Verse. 2091 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

قَالَ اَرَءَيْتَكَ ہٰذَا الَّذِيْ كَرَّمْتَ عَلَيَّ۝۰ۡلَىِٕنْ اَخَّرْتَنِ اِلٰى يَوْمِ الْقِيٰمَۃِ لَاَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَہٗۗ اِلَّا قَلِيْلًا۝۶۲
Qala araaytaka hatha allathee karramta AAalayya lain akhkhartani ila yawmi alqiyamati laahtanikanna thurriyyatahu illa qaleelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(قال أرأيتك) أي أخبرني (هذا الذي كرمت) فضلت (علي) بالأمر بالسجود له "" وأنا خير منه خلقتني من نار "" (لئن) لام قسم (أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن) لأستأصلن (ذريته) بالإغواء (إلا قليلاً) منهم ممن عصمته.

62

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ أَرَءيْتَكَ } أي أخبرني {هَٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ } فَضَّلت {عَلَىَّ } بالأمر بالسجود له؟ وأنا خير منه خلقتني من نار؟ {لَئِنْ } لام قسم {أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لأَحْتَنِكَنَّ } لأستأصلنّ {ذُرّيَّتَهُ } بالإِغواء {إِلاَّ قَلِيلاً } منهم ممن عصمته.

ابن عبد السلام

تفسير : {لأَحْتَنِكَنَّ} لأستولين عليهم، أو لأضلنهم، أو لأستأصلنهم بالإغواء، أو لأستميلنهم، أو لأقودنهم إلى العصيان كما تُقاد الدابة بحنكها إذا شد فيه حبل يجذبها، أو لأقتطعنهم إلى المعاصي.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {أَرَءَيْتَكَ}: قد تقدم مستوفى في الأنعام [الآية: 40]. وقال الزمخشريُّ: "الكافُ للخطاب، و "هذا" مفعولٌ به، والمعنى: أخبرني عن هذا الذي كرَّمته عليَّ، أي: فضَّلته، لِمَ كرَّمتهُ، وأنا خيرٌ منه؟ فاختصر الكلام". وهذا قريبٌ من كلام الحوفيِّ - رحمه الله -. قال ابن عطيَّة: "والكاف في "أرَأيْتَكَ" حرف خطابٍ، لا موضع لها من الإعراب، ومعنى "أرَأيْت" أتأمَّلت ونحوه، كأنَّ المخاطب يُنبِّه المخاطب؛ ليستجمع لما ينصُّ عليه بعد. وقال سيبويه: "هي بمعنى أخبرني"، ومثل بقوله: "أرَأيْتكَ زيداً، أبو من هُوَ؟" وقول سيبويه صحيحٌ؛ حيث يكون بعدها استفهام كمثاله، وأمَّا في الآية فهو كما قلت، وليست التي ذكر سيبويه" قلت: وهذا الذي ذكره ليس بمسلَّمٍ، بل الآية كمثاله، غاية ما في الباب: أنَّ المفعول الثاني محذوفٌ، وهو الجملة الاستفهامية المقدَّرة؛ لانعقادِ الكلام من مبتدأ وخبر، لو قلت: هذا الذي كرَّمته عليَّ، لم كرَّمتهُ؟. وقال الفرَّاء: "الكاف في محلِّ نصبٍ، أي: أرَأيْتَ نفسك؛ كقولك: أتدبَّرْتَ آخِرَ أمرك، فإني صانعٌ فيه كذا، ثم ابتدأ: هذا الذي كرَّمت عليَّ". وقال ابن الخطيب: يمكن أن يقال: "هذا" مبتدأ محذوف عنه حرفُ الاستفهام، و "الَّذي" مع صلته خبره، تقديره: أخبرني، أهذا الذي كرَّمتهُ عليَّ؛ وهذا على وجه الاستصغار، والاستحقار، وإنَّما حذف حرف الاستفهام؛ لأنَّه حصل في قوله: "أرَأيْتكَ" فأغنى عن تكريره. وقال أبو البقاء: "والمفعول الثاني محذوفٌ، تقديره: تفضيله أو تكريمه". قال شهاب الدين: وهذا لا يجوز؛ لنَّ المفعول الثاني في هذا الباب لا يكون إلا جملة مشتملة على استفهام. قال أبو حيَّان: "ولو ذهب ذاهبٌ إلى أنَّ الجملة القسميَّة هي المفعول الثاني، لكان حسناً". قال شهاب الدين: يردُّ ذلك التزامُ كون المفعولِ الثاني جملة مشتملة على استفهامٍ، وقد تقرَّر جميع ذلك في الأنعام، فعليك باعتباره ههنا. قوله: {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ} قرأ ابن كثيرٍ بإثبات ياءِ المتكلِّم وصلاً ووقفاً، ونافعٌ وأبو عمرو بإثباتها وصلاً، وحذفها وقفاً، وهذه قاعدةُ من ذكر في الياءاتِ الزائدةِ على الرَّسم، والباقون بحذفها وصلاً ووقفاً، وكل هذا في حرف هذه السورة، أمَّا الذي في المنافقين [الآية: 10] في قوله {أية : لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ} تفسير : فأثبته الكلُّ؛ لثبوتها في الرسم الكريم. قوله "لأحْتَنِكَنَّ" جواب القسم الموطَّأ له باللام، ومعنى "لأحْتَنِكَنَّ" لأستولينَّ عليهم استيلاء من جعل في حنكِ الدَّابة حبلاً يقودها به، فلا تأبى ولا [تشمسُ] عليه، يقال: حَنكَ فلانٌ الدَّابة، واحتنكها، أي: فعل بها ذلك، واحْتَنكَ الجرادُ الأرض: أكل نباتها، قال: [الرجز] شعر : 3434- نَشْكُو إليْكَ سَنةً قَدْ أجْحَفتْ جَهْداً إلى جَهْدٍ بِنَا فأضْعَفتْ واحْتَنكَتْ أمَوالنَا وجلَّفَتْ تفسير : وحكى سيبويه - رحمه الله -: "أحْنَكُ الشَّاتينِ"، أي: آكلهما، أي: أكثرهما [أكْلاً]. وذكر المفسرون في الاحتناك قولين: أحدهما: أنه عبارةٌ عن الأخذِ بالكليَّة، يقال: احتنك فلانٌ مال فلانٍ: إذا استقصاه، فأخذهُ الكلِّيَّة، واحتنك الجراد الزَّرع: إذا أكلهُ بالكليَّة. والثاني: أنه من قول العرب: حنَّك الدابَّة يحنكها، إذا جعل في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به. فعلى الأوَّل معناه: لأستأصلنهم بالإغواء. وعلى الثاني: لأقُودنَّهم إلى المعاصي، كما تقادُ الدَّابة بحبلها. ثم قال: "إلاَّ قليلاً" وهم المعصومون الذين استثناهم الله تعالى في قوله تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} تفسير : [الحجر: 42]. فإن قيل: كيف ظنَّ إبليسُ اللَّعين هذا الظنَّ الصَّادق بذريَّة آدم - صلوات الله عليه -؟. قيل: فيه وجهان: الأول: أنه سمع الملائكة يقولون: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} تفسير : [البقرة: 30] فعرف ذلك. والثاني: أنه وسوس إلى آدم - صلوات الله عليه - فلم يجدْ له عزماً، فقال: الظاهر أنَّ أولاده يكونون مثله في ضعف العزم. وقيل: لأنه عرف أنه مركب من قوَّة بهيمية شهوانية، وقوَّة وهميَّة شيطانية، وقوة عقليَّة ملكيَّة، وقوَّة سبعيَّة غضبيَّة، وعرف أنَّ بعض تلك القوى تكون هي المستولية في أوَّل الخلقة، ثم إنَّ القوَّة العقلية إنما تكمل في آخر الأمر، ومتى كان الأمر كذلك، كان ما ذكره إبليس لازماً.

ابو السعود

تفسير : {قَالَ} أي إبليسُ لكن لا عَقيبَ كلامِه المحكي بل بعد الإنظارِ المترتب على استنظاره المتفرِّع على الأمر بخروجه من بـين الملأ الأعلى باللعن المؤبّدِ، وإنما لم يصرّح بذلك اكتفاءً بما ذكر في مواضعَ أُخَرَ، فإن توسيطَ (قال) بـين كلامَيْ اللعين للإيذان بعدمِ اتصالِ الثاني بالأول وعدمِ ابتنائِه عليه بل على غيره كما في قوله تعالى: { أية : قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ} تفسير : [الحجر، الآية 56] {أَرَءيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ} الكافُ لتأكيد الخطابِ لا محل لها من الإعراب وهذا مفعولٌ أولٌ والموصولُ صفتُه، والثاني محذوفٌ لدِلالة الصلةِ عليه أي أخبِرني عن هذا الذي كرّمته عليّ بأن أمرْتَني بالسجود له لِمَ كَرَّمْتَه عليّ؟ وقيل: هذا مبتدأٌ حُذف عنه حرفُ الاستفهام والموصولُ مع صلته خبرُه ومقصودُه الاستصغارُ والاستحقارُ، أي أخبرْني أهذا مَنْ كرَّمته عليّ؟ وقيل: معنى أرأيتَك أتأمّلت كأن المتكلّم ينبّه المخاطَب على استحضار ما يخاطبه به عَقيبه {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ} حياً {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} كلامٌ مبتدأٌ واللامُ موطِّئةٌ للقسم وجوابُه قوله: {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ} أي لأستأصِلَنّهم، من قولهم: احتنَك الجرادُ الأرضَ إذا جرَد ما عليها أكلاً، أو لأقودنّهم حيث ما شئتُ ولأستولِينّ عليهم استيلاءً قوياً، من قولهم: حنكْتَ الدابةَ واحتنكتَها إذا جعلتَ في حنَكها الأسفلِ حبلاً تقودُها به، وهذا كقوله: { أية : لأزَيّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلأَرْضِ وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الحجر: 39] وإنما عَلِم تسنِّي ذلك المطلبِ له تلقّياً من جهة الملائكةِ عليهم الصلاة والسلام أو استنباطاً من قولهم: { أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء} تفسير : [البقرة: 30] أو توسّماً من خَلْقه {إِلاَّ قَلِيلاً} منهم وهم المخْلَصون الذين عصمهم الله تعالى. {قَالَ ٱذْهَبْ} أي امضِ لشأنك الذي اخترتَه وهو طردٌ له وتخليةٌ بـينه وبـين ما سوّلت له نفسه {فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ} أي جزاؤُك وجزاؤهم فغُلّب المخاطَبُ على الغائب رعايةً لحق المتبوعية {جَزَاء مَّوفُورًا} أي جزاءً مكملاً من قولهم: فِرْ لصاحبك عِرضَه فِرَةً، أي وفّر، وهو نصب على أنه مصدرٌ مؤكّدٌ لما في قوله: {جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ} من معنى تجازون أو الفعلِ المقدّر أو حالٌ موطئةٌ لقوله موفوراً.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} [الآية: 62]. قال فارس: شؤم كبره بقوله: {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} أوقعه فى الحسد حتى قال: {أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} لأنه لم يعلم أن الشقاوة سبقت له من الله كما أن الكرامة والسعادة سابقة لآدم وظن أن ذلك بجهد واستجلاب فمن لزم الكبر والحسد فهو لازمٌ لأخلاق إبليس.

القشيري

تفسير : لو علقت به ذرَّةٌ من المعرفة والتوحيد لم يحطب على نفسه بالإضلال والإغواء، لكنَّه أقامه الحقُّ بذلك المقام، وأنطقه بما هو لقلوبِ أهلِ التحقيق مُتَّضِح.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} ابليس بعد مالعن وطرد وابعد اظهار للعداوة واقداما على الحسد كما قال فى الارشاد وقال ابليس لكن لا عقيب كلامه المحكى بل بعد الانظار المترتب على الاستنظار المتفرع على الامر بخروجه من بين الملأ الاعلى باللعن المؤبد وانما لم يصرح اكتفاء بما ذكر فى موضع آخر فان توسيط قال بين كلامى اللعين للايذان بعدم اتصال الثانى بالاول وعدم ابتنائه عليه بل على غيره {أرأيتك هذا الذى كرمت علىّ} الكاف حرف خطاب اى ليس باسم حتى يكون فى محل النصب على انه مفعول رأيت بل هو حرف اكذبه ضمير الفاعل المخاطب لتأكيد الاسناد فلا محل له من الاعراب وهذا مفعول اول والموصول صفته والثانى محذوف لدلالة الصفة عليه وأرأيت ههنا بمعنى اخبرنى بان يجعل العلم الذى هو سبب الاخبار مجازا عن الاخبار وبان يجعل الاستفهام مجازا عن الامر بجامع الطلب. والمعنى اخبرنى عن هذا الذى كرمته علىّ بان امرتنى بالسجود له لم كرمته علىّ وفضلته بالخلافة والسجود وانا خير منه لانه خلق من طين وخلقت من نار. وفى المثنوى شعر : آنكه آدم را بدن ديد اورميد وآنكه نور مؤتمن ديد او خميد تو زقرآن اى بسر ظاهر مبين ديو آدم را نه بيند جز كه طين تفسير : تو زقرآن اى بسر ظاهر مبين ديو آدم را نه بيند جز كه طين {لئن اخرتن} حيا. يعنى [مررك مرا تأخيرك كنى جنانكه موعودست] {الى يوم القيامة} يعنى على صفة الاغواء والاضلال وهو كلام مبتدأ واللام موطئة وجوابه قوله {لاحتنكن ذريته} اى لاستولين على اولاده ونسله استيلاء قويا بالاغواء كما قال {أية : فبعزتك لأغوينهم اجميعن}تفسير : يقال احتنكه استولى عليه كما فى القاموس. قال فى الارشاد من قولهم حنكت الدابة واحتنكتها اذا جعلت فى حنكها الاسفل حبلا تقودها به او لاستأصلنهم بالاغواء. يعنى [هر آينه ازبيخ بركنم فرزندان اورا باغوا وجنان كنم كه بعذاب تومستأصل شوند] من قولهم احتنك الجراد الارض اذا جرد ما عليها كلا. قال فى الاسئلة المقحمة علم ابليس ان فيهم شهوات مركبة فهى سبب ميلهم عن الحق الى الباطل قياسا على ابيهم حين مال الى اكل الشجرة بشهوته انتهى وقيل غير ذلك {الا قليلا} منهم وهم المخلصون الذين عصمهم الله تعالى.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ أَرَأَيْتَكَ} الكاف تأكيد للضّمير المرفوع ومثله كثير فى كلامهم {هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ} لأستأصلنّ من الحياة الانسانيّة {ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً} ممّن أخلصوا انفسهم لك او ممّن اخلصتهم لنفسك.

اطفيش

تفسير : {قَالَ} إِبليس. {أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ} فضلت. {عَلَّى} والكاف فى أرأيتك حرف خطاب واسم الإِشارة مفعول به والذى نعت أو بيان أو بدله والمفعول الثانى محذوف دلت عليه الصلة فعلق بالاستفهام أى أرأيت هذا الذى كرمت على لم كرمته على والمعنى أخبرنى عن هذا الذى كرمته على بأَن أمرتنى بالسجود له مع أنه من طين وأنا من نار لم كرمته على وذلك أن العلم بالشئ سبب للإِخبار عنه ملزوم له، فصح التعبير بما وضع للعلم وهو الرؤية عن الاخبار وقيل المعنى أتأَملت وهو جطاء من إِبليس لأَن الله جل جلاله لا يتأَمل فإِن التأَمل صفة الجاهل العاجز. {لَئِنْ أخَّرْتَنِى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} وهو وقت نفخة الموت فإِنما بعد نفخة الموت يوم لا غاية له يقوم الناس فى بعض من قبورهم واللام دالة على قسم مقدر قيل إِن الشرطية توطئ له الجواب وهو قوله: {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} أقطعنهم من أصلهم عن دينك بالإِغواء قال له ابن جرير الطبرى وهو من احتنك الجراد الأَرض إِذا جرد ما عليها بالأَكل وهو مأْخوذ من الحنك والحنك اللحى فكأَنه مثل إِغواءهم بجعل الحيوان اللقمة فى فمه بين أشداقه ويجوز أن يكون المعنى لا يسلن باحناكهم على أنه تمثيل لإِمالتهم عن دين الله، كقولك حنكت الدابة إِذا شددت على حنكها بحبل أو غيره فتنقاد، ويقال احتنكت السنة المال أى جرته، وأما قول ابن عباس أن المعنى لأستولين، وقول ابن زيد لأَضلن فبيان للمقصود لا تفسير مناسب للتصريف {إِلاَّ قَلِيلاً} لا أطيقهم وهم المخلصون المعصومون عن الموت على الإِصرار وإِن قلت من أين علم لعنه الله أنه يتشهل له احتناكهم قلت: إن قلنا. قال ذلك قبل أكله من الشجرة وهو الظاهر فإِنما علمه من وصف الملائكة لهم بالإفساد والسفك، إِذ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء أو علمه من كون آدم صاحب وهم شهوة وغضب وكونه أجوف لا يتمالك، وإِن قلنا أنه قال بعد الأَكل من الشجرة فإِنما علمه من تأْثير وسوسة فيه.

اطفيش

تفسير : {قَالَ} إبليس لله والعياذ بالله منه {أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ} كاف أرأيتك حرف خطاب لا ضمير، أكد به تأكيداً معنويا التاء، وهذا مفعول به، والذى نعت، ولا مفعول ثانيا له، لأنه بصرى مجاراً كما قدره بعض هكذا لم كرمته، على أن معنى أرأيت أخبرنى، والرؤية اعتبارية أى أنظر فى هذا، وتكلم فيه معى بالعام سبب، وملزوم للإخبار والإخبار مسبب له، ولازم، ولعناده - أبعده الله - قال هذا ولم يقل ذلك بإشارة القرب إِهانة له، مع إقراره بأن الله كرمه عليه، وأطلق الاستفهام وأراد معنى فعل الأمر لجامع الطلب، وأطلق الرؤية للاعتبار على ما قالت، وللإخبار على ما قالوا، لأن الرؤية سبب للإخبار والاعتبار. {لَئِنْ أَخَّرْتنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} لأستأصلنهم بالإهلاك فى دينهم، كما يحتنك الجراد النبات أى أهلكه بالأكل منه أو لأقودنَّهم حيث شئت، كما يحتنك الإنسان الدابة، أى يجعل اللجام أو الرسن، أو يجعل حبلا أو نحوه فى حنكها فيقودها حيث شاء، أو ذلك كمن يأكل شيئاً، والأكل بالحنك أو لأهلكنهم فى دينهم، كما يهلك الغراب الشئ بحنكه أى بمنقاره. {إِلاّ قَلِيلاً} عبادك المخلصين كما فى الآية الأخرى لا أطيقهم لقوتهم بالتوفيق والعصمة، وإنما جزم باحتناك لعلمه من قول الملائكة، أتجعل فيها إلخ ولم ينكر الله عليهم أنهم يفسدون ويسفكون، أو لعلم الملائكة وإخبارهم له بذلك، قيل: أو لقياسه الفرع، وهو أولاد آدم على أصلهم آدم، إذ عصى بالأكل من الشجرة، وهو باطل لأن العصيان بعد كونه فى الجنة. ومَن زعم أن له وسوستين إِحداهما بعد خلقته، والأخرى بعد كونه فى الجنة لم يجد دليلا، أو لكونه لما رآه قبل نفخ الروح فيه أجوف قال: إنه لا يتمالك فيكون يعصى كالجن على أنهم قبل إبليس، وعلم أنه يأكل، وبعد نفخ الروح علم ذلك من كونه ذَا وَهْم وشهوة وغضب.

الالوسي

تفسير : {قَالَ} أي إبليس. وفي إعادة الفعل بين كلامي اللعين إيذان بعدم اتصال الثاني بالأول وعدم ابتنائه عليه بل على غيره وقد ذكر ذلك في مواضع أخر أي قال بعد طرده من المحل الأعلى ولعنه واستنظاره وإنظاره {أَرَءيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَيَّ} الكاف حرف خطاب مؤكد لمعنى التاء قبله وهو من التأكيد اللغوي فلا محل له من الإعراب، ورأى علمية فتتعدى إلى مفعولين {وَهَـٰذَا} مفعولها الأول والموصول صفته والمفعول الثاني محذوف لدلالة الصلة عليه، وهذا الإنشاء مجاز عن إنشاء آخر ومن هنا تسمعهم يقولون: المعنى أخبرني عن هذا الذي كرمته عليَّ لِمَ كرمته عليَّ وأنا أكرم منه، والعلاقة ما بين العلم والأخبار من السببية والمسببية واللازمية والملزومية، وجملة لم كرمته واقعة على ما نص عليه أبو حيان موقع المفعول الثاني. وذهب بعض النحاة إلى أن رأى بصرية فتتعدى إلى واحد واختاره الرضي، ويجعلون الجملة الاستفهامية المذكورة مستأنفة. وقال الفراء: الكاف ضمير في محل نصب أي أرأيت نفسك وهو كما تقول: أتدبرت آخر أمرك فإني صانع كذا، و {هَـٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَيَّ} مبتدأ وخبر وقد حذف منه الاستفهام أي أهذا الخ. وقال بعضهم بهذا إلا أنه جعل الكاف حرف خطاب مؤكد أي أخبرني أهذا من كرمته علي. وقال ابن عطية: الكاف حرف كما قيل لكن معنى أرأيتك أتأملت كأن المتكلم ينبه المخاطب على استحضار ما يخاطبه به عقيبه. وكونه بمعنى أخبرني قول سيبويه والزجاج وتبعهما الحوفي والزمخشري وغيرهما، وزعم ابن عطية أن ذلك حيث يكون استفهام ولا استفهام في الآية. وأنت تعلم أن المقرر في أرأيت بمعنى أخبرني أن تدخل على جملة ابتدائية يكون الخبر فيها استفهاماً مذكوراً أو مقدراً فمجرد عدم وجوده لا يأبـى ذلك. وأياً ما كان فاسم الإشارة للتحقير، والمراد من التكريم التفضيل. وجملة {لَئِنْ أَخَّرْتَنِى إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} استئناف وابتداء كلام واللام موطئة للقسم وجوابه {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ}. وفي «البحر» لو ذهب ذاهب إلا أن (هذا) مفعول أول لأرأيتك بمعنى أخبرني والمفعول الثاني الجملة القسمية المذكورة لانعقادهما مبتدأ وخبراً قبل دخول أرأيتك لذهب مذهباً حسناً إذ لا يكون في الكلام على هذا إضمار وهو كما ترى. والمراد من أخرتني أبقيتني حياً أو أخرت موتي. ومعنى {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ} لأستولين عليهم استيلاء قوياً من قولهم: حنك الدابة واحتنكها إذا جعل في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به. وأخرج هذا ابن جرير وغيره عن ابن عباس وإليه ذهب الفراء أو لأستأصلنهم وأهلكنهم / بالإغواء من قولهم: احتنك الجراد الأرض إذا أهلك نباتها وجرد ما عليها واحتنك فلان مال فلان إذا أخذه وأكله، وعلى ذلك قوله:شعر : نشكو إليك سنة قد أجحفت جهداً إلى جهدبنا فاضعفت واحتنكت أموالنا وأجلفت تفسير : وكأنه مأخوذ من الحنك وهو باطن أعلى الفم من داخل المنقار فهو اشتقاق من اسم عين، واختار هذا الطبري والجبائي وجماعة. وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن زيد أنه قال يقول لأضلنهم وهو بيان لخلاصة المعنى، وهذا كقول اللعين {أية : لأُزَيّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلأَرْضِ وَلأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الحجر: 39]. {إِلاَّ قَلِيلاً} منهم وهم العباد المخلصون الذين جاء استثناؤهم في آية أخرى جعلنا الله تعالى وإياكم منهم. وعلم اللعين تسني هذا المطلب له حتى ذكره مؤكداً إما بواسطة التلقي من الملائكة سماعاً وقد أخبرهم الله تعالى به أو رأوه في اللوح المحفوظ أو بواسطة استنباطه من قولهم {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء} تفسير : [البقرة: 30] مع تقرير الله تعالى له أو بالفراسة لما رأى فيه من قوة الوهم والشهوة والغضب المقتضية لذلك، ولا يبعد أن يكون استثناء القليل بالفراسة أيضاً وكأنه لما رأى أن المانع من الاستيلاء في القليل مشتركاً بينه وبين آدم عليه السلام ذكره من أول الأمر. وعن الحسن أنه ظن ذلك لأنه وسوس إلى آدم وغره حتى كان ما كان فقاس الفرع على الأصل وهو مشكل لأن هذا القول كان قبل الوسوسة التي كان بسببها ما كان، ومن زعم أنه كان هناك وسوستان فعليه البيان ولا يأتي به حتى يؤب القارظان أو يسجد لآدم عليه السلام الشيطان.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن إبليس اللعين قال له {أَرَأَيْتَكَ} أي أخبرني: هذا الذي كرمته علي فأمرتني بالسجود له وهو آدم. أي لم كرمته علي وأنا خير منه! والكاف في {أَرَأَيْتَكَ} حرف خطاب، وهذا مفعول به لأرأيت. والمعنى: أخبرني. وقيل: إن الكاف مفعول به، و"هذا" مبتدأ، وهو قول ضعيف. وقوله {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} قال ابن عباس: لأستولين عليهم، وقاله الفراء. وقال مجاهد: لأحتوينهم. وقال ابن زيد: لأضلنهم. قال القرطبي: والمعنى متقارب. أي لأستأصلنهم بالإغواء والإضلال، ولأجتاحنهم. قال مقيدة عفا الله عنه: الذي يظهر لي في معنى الآية - أن المراد بقوله {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} أي لأقودنهم إلى ما أشاء. من قول العرب: احتنكت الفرس: إذا جعلت الرسن في حنكه لتقوده حيث شئت. تقول العرب: حنكت الفرس أحنكه (من باب ضرب ونصر) واحتنكته: إذا جعلت فيه الرسن. لأن الرسن يكون على حنكه. وقول العرب: احتنك الجراد الأرض: أي أكل ما عليها من هذا القبيل. لأنه يأكل بأفواهه، والحنك حول الفم. هذا هو أصل الاستعمال في الظاهر. فالاشتقاق في المادة من الحنك، وإن كان يستعمل في الإهلاك مطلقاً والاستئصال. كقول الراجز: شعر : أشكو إليك سنة قد أجحفت جهداً إلى جهد بنا وأضعفت واحتنكت أموالنا واجتلفت تفسير : وهذا الذي ذكر جل وعلا عن إبليس في هذه الآية من قوله {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} الآية، بينه أيضاً في مواضع أخر من كتابه. كقوله {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}تفسير : [الأعراف:16-17]، وقوله: {أية : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [ص:82]، إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه "في سورة النساء" وغيرها. وقوله في هذه الآية {إَلاَّ قَلِيلا} بين المراد بهذا القليل في مواضع أخر. كقوله: {أية : وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ}تفسير : [الحجر:39-40]، وقوله: {أية : لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِين}تفسير : [الحجر:39-40] كما تقدم إيضاحه. وقول إبليس في هذه الآية. {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} الآية. قاله ظناً منه أنه سيقع وقد تحقق له هذا الظن. كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [سبأ:20].

الواحدي

تفسير : {قال} يعني: إبليس {أرأيتك} أَيْ: أرأيت، والكاف توكيدٌ للمخاطبة {هذا الذي كرَّمت عليّ} فضَّلته. يعني: آدم عليه السَّلام {لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأَحتنكنَّ ذريته} لأستأصلنَّهم بالإغواء ولأستولينَّ عليهم {إلاًّ قليلاً} يعني: ممَّن عصمه الله تعالى. {قال} الله: {اذهب} إنِّي أنظرتك إلى يوم القيامة {فمن تبعك} أطاعك {منهم} من ذُرِّيَّتِهِ {فإنَّ جهنم جزاؤكم جزاءً موفوراً} وافراً.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَرَأَيْتَكَ} {لَئِنْ} {ٱلْقِيَامَةِ} (62) - وَقَالَ إِبْلِيسُ لِلرَّبِّ الكَرِيمِ مُتَواقِحاً: أَلاَ تَرَى إلَى هذا الذِي شَرَّفْتَهُ وَكَرَّمْتَهُ عَلَيَّ فَإِنْ أَخَّرْتَنِي وَأَنْظَرْتَنِي إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ، لأُضِلَّنَّ ذُرِّيَّتَهُ، وَلأُسَيْطِرَنَّ عَلَيْهِمْ، وَلأَحْتَوِيَنَّهُمْ إِلاّ قَليلاً مِنْهُمْ. لأَحْتَنِكَنَّ - الاحْتِنَاكُ، لُغَةً، وَضْعُ شَيءٍ فِي حَنَكِ الدَّابَّةِ الأَسْفَلِ لِتُقَادَ بِهِ، أَيْ إِنَّهُ سَيَمْلِكُ نَاصِيَتَهُمْ، وَيُسَيْطِرُ عَلَيْهِمْ. أَوْ لأَسْتَأْصِلَنَّهُمْ بِالإِغْوَاءِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {قَالَ} أي: إبليس {أَرَأَيْتَكَ} الهمزة للاستفهام، والتاء للخطاب، وكذلك الكاف، وجمع بينهما في الخطاب للتأكيد، كما تقول: أنت أنت تفعل ذلك. والمعنى: أخبرني، لأن رأي البصرية تُطلق في القرآن على معنى العلم؛ لأن علم العين علم مُؤكّد لا شكَّ فيه. لذلك قالوا: (ليس مع العين أَيْن) فما تراه أمامك عياناً، وإنْ كان للعلم وسائل كثيرة فأقواها الرؤية؛ لأنها تعطي علماً مؤكداً على خلاف الأذن مثلاً، فقد تسمع بها كلاماً تعرف بعد ذلك أنه كذب. وقد ورد هذا المعنى في قَوْل الحق سبحانه: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ}تفسير : [الفيل: 1]. واستخدم الفعل ترى، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في عام الفيل وليداً لم يَرَ شيئاً، فالمعنى: ألم تعلم، ولكن الحق سبحانه عدل عن "تعلم" إلى "تَرَ" كأنه يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: إذا أخبرك الله بمعلوم، فاجعل إخبار الله لك فوق رؤيتك بعينك. فقوله تعالى: {أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ..} [الإسراء: 62] أي: أعلمني، لماذا فضلته عليَّ، وكأن تفضيل آدم على إبليس مسألة تحتاج إلى برهان وتبرير، وكان على إبليس أن ينتظر إجابة هذا السؤال الذي توجه به لربّه عَزَّ وجل، ولكنه تعجَّل وحمله الغيظ والحسد على أن يقول: {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 62]. وهذا لأن حقده وعداوته لآدم مُسْبقة فلم ينتظر الجواب. ومعنى: {أَخَّرْتَنِ} أخَّرت أجلي عن موعده، كأنه يعلم أن الله يجعل لكل نفس منفوسة من إنس أو جنٍّ أجلاً معلوماً، فطلب أنْ يُؤخِّره الله عن أجله، وهذه مبالغة منه في اللدد والعناد، فلم يتوعدهم ويُهدّدهم مدة حياته هو، بل إلى يوم القيامة، فإن كانت البداية مع آدم فلن ينجو ولن تنجو ذريته أيضاً. فالعداوة بين إبليس وآدم، فما ذنب ذريته من بعده؟ لقد كان عليه أن يقصر هذا الحقد، وهذه العداوة على آدم، ثم يوصي ذريته بحمل هذا العداء من بعده، إنه الغيظ الدفين الذي يملأ قلبه. وقد أمهله الحق سبحانه بقوله: {أية : إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ}تفسير : [الأعراف: 15]. ومعنى: {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ..} [الإسراء: 62] اللام للقسم، كما أقسم في آية أخرى: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [ص: 82]. وعجيب أمر إبليس، يقسم بالله وهو يعلم أن العمر والأجل بيده سبحانه، فيسأله أن يُؤخّره، ومع ذلك لا يطيع أمره. والاحتناك: يَرِد بمعنيين: الأول: الاستئصال. ومنه قولهم: احتنك الجراد الزرع. أي: أتى عليه كله واستأصله، والآخر: بمعنى القهر على التصرف، مأخوذ من اللجام الذي يُوضَع في حنَك الفرس، ويسمونه (الحنكة) وبها تستطيع أن تُوجّه الفرس يميناً أو يساراً أو تُوقِفه، فهي أداة التحكّم فيه، والسيطرة عليه قَهْراً. فالاحتناك قد يكون استئصالاً للذات، وقد يكون قهراً لحركتها. وقوله سبحانه: {إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 62] فيها دليل على عِلْم إبليس ومعرفته بقدرة الله تعالى، فعرف كيف يقسم به حين قال: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [ص: 82] والمعنى: بعزتك عن خَلْقك: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ}تفسير : [الكهف: 29]. سأدخل من هذا الباب، أما عبادك الذين هديتهم واصطفيتهم فلا دَخْلَ لي بهم، وليس لي عليهم سلطان، لقد تذكر قدرة الله، وأن الله إذا أراد إخلاص عبده لنفسه لا يستطيع الشيطان أنْ يأخذَه، فقال: {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ}تفسير : [ص: 83]. فقوله: {إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 62] هذا القليل المستثنى هم المؤمنون الذين اختارهم الله وهداهم، ولم يجعل للشيطان عليهم سبيلاً. ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً} معناهُ لاَسْتَمِيلَنهُم. والاحْتِنَاكُ: معناه الغَلبةُ والقَهرُ والاستِيلاءُ. والقَليلُ: هُم المَعْصُومُونَ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : قال إبليس بعدها لُعن وطُرد وبعد إظهار العداوة وانتقاماً للحقد وإقداماً على الحسد {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} [الإسراء: 62] وفضلته بالخلافة والسجود {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} [الإسراء: 62] يعني: على صفة الإغواء والإضلال {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} [الإسراء: 62] لأستولين على الأولاد بالإغواء، كما قال: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص: 82] {فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً} [الإسراء: 62] يعني: من عبادك المخلصين. {قَالَ ٱذْهَبْ} [الإسراء: 63] يعني: على طريقك السوء في الإغواء والإضلال {فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} [الإسراء: 63] على الضلالة {فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً} [الإسراء: 63] مكملاً. {وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} [الإسراء: 64] أي: بتمويهات الفلاسفة وشبهات أهل الأهواء والبدع، وطامات الإباحية، وما يناسبها من مقالات أهل الطبيعة مخالفا للشريعة {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ} [الإسراء: 64] وهو كل راكب يركب الهوى، ويقال الدنيا {وَرَجِلِكَ} [الإسراء: 64] وهو كل ماشٍ حريص على الدنيا وشهواتها طالب للذاتها {وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ} بتحصيلها من غير وجه بإسراف النفس وإنفاقها أو ممسكاً لها بالبخل لإتلاف الأولاد {وَٱلأَوْلادِ} بتضييع زمانهم وإفساد استعدادهم في طلب الدنيا ورئاستها متغافلاً عن تهذيب نفوسهم وتزكيتهم أو تأديبها وتوفيها عن الصفات المذمومة وتحليتها بالصفات المحمودة، وتعلمهم الفرائض والسنن والعلوم الدينية، وتحرضهم على طلب الآخرة والدرجات العلى، والنجاة من النار والدركات السفلى، {وَعِدْهُمْ} نيل المقصد الأعلى في الآخرة والأولى على البطالة وإتيان الهوى، {وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ} بكرم الله وعفوه وغفرانه للذنوب والمعاصي من غير توبة وإنابة {إِلاَّ غُرُوراً} [الإسراء: 64] كما قال تعالى: {أية : وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} تفسير : [لقمان: 33] أي الشيطان. وفي قوله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الإسراء: 65] إشارة إلى أن عباد الله هم الأحرار عن رق الكونين وتعلقات الدارين فلا يستعبدهم الشيطان، فلا يقدر أن يتعلق بهم فيضلهم عن طريق الحق ويغويهم بما سواه {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً} [الإسراء: 65] لهم في ترتيب أسباب سعادتهم وتفويت أسباب شقاوتهم والحراسة عن الشيطان والهداية إلى الرحمن. ثم أخبر عن أصناف ألطافه وأوصاف أعطافه بقوله تعالى: {رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِي ٱلْبَحْرِ} [الإسراء: 66] يشير إلى فلك الشريعة يجريه في بحر الحقيقة، المعنى إن لم يكن فلك الشريعة ما تيسر لأحد العبور على بحر الحقيقة. {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} [الإسراء: 66] وهو جذبة العناية {أية : ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} تفسير : [الحديد: 21] يشير إلى أن جذبة العناية ليست بمكتسبة للخلق؛ بل هي من قبيل الفضل لقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ} [الإسراء: 66] في الأزل {رَحِيماً} [الإسراء: 66] فضلاً منه وتكرماً.