضهم: إن هذا التكريم هو أنه تعالى خلق آدم بيده وأبدع غيره بواسطة "كن". يروى عن زيد بن أسلم أن الملائكة قالت: ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها ويتمتعون ولم تعطنا ذلك فأعطنا في الآخرة. فقال: وعزتي وجلالي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له "كن" فكان. ثم خص بعض أنواع التكريم بالذكر فقال: {وحملناهم في البر والبحر} قال ابن عباس: في البر أي على الخيل والبغال والحمير وفي البحر أي على السفن {ورزقناهم من الطيبات} من كل غذاء نباتي أو حيواني ألطفه وأذله. واعلم أن التكريم لا يدل على التفضيل لأن تكريم زيد لا ينافي تكريم غيره بأزيد من ذلك ولذلك ختم التكريم بقوله: {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} فسر بعض الأشاعرة الكثير ههنا بمعنى الجميع فشنع عليه جار الله بأنه شجى في الحلق وقذى في العين لبشاعة قول القائل: وفضلناهم على جميع ممن خلقنا. والإنصاف أن كون الكثير مفيداً لمعنى الجميع لا يوجب هذا التشنيع، لأنه لا يلزم من إفادة اللفظ معنى لفظ آخر بمعنى أنه يرجع الحاصل إلى ذلك بدلالة الالتزام، أو بحكم العرف أن يوضع ذلك اللفظ موضعه وينطق به على أن التفسير لا يقوم مقام المفسر ألبتة، لأن هذا معجز دون ذلك فكيف يبقى الذوق بحاله؟ وأيضاً فالحاصل هو قولنا على جميع من خلقنا لا على جميع ممن خلقنا، فإن الدعوى هو أن كثيراً من الشيء أقيم مقام كل ذلك الشيء لا كل من ذلك الشيء حتى تلزم البشاعة من قبل الجمع بين لفظي الكل و "من" التبعيضية. هذا وإن الحق في المسألة هو إجراء الكلام على ظاهره، وإن الآية تدل على أنه حصل في مخلوقات الله شيء لا يكون للإنسان تفضيل عليه، لأنه سبحانه ذكر في هذا الكلام في معرض المدح، ولو كان الإنسان مفضلاً على الكل لم يقع من الله تعالى الاقتصار على ذكر البعض، وكل من أثبت هذا القسم قال: إنه هو الملائكة: فلزم القول بأن كل الإنسان ليس أفضل من كل الملائكة بل بعض الملائكة أفضل من أكثر الإنسان وإن كان يوجد في خواص الإنسان من هو أفضل من عوام الملائكة بل من خواصهم، وإلى هذا ذهب ابن عباس واختاره الزجاج على ما رواه الواحدي في البسيط. وأما أن كل الملائكة أفضل من كل البشر - على ما زعم جار الله وأمثاله - فإنه تحكم محض. ولما ذكر أنواع كرامات الإنسان في الدنيا شرح أحوال درجاته في الآخرة فقال: {يوم ندعو} وهو منصوب بإضمار "اذكر" أو بقوله: {فضلناهم} على عادة الله في الإخبار أي ونفضلهم في هذا اليوم بما نعطيهم من الكرامة والثواب، وعلى هذا يكون التكريم في الدنيا والتفضيل في الآخرة ولا وقف على {تفضيلاً} والإمام في اللغة كل ما يؤتم به من نبي أو مقدّم في الدين أو كتاب أو دين. والباء في قوله: {بإمامهم} للإلصاق كما تقول أدعوك باسمك. عن أبي هريرة مرفوعاً أنه ينادى يوم القيامة يا أمة إبراهيم يا أمة موسى يا أمة عيسى يا أمة محمد، فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بأيمانهم، ثم ينادى يا أتباع فرعون وفلان وفلان من رؤساء الضلال وأكابر الكفر. ويجوز أن يتعلق الباء بمحذوف وهو الحال والتقدير: تدعو كل أناس متلبسين بإمامهم أي يدعون وإمامهم في نحو "ركب بجنوده". وروى الضحاك وابن زيد أنه ينادى في القيامة يا أهل القرآن يا أهل التوراة يا أهل الإنجيل. وقال الحسن: يدعون بكتابهم الذي فيه أعمالهم فيقال: يا أصحاب كتاب الخير يا أصحاب كتاب الشر. وهو قول الربيع وأبي العالية أيضاً. قال صاحب الكشاف: ومن بدع التفاسير أن الإمام جمع "أن" وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم. والحكمة في ذلك في رعاية حق عيسى وإظهار شرف الحسن والحسين عليهما السلام وأن لا يفتضح أولاد الزنا. ثم قال: وليت شعري أيهما أبدع أصحة لفظه أم بيان حكمته؟ وقال في التفسير الكبير: كل خلق يظهر من الإنسان حسن كالعفة والشجاعة والعلم، أوقبيح كأضدادها فالداعي إلى تلك الأفعال خلق باطن كالإمام له وكالمنبع والمنشأ، ويوم القيامة إنما يظهر الثواب والعقاب بناء على الأفعال الناشئة من تلك الأخلاق {فمن أوتى} هو في معنى الجمع ولذلك قيل في جزائه {فأولئك يقرؤن} وخص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم لأن قراءة أصحاب الشمال كلا قراءة لما يعرض لهم فيه من الحياء والخجل والتتعتع {ومن كان في هذه} الدنيا {أعمى} لا خلاف أن المراد بهذا العمى عمى القلب. وأما قوله: {فهو في الآخرة أعمى} فيحتمل أن يراد به عمى البصر كقوله: {أية : ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً} تفسير : [طه: 25] وفي هذا زيادة العقوبة. ويحتمل أن يراد عمى القلب. قال ابن عباس: المراد ومن كان أعمى في هذه النعم التي عددها من قوله: {ربكم الذي يزجى} إلى قوله: {تفضيلاً} فهو في الآخرة التي لم ير ولم يعاين أعمى بالطريق الأولى، لأن الضلال عن معرفة أحوال الآخرة أقرب وقوعاً، فعلى هذا يكون الأعمى في الموضعين في الدنيا، ومثله ما روى أبو روق عن الضحاك. من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرته في خلق السماء والأرض والبحار والجبال والناس والدواب، فهو عن أمر الآخرة وتحصيل العلم به أعمى. قال المفسرون: لا يبعد أن يكون أعمى على هذا التفسير "أفعل" التفضيل ودليله قراءة أبي عمر وبإمالة الأول وتفخيم الثاني، لأن الأول ألفه واقعة في الطرف فكانت عرضة للإمالة ومظنة لها بخلاف الثاني فإن تمامه بمن فكانت ألفه في حكم وسط الكلمة. هذا قول صاحب الكشاف تابعاً لأبي علي الفارسي. وأقول: في هذا الوجه نظر، لأن الإمالة ليست مختصة بآخر الكلمة مثل "شيئان" "والكافرين" ونحوهما ولهذا قرىء بإمالة كليهما مع قيام هذا الاحتمال في الثاني، ولعل من لم يمل الثاني راعى المشاكلة بينه وبين أضل والله أعلم. قال الحسن: في الآخرة أي في الدار الآخرة وذلك أنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل. وقيل: المراد بالعمى في الآخرة أنه لا يهتدي إلى طريق الجنة وإلى طيباتها والابتهاج، بها ولا يمكن أن يراد بها الجهل بالله لأن أهل الآخرة يعرفون الله بالضرورة. التأويل: {من استطعت منهم بصوتك} أي بكلمات المبتدعة ومقالات أهل الطبيعة {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} لأنهم بخصوصية العبودية تخلصوا عن رق الكونين وتعلق العالمين {وكفى بربك وكيلاً} في تربيتهم وتهيئة صلاح أحوالهم. {ربكم الذي يزجى لكم} فلك الشريعة في بحر الحقيقة {لتبتغوا من فضله} جذبة العناية {فلما نجاكم} إلى بر الوصول والوصال {أعرضتم} بحجب العجب ورؤية الأعمال {حاصباً} من مطر القهر {قاصفاً} من ريح الابتلاء ببليات البدع والأهواء {فيغرقكم} في بحر الشهوات {ولقد كرمنا بني آدم} بالكرامات البدنية العامة للمؤمن والكافر وهي تخمير طينته بيده وتصويره في الرحم بنفسه، وبالكرامات الروحانية العامة وهي أن نفخ فيه من روحه وشرفه بخطاب {ألست بربكم} وأنطقه بجواب {بلى} وأولده على الفطرة وأرسل الرسل وأنزل الكتب، وبالكرامات الروحانية الخاصة من النبوة والولاية والهداية والجذبة كما قال: {وحملناهم في البر والبحر} أي عبرنا بهم من بر البشرية وبحري الروحانية إلى ساحل الربانية {ورزقناهم من} طيبات المواهب ونوال الكشوف {وفضلناهم على كثير} أي على الملائكة لأنهم الخلق الكثير من مخلوقات الله. وبيان تفضيله حسن استعداده في قبول فيض نور الله بلا واسطة وهو المراد بالأمانة في قوله: {أية : إنا عرضنا الأمانة} تفسير : [الأحزاب: 72]{ندعو كل أناس بإمامهم} من الدنيا والآخرة وغيرهما فيقال: يا أهل الدنيا ويا أهل الآخرة ويا أهل الله {فمن أوتى كتابه بيمينه} فيه إشارة إلى أن أهل الله لا يؤتون كتابهم كما لا يحاسبون حسابهم، وأهل الشمال يؤتون الكتاب ولكنهم لا يقدرون على القراءة لأنهم عمي والقراءة تحتاج إلى الإبصار بالأبصار وبالبصائر والله أعلم.

ابن عادل

تفسير : في النظم وجوهٌ: أولها: أنه تعالى، لمَّا ذكر أنَّ الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - كان في محنةٍ عظيمة من قومه، بيَّن أنَّ حال جميع الأنبياءِ مع أهل زمانهم كذلك؛ ألا ترى أنَّ الأول منهم آدمُ - صلوات الله وسلامه عليه - ثمَّ إنه كان في محنة من إبليس. وثانيها: أنَّ القوم، إنَّما نازعُوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاندوه، واقترحوا عليه الاقتراحات الباطلة لأمرين: الكبر والحسد، فبيَّن سبحانه وتعالى أنَّ هذا الكبر والحسد هما اللذان حملا إبليس على الكفر، و الخروج من الإيمان، فهذه بليَّةٌ عظيمةٌ قديمةٌ. وثالثها: أنَّهم لما وصفهم الله تعالى بقوله: {أية : فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً} تفسير : [الإسراء: 60] بيَّن ما هو السبب لحصُول هذا الطُّغيان، وهو قول إبليس {لأحتنكنَّ ذريته إلا قليلا} فلهذا المقصود ذكر الله تعالى قصَّة آدم وإبليس. واعلم أنَّ هذه القصَّة ذكرها الله تعالى في سبع سورٍ؛ البقرةِ، والأعراف، والحجر، وهذه السورة، والكهف، وطه، وص، وقد تقدم الاستقصاء عليها في البقرة، فليلتفت إليه. وقوله: {ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} استفهامٌ بمعنى الإنكار، معناه: أنَّ أصلي أشرفُ من أصله؛ فوجب أن أكون أشرف منه، والأشرف لا يخدم الأدنى. قوله تعالى: "طيناً": فيه أوجه: أحدها: أنه حال من "لِمَنْ" فالعامل فيها "أأسجدُ" أو من عائد هذا الموصول، أي: خلقتهُ طيناً، فالعامل فيها "خَلقْتَ" وجاز وقوع طينٍ حالاً، وإن كان جامداً، لدلالته على الأصالة؛ كأنه قال: متأصِّلاً من طين. الثاني: أنه منصوبٌ على إسقاطِ الخافض، أي: من طينٍ، كما صرَّح به في الآية الأخرى: {أية : وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تفسير : [الأعراف: 12]. الثالث: أنه منتصبٌ على التمييز، قاله الزَّجَّاج، وتبعه ابن عطيَّة، ولا يظهر ذلك؛ إذ لم يتقدَّم إبهامُ ذاتٍ ولا نسبةٍ.

البقاعي

تفسير : ولما تقدم أنهم استبعدوا الإعادة من أجل صيرورتهم بعد الموت رفاتاً، وأخبر تعالى بقدرته على ذلك ولو صاروا إلى ما هو أعسر عندهم في الإعادة من الرفات بأن يكونوا حجارة أو حديداً، وأشار إلى قدرته على التصرف بخرق العادة في الحديد بإلانته لعبد من عبيده، ثم في الحجارة على سبيل الترقي في النشر المشوش بما هو أعجب من ذلك، وهو إفاضة الحياة عليها لعبد آخر من عبيده، أشار إلى تصرفه في التراب الذي هو نهاية الرفات الذي حملهم على الاستبعاد بما هو أعجب من كل ما تقدمه، وذلك بإفاضة الحياة الكاملة بالنطق عليه من غير أن تسبق له حالة حياة أصلاً، وذلك بخلق آدم عليه السلام الذي هو أصلهم، مع ما في ذلك من حفظ السياق في التسلية بأن الآيات لا تنفع المحكوم بشقاوته وبأن آدم عليه السلام قد سلط عليه الحاسد واشتد أذاه له مع أنه صفي الله وأول أنبيائه، مع البيان لأن أغلب أسباب الطغيان الحسد الذي حمل إبليس على ما فعل فقال تعالى: {وإذ} أي واذكر أيضاً ما وقع من الطغيان مع رؤية الآيات في أول هذا الكون من إبليس الذي هو من أعلم الخلق بآيات الله وعظمته، ثم ممن اتبعه من ذرية آدم عليه السلام بعد تحقق عداوته في مخالفة ربهم المحسن إليهم مع ادعاء ولايته إذ {قلنا} أي بما لنا من العظمة التي لا يعصي مرادها شيء {للملائكة} حين خلقنا أباكم آدم وفضلناه: {اسجدوا لآدم} امتثالاً لأمري {فسجدوا إلا إبليس} أبى أن يسجد لكونه ممن حقت عليه الكلمة ولم ينفعه ما يعلمه من قدرة الله وعظمته، وذلك معنى قوله: {قال} أي لنا منكراً متكبراً: {ءأسجد} أي خضوعاً {لمن خلقت} حال كون أصله {طيناً *} فكفر بنسبته لنا إلى الجور وعدم الحكمة، متخيلاً أنه أكرم من آدم عليه السلام من حيث إن الفروع ترجع إلى الأصول، وأن النار التي هي أصله أكرم من الطين، وذهب عليه إن الطين أنفع من النار فهو أكرم، وعلى تقدير التنزل فإن الجواهر كلها من جنس واحد، والله تعالى الذي أوجدها من العدم يفضل بعضها على بعض بما يحدث فيها من الأعراض، كما تقدمت الإشارة إليه في {أية : ولقد فضلنا بعض النبيّن على بعض } تفسير : [الإسراء:55]. ولما أخبر تعالى بتكبره، كان كأنه قيل: إن هذه لوقاحة عظيمة واجتراء على الجناب الأعلى، فهل كان غير هذا؟ فقيل: نعم! {قال أرءيتك} أي أخبرني {هذا الذي كرمت عليّ} بم كرمته عليّ مع ضعفه وقوتي؟ فكأنه قيل: لقد أتى بالغاية في إساءة الأدب، فما كان بعد هذا؟ فقيل: قال مقسماً لأجل استبعاد أن يجترىء أحد هذه الجراءة على الملك الأعلى: {لئن أخرتن} أي أيها الملك الأعلى تأخيراً ممتداً {إلى يوم القيامة} حياً متمكناً {لأحتنكن} أي بالإغواء { ذريته} أي لأستولين عليهم بشدة احتيالي كما يستولي الآكل على ما أخذه في حنكه، بتسليطك لي عليهم {إلا قليلاً *} وهم أولياؤك الذين حفظتهم مني، فكأنه قيل: لقد أطال في الاجتراء فما قال له ربه بعد الثالثة؟ فقيل: {قال} مهدداً له: {اذهب} أي امض لثباتك الذي ذكرته بإرادتي لا بأمري، فإنك لن تعدو أمرنا فيك وقد حكمنا بشقاوتك وشقاوة من أردنا طاعته لك، ولذلك سبب عنه قوله تعالى: {فمن تبعك} أي أدنى اتباع {منهم} أي أولاد آدم عليه السلام، ويجوز أن يراد بتجريد الفعل أن من تبعه بغير معالجة من فطرته الأولى لا يكون إلا عريقاً في الشر. ولما كان التقدير: أذقته من خزيك، عبر عنه بقوله تعالى: {فإن جهنم} أي الطبقة النارية التي تتجهم داخلها {جزاؤكم} أي جزاءك وجزاءهم، تجزون ذلك {جزاء موفوراً *} مكملاً وافياً بما تستحقون على أعمالكم الخبيثة. ومادة "وفر" بجميع تراكيبها - وهي خمسة عشر، في الواوي ستة: وفر، ورف، فور، فرو، رفو، روف، وفي اليائي ثلاثة: فري، رفي، ريف، وفي المهموز ستة: رفأ، رأف، فرأ، فأر، أفر، أرف - تدور على السعة، والمجاوزة للحد، والعلو على المقدار، والفضل عن الكفاية؛ فالوفر: المكان الكبير، وسقاء وفر: لم ينقص من أديمه شيء، وإداوة وفراء، والوفرة: ما بلغ الأذنين من الشعر، والوافر: ضرب من العروض وزنه مفاعلتن ست مرات، والوفر: الغنى، ومن المال: الكثير الواسع، والعام من كل شيء، ووفره توفيراً: أكثره، ووفر له عرضه: لم يشتمه، ووفر عطاءه: رده عليه وهو راضٍ، ووفره توفيراً: أكمله وجعله وافراً - لأن الكمال لا يكاد يتحقق إلا مع زيادة، والثوب: قطعه وافراً، والوافرة: ألية الكبش إذا عظمت، والدنيا، والحياة، وكل شحمة مستطيلة، وهم متوافرون: فيهم كثرة، واستوفر عليه حقه: استوفاه. وورف النبت يرف إذا رأيت له بهجة من ريه، ولا يكون ذلك إلا من نضارته واتساعه وكونه ملء العين، وورف الظل يرف ورفاً ووريفاً ووروفاً: اتسع وطال وامتد كأورف وورّف والورف: ما رق من نواحي الكبد - لزيادته واسترخائه، والرفة - كعدة: الناضر من النبت، وورفته توريفاً: مصصته، والأرض: قسمتها - كأنه من الإزالة. وفارت القدر - إذا غلت حتة يعلو ما فيها فتفيض، وكل حارّ يفور فوراً، وفار العرق - إذا انتفخ، زاد في القاموس: وضرب، والمسكُ، انتشر، وفارة الإبل: فوح جلودها إذا نديت بعد الورد، والفائر: المنتشر العصب من الدواب وغيرها، وأتوا من فورهم: من وجههم أو قبل أن يسكنوا - لأن حركتهم توسع وانتشار فسميت فوراً والفار: عضل الإنسان - لأنه أثخن مما دونه، والفور - بالضم: الظباء، جمع فائر - لأنه من أسرع الحيوان نفاراً، وأشدها وثباً، وأوسعها عدواً، وقال القزاز: والفارة والفورة: ريح تكون في رسغ الفرس تنفش إذا مسحت وتجتمع إذا تركت، وقال في فأر: فإذا مشى انفشت، وأعاده في القاموس في المهموز فقال: والفأرة له - أي للذكر من الحيوان المعروف - وللأنثى، وريح في رسغ الدابة تنفش إذا محست وتجتمع إذا تركت كالفورة بالضم، والفور: ولد الحمار - لخفته وسرعة حركته ووثبه، وفوارتا الكرش: غدتان في جوف لحمتين، وقيل: الفوارة: اللحمة - التي في داخلها الغدة، وقيل: تكونان لكل ذي لحم، وذلك لوجوب الزيادة سواء قلنا: إنها لحمة أو غدة، وقال القزاز: وقالوا: ماء الرجل إنما يقع في الكلية ثم في الفوارة ثم في الخصية، فعلى هذا سمي لأنه يقذف ما فيه إلى الخصية، والفياران - بالكسر: حديدتان تكتنفان لسان الميزان لاتساعهما عن اللسان، والفيرة - بالكسر بالهمز وبغيره: تمر يغلى ويمرس ويطبخ بحلبة تشربها النفساء قاله القزاز، وفي مختصر العين: حلبة تطبخ؛ فإذا فارت فوارتها ألقيت في معصرة ثم صفيت وتحسيها النفساء، وأعاده في القاموس في المهموز وقال: والفئرة - بالكسر - والفؤارة كثمامة والفئيرة والفئرة كعنبة ويترك همزها: حلبة تطبخ للنفساء - سميت إما لغليانها وإما للاتساع بجمع التمر والحلبة. والفرو والفروة: لبس معروف - لخروج صوفها وزيادة الرفق به، كأنها أصل المادة كلها، وفروة الرأس: جلدته بشعرها، والفروة: الأرض البيضاء ليس لها نبات - لأنه أوسع لها من حيث هي، والفروة: الغنى والثروة وقطعة نبات مجتمعة يابسة، وجبة شمر كماها - لأنه لولا زيادتهما ما شمرا، ونصف كساء يتخذ من أوبار الإبل - كأنه شبه بالفروة لطول وبره، وخريطة يجعل السائل فيها صدقته، والتاج - لاتساعه وعلوه وكماله ولغنى صاحبه، وخمار المرأة - لزيادته على كفايتها ولسبوغه وفضله عن رأسها. ورفا الثوب يرفوه: أصلحه ولأم خرقه: وقال في القاموس: في المهموز: وضم بعضه إلى بعض، قال القزاز: والهمز أكثر؛ والرفاء - ككساء: الالتحام والاجتماع والاتفاق، ومنه ما يدعى به للمتزوج: بالرفاء والبنين، وأعادوه في المهموز. وقال في القاموس: أي بالالتئام وجمع الشمل، قال القزاز: ومعنى رفا: تزوج، والأرفى: العظيم الأذنين في استرخاء، قال القزاز: والأذن الرفواء هي التي تقبل على الأخرى حتى تكاد تماس أطرافهما؛ ورفوت الرجل: إذا سكنته من رعب، وأعاده في القاموس في المهموز - لأن ذلك أوسع لفكره لأنه أقر لعينه. والروف: السكون - وهو أوسع من الاضطراب لأنه لا يكون إلا عن قرار العين، قال في القاموس: وليس من الرأفة، والروفة: الرحمة، وراف يراف لغة في رأف يرأف - وستأتي بقيتها قريباً إن شاء الله تعالى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية قال‏:‏ حسد إبليس آدم عليه السلام على ما أعطاه الله من كرامة وقال‏:‏ أنا ناري، وهذا طيني، فكان بدء الذنوب الكبر‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال إبليس‏:‏ إن آدم خلق من تراب ومن طين خلق ضعيفاً، وإني خلقت من نار والنار تحرق كل شيء ‏ {‏لأحتنكن ذريته إلا قليلا‏ً} ‏ فصدق ظنه عليهم‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏لأحتنكن‏} ‏ قال‏:‏ لأستولين‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏لأحتنكن ذريته‏} ‏ قال‏:‏ لأحتوينهم‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏لأحتنكن ذريته‏} ‏ قال‏:‏ لأضلنهم‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏جزاء موفورا‏ً} ‏ قال‏:‏ وافرا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا‏ً} ‏ يقول‏:‏ يوفر عذابها للكافر فلا يدخر عنهم منها شيء‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏واستفزز من استطعت منهم بصوتك‏} ‏ قال‏:‏ صوته كل داع دعا إلى معصية الله ‏ {‏وأجلب عليهم بخيلك‏} ‏ قال‏:‏ كل راكب في معصية الله ‏{‏وشاركهم في الأموال‏}‏ قال‏:‏ كل مال في معصية الله ‏{‏والأولاد‏}‏ قال‏:‏ ما قتلوا من أولادهم، وأتوا فيهم الحرام‏. وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد‏} ‏ قال‏:‏ كل خيل تسير في معصية الله، وكل رجل يمشي في معصية الله، وكل مال أخذ بغير حقه وكل ولد زنا‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏واستفزز من استطعت منهم بصوتك‏} ‏ قال‏:‏ استنزل من استطعت منهم بالغناء والمزامير واللهو والباطل ‏ {‏وأجلب عليهم بخيلك ورجلك‏}‏ قال كل راكب وماش في معاصي الله ‏ {‏وشاركهم في الأموال والأولاد‏} ‏ قال‏:‏ كل مال أخذ بغير طاعة الله تعالى، وأنفق في غير حقه، والأولاد، أولاد الزنا‏. وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏وشاركهم في الأموال والأولاد‏} ‏ قال‏:‏ الأموال ما كانوا يحرمون من أنعامهم والأولاد أولاد الزنا‏. وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ مشاركته في الأموال، ان جعلوا البحيرة والسائبة والوصيلة، لغير الله ومشاركته إياهم في الأولاد سمو عبد الحارث وعبد شمس‏. وأخرج ابن مردويه، عن أنس - رضي الله عنه - رفعه قال‏:‏ قال إبليس يا رب، إنك لعنتني واخرجتني من الجنة من أجل آدم، وإني لا أستطيعه إلا بك‏.‏ قال‏:‏ فأنت المسلط‏.‏ قال‏:‏ أي رب، زدني قال‏:‏ ‏{‏أجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد‏}‏. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر، عن ثابت رضي الله عنه قال‏:‏ بلغنا أن إبليس قال‏:‏ يا رب، إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة، فسلطني، قال‏:‏ صدورهم مساكن لك‏.‏ قال‏:‏ رب زدني‏.‏ قال‏:‏ لا يولد لآدم ولد، إلا ولد لك عشرة‏.‏ قال‏:‏ رب زدني‏.‏ قال‏:‏ تجري منهم مجرى الدم‏.‏ قال‏:‏ رب زدني‏.‏ قال‏:‏ ‏ {‏أجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد‏} ‏ فشكا آدم - عليه السلام - إبليس إلى ربه‏.‏ قال‏:‏ يا رب، إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه عداوة وبغضاً، وسلطته علي، وأنا لا أطيقه إلا بك‏.‏ قال‏:‏ لا يولد لك ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء‏.‏ قال‏:‏ رب زدني‏.‏ قال‏:‏ الحسنة بعشر أمثالها قال‏:‏ رب زدني‏.‏ قال‏:‏ لا أحجب عن أحد من ولدك التوبة ما لم يغرغر‏.‏ والله أعلم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏إن عبادي ليس لك عليهم سلطان‏} ‏ قال‏:‏ عبادي الذين قضيت لهم بالجنة، ليس لك عليهم أن يذنبوا ذنباً، إلا أغفر لهم‏.

ابو السعود

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ} تذكيرٌ لما جرى منه تعالى من الأمر ومن الملائكة من الامتثال والطاعةِ من غير تردد وتحقيقٍ لمضمون ما سبق من قوله تعالى: { أية : أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَـٰفُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا} تفسير : [الإسراء: 57] ويُعلم من حال الملائكةِ وحالِ غيرهم من عيسى وعُزيرٍ عليهما السلام في الطاعة وابتغاءِ الوسيلة ورجاءِ الرحمة ومخافةِ العذاب، ومن حال إبليسَ حالُ من يعاند الحقَّ ويخالف الأمرَ، أي واذكر وقت قولِنا لهم: {ٱسْجُدُواْ لآدَمَ} تحيةً وتكريماً لما قاله من الفضائل المستوجِبة لذلك {فَسَجَدُواْ} له من غير تلعثم امتثالاً للأمر وأداءً لحقه عليه الصلاة والسلام {إِلاَّ إِبْلِيسَ} وكان داخلاً في زُمرتهم مندرجاً تحت الأمرِ بالسجود {قَالَ} أي عندما وُبِّخ بقوله عز سلطانه: { أية : يإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَن لاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ} تفسير : [الحجر، الآية 32] وقولِه: { أية : مَا مَنَعَكَ أَن لاَ تَسْجُد إِذْ أَمَرْتُكَ} تفسير : [الأعراف: 12] وقوله: { أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ} تفسير : [الحجر: 56] كما أشير إليه في سورة الحِجر {أَءسْجُدُ} وأنا مخلوقٌ من العنصر العالي {لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} نُصب على نزعِ الخافضِ أي من طين، أو حالٌ من الراجع إلى الموصول أي خلقتَه وهو طينٌ، أو من نفس الموصول أي أأسجُد له وأصلُه طينٌ؟ والتعبـيرُ عنه عليه الصلاة والسلام بالموصول لتعليل إنكارِه بما في حيز الصلة.

القشيري

تفسير : امتنع الشقيُّ وقال: لا أسجد لغيرك بوجهٍ سَجَدْتُ لَكَ به، وكان ذلك جهلاً منه، ولو كان بالله عارفاً لكان لأمره مؤثِراً، ولمحيط نفسه تاركاً.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ قلنا للملائكة} اى واذكر وقت قولنا للملائكة ما عدا الارواح العالية وهم الملائكة المهيمة الذين لا شعور لهم بخلق آدم عليه السلام ولا بغيره لاستغراقهم فى شهود الحق تعالى {اسجدوا لآدم} تحية وتكريما لماله من الفضائل المستوجبة لذلك. قال فى التأويلات النجمية ان الله خلق آدم فتجلى فيه فكانت السجدة فى الحقيقة للحق تعالى وكان آدم بمثابة الكعبة قبلة للسجود {فسجدوا} له من غير تلعثم اداء لحقه عليه السلام وامتثالا للامر فدل ائتمارهم باوامر الحق والانتهاء عن نواهيه على السعادة الازلية {الا ابليس} فانه ابى واستكبر فدل المخالفة ولاستكبار والاباء على الشقاوة الازلية اذ الابد مرآة الازل يظهر فيها صورة الحال سعادة وشقاوة. قال فى بحر العلوم استثنىابليس من الملائكة وهو جنى لانه قد امر بالسجود معهم فغلبوا عليهم تغليب الرجال على المرأة فى قولك خرجوا الا فلانة ثم استثنى الواحد منهم استثناء متصلا {قال} اعتراضا وعجبا وتكبرا وانكارا عندما وبخه تعالى بقوله {أية : يا ابليس مالك ان لا تكون مع الساجدين}تفسير : {ءاسجد} وانا مخلوق من النصر العالى وهو النار. قال الكاشفى [ايا سجده كنم يعنى نكنم] ولم يصح منى واستحال ان اسجد لان الاستفهام المعنى به الانكار يكون بمعنى النفى {لمن خلقت طينا} نصب على نزع الخافض اى من طين مثل واختار موسى قومه اى من قومه فاستحق اللعن والطرد والبعد.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {طينًاً}: منصوب على إسقاط الخافض، أو: حال من الراجع إلى الموصول، و {أرأيتك}: الكاف للخطاب، لا موضع لها. وتقدم الكلام عليه في سورة الأنعام. و {هذا}: مفعول "أرأيت"، و {جزاء}: مصدر، والعامل فيه: "جزاؤكم"، فإنَّ المصدر ينصب بمثله أو فعله أو وصفه، وقيل: حال موطئة لقوله: "موفورًا". يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكر {إِذْ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إِلا إِبليسَ} امتنع، و {قال أأسجدُ لمن خلقتَ طينًا} أي: من طين؛ فهو أصله من الطين، وأنا أصلي من النار، فكيف أسجد له وأنا خير منه؟! ثم {قال} إبليس: {أَرَأيْتكَ هذا الذي كرمتَ عليَّ} أي: أخبرني عن هذا الذي كرمته عليّ؛ بأمري بالسجود له، لِمَ كرمتَه عليّ؟ {لئن أخرتنِ} أي: والله لئن أخرتنِ {إِلى يوم القيامة لأَحْتَنِكَنّ}؛ لأستأصلن؛ من احتنكت السَّنةُ أموالَهم؛ أي: استأصلتها. أي: لأهلكن {ذريتَه}؛ بالإغواء والإضلال، {إِلا قليلاً}؛ أو: لأميلنهم وأَقُودَنَّهُمْ، مأخوذ من تحنيك الدابة، وهو أن يشد على حنكها بحبل فتنقاد. أي: لأقودنهم إلى عصيانك، إلا قليلاً، فلا أقدر أن أقاوم شكيمتهم؛ لمَا سبق لهم من العناية. قال ابن عطية: وحَكَمَ إبليس على ذرية آدم بهذا الحكم؛ من حيث رأى الخِلْقَةَ مجوفةً مختلفةَ الأجزاءِ، وما اقترن بها من الشهوات والعوارض؛ كالغضب ونحوه، ثم استثنى القليل؛ لعلمه أنه لا بد أن يكون في ذريته من يصلب في طاعة الله. هـ. قلت: إنما يحتاج إلى هذا: من وقف مع ظاهر الحكمة في عالم الحس، وأما من نفذ إلى شهود القدرة في عالم المعاني: فلا. {قال} تعالى: {اذهبْ}؛ امض لما قصدته، وهو طرد وتخلية لما بينه وبين ما سولت له نفسه. {فمن تبعك منهم فإِنَّ جهنم جزاؤكم}؛ التفت إلى الخطاب، وكان الأصل أن يقال: جزاؤهم، بضمير الغيبة؛ ليرجع إلى {من تبعك}، لكنه غلب المخاطب؛ ليدخل إبليس معهم، فتُجازون على ما فعلتم {جزاء موفورًا}؛ وافرًا مكملاً، لا نقص فيه. {واستفزز}؛ استخفف، أو اخدع {مَن استطعتَ منهم} أن تستفز {بصوتك}؛ بدعائك إلى الفساد، {وأَجْلِبْ عليهم} أي: صِحْ عليهم، من الجلبة، وهي: الصياح، {بخَيْلكَ ورَجِلكَ}؛ أي: بأعوانك؛ من راكب وراجل، قيل: هو مجاز، أي: افعل بهم جهدك. وقيل: إن له من الشياطين خيلاً ورجالاً. وقيل: المراد: بيان الراكبين في طلب المعاصي، والماشين إليها بأرجلهم. {وشارِكْهمْ في الأموال}؛ بحملهم على كسبها وجمعها من الحرام، والتصرف فيها على ما لا ينبغي، كإنفاقها في المعاصي، {والأولادِ}؛ بالحث على التوصل إلى الولد بالسبب الحرام، كالزنى وشبهه من فساد الأنكحة، وكتسمية الولد عبد شمس وعبد الحارث وعبد العُزّى. وقال في الإحياء: قال يونس بن زيد: بلغنا أنه يُولد مع أبناء الإنس من أبناء الجن، ثم ينشأون معهم. قال ابن عطية: وما أدخله النّقَّاشُ؛ من وطء الجن، وأنه يحبل المرأة من الإنس، فضعيف كله. هـ. قال في الحاشية: وضَعْفُهُ ظاهر، والآية مشيرة لرده؛ لأنها إنما أثبتت المشاركة في الولد، لا في الإيلاء، فإنه لم يرد، ولو قيل به لكان ذريعة لفساد كبير، ولكان شبهة يُدْرَأُ بها الحد، ولا قائل بذلك. وانظر الثعالبي الجزائري؛ فقد ذكر حكاية في المشاركة في الوطء عمن اتفق له ذلك، فالله أعلم. وأما عكس ذلك؛ إيلاء الإنسي الجنية، فأمر لا يحيله العقل، وقد جاء الخبر به في أمر بلقيس. قاله المحشي الفاسي. {وعِدْهُمْ} بأن لا بعث ولا حساب، أو المواعد الباطلة؛ كشفاعة الآلهة. والاتّكال على كرامة الآباء، وتأخير التوبة، وطول الأمل، {وما يعدُهم الشيطانُ إِلا غرورًا} وباطلاً. والغرور: تزيين الخطأ بما يُوهم أنه صواب. قاله البيضاوي. الإشارة: ينبغي لك أيها الإنسان أن تكون مضادًا للشيطان، فإذا امتنع من الخضوع لآدم فاخضع أنت لأولاد آدم؛ بالتواضع واللين، وإذا كان هو مجتهدًا في إغواء بني آدم بما يقدر عليه، فاجتهد أنت في نصحهم وإرشادهم، وتعليمهم ووعظهم وتذكيرهم، بقدر ما يمكنك، واستعمل السير إليهم بخيلك ورجلك، حتى تنقذهم من غروره وكيده. وإذا كان هو يدلهم على الشرك الجلي والخفي، في أموالهم وأولادهم، فدُلَّهم أنت على التوحيد، والإخلاص، في اعتقادهم وأعمالهم وأموالهم. وإذا كان يعدهم بالمواعد الكاذبة، فعدهم أنت بالمواعد الصادقة؛ كحسن الظن بالله، إن صحبه العمل بما يرضيه. فإن فعلت هذا كنت من عباد الله الذين ليس له عليهم سلطان. كما أشار إليهم

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم واذكر {إِذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إِبليس} وقد بينا أنّ امر الله تعالى بأن اسجدوا لآدم تعظيم لآدم وتفضيله عليهم وإِن كانت القربى بذلك السجود الى الله تعالى، وفي الناس من قال: انه كان بمنزلة القبلة لهم وإِن كان فيه تشريف له. ثم اخبر تعالى ان الملائكة امتثلت امر الله فسجدت له {إِلا إِبليس} فقد قلنا ان اخبارنا تدل على ان ابليس كان من جملة الملائكة، وانما كفر بامتناعه من السجود، ومن قال ان الملائكة معصومون فان إِبليس لم يكن من جملة الملائكة والاستثناء في الآية استثناء منقطع و (إِلا) بمعنى (لكن) وإنما ضمه الى الملائكة من حيث جمعهم في الأمر، والتكليف بالسجود، فلذلك استثناه من جملتهم. ثم اخبر تعالى عن إِبليس أنه قال {أأسجد لمن خلقت طيناً} على وجه الإِنكار لذلك، وأن من خلق من نار أشرف وأعظم، من الذي خلق من طين، وآدم اذا كان مخلوقاً من طين كيف يسجد له من هو مخلوق من نار، وهو ابليس، وذلك يدل على ان إِبليس فهم من ذلك الأمر تفضيله عليه، ولو كان بمنزلة القبلة لما كان لامتناعه عليه وجه، ولا لدخول الشبهة بذلك مجال. و {طيناً} نصب على التمييز، ويجوز ان يكون نصباً على الحال. والمعنى إِنك انشأته في حال كونه من طين. ووجه الشبهة الداخلة على إِبليس ان الفروع ترجع الى الاصول فتكون على قدرها في التكبر أو التصغر، فلما اعتقد أن النار اكرم أصلا من الطين جاء منه انه أكرم ممن خلق من طين، وذهب عليه بجهله أن الجواهر كلها متماثلة، وان الله تعالى يصرفها بالاعراض كيف شاء مع كرم جوهر الطين وكثرة ما فيه من المنافع التي تقارب منافع النار او توفى عليها. وانما جاز ان يأمره بالسجود له، ولم يجز ان يأمره بالعبادة له، لأن السجود يترتب في التعظيم بحسب ما يراد به، وليس كذلك العبادة التي هي خضوع بالقلب ليس فوقه خضوع، لأنه يترتب في التعظيم بحسب نيته؛ يبين ذلك انه لو سجد ساهياً لم يكن له منزلة في التعظيم على قياس غيره من افعال الجوارح. قال الرماني: الفرق بين السجود لآدم والسجود الى الكعبة، ان السجود لآدم تعظيم له باحسانه، وهذا يقارب قولنا في أنه قصد بذلك تفضيله بأن امره بالسجود له. ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن المعنى ما يزيدهم إِلا طغياناً كبيراً محققين ظن إِبليس فيهم مخالفين موجب نعمة ربهم على أمتهم وعليهم. ثم حكى تعالى عن إِبليس أنه قال {أرأيتك هذا الذي كرمت عليّ} ومعناه اخبرني عن هذا الذي كرّمته عليّ لم كرّمته علي؟ وقد خلقتني من نار وخلقته من طين! فحذف لدلالة الكلام عليه. وإِنما قال {أأسجد} بلا حرف عطف، لأنه على قوله {أأسجد لمن خلقت طيناً} والكاف في قوله {أرأيتك} لا موضع لها من الاعراب، لأنها ذكرت في المخاطبة توكيداً، و (هذا) نصب بـ {أرأيتك}، والجواب محذوف. والمعنى ما قدمناه. وقوله {لئن أخرتنِ إلى يوم القيامة لأحتنكنّ ذرّيّته إلاّ قليلاً}, ومعنى لاحتنكن لاقطعنهم الى المعاصي، يقال منه: احتنك فلان ما عند فلان من مال أو علم او غير ذلك، قال الشاعر: شعر : أشكو اليك سنة قد أجحفت جهداً إِلى جهد بنا وأضعفت واحتنكت أموالنا وجلفت تفسير : وقال ابن عباس: معنى {لاحتنكنّ} لأستولينّ، وقال مجاهد: لأحتوين، وقال ابن زيد: لاضلنهم، وقال قوم: لاستأصلن ذريته بالاغواء، وقال آخرون: لأقودنهم إِلى المعاصي، كما تقاد. الدابة بحنكها إِذا شدّ فيها حبل تجرُّ به. وقوله {إلا قليلاً} استثناء من ابليس القليل من ذرّية آدم الذين لا يتبعونه ولا يقبلون منه. فقال الله تعالى عند ذلك {اذهب} يا ابليس {فمن تبعك} من ذرية آدم واقتفى أثرك وقبل منك {فإن جهنم جزاؤكم جزاءً موفوراً} أي كاملاً، يقال منه: وفرته أفره وفراً، فهو موفور، وقال زهير: شعر : ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتق الشتم يشتم تفسير : ووفّرته توفيراً، ويقال: موفوراً بمعنى وافر، في قول مجاهد، كأنه ذو وفر، كقولهم: لابن أي ذو لبن، وقد دل على انهم لا ينقصون من عقابهم الذين يستحقونه شيئاً، وفي ذلك استخفاف به وهوان له. وانما ظن ابليس هذا الظن الصادق، بأنه يغوي اكثر الخلق، لان الله تعالى كان قد أخبر الملائكة أن سيجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، فكان قد علم بذلك. وقيل: انما قال ذلك، لانه وسوس الى آدم فلم يجد له عزماً، فقال: بنو هذا مثله في ضعف العزيمة، ذكره الحسن. وهذا الوجه لا يصح على اصلنا، لان عندنا ان آدم لم يفعل قبيحاً، ولا ترك واجباً، فلو ظن ابليس ان اولاده مثله لانتقض غرضه، ولم يخبر بما قال. و (لئن) حرف شرط، ولا يليه الا الماضي، والشرط لا يكون الا بالمستقبل والعلة في ذلك ان اللام في (لئن) تأكيد يرتفع الفعل بعده و (ان) حرف شرط ينجزم الفعل بعده، فلما جمعوا بينهما، لم يجز ان يجزم فعل واحد ويرفع، فغير المستقبل الى الماضي، لان الماضي لا يبين فيه الاعراب، ذكر هذه العله ابن خالوية.

الهواري

تفسير : قوله: { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} أي: من طين. كقوله: (أية : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ) تفسير : [الأنعام:2] وقال إبليس: (أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) تفسير : [سورة ص:76]، وقول إبليس: {ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} على الاستفهام، أي: لا أسجد له. ثم قال: { قَالَ أَرَءَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} فأمرتني بالسجود له { لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً}. قال مجاهد: لأحَتِويَنَّهم. وقال الكلبي: لأستولِيَن على ذريّته، أي: فأضلّهم، إلا قليلاً. وقال الحسن: لاستأصلن ذريته، يعني يهلكهم، إلا قليلاً، يعني المؤمنين. وهذا القول منه بعد ما أمر بالسجود، وذلك ظنٌّ منه حيث وسوس إلى آدم فلم يجد له عزماً، أي: صبراً. فقال: بنو هذا في الضعف مثلُه. وذكروا أن إبليس كان يُطِيف بآدم قبل أن ينفخ فيه الروح، فلما رآه الخبيث أجوف عرف أنه لا يتمالك.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ} أى واذكر إِذ. {قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ} سجود خضوع أو سجود انحناء تحية وتعظيماً له لا عبادة بل عبادة الله جل وعلا. {فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيس قَالَ أأسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} حال من هاء المحذوفة رابطة بين الصلة والموصل أى خلقته وهو طيناً أو حال من الموصول وهو من كأنه قيل أأسجد له وهو طين فى الأَصل أو منصوب على نزع الخافض أى لمن خلقته من طين ومجئ الحال جامدة جائز شائع إِذا كان أصلا لصاحبه، كما هنا فإِن الطين أصل لمن خلق منه وهو آدم ومن ذلك اشتريت الخاتم ورقاً فإِن الورق بكسر الراء أصل للخاتم، ذكره ابن هشام وغيره وفى ذكر إِبلس الطين إِشارة إِلى علة الإِنكار وذلك أن الاستفهام فى قوله: أأسجد للإِنكار أنكر أن يستحق آدم السجود منه مع أنه إنما خلق من الطين، قيل خلق من عذب الأَرض ومحلها فمن خلق من العذب فهو سعيد، ومن خلق من الملح فهو شقى واستفهام الإِنكار قسمان أحدهما إِنكار كون الشئ صواباً سواء كان غير واقع أو واقعاً والآخر إِنكار الوقوع أو عدم الوقوع.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ} اذكر إذ قلنا، سلاّه بمكابرة إِبليس عن مكابرة قومه، والسجود لآدم سجود انحناء تعظيماً له، أو سجود فى الأرض عبادة لله عز وجل إلى جهة آدم كالقبلة، وهذا متصل أيضاً بقوله عز وجل: "أية : إن الشيطان كان للإنسان عدوًّا مبينًا"تفسير : [الإسراء: 53] بيَّن أنه عدو قديم للإنسان من أبيه آدم. {فَسَجَدُوا} مسارعين رضا وفعلا {إِلاّ إِبْلِيسَ} هو فيهم، كأنه منهم مخاطب بخطابهم {قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} أى من طين كما فى آية أخرى، قيل: أو حال من مَنْ أو مِن هاء خلقته المحذوفة، أو خلقت أوقعت فيه الروح حال كونه طيناً فلا إِشكال فى الحالية إلا أن طيناً جامد، وإلا أن الروح وقعت فيه، وهو يابس لا طين فيؤول بكونه فى الأصل طيناً، وتأول الطين بمعنى متأصلا من طين كيف أسجد له، وأنا أشرف منه، لأنه من طين وإِياى من نار.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ} تذكير لما جرى منه تعالى من الأمر ومن الملائكة من الامتثال والطاعة من غير تثبط وتحقيق لمضمون قوله تعالى: {أية : أُولٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ} تفسير : [الإسراء: 57] الخ، أما إن كان المراد من الموصول الملائكة فظاهر، وأما إن كان غيرهم فللمقايسة، وفيه إشارة إلى عاقبة أولئك الذين عاندوا الحق واقترحوا الآيات وكذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام فإنهم داخلون في الذرية الذين احتنكهم إبليس عليه اللعنة واتبعوه اتباع الظل لذويه دخولاً أولياً ومشاركون له في العناد أتم مشاركة حتى قالوا: {أية : إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء}تفسير : [الأنفال: 32] فوجه مناسبة الآية لما قبلها ظاهر، وقيل الوجه مشابهة قريش الذين كذبوا النبـي صلى الله عليه وسلم لإبليس في أن كلاً منهما حمله الحسد والكبر على ما صدر منه أي واذكر وقت قولنا للملائكة {ٱسْجُدُواْ لاَدَمَ} تحية وتكريماً له عليه السلام، وقيل المعنى اجعلوه قبلة سجودكم لله تعالى {فَسَجَدُواْ} من غير تلعثم امتثالاً لأمره تعالى {إِلاَّ إِبْلِيسَ} لم يكن من الساجدين وكان معدوداً في عدادهم مندرجاً تحت الأمر بالسجود {قَالَ} استئناف بياني كأنه قيل فما كان منه بعد التخلف؟ فأجيب بأنه قال أي بعد أن وبخ بما وبخ مما قصه الله سبحانه في غير هذا الموضع على سبيل الإنكار والتعجب {ءَأَسْجُدُ} وقد خلقتني من نار {لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} نصب على نزع الخافض / أي من طين كما صرح به في آية أخرى، وجوز الزجاج كونه حالاً من العائد المحذوف والعامل {خَلَقْتُ} فيكون المعنى أأسجد لمن كان في وقت خلقه طيناً فالطينية وإن كانت مقدمة على خلقه إنساناً لكنها مقارنة لابتداء تعلقه به، والزمخشري أيضاً كونه حالاً من نفس الموصول والعامل حينئذ {ءَأَسْجُدُ} على معنى أأسجد له وهو طين أي أصله طين، قال في «الكشف»: وهو أبلغ لأنه مؤيد لمعنى الإنكار وفيه تحقير له عليه السلام وحاشاه بجعله نفس ما كان عليه لم تزل عنه تلك الذلة وليس في جعله حالاً من العائد هذه المبالغة، وأنت تعلم أن الحالية على كل حال خلاف الظاهر لكون الطين جامداً ولذا أوله بعضهم بمتأصلاً، وجوز الزجاج أيضاً وتبعه ابن عطية كونه تمييزاً ولا يظهر ذلك، وذكر الخلق مع أنه يكفي في المقصود أن يقال: لمن كان من طين أدخل في المقصود مع أنه فيه على ما قيل إيماء إلى علة أخرى وهي أنه مخلوق والسجود إنما هو للخالق تعالى مجده.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس} تفسير : [الإسراء: 60] أي واذكر إذ قلنا للملائكة. والمقصود من هذا هو تذكير النبي بما لقي الأنبياء قبله من معاندة الأعداء والحسدة من عهد آدم حين حسده إبليس على فضله. وأنهم لا يَعدمون مع ذلك معترفين بفضلهم وهم خيرة زمانهم كما كانت الملائكة نحو آدم عليه السلام، وأن كلا الفريقين في كل عصر يمُتّ إلى أحد الفريقين الذي في عهد آدم، فلفريق الملائكة المؤمنون ولفريق الشيطان الكافرون، كما أومَأ إليه قوله تعالى:{أية : قال اذهب فمن تبعك منهم}تفسير : [الإسراء: 63] الآية، ففي ذلك تسلية للنبيء عليه الصلاة والسلام. فأمْرُ الله نبيئه بأن يذكر ذلك يتضمن تذكيره إياه به، وذكر النبي ذلك موعظةٌ للناس بحال الفريقين لينظر العاقل أين يضع نفسه. وتفسير قصة آدم وبيان كلماتها مضى في سورة البقرة وما بعدها. والاستفهام في {أأسجد} إنكار، أي لا يكون. وجملة {قال أأسجد} مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأن استثناء إبليس من حكم السجود لم يفد أكثر من عدم السجود. وهذا يثير في نفس السامع أن يسأل عن سبب التخلف عن هذا الحكم منه، فيجاب بما صدر منه حين الاتصاف بعدم السجود أنه عصيان لأمر الله ناشىء عن جهله وغروره. وقوله: {طيناً} حال من اسم الموصول، أي الذي خلقته في حال كونه طيناً، فيفيد معنى أنك خلقته من الطين. وإنما جعل جنس الطين حالاً منه للإشارة إلى غلبة العنصر الترابي عليه لأن ذلك أشد في تحقيره في نظر إبليس. وجملة {قال أرأيتك} بدل اشتمال من جملة {أأسجد لمن خلقت طيناً} باعتبار ما تشتمل عليْه من احتقار آدم وتغليط الإرادة من تفضيله. فقد أعيد إنكار التفضيل بقوله: {أرأيتك} المفيد الإنكار. وعلل الإنكار بإضمار المكر لذريته، ولذلك فصلت جملة {قال أرأيتك} عن جملة {قال أأسجد} كما وقع في قوله تعالى: {أية : فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد} تفسير : [طه: 120]. و{أرأيتك} تركيب يفتتح بها الكلام الذي يراد تحقيقه والاهتمام به. ومعناه: أخبرني عما رأيت، وهو مركب من همزة استفهام، و (رأى) التي بمعنى علم وتاء المخاطب المفرد المرفوع، ثم يزاد على ضمير الخطاب كافُ خطاب تشبه ضمير الخطاب المنصوب بحسب المخاطب واحداً أو متعدداً. يقال: أرأيتك وأرأيتكم كما تقدم في قوله تعالى: {أية : قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة}تفسير : في سورة [الأنعام: 40]. وهذه الكاف عند البصريين تأكيد لمعنى الخطاب الذي تفيده تاء الخطاب التي في محل رفع، وهو يشبه التوكيد اللفظي. وقال الفراء: الكاف ضمير نصب، والتركيب: أرأيتَ نفسك. وهذا أقرب للاستعمال، ويسوغه أن أفعال الظن والعلم قد تنصب على المفعولية ما هو ضميرُ فاعلها نحو قول طرفة: شعر : فما لي أراني وابنَ عمي مالكاً مَتى أدْنُ منه ينأ عني ويبَعَد تفسير : أي أرى نفسي. واسم الإشارة مستعمل في التحقير، كقوله تعالى:{أية : أهذا الذي يذكر آلهتكم}تفسير : [الأنبياء: 36]. والمعنى أخبرني عن نيتك أهذا الذي كرمته عليّ بلا وجه. وجملة {لئن أخرتن إلى يوم القيامة} الخ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً، وهي جملة قَسَمية، واللام موطئة للقسم المحذوف مع الشرط، والخبرُ مستعمل في الدعاء فهو في معنى قوله: {أية : قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون} تفسير : [ص: 79]. وهذا الكلام صدر من إبليس إعراباً عما في ضميره وإنما شرط التأخير إلى يوم القيامة ليعم بإغوائه جميع أجيال ذرية آدم فلا يكون جيل آمنا من إغوائه. وصدر ذلك من إبليس عن وجدان ألقي في نفسه صادف مراد الله منه فإن الله لما خلقه قدر له أن يكون عنصر إغواء إلى يوم القيامة وأنه يُغوي كثيراً من البشر ويَسلَم منه قليل منهم. وإنما اقتصر على إغواء ذرية آدم ولم يذكر إغواءَ آدم وهو أولى بالذكر إذ آدم هو أصل عداوة الشيطان الناشئة عن الحسد من تفضيله عليه إما لأن هذا الكلام قاله بعد أن أعوَى آدم وأخرج من الجنة فقد شفَى غليله منه وبقيت العداوة مسترسلة في ذرية آدم، قال تعالى: {أية : إن الشيطان لكم عدو} تفسير : [فاطر: 6]. والاحتناك: وضع الراكب اللجامَ في حَنَك الفرس ليركَبه ويَسيّره، فهو هنا تمثيل لجلب ذرية آدم إلى مراده من الإفساد والإغواء بتسيير الفَرس على حب ما يريد راكبه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى في هذه الآية عن إبليس:{أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} يدل فيه إنكار إبليس للسجود بهمزة الإنكار على إبائه واستكباره عن السجود لمخلوق من طين، وصرح بهذا الإباء والاستكبار في مواضع أخر. فصرح بهما معاً "في البقرة" في قوله {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [البقرة:34] وصرح بإبائه "في الحجر" بقوله {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ}تفسير : [الحجر:31]، وباستكباره "في ص" بقوله {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [ص:74] وبين سبب استكباره بقوله {أية : قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}تفسير : [ص:76] كما تقدم إيضاحه "في البقرة" وقوله: {طِيناً} حال. أي لمن خلقته في حال كونه طيناً. وتجويز الزمخشري كونه حالاً من نفس الموصول غير ظاهر عندي. وقيل: منصوب بنزع الخافض. أي من طين. وقيل: تمييز، وهو أضعفها. والعلم عند الله تعالى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لمن خلقت طيناً: أي من الطين. أرأيتك: أي أخبرني. كرمت علي: أي فضَّلْته علي بالأمر بالسجود له. لأحتنكن: لأستولين عليهم فأقودهم إلى الغواية كالدابة إذا جعل الرسن في حنكها، تُقادٍ حيث شاء راكبها!. اذهب: أي منظراً إلى وقت النفخة الأولى. جزاءً موفوراً: أي وافراً كاملاً. بصوتك: أي بدعائك إياهم إلى طاعتك ومعصيتي بأصوات المزامير والأغاني واللهو. وأجلب عليهم: أي صِحْ فيهم بركبانك ومُشاتك. وشاركهم في الأموال: بحملهم على أكل الربا وتعاطيه. والأولاد: بتزيين الزنا ودفعهم إليه. وعدهم: أي بأن لا بعث ولا حساب ولا جزاء. إلا غرورا: أي باطلاً. ليس لك عليهم سلطان: أي إن عبادي المؤمنين ليس لك قوة تتسلط عليهم بها. وكفى بربك وكيلاً: أي حافظاً لهم منك أيها العدوّ. معنى الآيات: قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ} أي اذكر يا رسولنا لهؤلاء المشركين الجهلة الذين أطاعوا عدوهم وعدو أبيهم من قبل، وعصوا ربهم، اذكر لهم كيف صدّقوا ظن إبليس فيهم، واذكر لهم {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ} فامتثلوا أمرنا {فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ} قال منكراً أمرنا، مستكبراً عن آدم عبدنا {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً}؟ أي لمن خلقته من الطين لأن آدم خلقه الله تعالى من أديم الأرض عذبها وملحها ولذا سمى آدم آدم ثم قال في صلفه وكبريائه {أَرَأَيْتَكَ} أي أخبرني أهذا {ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ}؟! قال هذا استصغار لآدم واستخفافا بشأنه، {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ} أي وعزتك لئن أخرْت موتي {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} أي لأستولين عليهم وأسوقهم إلى أودية الغواية والضلال حتى يهلكوا مثلي {إِلاَّ قَلِيلاً} منهم ممن تستخلصهم لعبادتك فأجابه الرب تبارك وتعالى: {قَالَ ٱذْهَبْ} أي مُنَظراً وممهلاً إلى وقت النفخة الأولى وقوله تعالى: {فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} أي عصاني وأطاعك {فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً} أي وافراً كاملاً. وقوله تعالى: {وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} قال هذا لإبليس بعد أن أنظره إلى يوم الوقت المعلوم أذن له في أن يعمل ما استطاع في إضلال أتباعه، {وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} أي واستخفف منهم بدعائك إلى الباطل بأصوات المزامير والأغاني وصور الملاهي وأنديتها وجمعياتها، {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم} أي صِح على خيلك ورجلك الركبان والمشاة وسقهم جميعاً على بني آدم لإِغوائهم وإضلالهم {وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ} بحملهم على الربا وجمع الأموال من الحرام وفي {وَٱلأَوْلادِ} بتزيين الزنا وتحسين الفجور وعدهم بالأماني الكاذبة وبأن لا بعث يوم القيامة ولا حساب ولا جزاء قال تعالى: {وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} أي باطلاً وكذباً وزوراً. وقوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي} أي المؤمنين بي، المصدقين بلقائي ووعدي ووعيدي ليس لك عليهم قوة تتسلط عليهم بها، {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً} أي حافظاً لهم: منك فلا تقدر على إضلالهم ولا إغوائهم يا عدوي وعدوهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مشروعية التذكير بالأحداث الماضية للتحذير من الوقوع في الهلاك. 2- ذم الكبر وأنه من شر الصفات. 3- تقرير عداوة إبليس والتحذير منها. 4- بيان مشاركة إبليس أتباعه في أموالهم وأولادهم ونساءهم. 5- بيان أن أصوات الأغاني والمزامير والملاهي وأندية الملاهي وجمعياتها الجميع من جند إبليس الذي يحارب به الآدمي المسكين الضعيف. 6- بيان حفظ الله تعالى لأوليائه، وهم المؤمنون المتقون، وجعلنا الله تعالى منهم وحفظنا بما يحفظهم به إنه بر كريم.

القطان

تفسير : أرأيتك: اخبرني. لأحتنكن: لاقودنهم كما اقود الدواب. موفورا. مكملا، تاما. واستفزز من استطعت: واستخف من استطعت. وأَجلب عليهم: صِح عليهم، وافرغ جهدك في جميع انواع الاغراء. بخيلك ورجلك: بفرسانك ومشاتك من جنودك. تقدم الكلام على حسد ابليس لآدم، وأن العداوة قديمة ومنشؤها الحسد، ففي سورة البقرة {أية : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 34] وكذلك في سورة الاعراف من الآية 11 الى الآية 18، والحسد بلية قديمة، ومحنة عظيمة للخلق. وخلاصة هذه الآيات: واذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم سجود تعظيم وتفضيل فسجدوا الا ابليس، تكبرّ ان يسجد، لأن آدم من طين وابليس من نار، ثم طلب من الله ان يمهله الى يوم القيامة وقال ان هذا الذي كرَّمته علي، لانتقمُ من ذريته، واجعلهم يفسدون ويفسقون. فقال الله له: اذهب فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم جميعا، وهيج من شئت منهم بصياحك واجمع عليهم اعوانك من راكب وراجل، وشاركهم في الاموال والاولاد، بحلمهم على كسبها من الطريق المحرم، وعدْهم الوعود الخلابة، وما وعود الشيطان الا كذبا وزورا وغرورا. أما عبادي المخلصون لي، فليس لك على اغوائهم قدرة، فانا وكيلهم وكفيتهم امرك، قراءات: قرأ حفص وحده: "ورجلك" بكسر الجيم، والباقون بستكينها.

د. أسعد حومد

تفسير : {لِلْمَلاۤئِكَةِ} {لأَدَمََ} {أَأَسْجُدُ} (61) - يُذَكِّرُ اللهُ العِبَادَ بِعَدَاوَةِ إِبْلِيسَ لآدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ فَيَقُولُ: إِنَّهُ أَمَرَ المَلاَئِكَةَ بِالسُّجُودِ لآدَمَ. فَسَجَدُوا كُلُّهُمْ إِلاّ إِبْلِيسَ فَإِنَّهُ اسْتَكْبَرَ وَأَبَى السُّجُودَ لآِدَمَ اسْتِعْلاَءً عَلَيْهِ، وَاحْتِقَاراً لَهُ، وَقَالَ للهِ العَظِيمِ: كَيْفَ أَسْجُد لِمَنْ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: تذكّروا أن الحسد قديم قِدَم وجود الإنسان على هذه الأرض، تذكّروا ما كان من أمر آدم عليه السلام وإبليس لعنه الله، فهي مسألة قديمة ومستمرة في البشر إلى يوم القيامة. والمعنى: واذكُرْ يا محمد، وليذكر معك قومك إذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم. وسبق أنْ تكلمنا عن السجود، ونشير هنا إلى أن السجود لا يكون إلا لله تعالى، لكن إذا كان الأمر بالسجود لغير الله من الله تعالى، فليس لأحد أن يعترض على هذا السجود؛ لأنه بأمر الله الذي يعلم أن سجودهم لآدم ليس عَيْباً وليس قَدْحاً في دينهم وعبوديتهم للحق سبحانه وتعالى؛ لأن العبودية طاعة أوامر. والمراد بالملائكة المدبرات أمراً، الذين قال الله فيهم: {أية : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [الرعد: 11]. وقد أمرهم الله بالسجود لآدم؛ لأنه سيكون أبا البشر، وسوف يُسخّر له الكون كله، حتى هؤلاء الملائكة سيكونون في خدمته؛ لذلك أمرهم الله بالسجود له سجودَ طاعة وخضوع لما أريده منكم، إذن: السجود لآدم ليس خضوعاً لآدم، بل خضوعاً لأمر الله لهم. وقوله تعالى: {إَلاَّ إِبْلِيسَ ..} [الإسراء: 61]. فهِم البعض منها أن إبليس كان من الملائكة، ونحن نعذر أصحاب هذا الفهم لو عزلنا هذه الآية عن بقية الآيات التي تحدثتْ عن هذه القضية، لكن طالما نتكلم في موضوع عام مثل هذا، فيجب استحضار جميع الآيات الواردة فيه لتتضح لنا الصورة كاملة. فإذا كان دليل أصحاب هذا القول: الالتزام بأن الله قال: {فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ ..} [الإسراء: 61] وقد كان الأمر للملائكة فهو منهم، وسوف نُسلِّم لهم جدلاً بصحة قولهم، لكن ماذا يقولون في قَوْل الحق سبحانه في القرآن الذي أخذوا منه حجتهم: {أية : فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ..}تفسير : [الكهف: 50]. فإنْ كان دليلكم الالتزام، فدليلنا نصٌّ صريح في أنه من الجن، فإنْ قال قائل: كيف يكون من الجن ويُؤاخَذ على أنه لم يسجد؟ نقول: إبليس من الجن بالنصِّ الصريح للقرآن الكريم، لكن الحق سبحانه وتعالى آخذه على عدم السجود لآدم واعتبره من الملائكة؛ لأنه كان مطيعاً عن اختيار، والملائكة مطيعون عن جِبلَّة وعن طبيعة. فبذلك كانت منزلة إبليس أعلى من منزلة الملائكة، لأنه مختار أن يطيع أو أن يعصي، لكنه أطاع مع قدرته على العصيان فأصبح جليس الملائكة، بل طاووس الملائكة الذي يزهو عليهم ويتباهى بأنه صالح للاختيار في العصيان، ومع ذلك ألزم نفسه منهج الله. فإذا أصبح في منزلة أعلى من الملائكة وأصبح في حضرتهم، فإن الأمر إذا توجَّه إلى الأدنى في الطاعة فإن الأعلى أَوْلَى بهذا الأمر، وكذلك إن اعتبرناه أقلّ منهم منزلة، وجاء الأمر للملائكة بالسجود فإن الأمر للأعلى أمر كذلك للأدنى، وهكذا إنْ كان أعلى فعليه أن يسجد، وإنْ كان أدنى فعليه أنْ يسجدَ. وقد ضربنا لذلك مثلاً - ولله المثل الأعلى - إذا دخل رئيس الجمهورية على الوزراء فإنهم يقومون له إجلالاً واحتراماً، وهَبْ أن معهم وكلاء وزارات فإنهم سوف يقومون أيضاً؛ لأنهم ارتفعوا إلى مكان وجودهم. ومن الإشكالات التي أثارها المستشرقون حول هذا الموضوع اعتراضهم على قول القرآن عن إبليس مرة {أَبَىٰ} ومرة أخرى {ٱسْتَكْبَرَ} ومرة {أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ}، وكذلك قوله مرة: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ ..}تفسير : [ص: 75], ومرة أخرى يقول: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ..}تفسير : [الأعراف: 12]. وقد سبق أن تحدثنا عن قصور هؤلاء عن فَهْم أساليب العربية؛ لأنها ليستْ لديهم ملَكَة، والمتأمل في هذه الأساليب يجدها منسجمة يُكمل بعضها بعضاً. فالإباء قد يكون مجرد امتناع لا عن استكبار، فالحق سبحانه يريد أن يقول: إنه أبى استكباراً، فتنوّع الأسلوب القرآني ليعطينا هذا المعنى. أما قوله تعالى:{أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ ..}تفسير : [ص: 75] و{أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ..}تفسير : [الأعراف: 12]. صحيح أن في الأولى إثباتاً وفي الأخرى نفياً، والنظرة العَجْلَى تقول: إن ثمة تعارضاً بين الآيتين، مما حمل العلماء على القول بأن (لا) في الآية الثانية زائدة، فالأصل {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ ..}تفسير : [ص: 75]. والقول بوجود حروف زائدة في كتاب الله قول لا يليق، ونُنزّه المتكلم سبحانه أن يكون في كلامه زيادة، والمتأدب منهم يقول (لا) حرف وَصْل، كأنه يستنكف أن يقول: زائدة. والحقيقة أن (لا) هنا ليست زائدة، وليست للوَصْل، بل هي تأسيس يضيف معنى جديداً، لأن {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ ..}تفسير : [ص: 75]. كأنه همَّ أن يسجد، فجاءه مَنْ يمنعه عن السجود، لأنه لا يقال: ما منع من كذا إلا إذا كان لديك استعداد للفعل، وإلا من أيّ شيء سيمنعك؟ أما و{أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ..}تفسير : [الأعراف: 12] تعني: ما منعك بإقناعك بأنك لا تسجد، فالمعنيان مختلفان، ونحن في حاجة إليهما معاً. ثم يقول تعالى: {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ..} [الإسراء: 61]. والهمزة للاستفهام الذي يحمل معنى الاعتراض أو الاستنكار، وقد فُسِّرت هذه الآية بآيات أخرى، مثل قوله تعالى: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}تفسير : [الأعراف: 12]. فالمخلوقية لله مُتفق عليها، إنما الاختلاف في عنصر المخلوقية هذا من نار وهذا من طين، لكن من قال لك يا إبليس: إن النار فوق الطين، أو خير منه؟ من أين أتيتَ بهذه المقولة وكلاهما مخلوق لله، وله مهمة في الكون؟ وهل نستطيع أن نقول: إن العين خير من الأذن مثلاً؟ أم أن لكل منهما مهمتها التي لا تؤديها الأخرى؟ وسبق أنْ قُلْنا مثلاً: إنك تفضل الحديد إنْ كان مستقيماً، أما إنْ أردتَ خُطَّافاً فالاعوجاج خير من الاستقامة، أو: أن اعوجاجه هو عين الاستقامة فيه، فكل شيء في الوجود مخلوق لغاية ولمهمة، ولا يكون جميلاً ولا يكون خَيْراً إلا إذا أدى مهمته في الحياة، فمن أين جاء إبليس بخيرية النار على الطين؟ والنار الأصل فيها الخشب الذي توقد به، والخشب من الطين، إذن: فالطين قبل النار وأفضل منه، فقياس إبليس إذن قياس خاطئ. ومعنى: {خَلَقْتَ طِيناً} [الإسراء: 61] يعني: خلقته حال كونه من الطين، أو خلقتَه من طين، والخَلْق من الطين مرحلة من مراحل الخَلْق؛ لأن الخَلْق المباشر له مراحل سبقته. فقوله تعالى: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ..}تفسير : [الحجر: 29] سبقتْه مراحل متعددة، قال عنها الخالق سبحانه مرة: من الماء. ومرة: من التراب. ومرة: من طين. والماء إذا خُلِط بالتراب صار طيناً، وبمرور الوقت يسودُّ هذا الطين، وتتغير رائحته، فيتحول إلى حمأ مسنون. وما أشبهَ الحمأ المسنون بما يفعله أهل الريف في صناعة الطوب، حيث يخلطون الماء بالتراب بالقشِّ، ويتركونه فترة حتى يختمر ويأكل بعضه بعضاً، وتتغير رائحته ويعطَن، ثم يصبُّونه في قوالب. فإذا ما تُرِك الطين حتى يجفّ، ويتحول إلى الصلابة يصير صَلْصَالاً كالفخَّار، يعني يُحدث رنّة إذا طرقت عليه. وبعد كل هذه المراحل يقول تعالى: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}تفسير : [الحجر: 29]. إذن: لا وَجْه للاعتراض على القرآن في قوله عن خلق الإنسان مرة أنه: من: ماء، أو من تراب، أو طين، أو حمأ مسنون، فهذه كلها مراحل للمكوّن الواحد. ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : ينبه تبارك وتعالى عباده على شدة عداوة الشيطان وحرصه على إضلالهم وأنه لما خلق الله آدم استكبر عن السجود له و { قَالَ } متكبرا: { أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا } أي: من طين وبزعمه أنه خير منه لأنه خلق من نار. وقد تقدم فساد هذا القياس الباطل من عدة أوجه. فلما تبين لإبليس تفضيل الله لآدم { قَالَ } مخاطبا لله: { أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ } أي: لأستأصلنهم بالإضلال ولأغوينهم { إِلا قَلِيلا } عرف الخبيث أنه لا بد أن يكون منهم من يعاديه ويعصيه. فقال الله له: { اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ } واختارك على ربه ووليه الحق، { فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا } أي: مدخرا لكم موفرا جزاء أعمالكم. ثم أمره الله أن يفعل كل ما يقدر عليه من إضلالهم فقال: { وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ } ويدخل في هذا كل داع إلى المعصية. { وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } ويدخل فيه كل راكب وماش في معصية الله فهو من خيل الشيطان ورجله. والمقصود أن الله ابتلى العباد بهذا العدو المبين الداعي لهم إلى معصية الله بأقواله وأفعاله. { وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ } وذلك شامل لكل معصية تعلقت بأموالهم وأولادهم من منع الزكاة والكفارات والحقوق الواجبة، وعدم تأديب الأولاد وتربيتهم على الخير وترك الشر وأخذ الأموال بغير حقها أو وضعها بغير حقها أو استعمال المكاسب الردية. بل ذكر كثير من المفسرين أنه يدخل في مشاركة الشيطان في الأموال والأولاد ترك التسمية عند الطعام والشراب والجماع، وأنه إذا لم يسم الله في ذلك شارك فيه الشيطان كما ورد فيه الحديث. { وَعِدْهُمْ } الوعود (1) المزخرفة التي لا حقيقة لها ولهذا قال: { وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا } أي: باطلا مضمحلا كأن يزين لهم المعاصي والعقائد الفاسدة ويعدهم عليها الأجر لأنهم يظنون أنهم على الحق، وقال تعالى: {أية : الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا }. تفسير : ولما أخبر عما يريد الشيطان أن يفعل بالعباد وذكر ما يعتصم به من فتنته وهو عبودية الله والقيام بالإيمان والتوكل فقال: { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } أي: تسلط وإغواء بل الله يدفع عنهم -بقيامهم بعبوديته- كل شر ويحفظهم من الشيطان الرجيم ويقوم بكفايتهم. { وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا } لمن توكل عليه وأدى ما أمر به.