Verse. 2092 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

قَالَ اذْہَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْہُمْ فَاِنَّ جَہَنَّمَ جَزَاۗؤُكُمْ جَزَاۗءً مَّوْفُوْرًا۝۶۳
Qala ithhab faman tabiAAaka minhum fainna jahannama jazaokum jazaan mawfooran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال» تعالى له «اذهب» منظرا إلى وقت النفخة الأولى «فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم» أنت وهم «جزاءً موفورا» وافرا كاملاً.

63

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ ٱذْهَبْ} هذا أمر إهانة، أي اجهد جهدك فقد أنظرناك. {فَمَن تَبِعَكَ} أي أطاعك من ذرية آدم. {فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً} أي وافراً، عن مجاهد وغيره. وهو نصب على المصدر، يقال: وفَرته أفِرُه وَفْراً، ووَفَر المالُ بنفسه يَفِر وفوراً فهو وافر، فهو لازم ومتعدّ.

ابن كثير

تفسير : لما سأل إبليس النظرة، قال الله له: {ٱذْهَبْ} فقد أنظرتك؛ كما قال في الآية الأخرى قال: {أية : قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } تفسير : [الحجر: 37 ـ 38] ثم أوعده ومن اتبعه من ذرية آدم جهنم {قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ} أي على أعمالكم {جَزَاءً مَّوفُورًا} قال مجاهد: وافراً، وقال قتادة: موفوراً عليكم، لا ينقص لكم منه. وقوله تعالى: {وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} قيل: هو الغناء. قال مجاهد: باللهو والغناء، أي: استخفهم بذلك. وقال ابن عباس في قوله: {وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} قال: كل داع دعا إلى معصية الله عز وجل. وقال قتادة: واختاره ابن جرير. وقوله تعالى: {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} يقول: واحمل عليهم بجنودك؛ خيالتهم ورجلتهم؛ فإن الرجل جمع راجل، كما أن الركب جمع راكب، وصحب جمع صاحب، ومعناه: تسلط عليهم بكل ما تقدر عليه، وهذا أمر قدري كقوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} تفسير : [مريم: 83] أي: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجاً، وتسوقهم إليها سوقاً. وقال ابن عباس ومجاهد في قوله: {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} قال: كل راكب وماش في معصية الله. وقال قتادة: إن له خيلاً ورجالاً من الجن والإنس، وهم الذين يطيعونه، تقول العرب: أجلب فلان على فلان، إذا صاح عليه، ومنه: نهى في المسابقة عن الجلب والجنب. ومنه اشتقاق الجلبة، وهي ارتفاع الأصوات. وقوله تعالى: {وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلأَمْوَٰلِ وَٱلأَوْلَـٰدِ} قال ابن عباس ومجاهد: هو ما أمرهم به من إنفاق الأموال في معاصي الله، وقال عطاء: هو الربا، وقال الحسن: هو جمعها من خبيث، وإنفاقها في حرام، وكذا قال قتادة، وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أما مشاركته إياهم في أموالهم، فهو ما حرموه من أنعامهم، يعني: من البحائر والسوائب ونحوها. وكذا قال الضحاك وقتادة. وقال ابن جرير: والأولى أن يقال: إن الآية تعم ذلك كله. وقوله: {وَٱلأَوْلَـٰدِ} قال العوفي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك: يعني: أولاد الزنا، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو ما كانوا قتلوه من أولادهم سفهاً بغير علم، وقال قتادة والحسن البصري: قد والله شاركهم في الأموال والأولاد؛ مجسوا وهودوا ونصروا وصبغوا على غير صبغة الإسلام، وجزؤوا أموالهم جزءاً للشيطان، وكذا قال قتادة سواء، وقال أبو صالح عن ابن عباس: هو تسميتهم أولادهم عبد الحارث وعبد الشمس وعبد فلان. قال ابن جرير: وأولى الأقوال بالصواب أن يقال: كل مولود ولدته أنثى عصى الله فيه؛ بتسميته بما يكرهه الله، أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله، أو بالزنا بأمه، أو بقتله، أو غير ذلك من الأمور التي يعصى الله بفعله به أو فيه، فقد دخل في مشاركة إبليس فيه من ولد ذلك الولد له أو منه؛ لأن الله لم يخصص بقوله: {وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلأَمْوَٰلِ وَٱلأَوْلَـٰدِ} معنى الشركة فيه بمعنى دون معنى، فكل ما عصي الله فيه، أو به وأطيع الشيطان فيه، أو به، فهو مشاركة، وهذا الذي قاله متجه، وكل من السلف رحمهم الله فسر بعض المشاركة، فقد ثبت في "صحيح مسلم" عن عياض بن حمار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يقول الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم» تفسير : وفي "الصحيحين": أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله، قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا؛ فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك، لم يضره الشيطان أبداً» تفسير : وقوله تعالى: {وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُورًا} كما أخبر تعالى عن إبليس أنه يقول إذا حصحص الحق يوم يقضى بالحق: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} تفسير : الآية [إبراهيم: 22]. وقوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ} إخبار بتأييده تعالى عباده المؤمنين، وحفظه إياهم، وحراسته لهم من الشيطان الرجيم، ولهذا قال تعالى: {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً} أي: حافظاً ومؤيداً ونصيراً، وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن المؤمن لينضي شياطينه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر» تفسير : ينضي، أي: يأخذ بناصيته ويقهره.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ } تعالى له {ٱذْهَبْ } منظراً إلى وقت النفخة الأولى {فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ } أنت وهم {جَزَاءً مَّوفُورًا } وافراً كاملاً.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: واستخف، وهذا قول الكلبي والفراء. الثاني: واستجهل. الثالث: واستذل من استطعت، قاله مجاهد. {بصوتك} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه صوت الغناء واللهو، قاله مجاهد. الثاني: أنه صوت المزمار، قاله الضحاك. الثالث: بدعائك إلى معصية الله تعالى وطاعتك، قاله ابن عباس. {وأجلب عليهم بخيلك ورجَلِكِ} والجلب هو السوْق بجلبه من السائق، وفي المثل: إذا لم تغلب فأجلب. وقوله {بخيلك ورجلك} أي بكل راكب وماشٍ في معاصي الله تعالى. {وشاركهم في الأموال والأولاد} أما مشاركتهم في الأموال ففيها أربعة أوجه: أحدها: أنها الأموال التي أصابوها من غير حلها، قاله مجاهد. الثاني: أنها الأموال التي أنفقوها في معاصي الله تعالى، قاله الحسن. الثالث: ما كانوا يحرّمونه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، قاله ابن عباس. الرابع: ما كانوا يذبحون لآلهتهم، قاله الضحاك. وأما مشاركتهم في الأولاد ففيها أربعة أوجه: أحدها: أنهم أولاد الزنى، قاله مجاهد. الثاني: أنه قتل الموؤودة من أولادهم، قاله ابن عباس. الثالث: أنه صبغة أولادهم في الكفر حتى هوّدوهم ونصّروهم، قاله قتادة. الرابع: أنه تسمية أولادهم عبيد آلهتهم كعبد شمس وعبد العزَّى وعبد اللات، رواه أبو صالح عن ابن عباس.

النسفي

تفسير : {قَالَ ٱذْهَبْ } ليس من الذهاب الذي هو ضد المجيء وإنما معناه امض لشأنك الذي اخترته خذلاناً وتخلية. ثم عقبه بذكر ما جره سوء اختياره فقال: {فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ } والتقدير فإن جهنم جزاؤهم وجزاؤك ثم غلب المخاطب على الغائب فقيل {جزاؤكم} وانتصب {جَزَاء مَّوفُورًا } أي موفراً بإضمار تجازون {وَٱسْتَفْزِزْ } استزل أو استخف استفزه أي استخفه والفز الخفيف. {مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ } بالوسوسة أو بالغناء أو بالمزمار {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم } اجمع وصح بهم من الجلبة وهو الصياح {بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } بكل راكب وماش من أهل العيث، فالخيل الخيالة، والرجل اسم جمع للراجل ونظيره الركب والصحب {ورجلك} حفص على أن فعلاً بمعنى فاعل كتعب وتاعب، ومعناه وجمعك الرِجل وهذا لأن أقصى ما يستطاع في طلب الأمور الخيل والرجل. وقيل: يجوز أن يكون لإبليس خيل ورجال {وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلأَمْوٰلِ وَٱلأَوْلَـٰدِ } قال الزجاج: كل معصية في مال وولد فإبليس شريكهم فيها كالربا والمكاسب المحرمة والبحيرة والسائبة والإنفاق في الفسوق والإسراف ومنع الزكاة والتوصل إلى الأولاد بالسبب الحرام والتسمية بعبد العزى وعبد شمس {وَعِدْهم} المواعيد الكاذبة من شفاعة الآلهة والكرامة على الله بالأنساب الشريفة وإيثار العاجل على الآجل ونحو ذلك {وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً } هو تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب {أَن عِبَادِى } الصالحين {لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ } يد بتبديل الإيمان ولكن بتسويل العصيان {وَكَفَىٰ بِرَبّكَ وَكِيلاً } لهم يتوكلون به في الاستعاذة منك أو حافظاً لهم عنك، والكل أمر تهديد فيعاقب به أو إهانة أي لا يخل ذلك بملكي. {رَّبُّكُمُ ٱلَّذِى يُزْجِى } يجري ويسير {لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِى ٱلْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } يعني الربح في التجارة {إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا. }

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {ٱذْهَبْ فَمَن}: تقدَّم أن الباء تدغم في الفاء في ألفاظٍ منها هذه، عند أبي عمرو، والكسائي، وحمزة في رواية خلادٍ عنه؛ بخلاف في قوله تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـٰئِكَ} تفسير : [الحجرات: 11]. وهذا ليس من الذَّهاب الذي هو ضدُّ المجيء، وإنما معناه: امضِ لشأنك الذي اخترته، و المقصود التخلية، وتفويض الأمر إليه، كقول موسى - صلوات الله عليه -: {أية : فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَٰوةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ} تفسير : [طه: 97] ثم قال عزَّ وجلَّ: {فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً}. فإن قيل: الأولى أن يقال: فإن جهنَّم جزاؤهم؛ ليعود الضمير إلى قوله: {فَمَن تَبِعَكَ}؟ فالجواب من وجوهٍ: الأول: تقديره: جزاؤهم وجزاؤكم؛ لأنه تقدَّم غائب ومخاطب في قوله: {فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} فغلَّب المخاطب على الغائب، فقيل: جزاؤكم. والثاني: يجوز أن يكون الخطاب مراداً به "مَنْ" خاصة، ويكون ذلك على طريق الالتفات. والثالث: أنه - صلوات الله وسلامه عليه - قال: "حديث : مَنْ سَنَّ سُنَّةً سيِّئةً فَعليْهِ وزِرُهَا ووِزْرُ مِنْ عَمِلَ بِهَا إلى يَوْمِ القِيَامَةِ" تفسير : فكل معصية توجد فيحصل لإبليس مثل وزْرِ ذلك العامل، فلما كان إبليس هو الأصل في كلِّ المعاصي، صار المخاطب بالوعيد هو إبليس. قوله تعالى: "جَزَاءً" في نصبه أوجهٌ: أحدها: أنّه منصوبٌ على المصدر، الناصب له المصدر قبله، وهو مصدر مبين لنوع المصدر الأول. الثاني: أنه منصوب على المصدر ايضاً، لكن بمضمرٍ، أي: يجازون جزاء. الثالث: أنه حالٌ موطئة كـ "جَاءَ زيدٌ رجُلاً صَالحاً". الرابع: أنه تمييزٌ، وهو غير متعقَّل. و "مَوفُوراً" اسم مفعولٍ، من وفرته، ووفر يستعمل متعدِّياً، ومنه قول زهير: [الطويل] شعر : 3435- ومَنْ يَجْعَلِ المعرُوفَ من دُونِ عِرْضهِ يَفِرهُ ومَنْ لا يتَّقِ الشَّتمَ يُشتمِ تفسير : والآية الكريمة من هذا، ويستعمل لازماً، يقال: وفرَ المالُ يَفِرُ وفُوراً، فهو وَافِرٌ، فعلى الأول: يكون المعنى جزاء موفَّراً، وعلى الثاني: يكون المعنى جزاء وافراً مكمَّلاً يقال: وفرتهُ أفرهُ وفْراً.

القشيري

تفسير : هذا غاية التهديد، وفيه إشارة وبيان بألا مراء ولا تفويتٍ، ولو أَخرَّ عقوبةَ قومٍ فإن ذلك إمهالُ لا إهمال، ومكرٌ واستدراجٌ لا إنعامٌ وإكرامٌ. {وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ}: أي افعل ما أمكنكَ، فلا تأثيرَ لفعلك في أحد، فإنَّ المنشئَ والمُبْدِعَ هو الله.. وهذا غاية التهديد.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} الله تعالى {اذهب} على طريقتك السوء بالاغواء والاضلال. وفى بحر العلوم ليس من الذهاب الذى هو نقيض المجيئ بل معناه امض لما قصدته او طرد له وتخلية بينه وبين ما سولت له نفسه او هو على وجه الاهانة والتهديد تقول لمن لا يقبل منك اذهب وكن على ما اخترت لنفسك. قال الكاشفى [امراهانت است وابعاد يعنى اورا براند ازدركاه قرب وكفت دربى مهم خودبرو] {فمن تبعك منهم} على الضلالة. قال الكاشفى [هركه متابعت كند ترا وفرمان توبرد] {فان جهنم جزاؤكم} اى جزاؤك وجزاؤهم فغلب المخاطب رعاية لحق المتبوعية {جزاء موفورا} من وفر الشئ كمل اى تجزون جزاء مكملا فنصبه على المصدر باضمار فعله. قال الكاشفى [جزايى تمام يعنى عذابى بردوام]

الجنابذي

تفسير : {قَالَ ٱذْهَبْ} طرد وردعٌ له او تخلية بينه وبين ما اراد {فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً} مكملاً كثيراً لا نقص فيه.

الهواري

تفسير : قوله: { قَال اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً} قال مجاهد: وافراً. قوله: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} يعني بدعائك، أي: بوسوستك. {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ}. قال مجاهد: كل فارس في معصية الله فهو من خيل إبليس، وكل راجل في معصية الله فهو من رَجل إيليس. وقال بعضهم: رجاله الكفار والضّلاّل من الجِنّ والإِنسِ. وكان الحسن يقرأها: {وَرِجَالِكَ} وقال: وإن له خيلاً وإن له رجالاً. قوله: {وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ} قال الحسن: شركته إياهم في الأموال أنه أمرهم، أي: وسوس إليهم، فأخذوها من حرام وأنفقوها في غير حقها. وشركته إياهم في الأولاد أن الله أعطاهم أولاداً على الفطرة فصبغوهم يهوداً ونصارى أو مجوساً أو عابدي وثن. وقال الكلبي: شركته إياهم في الأموال ما كانوا يحرّمون مما أحلّ الله لهم، وكل ما أصابوا من غير حلّه ووضعوه في غير حقّه، وشركته إياهم في الأولاد ما ولد من الزنا. قوله: {وَعِدْهُمْ} أي: بالأماني، أي: بأنه لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار. وهذا وعيد من الله للشيطان، كقول الرجل: اذهب فاجهد على جهدك، وليس على وجه الأمر له. قال: {وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً}.

اطفيش

تفسير : {قَالَ} الله تبارك وتعالى. {اذْهَبْ} امضى لشأْنك الذى قصدته وهو التأْخير إِلى وقت نفخة الموت، فقد قضيته لك وليس المراد ضد المجئ وعلى جواز استعمال الكلمة فى حقيقتها ومجازها يجوز حمل اذهب على مضيه لشأْنه الذى قصده وسولته له نفسه والخروج من الجنة {فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} أى من ذرية آدم على الضلالة. {فَإِنَّ جَهنَّمَ جَزَاؤكُمْ} هذا من تغليب الخطاب على الغيبة وأصل الكلام جزاؤك وجزاؤُهم أى جزاء من اتبعك وسيق الكلام للكل بطريق الخطاب ويجوز أن يكون الخطاب لمن تبعه فقط عن طريق الالتفات من الغيبة إِلى الخطاب لتأْكيد الجزاء وزيادة التهديد بالخطاب وعلى الوجهين أفرد ضمير من فى تبع للفظ وجمع فى جزاؤكم للمعنى ولا يقال أفرده أيضاً فيه على أن الكاف فى جزاءكم للاثنين فقط، عدو الله ومن تبعه وأن الأَصل ومن تبعكما لأَن هذا خلاف الأَصل فيحتاج إِلى دليل. {جَزَاءَ} مفعول مطلق منصوب بجزاء الأَول هذا ما اشتهر وهو إِنما يصح على إِبقاء لفظ الجزاء الأَول على المعنى المصدرى ويحتاج فى إِبقائه عليه إِلى تقدير مضاف أى فإِن عذاب جهنم جزاؤكم أو فإِن جهنم قاضية جزاءكم والجزاء العقاب، وأما إِن قلنا الجزاء بمعنى ما يجازون به وهو جهنم فجزاء مفعول مطلق لمحذوف أى تجزون بها جزاء قبل أو لما فى جزاؤكم من معنى تجازون أو حال ولو كان جامدا لوصف بمشتق فهو حال موطئة والمشتق هو قوله. {مَّوْفُوراً} أى مكملا وهو اسم مفعول وفر المتعدى، يقال وفر لصاحبك عرضه وفرة من باب وعد، ويستعمل وفراً أيضاً لازماً بمعنى كامل، وذكروا أن إِبليس أعاذنا الله منه كان يطوف بآدم قبل أن ينفخ فيه الروح فرآه أجوف فعرف أنه لا يتمالك أى لا يصير ملكاً أو لا يستقل عن الحاجات من أكل وشرب وغيرهما فيكون محلا للغضب والشهوة والمعصية.

اطفيش

تفسير : {قَالَ} الله {اذْهَبْ} على ما رغبت فيه من الإبقاء إِلى يوم القيامة، والاحتكاك كما تقول لمن خالفك: افعل ما تريد على ظاهره بمعنى اخرج منها، فإنك رجيم، ويفسر بذلك كله جمعًا بين الحقيقة والمجاز، أو حملا على عموم المجاز، وكل من ذلك رد عليه وتخطئة، فلا يتعين ما ذكرته أولا لقوله: {فَمَنْ تَبِعَكَ} فإن الوعيد على متبعه مع تلك التخطئة مطلقة {مِنْهُمْ فَإِنّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا} كاملا اسم مفعول بمعنى اسم الفاعل، وقيل: يجئ وفر متعديا، فهو بمعنى مفعول على ظاهره، أى مكملا كقول زهير: شعر : ومن يجعل المعروف من دون عرضه بفِرْه ومن لا يظلم الناس يُظلم تفسير : والخطاب له ولمن تبعه، غلب الخطاب على الغيبة، ويجوز أن يكون الخطاب لمن خاصة دون إِبليس على طريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وإذا قلنا خبر اسم الشرط جملة الشرط، فالرابط هو المستتر فى تبع، وهكذا إِن قلنا جملة الشرط، والجواب، وإن قلنا: الخبر جملة الجواب، فالرابط كاف الخطاب، ولو عادت لغائب لأن مسماهما واحد كما ربط بضمير الخطاب فى قول علىّ: شعر : أنا الذى سمتنى أمى حيدرة تفسير : والراجح أن يقول: أنا الذى سمته أمه، ويعالج الوزن فلم يخل الكلام عن الربط كما ادعاه ابن هشام فى تذكرته، وإن قدرنا فقل لهم: إن جهنم فالرابط الهاء المقدرة ولا التفات، وليس فى ذلك بيان أن إِبليس يحزن بجهنم، لكن يتضمنه وجزاء مفعول مطلق بتجزون محذوفاً، لا بجزاؤكم، لأن معناه نفس لشئ الذى يقال إنه جزاء لا المعنى المصدرى. وقيل: إِنه تضمن معنى تجزون، فكان ناصباً ولا حاجة إِلى جعله حالا مع أنه غير مشتق إِلا أنه كثر جمود الحال إِذا كانت موطئة كما هنا.

الالوسي

تفسير : {قَالَ} الله سبحانه وتعالى: {ٱذْهَبْ} ليس المراد به حقيقة الأمر بالذهاب ضد المجيء بل المراد تخليته وما سولته نفسه إهانة له كما تقول لمن يخالفك: افعل ما تريد، وقيل: يجوز أن يكون من الذهاب ضد المجيء فمعناه حينئذ كمعنى قوله تعالى: {أية : فاَخْرَجَ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ}تفسير : [الحجر: 34] وقيل: هو طرد وتخلية ويلزم على ظاهره الجمع بين الحقيقة والمجاز والقائل ممن يرى جوازه. ويدل على أنه ليس المراد منه ضد المجيء تعقيبه بالوعيد في قوله سبحانه: {فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} وضل عن الحق {فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ} أي جزاؤك وجزاؤهم فغلب المخاطب على الغائب رعاية لحق المتبوعية. وجوز الزمخشري وتبعه غير واحد أن يكون الخطاب للتابعين على الالتفات من غيبة المظهر إلى الخطاب، وتعقبه ابن هشام في «تذكرته» فقال: عندي أنه فاسد لخلو الجواب أو الخبر عن الرابط فإن ضمير الخطاب لا يكون رابطاً، وأجيب بأنه مؤول بتقدير فيقال لهم: إن جهنم جزاؤكم، ورد بأنه يخرج حينئذ عن الالتفات. وقال بعض المحققين: إن ضمير الخطاب إن سلم أنه لا يكون عائداً لا نسلم أنه إذا أريد به الغائب التفاتاً لا يربط به لأنه ليس بأبعد من الربط بالاسم الظاهر فاحفظ. {جَزَاء مَّوفُورًا} أي مكملاً لا يدخر منه شيء كما قال ابن جبير من فِرْ كَعِدْ لصاحبك عرضه فرة أي كمل لصاحبك عرضه، وعلى ذلك قوله:شعر : ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتق الشتم يشتم تفسير : وجاء وفر لازماً نحو وفر المال يفر وفوراً أي كمل وكثر. وانتصب {جَزَاء} على المصدر بإضمار تجزون أو تجازون فإنهما بمعنى وهذا المصدر لهما. / وجوز أبو حيان وغيره كون العامل فيه {جَزَاؤُكُمْ} بناء على أن المصدر ينصب المفعول المطلق، وجوز كونه حالاً موطئة لصفتها التي هي حال في الحقيقة ولذا جاءت جامدة كقوله تعالى: {أية : قُرْءاناً عَرَبِيّاً } تفسير : [يوسف: 2] ولا حاجة لتقدير ذوي فيه حينئذ وصاحب الحال مفعول تجزونه محذوفاً والعامل الفعل، وقيل إنه حال من فاعله بتقدير ذوي جزاء، وقال الطيبـي: قيل المعنى ذوي جزاء ليكون حالاً عن ضمير المخاطبين ويكون المصدر عاملاً وإلا فالعامل مفقود ثم قال: الأظهر أنه حال مؤكدة لمضمون الجملة نحو زيد حاتم جواداً، وفي «الكشف» أن هذا متعين وليس الأول بالوجه، ومثله جعله حالاً عن الفاعل، وقيل هو تمييز ولا يقبل عند ذويه.

ابن عاشور

تفسير : جواب من الله تعالى عن سؤال إبليس التأخير إلى يوم القيامة، ولذلك فصلت جملة {قال} على طريقة المحاورات التي ذكرناها عند قوله تعالى: {أية : قالوا أتجعل فيها}تفسير : [البقرة: 30]. والذهاب ليس مراداً به الانصراف بل هو مستعمل في الاستمرار على العمل، أي امض لشأنك الذي نويته. وصيغة الأمر مستعملة في التسوبة وهو كقول النبهاني من شعراء الحماسة: شعر : فإن كنتَ سيدنا سُدتَنا وإن كنتَ للخال فاذْهَبْ فخَلْ تفسير : وقوله: {فمن تبعك منهم} تفريع على التسوية والزجر كقوله تعالى: {أية : قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس}تفسير : [طه: 97]. والجزاء: مصدر جزاه على عمل، أي أعطاه عن عمله عوضاً. وهو هنا بمعنى اسم المفعول كالخلق بمعنى المخلوق. والموفور: اسم مفعول من وفره إذا كثّره. وأعيد {جزاء} للتأكيد، اهتماماً وفصاحةً، كقوله: {أية : إنا أنزلناه قرآناً عربياً}تفسير : [يوسف: 2]، ولأنه أحسن في جريان وصف الموفور على موصوف متصل به دون فصل. وأصل الكلام: فإن جهنم جزاؤكم موفوراً. فانتصاب {جزاء} على الحال الموطئة، و {موفوراً} صفة له، وهو الحال في المعنى، أي جزاء غير منقوص. والاستفزاز: طلب الفَزّ، وهو الخفة والانزعاج وترك التثاقل. والسين والتاء فيه للجَعل الناشىء عن شدة الطلب والحث الذي هو أصل معنى السين والتاء، أي استخفهم وأزعجهم. والصوت: يطلق على الكلام كثيراً، لأن الكلام صوت من الفم. واستعير هنا لإلقاء الوسوسة في نفوس الناس. ويجوز أن يكون مستعملاً هنا تمثيلاً لحالة إبليس بحال قائد الجيش فيكون متصلاً بقوله: {وأجلب عليهم بخيلك} كما سيأتي. والإجْلاب: جَمْع الجيش وسوقه، مشتق من الجَلَبة بفتحتين، وهي الصياح، لأن قائد الجيش إذا أراد جمع الجيش نادى فيهم للنفير أو للغارة والهجوم. والخيل: اسم جمع الفَرس. والمراد به عند ذكر ما يدل على الجيش الفرسان. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : يا خيلَ الله اركبي»تفسير : . وهو تمثيل لحال صرف قوته ومقدرته على الإضلال بحال قائد الجيش يجمع فرسانه ورجالته.. ولما كان قائد الجيش ينادي في الجيش عند الأمر بالغارة جاز أن يكون قوله: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك} من جملة هذا التمثيل. والرّجْل: اسم جمع الرجال كصحب. وقد كانت جيوش العرب مؤلفة من رجالة يقاتلون بالسيوف ومن كتائب فرسان يقاتلون بنضح النبال، فإذا التحموا اجتلدوا بالسيوف جميعاً. قال أنيْف بن زَبان النّبْهاني: شعر : وتحت نحور الخيل حرشف رَجْلة تتاح لحبات القلوب نبالها تفسير : ثم قال: شعر : فلما التقينا بيّن السيفُ بيننا لسائلةٍ عنا حَفِيّ سؤالُها تفسير : والمعنى: أجْمِع لمن اتبعك من ذرية آدم وسائلَ الفتنة والوسوسة لإضلالهم. فجعلت وسائل الوسوسة بتزيين المفاسد وتفظيع المصالح كاختلاف أصناف الجيش، فهذا تمثيل حال الشيطان وحال متبعيه من ذرية آدم بحال من يغزو قوماً بجيش عظيم من فرسان ورجالة. وقرأ حفص عن عاصم {ورجلك} ــــ بكسر الجيم ــــ، وهو لغة في رَجُل مضموم الجيم، وهو الواحد من الرجال. والمراد الجنس. والمعنى: بخيلك ورجالك، أي الفرسان والمشاة. والباء في {بخيلك} إما لتأكيد لصوق الفعل لمفعوله فهي لمجرد التأكيد. ومجرورها مفعول في المعنى لفعل {أجلب} مثل {أية : وامسحوا برؤوسكم} تفسير : [المائدة: 6]؛ وإما لتضمين فعل {أجلب} معنى (اغزُهم) فيكون الفعل مضمناً معنى الفعل اللازم وتكون الباء للمصاحبة. والمشاركة في الأموال: أن يكون للشيطان نصيب في أموالهم وهي أنعامهم وزروعهم إذ سول لهم أن يجعلوا نصيباً في النتاج والحرث للأصنام. وهي من مصارف الشيطان لأن الشيطان هو المسول للناس باتخاذها، قال تعالى: {أية : وجعلوا لله ما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا}تفسير : [الأنعام: 136]. وأما مشاركة الأولاد فهي أن يكون للشيطان نصيب في أحوال أولادهم مثل تسويله لهم أن يئدوا أولادهم وأن يستولدوهم من الزنى، وأن يُسمّوهم بعبدة الأصنام، كقولهم: عبد العُزى، وعبد اللات، وزيد مناة، ويكون انتسابه إلى ذلك الصنم. ومعنى {عِدْهُمْ} أعطهم المواعيد بحصول ما يرغبونه كما يسول لهم بأنهم إن جعلوا أولادهم للأصنام سلِم الآباء من الثكل والأولادُ من الأمراض، ويسول لهم أن الأصنام تشفع لهم عند الله في الدنيا وتضمن لهم النصر على الأعداء، كما قال أبو سفيان يوم أحُد «أعْلُ هبل». ومنه وعدهم بأنهم لا يخشون عذاباً بعد الموت لإنكار البعث، ووعد العصاة بحصول اللذات المطلوبة من المعاصي مثل الزنى والسرقة والخمر والمقامرة. وحذف مفعول {وعدهم} للتعميم في الموعود به. والمقام دال على أن المقصود أن يعدهم بما يرغبون لأن العدة هي التزام إعطاء المرغوب. وسماه وعداً لأنه يوهمهم حصوله فيما يستقبل فلا يزالون ينتظرونه كشأن الكذاب أن يحتزر عن الإخبار بالعاجل لقرب افتضاحه فيجعل مواعيده كلها للمستقبل. ولذلك اعترض بجملة {وما يعدهم الشيطان إلا غروراً}. والغرور: إظهار الشيء المكروه في صورة المحبوب الحسن. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد}تفسير : في سورة [آل عمران: 196]، وقوله: {أية : زخرف القول غرورا}تفسير : في سورة [الأنعام: 112]. والمعنى: أن ما سوله لهم الشيطان في حصول المرغوب إما باطل لا يقع، مثل ما يسوله للناس من العقائد الفاسدة وكونه غروراً لأنه إظهار لما يقع في صورة الواقع فهو تلبيس؛ وإما حاصل لكنه مكروه غير محمود بالعاقبة، مثل ما يسوله للناس من قضاء دواعي الغضب والشهوة ومحبة العاجل دون تفكير في الآجل، وكل ذلك لا يخلو عن مقارنة الأمر المكروه أو كونه آيلاً إليه بالإضرار. وقد بسط هذا الغزالي في كتاب الغرور من كتاب إحياء علوم الدين. وإظهار اسم الشيطان في قوله: {وما يعدهم الشيطان} دون أن يؤتى بضميره المستتر لأن هذا الاعتراض جملة مستقلة فلو كان فيها ضمير عائد إلى ما في جملةٍ أخرى لكان في النثر شبه عيب التضمين في الشعر، ولأن هذه الجملة جارية مجرى المثل فلا يحسن اشتمالها على ضمير ليس من أجزائها.

الشنقيطي

تفسير : قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: {قَالَ ٱذْهَبْ} هذا أمر إهانة. اي اجهد جهدك، فقد أنظرناك {فَمَن تَبِعَكَ} أي أطاعك من ذرية آدم {فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً} أي وافراً. عن مجاهد وغيره. وقال الزمخشري وأبو حيان: {ٱذْهَبْ} ليس من الذهاب الذي هو نقيض المجيء، وإنما معناه: امض لشأنك الذي اخترته. وعقبه بذكر ما جره سوء اختياره في قوله {فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً}. وهذا الوعيد الذي أوعد به إبليس ومن تبعه في هذه الآية الكريمة بينه أيضاً في مواضع أخر. كقوله: {أية : قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [ص:84-85]، وقوله: {أية : فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ}تفسير : [الشعراء:94-95] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {جَزَاءً} مفعول مطلق منصوب بالمصدر قبله. على حد قول ابن مالك في الخلاصة: شعر : بمثله أو فعل أو وصف نصب وكونه أصلاً لهذين انتخب تفسير : والذي يظهر لي: أن قول من قال إن "موفوراً" بمعني وافر لا داعي له. بل "موفوراً" اسم مفعول على بابه. من قولهم: وفر الشيء يفره، فالفاعل وافر، والمفعول موفور. ومنه قول زهير: شعر : ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتق الشتم يشتم تفسير : وعليه: فالمعنى جزاء مكملاً متمماً. وتستعمل هذه المادة لازمة أيضاً تقول: وفر ماله فهو وافر. أي كثير. وقوله "موفوراً" نعت للمصدر قبله كما هو واضح، والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : (63) - لَمَّا سَأَلَ إِبْلِيسُ النَّظِرَةَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى لَهُ: اذْهَبْ لِشَأْنِكَ الذِي اخْتَرْتَهُ، فَقَدْ أَنْظَرْتُكَ. ثُمَّ أَوْعَدَهُ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، نَارَ جَهَنَّمَ، وَأَنَّها سَتَكُونُ جَزَاءً لَهُمْ، جَزَاءً وَافِياً كَافِياً لاَ يَنْقُصُ لَهُمْ مِنْهُ شَيءٌ. (جَزَاءً مَوْفُوراً).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى {ٱذْهَبْ} أمر يحمل معنى الطرد والإبعاد. {فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ ..} [الإسراء: 63] أي: الذين اتبعوك وساروا في ركابك فجزاؤهم جهنم. ونلاحظ أن الحق سبحانه قال: {جَزَآؤُكُمْ}. ولم يقل (جزاؤهم) لأنه معهم وداخل في حكمهم، وهو سبب غوايتهم وضلالهم، وكذلك هو المخاطب في الآية الكريمة، وحتى لا يظن إبليس أن الجزاء مقصور على العاصين من ذرية آدم، أو يحتج بأنه يُنفّذ أوامر الله الواردة في قوله تعالى:{أية : وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً}تفسير : [الإسراء: 64]. فليست هذه أوامر يراد تنفيذها؛ لأن هناك فرقاً بين الأمر الذي يُراد منه تنفيذ الفعل، والأمر الذي لا يُراد منه التنفيذ. فالأول طَلَب أعلى من أَدْنى لكي يفعل: اكتب، اجلس. لكن إذا اتجه الأمر إلى غير مطلوبٍ عادةً من العقلاء ينصرف عن الأمر إلى معنى آخر. وهذا كما تقول لولدك مراراً: ذاكر دروسك واجتهد، وإذا به لا يهتمّ ولا يستجيب فتقول له: العب كما تشاء، فهل تقصد ظاهر هذا الأمر؟! وهل لو أخفق الولد في الامتحان سيأتي ليقول لك: يا والدي لقد قلت لي العب؟! إن الأمر هنا لا يُؤخَذ على ظاهره، بل يُراد منه التهديد، كما يقولون في المثل (أعلى ما في خَيْلك اركبه). وقوله: {جَزَاءً مَّوْفُوراً} أي: وافياً مكتملاً لا نقصَ فيه، لا من العذاب، ولا من المعذبين. والحق سبحانه يقول مخاطباً إبليس: {وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ...}.