٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
202
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ} هذا يرجع إلى الفريق الثاني، فريق الإسلام؛ أي لهم ثواب الحج أو ثواب الدعاء، فإن دعاء المؤمن عبادة. وقيل: يرجع «أولئك» إلى الفريقين؛ فللمؤمن ثواب عمله ودعائه، وللكافر عقاب شركه وقصر نظره على الدنيا؛ وهو مِثْل قوله تعالى: {أية : وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ ممَّا عَمِلُوا} تفسير : [الأحقاف: 19] الثانية: قوله تعالى: {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} مِن سَرُع يَسْرُع ـ مثلُ عَظُم يَعْظُم ـ سِرْعاً وسُرْعة؛ فهو سريع. «الحساب»: مصدر كالمحاسبة؛ وقد يُسَمَّى المحسوب حساباً. والحساب العدّ؛ يقال: حسَب يحسُب حِساباً وحِسابةً وحُسباناً وحِسباناً وحَسْباً؛ أي عدّ. وأنشد ٱبن الأعرابي:شعر : يا جُمْلُ أسقاكِ بلا حِسَابَهْ سُقْيَا مَليكٍ حَسَنِ الرِّبَابهْ قَتَلْتِنِي بالدَّلّ والخِلاَبَهْ تفسير : والحَسَب: ما عُدّ من مفاخر المرء. ويقال: حَسَبُه دِينُه. ويقال: مالُه؛ ومنه الحديث: «حديث : الحَسُب المالُ والكرُم التّقوى»تفسير : رواه سَمُرة بن جُنْدب، أخرجه ٱبن ماجه، وهو في الشهاب أيضاً. والرجل حسيب، وقد حَسُب حَسابة (بالضم)؛ مثل خَطُب خَطَابة. والمعنى في الآية: أن الله سبحانه سريع الحساب، لا يحتاج إلى عدّ ولا إلى عقد ولا إلى إعمال فكر كما يفعله الحسّاب؛ ولهذا قال وقوله الحق: {أية : وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ}تفسير : [الأنبياء: 47]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللَّهُمّ منزّل الكتاب سريع الحساب» تفسير : الحديث. فٱلله جل وعز عالم بما للعباد وعليهم فلا يحتاج إلى تذكر وتأمّل، إذ قد علم ما للمحاسب وعليه، لأن الفائدة في الحساب علم حقيقته. وقيل: سريع المجازاة للعباد بأعمالهم. وقيل: المعنى لا يشغله شأن عن شأن، فيحاسبهم في حالة واحدة؛ كما قال وقوله الحق: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ}تفسير : [لقمان: 28]. قال الحسن: حسابه أسرع من لمح البصر؛ وفي الخبر «إن الله يحاسب في قدر حلب شاة». وقيل: هو أنه إذا حاسب واحداً فقد حاسب جميع الخلق. وقيل لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: كيف يحاسب الله العباد في يوم؟ قال: كما يرزقهم في يوم! ومعنى الحساب: تعريف الله عباده مقادير الجزاء على أعمالهم، وتذكيره إياهم بما قد نسوه؛ بدليل قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوۤاْ أَحْصَاهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ}تفسير : [المجادلة: 6]. وقيل: معنى الآية سريع بمجيء يوم الحساب؛ فالمقصد بالآية الإنذار بيوم القيامة. قلت: والكل محتمل، فيأخذ العبد لنفسه في تخفيف الحساب عنه بالأعمال الصالحة؛ وإنما يخف الحساب في الآخرة على من حاسب نفسه في الدنيا. الثالثة: قال ٱبن عباس في قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ} هو الرجل يأخذ مالاً يحج به عن غيره، فيكون له ثواب. وروي عنه في هذه الآية «حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله، مات أبي ولم يحج؛ أفأحج عنه؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«لو كان على أبيك دَين فقضيته أمَا كان ذلك يَجزي». قال نعم. قال: «فَدين الله أحق أن يُقضَى»»تفسير : . قال: فهل لي من أجر؟ فأنزل الله تعالى: {أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ} يعني من حجّ عن مَيّت كان الأجر بينه وبين الميّت. قال أبو عبد اللَّه محمد بن خُويْزِ مَنْداد في أحكامه: قول ٱبن عباس نحو قول مالك؛ لأن تحصيل مذهب مالك أن المحجوج عنه يحصل له ثواب النفقة، والحجة للحاج؛ فكأنه يكون له ثواب بدنه وأعماله، وللمحجوج عنه ثواب ماله وإنفاقه، ولهذا قلنا: لا يختلف في هذا حكم من حج عن نفسه حجة الإسلام أو لم يحج؛ لأن الأعمال التي تدخلها النيابة لا يختلف حكم المستتاب فيها بين أن يكون قد أدّى عن نفسه أو لم يؤدّ، ٱعتباراً بأَعمال الدين والدنيا. ألا ترى أن الذي عليه زكاة أو كفارة أو غير ذلك يجوز أن يؤدّي عن غيره وإن لم يؤدّ عن نفسه، وكذلك من لم يراع مصالحه في الدنيا يصح أن ينوب عن غيره في مثلها فتتم لغيره وإن لم تتم لنفسه؛ ويزوّج غيره وإن لم يزوّج نفسه.
البيضاوي
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى الفريق الثاني. وقيل إليهما. {لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ} أي من جنسه وهو جزاؤه، أو من أجله كقوله تعالى: {أية : مّمَّا خَطِيئَـٰتِهِمْ أُغْرِقُواْ }تفسير : [نوح: 25] أو مما دعوا به نعطيهم منه ما قدرناه فسمي الدعاء كسباً لأنه من الأعمال. {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } يحاسب العباد على كثرتهم وكثرة أعمالهم في مقدار لمحة، أو يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب الناس فبادروا إلى الطاعات واكتسبوا الحسنات.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ } ثواب {مِ}نْ أجل {عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ } عملوا من الحج والدعاء {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك.
الخازن
تفسير : {أولئك} إشارة إلى المؤمنين الداعين بالحسنتين ووجه هذا القول أن الله ذكر حكم الفريق بكماله. فقال: وما له في الآخرة من خلاق وقيل: يرجع إلى الفريقين {لهم} جميعاً أي لكل فريق من هؤلاء {نصيب} أي حظ {مما كسبوا} يعني من الخير والدعاء بالثواب والجزاء على الدعاء بالدنيا من جنس ما كسب ودعا {والله سريع الحساب} ذكروا في معنى الحساب أن الله تعالى يعلم العباد بما لهم وعليهم بمعنى أن الله تعالى يخلق العلوم الضرورية في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمياتها وكيفياتها وبمقادير ما لهم من الثواب وعليهم من العقاب. وقيل: إن المحاسبة عبارة عن المجازاة ويدل عليه قوله تعالى: {أية : وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حساباً شديداً} تفسير : [الطلاق: 9] وقيل: إن الله تعالى يكلم عباده يوم القيامة ويعرفهم أحوال أعمالهم وما لهم من الثواب والعقاب. وقيل: إنه تعالى إذا حاسب عباده فحسابه سريع لأنه تعالى لا يحتاج إلى عقد يد وروية فكر وصف الله نفسه تعالى بسرعة الحساب مع كثرة الخلائق وكثرة أعمالهم ليدل بذلك على كمال قدرته لأنه تعالى لا يشغله شان عن شأن ولا يحتاج إلى آلة ولا مادة ولا مساعد، فلا جرم كان قادراً على أن يحاسب جميع الخلائق في أقل من لمح البصر، وروي أنه تعالى يحاسب الخلائق في قدر حلب شاة أو ناقة، وقيل: في معنى كونه تعالى سريع الحساب أي سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم، وذلك أنه تعالى يسأله السائلون في الوقت الواحد كل واحد منهم أشياء مختلفة من أمور الدنيا الآخرة فيعطي كل واحد من غير أن يشتبه عليه شيء من ذلك، لأنه تعالى عالم بجميع أحوال عباده وأعمالهم وقيل في معنى الآية إن إتيان القيامة قريب لأن كل ما هو كائن وآت قريب لا محالة، وفيه إشارة إلى المبادرة بالدعاء والذكر وسائر الطاعات وطلب الآخرة. قوله عز وجل: {واذكروا الله} يعني بالتوحيد والتعظيم والتكبير في أدبار الصلوات وعند رمي الجمرات، وذلك أنه يكبر مع كل حصاة من حصى الجمار فقد ورد في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر مع كل حصاة {في أيام معدودات} يعني أيام التشريق وهي أيام منى ورمي الجمار سميت معدودات لقلتهن وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، أولها اليوم الحادي عشر من ذي الحجة وهو قول ابن عمر وابن العباس والحسن وعطاء ومجاهد وقتادة وهو مذهب الشافعي. وقيل: إن الأيام المعدودات يوم النحر ويومان بعده. وهو قول علي بن أبي طالب ويروى عن ابن عمر أيضاً وهو مذهب أبي حنيفة (م) عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله" تفسير : ومن الذكر في هذه الأيام التكبير (خ) عن ابن عمر أنه كان يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات، وعلى فراشه وفي فسطاطه وفي مجلسه وفي ممشاه في تلك الأيام جميعاً وفي رواية أنه كان يكبر في قبته فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى أخرجه البخاري بغير إسناد وأجمع العلماء على أن المراد بهذا هو التكبير عند رمي الجمار، وهو أن يكبر مع كل حصاة يرمي بها في جميع أيام التشريق، وأجمعوا أيضاً على أن التكبير في عيد الأضحى وفي هذه الأيام في إدبار الصلوات سنة واختلفوا في وقت التكبير فقيل يبتدئ به من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق فيكون التكبير على هذا القول في خمسة عشر صلاة، وهو قول ابن عباس وابن عمر، وبه قال الشافعي: في أصح أقواله قال الشافعي: لأن الناس فيه تبع للحاج وذكر الحاج قيل: هذا الوقت هو التلبية ويأخذون في التكبير يوم النحر من صلاة الظهر. وقيل: إنه يبتدئ به من صلاة المغرب ليلة النحر ويختم بصلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وهو القول الثاني الشافعي فيكون التكبير على هذا القول: في ثمانية عشر صلاة والقول الثالث للشافعي إنه يتبدئ بالتكبير من صلاة الصبح يوم عرفة، ويختم به بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق، فيكون التكبير على هذا القول في ثلاث وعشرين صلاة وهو قول علي بن أبي طالب، ومكحول وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال ابن مسعود يبتدأ به من صبح يوم عرفة ويختم بصلاة العصر من يوم النحر، فعلى هذا القول يكون التكبير في ثمان صلوات، وبه قال أبو حنيفة وقال أحمد بن حنبل: إذا كان حلالاً كبر عقيب ثلاث وعشرين صلاة أولها الصبح من يوم عرفة وآخرها صلاة العصر من آخر أيام التشريق وإن كان محرماً كبر عقيب سبعة عشر صلاة أولها الظهر من يوم النحر وآخرها عصر آخر أيام التشريق. ولفظ التكبير عند الشافعي ثلاثاً نسقاً الله أكبر الله أكبر الله أكبر وهو قول سعيد بن جبير والحسن، وهو قول أهل المدينة، قال الشافعي: وما زاد من ذكر الله فحسن ويروى عن ابن مسعود أنه يكبر مرتين فيقول الله أكبر الله أكبر وهو قول أهل العراق. وقوله تعالى: {فمن تعجل في يومين} أي فمن تعجل النفر الأول وهو في الثاني من أيام التشريق {فلا إثم عليه} أي فلا حرج عليه وذلك أنه يجب على الحاج المبيت بمنى الليلة الأولى والثانية من ليالي أيام التشريق، ليرمي كل يوم بعد الزوال إحدى وعشرين حصاة يرمي عند كل جمرة سبع حصيات ثم من رمى في اليوم الثاني وأراد أن ينفر ويدع البيتوتة الليلة الثالثة ورمى يومها فذلك واسع له لقوله تعالى: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} يعني فلا إثم على من تعجل فنفر في اليوم الثاني في تعجيله {ومن تأخر فلا إثم عليه} يعني ومن تأخر إلى النفر الثاني، وهو اليوم الثالث من أيام التشريق فلا إثم عليه في تأخره. واعلم أنه إنما يجوز التعجيل لمن نفر بعد الزوال من اليوم الثاني من أيام التشريق وقيل غروب الشمس، من ليلة ذلك اليوم وإن غربت عليه الشمس، وهو بمنى لزمه المبيت بها لرمي اليوم الثالث، هذا مذهب الشافعي وأكثر الفقهاء وقال أبو حنيفة: يجوز له أن ينفر ما لم يطلع الفجر لأنه لم يدخل وقت الرمي، بعد ورخص لرعاة الإبل وأهل سقاية الحاج ترك المبيت بمنى ليالي منى. فإن قلت: قوله ومن تأخر فلا إثم عليه فيه إشكال وهو أن الذي أتى بأفعال الحج كاملة تامة فقد أتى بما يلزمه، فما معنى قوله فلا إثم عليه إنما يخاف من الإثم من قصر فيما يلزمه. قلت فيه أجوبة أحدها أنه تعالى لما أذن في التعجيل على سبيل الرخصة احتمل أن يخطر ببال قوم أن من لم يجر على موجب هذه الرخصة، فإنه يأثم فأزال الله تعالى هذه الشبهة وبين إنه لا إثم عليه في الأمرين فإن شاء عجل وإن شاء أخر. الجواب الثاني أن من الناس من كان يتعجل ومنهم من كان يتأخر، وكل فريق يصوب فعله على فعل الفريق الآخر فبين الله تعالى أن كل واحد من الفريقين مصيب في فعله وأنه لا إثم عليه. الجواب الثالث إنما قال: ومن تأخر فلا إثم عليه لمشاكلة اللفظة الأولى فهو كقوله: {أية : جزاء سيئة سيئة مثلها} تفسير : [الشورىٰ: 40] ومعلوم أن جزاء السيئة ليس بسيئة. الجواب الرابع أن فيه دلالة على جواز الأمرين فكأنه تعالى قال: فتعجلوا أو تأخروا فلا إثم في التعجيل ولا في التأخير {لمن اتقى} أي ذلك التخيير ونفي الإثم للحاج المتقي وقيل لمن اتقى أن يصيب في حجه شيئاً مما نهاه الله عنه من قتل صيد وغيره، مما هو محظور في الحج، وقيل: معناه أنه ذهب إثمه إن اتقى فيمن بقي من عمره، وذلك أن الحاج يرجع مغفوراً له بشرط أن لا يرتكب ما نهي عنه فيما بقي من عمره وهو قوله: {واتقوا الله} أي في المستقبل والتقوى عبارة عن فعل الواجبات وترك المحظورات {واعلموا أنكم إليه تحشرون} أي فيجازيكم بأعمالكم وفيه حث على التقوى.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ...}. راجع للفريقين فمن طلب الدنيا لها وكذلك الآخرة. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}. قال ابن عطية: قيل لعلي كيف يحاسب الله العباد في يوم؟ فقال (كما يرزقهم في يوم). قال ابن عرفة: كما يفهم أن العرض لا يبقى زمنين والقدرة صالحة إلى الإمداد بعرض آخر فكذلك القدرة صالحة (لأن) يخلق لله في نفس كل واحد الإخبار بما لَهُ وما عليه (فيخبرُون) بذلك في زمن واحد. وهذا أمر خارق للعادة ولا يمكن قياسه على الشاهد.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ}. إن كان خيراً فخير وإن كان غيراً فغير. {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} للعوام في الفرصة، وللخواص في كل نَفَس. ويقال ذكر فريقين: منهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا، والثاني يقول في الدنيا والعقبى، وثالث لم يذكرهم وهم الراضون بقضائه، المستسلمون لأمره، الساكنون عن كل دعاء واقتضاء.
اسماعيل حقي
تفسير : {أولئك} اشارة الى الفريق الثانى وهم الداعون الحسنتين لانه تعالى ذكر حكم الفريق الاول بقوله وماله {فى الآخرة من خلاق} {لهم نصيب مما كسبوا} من للتبعيض اى لهم نصيب عظيم كائن من جنس ما كسبوا من الاعمال الحسنة وهو الثواب الذى هو المنافع الحسنة او من اجل ما كسبوا لانهم استحقوا ذلك الثواب الحسن بسبب اعمالهم الحسنة ومن اجلها فتكون من ابتدائية لان العلة مبدأ الحكم ثم اومأ الى قدرته محذرا من الموت وحاثا على اعمال الخير بقوله {والله سريع الحساب} والحساب يراد به نفس الجزاء على الاعمال فان الحساب سبب للاخذ والعطاء واطلاق اسم السبب على المسبب جائز شائع اى يحاسب العباد على كثرتهم وكثرة اعمالهم فى مقدار لمحة لعدم احتياجه الى عقد يد او وعى صدر او نظر وفكر فاحذروا من الاخلال بطاعة من هذا شأن قدرته او يوشك ان يقيم القيامة ويحاسب الناس. وفى خطبة بعض المتقدمين ولت الدنيا حذاء ولم يبق الا صبابة كصبابة الاناء فليبادر المؤمن الى الطاعات واكتساب الحسنات والذكر فى كل الحالات. قال الحسن البصرى اذكرونى بما يذكر الصغير اباه فانه اول ما يتكلم يقول يا اب يا اب. فعلى كل مسلم ان يقول يا رب يا رب وعن النبى عليه السلام "حديث : اغبط اوليائى عندى مؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من الصلاة احسن عبادة ربه واطاعه فى السر وكان غامضا فى الناس لا يشار اليه بالاصابع وكان رزقه كفافا فصبر على ذلك" ثم نقر بيده فقال "هكذا عجلت منيته قلت بواكيه قل ثراؤهbr>". تفسير : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر ان يقول ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. والاشارة فاذا قضيتم مناسك وصلتكم وبلغتم مبلغ الرجال البالغين من اهل الكمال فلا تأمنوا مكر الله ولا تهملوا وظائف ذكر الله فاذكروا الله كما تذكرون فى حال طفوليتكم آباءكم للحاجة والافتقار بالعجز والانكسار وفى حال رجوليتكم للحجة والافتخار بالمحبة والاستظهار فاذكروا الله افتقارا وافتخارا او اشد ذكرا واكد فى الافتخار لانه يمكن للطفل الاستغناء عن الله بولى وكذلك البالغ يحتمل ان يفتخر بغير الله ولكن العباد ليس لهم من دون الله من ولى ولا واق فمن الناس من اهل الطلب والسلوك من يقول بتسويل النفس وغرورها بحسبان الوصول والكمال عند النسيان وتغير الاحوال ربنا آتنا فى الدنيا حسنة يعنى تميل نفسه الى الدنيا وتنسى المقصد الاصلى ويظن الطالب الممكور انه قد استغنى عن الاجتهاد فاهمل وظائف الذكر ورياضة النفس ومخاطرة القلب ومراقبة السر فاستولت عليه النفس وغلب عليه الهوى واستهوته الشياطين فى الارض حيران حتى اوقعته فى اودية الهجران والفراق وماله فى الآخرة من خلاق ومنهم اى من اهل الوصول وارباب الفتوة من يقول ربنا آتنا فى الدنيا حسنة نعمة من النعم الظاهرة كالعافية والصحة والسعة والفراغة والطاعة واستطاعة البدن والوجاهة والارشاد والاخلاق وفى الآخرة حسنة نعمة من النعم الباطنة هى الكشوف والمشاهدات وانواع القربات والمواصلات وقنا عذاب النار اى نار القطيعة وحرقة الفراق اولئك لهم نصيب اى لهؤلاء البالغين الواصلين نصيب وافر مما كسبوا من المقامات والكرامات ومما سألوا من ايتاء الحسنات والله سريع الحساب لكلا الفريقين فيما سألوه اى يعطيهم بحسب نياتهم على قد هممهم وطوياتهم كذا فى التأويلات النجمية.
الطوسي
تفسير : الاعراب: {أولئك} رفع بالابتداء وخبره لهم نصيب. ومعناه أولئك لهم نصيب من كسبهم باستحقاقهم الثواب عليه. اللغة: والنصيب: الحظ، وجمعه أنصباء وأنصبة. وحدّ النصيب الجزء الذي يختص به البعض من خير أو شر. والكسب: الفعل الذي يجتلب به نفع أو يدفع به ضرر. وتقول: نصب ينصب نصباً، ونصب نصباً من التعب، وأنصبنى هذا إنصاباً. وانتصب الشيء انتصاباً. وناصبه العداوة مناصبة. والنصب إقامتك الشيء. والنصب: الرفع. نصب القوم السير: إذا رفعوه. وكل شيء رفعته، فقد نصبته، ومنه نصب الحرف، لأن الصوت يرفع فيه الى الغار الأعلى. والنصب بتغير الحال من مرض أو تعب. والنصب: جمع أنصاب وهي حجارة كانت تنصب في الجاهلية، ويطاف بها، ويتقرب عندها وهي التي ذكرها الله تعالى في قوله: {أية : وما ذبح على النصب} تفسير : وقال: {أية : والأنصاب والأزلام}. تفسير : وأنصاب الحرم حدوده، وهى حجارة تنصب، ليعرف بها الحرم. ونصاب السكين، وغيره معروف، وفلان في نصاب صدق: في حسب ثابت. والنصبة: السارية. والمنصب الذي ينصب عليه القدور. وكل شيء استقبلت به شيئاً، فقد نصبته. وأصل الباب القيام. وقوله تعالى: {والله سريع الحساب} يعنى في العدل من غير حاجة الى خط ولا عقد، لأنه (عز وجل) عالم به. وإنما يحاسب العبد مظاهرة في العدل، وإحالة على ما يوجبه الفعل من خير أو شر. والسرعة هو العمل القصير المدة. وتقول: سرع سرعة، وأسرع في المشي إسراعاً، وسارع اليه مسارعة، وتسرّع تسرّعاً، وتسارع تسارعاً، وأقبل فلان في سرعان قومه أي في أوائلهم المتسرعين. واليسروع: دويبة تكون في الرمل. وأصل الباب: السرعة. وتقول من الحساب: حسب الحساب يحسبه حسباً، وحسب الشيء حسباناً، وحاسبه محاسبة، وحساباً، وتحاسبوا تحاسباً، واحتسب احتساباً، وأحسبني من العطاء إحساباً، أي كفاني {أية : عطاء حساباً}تفسير : أي كافياً. والحسبان سهام صغار. وقيل منه {أية : ويرسل عليها حسباناً من السماء} .تفسير : وقيل عذاباً. والمحسبة وسادة من أدم. والمحسبة غبرة مثل كدرة. وحسب الرجل مآثر آبائه. وأفعل ذلك بحسب ما أوليتنى. وحسبي أي يكفيني {أية : يرزق من يشاء بغير حساب}تفسير : أي بغير تضييق {أية : والشمس والقمر بحسبان}تفسير : أي قدّر لهما مواقيت معلومة لا يعدونها. والتحسيب: دفن الميت يجب الحجارة وأصل الباب: الحساب، والحسبان: الظن؛ لأنه كالحساب في الاعتداد به، والعمل به على بعض الوجوه. وروي عن علي (ع) أنه قال: معناه إنه يحاسب الخلق دفعة كما يرزقهم دفعة.
الجنابذي
تفسير : {أُولَـٰئِكَ} العظام {لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ} يعنى من جملة ما كسبوا ومنها سؤالهم حسنة الدّنيا والآخرة يعنى لا يضاع عمل عامل منهم، والمعنى لهم نصيب ناشئٍ ممّا كسبوا او نصيب هو بعض ممّا كسبوا وهذا المعنى يشعر بصحّة تجسّم الاعمال كما عليه اهل المذهب وهو حقّ مثبت بالاخبار الكثيرة ويشعر به الآيات ويحكم به العقل، فانّ التّحقيق؛ انّ العلم ليس بصورة عرضيّة هى كيف للنّفس كما عليه المشّاؤن، ولا باضافة بين العالم والمعلوم كما قيل، ولا بمحض مشاهدة ربّ النوّع او صورة المعلوم فى عالم المثال، بل هو شأن من النّفس به يحصل سعتها والنّفس وشؤونها من عالم المتقدّرات والاجسام النّوريّة باعتبار مركبها المثالىّ وكلّ عمل يعمله الانسان لا بدّ ان يتصوّره فى مقامه المجرّد اجمالاً ويُصَدِّق بالغاية النّافعة المترتّبة عليه ثمّ ينزله من مقامه العالى الى مقامه الخيالىّ فيتصوّره بنحو التّفصيل والجزئيّة ويصدّق فى ذلك المقام بغايته ثمّ يحدث له ميل اليه ثمّ عزم ثمّ اراده فتهيج الارادة القوّة الشّوقيّة وهى تبعث القوّة المحركة وهى تحرّك الاعصاب ثمّ الاوتار ثمّ العضلات ثمّ الاعضاء ثمّ يتدرّج العمل فى الوجود ثمّ يعود متدرّجاً كما يحدث متدرّجاً من طريق الباصرة او السّامعة الى الحسّ المشترك ثمّ الى الخيال والواهمة ثمّ الى العاقلة فيعود الى ما منه بدأ، فكلّ عملٍ يحصل صورته فى المقامات العلميّة للانسان نزولاً وصعوداً وقد عرفت انّ بعض مقاماته العلميّة غير خارج عن التقدّر والتّجسّم فالعمل يتصوّر فى مقام تجسّم النّفس فيصحّ ان يقال انّ العمل تجسّم ولتجسّم الاعمال وجه آخر وهو انّ الله تعالى يوجد بعمل العبد من الاجسام الاخرويّة ما يشاء من الانهار والاشجار والاثمار والحور والقصور، بمعنى انّ الاعمال تكون مادّة هذه يعنى انّ الاعمال تتجسّم فى عالمه الصّغير وينشأ فى الكبير امثال صورها فى العالم الصّغير فانّ العالم الكبير كالمرآة للعالم الصّغير {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} عطف فيه دفع توهّم فانّه قد يتوهّم انّ اعمال العباد كثيرة متدرّجة لا يمكن ضبطها حتّى يجزى بها العباد فقال تعالى دفعاً لهذا الوهم انّ الله يحاسب على الجليل والحقير والقليل والكثير ولا يعزب عنه شيء لانّه سريع الحساب ومن سرعة حسابه انّه ينظر الى حساب الكلّ دفعة واحدة وكما انّ الكلّ منظور اليه دفعة واحدة كلّ الاعمال من صغيرها وكبيرها يقع فى نظره دفعةً واحدةً فلا يفوته حساب احدٍ ولا يعزب عنه شيء من عمل احدٍ، وانموذج محاسبة الله ومكافأته ومجازاته يكون مع العباد من اوّل التّكليف ولا يشذّ من اعمالهم حقير ولا جليل الاّ يظهر شيءٌ من مجازاته عليهم لو كانوا متنبّهين لا غافلين ولمعرفة هذا الامر أمروا العباد بالمحاسبة قبل محاسبة الله فانّ العبد اذا حاسب نفسه بان يكون مراقباً لها ومحاسباً لاعمالها يظهر عليه انّ كلّ فعل من الخير والشّرّ يستعقب فعلاً آخر او عرضاً من اعراض النّفس او خلقاً من اخلاقها، فحاسبوا عباد الله قبل ان تحاسبوا حتّى تعلموا انّ الله لا يدع شيئاً من اعمال العباد الاّ يجازي به ولا يشغله عمل عامل منكم عن عامل آخر، ولا يشذّ عنه حقير لحقارته.
الهواري
تفسير : قوله: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا} أي ثواب ما عملوا، وهي الجنة. {واللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}. قوله: {وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ}. قال ابن عباس: هي أيام التشريق. قال الحسن: يُذكر الله فيها، يُرمى فيها الجمار، وما مضت به السنة من التكبير في دبر الصلوات. ذكروا عن علي أنه كان يكبّر دبر الصلاة من يوم عرفة من صلاة الصبح إلى أيام التشريق، يكبّر في العصر ثم يكفّ. ذكروا عن ابن مسعود أنه كان تكبيره: الله أكبر الله أكبر. لا إله إلا الله، الله أكبر، ولله الحمد كثيراً. وذكروا عن علي مثل ذلك. وذكروا عن الحسن أنه كان يكبر من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الظهر من يوم النفر الأول، وربما قال إلى العصر. قال: وسمعت سعيداً يذكر أن الذي أخذ به الناس عن الحسن إلى صلاة الظهر. وكان تكبيره فيما حدثنا الثقة الله أكبر الله أكبر. يسكت بين كل تكبيرتين. قوله: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ} إلى اليوم الثالث {فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى}. ذكر ابن عمر أن عمر بن الخطاب كان يقول: من أدركه الليل من اليوم الثاني ولم ينفر فلا ينفر حتى يرمي الجمار اليومَ الثالث. وذكروا عن الحسن أنه كان يقول: من أدركته صلاة العصر ولم ينفر فلا ينفر إلى اليوم الثالث. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرمي يوم النحر الجمرة [بعد طلوع الشمس] ويرمي الجمار أيام التشريق بعد زوال الشمس. وكان يرمي بمثل حصى الخذف. ذكروا عن ابن عمر أنه كان يكبر مع كل حصاة. قوله: {فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ}. قال: يرجع مغفوراً له. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه . تفسير : قوله: {وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} يعني البعث.
اطفيش
تفسير : {أُوْلَٰئِكَ} القائلون ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار {لَهُمْ نَصِيبٌ} عظيم فى الآخرة ثبت لهم {مِّمَّا كَسَبُواْ} فى الدنيا من الإيمان والأعمال الصالحة، والتقوى، أى تولد، ونتج من كسبهم، أو نصيب عظيم فى الآخرة هو ما عملوه فى الدنيا، أى ثوابه، فكأنه هو، لأنه عوضه أو نصيب مما دعوا به دنيا وأخرى، والباقى، نكفر به سيئاتهم أو نعطيهم فيه ما هو خير منه أو نكفى عنهم المصائب، أو أولئك القائلون ربنا آتنا فى الدنيا حسنة والقائلون آتنا فى الدنيا حسنة، وفى الآخرة حسنة، ونصيب الفريق الأول ما له من متاع الدنيا وما له فى الآخرة من العذاب، لأن النصيب يطلق على الخير وعلى الشر، وروى أنه صلى الله عليه وسلم "حديث : قال لرجل كالفرخ المنتوف: هل كنت تدعو بشىء؟ فقال: كنت أقول اللهم عجل عقابى فى الدنيا، فقال صلى الله عليه وسلم: لا تطيق ذلك قل ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"تفسير : ، فقال فشفى {وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} جاء الحديث، يحاسب الله الخلق فى قدر نصف نهار من أيام الدنيا، وهو تمثيل للقلة، كما روى أنه يحاسبهم فى قدر حلب شاة أو ناقة فهو قادر أن يحاسبهم فى أقل من لمحة، يخلق فى قلوبهم معرفة أعمالهم وجزاءها، وسرعة الحساب قرب يوم الحساب، أو المجازاة كما قيل فى قوله تعالى، فحاسبناها حساباً شديداً، فباردوا لطلب الآخرة وأعرضوا عن الدنيا.
الالوسي
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى الفريق الثاني والجملة في مقابلة {أية : وَمَا لَهُ فِى ٱلأَخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ } تفسير : [البقرة: 200] والتعبير باسم الإشارة للدلالة على أن اتصافهم بما سبق علة للحكم المذكور ولذا ترك العطف هٰهنا لكونه كالنتيجة لما قبله، قيل: وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى علو درجتهم وبعد منزلتهم في الفضل، وجوز أن تكون الإشارة إلى كلا الفريقين المتقدمين فالتنوين في قوله تعالى: {لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ} على الأول: للتفخيم وعلى الثاني: للتنويع أي لكل منهم نصيب من جنس ما كسبوا، أو من أجله، أو مما دعوا به نعطيهم منه ما قدرناه، و ـ من ـ إما للتبعيض أو للابتداء، والمبدئية على تقدير الأجلية على وجه التعليل، وفي الآية على الاحتمال الثالث وضع الظاهر موضع المضمر بغير لفظ السابق لأن المفهوم من {أية : رَبَّنَا ءاتِنَا } تفسير : [البقرة: 201] الدعاء لا الكسب إلا أنه يسمى كسباً لأنه من الأعمال وقرىء (مما اكتسبوا). {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}. يحاسب العباد على كثرتهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا، وروي بمقدار فواق ناقة، وروي بمقدار لمحة البصر أو يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب الناس فبادروا إلى الطاعات واكتساب الحسنات، والجملة تذييل لقوله تعالى: {أية : فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ }تفسير : [البقرة: 200] الخ والمحاسبة إما على حقيقتها كما هو قول أهل الحق من أن النصوص على ظاهرها ما لم يصرف عنها صارف، أو مجاز عن خلق علم ضروري فيهم بأعمالهم وجزائها كماً وكيفاً، ومجازاتهم عليها. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ} بيوت قلوبكم من طرف حواسكم ومعلوماتكم البدنية المأخوذة من المشاعر فإنها ظهور القلوب التي تلي البدن {وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ} شواغل/ الحواس وهواجس الخيال ووساوس النفس الأمارة {وَأْتُواْ} هاتيك {ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَٰبِهَا} التي تلي الروح، ويدخل منها الحق {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ }تفسير : [البقرة: 189] عن رؤية تقواكم لعلكم تفوزون به {وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ} من قوى نفوسكم ودواعي بشريتكم فإن ذلك هو الجهاد الأكبر {وَلاَ تَعْتَدُواْ} بإهمالها والوقوف مع حظوظها أو لا تتجاوزوا في القتال إلى أن تضعفوا البدن عن القيام بمراسم الطاعة، ووظائف العبودية:شعر : فرب مخمصة شر من التخم {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ } تفسير : [البقرة: 190] الواقفين مع نفوسهم أو المتجاوزين ظل الوحدة وهو العدالة {وَٱقْتُلُوهُمْ} حيث وجدتموهم أي امنعوا هاتيك القوى عن شم لذائذ الشهوات والهوى حيث كانوا {وَأَخْرِجُوهُمْ} عن مكة الصدر كما أخرجوكم عنها واستنزلوكم إلى بقعة النفس وحالوا بينكم وبين مقر القلب وفتنتهم التي هي عبادة الهوى والسجود لأصنام اللذات أشد من الإماتة بالكلية أو بلاؤكم عند استيلاء النفس أشد عليكم من القتل الذي هو محو الاستعداد وطمس الغرائز لما يترتب على ذلك من ألم الفراق عن حضرة القدس الذي لا يتناهى {وَلاَ تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} وهو مقام القلب إذا وافقوكم في توجهكم حتى ينازعوكم في مطالبكم ويجروكم عن دين الحق ويدعوكم إلى عبادة عجل النظر إلى الأغيار فإن نازعوكم {فَٱقْتُلُوهُمْ} بسيف الصدق واقطعوا مادة تلك الدواعي {أية : كَذٰلِكَ جَزَاءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ }تفسير : [البقرة: 191] الساترين للحق {فَإِنِ انْتَهَوْاْ} عن نزاعهم {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [البقرة: 192] {وَقَـٰتِلُوهُمْ} على دوام الرعاية وصدق العبودية {حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} ولا يحصل التفات إلى السوي {وَيَكُونَ الدّينُ} كُلُّهُ {لِلهِ} بتوجه الجمع إلى الجناب الأقدس والذات المقدس {أية : فَإِنِ ٱنتَهَواْ فَلاَ عُدْوٰنَ } تفسير : [البقرة: 193] إلا على المجاوزين للحدود {ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ} الذي قامت به النفس لحقوقها {بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ} الذي هو وقت حضوركم ومراقبتكم {أية : وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ }تفسير : [البقرة: 194] فلا تبالوا بهتك حرمتها {وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} ما معكم من العلوم بالعمل به والإرشاد ـ {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ}تفسير : [البقرة: 195] إلى تهلكة التفريط {أية : وَأَحْسِنُوۤاْ}تفسير : ـ [البقرة: 195] بأن تكونوا مشاهدين ربكم في سائر أعمالكم إن الله يحب المشاهدين له، ـ وأتموا حج ـ توحيد الذات وعمرة توحيد الصفات لله بإتمام جميع المقامات والأحوال {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} بمنع أعداء النفوس أو مرض الفتور فجاهدوا في الله بسوق هدي النفس وذبحها بفناء كعبة القلب، ولاختلاف النفوس في الاستعداد قال:(ما استيسر) {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ } ولا تزيلوا آثار الطبيعة وتختاروا فراغ الخاطر حتى يبلغ هدي النفس محله فحينئذٍ تأمنون من التشويش وتكدر الصفاء {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا} ضعيف الاستعداد {أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ} أي مبتلى بالتعلقات ولم يتيسر له السلوك على ما ينبغي فعليه فدية من إمساك عن بعض لذاته وشواغله أو فعل بر أو رياضة تقمع بعض القوى {فَإِذَا أَمِنتُمْ} من المانع المحصر {فَمَن تَمَتَّعَ} بذوق تجلي الصفات متوسلاً به إلى حج تجلي الذات فيجب عليه ما أمكن من الهدي بحسب حاله {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} لضعف نفسه وانقهارها {فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجّ} أي فعليه الإمساك عن أفعال القوى التي هي الأصول القوية في وقت التجلي والاستغراق في الجمع والفناء وهي العقل والوهم والمتخيلة {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} إلى مقام التفصيل والكثرة، وهي الحواس الخمسة الظاهرة والغضب والشهوة لتكون عند الاستقامة في الأشياء بالله عز وجل {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} موجبة لأفاعيل عجيبة مشتملة على أسرار غريبة {أية : ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } تفسير : [البقرة: 196] من الكاملين الحاضرين مقام الوحدة لأن أولئك لا يخاطبون ولا يعاتبون ومن وصل فقد استراح {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ} وهي مدة الحياة الفانية أو من وقت بلوغ الحلم إلى الأربعين كما قال في البقرة [68] {أية : لا فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ }تفسير : . ومن هنا قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد، نعم العمش خير من العمى والقليل خير من الحرمان {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ} على نفسه بالعزيمة {فَلاَ رَفَثَ} أي فلا يمل إلى الدنيا وزينتها {وَلاَ فُسُوقَ} ولا يخرج القوة الغضبية عن طاعة القلب بل/ لا يخرج عن الوقت ولا يدخل فيما يورث المقت {وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجّ} أي ولا ينازع أحداً في مقام التوجه إليه تعالى إذ الكل منه وإليه ومن نازعه في شيء ينبغي أن يسلمه إليه ويسلم عليه {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً }تفسير : [الفرقان: 63] {وَمَا تَفْعَلُواْ} من فضيلة في ترك شيء من هذه الأمور {يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} ويثيبكم عليه، {وَتَزَوَّدُواْ} من الفضائل التي يلزمها الاجتناب عن الرذائل {فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} وتمامها بنفي السوي {أية : وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَـٰبِ }تفسير : [البقرة: 197] فإن قضية العقل الخالص عن شوب الوهم وقشر المادة اتقاء الله تعالى {لَيْسَ عَلَيْكُمْ} حرج عند الرجوع إلى الكثرة أن تطلبوا رفقاً لأنفسكم على مقتضى ما حده المظهر الأعظم صلى الله عليه وسلم فإذا دفعتم أنفسكم من عرفات المعرفة {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} أي شاهدوا جماله سبحانه عند السر الروحي المسمى بالخفي وسمي مشعراً لأنه محل الشعور بالجمال، ووصف بالحرام لأنه محرم أن يصل إليه الغير {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} إلى ذكره في المراتب {وَإِن كُنتُمْ مّن} قبل الوصول إلى عرفات المعرفة والوقوف بها {أية : لَمِنَ ٱلضَّالّينَ }تفسير : [البقرة: 198 ] عن هذه الأذكار في طلب الدنيا {ثُمَّ أَفِيضُواْ} إلى ظواهر العبادات {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ} سائر الناس إليها وكونوا كأحدهم فإن النهاية الرجوع إلى البداية أو أفيضوا من حيث أفاض الأنبياء عليهم السلام لأجل أداء الحقوق والشفقة على عباد الله تعالى بالإرشاد والتعليم {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ} فقد كان الشارع الأعظم صلى الله عليه وسلم يغان على قلبه ويستغفر الله تعالى في اليوم سبعين مرة، ومن أنت يا مسكين بعده {أية : إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }تفسير : [البقرة: 199] {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ} وفرغتم من الحج {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ} قبل السلوك {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} لأنه المبدأ الحقيقي فكونوا مشغولين به حسبما تقتضيه ذاته سبحانه {فَمِنَ ٱلنَّاسِ} من لا يطلب إلا الدنيا ولا يعبد إلا لأجلها {أية : وَمَا لَهُ} تفسير : [البقرة:200] في مقام الفناء من نصيب لقصور همته واكتسابه الظلمة المنافية للنور؛ ومنهم من يطلب خير الدارين ويحترز عن الاحتجاب بالظلمة والتعذيب بنيران الطبيعة {أُولَٰـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ} من حظوظ الآخرة والأنوار الباهرة واللذات الباقية والمراتب العالية {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [البقرة: 202].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 202- فهؤلاء يعطون ما قُدِّر لهم مما كسبوه بالطلب والركون إلى الله. والله يجزى كلاً بما يستحق، وهو سريع الحساب والجزاء. 203- واذكروا الله بالتكبير والتهليل والتحميد فى أيام معدودات هى أيام رمى الجمار بمنى وهى: الحادى عشر. والثانى عشر. والثالث عشر. وليس بلازم لأن قوام الخير تقوى الله لا مقدار العدد، واتقوا الله دائماً واعلموا أنكم إليه تحشرون مسئولون عن أعمالكم. 204- وإذا كانت تقوى الله هى الأساس فالخسران لفريق من الناس يختلف الذى تضمره قلوبهم عن الذى تنطق به ألسنتهم، أوتوا حلاوة فى صوغ الكلام، يعجبك قولهم فيما يحتالون به على جلب المنفعة فى الحياة الدنيا، ويؤيدون لك بزعمهم بأن الله يعلم صدق قلوبهم فيما تقوله ألسنتهم، وإنهم لأشد الناس خصومة لك وأقساهم عليك. 205- وإذا تولى ولاية يكون له فيها سلطان لا يكون سعيه للإصلاح، بل للإفساد وإهلاك الزرع والنسل، والله لا يحبه، لأن الله تعالى لا يحب الفساد. 206- وإذا نصحت له حينئذٍ بالخوف من الله ثارت فى نفسه الحمية وظن ذلك هدماً لعزته، وحمله على ارتكاب الإثم فيما نهيته عنه لجاجة وعناداً، فحسبه على ذلك عذاب جهنم ولبئس المستقر.
د. أسعد حومد
تفسير : {أُولَـٰئِكَ} (202) - وَهؤلاءِ لَهُمْ نَصِيبٌ مَضْمُونٌ مِمَّا كَسَبُوهُ بِالطَّلَبِ وَالرُّكُونِ إِلَى اللهِ، لا يُبْطِئُ عَلَيْهِمْ، فَاللهُ تَعَالَى سَرِيعُ الحِسَابِ، وَهُوَ يَجْزِي كُلاً بِمَا يَسْتَحِقُّهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والنصيب هو الحظ، وأما "مما كسبوا" فنعرف من قبل أن فيه "كسب" وفيه "اكتساب". والاكتساب فيه افتعال، إنما الكسب هو أمر عادي، ولذلك تجد أن الاكتساب لا يكون إلا في الشر؛ كأن الذي يفعل الشر يتكلف فيه، لكن من يفعل الخير فذلك أمر طبيعي من الإنسان. والمقصود بـ "مما كسبوا" هنا هو الكسب من استيفاء أعمالهم التي فعلوها في الحج إحراماً، وتلبية. وطوافاً، وسعياً، وذهاباً إلى "منى"، وذهاباً إلى "عرفات" ووقوفاً بها، وإفاضة إلى "مزدلفة"، ورمياً للجمار. في "منى"، وطواف إفاضة، وكل هذا كسب للإنسان الذي نال شرف الحج. وعندما نقرأ: {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} [البقرة: 202] فلنفهم أن السرعة هي أن يقل الزمن عن الحدث، فبدلاً من أن يأخذ الحدث منك ساعة، قد تنهيه في نصف ساعة، وكل حدث له زمن،والحدث حين يكون له زمن وتريد أن تقلل زمن الحدث فلابد أن تسرع فيه حتى تنجزه في أقل وقت. وتقليل الزمن يقتضي سرعة الحركة في الفعل، وذلك في الأفعال العلاجية التي تحتاج مُعَالجة، وعملاً من الإنسان، لكن سبحانه يفعل بـ"كُن" ولا يحتاج عمله إلى علاج، وبالتالي لا يحتاج إلى زمن، إذن فهو سريع الحساب؛ لأنه لا يحتاج إلى زمن، ولأنه لا يشغله شأن عن شأن، وهذا هو الفرق بين قدرة الواحد سبحانه وقدرة الحادث؛ لأن الحادث عندما يؤدي عملاً، فهذا العمل يشغله عن غيره من الأعمال، فلا يستطيع أن يؤدي عملين في وقت واحد، لكن الواحد الأحد لا يشغله فعل عن فعل، وبالتالي يفعل ما يريد وقتما يريد ولكل من يريد. ولذلك سُئل الإمام علي بن أبي طالب: كيف يحاسب الله الخلائق جميعاً في لحظة واحدة؟. فقال: "كما يرزقهم في ساعة واحدة". فهو سبحانه الذي يرزقهم، وكما يرزقهم يحاسبهم. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 97 : 104 - قال سفين، كان أصحاب عبد الله يقرءونها {أولئك لهم نصيب مما اكتسبوا}. [الآية 202].
همام الصنعاني
تفسير : 236- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن سعيد بن جبير، قال: أتى رجلٌ إلى ابن عباس فقال: إني أجَّرْت نفسي من قوم، فتركت لهم أُجْرَتي، أو قال: بعض أُجْرَتي، ويخلوا بيني وبين المناسك. قال ابن عباس: هذا من الذين قال الله تعالى: {أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ} [الآية: 202].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):