١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
64
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن إبليس لما طلب من الله الإمهال إلى يوم القيامة لأجل أن يحتنك ذرية آدم فالله تعالى ذكر أشياء. أولها: قوله: {أية : ٱذْهَبْ } تفسير : [الإسراء: 63]ومعناه: أمهلتك هذه المدة. وثانيها: قوله تعالى: {وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ } يقال أفزه الخوف واستفزه أي أزعجه واستخفه، وصوته دعاؤه إلى معصية الله تعالى، وقيل: أراد بصوتك الغناء واللهو واللعب، ومعنى صيغة الأمر هنا التهديد كما يقال: اجهد جهدك فسترى ما ينزل بك. وثالثها: {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } في قوله: {وَأَجْلِبْ } وجوه. الأول: قال الفراء: إنه من الجلبة وهو الصياح وربما قالوا الجلب كما قالوا الغلبة والغلب والشفقة والشفق، وقال الليث وأبو عبيدة أجلبوا وجلبوا من الصياح. الثاني: قال الزجاج في فعل وأفعل، أجلب على العدو إجلاباً إذا جمع عليه الخيول. الثالث: قال ابن السكيت يقال هم يجلبون عليه بمعنى أنهم يعينون عليه. والرابع: روى ثعلب عن ابن الأعرابي أجلب الرجل على الرجل إذا توعده الشر وجمع عليه الجمع، فقوله: وأجلب عليهم معناه على قول الفراء صح عليهم بخيلك ورجلك، وعلى قول الزجاج: أجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكايدك وتكون الباء في قوله: بخيلك زائدة على هذا القول، وعلى قول ابن السكيت معناه أعن عليهم بخيلك ورجلك ومفعول الإجلاب على هذا القول محذوف كأنه يستعين على إغوائهم بخيله ورجله، وهذا أيضاً يقرب من قول ابن الأعرابي، واختلفوا في تفسير الخيل والرجل، فروى أبو الضحى عن ابن عباس أنه قال: «كل راكب أو راجل في معصية الله تعالى فهو من خيل إبليس وجنوده»، ويدخل فيه كل راكب وماشٍ في معصية الله تعالى، فعلى هذا التقدير خيله ورجله كل من شاركه في الدعاء إلى المعصية. والقول الثاني: يحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضهم راكب وبعضهم راجل. والقول الثالث: أن المراد منه ضرب المثل كما تقول للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك ورجلك وهذا الوجه أقرب، والخيل تقع على الفرسان. قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : يا خيل الله اركبي» تفسير : وقد تقع على الأفراس خاصة، والمراد ههنا الأول والرجل جمع راجل كما قالوا تاجر وتجر وصاحب وصحب وراكب وركب، وروى حفص عن عاصم ورجلك بكسر الجيم وغيره بالضم، قال أبو زيد يقال رجل ورجل بمعنى واحد ومثله حدث وحدث وندس وندس، قال ابن الأنباري: أخبرنا ثعلب عن الفراء قال: يقال رجل ورجل ورجلان بمعنى واحد. والنوع الرابع: من الأشياء التي ذكرها الله تعالى لإبليس قوله: {وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلأَمْوٰلِ وَٱلأَوْلَـٰدِ } نقول: أما المشاركة في الأموال فهي عبارة عن كل تصرف قبيح في المال سواء كان ذلك القبيح بسبب أخذه من غير حقه أو وضعه في غير حقه ويدخل فيه الربا والغصب والسرقة والمعاملات الفاسدة، وهكذا قاله القاضي وهو ضبط حسن وأما المفسرون فقد ذكروا وجوهاً قال قتادة: المشاركة في الأموال هي أن جعلوا بحيرة وسائبة، وقال عكرمة هي عبارة عن تبتيكهم آذان الأنعام، وقيل هي أن جعلوا من أموالهم شيئاً لغير الله تعالى كما قال تعالى: {أية : فَقَالُواْ هَـٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَائِنَا } تفسير : [الأنعام: 136] والأصوب ما قاله القاضي، وأما المشاركة في الأولاد فذكروا فيه وجوهاً. أحدها: أنها الدعاء إلى الزنا، وزيف الأصم ذلك بأن قال إنه لا ذم على الولد، ويمكن أن يجاب عنه بأن المراد وشاركهم في طريق تحصيل الولد وذلك بالدعاء إلى الزنا. وثانيها: أن يسموا أولادهم بعبد اللات وعبد العزى. وثالثها: أن يرغبوا أولادهم في الأديان الباطلة كاليهودية والنصرانية وغيرهما. ورابعها: إقدامهم على قتل الأولاد ووأدهم. وخامسها: ترغيبهم في حفظ الأشعار المشتملة على الفحش وترغيبهم في القتل والقتال والحرف الخبيثة الخسيسة والضابط أن يقال إن كل تصرف من المرء في ولده على وجه يؤدي إلى ارتكاب منكر أو قبيح فهو داخل فيه. والنوع الخامس: من الأشياء التي ذكرها الله تعالى لإبليس في هذه الآية قوله: {وَعدهم }. واعلم أنه لما كان مقصود الشيطان الترغيب في الاعتقاد الباطل والعمل الباطل والتنفير عن الاعتقاد الحق والعمل الحق، ومعلوم أن الترغيب في الشيء لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا ضرر ألبتة في فعله ومع ذلك فإنه يفيد المنافع العظيمة، والتنفير عن الشيء لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا فائدة في فعله، ومع ذلك فيفيد المضار العظيمة، إذا ثبت هذا فنقول: إن الشيطان إذا دعا إلى المعصية فلا بد وأن يقرر أولاً أنه لا مضرة في فعله ألبتة، وذلك إنما يمكن إذا قال لا معاد ولا جنة ولا نار، ولا حياة بعد هذه الحياة، فبهذا الطريق يقرر عنده أنه لا مضرة ألبتة في فعل هذه المعاصي، وإذا فرغ عن هذا المقام قرر عنده أن هذا الفعل يفيد أنواعاً من اللذة والسرور ولا حياة للإنسان في هذه الدنيا إلا به، فتفويتها غبن وخسران كما قال الشاعر: شعر : خذوا بنصيب من سرور ولذة فكل وإن طال المدى يتصرم تفسير : فهذا هو طريق الدعوة إلى المعصية، وأما طريق التنفير عن الطاعة فهو أن يقرر أولاً عنده أنه لا فائدة فيه وتقريره من وجهين. الأول: أن يقول لا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عذاب. والثاني: أن هذه العبادات لا فائدة فيها للعابد والمعبود فكانت عبثاً محضاً فبهذين الطريقين يقرر الشيطان عند الإنسان أنه لا فائدة فيها، وإذا فرغ عن هذا المقام قال إنها توجب التعب والمحنة وذلك أعظم المضار، فهذه مجامع تلبيس الشيطان، فقوله: {وَعِدهم } يتناول كل هذه الأقسام، قال المفسرون قوله: {وَعدهم } أي بأنه لا جنة ولا نار، وقال آخرون: {وَعِدهم } بتسويف التوبة، وقال آخرون {وَعِدهم } بالأماني الباطلة مثل قوله لآدم: {أية : مَا نَهَـٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ } تفسير : [الأعراف: 20] وقال آخرون: وعدهم بشفاعة الأصنام عند الله تعالى وبالأنساب الشريفة وإيثار العاجل على الآجل، وبالجملة فهذه الأقسام كثيرة وكلها داخلة في الضبط الذي ذكرناه وإن أردت الاستقصاء في هذا الباب فطالع كتاب ذم الغرور من كتاب إحياء علوم الدين للشيخ الغزالي حتى يحيط عقلك بمجامع تلبيس إبليس، واعلم أن الله تعالى لما قال: {وَعِدهم } أردفه بما يكون زاجراً عن قبول وعده فقال: {وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً } والسبب فيه أنه إنما يدعو إلى أحد أمور ثلاثة قضاء الشهوة وإمضاء الغضب وطلب الرياسة وعلو الدرجة ولا يدعو ألبتة إلى معرفة الله تعالى ولا إلى خدمته، وتلك الأشياء الثلاثة معنوية من وجوه كثيرة. أحدها: أنها في الحقيقة ليست لذات بل هي خلاص عن الآلام. وثانيها: وإن كانت لذات لكنها لذات خسيسة مشترك فيها بين الكلاب والديدان والخنافس وغيرها. وثالثها: أنها سريعة الذهاب والانقضاء والانقراض. ورابعها: أنها لا تحصل إلا بمتاعب كثيرة ومشاق عظيمة. وخامسها: أن لذات البطن والفرج لا تتم إلا بمزاولة رطوبات عفنة مستقذرة. وسادسها: أنها غير باقية بل يتبعها الموت والهرم والفقر والحسرة على الفوت والخوف من الموت. فلما كانت هذه المطالب وإن كانت لذيذة بحسب الظاهر إلا أنها ممزوجة بهذه الآفات العظيمة والمخالفات الجسيمة، كان الترغيب فيها تغريراً، ولهذا المعنى قال تعالى: {وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً }. واعلم أنه تعالى لما قال له افعل ما تقدر عليه فقال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ } وفيه قولان: الأول: أن المراد كل عباد الله من المكلفين، وهذا قول أبي علي الجبائي، قال والدليل عليه أن الله تعالى إستثنى منه في آيات كثيرة من يتبعه بقوله: {أية : إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ } تفسير : [الحجر: 42] ثم استدل بهذا على أنه لا سبيل لإبليس وجنوده على تصريع الناس وتخبيط عقولهم وأنه لا قدرة له إلا على قدر الوسوسة وأكد ذلك بقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [إبراهيم: 22]. وأيضاً فلو قدر على هذه الأعمال لكان يجب أن يتخبط أهل الفضل وأهل العلم دون سائر الناس ليكون ضرره أعظم. ثم قال وإنما يزول عقله لا من جهة الشيطان لكن لغلبة الأخلاط الفاسدة ولا يمتنع أن يكون أحد أسباب ذلك المرض اعتقاد أن الشيطان يقدم عليه فيغلب الخوف فيحدث ذلك المرض. والقول الثاني: أن المراد بقوله: {إِنَّ عِبَادِي } أهل الفضل والعلم والإيمان لما بينا فيما تقدم أن لفظ العباد في القرآن مخصوص بأهل الإيمان، والدليل عليه أنه قال في آية أخرى: {أية : إِنَّمَا سُلْطَـٰنُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ } تفسير : [النحل: 100]. ثم قال: {وَكَفَىٰ بِرَبّكَ وَكِيلاً } وفيه بحثان: البحث الأول: أنه تعالى لما مكن إبليس من أن يأتي بأقصى ما يقدر عليه في باب الوسوسة، وكان ذلك سبباً لحصول الخوف الشديد في قلب الإنسان قال: {وَكَفَىٰ بِرَبّكَ وَكِيلاً } ومعناه أن الشيطان وإن كان قادراً فالله تعالى أقدر منه وأرحم بعباده من الكل فهو تعالى يدفع عنه كيد الشيطان ويعصمه من إضلاله وإغوائه. البحث الثاني: هذه الآية تدل على أن المعصوم من عصمه الله تعالى وأن الإنسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلالة، لأنه لو كان الإقدام على الحق والاحجام عن الباطل إنما يحصل للإنسان من نفسه لوجب أن يقال: وكفى الإنسان نفسه في الاحتراز عن الشيطان، فلما لم يقل ذلك بل قال: {وَكَفَىٰ بِرَبّكَ } علمنا أن الكل من الله، ولهذا قال المحققون: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله. بقي في الآية سؤالان: السؤال الأول: أن إبليس هل كان عالماً بأن الذي تكلم معه بقوله: {وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ } هو إله العالم أو لم يعلم ذلك؟ فإن علم ذلك ثم إنه تعالى قال: {أية : فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاء مَّوفُورًا }تفسير : [الإسراء:63] فكيف لم يصر هذا الوعيد الشديد مانعاً له من المعصية مع أنه سمعه من الله تعالى من غير واسطة؟ وإن لم يعلم أن هذا القائل هو إله العالم، فكيف قال: {أية : قَالَ أَرَءيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عليَّ }تفسير : [الإسراء:62]. والجواب: لعله كان شاكاً في الكل أو كان يقول في كل قسم ما يخطر بباله على سبيل الظن. والسؤال الثاني: ما الحكمة في أنه تعالى أنظره إلى يوم القيامة ومكنه من الوسوسة؟ والحكيم إذا أراد أمراً وعلم أن شيئاً من الأشياء يمنع من حصوله فإنه لا يسعى في تحصيل ذلك المانع. والجواب: أما مذهبنا فظاهر في هذا الباب، وأما المعتزلة فلهم قولان: قال الجبائي: علم الله تعالى أن الذين كفروا عند وسوسة إبليس يكفرون بتقدير أن لا يوجد إبليس، وإذا كان كذلك لم يكن في وجوده مزيد مفسدة، وقال أبو هاشم: لا يبعد أن يحصل من وجوده مزيد مفسدة، إلا أنه تعالى أبقاه تشديداً للتكليف على الخلق ليستحقوا بسبب ذلك التشديد مزيد الثواب، وهذان الوجهان قد ذكرناهما في سورة الأعراف والحجر، وبالغنا في الكشف عنهما، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَٱسْتَفْزِزْ} أي استزلّ واستخفّ، وأصله القطع، ومنه تفزّز الثوب إذا انقطع. والمعنى استزِلّه بقطعك إياه عن الحق. واستفزّه الخوف أي استخفه. وقعد مُسْتَوْفِزاً أي غير مطمئن. «وٱسْتَفْزِز» أمر تعجيز، أي أنت لا تقدر على إضلال أحد، وليس لك على أحد سلطان فافعل ما شئت. الثانية: قوله تعالى: {بِصَوْتِكَ} وصوتُه كلُّ داع يدعو إلى معصية الله تعالى، عن ابن عباس. مجاهد: الغناء والمزامير واللهو. الضحاك: صوت المزمار. وكان آدم عليه السلام أسكن أولاد هابيل أعلى الجبل، وولد قابيل أسفله، وفيهم بنات حسان، فزَمَر اللعين فلم يتمالكوا أن انحدروا فزَنَوا، ذكره الغزنوِيّ. وقيل: «بصوتك» بوسوستك. الثالثة: قوله تعالى: {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} أصل الإجلاب السوقُ بجلبة من السائق، يقال: أجلب إجلابا. والجَلَب والجَلَبة: الأصوات، تقول منه: جلّبوا بالتشديد. وجَلَب الشيء يجلِبه ويجلُبه جَلَباً وجَلْبا. وجلبت الشيء إلى نفسي واجتلبته بمعنًى. وأجلب على العدوّ إجلاباً، أي جمّع عليهم. فالمعنى أجمع عليهم كلما تقدر عليه من مكايدك. وقال أكثر المفسرين: يريد كل راكب وماشٍ في معصية الله تعالى. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: إن له خيلاً ورجلاً من الجن والإنس، فما كان من راكب وماشٍ يقاتل في معصية الله فهو من خيل إبليس ورجّالته. وروى سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس قال: كل خيل سارت في معصية الله، وكل رجل مَشَتْ في معصية الله، وكلّ مال أصيب من حرام، وكلّ ولد بَغِيّة فهو للشيطان. والرَّجْل جمع راجل، مثلُ صَحْب وصاحب. وقرأ حفص «ورَجِلك» بكسر الجيم وهما لغتان، يقال: رَجْل ورَجِل بمعنى راجل. وقرأ عكرمة وقتادة «ورجالك» على الجمع. الرابعة: {وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ} أي اجعل لنفسك شركة في ذلك. فشركته في الأموال إنفاقها في معصية الله، قاله الحسن. وقيل: هي التي أصابوها من غير حِلّها، قاله مجاهد. ابن عباس: ما كانوا يحرّمونه من البَحِيرة والسائبة والوَصِيلة والحام. وقاله قتادة. الضحاك: ما كانوا يذبحونه لآلهتهم. والأولاد قيل: هم أولاد الزنى، قاله مجاهد والضحاك وعبد الله بن عباس. وعنه أيضاً هو ما قتلوا من أولادهم وأتوا فيهم من الجرائم. وعنه أيضاً: هو تسميتهم عبد الحارث وعبد العُزَّى وعبد الّلات وعبد الشمس ونحوه. وقيل: هو صِبغة أولادهم في الكفر حتى هوّدوهم ونصّروهم، كصنع النصارى بأولادهم بالغمس في الماء الذي لهم، قاله قتادة. وقول خامس ـ روي عن مجاهد قال: إذا جامع الرجل ولم يُسَمِّ انطوى الجانّ على إحْلِيله فجامع معه، فذلك قوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ} وسيأتي. حديث : وروي من حديث عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فيكم مُغَرِّبين قلت: يا رسول الله، وما المغرّبون؟ قال: الذين يشترك فيهم الجن»تفسير : . رواه الترمذي الحكيم في (نوادر الأصول). قال الهَرَوِيّ: سموا مغرِّبين لأنه دخل فيهم عرق غريب. قال الترمذي الحكيم: فللجن مساماة بابن آدم في الأمور والاختلاط، فمنهم من يتزوّج فيهم، وكانت بِلْقِيس ملكة سَبَأ أحد أبويها من الجن. وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. الخامسة: قوله تعالى: {وَعِدْهُمْ} أي مَنّهم الأماني الكاذبة، وأنه لا قيامة ولا حساب، وأنه إن كان حساب وجنة ونار فأنتم أوْلى بالجنة من غيركم. يقوّيه قوله تعالى: {أية : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} تفسير : [النساء: 120] أي باطلاً. وقيل «وَعدْهُمْ» أي عِدهم النُّصرة على من أرادهم بسوء. وهذا الأمر للشيطان تهدّد ووعيد له. وقيل: استخفاف به وبمن ٱتبعه. السادسة: في الآية ما يدلّ على تحريم المزامير والغناء واللّهو، لقوله: {وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم} على قول مجاهد. وما كان من صوت الشيطان أو فعلِه وما يستحسنه فواجب التنزه عنه. وروى نافع عن ابن عمر أنه سمع صوت زمّارة فوضع أصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول: يا نافع! أتسمع؟ فأقول نعم، فمضى حتى قلت له لا، فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق وقال: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع (صوت) زمّارة راع فصنع مثل هذا. قال علماؤنا: إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال، فكيف بغناء أهل هذا الزمان وزمرهم. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة «لقمان» إن شاء الله تعالى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱسْتَفْزِزْ } استخِفّ {مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ } دعائك بالغناء والمزامير وكل داع إلى المعصية {وَأَجْلِبْ } صِحْ {عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } وهم الركاب والمشاة في المعاصي {وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلأَمْوٰلِ } المحرّمة كالربا والغصب {وَٱلأَوْلَٰدِ } من الزنا {وَعِدْهُمْ } بأن لا بعث ولا جزاء {وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَٰنُ } بذلك {إِلاَّ غُرُوراً } باطلاً.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَاسْتَفْزِزْ} استخف واستنزل {بِصَوْتِكَ} الغناء واللهو، أو بدعائك إلى المعصية"ع"، {وَأَجْلِبْ} الجلب السوق بجلبة من السائق {بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ}: كل راكب وماشي في المعصية {وَشَارِكْهُمْ} في الأموال التي أخذوها بغير حلها، أو أنفقوها في المعاصي، أو ما حرموه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي "ع"، أو ما ذبحوه لآلهتهم. {وَالأَوْلادِ} يريد أولاد الزنا، أو قتل المؤودة "ع"، أو صبغة أولادهم في الكفر حتى هودوهم ونصروهم أو تسميتهم بعبيد الآلهة كعبد الحارث وعبد شمس وعبد العزى وعبد اللات.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَٱسْتَفْزِزْ}: جملة أمرية عطفت على مثلها من قوله "اذهَبْ". و "من اسْتطَعْتَ" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنها موصولة في محلِّ نصب مفعولاً للاستفزاز، أي: استفزز الذي استطعت استفزازه منهم. والثاني: أنها استفهامية منصوبة المحلِّ بـ "استطعت" قاله أبو البقاء، وليس بظاهرٍ؛ لأن "اسْتفْزِزْ" يطلبه مفعولاً به، فلا يقطع عنه، ولو جعلناه استفهاماً، لكان معلقاً له، وليس هو بفعلٍ قلبيٍّ [فيعلقُ]. والاسْتِفْزازُ: الاستخفاف، واستفزَّني فلانٌ: استخفَّني حتى خدعني لما يريده. قال: [الطويل] شعر : 3436- يُطِيعُ سَفيهَ القَومِ إذ يَسْتفِزُّهُ ويَعْصِي حَليماً شَيَّبتهُ الهَزاهِزُ تفسير : ومنه سمِّي ولد البقرة "فزًّا". قال الشاعر: [البسيط] شعر : 3437- كَمَا اسْتغَاثَ بسَيْءٍ فَزُّ غَيْطلةٍ خَافَ العُيونَ ولمْ يُنْظرْ بِهِ الحَشَكُ تفسير : وأصل الفزِّ: القطعُ، يقال: تفزَّز الثَّوب، أي: تقطَّع. ويقال: أفزَّه الخوف، واستفزَّه، أي: أزعجه، واستخفَّه. واعلم أنَّ إبليس، لمَّا طلب من الله تعالى الإمهال إلى يوم القيامة؛ لأجل أن يحتنك ذريَّة آدم - صلوات الله وسلامه عليه - ذكر الله تعالى أشياء: أولها: قوله عزَّ وجلَّ: {ٱذْهَبْ} أي: أمهلتك هذه المدَّة. وثانيها: قوله تعالى: {وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُم}. وتقدَّم أن الاستفزاز: الاستخفاف، وقيل: اسْتَنْزَلَ واستجهد. وقوله: "بِصَوْتِكَ". قال ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنه - وقتادة: بدعائك غلى معصية الله. وقال الأزهريُّ: ادعهم دعاء تستخفُّهم به إلى إجابتك. وقال مجاهدٌ: بصوتك، أي: بالغناءِ واللَّهو. وهذا أمرُ تهديد، كما يقال: اجتهد جهدك؛ فسترى ما ينزل به: وثالثها: قوله: {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم} أي: اجمع عليهم الجموع من جندك، يقال أجلب عليه وجلب، أي: جمع عليه الجموع. قال الفرَّاء: هو من الجَلبةِ، وهو الصِّياح. وقال أبو عبيدة: أجْلبُوا وجَلبُوا: من الصِّياح. وقال الزجاج في "فَعَل، وأفْعَلَ": أجلب على العدوِّ وجلب، إذا جمع عليه الخيل. وقال ابن السِّكيت: يقال: هم يجلبون عليه؛ لمعنى أنهم يعينون عليه. وروى ثعلبٌ عن ابن الأعرابيِّ: أجلب الرجل على الرجل، إذا توعَّده بالشرِّ، وجمع عليه الجمع، فعلى قول الفرَّاء معنى الآية: صح عليهم بخيلك ورجلك، وعلى قول الزجاج: اجمع عليهم كلَّ ما تقدر عليه من مكائدك، وعلى هذا تكون الباء في قوله: "بخيلك" زائدة. وعلى قول ابن السِّكيت: معناه: أعن عليهم بخيلك ورجلك ومفعول الإجلاب على هذا القول محذوف، تقديره: استعن على إغوائهم بخيلك ورجلك، وهو يقرب من قول ابن الأعرابيِّ. والمراد بالخيل والرجل: قال ابن عباس: كلُّ راكبٍ أو راجلٍ في معصية الله، فهو من خيل إبليس وجنوده. وقال مجاهدٌ وقتادة: إن لإبليس جنداً من الشياطين بعضهم راكبٌ، وبعضهم راجلٌ. وقيل: المراد ضرب المثل؛ كما يقال للرجل المجدِّ في الأمر: جئت بالخيل والرجل، وهذا الوجه أقرب، والخيل يقع على الفرسان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا خَيْلَ الله، اركبي ". تفسير : وقد يقع على الأفراس خاصة. قوله: "ورجلك" قرأ حفص بكسر الجيم والباقون بسكونها، فقراءة حفص "رَجِل" فيها بمعنى "رَجُل" بالضم بمعنى: راجل، يقال: رَجِل يَرْجِل: إذا صار راجلاً، مثل: حَذِر وحَذْر، ونَدِس ونَدْس، وهو مفرد أريد به الجمع. وقال ابن عطية: هي صفة، يقال: فلان يمشي راجلاً، إذا كان غير راكب، ومنه قول الشاعر: شعر : 3438-.............. ...............رجلاً إلا بأصحاب تفسير : يشير إلى البيت المشهور، وهو: [البسيط] شعر : أما أقاتل عن ديني على فرس ولا كذا رجلاً إلا بأصحابِ تفسير : أراد فارساً ولا راجلاً. وقال الزمخشري: إن "فَعِلاً" بمعنى "فاعل"، نحو: تَعِب وتاعب، ومعناه: جمعك الرجل، وبضم جيمه أيضاً فيكون مثل: حَذِرَ وحَذُرَ ونَدِسَ ونَدُسَ، وأخوات لهما. وأما قراءة الباقين، فتحتمل أن تكون تخفيفاً من "رَجُل" [رَجِل] بكسر الجيم أو ضمها، والمشهور: أنه اسم جمع لراجلٍ، كرَكْبٍ وصَحْبٍ في راكبٍ وصاحبٍ، والأخفش يجعل هذا النحو جمعاً صريحاً. وقرأ عكرمة "ورِجَالِكَ" جمع رجلٍ بمعنى راجل، أو جمع راجل كقائم وقيام. وقرىء "ورُجَّالِكَ" بضم الراء وتشديد الجيم، وهو جمع راجل، كضاربٍ وضُرَّاب. وقال ابن الأنباري - رحمه الله -: أخبرنا ثعلبٌ عن الفراء، قال: يقال: راجلٌ ورَجِلٌ ورَجْلٌ ورَجْلان بمعنى واحد. والباء في "بخَيْلِكَ" يجوز أن تكون الحالية، أي: مصاحباً بخيلك، وأن تكون مزيدة كما تقدم، قال: شعر : 3439-................... .......لا يَقْرَأنَ بالسُّورِ تفسير : ورابعها: قوله تعالى: {وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ} والمشاركة في الأموال، قال مجاهدٌ، والحسن، وسعيد بن جبيرٍ: كل ما أصيب من حرامٍ، أو أنفق في حرامٍ. وقال قتادة: هو جعلهم البحيرة والسَّائبة والوَصِيلةَ والحَامَ. وقال الضحاك: هو ما يذبحونه لآلهتهم. وقال عكرمة: هو تبكيتهم آذان الأنعام. وقيل: هو جعلهم من أموالهم شيئاً لغير الله، كقولهم: {أية : هَـٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا} تفسير : [الأنعام: 136] والأوَّل أظهر، قاله القاضي. وأما المشاركة في الأولاد، فقال عطاء عن ابن عباسٍ: هو تسمية الأولاد بـ "عَبدِ شمسٍ، وعَبْدِ العُزَّى، وعَبْدِ الحَارثِ، وعَبْد الدَّار ونحوها". وقال الحسن وقتادة: هو أنَّهم هوَّدُوا أولادهم، ونصَّروهم ومجّسُوهم. وقيل: هو إقدامهم على قتل الأولاد. وروي عن جعفر بن محمدٍ، أن الشَّيطان يقعد على ذكر الرَّجل فإذا لم يقل: بسم الله، أصاب معه امرأته، وأنزل في فرجها كما ينزل الرَّجل وروي في بعض الأخبار "إنَّ فيكم مُغربِينَ، قيل: وما المُغرِبُونَ؟ قال: الذين يشارك فيهم الجنّ". وروي أنَّ رجلاً قال لابن عبَّاس: إنَّ امراتِي استيقظت وفي فرجها شعلةُ نَارٍ، قال: ذلِكَ من وطْءِ الجِنِّ. وفي الآثار: إنَّ إبليس، لمَّا أخرج إلى الأرض، قال: يا ربِّ، أخْرَجتَنِي من الجنَّة؛ لأجل آدم فسلِّطنِي عليه، وعلى ذُرِّيته، قال: أنت مسلَّطٌ، قال: لا أستطيعه إلا بك، فزدني، قال: استفزز من استطعت منهم بصوتك. قال آدم: يا ربِّ، أسلَّطت إبليس عليَّ، وعلى ذُريَّتي، وإنَّني لا أستطيعهُ إلاَّ بك، قال: لا يُولَدُ لك ولدٌ إلاَّ وكَّلتُ بِهِ مَنْ يَحْفظُونهُ. قال: زِدْنِي! قال: الحسنةُ بعشرِ أمثالها، والسَّيئةُ بمثلها، قال: زدْنِي، قال: التَّوبةُ معروضةٌ ما دَامَ الرُّوحُ في الجسدِ، قال: زدْنِي، فقال: {أية : قُلْ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ} تفسير : الآية [الزمر: 53]. وخامسها: قوله تعالى {وَعِدْهُمْ}. قيل: معناه: قل لهم: لا جنَّة، ولا نار، ولا بعث. وقيل: [خذ] منهم الجميل في طاعتك، أي بالأمانِي الباطلة؛ كقوله لآدم - صلوات الله عليه -: {أية : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ}تفسير : [الأعراف: 20]. وقيل: عدهم بشفاعةِ الأصنامِ عند الله، والأنساب الشريفة، وإيثار العاجل على الآجل. واعلم أنَّ مقصود الشيطان الترغيب في اعتقاد الباطل، وعمله، والتَّنفير عن اعتقاد الحقِّ، ومعلومٌ أنَّ الترغيب في الشيء لا يمكن إلاَّ بأن يقرر عنده ألاَّ ضرر ألبتة في فعله، ومع ذلك، فإنَّه يفيد المنافع العظيمة، والتنفير عن الشيء لا يمكنُ إلاَّ بأن يقرَّر عنده أنه لا فائدة في فعله، ومع ذلك يفيد المضارَّ العظيمة، وإذا ثبت هذا، فالشيطان إذا دعا إلى معصيةٍ، فلا بدَّ وأن يتقرَّر أولاً: أنَّه لا مضرَّة في فعله ألبتَّة، وذلك لا يمكن إلا إذا قال: لا معاد، ولا جنَّة ولا نار، ولا حياة غير هذه الحياة الدنيا، فإذا فرغ من هذا المقام، قرَّر عنده أنَّ هذا الفعل يفيد أنواعاً من اللَّذة والسُّرور، ولا حياة للإنسان في هذه الحياة الدنيا إلاَّ به، فتفويتها غبنٌ وخسران؛ كقوله: [الطويل] شعر : 3440- خُذُوا بِنَصِيبٍ مِنْ نَعيمٍ ولَذَّةٍ فَكُلٌّ وإنْ طَالَ المَدَى يَتَصَرَّمُ تفسير : فهذا هو طريقُ الدَّعوة إلى المعصية، وأمَّا طريقُ التنفير من الطاعات، فهو أن يقرِّر عنده أوَّلاً أنه لا فائدة فيها للعبادِ والمعبود، فكانت عبثاً، وأنَّها توجبُ التَّعب والمحنة، وذلك أعظم المضارِّ. فقوله: {وَعِدْهُمْ} يتناول جميع هذه الأقسام. قوله تعالى: {وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ} من باب الالتفات، وإقامة الظاهر مقام المضمر؛ إذ لو جرى على سننِ الكلامِ الأوَّل، لقال: وما تعدهم، بالتاء من فوق. قوله تعالى: {إِلاَّ غُرُوراً} فيه أوجهٌ: أحدها: أنه نعت مصدر محذوف وهو نفسه [مصدر]، الأصل: إلا وعداً غروراً، فيجيء فيه ما في "رجلٌ عدلٌ" [أي]: إلاَّ وعداً ذا غرورٍ، أو على المبالغةِ، أو على: وعداً غارًّا، ونسب الغرور إليه مجازاً. الثاني: أنه مفعول من أجله، أي: ما يعدهم ممَّا يعدهم من الأماني الكاذبة إلاَّ لأجل الغرور. الثالث: أنه مفعولٌ به على الاتِّساعِ، أي: ما يعدهم إلا الغرور نفسه. والغرورُ: تزيينُ الباطل مما يظنُّ أنه حقٌّ. فإن قيل: كيف ذكر الله هذه الأشياء، وهو يقول: إنَّ الله لا يأمر بالفحشاء. قيل: هذا على طريق التهديد؛ كقوله: {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ} تفسير : [فصلت: 40] وكقول القائل: اعمل ما شئت؛ فسترى. ولما قال تعالى له: افعل ما تقدر عليه، قال سبحانه: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنٌ}. قال الجبائي - رحمه الله تعالى -: المراد كلُّ عباد الله تعالى من المكلَّفين؛ [لأن الله] تعالى استثنى منه في آياتٍ كثيرةٍ من تبعه بقوله: {أية : إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ} تفسير : [الحجر: 42] ثم استدلَّ بهذا على أنه لا سبيل لإبليس وجنوده على تصريع النَّاس، وتخبيط عقولهم، وأنه لا قدرة له إلاَّ على الوسوسة، وأكَّد ذلك بقوله: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُم} تفسير : [إبراهيم: 22]. وأيضاً: لو قدر على هذه الأفعال، لكان يجب أن يخبط أهل الفضل والعلم، دون سائر النَّاس؛ ليكون ضرره أتمَّ، ثم قال: وإنَّما يزولُ عقله؛ لأنَّ الشيطان يقدم عليه، فيغلب الخوف عليه، فيحدثُ ذلك المرض. وقيل: المراد بقوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي} أهل الفضل والإيمان؛ لما تقدَّم من أنَّ لفظة العباد في القرآن مخصوصةٌ بالمؤمنين؛ لقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ} تفسير : [النحل: 100]. ثم قال: {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً} أي: حافظاً، ومن توكل الأمور إليه، وذلك أنَّه تعالى، لمَّا وكل إبليس بأن يأتي بأقصى ما يقدر عليه من الوسوسةِ، وكان ذلك سبباً لحصول الخوف الشديد في قلب الإنسان، قال: {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً}، أي أنَّ الشيطان، وإن كان قادراً؛ فإنَّ الله تعالى أقدر منه، وأرحم بعباده، فهو يدفع عنهم كيد الشيطان. وهذه الآية تدلُّ على أنَّ المعصوم من عصمه الله تعالى، وأنَّ الإنسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الإضلال لأنَّه لو كان الإقدامُ على الحقِّ، والإحجام عن الباطل، إنما يحصل للإنسان من نفسه، لوجب أن يقال: وكفى للإنسان بنفسه في الاحتراز عن الشَّيطان، فلمَّا لم يقل ذلك، بل قال: {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ} علمنا أنَّ الكل من الله تعالى، ولهذا قال المحققون: لا حول عن معصية الله إلاَّ بعصمته، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيقه. فصل قال ابن الخطيب: في الآية سؤالان: الأول: أن إبليس، هل كان عالماً بأن الذي تكلم معه بقوله: {وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ} هو إله العالم، أو لم يعلم ذلك؟ فإن علم ذلك، ثم إنه تعالى قال: {أية : فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً} تفسير : [الإسراء: 63] فكيف لم يصر هذا الوعيد الشديد مانعاً له من المعصية، مع أنَّه سمعه من الله تعالى من غير واسطة؟ وإن لم يعلم أنَّ هذا القائل هو إله العالم، فكيف قال: "أرأيتك هذا الذي كرمت علي"؟!. والجواب: لعلَّه كان شاكًّا في الكلِّ أو كان يقول في كلِّ قسم ما يخطر بباله على سبيل الظنِّ. والسؤال الثاني: ما الحكمة في كونه أنظره إلى يوم القيامة، ومكَّنه من الوسوسة، والحكيمُ إذا أراد أمراً، وعلم أنَّ شيئاً من الأشياء يمنع من حصوله، فإنَّه لا يسعى في تحصيل ذلك المانع؟. والجوابُ: أمَّا مذهبنا، فظاهر في هذا الباب، وأمَّا المعتزلة، فقال الجبائيُّ: علم الله أن الذين كفروا عند وسوسته يكفرون، بتقدير ألا يوجد إبليس، وإذا كان كذلك، لم يكن في وجوده مزيد مفسدة. وقال أبو هاشم: لا يبعد أن يحصل من وجوده مزيد مفسدة، إلاَّ أنه تعالى أبقاه تشديداً للتَّكليف على الخلق؛ ليستحقُّوا بسبب ذلك التشديد مزيد الثَّواب، وقد تقدَّم الكلام على ذلك في الأعراف والحجر.
البقاعي
تفسير : ولما بدأ سبحانه بالوعيد لطفاً بالمكلفين، عطف على "اذهب" قوله ممثلاً حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع بقوم فصوت بهم صوتاً يستفزهم من أماكنهم، ويقلعهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم: {واستفزز} أي استخف، والفز أصله القطع، أي استزله بقطعه عن الصواب - قاله الرماني {من استطعت منهم} وهم الذين سلطناك عليهم {بصوتك} أي دعائك بالغنى والمزامير وكل ما تزينه بالوساس {وأجلب} أي اجمع أو سق بغاية ما يمكنك من الصياح {عليهم بخيلك} أي ركبان جندك {ورجلك} أي ومشاتهم؛ والمعنى: افعل جميع ما تقدر عليه، ولا تدع شيئاً من قوتك، فإنك لا تقدر على شيء لم أقدره لك. ولما كان الشيطان طالباً شركة الناس في جميع أمورهم بوساوسه الحاملة لهم على إفسادها، فإن أطاعوه كانوا طالبين لأن يشركوه وإن كانوا لا شعور لهم بذلك، عبر بصيغة المفاعلة فقال تعالى: {وشاركهم} أي بوثوبك على مخالطتهم عند ما يشاركونك بفعل ما يوافق هواك {في الأموال} أي التي يسعون في تحصيلها {والأولاد} أي التي ينسلونها، إن اقتنوها بوجه محرم أو لم يذكروا اسمي عليها، وكذا قرابينهم لغير الله وإنفاقهم في المحرمات وتعليمهم أولادهم المعاصي والكفر مشاركة فيها {وعدهم} من المواعيد الباطلة ما يستخفهم ويغرهم من شفاعة الآلهة والكرامة على الله تعالى وتسويف التوبة - ونحو ذلك؛ ثم التفت إلى الصالحين من عباده فأخبرهم تثبيتاً لهم وتنبيهاً لغيرهم على أنه ليس بيده شيء، فقال تعالى مظهراً لضميره بما يدل على تحقيره، تقبيحاً لأمره وتنفيراً منه: {وما يعدهم الشيطان} أي المحترق المطرود باللعنة، من عدم البعث وطول الأجل وشفاعة الآلهة ونحو ذلك {إلا غروراً *} والغرور: تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب، ثم رجع إلى مواجهته بما يحقر أمره، فإن المواجهة بالتحقير أنكأ، مصرحاً بنتيجة ذلك، وهي أنه غير قادر إلا بإذنه سبحانه، وممنوع عنه ما لم يقدره له، دفعاً لما قد يوهمه ما مضى من أنه يؤثر شيئاً استقلالاً فقال تعالى: {إن} أي اجهد جهدك، لأن أهل الشهوات سلطتك عليهم زيادة في شقائك بما أردته منهم قبل خلقك وخلقهم، لا تقدر أن تتعدى شيئاً منه إلى خالصتي ومن ارتضيته لعبادتي، إن {عبادي} الذين أهّلتهم للإضافة إليّ فقاموا بحق عبوديتي بالتقوى والإحسان {ليس لك} أي بوجه من الوجوه {عليهم سلطان } أي فلا تقدر أن تغويهم وتحملهم على ذنب لا يغفر، فإني وفقتهم للتوكل عليّ فكفيتهم أمرك {وكفى بربك} أي الموجد لك المدبر لأمرك {وكيلاً *} يحفظ ما هو وكيل فيه من كل ما يمكن أن يفسده.
ابو السعود
تفسير : {وَٱسْتَفْزِزْ} أي استخفَّ {مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ} أن تستفِزَّه {بِصَوْتِكَ} بدعائك إلى الفساد {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم} أي صِحْ عليهم من الجَلَبة وهي الصياح {بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} أي بأعوانك وأنصارِك من راكب وراجل من أهل العبث والفساد. قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهدٌ وقتادةُ: إن له خيلاً ورَجِلاً من الجن والإنس فما كان من راكب يقاتل في معصية الله تعالى فهو من خيل إبليسَ، وما كان من راجل يقاتل في معصية الله تعالى فهو من رَجِل إبليس. والخيلُ الخيّالةُ ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : يا خيلَ الله اركبـي » تفسير : والرّجْلُ اسمُ جمعٍ للراجل كالصحْب والركْب، وقرىء بكسر الجيم وهي قراءةُ حفصٍ على أنه فَعِلٌ بمعنى فاعل كتعِب وتاعب، وبضمة مثلُ حدِثٌ وحدُثٌ وندِسٌ وندُسٌ ونظائرِهما أي جمع الراجل ليطابق الخيل، وقرىء رجالِك ورجالك ويجوز أن يكون استفزازُه بصوته وإجلابه بخيله ورَجْلِه تمثيلاً لتسلّطه على من يُغويه فكأنه مِغوارٌ أوقع على قوم فصوّت بهم صوتاً يزعجهم من أماكنهم ويقلقهم عن مراكزهم وأجْلَبَ عليهم بجُنده من خيّالة ورَجّالَة حتى استأصلهم {وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلأَمْوٰلِ} بحملهم على كسبها وجمعِها من الحرام والتصرفِ فيها على ما لا ينبغي {وَٱلأَوْلْـٰدِ} بالحث على التوصل إليهم بالأسباب المحرمة والإشراكِ كتسميتهم بعبد العزّى والتضليلِ بالحمل على الأديان الزائغةِ والحِرَف الذميمة والأفعالِ القبـيحة {وَعَدْهُمْ} المواعيدَ الباطلةَ كشفاعة الآلهة والاتكالِ على كرامة الآباءِ وتأخيرِ التوبةِ بتطويل الأمل {وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً} اعتراضٌ لبـيان شأنِ مواعيدِه، والالتفاتُ إلى الغَيبة لتقوية معنى الاعتراضِ مع ما فيه من صرفِ الكلامِ عن خطابه وبـيانِ شأنه للناس، ومن الإشعار بعلية شيطنتِه للغرور وهو تزيـينُ الخطأ بما يوهم أنه صواب. {إِنَّ عِبَادِى} الإضافةُ للتشريف وهم المخلَصون وفيه أن مَنْ تبعه ليس منهم وأن الإضافةَ لثبوت الحكم في قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ} أي تسلّطٌ وقدرةٌ على إغوائهم كقوله تعالى: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } تفسير : [النحل: 99] {وَكَفَىٰ بِرَبّكَ وَكِيلاً} لهم يتوكلون عليه ويستمدون به في الخلاص عن إغوائك. والتعرضُ لوصف الربوبـيةِ المنبئةِ عن المالكية المطلقةِ والتصرّفِ الكليِّ مع الإضافة إلى ضمير إبليسَ للإشعار بكيفية كفايتِه تعالى لهم، أعني سلْبَ قدرتِه على إغوائهم. {رَّبُّكُمُ ٱلَّذِى يُزْجِى لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِى ٱلْبَحْرِ} متبدأ وخبر والإزجاءُ السوقُ حالاً بعد حال، أي هو القادرُ الحكيمُ الذي يسوق لمنافعكم الفُلك ويُجريها في البحر {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} من رزقه الذي هو فضلٌ من قِبَله أو من الربح الذي هو مُعطيه، ومن مزيدةٌ أو تبعيضةٌ، وهذا تذكير لبعض النعم التي هي دلائلُ التوحيد وتمهيدٌ لذكر توحيدِهم عند مِساسِ الضرِّ تكملةً لما مر من قوله تعالى: {فَلاَ يَمْلِكُونَ} الآية {إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ} أزلاً وأبداً {رَّحِيماً} حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه وسهّل عليكم ما يعسُر من مباديه، وهذا تذيـيلٌ فيه تعليلٌ لما سبق من الإزجاء لابتغاء الفضلِ، وصيغةُ الرحيم للدِلالة على أن المرادَ بالرحمة الرحمةُ الدنيويةُ والنعمةُ العاجلة المنقسمة إلى الجليلة والحقيرة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ} [الآية: 64]. قال أبو عثمان: مشاركته مع الخلق فى أموالهم بالرِّياء، ومنع حقوق الله، ومشاركتهم معهم فى إباحته لهم النكاح بلا ولىّ.
اسماعيل حقي
تفسير : {واستفزز} اى استخف وحرك ومنه استفزه الغضب استخفه والاستفزاز [بسك كردن]. وفى بحر العلوم واستزل وحرك. يعنى [ازجاى بجنبان وبلغزان]{من استطعت منهم} من قدرت ان تستفزه من ذريته. وقال الكاشفى [هركه را توانى لغزانيد ازايشان]{بصوتك} بوسوستك ودعائك الى الشرك والمعصية وكل داع الى معصية الله فهو من حزب ابليس وجنده. [وامام زاهدى ازابن عباس نقل ميكندكه هرآوازى كه نه در ضاى خداى تعالى ازدهان بيرون آيد آواز شيطانست]. وقال مجاهد بالغناء والمزامير فالمغنون والزامرون من جند ابليس وقدورد فى الخبر الوعيد على الزامر وفى الحديث "حديث : بعثت لكسر المزامير وقتل الخنازير"تفسير : المزامير جمع مزمار وهو آلة معروفة يضر بها ولعل المراد آلات الغناء كلها تغليبا والكسر ليس على حقيقته بل مبالغة عن النهى لقرينة. فان قلت الحديث المذكور صريح فى قبح المزمار والظاهر من قوله عليه السلام حين سمع صوت الاشعرى وهو يقرأ (لقد اوتى هذا من مزامير آل داود) خلافه. قلت ضرب المزامير مثلا لحسن صوت داود عليه السلام وحلاوة نغمته كأن فى حلقه مزامير يرمز بها والآل مقحم ومعناه الشخص كذا فى شرح الاربعين حديثا لابن كمال. وفى التأويلات النجمية واستزال بتمويهات الفلاسفة وتشبيهات اهل الاهواء والبدع وخرافات الدهرية وطامات الاباحية وما يناسبها من مقالات اهل الطبيعة مخالفا للشريعة {أية : واجلب عليهم بخيلك ورجلك}تفسير : [وبرانكيزان برايشان بسواران وبياد كان يعنى ديوانى كه معاون تواند دروسوسه واغوا همه را جمع كن درتسلط برايشان]. وفى الكواشى جلب واجلب واحد بمعنى الحث والصياح اى صح عليهم باعوانك وانصارك من راكب وراجل من اهل الفساد والخيل الخيالة بتشديد الياء وهى اصحاب الخيول ومنه قوله عليه السلم "حديث : يا خيل الله اركبى " تفسير : والرجل بالسكون بمعنى الراجل وهو من لم يكن له ظهر يركبه. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ان خيلا ورجلا من الجن والانس فما كان من راكب يقاتل فى معصية الله فهو من خيل ابليس وما كان من راجل يقاتل فى معصية الله فهو من رجل ابليس ويجوز ان يكون استفزازه بصوته واجلابه بخيله ورجله تمثيلا لتسلطه على من يغويه فكأنه مغوارا وقع على قوم فصوت بهم صوتا يزعجهم من اماكنهم ويقلعهم عن مراكزهم واجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم {وشاركهم}[شركت ده باشان}{فى الاموال} بحملهم على كسبها او جمعها من الحرام والتصرف فيها على ما لا ينبغى من الربا والاسراف ومنع الزكاة وغير ذلك {والاولاد} بالحث على التوصل اليهم بالاسباب المحرمة والوأدج والاشراك كتسميتهم بعبد العزى وعبد الحارث وعبد الشمس وعبد الدار وغير ذلك. والتضليل بالحمل على الاديان الزائغة والحرف الذميمة والافعال القبيحة. وقال فى التأويلات النجمية بتضييع زمانهم وافساد استعدادهم فى طلب الدنيا ورياستها متغافلين عن تهذيب نفوسهم وتزكيتها وتأديبها وتوقيها عن الصفات المذمومة وتحليتها بالصفات المحمودة وتعليمهم الفرائض والسنن والعلوم الدينية وتحريضهم على طلب الآخرة والدرجات العلى والنجاة من النار والدركات السفلى انتهى. وعن جعفر بن محمد ان الشيطان يقعد على ذكر الرجل فاذا لم يقل باسم الله اصاب معه امرأته وانزل فى فرجها كما ينزل الرجل وقد جعل الله له فى كثير من الاشياء نصيبا وفى الحديث "حديث : ان ابليس لما انزل الى الارض قال يا رب انزلتنى الارض وجعلتنى رجيما فاجعل لى بيتا قال الحمام قال فاجعل لى مجلسا قال الاسواق ومجامع الطرق قال فاجعل لى طعاما قال ما لم يذكر اسم الله عليه قال اجعل لى شرابا قال كل مسكر قال اجعل لى مؤذنا قال المزامير قال اجعل لى قرآنا قال الشعر قال اجعل لى كتابا قال الوشم قال اجعل لى حديثا قال الكذب قال اجعل لى رسلا قال الكهنة قال اجعل لى مصائد قال النساء"تفسير : كما فى بحر العلوم للسمرقندى {وعدهم} المواعيد الباطلة كشفاعة الآلهة والاتكال على كرامة الآباء وتأخير التوبة بتطويل الامل واخبارهم ان لا جنة ولا نار ونحو ذلك {وما يعدهم الشيطان} اللام يحتمل العهد والجنس قال عليه السلام "حديث : ما منكم من احد الا وله شيطان"تفسير : {الا غرورا} يعنى [خطارا درصورت ثواب مى آرايد] وهو تزيين الخطأ بما يوهم انه صواب. قال فى بحر العلوم هذه الاوامر واردة على طريق التهديد كقوله للعصاة اعملوا ما شئتم وقيل على سبيل الخذلان والتخلية.
الطوسي
تفسير : قرأ حفص وحده {ورجلك} بكسر الجيم. الباقون بتسكينها. من سكن أراد جمع (راجل) مثل صاحب وصحب، وراكب وركب. ومن كسر اراد قولهم: رجل يرجل، فهو راجل. قوله: {واستفزز... وأجلب} صورته صورة الأمر والمراد به التهديد، وجرى مجرى قوله {أية : اعملوا ما شئتم}تفسير : وكما يقال للانسان: اجهد جهدك، فسترى ما ينزل بك، وانما جاء التهديد بصيغة الامر، لأنه بمنزلة من امر باهانة نفسه، لان هذا الذي يعمله هوان له وهو مأمور به. ومعنى {استفزز} استزل، يقال: استفزه واستزله بمعنى واحد، وتفزز الثوب اذ تمزق، وفززه تفززاً، وأصله القطع، فمعنى استفزه استزله بقطعه عن الصواب {من استطعت منهم} فالاستطاعة قوة تنطاع بها الجوارح للفعل، ومنه الطوع والطاعة، وهو الانقياد للفعل. وقيل في الصوت الذي يستفزهم به قولان: احدهما - قال مجاهد: صوت الغناء واللهو. الثاني - قال ابن عباس: هو كل صوت يدعا به الى معصية الله. وقيل: كل صوت دعي به الى الفساد، فهو من صوت الشيطان. وقال: {وأجلب عليهم بخيلك} فالاجتلاب السوق بجلبة من السائق. وفي المثل (اذا لم تغلب فاجلب) يقال: جلب يجلب جلباً واجلب إِجلاباً، واجتلب اجتلاباً، واستجلب استجلاباً، وجلّب تجليباً مثل صوّت، واصل الجلبة شدة الصوت، وبه يقع السّوق. وقوله: {بخيلك ورجلك} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: كل راكب او ماشٍ في معصية الله من الانس والجن، فهو من خيل ابليس ورجله، والرجل جمع راجل مثل تجر وتاجر، وركب وراكب. وقوله: {وشاركهم في الأموال والأولاد} فمشاركته إِياهم في الاموال كسبها من وجوه محظورة او إِنفاقها في وجوه محظورة، كما فعلوا في السائبة والبحيرة والحام، والاهلال به لغير الله، وغير ذلك. ومشاركته في الاولاد، قال مجاهد والضحاك: فهم اولاد الزنا. وقال ابن عباس: الموؤدة. وقيل: من هوّدوا ونصّروا، في قول الحسن وقتادة. وقال ابن عباس في رواية: هو تسميتهم عبد الحارث، وعبد شمس، وما اشبه ذلك. وقيل: ذلك واحد من هذه الوجوه، وهو أعم. وقوله: {وعدهم} اي منّهم البقاء وطول الأمل. ثم قال تعالى {وما يعدهم الشيطان} أي ليس يعدهم الشيطان {إلا غروراً} ونصب على انه مفعول له [اي ليس يعدهم الشيطان الا لأجل الغرور]. ثم قال تعالى {إن عبادي} يعني الذين يطيعوني ويقرّون بتوحيدي ويصدقون أنبيائي، ويعملون بما اوجبه عليهم، وينتهون عن معاصيّ {ليس لك} يا ابليس {عليهم} حجة ولا سلطان. قال الجبائي: معناه ان عبادي ليس لك عليهم قدرة، على ضرّ ونفع اكثر من الوسوسة، والدعاء الى الفساد، فأمَّا على كفر أو ضرر، فلا، لانه خلق ضعيف متخلخل، لا يقدر على الاضرار بغيره. ثم قال {وكفى بربك} اي حسب ربك {وكيلاً} اي حافظاً، ومن يسند الامر اليه ويستعان به في الامور. ثم خاطب تعالى خلقه فقال: {ربكم الذي خلقكم} هو الذي {يزجي لكم الفلك في البحر} قال ابن عباس: معناه يجريها، وبه قال قتادة، وابن زيد يقال: أزجى يزجي ازجاء إِذا ساق الشيء حالاً بعد حال {لتبتغوا من فضله} اي لتطلبوا فضل الله في ركوب البحر من الارياح وغيرها {إنه كان بكم رحيماً} اي منعماً عليكم راحم لكم، يسهل لكم طرق ما تنتفعون بسلوكه ديناً ودنيا.
الجنابذي
تفسير : {وَٱسْتَفْزِزْ} واستخفف بالجلب الى نفسك {مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ} ان تجلبهم اليك لغاية حمقهم وخفّة عقلهم {بِصَوْتِكَ} من غير حاجة الى جلب جندك {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ} ممّن لم تستطع جلبهم اليك بصوتك، او هو عطف لتفصيل بعض اسباب الجلب كأنّه قال: بصوتك وبجلب خيلك {وَرَجِلِكَ} بفرسانك وراجليك {وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ}. اعلم، انّ الانسان كما تكرّر ذكره واقع بين عالمى النّور والزّور والحقّ والباطل ولهما التّصرّف فيه والحكومة عليه فان تخلّص بتوفيق الله واعانته من حكومة العالم السّفلى والرّئيس فيه الشّيطان ودخل فى حكومة العالم العلوىّ والرّئيس فيه الرّحمن فقد أخلص أمواله وأولاده من شرك الشّيطان، وان لم يتخلّص من ذلك او تخلّص من حكومة الرّحمن ودخل فى صرف حكومة الشّيطان فقد يتّفق ان يخلّص ماله وولده لله اذا كان الانسانيّة باقية والشّيطانية عرضيّة ولا يتأثر كسبه ونطفته بما بالعرض كما قيل: الولد سرّ ابيه، وقد يكون بشراكة الشّيطان وقد يكون بانفراد الشّيطان، فانّ الكاسب والمضاجع المؤتمر بامر الشّيطان المعرض عن امر الرّحمن ينفرد بماله وولده الشّيطان ان كان قد ابطل انسانيّته والمؤتمر بأمر الرّحمن والشّيطان مع كون الانسانيّة فيه باقية لا محالة يشارك فى ماله وولده الشّيطان وقد ذكر فى الاخبار ما ذكرنا بالتّصريح والاشعار {وَعِدْهُمْ} المواعيد الّتى بها تغرّهم كوعد المغفرة من الله وانّ الله كريم وانّهم يبقون ثمّ يتوبون، او المواعيد الّتى بها تطيل آمالهم {وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} بتزيين الباطل فى صورة الحقّ والخطاء فى صورة الصّواب.
فرات الكوفي
تفسير : {وشاركهم في الأموال والأولاد64} فرات قال: حدثنا محمد بن القاسم بن عبيد [قال: حدثنا محمد بن عبد الله قال: حدثنا غلام بن نبهان أبو سعيد الباساني قال: حدثنا إسحاق بن بشر عن جويبر عن الضحاك. ش]: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال:حديث : بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس إذ نظر إلى حية كأنها بعير فهمّ علي بضربها بالعصى فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: [مه. ش، ر] إنه إبليس وإني قد أخذت عليه شروطاً ما [ش: ألا] يبغضك مبغض إلا شاركه في رحم أمه تفسير : وذلك قوله [تعالى. ر]: {وشاركهم في الأموال والأولاد}.
اطفيش
تفسير : {واسْتَفْزِزْ} استخف. {مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم} أن تستفزه إِلى المعاصى يقال رجل فزاى خفيف {بِصَوْتِكَ} أى بدعائك بالوسوسة إِلى المعصية والفساد. قاله ابن عباس وكل داع إِلى المعصية فهو من جنس إِبليس ودعاؤه إِليها دعاء إِبليس إِليها لأَنه الأَمير له الموسوس وكل دعاء إِلى المعصية دعاء من إِبليس بنفسه أو بالواسطة، وقال مجاهد صوته الغناء والمزامير والملاهى واللعب، والأَول أحسن لأَنه أعم. {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم} هول عليهم من الجلبة وهى الصوت الهائل الكثير المتخلط. {بَخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} بأَعوانك من راكب وماشى، والخيل راكبوا الأَفراس، كقوله - صلى الله عليه وسلم - حديث : يا خيل الله اركبىتفسير : ، والتعبير بالياء فى اركبنى باعتبار ما وضع له لفظ الخيل فى الأَصل أو باعتبار جماعة الراكبين والرجل اسم جمع واحده ارجل كراكب وركب وصاحب وصحب بفتح الأَوائل، وقرأ حفص رجلك بكسر الجيم وقرأ بضمها، وذلك ثلاث لغات وقرئ رجالك بضم الراء وفتح الجيم مشدداً بعده ألف جمع راجل ورجلك كذلك لكن بدون الف كراكع وركاع وركع وقرأ الحسن رجالك بالكسر والتخفيف جمع رجل بفتح فضم وخيله ورجله الفرسان والمشاة الذين على الضلالة والإِضلال من الجن والإِنس بعد ما يغويهم فأَصوات الفرسان والمشاة الغاوين أصوات لإِبليس إِذا كانت أصواتهم فى الإِظلال والوسوسة وذلك منه - لعنه الله - كيد واحتيال واستعانة بمن كفر على من لم يكفر ويجوز أن يكون مجازياً للاستعارة التمثيلية بأَن شبه اجتهاده فى الإِغواء بإِغارة مغوار على قوم بفرسانه ومشاته حتى أستأْصلهم وبالأَوجه الأَول قال مجاهد والحسن؛ وقيل إن له فرساناً ومشاة من الجن تمشى فى الإِضلال كجند السلطان. {وَشَارِكْهمْ فِى الأَمْوَالِ} بحملهم على جمعها من الحرام كالربا والغرر والسرقة والغصب والرشوة ومع الزكاة ومن الغناء والمزمار وسائر ما لا تحل عليه الأجرة وعلى إنفاقها فيما لا يحل كإنفاق فى الزنا والمزمار، وكتصيير البعير بحيرة أو سائبة أو وصيلة أو حام والذبح للأَصنام، وهذا أولى من قول بعض أن المراد ما يذبحون للأصنام وما يرحمون كالبحيرة {وَالأَوْلاَدِ} فالحمل على التوصل إِلى الولد بالسبب الحرام كالزنا والنزوج ما لا يحل ودعوى الولد بغير سبب والإِشراك فيه بالتسمية كتسمية عبد العزى وعبد اللات وعبد منات وعبد شمس وعبد الحارث وعلى الحمل على الأَديان الزائفة كعبادة الصنم واليهودية والنصرانية والمجوسية وعلى الأَفعال والأَقوال والاعتقادات المحرمة، ومن ذلك وأْد البنات. وعن ابن عباس أنه المراد فى الآية وعند التسمية باسم الشرك كعبد العزى وعبد شمس وقيل أولاد الزنى، وقيل الترغيب فى الدين الباطل والتعميم أولى وأدخل النقاش فى ذلك وطء الجان الإِنسية وأنها تحمل منه وذلك أن الرجل إِذا لم يذكر اسم الله وقت إِرادة الجماع أو تعرى أصاب الشيطان معه امرأته وأنزل معه فى فرجها كما ينزل الرجل، ويدل للوطء ظاهر أحاديث، قيل منها قوله - صلى الله عليه وسلم - حديث : لو أن أحدكم إذا أراد أن يأْتى أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإِن قدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداًتفسير : ، فإِن قوله اللهم جنبنا.. الخ. مع قوله إِذا أراد أن يأْتى أهله يقتضى أن اللعين مشاركه ما فى هذا، وسأل رجل ابن عباس أن امرأته استيقظت وفى فرجها كشعلة نار. قال ذلك من وطء الجان. وذكر أبو الحسن على بن عثمان الزواوى المشانجلات من علماء بجاية أنه حدثه بعض الناس ممن يوثق به أن زوجته تجد هذا الأَمر. قال محدثه وأصغيت إِلى ما أخبرت به زوجتى فسمعت حسن ذلك وأما الحمل من وطء الجان فقيل لم نر فيه حديثاً صحيحاً ولا سقيماً، وأنه لو كان كما قال النقاش لكان شبهة يدرأ بها الحد من ظهر بها حمل ولا زوج لها لاحتمال أن يكون من وطء الجان، وقد يبحث فيه بأَنه إِنما يكون شبهة لو ادعته لا أن سكتت وبان فى بعض الأَخبار أن فكم معربين. قيل: وما المعربون. قال: الذين شارك فيهم الجن {وَعِدْهُمْ} المواعد الباطلة فى اتباعك على الضلالة كقولك لا جنة ولا نار، وقولك لا بعث، وقولك إِن الأَصنام تشفع لعابديها، وقولك إِن الإِنسان يكون عند الله كريما لكرامة آبائه أو شرف نسبهم، وأمرك بتسويف التوبة وإِطالة الأَمل من مغفرة الذنوب بدون التوبة والاتكال على الرحمة وشفاعة الرسول فى الكبائر والخروج من النار بعد أن صاروا حمماً، وإِيثاراً العاجل على الآجل ونحو ذلك مما يغر به المشرك والموحد أو كليهما، فإِذا قرر للاِنسان أنه لا بعث أو لا جنة ولا نار لم تكن له حاجة فى عبادة الله ولا مخالفة فى معصيته تعالى، فحينئذ يرغب فى الشهوات والأَوامر فى الآية كلهن للتهديد كقوله {أية : اعملوا ما شئتم}، تفسير : وقولك اجتهد جهدك فسترى ما ينزل بك، والا فإِن الله جل جلاله لا يأْمر بالفحشاء. {وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ} بذلك. {إِلاَّ غُرُوراً} إِلا باطلا وأصله صدر استعمل بمعنى ما وقعت الخدعة وهو بالمعنى المصدرى تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب لأَنه يدعو إِلى طاعة نفسه، وينهى عن طاعة الله وإِلى طلب الرياسة ونحوها من الأُمور الشاقة وطلب اللاذات اللذات، فقد ينال الإِنسان ذلك وقد لا ينال مع تعب عظيم فإِن ناله فليس يصفو به بل يتكدر بالهرم والمصائب والزوال وموته ويعفيها عقاب لا يطيقه ولا ينقطع فلا غرور أعظم من ذلك، والجملة معترضة لبيان مواعيده أنها باطلة ويحتمل أن لا تكون معترضة بأَن يجعل ذلك من وضع الظاهر موضع المضمر وأن الأَصل وما تعدهم إلا غروراً.
اطفيش
تفسير : {وَاسْتَفْزِزْ} استخفف، أى احملهم على الخفة، وأزعجهم، والأمر تهديد وكذا باقى هذه الأوامر، كما يأتى، ويبعد أن يكون لتعجيزه عن أن ينقص شيئًا من ملك الله عز وجل كما يأتى. {مَنِ اسْتَطَعْتَ} أن تستفزه {مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} بدعائك إلى المعصية، كما قال ابن عباس رضى الله عنهما: وهو الوسوسة تارة، والنطق أُخرى، والغالب الأول وهو مجاز، وفى الثانى الجمع بينه وبين الحقيقة، وعبارة بعض بصوتك بدعائك بالغناء والمزامير، وكل ما يوصل إِلى المعصية، وعبارة بعض الغناء واللهو واللعب، أسكن آدم أولاد هابيل فى جبل وأولاد قابيل تحته وفيهم بنات حسان فزمر الشيطان تحته، فانحدر أولاد هابيل إِليهم للذة ذلك الصوت، فافترقوا، أول الأمر للتهديد كقولك: احتهد جهدك، فسترى ما ينزل بك ويبعد أن يكون لتعجيزه عن أن ينقص شيئًا من ملك الله عز وجل وكذا الأوامر الأربعة بعد هذا فى قوله: {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ} ومعنى أجلب صِح، والجلبة: الصوت، أى سقهم وتصرف فيهم بكل ما تريد، وخيلك الركاب كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا خيل الله اركبى"تفسير : إلا أن الآية تحتمل تقدير المضاف، أى برجال خيلك، كما جاز أن الخيل عبارة عن الركاب مجازاً مرسلا لعلاقة الجوار، وهذا متعين فى الحديث الخيل بمعنى الركاب ولا يقدر ركاب خيل لأنه قال اركبى، ولم يقل اركبوا. وفيه مجاز عقلى أسند الركوب للخيل، لأنها آلة الركوب، وللجواز ويجوز أن يكون أجلب بمعنى جلب، أى جمع لوروده كذلك، فتكون الباء صلة فى المفعول به، والخيل اسم جمع لا مفرد له، ولو قيل مفرده خائل، وقال الأخفش فى مثله إنه جمع مثل صحب وركب وطير، والرجال خيالة، وهم راكبوها، والرجل جمع راجل أو اسم جمع له كما مر فى صحب ونحوه وهو الماشى على رجله، أى صِح عليهم بكل من تحت يدك من راكب وماش فى معصية أو اجمعهم عليهم. ولا يخفى أن المراد بخيلك ورجلك، الكناية عن الأعوان لا حقيقة الراكب والماشى، ولو كان من الجائز أن يكون له جند بعضه راكب وبعضه ماش، وجند إِبليس يومئذ من الجن. ويجوز أن يراد منهم ومن الإنس، لعلم الله بأنه سيكون ذلك، قال ابن عباس: له خيل ورجل من الجن والإنس، فمن قاتل فى معصية راجلا أو راكبًا، فهو من جنده، ويجوز أن يكون قوله: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك، وأجلب} إلخ استعارة تمثيلية بأن شبه حرص الشيطان فى الإغواء، وأعماله بهذه فيه بحرص من حرص على الإغارة على الناس، وجمعه لها، ومعنى المشاركة فى الأموال أن يحملهم على كسبها من الحرام، ومنع حقها، وصرفها فى الحرام، كالزنى والفُجر والذبح للأصنام، وكسب السوائب والبحائر وتضييعها. ومعنى المشاركة فى الأولاد أن يكون ماؤهم المتولدون هم منه، من مال حرام، أو يأتون نساءهم باشتهائهم غيرهن، والاستحضار فى القلب، وتسميتهم بعبد العزى، وعبد الحارث، وعبد شمس، وعبد مناة، وعبد اللات. وحملهم على المعاصى، والإِشراك، وكسب الأولاد بالزنى وقتل الولد، خوف العيب والعار أو الفقر، وإذا لم يسم عند إِرادة الوطء انطوى الشيطان على ذكره، فشاركه فى الولد من ذلك الوطء. {وَعِدْهُمْ} أى احملهم على اعتقاد أن لا بعث ولا عقاب، وأن الآلهة تشفع لهم فى الدنيا، وإن كانت الآخرة حقًّا شفعت لهم فيها أيضًا، وإن كرم الآباء والأنساب نافع فى الآخرة للأولاد، وأن الشفاعة تكون للمصرين، وعلى تأخير التوبة، وأنه لا خلود لسعة رحمة الله. {وَمَا يَعِدْهُمُ} بذلك {الشَّيْطَانُ} جنس الشيطان أو المعبود، وهو إبليس وهو أولى، لأن الكلام بعد فيه فيكون على الالفات، والأصل وما تعدهم. {إِلاّ غُرُورًا} إلا وعد غرور، أو وعداً غروراً ووعداً غاراً أو وعده نفس الغرور مبالغة، أو لأجل غرور، وهو تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب، ويعين على دفع وسوسة الشيطان أن تضع فى حالها يمناك على جانب صدرك الأيسر، بحذاء قبلك، وتقول: سبحان الملك القدوس الخلاق الفعال سبعًا، إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز.
الالوسي
تفسير : {وَٱسْتَفْزِزْ} أي واستخف يقال استفزه إذا استخفه فخدعه وأوقعه فيما أراده منه، وأصل معنى الفز القطع ومنه تفزز الثوب إذا انقطع ويقال للخفيف فز ولذا سمي به ولد البقرة الوحشية كما في قول زهير:شعر : إذا استغاث بشيء فز غيطلة خاف العيون فلم تنظر به الحشك تفسير : والواو على ما في «البحر» للعطف على {أية : ٱذْهَبْ} تفسير : [الإسراء: 63]. والمراد من الأمر التهديد وكذا من الأوامر الآتية، ويمنع من إرادة الحقيقة أن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء {مَنِ ٱسْتَطَعْتَ} أي الذي استطعت أن تستفزه {مِنْهُمْ} فمن موصول مفعول {استفزز} ومفعول {ٱسْتَطَعْتَ} محذوف هو ما أشرنا إليه. واختار أبو البقاء كون (من) استفهامية في موضع نصب باستطعت وهو خلاف الظاهر جداً ولا داعي إلى ارتكابه {بِصَوْتِكَ} أي بدعائك إلى معصية الله تعالى ووسوستك، وعبر عن الدعاء بالصوت تحقيراً له حتى كأنه لا معنى له كصوت الحمار. وأخرج ابن المنذر وابن جرير وغيرهما عن مجاهد تفسيره بالغناء والمزامير واللهو والباطل. وذكر الغزنوي أنه آدم عليه السلام أسكن ولد هابيل أعلى جبل وولد قابيل أسفله وفيهم بنات حسان فزمر الشيطان فلم يتمالكوا أن انحدروا واقترنوا. {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم} أي صح عليهم من الجلبة وهي الصياح قاله الفراء وأبو عبيدة، وذكر أن جلب وأجلب بمعنى. وقال الزجاج: أجلب على العدو جمع عليه الخيل. وقال ابن السكيت: جلب عليه أعان عليه، وقال ابن الأعرابـي: أجلب على الرجل إذا توعده الشر وجمع عليه الجمع، وفسر بعضهم {أجلب} هنا بأجمع فالباء في قوله تعالى: {بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} مزيدة كما في لا يقرأن بالسور. وقرأ الحسن {واجلب} بوصل الألف وضم اللام من جلب ثلاثياً. والخيل يطلق على الأفراس حقيقة ولا واحد له من لفظه، وقيل إن واحده خائل لاختياله في مشيه وعلى الفرسان مجازاً وهو المراد هنا، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته لأصحابه رضي الله عنهم «حديث : يا خيل الله اركبي» تفسير : والرجل بكسر الجيم فعل بمعنى فاعل فهو صفة كحذر بمعنى حاذر يقال: فلان يمشي رجلاً أي غير راكب. وقال صاحب «اللوامح»: هو بمعنى الرجل يعني أنه مفرد أريد به الجمع لأنه المناسب للمقام وما عطف عليه، وبهذا قرأ حفص وأبو عمرو في رواية والحسن. وظاهر الآية يقتضي أن للعين خيلاً ورجلاً وبه قال جمع فقيل هم من الجن، وقيل منهم ومن الإنس وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد وقتادة قالوا: إن له خيلاً ورجلاً من الجن والإنس فما كان من راكب يقاتل في معصية الله تعالى فهو من خيل إبليس وما كان من راجل يقاتل في معصية الله تعالى فهو من رجل إبليس. وقال آخرون: ليس للشيطان خيل ولا رجالة / وإنما هما كناية عن الأعوان والأتباع من غير ملاحظة لكون بعضهم راكباً وبعضهم ماشياً. وجوز بعضهم أن يكون استفزازه بصوته وإجلابه بخيله ورجله تمثيلاً لتسلطه على من يغويه فكأنه مغواراً أوقع على قوم فصوت بهم صوتاً يزعجهم من أماكنهم وأجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم، ومراده أن يكون في الكلام استعارة تمثيلية ولا يضر فيها اعتبار مجاز أو كناية في المفردات فلا تغفل. وقرأ الجمهور {رجلك} بفتح الراء وسكون الجيم وهو اسم جمع راجل كركب وراكب لا جمع لغلبة هذا الوزن في المفردات، وقرىء {رجل} بفتح الراء وضم الجيم وهو مفرد كما في قراءة حفص وقد جاءت ألفاظ من الصفة المشبهة على فعل وفعل كسراً وضماً كحدث وندس وغيرهما. وقرأ عكرمة وقتادة {رجالك} كنبالك، وقرىء {رجالك} ككفارك وكلاهما جمع رجلان وراجل كما في «الكشف»، وفي بعض نسخ «الكشاف» أنه قرىء {رجالك} بفتح الراء وتشديد الجيم على أن أصله رجالة فحذف تاؤه تخفيفاً وهي نسخة ضعيفة. {وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلأَمْوٰلِ} بحملهم على كسبها مما لا ينبغي وصرفها فيما لا ينبغي. وقيل بحملهم على صرفها في الزنا، وعن الضحاك بحملهم على الذبح للآلهة، وعن قتادة بحملهم على تسييب السوائب وبحر البحائر والتعميم أولى {وَٱلأَوْلْـٰدِ} بالحث على التوصل إليهم بالأسباب المحرمة وارتكاب ما لا يرضي الله تعالى فيهم. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المشاركة في الأولاد حملهم على تسميتهم بعبد الحرث وعبد شمس، وفي رواية حملهم على أن يرغبوهم في الأديان الباطلة ويصبغوهم بغير صبغة الإسلام. وفي أخرى حملهم على تحصيلهم بالزنا، وأخرى تزيين قتلهم إياهم خشية الإملاق أو العار، وقيل حملهم على أن يرغبوهم في القتال وحفظ الشعر المشتمل على الفحش والحرف الخسيسة الخبيثة، وعن مجاهد أن الرجل إذا لم يسم عند الجماع فالجان ينطوي على احليله فيجامع معه وذلك هي المشاركة في الأولاد، والأولى ما ذكرنا. {وَعِدْهُمْ} المواعيد الباطلة كشفاعة الآلهة ونفع الأنساب الشريفة من لم يطع الله تعالى أصلاً وعدم خلود أحد في النار لمنافاة في ذلك عظم الرحمة وطول أمل البقاء في الدنيا ومن الوعد الكاذب وعده إياهم أنهم إذا ماتوا لا يبعثون وغير ذلك مما لا يحصى كثرة، ثم هذا من قبيل المشاركة في النفس كما في «البحر». {وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً} اعترض بين ما خوطب به الشيطان لبيان حال مواعيده والالتفات إلى الغيبة لتقوية معنى الاعتراض مع ما فيه من صرف الكلام عن خطابه وبيان حاله للناس ومن الإشعار بعلية شيطنته للغرور وهو تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب؛ ويقال: غر فلاناً إذا أصاب غرته أي غفلته ونال منه ما يريد، وأصل ذلك على ما قال الراغب من الغر وهو الأثر الظاهر من الشيء، ونصبه على أنه وصف مصدر محذوف أي وعداً غروراً على الأوجه التي في رجل عدل. وجوز أن يكون مفعولاً من أجله أي وما يعدهم ويمنيهم ما لا يتم ولا يقع إلا لأن يغرهم والأول أظهر. وذكر الإمام في سبب كون وعد الشيطان غروراً لا غير أنه إنما يدعو إلى أحد ثلاثة أمور: قضاء الشهوة وإمضاء الغضب وطلب الرياسة والرفعة ولا يدعو البتة إلى معرفة الله تعالى وخدمته وتلك الأشياء الثلاثة / ليست لذائذ في الحقيقة بل دفع آلام وإن سلم أنها لذائذ لكنها خسيسة يشترك فيه الناقص والكامل بل الإنسان والكلب ومع ذلك هي وشيكة الزوال ولا تحصل إلا بمتاعب كثيرة ومشاق عظيمة ويتبعها الموت والهرم واشتغال الباب بالخوف من زوالها والحرص على بقائها، ولذات البطن والفرج منها لا تتم إلا بمزاولة رطوبات متعفنة مستقذرة فتزيين ذلك لا يكاد يكون إلا بما هو أكذب من دعوى اجتماع النقيضين وهو الغرور.
الشنقيطي
تفسير : قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة: هذا أمر قدري. كقوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً}تفسير : [مريم:83] أي تزعجهم إلى المعاصي إزعاجاً، وتسوقهم إليها سوقاً انتهى. قال مقيدة عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن صيغ الأمر في قوله {وَٱسْتَفْزِزْ}، وقوله {وَأَجْلِبْ ً}، وقوله {وَشَارِكْهُمْ} إنما هي للتهديد، أي افعل ذلك فسترى عاقبته الوخيمة. كقوله {أية : إٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ}تفسير : [فصلت:40] وبهذا جزم أبو حيان "في البحر"، وهو واضح كما ترى. وقوله {وَٱسْتَفْزِزْ} أي استخف من استطعت أن تستفزه منهم. فالمفعول محذوف لدلالة المقام عليه. والاستفزاز: الاستخفاف. ورجل فز: أي خفيف. ومنه قيل لولد البقرة: فز. لخفة حركته. ومنه قول زهير: شعر : كما استغاث بسيىء فز غيطلة خاف العيون ولم ينظر به الحشك تفسير : "والسيىء" في بيت زهير بالسين المهملة مفتوحة بعدها ياء ساكنة وآخره همز: اللبن الذي يكون في أطراف الأخلاف قبل نزول الدرة. والحشك أصله السكون. لأنه مصدر حشكت الدرة: إذا امتلأت، وإنما حركه زهير للوزن. والغيطلة هنا: بقرة الوحش ذات اللبن. وقوله {بِصَوْتِكَ} قال مجاهد: هو اللهو والغناء والمزامير. أي استخف من استطعت أن تستخفه منهم باللهو والغناء والمزامير. وقال ابن عباس: صوته يشمل كل داع دعا إلى معصية. لأن ذلك إنما وقع طاعة له. وقيل {بِصَوْتِكَ}: أي وسوستك. وقوله {وَأَجْلِبْ} أصل الإجلاب: السوق بجلبة من السائق. والجلبة: الأصوات. تقول العرب: أجلب على فرسه، وجلب عليه: إذا صاح به من خلف واستحثه للسبق. والخيل تطلق على نفس الأفراس، وعلى الفوارس الراكبين عليها، وهو المراد في الآية. والرجل: جمع راجل، كما قدمنا أن التحقيق جمع الفاعل وصفا على فعل بفتح فسكون وأوضحنا أمثلته بكثرة، واخترنا أنه جمع موجود أغفله الصرفيون: إذ ليست فعل (بفتح فسكون) عندهم من صيغ الجموع. فيقولون فيما ورد من ذلك كراجل ورجل، وصاحب وصحب، وراكب وركب، وشارب وشرب - إنه اسم جمع لا جمع. وهو خلاف التحقيق. وقرأ حفص عن عاصم "ورجلك" بكسر الجيم لغة في الرجل جمع راجل. وقال الزمخشري: هذه القراءة على أن فعلاً بمعنى فاعل، نحو تعب وتاعب ومعناه وجمعك الرجل اهـ أي الماشيين على أرجلهم. {وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ}. أما مشاركته لهم في الأموال - فعلى أصناف: (منها) - ما حرموا على أنفسهم من أموالهم طاعة له. كالبحائر والسوائب ونحو ذلك، وما يأمرهم به من إنفاق الأموال في معصية الله تعالى، وما يأمرهم به من اكتساب الأموال بالطرق المحرمة شرعاً كالربا والغصب وأنواع الخيانات. لأنهم إنما فعلوا ذلك طاعة له. أما مشاركته لهم في الأولاد فعلى أصناف أيضاً: منها - قتلهم بعض أولادهم طاعة له. ومنها - أنهم يمجسون أولادهم ويهودونهم وينصرونهم طاعة له وموالاة. ومنها - تسميتهم أولادهم عبد الحارث وعبد شمس وعبد العزى ونحو ذلك، لأنهم بذلك سموا أولادهم عبيداً لغير الله طاعة له. ومن ذلك أولاد الزنى. لأنهم إنما تسببوا في وجودهم بارتكاب الفاحشة طاعة له إلى غير ذلك. فإذا عرفت هذا - فاعلم أن الله قد بين في آيات من كتابه بعض ما تضمنته هذه الآية من مشاركة الشيطان لهم في الأموال والأولاد، كقوله: {أية : قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}تفسير : [الأنعام:140] فقتلهم أولادهم المذكور في هذه الآية طاعة للشيطان مشاركة منه لهم في أولادهم حيث قتلوهم في طاعته. وكذلك تحريم بعض ما رزقهم الله المذكور في الآية طاعة له مشاركة منه لهم في أموالهم أيضاً. وكقوله {أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا}تفسير : [الأنعام:136] الآية، وكقوله: {أية : وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}تفسير : [الأنعام:138]، وقوله: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ}تفسير : [يونس:59]، إلى غير ذلك من الآيات. ومن الأحاديث المبينة بعض مشاركته لهم فيما ذكر - ما ثبت في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يقول الله عز وجل إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم"تفسير : ، وما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله فقال بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان"تفسير : انتهى. فاجتيال الشياطين لهم عن دينهم، وتحريمها عليهم ما أحل الله لهم في الحديث الأول، وضرها لهم لو تركوا التسمية في الحديث الثاني - كل ذلك من أنواع مشاركتهم فيهم. وقوله "فاجتالتهم" أصله افتعل من الجولان: أي استخفتهم الشياطين فجالوا معهم في الضلال. يقال: جال واجتال: إذا ذهب وجاء، ومنه الجولان في الحرب: واجتال الشيء: إذا ذهب به وساقه. والعلم عند الله تعالى. والأمر في قوله {وَعِدْهُمْ} كالأمر في قوله {وَٱسْتَفْزِزْ}، وقوله {وَأَجْلِب}. وقد قدمنا أنه للتهديد. وقوله {وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} بين فيه أن مواعيد الشيطان كلها غرور وباطل. كوعده لهم بأن الأصنام تشفع لهم وتقربهم عند الله زلفى، وأن الله لما جعل لهم المال والولد في الدنيا سيجعل لهم مثل ذلك في الآخرة، إلى غير ذلك من المواعيد الكاذبة. وقد بين تعالى هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله: {أية : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً}تفسير : [النساء:120]، وقوله: {أية : وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَٱرْتَبْتُمْ وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ}تفسير : [الحديد:14]، وقوله: {أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ}تفسير : [إبراهيم:22]، إلى غير ذلك من الآيات.
الواحدي
تفسير : {واستفزز من استطعت منهم} أَيْ: أزعجه واستخفَّه إلى إجابتك {بصوتك} وهو الغناء والمزامير {وأجلب عليهم} وصحْ {بخيلك ورجلك} واحثثهم عليهم بالإِغواء، وخيلُه: كلُّ راكبٍ في معصية الله سبحانه وتعالى، وَرَجِلُه: كلُّ ماشٍ على رجليه في معصية الله تعالى {وشاركهم في الأموال} وهو كلُّ ما أُخذ بغير حقٍّ {والأولاد} وهو كلُّ ولد زنا {وعدهم} أن لا جنَّة ولا نار، ولا بعث ولا حساب، وهذه الأنواع من الأمر كلُّها أمر تهديد، قال الله تعالى: {وما يعدهم الشيطان إلاَّ غروراً}. {إنَّ عبادي} يعني: المؤمنين {ليس لك عليهم سلطانٌ} حجَّةٌ في الشِّرك {وكفى بربك وكيلاً} لأوليائه يعصمهم من القبول مِن إبليس. {ربكم الذي يزجي} يسيِّر {لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله} في طلب التِّجَارة {إنه كان بكم} بالمؤمنين {رحيماً}. {وإذا مسَّكم الضرُّ} خوف الغرق {في البحر ضلَّ} زال وبطل {من تدعون} من الآلهة {إلاَّ إياه} إلاَّ الله {فلما نجاكم} من الغرق وأخرجكم {إلى البر أعرضتم} عن الإيمان والتَّوحيد {وكان الإِنسان} الكافر لربِّه {كفوراً} لنعمة ربِّه جاحداً، ثمًّ بيَّن أنَّه قادر أن يهلكهم في البرِّ، فقال: {أفأمنتم} يريد: حيث أعرضتم حين سلمتم من هول البحر {أن يخسف بكم} يُغيِّبكم ويذهبكم في {جانب البَرِّ} وهو الأرض {أو يرسل عليكم حاصباً} عذاباً يحصبهم، أَيْ: يرميهم بحجارةٍ {ثمَّ لا تجدوا لكم وكيلاً} مانعاً ولا ناصراً. {أم أمنتم أن يعيدكم} في البحر {تارةً} مرةً {أخرى فيرسل عليكم قاصفاً} ريحاً شديدةً تقصف الفلك وتكسيره {فيغرقكم بما كفرتم} بكفركم حيث سلمتم المرة الأولى {ثمَّ لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً} ثائراً ولا ناصراً، ولامعنى: لا تجدوا مَنْ يتًّبعنا بإنكار ما نزل بكم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 64- واستخفَّ واستنزل بدعائك إلى معصية الله من استعطت منهم، وأفرغ جهدك فى جميع أنواع الإغراء، وشاركهم فى كسب الأموال من الحرام وصرفها فى الحرام، وتكفير الأولاد وإغرائهم على الإفساد، وعِدْهم المواعيد الباطلة كشفاعة آلهتهم، والكرامة عند الله بأنسابهم، وما يعد الشيطان أتباعه إلا بالتغرير والتمويه. 65- أما عبادى المخلصون لى فليس لك على إغوائهم قدرة، لتوكلهم على ربهم، وكفى به ناصراً يستمدون منه العون فى الخلاص منك. 66- ربكم هو - وحده - الذى يجرى لكم السفن فى البحر، لتطلبوا من فضله الأرباح بالتجارة وغيرها. إنه دائم الرحمة بكم. 67- وإذا أصابكم الأذى وتعرَّضتم للمخاطر فى البحر، غاب عنكم كل من تدعونه فى حوائجكم من الأصنام، إلا الله - وحده - فإنكم لا تذكرون سواه، فلما نجَّاكم من الغرق، وأخرجكم إلى البر، أعرضتم عن توحيده وكفرتم النعمة، وشأن الإنسان دائماً جحد النعمة. 68- وإذا نجَّوتكم بخروجكم إلى البر أفأمنتم من عذاب الله؟ كلا إن شاء قلب بكم جانباً من البر فهلكتم تحته، وإن شاء أرسل عليكم ريحاً شديدة ترميكم بالحصى والحجر، فلا تجدون حافظاً مما يصيبكم. 69- أم أمنتم أن يعيدكم ربكم فى البحر مرة أخرى، فيرسل عليكم قاصفاً من الريح يكسر فلككم؟ فيغرقكم بسبب جحودكم نعمته حين أنجاكم أولا، ثم لا تجدوا لكم علينا من يطالبنا بما فعلنا انتصاراً لكم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلأَمْوَالِ} {وَٱلأَوْلادِ} {ٱلشَّيْطَانُ} (64) - وَقَالَ اللهُ تَعَالَى لإِبْلِيسَ: وَادْعُ مِنْهُمْ مَنِ اسْتَطَعْتَ إِلَى مَعْصِيَةِ اللهِ، وَاسْتَخِفَّهُ وَازْعِجْهُ (اسْتَفْزِزْ) وَاحْمِلْ عَلَيْهِمْ بِجُنُودِكَ: خَيَّالَتِهِمْ وَرَجَّالَتِهِمْ (بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ)، وَحَاوِلْ إِغْوَاءَهُمْ بِكُلِّ مَا اسْتَطَعْتَ، وَادْعُهُمْ إِلى كَسْبِ أَمْوَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ المَشْرُوعِ، وَإِنْفَاقِهَا فِي غَيْرِ الطُّرُقِ التِي أَبَاحَهَا اللهُ، وَاحْمِلْهُمْ عَلَى عِصْيَانِ اللهِ فِي أَوْلاَدِهِمْ بِتَسْمِيَتِهِمْ بِمَا يَكْرَهُ اللهُ (كَعَبْدِ اللاَّتِ وَعَبْدِ العُزَّى)، وَبِالزِّنَى بِأُمَّهَاتِهِمْ، أَوْ بِإِدْخَالِهِمْ فِي غَيْرِ دِينِ اللهِ، (وَهذا كُلُّهُ مُشَارَكَةٌ مِنْ إِبْلِيسَ فِي الأَوْلاَدِ)، وَعِدْهُمْ بِاطِلاً بِالنُّصْرَةِ وَالعَوْنِ ... فَإِنَّكَ فِي كُلِّ ذَلِكَ لَنْ تُضِلَّ غَيْرَ الضَّالِّينَ، وَهؤُلاءِ الضَّالُّونَ هُمْ وَحْدَهُم الّذِينَ تَسْتَطِيعُ إِغْوَاءَهُمْ. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَعِدُ أَوْلِيَاءَهُ إِلاَّ كَذِباً وَبَاطِلاً وَغُرُوراً، لأَِنَّهُ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئاً مِنْ عِقَابِ اللهِ إِذَا نَزَلَ بِهِمْ. اسْتَفْزِزْ - اسْتَخِفَّ وَاسْتَعْجِلْ أَوْ أَزْعِجْ. أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ - صِحْ عَلَيْهِمْ وَسُقْهُمْ. بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ - بِكُلِّ رَاكِبٍ وَمَاشٍ فِي مَعَاصِي اللهِ. غُرُورواً - بَاطِلاً وَخِدَاعاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فقوله تعالى: {وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ..} [الإسراء: 64]. هذا كما تستنهض ولدك الذي تكاسل، وتقول له: فِزّ يعني انهض، وقُمْ من الأرض التي تلازمها وكأنها مُمسكة بك، وكما في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ ..}تفسير : [التوبة: 38]. فتقول للمتثاقل عن القيام: فِزّ أي: قُمْ وخِفّ للحركة والقيام بإذعان. فالمعنى: استفزز مَنِ استطعت واستخفّهم واخدعهم {بِصَوْتِكَ} بوسوستك أو بصوتك الشرير، سواء أكان هذا الصوت من جنودك من الأبالسة أمثالك، أو من جنودك من شياطين الإنس، الذين يعاونونك ويساندونك. ثم يقول تعالى: {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ..} [الإسراء: 64]. أجْلَبَ عليه: صاح به، وأجلبَ على الجواد: صاح به راكبه ليسرع. والجَلْبة هي: الصوت المزعج الشديد، وما أشبه الجَلْبة بما نسمعه من صوت جنود الصاعقة مثلاً أثناء الهجوم، أو من أبطال الكاراتيه. وهذه الأصوات مقصودة لإرهاب الخصم وإزعاجه، وأيضاً لأن هذه الصيحات تأخذ شيئاً من انتباه الخصم، فيضعف تدبيره لحركة مضادة، فيسهل عليك التغلّب عليه. وقوله تعالى: {بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ..} [الإسراء: 64]. أي: صَوِّتْ وصِحْ بهم راكباً الخيل لتفزعهم، والعرب تطلق الخيل وتريد بها الفرسان، كما في الحديث النبوي الشريف: "حديث : يا خيل الله اركبي ". تفسير : وما أشبه هذا بما كنا نُسمِّيهم: سلاح الفرسان {وَرَجِلِكَ} من قولهم: جاء راجلاً. يعني: ماشياً على رِجْلَيْه و(رَجِل) يعني على سبيل الاستمرار، وكأن هذا عمله وديدنه، فهي تدل على الصفة الملازمة، تقول: فلانٌ رَجْل أي: دائماً يسير مُترجّلاً. مثل: حاذر وحَذِرْ، وهؤلاء يمثلون الآن "سلاح المشاة". ثم يقول تعالى: {وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ ..} [الإسراء: 64]. فكيف يشاركهم أموالهم؟ بأن يُزيِّن لهم المال الحرام، فيكتسبوا من الحرام وينفقوا في الحرام (وَٱلأَوْلادِ) المفروض في الأولاد طهارة الأنساب، فدَوْر الشيطان أنْ يُفْسِدَ على الناس أنسابهم، ويُزيِّن لهم الزنا، فيأتون بأولاد من الحرام. أو: يُزيِّن لهم تهويد الأولاد، أو تنصيرهم، أو يُغريهم بقتْلِ الأولاد مخافةَ الفقر أو غيره، هذا من مشاركة الشيطان في الأولاد. وقوله تعالى {وَعِدْهُمْ} أي: مَنيِّهم بأمانيك الكاذبة، كما قال سبحانه في آية أخرى: {أية : ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 268]. وقوله: {وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} [الإسراء: 64]. أي: لا يستطيع أن يَغُرَّ بوعوده إلا صاحب الغِرّة والغفلة، ومنها الغرور: أي يُزيّن لك الباطل في صورة الحق فيقولون: غَرَّهُ. وأنت لا تستطيع أبداً أن تُصوّر لإنسان الباطل في صورة الحق إلا إذا كان عقله قاصراً غافلاً؛ لأنه لو عقل وانتبه لتبيَّن له الحق من الباطل، إنما تأخذه على غِرَّة من فكره، وعلى غَفْلة من عقله. لذلك كثيراً ما يُخاطِبنا الحق سبحانه بقوله: {أية : أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ..}تفسير : [القصص: 60] {أية : أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ}تفسير : [الأنعام: 50] {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ..}تفسير : [النساء: 82] وينادينا بقوله: {أية : يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [الطلاق: 10]. وهذا كله دليل على أهمية العقل، وحثٌّ على استعماله في كل أمورنا، فإذا سمعتم شيئاً فمرِّروه على عقولكم أولاً، فما معنى أن يطلب الله مِنَّا ذلك؟ ولماذا يُوقِظ فينا دائماً ملكة التفكير والتدبُّر في كل شيء؟ لا شكَّ أن الذي يُوقِظ فيك آلة الفكر والنقد التمييز، ويدعوك إلى النظر والتدبر واثق من حُسْن بضاعته، كالتاجر الصدوق الذي يبيع الجيد من القماش مثلاً، فيعرض عليك بضاعته في ثقة، ويدعوك إلى فحصها، وقد يشعل النار لِيُريك جودتها وأصالتها. ولو أراد الحق سبحانه أن يأخذنا هكذا على جهل وعمى ودون تبصُّر ما دعانا إلى التفكُّر والتدبُّر. وهكذا الشيطان لا يُمنّيك ولا يُزيّن لك إلا إذا صادف منك غفلة، إنما لو كنت متيقظاً له ومُسْتصحباً للعقل، عارفاً بحيله ما استطاع إليك سبيلاً، ومن حيله أن يُزيِّن الدنيا لأهل الغفلة ويقول لهم: إنها فرصة للمتعة فانتهزها وَخذْ حظك منها فلن تعيش مرتين، وإياك أن تُصدّق بالبعث أو الحساب أو الجزاء. وهذه وساوس لا يُصدّقها إلا مَنْ لديه استعداد للعصيان، وينتظر الإشارة مجرد إشارة فيطيع ويقع فريسة لوعود كاذبة، فإنْ كان يوم القيامة تبرّأ إبليس من هؤلاء الحمقى، وقال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ..}تفسير : [إبراهيم: 22]. إذن: في الآيتين السابقتين خمسة أوامر لإبليس: اذهب، استفزز، وأَجْلب، وشاركهم، وعِدْهم. وهذه الأوامر ليست لتنفيذ مضمونها، بل للتهديد ولإظهار عجزه عن الوقوف في وجه الدعوة، أو صَدّ الناس عنها، وكأن الحق سبحانه يقول له: إفعل ما تريد ودبِّر ما تشاء، فلن توقِف دعوة الله؛ لذلك قال بعدها: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا الزنجي عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ} [الآية: 64]. قال: شركته في الأَموال الحرام وفي الأَولاد الزنا. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: أَما شركته في الأَموال، فأَكلها بغير طاعة الله، وأَما في الأَولاد فالزنا. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح في قوله: {تَبِيعاً} [لآية: 69]. يعني: ثائراً نصيراً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [الآية: 71] قال: بكتبهم.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} استَفزِرْ بمعنى اسْتَخفْ، واستَجهلْ. والصَوتُ: الغِناءُ وشِبْهُهُ. وَخَيلهُ: كُلُّ دَابةٍ سَارتْ فِي مَعصيةِ الله تعالى. {وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ} [والأَمَوالُ]: كُلُّ مالٍ أُصيبَ مِن حَرَامٍ أَو مِنْ رِبا أَو غَيرِ ذَلكَ. والأَولادُ: أَولادُ الزِّنا. ويقالُ: الرَّجِلُ جَمعُ رَاجلٍ.
همام الصنعاني
تفسير : 1588- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ}: [الآية: 64]، قال: بدعائك {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ}: [الآية: 64] قال: إن له خيلاً ورجالاً من الجن والإنس، وهم الذين يطعيونه. 1589- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ}: [الآية: 64]، قال: قد فعل، أما في الأموالِ فأمرهم أن يجعلوا بحيرةً وسَائبةً، ووصِيلةً حامياً، وأما في الأولاد فإنهم هَوَّدوهم ونصّروهم ومجسوهم. 1590- قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال الحسن: {وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ}: أن يكسبوهَا من خبيث، وينفقوهَا في حَرَامٍ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):