٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
203
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه لما ذكر ما يتعلق بالمشعر الحرام لم يذكر الرمي لوجهين أحدهما: أن ذلك كان أمراً مشهوراً فيما بينهم وما كانوا منكرين لذلك، إلا أنه تعالى ذكر ما فيه من ذكر الله لأنهم كانوا لا يفعلونه والثاني: لعله إنما لم يذكر الرمي لأن في الأمر بذكر الله في هذه الآيام دليلاً عليه، إذ كان من سننه التكبير على كل حصاة منها ثم قال: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودٰتٍ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: إن الله تعالى ذكر في مناسك الحج الأيام المعدودات، والأيام المعلومات فقال هنا: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودٰتٍ } وقال في سورة الحج: {أية : لّيَشْهَدُواْ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ } تفسير : [الحج: 28] فمذهب الشافعي رضي الله عنه أن المعلومات هي العشر الأول من ذي الحجة آخرها يوم النحر، وأما المعدودات فثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، واحتج على أن المعدودات هي أيام التشريع بأنه تعالى ذكر الأيام المعدودات، والأيام لفظ جمع فيكون أقلها ثلاثة، ثم قال بعده: {فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } وهذا يقتضي أن يكون المراد {فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } من هذه الأيام المعدودات، وأجمعت الأمة على أن هذا الحكم إنما ثبت في أيام منى وهي أيام التشريق، فعلمنا أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق، والقفال أكد هذا بما روى في «تفسيره» عن عبد الرحمن بن نعمان الذيلمي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر منادياً فنادى: «حديث : الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج، وأيام منى ثلاثة أيام فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه»تفسير : وهذا يدل على أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق، قال الواحدي رحمة الله عليه: أيام التشريق هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر أولها: يوم النفر، وهو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة ينفر الناس فيه بمنى والثاني: يوم النفر الأول لأن بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى والثالث: يوم النفر الثاني، وهذه الآيام الثلاثة مع يوم النحر كلها أيام النحر، وأيام رمي الجمار في هذه الأيام الأربعة مع يوم عرفة أيام التبكير إدبار الصلوات على ما سنشرح مذاهب الناس فيه. المسألة الثانية: المراد بالذكر في هذه الأيام: الذكر عند الجمرات، فإنه يكبر مع كل حصاة والذكر إدبار الصلوات والناس أجمعوا على ذلك، إلا أنهم اختلفوا في مواضع: الموضع الأول: أجمعت الأمة على أن التكبيرات المقيدة بإدبار الصلوات مختصة بعيد الأضحى، ثم في ابتدائها وانتهائها خلاف. القول الأول: أنها تبتدأ من الظهر يوم النحر إلى ما بعد الصبح من آخر أيام التشريق فتكون التكبيرات على هذا القول في خمس عشرة صلاة، وهو قول ابن عباس وابن عمر، وبه قال مالك والشافعي رضي الله عنهما في أحد أقواله، والحجة فيه أن الأمر بهذه التكبيرات إنما ورد في حق الحاج، قال تعالى: {أية : فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَاءَكُمْ}تفسير : [البقرة:200] ثم قال: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودٰتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } وهذا إنما يحصل في حق الحاج، فدل على أن الأمر بهذه التكبيرات إنما ورد في حق الحاج، وسائر الناس تبع لهم في ذلك، ثم إن صلاة الظهر هي أول صلاة يكبر الحاج فيها بمنى، فإنهم يلبون قبل ذلك، وآخر صلاة يصلونها بمنى هي صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، فوجب أن تكون هذه التكبيرات في حق غير الحاج مقيد بهذا الزمان. القول الثاني: للشافعي رضي الله عنه أنه يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة النحر، إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وعلى هذا القول تكون التكبيرات بعد ثماني عشرة صلاة. والقول الثالث: للشافعي رضي الله عنه أن يبتدأ بها من صلاة الفجر يوم عرفة، وينقطع بعد صلاة العصر من يوم النحر فتكون التكبيرات بعد ثمان صلوات وهو قول علقمة والأسود والنخعي وأبـي حنيفة. والقول الرابع: أنه يبتدأ بها من صلاة الفجر يوم عرفة، وينقطع بعد صلاة العصر من يوم النحر من آخر أيام التشريق، فتكون التكبيرات بعد ثلاث وعشرين صلاة، وهو قول أكابر الصحابة، كعلي وعمر وابن مسعود وابن عباس، ومن الفقهاء قول الثوري وأبـي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق والمزني وابن شريح، وعليه عمل الناس بالبلدان، ويدل عليه وجوه الأول: ما روى جابر أن النبـي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح يوم عرفة، ثم أقبل علينا فقال: الله أكبر، ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق والثاني: أن الذي قاله أبو حنيفة أخذ بالأقل، وهذا القول أخذ بالأكثر، والتكثير في التكبير أولى لقوله تعالى: {أية : ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً } تفسير : [الأحزاب: 41] الثالث: أن هذا هو الأحوط، لأنه لو زاد في التكبيرات فهو خير من أن ينقص منها والرابع: أن هذه التكبيرات تنسب إلى أيام التشريق، فوجب أن يؤتى بها إلى آخر أيام التشريق. فإن قيل: هذه التكبيرات مضافة إلى الأيام المعدودات وهي أيام التشريق، فوجب أن لا تكون مشروعة يوم عرفة. قلنا: فهذا يقتضي أن لا يكبر يوم النحر وهو باطل بالإجماع، وأيضاً لما كان الأغلب في هذه المدة أيام التشريق؛ صح أن يضاف التكبير إليها. الموضع الثاني: قال الشافعي رضي الله عنه: المستحب في التكبيرات أن تكون ثلاثاً نسقاً أي متتابعاً، وهو قول مالك، وقال أبو حنيفة وأحمد: يكبر مرتين، حجة الشافعي ما روى عبد الله بن محمد بن أبـي بكر بن عمرو بن حزم، قال: رأيت الأئمة يكبرون في أيام التشريق بعد الصلاة ثلاثاً، ولأنه زيادة في التكبير، فكان أولى لقوله تعالى: {ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً } ثم قال الشافعي رضي الله عنه: ويقول بعد الثلاث: «لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد» ثم قال: وما زاد من ذكر الله فهو حسن، وقال في التلبية: وأحب أن لا يزيد على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم، والفرق أن من سنة التلبية التكرار فتكرارها أولى من ضم الزيادة إليها، وههنا يكبر مرة واحدة فتكون الزيادة أولى من السكوت، وأما التكبير على الجمار فقد روي أن النبـي عليه الصلاة والسلام كان يكبر مع كل حصاة، فينبغي أن يفعل ذلك. أما قوله تعالى: {فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ } ففيه سؤالات: السؤال الأول: لم قال فمن تعجل ولم يقل فمن عجل؟. الجواب: قال صاحب «الكشاف»: تعجل واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل، يقال: تعجل في الأمر واستعجل، ومتعديين يقال: تعجل الذهاب واستعجله. السؤال الثاني: قوله: {وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } فيه إشكال، وذلك لأنه إذا كان قد استوفى كل ما يلزمه في تمام الحج، فما معنى قوله: {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } فإن هذا اللفظ إنما يقال في حق المقصر ولا يقال في حق من أتى بتمام العمل. والجواب: من وجوه: أحدها: أنه تعالى لما أذن في التعجل على سبيل الرخصة احتمل أن يخطر ببال قوم أن من لم يجر على موجب هذه الرخصة فإنه يأثم، ألا ترى أن أبا حنيفة رضي الله عنه يقول: القصر عزيمة، والإتمام غير جائز، فلما كان هذا الإحتمال قائماً، لا جرم أزال الله تعالى هذه الشبهة وبين أنه لا إثم في الأمرين، فإن شاء استعجل وجرى على موجب الرخصة، وإن شاء لم يستعجل ولم يجر على موجب الرخصة، ولا إثم عليه في الأمرين جميعاً وثانيها: قال بعض المفسرين: إن منهم من كان يتعجل، ومنهم من كان يتأخر، ثم كل واحد من الفريقين يعيب على الآخر فعله، كان المتأخر يرى أن التعجل مخالفة لسنة الحج، وكان المتعجل يرى أن التأخر مخالفة لسنة الحج، فبين الله تعالى أنه لا عيب في واحد من القسمين ولا إثم، فإن شاء تعجل وإن شاء لم يتعجل وثالثها: أن المعنى في إزالة الإثم عن المتأخر إنما هو لمن زاد على مقام الثلاث، فكأنه قيل: إن أيام منى التي ينبغي المقام بها هي ثلاث، فمن نقص عنها فتعجل في اليوم الثاني منها فلا إثم عليه، ومن زاد عليها فتأخر عن الثالث إلى الرابع فلم ينفر مع عامة الناس فلا شيء عليه ورابعها: أن هذا الكلام إنما ذكر مبالغة في بيان أن الحج سبب لزوال الذنوب وتكفير الآثام وهذا مثل أن الإنسان إذا تناول الترياق، فالطبيب يقول له: الآن إن تناولت السم فلا ضرر، وإن لم تتناول فلا ضرر، مقصوده من هذا بيان أن الترياق دواء كامل في دفع المضار، لا بيان أن تناول السم وعدم تناوله يجريان مجرى واحد، فكذا ههنا المقصود من هذا الكلام بيان المبالغة في كون الحج مكفراً لكل الذنوب، لا بيان أن التعجل وتركه سيان، ومما يدل على كونه الحج سبباً قوياً في تكفير الذنوب قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه»تفسير : وخامسها: أن كثيراً من العلماء قالوا: الجوار مكروه، لأنه إذا جاور الحرم والبيت سقط وقعه عن عينه، وإذا كان غائباً إزداد شوقه إليه، وإذا كان كذلك احتمل أن يخطر ببال أحدنا على هذا المعنى أن من تعجل في يومين فحاله أفضل ممن لم يتعجل، وأيضاً من تعجل في يومين فقد انصرف إلى مكة لطواف الزيارة وترك المقام بمنى، ومن لم يتعجل فقد اختار المقام بمنى وترك الإستعجال في الطواف فلهذا السبب يبقى في الخاطر تردد في أن المتعجل أفضل أم المتأخر؟ فبين الله تعالى أنه لا إثم ولا حرج في واحد منهما وسادسها: قال الواحدي رحمه الله تعالى: إنما قال: {وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } لتكون اللفظة الأولى موافقة للثانية، كقوله: {أية : وَجَزَاءَ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40] وقوله: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة: 194] ونحن نعلم أن جزاء السيئة والعدوان ليس بسيئة ولا بعدوان، فإذا حمل على موافقة اللفظ ما لا يصح في المعنى، فلأن يحمل على موافقة اللفظ ما يصح في المعنى أولى، لأن المبرور المأجور يصح في المعنى نفي الإثم عنه. السؤال الثالث: هل في الآية دلالة على وجوب الإقامة بمنى بعد الإفاضة من المزدلفة؟. الجواب: نعم، كما كان في قوله: {أية : فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَـٰتٍ } تفسير : [البقرة: 198] دليل على وقوفهم بها. واعلم أن الفقهاء قالوا: إنما يجوز التعجل في اليومين لمن تعجل قبل غروب الشمس من اليومين فأما إذا غابت الشمس من اليوم الثاني قبل النفر فليس له أن ينفر إلا في اليوم الثالث لأن الشمس إذا غابت فقد ذهب اليوم، وإنما جعل له التعجل في اليومين لا في الثالث هذا مذهب الشافعي، وقول كثير من فقهاء التابعين، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يجوز له أن ينفر ما لم يطلع الفجر، لأنه لم يدخل وقت الرمي بعد. أما قوله تعالى: {لِمَنِ ٱتَّقَىٰ } ففيه وجوه أحدها: أن الحاج يرجع مغفوراً له بشرط أن يتقي الله فيما بقي من عمره ولم يرتكب ما يستوجب به العذاب، ومعناه التحذير من الاتكال على ما سلف من أعمال الحج فبين تعالى أن عليهم مع ذلك ملازمة التقوى ومجانبة الاغترار بالحج السابق. وثانيها: أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن كان متقياً قبل حجه، كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ } تفسير : [المائدة: 27] وحقيقته أن المصر على الذنب لا ينفعه حجة وإن كان قد أدى الفرض في الظاهر وثالثها: أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن كان متقياً عن جميع المحظورات حال اشتغاله بالحج، كما روي في الخبر من قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من حج فلم يرفث ولم يفسق»تفسير : واعلم أن الوجه الأول من هذه الوجوه التي ذكرناها إشارة إلى اعتباره في الحال والتحقيق أنه لا بد من الكل وقال بعض المفسرين المراد بقوله: {لِمَنِ ٱتَّقَىٰ } ما يلزمه التوقي في الحج عنه من قتل الصيد وغيره، لأنه إذا لم يجتنب ذلك صار مأثوماً، وربما صار عمله محبطاً، وهذا ضعيف من وجهين الأول: أنه تقييد للفظ المطلق بغير دليل الثاني: أن هذا لا يصح إلا إذا حمل على ما قبل هذه الأيام، لأنه في يوم النحر إذا رمى وطاف وحلق، فقد تحلل قبل رمي الجمار فلا يلزمه اتقاء الصيد إلا في الحرم، لكن ذاك ليس للإحرام، لكن اللفظ مشعر بأن هذا الاتقاء معتبر في هذه الأيام، فسقط هذا الوجه. أما قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } فهو أمر في المستقبل، وهو مخالف لقوله: {لِمَنِ ٱتَّقَىٰ } الذي أريد به الماضي فليس ذلك بتكرار، وقد علمت أن التقوى عبارة عن فعل الواجبات وترك المحرمات. فأما قوله: {وَٱعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } فهو تأكيد للأمر بالتقوى، وبعث على التشديد فيه، لأن من تصور أنه لا بد من حشر ومحاسبة ومساءلة، وأن بعد الموت لا دار إلا الجنة أو النار، صار ذلك من أقوى الدواعي له إلى التقوى، وأما الحشر فهو اسم يقع على ابتداء خروجهم من الأجداث إلى انتهاء الموقف، لأنه لا يتم كونهم هناك إلا بجميع هذه الأمور، والمراد بقوله: {إِلَيْهِ } أنه حيث لا مالك سواه ولا ملجأ إلا إياه، ولا يستطيع أحد دفعاً عن نفسه، كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } تفسير : [الإنفطار: 19].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} فيه ست مسائل: الأُولى ـ قال الكوفيون: الألف والتاء في «مَعْدوداتٍ» لأقل العدد. وقال البصريون: هما للقليل والكثير؛ بدليل قوله تعالى: {أية : وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ}تفسير : [سبأ: 37] والغُرفات كثيرة. ولا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي أيام مِنًى، وهي أيام التَّشْريق، وأن هذه الثلاثة الأسماء واقعة عليها، وهي أيام رمي الجِمار، وهي واقعة على الثلاثة الأيام التي يَتعجّل الحاجّ منها في يومين بعد يوم النحر؛ فقف على ذلك. وقال الثعلبيّ وقال إبراهيم: الأيام المعدودات الأيام العشر، والأيام المعلومات أيام النحر وكذا حكى مكّي والمهدويّ أن الأيام المعدودات هي أيام العشر. ولا يصح لما ذكرناه من الإجماع، على ما نقله أبو عمر بن عبد البر وغيره. قال ٱبن عطية: وهذا إما أن يكون من تصحيف النَّسخة، وإما أن يريد العشر الذي بعد النحر؛ وفي ذلك بُعْدٌ. الثانية ـ أمر الله سبحانه وتعالى عباده بذكره في الأيام المعدودات، وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر، وليس يوم النحر منها؛ لإجماع الناس أنه لا يَنْفِر أحدٌ يوم النَّفْر وهو ثاني يوم النحر، ولو كان يوم النحر في المعدودات لساغ أن يَنفِر مَن شاء متعجّلا يوم النَّفْر؛ لأنه قد أخذ يومين من المعدودات. خرّج الدَّارَقُطْنِيّ والترمذيّ وغيرهما عن عبد الرحمن ابن يَعْمَر الدِّيليّ: حديث : أن ناسا من أهل نَجْد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفَةَ فسألوه؛ فأمر منادياً فنادى: «الحج عَرَفَةُ، فمن جاء ليلَة جَمْع قبل طلوع الفجر فقد أدرك، أيامُ مِنىً ثلاثة فمن تَعجَّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخّر فلا إثم عليه»تفسير : ، أي من تَعجَّل من الحاجّ في يومين من أيام مِنى صار مُقامه بمنًى ثلاثة أيام بيوم النحر، ويصير جميع رَمْيِه بتسع وأربعين حصاة، ويسقط عنه رمي يوم الثالث. ومن لم ينفِر منها إلا في آخر اليوم الثالث حصل له بمنًى مقام أربعة أيام من أجل يوم النحر، وٱستوفى العدد في الرّمْي، على ما يأتي بيانه، ومن الدليل على أن أيام مِنًى ثلاثة ـ مع ما ذكرناه ـ قول العَرْجيّ:شعر : ما نَلتقِي إلاّ ثلاثَ مِنًى حتى يُفرِّق بيننا النَّفْر تفسير : فأيام الرّمْي معدودات، وأيام النّحر معلومات. وروى نافع عن ٱبن عمر أن الأيام المعدودات والأيام المعلومات يجمعها أربعة أيام: يوم النحر وثلاثة أيام بعده؛ فيوم النحر معلوم غير معدود، واليومان بعده معلومان معدودان، واليوم الرابع معدود لا معلوم؛ وهذا مذهب مالك وغيره. وإنما كان كذلك لأن الأوّل ليس من الأيام التي تختصّ بمنًى في قوله سبحانه وتعالى: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} ولا من التي عيّن النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : أيامُ مِنًى ثلاثةٌ»تفسير : فكان معلوماً؛ لأن الله تعالى قال: {أية : وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ}تفسير : [الحج: 28]، ولا خلاف أن المراد به النحر، وكان النحر في اليوم الأوُّل وهو يوم الأَضْحَى والثاني والثالث، ولم يكن في الرابع نحرٌ بإجماع من علمائنا؛ فكان الرابع غير مراد في قوله تعالى: «معلومات»، لأنه لا ينحر فيه وكان مما يُرمى فيه؛ فصار معدوداً لأجل الرمي، غير معلوم لعدم النحر فيه. قال ٱبن العربيّ: والحقيقة فيه أن يوم النحر معدود بالرّمْي معلوم بالذّبح، لكنه عند علمائنا ليس مراداً في قوله تعالى: «وَاذْكُرُوا الله في أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ». وقال أبو حنيفة والشافعيّ: الأيام المعلومات العشر من أوّل يوم من ذي الحجة، وآخرها يوم النحر؛ لم يختلف قولهما في ذلك، ورَويَا ذلك عن ٱبن عباس. وروى الطّحاويّ عن أبي يوسف أن الأيام المعلومات أيام النحر؛ قال أبو يوسف: رُوي ذلك عن عمر وعليّ، وإليه أذهب؛ لأنه تعالى قال: {أية : وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ}تفسير : [الحج: 28]. وحكى الكَرْخيّ عن محمد بن الحسن أن الأيام المعلومات أيام النحر الثلاثة: يوم الأضحى ويومان بعده. قال الكِيَا الطبريّ: فعلى قول أبي يوسف ومحمد لا فرق بين المعلومات والمعدودات؛ لأن المعدودات المذكورة في القرآن أيام التشريق بلا خلاف، ولا يشك أحد أن المعدودات لا تتناول أيام العشر؛ لأن الله تعالى يقول: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ}، وليس في العشر حكم يتعلق بيومين دون الثالث. وقد رُوي عن ابن عباس أن المعلومات العشر، والمعدودات أيام التشْريق؛ وهو قول الجمهور. قلت: وقال ٱبن زيد: الأيام المعلومات عشر ذي الحجة وأيام التشريق، وفيه بُعْدٌ، لما ذكرناه، وظاهر الآية يدفعه. وجَعْل الله الذكر في الأيام المعدودات والمعلومات يدل على خلاف قوله، فلا معنى للاشتغال به. الثالثة ـ ولا خلاف أن المخاطب بهذا الذكر هو الحاج، خوطب بالتكبير عند رَمْي الجمار، وعلى ما رُزق من بهيمة الأنعام في الأيام المعلومات وعند أدبار الصلوات دون تَلْبِيَة؛ وهل يدخل غير الحاج في هذا أم لا؟ فالذي عليه فقهاء الأمصار والمشاهير من الصحابة والتابعين على أن المراد بالتكبير كل أحد ـ وخصوصاً في أوقات الصلوات ـ فيكبر عند ٱنقضاء كل صلاة ـ كان المصلي وحده أو في جماعة ـ تكبيراً ظاهراً في هذه الأيام، ٱقتداء بالسَّلَف رضي الله عنهم. وفي المختصر: ولا يكبِّر النساء دُبُرَ الصلوات. والأوّل أشهر، لأنه يلزمها حكم الإحرام كالرجل؛ قاله في المدوّنة. الرابعة ـ ومن نسي التكبير بإثر صلاة كبّر إن كان قريباً، وإن تباعد فلا شيء عليه؛ قاله ٱبن الجلاّب. وقال مالك في المختصر: يكبّر ما دام في مجلسه، فإذا قام من مجلسه فلا شىء عليه. وفي المدوّنة من قول مالك: إن نسي الإمام التكبير فإن كان قريباً قعد فكبّر، وإن تباعد فلا شيء عليه، وإن ذهب ولم يكبر والقوم جلوس فليكبِّروا. الخامسة ـ وٱختلف العلماء في طرفي مدّة التكبير؛ فقال عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب وٱبن عباس: يُكبِّر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التَّشْريق. وقال آبن مسعود وأبو حنيفة: يُكبِّر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر. وخالفاه صاحباه فقالا بالقول الأوّل، قولِ عمر وعليّ وٱبن عباس رضي الله عنهم؛ فٱتفقوا في الابتداء دون الانتهاء. وقال مالك: يكبّر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التَّشْريق؛ وبه قال الشافعيّ، وهو قول ٱبن عمر وٱبن عباس أيضاً. وقال زيد بن ثابت: يُكبِّر من ظهر يوم النحر إلى آخر أيام التَّشْريق. قال ٱبن العربيّ: فأما من قال: يكبِّر يوم عرفة ويقطع العصر من يوم النحر فقد خرج عن الظاهر؛ لأن الله تعالى قال: {فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} وأيامها ثلاثة؛ وقد قال هؤلاء: يُكبِّر في يومين؛ فتركوا الظاهر لغير دليل. وأما من قال يوم عَرفة وأيام التَّشْريق، فقال: إنه قال: {أية : فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ}تفسير : [البقرة: 198]، فذِكْر «عرفات» داخل في ذِكر الأيام، هذا كان يصح لو كان قال: يُكبِّر من المغرب يوم عرفة؛ لأن وقت الإفاضة حينئذ، فأما قبلُ فلا يقتضيه ظاهر اللفظ، ويلزمه أن يكون من يوم التروية عند الحلول بِمنى. السادسة ـ وٱختلفوا في لفظ التكبير؛ فمشهور مذهب مالك أنه يكبر إثر كل صلاة ثلاث تكبيرات؛ رواه زياد بن زياد عن مالك. وفي المذهب رواية: يقال بعد التكبيرات الثلاث: لا إلۤه إلا الله، والله أكبر ولله الحمد. وفي المختصر عن مالك: الله أكبر الله أكبر، لا إلۤه إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد. قوله تعالى: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} فيه إحدى وعشرون مسألة: الأُولى ـ قوله تعالى: {فَمَن تَعَجَّلَ} التعجيل أبداً لا يكون هنا إلا في آخر النهار، وكذلك اليوم الثالث، لأن الرمي في تلك الأيام إنما وقته بعد الزوال. وأجمعوا على أن يوم النحر لا يُرمَى فيه غير جمرة العَقَبة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرمِ يوم النحر من الجمرات غيرها؛ ووقتها من طلوع الشمس إلى الزوال، وكذلك أجمعوا أن وقت رمي الجمرات في أيام التَّشْريق بعد الزوال إلى الغروب؛ وٱختلفوا فيمن رمى جمرة العقبة قبل طلوع الفجر أو بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس؛ فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق: جائز رميُها بعد الفجر قبل طلوع الشمس. وقال مالك: لم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رَخَّص لأحد برمْيٍ قبل أن يطلع الفجر، ولا يجوز رميها قبل الفجر؛ فإن رماها قبل الفجر أعادها؛ وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز رميها، وبه قال أحمد وإسحاق. ورَخَّصت طائفةٌ في الرمي قبل طلوع الفجر؛ رُوى عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت ترمي بالليل وتقول: إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرجه أبو داود. ورُوي هذا القول عن عطاء وٱبن أبي مُلَيْكة وعِكرمة بن خالد، وبه قال الشافعيّ إذا كان الرمي بعد نصف الليل. وقالت طائفة: لا يرمى حتى تطلع الشمس؛ قاله مجاهد والنَّخَعيّ والثوريّ. وقال أبو ثور: إن رماها قبل طلوع الشمس فإن ٱختلفوا فيه لم يجزه، وإن أجمعوا، أو كانت فيه سنَّة أجزأه. قال أبو عمر: أما قول الثوريّ ومن تابعه فحجته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة بعد طلوع الشمس وقال: «حديث : خُذوا عنِّي مناسككم»تفسير : . وقال ٱبن المنذر: السنة ألا ترمى إلا بعد طلوع الشمس، ولا يجزىء الرمي قبل طلوع الفجر؛ فإن رمى أعاد، إذ فاعله مخالف لما سنّه الرسول صلى الله عليه وسلم لأُمّته. ومن رماها بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس فلا إعادة عليه، إذ لا أعلم أحداً قال لا يجزئه. الثانية ـ روى مَعْمَر قال أخبرني هشام بن عُرْوة عن أبيه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمّ سَلمة أن تُصبح بمكة يوم النّحر وكان يومها. قال أبو عمر: ٱختلف على هشام في هذا الحديث؛ فروته طائفة عن هشام عن أبيه مرسلاً كما رواه مَعْمَر، ورواه آخرون عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أُمّ سلمة بذلك مسنداً، ورواه آخرون عن هشام عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أُمّ سلمة مسنداً أيضاً. وكلهم ثقات. وهو يدل على أنها رمتْ الجمرة بمنًى قبل الفجر؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تصبح بمكة يوم النحر، وهذا لا يكون إلا وقد رمت الجمرة بمنًى ليلاً قبل الفجر، والله أعلم. ورواه أبو داود قال حدّثنا هارون بن عبد الله قال حدّثنا ٱبن أبي فُدَيك عن الضحاك بن عثمان عن هشام بن عُروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأُم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليومُ (اليومَ) الذي يَكون رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها. وإذا ثبت فالرّمي بالليل جائز لمن فعله؛ والاختيار من طلوع الشمس إلى زوالها. قال أبو عمر: أجمعوا على أن وقت الاختيار في رمي جمرة العقبة من طلوع الشمس إلى زوالها، وأجمعوا أنه إن رماها قبل غروب الشمس من يوم النحر فقد أجزأ عنه ولا شيء عليه، إلا مالكاً فإنه قال: أستحب له إن ترك جمرة العقبة حتى أمسى أن يُهَرِيق دماً يجىء به من الحلّ. وٱختلفوا فيمن لم يَرْمها حتى غابت الشمس فرماها من الليل أو من الغد؛ فقال مالك: عليه دمٌ، وٱحتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقَّت لرمي الجمرة وقتاً؛ وهو يوم النحر، فمن رمَى بعد غروب الشمس فقد رماها بعد خروج وقتها، ومن فعل شيئاً في الحج بعد وقته فعليه دمٌ. وقال الشافعيّ: لا دم عليه؛ وهو قول أبي يوسف ومحمد، وبه قال أبو ثور؛ حديث : لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له السائل: يا رسول الله، رميتُ بعد ما أمسيتُ فقال: «لا حرج»تفسير : ، قال مالك: من نسي رمي الجمار حتى يمسي فليرم أيّة ساعة ذَكَر من ليل أو نهار، كما يصلي أيّة ساعة ذَكَر، ولا يرمي إلا ما فاته خاصة، وإن كانت جمرة واحدة رماها، ثم يرمي ما رمى بعدها من الجمار؛ فإن الترتيب في الجمار واجب، فلا يجوز أن يشرع في رمي جمرة حتى يكمل رمي الجمرة الأُولى كركعات الصلاة؛ هذا هو المشهور من المذهب. وقيل: ليس الترتيب بواجب في صحة الرمي، بل إذا كان الرمي كله في وقت الأداء أجزأه. الثالثة ـ فإذا مضت أيام الرّمي فلا رمي، فإن ذَكَر بعد ما يَصدرُ وهو بمكة أو بعد ما يخرج منها فعليه الهَدْيُ، وسواء ترك الجمار كلها، أو جمرة منها، أو حصاة من جمرة حتى خرجت أيام منًى فعليه دمٌ. وقال أبو حنيفة: إن ترَك الجمار كلها فعليه دم، وإن ترك جمرة واحدة كان عليه بكل حصاة من الجمرة إطعام مسكين نصف صاع، إلى أن يبلغ دماً فيطعم ما شاء، إلا جمرة العقبة فعليه دم. وقال الأُوزاعيّ: يتَصدَّق إن ترك حصاة. وقال الثوريّ: يطعم في الحصاة والحصاتين والثلاث، فإن ترك أربعة فصاعداً فعليه دم. وقال الليث: في الحصاة الواحدة دم؛ وهو أحد قولي الشافعيّ. والقول الآخر وهو المشهور: إن في الحصاة الواحدة مُدّاً من طعام، وفي حصاتين مُدَّين، وفي ثلاث حصيات دَمٌ. الرابعة ـ ولا سبيل عند الجميع إلى رَمْي ما فاته من الجمار في أيام التشريق حتى غابت الشمس من آخرها، وذلك اليوم الرابع من يوم النحر، وهو الثالث من أيام التَّشْريق، ولكن يجزئه الدم أو الإطعام على حسب ما ذكرنا. الخامسة ـ ولا تجوز البَيْتُوتة بمكة وغيرها عن مِنًى لياليَ التشريق؛ فإن ذلك غير جائز عند الجميع إلا للرِّعاء ولمن وَلِيَ السِّقاية من آل العباس. قال مالك: مَنْ ترك المبيت ليلة من ليالي مِنًى من غير الرِّعاء وأهل السقاية فعليه دم. روى البخاريّ عن ٱبن عمر: أن العباس ٱستأذن النبيّ صلى الله عليه وسلم ليبيت بمكة ليالي مِنًى من أجل سقايته فأذن له. قال ٱبن عبد البر: كان العباس ينظر في السقاية ويقوم بأمرها، ويسقي الحاج شرابها أيام الموسم؛ فلذلك أُرخِص له في المبيت عن مِنًى، كما أُرخِص لرعاء الإبل من أجل حاجتهم لرعي الإبل وضرورتهم إلى الخروج بها نحو المراعي التي تبعد عن مِنًى. وسُمِّيت مِنًى «مِنًى» لما يُمْنَى فيها من الدماء، أي يُراق. وقال ٱبن عباس: إنما سُمِّيت مِنًى لأن جبريل قال لآدم عليه السلام: تمنّ. قال: أتمنّى الجنة؛ فسُمِّيت مِنًى. قال: وإنما سميت جَمْعاً لأنه ٱجتمع بها حواء وآدم عليهما السلام، والجَمْع أيضاً هو المزدلفة، وهو المشعر الحرام، كما تقدّم. السادسة ـ وأجمع الفقهاء على أن المبيت للحاجّ غير الذين رُخِّص لهم ليالي مِنًى بمنى من شعائر الحج ونُسكه. والنظر يوجب على كل مُسْقط لنُسكه دماً؛ قياساً على سائر الحج ونُسكه. وفي الموطّأ: مالك عن نافع عن ٱبن عمر قال: قال عمر: لا يبيتَنَّ أحد من الحاج (ليالي مِنًى) من وراء العقبة. والعَقَبة التي منع عمر أن يبيت أحد وراءها هي العقبة التي عند الجمرة التي يرميها الناس يوم النحر مما يلي مكة. رواه ٱبن نافع عن مالك في المبسوط؛ قال: وقال مالك: ومن بات وراءها ليالي مِنًى فعليه الفدية؛ وذلك أنه بات بغير مِنًى ليالي مِنًى، وهو مبيت مشروع في الحج، فلزم الدم بتركه كالمبيت بالمزدلفة، ومعنى الفِدْيَة هنا عند مالك الهَدْيُ. قال مالك: هو هَدْيٌ يُساق من الحلّ إلى الحرم. السابعة: روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم عن أبيه أن أبا البدَّاح بن عاصم بن عديّ أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرخص لرِعاء الإبل في البيتوتة عن مِنًى يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد، ومن بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النَّفْر. قال أبو عمر: لم يقل مالك بمقتضى هذا الحديث، وكان يقول: يرمون يوم النحر ـ يعني جمرة العقبة ـ ثم لا يرمون من الغد؛ فإذا كان بعد الغد وهو الثاني من أيام التَّشْريق وهو اليوم الذي يتعجّل فيه النَّفر من يريد التعجيل أو من يجوز له التعجيل رموا اليومين لذلك اليوم ولليوم الذي قبله؛ لأنهم يقضون ما كان عليهم، ولا يقضي أحد عنده شيئاً إلا بعد أن يجب عليه؛ هذا معنى ما فسَّر به مالك هذا الحديث في موطّئه. وغيره يقول: لا بأس بذلك كله على ما في حديث مالك، لأنها أيام رمي كلها؛ وإنما لم يجز عند مالك للرعاء تقديم الرمي لأن غير الرعاء لا يجوز لهم أن يرموا في أيام التشريق شيئاً من الجمار قبل الزوال، فإن رمى قبل الزوال أعادها؛ ليس لهم التقديم. وإنما رخص لهم في اليوم الثاني إلى الثالث. قال ٱبن عبد البر: الذي قاله مالك في هذه المسألة موجود في رواية ٱبن جريج قال: أخبرني محمد ٱبن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه أن أبا البَدّاح بن عاصم بن عديّ أخبره أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أرخص للرِّعاء أن يتعاقبوا، فيرموا يوم النحر، ثم يدعوا يوماً وليلة ثم يرمون الغد. قال علماؤنا: ويسقط رمي الجمرة الثالثة عمن تعجل. قال ٱبن أبي زَمِنين يرميها يوم النفْر الأوّل حين يريد التعجيل. قال ابن المَوّاز: يرمي المتعجل في يومين بإحدى وعشرين حصاة، كل جمرة بسبع حصيات، فيصير جميع رميه بتسع وأربعين حصاة، لأنه قد رمى جمرة العقبة يوم النحر بسبع. قال ٱبن المنذر: ويسقط رمي اليوم الثالث. الثامنة ـ روي مالك عن يحيى بن سعيد عن عطاء بن أبي رَباح أنه سمعه يذكر أنه أُرخص للرِّعاء أن يرموا بالليل، يقول في الزمن الأوّل. قال الباجي: «قوله في الزمن الأوّل يقتضي إطلاقه زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم لأنه أوّل زمن هذه الشريعة؛ فعلى هذا هو مرسل. ويحتمل أن يريد به أوّل زمن أدركه عطاء؛ فيكون موقوفاً مسنداً». والله أعلم. قلت: هو مسند من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، خرّجه الدارقطنيّ وغيره، وقد ذكرناه في «المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس»؛ وإنما أُبيح لهم الرمي بالليل لأنه أرفقُ بهم وأحوط فيما يحاولونه من رعي الإبل؛ لأن الليل وقت لا ترعى فيه ولا تنتشر؛ فيرمون في ذلك الوقت. وقد ٱختلفوا فيمن فاته الرمي حتى غربت الشمس؛ فقال عطاء: لا رَمْيَ بالليل إلا لرعاء الإبل، فأما التجّار فلا. ورُوي عن ٱبن عمر أنه قال: من فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرم حتى تطلع الشمس من الغد، وبه قال أحمد وإسحاق. وقال مالك: إذا تركه نهاراً رماه ليلاً، وعليه دم في رواية ٱبن القاسم، ولم يذكر في الموطأ أن عليه دَماً. وقال الشافعيّ وأبو ثور ويعقوب ومحمد: إذا نسي الرمي حتى أمسى يرمي ولا دمَ عليه. وكان الحسن البصري يُرخِّص في رمي الجمار ليلاً. وقال أبو حنيفة: يرمي ولا شيءَ عليه، وإن لم يذكرها من الليل حتى يأتي الغد فعليه أن يرميها وعليه دم. وقال الثوريّ: إذا أخّر الرمي إلى الليل ناسياً أو متعمداً أَهْرق دَماً. قلت: أمّا من رمى من رعاء الإبل أو أهل السِّقاية بالليل فلا دم يجب، للحديث؛ وإن كان من غيرهم فالنظر يوجب الدم لكن مع العمد؛ والله أعلم. التاسعة ـ ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة يوم النحر على راحلته. وٱستحب مالك وغيره أن يكون الذي يرميها راكباً. وقد كان ٱبن عمر وٱبن الزبير وسالم يرمونها وهم مُشاة، ويرمى في كل يوم من الثلاثة بإحدى وعشرين حصاة، يكبر مع كل حصاة، ويكون وجهه في حال رميه إلى الكعبة، ويرتّب الجمرات ويجمعهنّ ولا يفرّقهنّ ولا ينكسهنّ؛ يبدأ بالجمرة الأُولى فيرميها بسبع حَصَيَات رَمْياً ولا يضعها وَضْعاً؛ كذلك قال مالك والشافعيّ وأبو ثور وأصحاب الرأي؛ فإن طرحها طَرْحاً جاز عند أصحاب الرأي. وقال ٱبن القاسم: لا تجزىء في الوجهين جميعاً؛ وهو الصحيح، لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يرميها، ولا يرمي عندهم بحصاتين أو أكثر في مرّة؛ فإن فعل عدّها حصاة واحدة، فإذا فرغ منها تقدّم أمامها فوقف طويلاً للدعاء بما تيسّر. ثم يرمي الثانية وهي الوسطى وينصرف عنها ذات الشمال في بطن المسيل، ويطيل الوقوف عندها للدعاء. ثم يرمي الثالثة بموضع جمرة العقبة بسبع حَصَيات أيضاً، يرميها من أسفلها ولا يقف عندها، ولو رماها من فوقها أجزأه، ويكبر في ذلك كلّه مع كل حصاة يرميها. وسُنّة الذِّكر في رمي الجمار التكبير دون غيره من الذكر، ويرميها ماشياً بخلاف جمرة يوم النحر؛ وهذا كله توقيف رفعه النسائيّ والدَّارقُطْنيّ عن الزُّهريّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رمى الجمرة التي تلي المسجد ـ مسجد مِنًى ـ يرميها بسبع حَصَيات، يكبر كلما رمى بحصاة، ثم تقدّم أمامها فوقف مستقبل القبلة رافعاً يديه يدعو، وكان يطيل الوقوف. ثم يأتي الجمرة الثانية فيرميها بسبع حَصَيات، يكبر كلما رمى بحصاة، ثم ينحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فيقف مستقبل القبلة رافعاً يديه ثم يدعو. ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة فيرميها بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة ثم ينصرف ولا يقف عندها. قال الزُّهْريّ: سمعت سالم بن عبد الله يحدّث بهذا عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: وكان ٱبن عمر يفعله، لفظ الدَّارَقُطْنِيّ. العاشرة ـ وحكم الجمار أن تكون طاهرة غير نجسة، ولا مما رُمي به، فإن رَمى بما قد رُمي به لم يجزه عند مالك، وقد قال عنه ٱبن القاسم: إن كان ذلك في حصاة واحدة أجزأه، ونزلت بٱبن القاسم فأفتاه بهذا. الحادية عشرة ـ وٱستحب أهل العلم أخذها من المُزْدلِفة لا من حَصَى المسجد، فإن أخذ زيادة على ما يحتاج وبقي ذلك بيده بعد الرمي دفنه ولم يطرحه؛ قاله أحمد بن حنبل وغيره. الثانية عشرة ـ ولا تُغْسَل عند الجمهور خلافاً لطاوس، وقد رُوي أنه لو لم يغسل الجمار النجسة أو رمى بما قد رُمي به أنه أساء وأجزأ عنه. قال ٱبن المنذر: يكره أن يرمي بما قد رُمي به، ويجزىء إن رمي به، إذ لا أعلم أحداً أوجب على من فعل ذلك الإعادة، ولا نعلم في شيء من الأخبار التي جاءت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه غسل الحصى ولا أمر بغسله، وقد روينا عن طاوس أنه كان يغسله. الثالثة عشرة ـ ولا يجزىء في الجمار المَدَر ولا شيء غير الحجر؛ وهو قول الشافعيّ وأحمد وإسحاق. وقال أصحاب الرأي: يجوز بالطين اليابس، وكذلك كل شيء رماها من الأرض فهو يجزىء. وقال الثوري: من رمى بالخَزَف والمَدَر لم يُعد الرّمي. قال ٱبن المنذر: لا يجزىء الرّمي إلا بالحصى، لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : عليكم بحصى الخَذْف»تفسير : . وبالحصى رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم. الرابعة عشرة ـ وٱختلف في قدر الحصى؛ فقال الشافعيّ: يكون أصغر من الأنْملة طولاً وعرضاً. وقال أبو ثور وأصحاب الرأي: بمثل حصى الخَذْف، وروينا عن ٱبن عمر أنه كان يرمي الجمرة بمثل بعر الغنم؛ ولا معنى لقول مالك: أكبر من ذلك أحبّ إليّ؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم سنّ الرّمي بمثل حصى الخَذْف، ويجوز أن يرمى بما وقع عليه ٱسم حصاة، وٱتباع السنة أفضل؛ قاله ٱبن المنذر. قلت: وهو الصحيح الذي لا يجوز خلافه لمن ٱهتدى وٱقتدى. روى النَّسائيّ حديث : عن ٱبن عباس قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غَدَاة العقبة وهو على راحلته: «هاتِ ٱلْقُطْ لي ـ فلقطت له حَصَيات هنّ حَصَى الخَذْف، فلما وضعتهنّ في يده قال ـ: بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلوّ في الدِّين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدِّين»تفسير : . فدل قوله: «حديث : وإياكم والغلوّ في الدين»تفسير : على كراهة الرمي بالجِمار الكبار، وأن ذلك من الغلوّ؛ والله أعلم. الخامسة عشرة ـ ومن بقي في يده حصاة لا يدرِي من أيّ الجمار هي جعلها من الأُولى، ورمى بعدهاالوسطى والآخرة؛ فإن طال ٱستأنف جميعاً. السادسة عشرة ـ قال مالك والشافعي وعبد الملك وأبو ثور وأصحاب الرأي فيمن قدّم جمرة على جمرة: لا يجزئه إلا أن يرميَ على الولاء. وقال الحسن وعطاء وبعض الناس: يجزئه. وٱحتج بعض الناس بقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قدّم نُسكاً بين يدي نُسك فلا حرج ـ وقال: ـ لا يكون هذا بأكثر من رجل ٱجتمعت عليه صلوات أو صيام فقضى بعضاً قبل بعض»تفسير : . والأوّل أحوط، والله أعلم. السابعة عشرة: وٱختلفوا في رمي المريض والرمي عنه؛ فقال مالك: يُرْمَى عن المريض والصبيّ اللذين لا يطيقان الرمي، ويتحرى المريض حين رميهم فيكبر سبع تكبيرات لكل جمرة وعليه الهَدْيُ، وإذا صَحَّ المريض في أيام الرّمي رمى عن نفسه، وعليه مع ذلك دمٌ عند مالك. وقال الحسن والشافعيّ وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي: يُرْمَى عن المريض، ولم يذكروا هَدْيا. ولا خلاف في الصبيّ الذي لا يقدر على الرمي أنه يُرْمَى عنه؛ وكان ٱبن عمر يفعل ذلك. الثامنة عشرة ـ روى الدَّارَقُطْنيّ حديث : عن أبي سعيد الخُدْريّ قال قلنا: يا رسول الله، هذه الجمار التي يُرْمَى بها كل عام فنحسب أنها تنقص؛ فقال: «إنه ما تُقبِّل منها رُفع ولولا ذلك لرأيتَها أمثال الجبال». تفسير : التاسعة عشرة ـ قال ٱبن المنذر: وأجمع أهل العلم على أن لمن أراد الخروج من الحاجّ من مِنًى شاخِصاً إلى بلده خارجاً عن الحرم غير مقيم بمكة في النفر الأوّل أن ينفِر بعد زوال الشمس إذا رمى في اليوم الذي يلي يوم النحر قبل أن يمسي؛ لأن الله جل ذكره قال: «فَمَنْ تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلاَ إثْمَ عَلَيْهِ»، فلينفِر من أراد النفر ما دام في شيء من النهار. وقد روينا عن النَّخَعيّ والحسن أنهما قالا: من أدركه العصر وهو بمنًى من اليوم الثاني من أيام التَّشْريق لم ينفِر حتى الغد. قال ٱبن المنذر: وقد يحتمل أن يكونا قالا ذلك ٱستحباباً، والقول الأوّل به نقول، لظاهر الكتاب والسنة. الموفية عشرين ـ وٱختلفوا في أهل مكة هل يَنفِرون النَّفر الأوّل؛ فروينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: من شاء من الناس كلِّهم أن ينفِروا في النَّفر الأوّل، إلا آل خُزيمة فلا ينفرون إلا في النفر الآخر. وكان أحمد بن حَنْبل يقول: لا يعجبني لمن نفر النفر الأوّل أن يقيم بمكة، وقال: أهل مكة أخف، وجعل أحمد وإسحاق معنى قول عمر بن الخطاب (إلا آل خزيمة) أي أنهم أهل حَرَم. وكان مالك يقول في أهل مكة: مَنْ كان له عذر فله أن يتعجّل في يومين، فإن أراد التخفيف عن نفسه مما هو فيه من أمر الحج فلا؛ فرأى التعجيل لمن بَعُدَ قُطْره. وقالت طائفة: الآية على العموم، والرخصة لجميع الناس، أهل مكة وغيرهم، أراد الخارجُ عن مِنًى المقام بمكة أو الشخوص إلى بلده. وقال عطاء: هي للناس عامة. قال ٱبن المنذر: وهو يشبه مذهب الشافعيّ، وبه نقول. وقال ٱبن عباس والحسن وعِكرمة ومجاهد وقتادة والنخعيّ: مَنْ نفر في اليوم الثاني من الأيام المعدودات فلا حرج، ومن تأخّر إلى الثالث فلا حرج؛ فمعنى الآية كل ذلك مباح، وعبّر عنه بهذا التقسيم ٱهتماماً وتأكيداً، إذ كان من العرب من يذمّ المتعجل وبالعكس؛ فنزلت الآية رافعة للجُنَاح في كل ذلك. وقال عليّ بن أبي طالب وٱبن عباس وٱبن مسعود وإبراهيم النخعيّ أيضاً: معنى من تعجّل فقد غفر له، ومن تأخر فقد غفر له؛ وٱحتجوا بقوله عليه السلام: «حديث : من حج هذا البيت فلم يَرفْث ولم يَفْسق خرج من خطاياه كيوم ولدته أُمه»تفسير : . فقوله: «فَلاَ إثْمَ عَلَيْهِ» نفي عام وتبرئة مطلقة. وقال مجاهد أيضاً: معنى الآية؛ من تعجل أو تأخر فلا إثم عليه إلى العام المقبل. وأسْنِد في هذا القول أثرٌ. وقال أبو العالية في الآية: لا إثم عليه لمن ٱتقى بقية عمره؛ والحاج مغفور له ٱلبَتَّةَ، أي ذهب إثمه كله إن ٱتقى الله فيما بقي من عمره. وقال أبو صالح وغيره: معنى الآية لا إثم عليه لمن ٱتقى قتل الصيد، وما يجب عليه تجنّبه في الحج. وقال أيضاً: لمن ٱتقى في حجه فأتى به تاماً حتى كان مبروراً. الحادية والعشرون ـ «مَنْ» في قوله {فَمَن تَعَجَّلَ} رفع بالإبتداء، والخبر «فَلاَ إثْمَ عَلَيْهِ». ويجوز في غير القرآن فلا إثم عليهم؛ لأن معنى «مَنْ» جماعة؛ كما قال جلّ وعزّ: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ}تفسير : [يونس: 42] وكذا {وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ}. واللام من قوله: {لِمَنِ ٱتَّقَىٰ} متعلقة بالغفران، التقدير المغفرة لمن ٱتقى؛ وهذا على تفسير ٱبن مسعود وعليّ. قال قَتَادة: ذكر لنا أن ٱبن مسعود قال: إنما جعلت المغفرة لمن ٱتقى بعد ٱنصرافه من الحج عن جميع المعاصي. وقال الأخفش: التقدير ذلك لمن ٱتقى. وقال بعضهم: لمن ٱتقى يعني قتل الصيد في الإحرام وفي الحَرَم. وقيل التقدير الإباحة لمن ٱتقى؛ روي هذا عن ٱبن عمر. وقيل: السلامة لمن ٱتقى. وقيل: هي متعلقة بالذكر الذي في قوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ} أي الذكر لمن ٱتقى. وقرأ سالم بن عبد الله «فَلاَ ٱثْمَ عَلَيْهِ» بوصل الألف تخفيفاً، والعرب قد تستعمله. قال الشاعر:شعر : إن لـم أُقـاتـل فـٱلبسونـي بُـرْقُعـا تفسير : ثم أمر الله تعالى بالتقوى وذكّر بالحشر والوقوف.
البيضاوي
تفسير : {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودٰتٍ} كبروه في أدبار الصلاة وعند ذبح القرابين ورمي الجمار وغيرها في أيام التشريق. {فَمَن تَعَجَّلَ} فمن استعجل النفر. {فِي يَوْمَيْنِ} يوم القر والذي بعده، أي فمن نفر في ثاني أيام التشريق بعد رمي الجمار عندنا، وقبل طلوع الفجر عند أبي حنيفة. {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} باستعجاله. {وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} ومن تأخر في النفر حتى رمى في اليوم الثالث بعد الزوال، وقال أبو حنيفة: يجوز تقديم رميه على الزوال. ومعنى نفي الإِثم بالتعجيل والتأخير التخيير بينهما والرد على أهل الجاهلية فإن منهم من أثم المتعجل ومنهم من أثم المتأخر. {لِمَنِ ٱتَّقَىٰ} أي الذي ذكر من التخيير، أو من الأحكام لمن اتقى لأنه الحاج على الحقيقة والمنتفع به، أو لأجله حتى لا يتضرر بترك ما يهمه منهما. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في مجامع أموركم ليعبأ بكم. {وَٱعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} للجزاء بعد الإِحياء. وأصل الحشر الجمع وضم المتفرق.
ابن كثير
تفسير : قال ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق، والأيام المعلومات أيام العشر، وقال عكرمة: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِىۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ} يعني: التكبير في أيام التشريق بعد الصلوات المكتوبات: الله أكبر الله أكبر. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن علي عن أبيه، قال: سمعت عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب»تفسير : ، وقال أحمد أيضاً: حدثنا هشام، أخبرنا خالد، عن أبي المليح، عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله»تفسير : ورواه مسلم أيضاً، وتقدم حديث جبير بن مطعم: «حديث : عرفة كلها موقف، وأيام التشريق كلها ذبح»تفسير : وتقدم أيضاً حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي: «حديث : وأيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه»تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم وخلاد بن أسلم قالا: حدثنا هشيم عن عمرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أيام التشريق أيام طعم وذكر الله»تفسير : وحدثنا خلاد بن أسلم، حدثنا روح، حدثنا صالح، حدثني ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منىٰ: «حديث : لا تصوموا هذه الأيام؛ فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل» تفسير : وحدثنا يعقوب حدثنا هشيم عن سفيان بن حسين عن الزهري قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة، فنادى في أيام التشريق، فقال: «حديث : إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله، إلا من كان عليه صوم من هدي»تفسير : زيادة حسنة، ولكن مرسلة، وبه قال هشيم عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عمرو بن دينار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بشر بن سحيم، فنادى في أيام التشريق فقال: «حديث : إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله»تفسير : وقال هشيم عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق، قال: «حديث : وهي أيام أكل وشرب وذكر الله»تفسير : وقال محمد بن إسحاق عن حكيم بن حكيم، عن مسعود بن الحكم الزرقي، عن أمه قالت: لكأني أنظر إلى عليّ على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء حتى وقف على شعب الأنصار، وهو يقول: يا أيها الناس إنها ليست بأيام صيام، إنما هي أيام أكل وشرب وذكر الله، وقال مقسم عن ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق؛ أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة بعده. وروي عن ابن عمر وابن الزبير وأبي موسى وعطاء ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك وإبراهيم النخعي ويحيى بن أبي كثير والحسن وقتادة والسدي والزهري والربيع بن أنس والضحاك ومقاتل بن حيان وعطاء الخراساني ومالك بن أنس وغيرهم مثل ذلك. وقال علي بن أبي طالب: هي ثلاثة: يوم النحر، ويومان بعده، اذبح في أيهن شئت، وأفضلها أولها، والقول الأول هو المشهور، وعليه دلَّ ظاهر الآية الكريمة حيث قال: {فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} فدل على ثلاثة بعد النحر. ويتعلق بقوله: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِىۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ} ذكر الله على الأضاحي، وقد تقدم، وأن الراجح في ذلك مذهب الشافعي رحمه الله، وهو أن وقت الأضحية من يوم النحر إلى آخر التشريق، ويتعلق به أيضاً الذكر المؤقت خلف الصلوات، والمطلق في سائر الأحوال. وفي وقته أقوال للعلماء، أشهرها الذي عليه العمل أنه من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وهو آخر النفر الآخر، وقد جاء فيه حديث رواه الدارقطني، لكن لا يصح مرفوعاً، والله أعلم. وقد ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله كان يكبر في قبته، فيكبر أهل السوق بتكبيره حتى ترتج منىٰ تكبيراً. ويتعلق بذلك أيضاً التكبير وذكر الله عند رمي الجمرات كل يوم من أيام التشريق، وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار؛ لإقامة ذكر الله عز وجل. ولما ذكر الله تعالى النفر الأول والثاني، وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والآفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والموقف، قال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} كما قال: { أية : وَهُوَ ٱلَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}تفسير : [الملك: 24].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ } بالتكبير عند رمي الجمرات {فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودٰتٍ } أي أيام التشريق الثلاثة {فَمَن تَعَجَّلَ } أي استعجل بالنفر من منى {فِى يَوْمَيْنِ } أي في ثاني أيام التشريق بعد رمي جماره {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } بالتعجيل {وَمَن تَأَخَّرَ } بها حتى بات ليلة الثالث ورمى جماره {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } بذلك أي هم مخيرون في ذلك ونفي الإثم {لِمَنِ ٱتَّقَىٰ } الله في حجه لأنه الحاج في الحقيقة {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَاذْكُرُواْ اللهَ فِي أيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} هي أيام منى قول جميع المفسرين، وإن خالف بعض الفقهاء في أن أشرك بين بعضها وبين الأيام المعلومات. {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلآَ إِثْمَ عَلَيْهِ} يعني تعجل النفْر الأول في اليوم الثاني من أيام منى. {وَمَن تَأَخَّرَ} يعني إلى النفْر الثاني، وهو الثالث من أيام منى. {فَلآَ إِثْمَ عَلَيْهِ} وفي الإثم ها هنا، خمسة تأويلات: أحدها: أن من تعجل فلا إثم عليه في تعجله، ومن تأخر فلا إثم عليه في تأخره، وهذا قول عطاء. والثاني: أن من تعجل في يومين، فمغفور له، لا إثم عليه، ومن تأخر فمغفور له، لا إثم عليه، وهذا قول ابن مسعود. والثالث: فلا إثم عليه، إن اتّقى فيما بقي من عمره، وهذا قول أبي العالية، والسدي. والرابع: فلا إثم عليه، إن اتقى في قتل الصيد في اليوم الثالث، حتى يحلّوا أيام التشريق، وهذا قول ابن عباس. والخامس: فلا إثم عليه، إن اتقى إصابة ما نُهِي عنه، فيغفر له ما سلف من ذنبه، وهذا قول قتادة. فأما المراد بذكر الله تعالى في الأيام المعدودات، فهو التكبير فيها عقب الصلوات المفروضات، وَاخْتُلِفَ فيه على أربعة مذاهب: أحدها: أنه تكبير من بعد صلاة الصبح، يوم عرفة، إلى بعد صلاة العصر، من آخر أيام التشريق، وهذا قول علي رضي الله عنه، وبه قال من الفقهاء أبو يوسف، ومحمد. والثاني: أنه تكبير من صلاة الفجر، من يوم عرفة، إلى صلاة العصر، من يوم النحر، وهذا قول ابن مسعود، وبه قال من الفقهاء أو حنيفة. والثالث: أنه يكبر من بعد صلاة الظهر، من يوم النحر، إلى بعد صلاة العصر، من آخر أيام التشريق، وهذا قول زيد بن ثابت. والرابع: أنه يكبر من بعد صلاة الظهر، من يوم النحر، إلى آخر صلاة الصبح، من آخر التشريق، وهذا قول عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وبه قال من الفقهاء الشافعي.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَّعْدُودَاتٍ} أيام منى إجماعاً وإن شرك بعضهم بين بعضها وبين الأيام المعلومات. {تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ} النَّفْر الأول. {وَمَن تَأَخَّرَ} النَّفْر الثاني. {فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ} في تعجله ولا تأخره، أو يغفر لكل واحد منهما، أو لا إثم عليه إن أتقى فيما بقي من عمره، أو لا إثم عليه إن اتقى قتل الصيد في الثالث من أيام التشريق، أو إن اتقى ما نُهِي عنه غُفر له ما تقدم من ذنبه. {وَاذْكُرُواْ اللَّهَ} بالتكبير في الأيام المعدودات من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر آخر أيام التشريق، أو من الفجر يوم عرفة إلى العصر يوم النحر، أو من الظهر يوم النحر إلى بعد العصر آخر أيام التشريق، أو بعد صلاة الصبح من آخر التشريق.
النسفي
تفسير : {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودٰتٍ } هي أيام التشريق وذكر الله فيها التكبير في أدبار الصلوات وعند الجمار {فَمَن تَعَجَّلَ } فمن عجل في النفر أو استعجل النفر. وتعجل واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل. يقال تعجل في الأمر واستعجل ومتعديين يقال تعجل الذهاب واستعجله والمطاوعة أوفق لقوله و«من تأخر» {فِى يَوْمَيْنِ } من هذه الأيام الثلاثة فلم يمكث حتى يرمي في اليوم الثالث واكتفى برمي الجمار في يومين من هذه الأيام الثلاثة {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } فلا يأثم بهذا التعجل {وَمَن تَأَخَّرَ } حتى رمى في اليوم الثالث {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ } الصيد أو الرفث والفسوق أو هو مخير في التعجل. والتأخر وإن كان التأخر أفضل فقد يقع التخيير بين الفاضل والأفضل كما خير المسافر بين الصوم والإفطار وإن كان الصوم أفضل. وقيل: كان أهل الجاهلية فريقين منهم من جعل المتعجل آثماً ومنهم من جعل المتأخر آثماً فورد القرآن بنفي المأثم عنهما {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في جميع الأمور {وَٱعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } حين يبعثكم من القبور. كان الأخنس بن شريق حلو المنطق إذا لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألان له القول وادعى أنه يحبه وأنه مسلم وقال يعلم الله أني صادق فنزل فيه. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ } يروقك ويعظم في قلبك ومنه الشيء العجيب الذي يعظم في النفس {فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } «في» يتعلق بالقول أي يعجبك ما يقول في معنى الدنيا لأنه يطلب بادعاء المحبة حظ الدنيا ولا يريد به الآخرة، أو بـ «يعجبك» أي يعجبك حلو كلامه في الدنيا لا في الآخرة لما يرهقه في الموقف من الحبسة واللكنة {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ } أي يحلف ويقول الله شاهد على ما في قلبي من محبتك ومن الإسلام {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ } شديد الجدال والعداوة للمسلمين، والخصام والمخاصمة والإضافة بمعنى في لأن «أفعل» يضاف إلى ما هو بعضه تقول: زيد أفضل القوم ولا يكون الشخص بعض الحدث فتقديره ألد في الخصومة، أو الخصام جمع خصم كصعب وصعاب والتقدير: وهو أشد الخصوم خصومة. {وَإِذَا تَوَلَّىٰ } عنك وذهب بعد إلانة القول وإحلاء المنطق {سَعَىٰ فِى ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ } كما فعل بثقيف فإنه كان بينه وبينهم خصومة فبيتهم ليلاً وأهلك مواشيهم وأحرق زروعهم {فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ } أي الزرع والحيوان، أو إذا كان والياً فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل. وقيل: يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الخرث والنسل. {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ } للأخنس {ٱتَّقِ ٱللَّهَ } في الإفساد والإهلاك {أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإثْمِ } حملته النخوة وحمية الجاهلية على الإثم الذي ينهى عنه وألزمته ارتكابه، أو الباء للسبب أي أخذته العزة من أجل الإثم الذي في قلبه وهو الكفر {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ } أي كافيه {وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } أي الفراش جهنم. ونزل في صهيب حين أراده المشركون على ترك الإسلام وقتلوا نفراً كانوا معه فاشترى نفسه بماله منهم وأتى المدينة، أو فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يقتل {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ } يبيعها {ٱبْتِغَاء } لابتغاء {مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ رَءُوفٌ بِٱلْعِبَادِ } حيث أثابهم على ذلك {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسّلْمِ } وبفتح السين حجازي وعلي، وهو الاستسلام والطاعة أي استسلموا لله وأطيعوه أو الإسلام، والخطاب لأهل الكتاب لأنهم آمنوا بنبيهم وكتابهم، أو للمنافقين لأنهم آمنوا بألسنتهم {كَافَّةً } لا يخرج أحد منكم يده عن طاعته حال من الضمير في «ادخلوا» أي جميعاً، أو من السلم لأنها تؤنث كأنهم أمروا أن يدخلوا في الطاعات كلها، أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها، وكافة من الكف كأنهم كفوا أن يخرج منهم أحد باجتماعهم {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } وساوسه {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهر العداوة {فَإِن زَلَلْتُمْ } ملتم عن الدخول في السلم {مّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ } أي الحجج الواضحة والشواهد اللائحة على أن ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق {فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } غالب لا يمنعه شيء من عذابكم {حَكِيمٌ } لا يعذب إلا بحق. ورُوي أن قارئاً قرأ «غفور رحيم» فسمعه أعرابي لم يقرأ القرآن فأنكره وقال ليس هذا من كلام الله إذ الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل والعصيان لأنه إغراء عليه. {هَلْ يَنظُرُونَ } ما ينتظرون {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ } أي أمر الله وبأسه كقوله: {أية : أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبّكَ }تفسير : [النحل: 33]. {أية : فَجَاءهَا بَأْسُنَا }تفسير : [الأعراف: 4] أو المأتي به محذوف بمعنى أن يأتيهم الله ببأسه للدلالة عليه بقوله: «فاعلموا أن الله عزيز» {فِي ظُلَلٍ } جمع ظلة وهي ما أظلك {مِّنَ ٱلْغَمَامِ } الحساب. وهو للتهويل إذ الغمام مظنة الرحمة أنزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول {وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ } أي وتأتي الملائكة الذين وكلوا بتعذيبهم أو المراد حضورهم يوم القيامة {وَقُضِىَ ٱلأَمْرُ } أي وتم أمر إهلاكهم وفرغ منه {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } أي أنه ملّك العباد بعض الأمور فترجع إليه الأمور يوم النشور. «ترجع الأمور» حيث كان: شامي وحمزة وعلي. {سَلْ } أصله اسأل فنقلت فتحة الهمزة إلى السين بعد حذفها واستغني عن همزة الوصل فصار «سل». وهو أمر للرسول أو لكل أحد وهو سؤال تقريع كما يسأل الكفرة يوم القيامة. {بَنِى إِسْرٰءِيلَ كَمْ آتَيْنَـٰهُم مّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ } على أيدي أنبيائهم وهي معجزاتهم أو من آية في الكتب شاهدة على صحة دين الإسلام. و«كم» استفهامية أو خبرية {وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ } هي آياته وهي أجل نعمة من الله لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة وتبديلهم إياها، إن الله أظهرها لتكون أسباب هداهم فـجعلوها أسباب ضلالتهم كقوله {أية : فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ } تفسير : [التوبة: 125] أو حرفوا آيات الكتب الدالة على دين محمد عليه السلام {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ } من بعد ما عرفها وصحت عنده لأنه إذا لم يعرفها فكأنها غائبة عنه {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } لمن استحقه. {زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } المزين هو الشيطان زين لهم الدنيا وحسنها في أعينهم بوساوسه وحببها إليهم فلا يريدون غيرها، أو الله تعالى يخلق الشهوات فيهم ولأن جميع الكائنات منه ويدل عليه قراءة من قرأ «زين للذين كفروا الحياة الدنيا» {وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين كابن مسعود وعمار وصهيب ونحوهم أي لا يريدون غير الدنيا وهم يسخرون ممن لا حظ له فيها أو ممن يطلب غيرها {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ } عن الشرك وهم هؤلاء الفقراء {فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } لأنهم في جنة عالية وهم في نار هاوية {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } بغير تقتير يعني أنه يوسع على من أراد التوسعة عليه كما وسع على قارون وغيره، وهذه التوسعة عليكم من الله لحكمة وهي استدارجكم بالنعمة ولو كانت كرامة لكان المؤمنون أحق بها منكم {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً } متفقين على دين الإسلام من آدم إلى نوح عليهما السلام، أو هم نوح ومن كان معه في السفينة فاختلفوا {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ } ويدل على حذفه قوله تعالى: {أية : لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } تفسير : [البقرة: 213] وقراءة عبد الله «كان الناس أمة واحدة فاختلفوا» وقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَٱخْتَلَفُواْ }تفسير : [يونس: 19] أو كان الناس أمة واحدة كفاراً فبعث الله النبيين فاختلفوا عليهم والأول الأوجه {مُبَشّرِينَ } بالثواب للمؤمنين {وَمُنذِرِينَ } بالعقاب للكافرين وهما حالان {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } أي مع كل واحد منهم كتابه {بِٱلْحَقّ } بتبيان الحق {لِيَحْكُمَ } الله أو الكتاب أو النبي المنزل عليه {بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } في دين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق. {وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ } في الحق {إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ } أي الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف أي ازدادوا في الاختلاف لما أنزل عليهم الكتاب {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ } على صدقه {بَغْياً بَيْنَهُمْ } مفعول له أي حسداً بينهم وظلماً لحرصهم على الدنيا وقلة إنصاف منهم {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } أي هدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف فيه {مِنَ ٱلْحَقِّ} بيان لما اختلفوا فيه {بِإِذْنِهِ } بعلمه {وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَاء إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } {أَمْ حَسِبْتُمْ } أم منقطعة لا متصلة لأن شرطها أن يكون قبلها همزة الاستفهام كقولك «أعندك زيد أم عمرو» أي أيهما عندك؟ وجوابه زيد إن كان عنده زيد، أوعمرو إن كان عنده عمرو. وأما «أم» المنقطعة فتقع بعد الاستفهام وبعد الخبر وتكون بمعنى بل والهمزة، والتقدير: بل أحسبتم ومعنى الهمزة فيها للتقرير وإنكار الحسبان واستبعاده. لما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف على النبيين بعد مجيء البينات تشجيعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على الثبات والصبر مع الذين اختلفوا عليه من المشركين وأهل الكتاب وإنكارهم لآياته وعداوتهم له، قال لهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ أم حسبتم {أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم } أي ولم يأتكم وفي «لما» معنى التوقع يعني أن إتيان ذلك متوقع منتظر. {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ } مضوا أي حالهم التي هي مثل في الشدة {مِن قَبْلِكُمْ } من النبيين والمؤمنين {مَسَّتْهُمْ } بيان للمثل وهو استئناف كأن قائلاً قال: كيف كان ذلك المثل فقيل: مستهم {ٱلْبَأْسَاء } أي البؤس {وَٱلضَّرَّاء } المرض والجوع {وَزُلْزِلُواْ } وحركوا بأنواع البلايا وأزعجوا إزعاجاً شديداً شبيهاً بالزلزلة {حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ } إلى الغاية التي قال الرسول ومن معه من المؤمنين فيها {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ } أي بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك، ومعناه طلب النصر وتمنيه واستطالة زمان الشدة فقيل لهم {أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ } إجابة لهم إلى طلبهم من عاجل النصر. «يقول» بالرفع: نافع على حكاية حال ماضية نحو «شربت الإبل حتى يجـيء البعير يجر بطنه». وغيره بالنصب على إضمار «أن» ومعنى الاستقبال لأن «أن» علم له. ولما قال عمرو بن الجموح وهو شيخ كبير وله مال عظيم: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ نزل.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ...}. الأمر إما خاص (بالحاج) أو عام لأن سائر الناس أيضا يكبّرون في تلك الأيام غير أنّ الحجاج يكبرون في كل النهار وغيرهم يكبّر دبر (كل) صلاة فقط، وقد كان عمر يرفع صوته بالتكبير في (خبائِه) فيكبّر من خلفه ثم يكبر النّاس كلّهم حتى (يُسْمَع) التكبير من مكة. (وقيل) هل الأمر للوجوب أو للندب؟ قال: إن أريد مطلق الذكر فهو للوجوب وإن أريد الذكر الخاص في الوقت الخاص فهو للندب، وأما للإباحة (فلا). وقوله "مَّعْدُودَاتٍ" أخذوا منه أن الواحد عدد لأنه جمع مفرده معدود. وأجيب بأن الشيء في نفسه ليس كهو مع غيره فالمجموع عدد والبعض غير عدد. قوله تعالى: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ}. (تُؤول) بأمرين إما نفي للإثم حقيقة أو إثبات الأجر له والثواب (لأن الثواب) كان حاصلا (بالإقامة) لأن الذكر معلوم أنه يحصل الثواب فما يبقى إلا توهم الوقوع في الإثم هنا (لما كان) الجاهلية يعتقدون. (فنفي) ما يتوهم وبقي ما عداه ثابتا بالأصالة وهو حصول الثواب على الذكر. قيل لابن عرفة: والآية تدلّ على ترك العمل (بمفهوم) العدد لأن مفهومها أن المتعجل في أقل من يومين مأثوم، مع أن التأخير سنة وتارك السنة غير مأثوم؟ فقال: إمّا أن نفرّع على أن تارك السنن متعمدا مأثوم وتقدم نظيره في الوتر، أو نقول: معنى "لاَ إِثْمَ" أي له الثواب. قيل للإمام: ففيه حجة للقائل بأن تارك السّنن متعمّدا مأثوم؟ قال: لا حجة فيه لاحتمال أن يراد بنفي الإثم حصول الثواب. قوله تعالى: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}. في ظاهره دليل على أنّ الحشر بإعادته هذه (الأجساد) بعينها. قيل لابن عرفة: وفيه دليل على ذم التقليد؟ فقال: يقال الحاصل للمقلد علم لا ظن.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ }. أَمَرَ اللَّه سبحانه بذكْره في الاْيام المعدوداتِ، وهي الثلاثة الَّتي بعد يَوْم النحر، ومن جملة الذكْر التكبيرُ في إِثْر الصَّلواتِ. قال مالك: يكبِّر من صلاة الظُّهْر يوم النَّحْر إِلى صلاة الصُّبْح من آخر أيام التَّشْريق، وبه قال الشافعيُّ، ومشهور مذهبِ مالكٍ، أنه يكبِّر إِثْر كلِّ صلاةٍ ثلاثَ تكْبيراتٍ. ومن خواصِّ التكبير وبركتِهِ ما رواه ابن السُّنِّيِّ، بسنده، عن عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إِذَا رَأَيْتُمُ الحَرِيقَ، فَكَبِّرُوا؛ فَإِنَّ التَّكْبِيرَ يُطْفِئُهُ»تفسير : انتهى من «حلية النوويِّ». وقوله تعالى: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ...} الآية: قال ابنُ عبَّاس وغيره: المعنى: من نَفَر اليوم الثَّاني من الأيام المعدوداتِ، فلا حرج عليه، ومن تأخَّر إِلى الثالث، فلا إِثم عليه، كلُّ ذلك مباحٌ؛ إِذ كان من العربِ مَنْ يذمُّ المتعجِّل وبالعكْس، فنزلَتِ الآية رافعةً للجُنَاحِ قُلْتُ: وأهل مكة في التعجيلِ كغيرهم على الأصحِّ. ثم أمر سبحانه بالتقْوَىٰ، وذكَّر بالحَشْر، والوقوفِ بين يَدَيْهِ. وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا...} الآية. قال السُّدِّيُّ: نزلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شريقٍ: أظهر الإِسلام، ثم هَرَب، فمرَّ بقومٍ من المسلمين، فأحرق لهم زرعاً، وقتل حُمُراً. قال: * ع *: ما ثبت قطُّ أن الأخنس أسلم، قُلْتُ: وفي ما قاله: * ع *: نَظَرٌ، ولا يلزم من عدم ثبوتِهِ عِنْده ألاَّ يثبت عنْد غيره، وقد ذكر أحمدُ بن نصرٍ الدَّاووديُّ في تفسيره؛ أنَّ هذه الآية نزلَتْ في الأخْنَس بْنِ شريق. انتهى، وسيأتي للطبريِّ نحوه. وقال قتادةُ، وجماعة: نزلَتْ هذه الآيةُ في كل مُبْطِن كُفْرٍ، أو نفاقٍ، أو كذبٍ، أو ضرارٍ، وهو يظهر بلسانه خلافَ ذلك، فهي عامَّة، ومعنى: {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ}، أي: يقول: اللَّه يعلم أنِّي أقول حقًّا، والأَلَدُّ: الشديدُ الخصومةِ الذي يَلْوِي الحجج في كل جانبٍ، فيشبه انحرافُه المَشْيَ في لَدِيديِ الوَادِي. وعنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الخَصْمُ».تفسير : و {تَوَلَّىٰ } و {سَعَىٰ }: يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكونا فِعْلَ قَلْبٍ، فيجيء «تَوَلَّىٰ» بمعنى: ضَلَّ وغَضِبَ وأنف في نَفْسه، فسعَىٰ بِحِيَلِهِ وإِدارته الدوائر علَى الإِسلام؛ نحا هذا المنحَىٰ في معنى الآية ابْنُ جُرَيْج، وغيره. والمعنى الثاني: أن يكونا فِعْلَ شخصٍ، فيجيء «تَوَلَّى» بمعنى: أدبر ونَهَض وسَعَىٰ، أي: بقدميه، فقطع الطريقَ وأفسدها، نحا هذا المنحَى ٱبْنُ عبَّاس وغيره. وقوله تعالى: {وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ}: قال الطبريُّ: المراد الأخنَسُ في إِحراقه الزرْعَ، وقتلِهِ الحُمُرَ؛ قال: * ع *: والظاهر أن الآية عبارةٌ عن مبالغته في الإِفساد. و {لاَ يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ} معناه: لا يحبُّه من أهل الصَّلاح، أو لا يحبُّه دِيناً، وإِلا فلا يقع إِلاَّ ما يحبُّ اللَّه وقوعه، والفسادُ: واقعٌ، وهذا علَىٰ ما ذهب إِليه المتكلِّمون من أنَّ الحُبَّ بمعنى الإِرادة. قال: * ع *: والحُبُّ له على الإِرادة مزيَّة إِيثارٍ؛ إِذ الحبُّ من اللَّه تعالى إِنما هو لما حَسُنَ من جميع جهاته.
ابن عادل
تفسير : قوله: "مَعْدُودَاتٍ": صفة لأيام، وقد تقدَّم أن صفة ما لا يعقل يطَّرد جمعها بالألف والتاء، وقد ذكر أبو البقاء هنا سؤالاً؛ فقال: إن قيل "الأيَّام" واحدها "يَوْم" و"المَعْدُودَات" واحدتها "مَعْدُودَةٌ"، واليوم لا يوصف بمعدودة، لأنَّ الصفة هنا مؤنثة، والموصوف مذكَّر، وإنما الوجه أن يقال: "أَيَامٌ مَعْدُودَةٌ" فتصف الجمع بالمؤنث، فالجواب أنه أجرى "مَعْدُودَاتٍ"، على لفظ "أَيَّام"، وقابل الجمع بالجمع مجازاً، والأصل "مَعْدُودَة"؛ كما قال: {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً}تفسير : [البقرة: 80]، ولو قيل: إن الإيام تشتمل على السَّاعات، والساعة مؤنَّثة، فجاء الجمع على معنى ساعات الأيَّام، وفيه تنبيه على الأمر بالذِّكر في كلِّ ساعات هذه الأيام، أو في معظمها، لكان جواباً سديداً، ونظير ذلك الشهر والصَّيف والشتاء؛ فإنها يجاب بها عن "كَمْ"، و"كَمْ" إنما يجاب عنها بالعدد، وألفاظ هذه الأشياء ليست عدداً، وإنما هي أسماء المعدودات، فكانت جواباً من هذا الوجه. قال شهاب الدين وهذا تطويل من غير فائدةٍ، وقوله" مفرد معدوداتٍ معودةٌ بالتأنيث" ممنوعٌ، بل مفردها "مَعْدُود" بالتذكير، ولا يضرُّ جمعه بالألف والتاء، إذ الجمع بالألف والتاء لا يستدعي تأنيث المفرد؛ ألا ترى إلى قولهم: حمَّامات وسجلاَّت وسرادقات. قال الكوفيُّون: الألف والتَّاء في "مَعْدُودَاتٍ" لأقلِّ العدد. وقال البصريُّون: هما للقليل والكثير؛ بدليل قوله تعالى: {أية : وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ}تفسير : [سبأ: 37] والغرفات كثيرة. فصل اعلم أنّ الله - تعالى - لمّا ذكر المشعر الحرام، لم يذكر الرَّمي لوجهين: أحدهما: أنّ ذلك كان أمراً مشهوراً عندهم، وكانوا منكرين لذلك إلاّ أنّه - تعالى - ذكر ما فيه من ذكر الله - تعالى -؛ لأنهم كانوا لا يفعلونه. الثاني: لعلَّه إنما لم يذكر الرَّمي؛ لأن في الأمر بذكر الله في هذه الأيَّام دليلاً عليه؛ إذ كان من سنَّته التكبير على كلِّ حصاةٍ. فصل قال هنا: في أيَّام معدوداتٍ، وفي سورة الحجِّ: {أية : وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ}تفسير : [الحج: 28]، فقال أكثر أهل العلم، الأيَّام المعلومات: عشر ذي الحجَّة، آخرهن يوم النَّحر. والمعدودات: هي أيَّام التَّشريق؛ وهي أيَّام منى، ورمي الجمار، وسمِّيت معدودات لقلَّتهن؛ كقوله: {أية : دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ}تفسير : [يوسف: 20] ولقوله تعالى بعده: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ}، وأجمعت الأمَّة على أنّ هذا الحكم إنّما يثبت في أيَّام منى؛ وهي أيَّام التَّشريق. قال الواحديّ - رحمه الله -:أيَّام التَّشريق ثلاثة أيَّام بعد يوم النَّحر: أولها: يوم النَّفر؛ وهو الحادي عشر من ذي الحجَّة، يستقرُّ النَّاس فيه بمنًى. والثاني: يوم النَّفر الأول؛ لأن بعض النَّاس ينفرون في هذا اليوم من منًى. والثَّالث: يوم النَّفر الثَّاني: وهذه الأيّام الثّلاثة مع يوم النَّحر كلُّها أيَّام النَّحر، وعند أحمد - رحمه الله -:عند آخر وقت النَّحر إلى يومين من أيَّام التَّشريق، وأيّام التَّشريق مع يوم النَّحر أيام رمي الجمار؛ وأيّام التكبير أدبار الصَّلوات. واستدلَّ القفَّال على أنّ الأيَّام المعدودات هي أيَّام التَّشريق بما روى عبد الرَّحمن بن يعمر الدئلي؛ أنّ رسول الله صلى الله عيله وسلم أمر منادياً فنادى، "الحَجُّ عَرَفَةُ، من جَاء لَيْلَة جمْعٍ قبل طُلُوعِ الفَجْرِ، فقد أدرك الحجَّ، وأيّام منىً ثلاثَة أيّام، فمن تَعَجَّل في يَوْمَيْن فلا إثْمَ عَلَيْه، ومن تَأَخَّر فلا إثْمَ عَلَيْه، وهذا يدلُّ على أنّ الأيَّام المعدودات هي أيَّام التَّشريق. وروي عن ابن عبَّاس: "المَعْلُومَات" يوم النَّحر ويومان بعده، و"المَعْدُودَات" أيام التَّشريق. وعن علي - رضي الله عنه - قال: "المَعْلُومَات يوم النَّحْرِ وثَلاَثَة بَعْدَه". وروى عطاء عن ابن عباس: "المَعْلُومات يوم عَرَفَة والنَّحْر وأيّام التَّشْرِيق". وقال محمد بن كعب: هما شيء واحد، وهي أيَّام التَّشريق، وروي عن نبيشة الهذلي؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيَّام التَّشْرِيق أيّام أَكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرِ اللَّهِ، ومن الذِّكْر في أيَّام التَّشْرِيقِ التكْبِير " تفسير : فصل اعلم أنّ المراد بالذكر في هذه الأيَّام: التكبير عند رمي الجمرات، وأدبار الصلوات. وروي عن عمر، وعبد الله بن عمر؛ أنّهما كانا يكبِّران بمنًى تلك الأيّام خلف الصَّلوات، وفي المجلس، وعلى الفراش والفسطاط، وفي الطَّريق، ويكبِّر النَّاس بتكبيرهما، ويتلوان هذه الآية. وذهب الجمهور إلى أنّ التكبير عقيب الصَّلوات مختصٌّ بعيد الأضحى، [في حق الحاجِّ وغيره. وذهب أحمد - رحمه الله - إلى أنّه يستحبُّ التكبير ليلة العيدين]. واختلفوا في ابتدائه وانتهائه. فقال مالك الشَّافعي: يكبِّر المحرم وغيره عقيب الصَّلوات، من صلاة الظُّهر من يوم النَّحر، إلى بعد صلاة الصُّبح من آخر أيَّام التَّشريق، وهو قول ابن عبَّاس، وابن عمر؛ لأن التكبير إنَّما ورد في حقِّ الحاجِّ والنَّاس تبعٌ لهم، وذكر الحاجِّ قبل هذا الوقت هو التَّلبية، وهي تنقطع مع ابتداء الرَّمي. وقال أحمد - رحمه الله -: يكبّر المحرم من صلاة الظُّهر يوم النَّحر إلى آخر أيَّام التَّشريق، روي ذلك عن علي وبه قال مكحول وأبو يوسف، وروي هذا القول عن بعضهم في حقّ المحرم أيضاً، روي عن علي وعمر وابن مسعود وابن عبَّاس. وقال أبو حنيفة: يكبر المحرم وغيره من صلاة الصُّبح يوم عرفة، إلى بعد العصر يوم النَّحر، روى ذلك عن ابن مسعود وعلقمة والأسود والنَّخعي. وللشافعي قول آخر: أنّه يبتدئ من صلاة المغرب ليلة النَّحر، إلى صلاة الصُّبح من آخر أيام التَّشريق، وله قول ثالث: أنّه يبتدئ من صلاة الصُّبح يوم عرفة إلى العصر من يوم النَّحر؛ وهو كقول أبي حنيفة - رضي الله عنه -. فإن قيل: التكبير مضاف إلى الأيَّام المعدودات وهي أيّام التَّشريق، فينبغي ألاَّ تكون مشروعةً يوم عرفة. فالجواب: أنّ هذا يقتضي ألاَّ يكون يوم النَّحر داخلاً فيها وهو خلاف الإجماع. وصفة التكبير عند أهل العراق شفعاً: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، روي ذلك عن ابن مسعود - رضي الله عنهما - وهو قول أحمد. وقال أهل المدينة: صفة التكبير: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثاً نسقاً، وهو قول سعيد بن جبير والحسن، وبه قال مالك والشَّافعي وأبو حنيفة، ويقول بعده: لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. قوله تعالى: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} "مَنْ" يجوز فيها وجهان: أحدهما: أن تكون شرطيةٌ، فـ"تَعَجَّلَ" في محلِّ جزمٍ، والفاء في قوله: "فَلاَ" جواب الشرط والفاء وما في حَيِّزها في محلِّ جزم أيضاً على الجواب. والثاني: أنها موصولة بـ"تَعَجَّلَ" فلا محلَّ لـ"تَعَجَّلَ"؛ لوقوعه صلةً، ولفظه ماضٍ، ومعناه يحتمل المضيَّ والاستقبال؛ لأنَّ كلَّ ما وقع صلةً، فهذا حكمه؛ والفاء في "فَلاَ" زائدة في الخبر، وهي وما بعدها في محلِّ رفع خبراً للمبتدأ. قال القرطبي: "مَنْ" في قوله: "فَمَنْ تَعَجَّلَ" رفع بالابتداء، والخبر "فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ"، ويجوز في غير القرآن، فلا إثْمَ عَلَيْهِم؛ لأن معنى "مَنْ" جماعة؛ كقول - تبارك وتعالى -:{أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ}تفسير : [يونس: 42]، وكذلك "مَنْ تأَخَّرَ". و"في يَوْمَيْنٍ" متعلِّق بـ"تَعَجَّلَ" ولا بدَّ من ارتكاب مجازٍ؛ لأن الفعل الواقع في الظرف المعدود يستلزم أن يكون واقعاً في كلٍّ من معدوداته، تقول: "سِرْتُ يَوْمَيْنِ" لا بد وأن يكون السير وقع في الأول والثاني أو بعض الثاني، وهنا لا يقع التعجيل في اليوم الأول من هذين اليومين بوجهٍ، ووجه المجاز: إمَّا من حيث إنَّه نسب الواقع في أحدهما واقعاً فيها؛ كقوله: {أية : نَسِيَا حُوتَهُمَا}تفسير : [الكهف: 61] و{أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ}تفسير : [الرحمن: 22]، والنَّاسي أحدهما: وكذلك المخرج من أحدهما، وإمَّا من حيث حذف مضاف، أي: في تمام يومين أو كمالهما. و"تَعَجَّلَ" يجوز أن يكون بمعنى "اسْتَعْجَلَ" كـ"تَكَبَّرَ، واسْتَكْبَرَ"، أو مطاوعاً لـ"عَجَّل" نحو "كَسَّرْتُه فَتَكَسَّرَ"، أو بمعنى المجرَّد، وهو "عَجِلَ"، قال الزمخشريُّ: "والمطاوعة أوفَقُ"؛ لقوله: "ومَنْ تَأَخَّرَ"؛ كما هي في قوله: [البسيط] شعر : 1006 - قَدْ يُدْرِكُ الْمَتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ تفسير : لأجل قوله "المُتَأَنِّي". و"تَعَجَّلَ واسْتَعْجَلَ" يكونان لازمين ومتعدِّيين، ومتعلِّق التعجيل محذوف، فيجوز أن تقدِّره مفعولاً صريحاً، أي: من تعجَّل النَّفر، وأن تقدِّره مجروراً أي: بالنَّفر، حسب استعماله لازماً ومتعدِّياً. وفي هذه الآيات من علمِ البديع: الطباق، وهو ذكر الشيء وضده في "تَعَجَّل وتَأَخَّرَ"، فهو كقوله: {أية : أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ}تفسير : [النجم: 43] و {أية : أَمَاتَ وَأَحْيَا}تفسير : [النجم:44]، وهذا طباقٌ غريب، من حيث جعل ضدَّ "تَعَجَّلَ": "تَأَخَّرَ"، وإنما ضدُّ "تَعَجَّلَ": "تَأَنَّى"، وضدُّ "تَأَخَّرَ": "تقدَّم"، ولكنه في "تَعَجَّلَ" عبَّر بالملزوم عن اللازم، وفي "تَأَخَّرَ" باللازم عن الملزوم، وفيها من علم البيان: المقابلة اللفظيَّة، وذلك أن المتأخِّر بالنَّفر آتٍ بزيادة في العبادة، فله زيادة في الأجر على المتعجِّل، فقال في حقه أيضاً: "فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ"؛ ليقابل قوله أولاً: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ}، فهو كقوله: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى: 40] {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ}تفسير : [البقرة: 194]. وذكر ابن الخطيب هنا سؤالاً؛ فقال: قوله: "وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ" فيه إشكالٌ؛ لأنه إذا كان قد استوفى كلَّ ما يلزمه في تمام الحجِّ، فما معنى قوله: "فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ" فهذا اللَّفظ إنما يقال في حقِّ المقصِّر، وأجاب بوجوه: أحدها: ما تقدَّم من المقابلة، ونقله عن الواحدي. وثانيها: أنّه - تعالى - لما أذن في التَّعجيل على سبيل الرُّخصة، احتمل أن يخطر بالبال أنَّ من لم يترخَّص فإنه يأثم. كما قال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: القصر عزيمة والإتمام غير واجب، ومذهب أحمد - رحمه الله -: القصر والفطر في السَّفر أفضل، فأزال الله - تعالى - هذه الشُّبهة، وبيَّن أنه لا إثم عليه في الأمرين، فإن شاء تعجَّل وإن شاء تأخَّر. وثالثها: قال بعض المفسِّرين: إن منهم من كان يتعجَّل، ومنهم من كان يتأخَّر، وكل واحد من الفريقين يعيب على الآخر فعله، ويقول: هو مخالفٌ لسنَّة الحجِّ، فبيَّن الله - تعالى - أنّه لا عيب على كلِّ واحد من الفريقين. ورابعها: أنّ المعنى في إزالة الإثم عند المتأخِّر؛ إنما هو لمن زاد على مقام الثَّلاث؛ فكأنّه قيل: أيَّام منى التي ينبغي المقام فيها هي ثلاث، فمن نقَّص منها وتعجَّل في يومين، فلا إثم عليه، ومن زاد عليها فتأخَّر عن الثَّالث إلى الرَّابع؛ فلم ينفر مع النَّاس، فلا شيء عليه. وخامسها: أنّه ذكر هذا الكلام؛ مبالغة في أن الحجَّ يكفِّر الذُّنوب والآثام؛ كما إذا تناول الإنسان التّرياق فيقول له الطَّبيب: إن تناولت السُّمَّ فلا ضرر وإن لم تتناوله فلا ضرر، ومقصوده بيان أن التّرياق دواء كامل في دفع المضارِّ، لا بيان أن تناول السُّمِّ وعدم تناوله يجريان مجرًى واحداً؛ فكذا ههنا المقصود من هذا الكلام بيان المبالغة في كون الحجِّ مكفِّراً لكلِّ الذُّنوب؛ لأن التَّعجيل وتركه سيَّان؛ ومما يدلُّ على أن الحجَّ سبب قويٌّ في تكفير الذُّنوب قوله - عليه السّلام - "حديث : مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَومِ وَلَدَتْهُ أُمّهُ"تفسير : ، وهنا قول عليٍّ وابن مسعود. فصل وقرأ الجمهور "فَلاَ إِثْمَ" بقطع الهمزة على الأصل، وقرأ سالم بن عبد الله: "فَلاَ اثْمَ" بوصلها وحذف ألف لا، ووجهه أنه خفَّف الهمزة بين بين فقربت من الساكن، فحذفها؛ تشبيهاً بالألف، فالتقى ساكنان: ألف "لاَ" وثاء "إِثْم"، فحذفت ألف "لاَ"؛ لالتقاء الساكنين، وقال أبو البقاء - رحمه الله تعالى -:"ووجهُها أنَّه لمَّا خَلَطَ الاسْمَ بـ"لاَ" حَذَفَ الهمزة؛ تشبيهاً بالألف" يعني أنه لمَّا ركِّبت "لاَ" مع اسمها، صارا كالشيء الواحد، والهمزة شبيهة الألف، فكأنه اجتمع ألفان، فحذفت الثانية لذلك، ثم حذفت الألف لسكونها وسكون الثَّاء. فصل قال القرطبي: روى الثِّقات؛ أن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر أمَّ سلمة أن تصبح بمكَّة يوم النَّحر، وكان يؤمُّها، وهذا يدلُّ على أنّها رمت الجمرة بمنًى قبل الفجر؛ لأن هذا لا يكون إلاّ وقد رمت الجمرة بمنى ليلاً قبل الفجر. وروى أبو داود عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة؛ أنّها قالت: "أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمِّ سلمة ليلة يوم النَّحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها". فإذا ثبت ذلك فالرَّمي باللَّيل جائز لمن فعله، والاختيار من طلوع الشَّمس إلى زوالها، وأجمعوا على أن من رماها قبل غروب الشَّمس من يوم النَّحر، فقد أجزأ ولا شيء عليه، إلا مالكاً؛ فإنه قال: يستحب له أن يهرقَ دماً. واختلفوا فيمن لم يرمها حتى غابت الشَّمس، ورماها من اللَّيل أو من الغد، هل يلزمه دم أم لا؟ فصل المبيت بمنى ليالي منى واجبٌ؛ لرمي الجمار في كلِّ يوم بعد الزَّوال إحدى وعشرين حصاةً، عند كل جمرة سبع حصيات، ويرخَّص في ترك المبيت لرعاء الإبل وأهل سقاية الحاجِّ، ثم من رمى اليوم الثاني من أيام التَّشريق، وأراد أن ينفر ويدع المبيت في اللَّيلة الثَّالية، ورمى يومها، فله ذلك؛ بشرط أن ينفر قبل غروب الشمس، فإن غربت الشمس وهو بمنى، لزمه المبيت بها والرَّمي من غد، هذا مذهب الشَّافعي وأحمد، وهو قول أكثر التَّابعين. وقال أبو حنيفة: يجوز أن ينفر ما لم يطلع النحر؛ لأن وقت الرَّمي لم يدخل. فصل إذا ترك الرَّمي، فذكره بعدما صدر وهو بمكَّة، بعدما خرج منها، فعليه الهدي، وسواء ترك الجمار كلَّها، أو جمرة منها، أو حصاةً من جمرة، حتى خرجت أيَّام منى فعليه دمٌ، وإن ترك جمرة واحدة، كان عليه بكل حصاة من الجمرة إطعام مسكين نصف صاعٍ، إلى أن يبلغ دماً، إلاَّ جمرة العقبة فعليه دمٌ. وقال الأوزاعي: يتصدّق إن ترك حصاةً، وقال الثَّوري: يطعم في الحصاة والحصاتين والثلاث، فإن ترك أربعاً فعليه دمٌ، وقال اللَّيث: في الحصاة الواحدة دم، نقله القرطبي. فصل قال القرطبي - رحمه الله تعالى -: من بقي في يده حصاة لا يدري من أيِّ الجمار هي، جعلها في الأولى ورمى بعدها الوسطى والآخرة، فإن طال، استأنف جميعاً. قوله: "لِمَن اتَّقَى" هذا الجارُّ خبر مبتدأ محذوفٍ، واختلفوا في ذلك المبتدأ حسب اختلافهم في تعلُّق هذا الجار من جهة المعنى، لا الصناعة، فقيل: يتعلَّق من جهة المعنى بقوله: "فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ" فتقدِّر له ما يليق به، أي: انتفاء الإثم لمن اتَّقى، وقيل: متعلِّقٌ بقوله: "وَاذْكُرُوا" أي: الذكر لمن اتقى، وقيل: متعلِّقٌ بقوله: "غَفُورٌ رَحِيمٌ"، أي المغفرة لمن اتَّقى، وقيل: التقدير: السلامة لمن اتَّقى، وقيل: التقدير: ذلك التخيير ونفي الإثم عن المستعجل والمتأخِّر؛ لأجل الحاجِّ المتَّقي؛ لئلاّ يتخالج في قلبه شيءٌ منهما، فيحسب أنَّ أحدهما يرهق صاحبه إثماً في الإقدام عليه؛ لأنَّ ذا التقوى حذر متحرزٌ من كل ما يريبه، وقيل: التقدير: ذلك الذي مرَّ ذكره من أحكام الحج وغيره لمن اتقى؛ لأنه هو المنتفع به دون غيره، كقوله: {أية : ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ}تفسير : [الروم: 38]، قال هذين التقديرين الزمخشريُّ، وقال أبو البقاء: "تقديره: جواز التعجيل والتأخير لمن اتقى"، وكلُّها متقاربةٌ، ويجوز أن يكون "لِمَن اتَّقَى" في محلِّ نصب على أن اللام لام التعليل، ويتعلَّق بقوله "فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ" أي: انتفى الإثم؛ لأجل المتَّقي، ومفعول: "اتَّقى" محذوف، أي: اتَّقى الله، وقد جاء مصرَّحاً به في مصحف عبد الله، وقيل: اتَّقى الصَّيد. فصل في هذه التَّقوى وجوه: أحدهما: قال أبو العالية: ذهب أئمةٌ أن "اتَّقى" فيما بقي من عمره، ولا يتَّكل على ما سلف من أعمال الحجِّ. وثانيها: أنّ هذه المغفرة لا تحصل إلاّ لمن كان متَّقياً قبل حجِّه؛ كقوله: {أية : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [المائدة: 27]؛ لأن المصرَّ على الذَّنب لا ينفعه حجُّه، وإن كان قد أدَّى الفرض في الظَّاهر. وثالثها: أنّه المتَّقي عن جميع المحظورات حال اشتغاله بالحجِّ؛ لقوله عليه السّلام: "حديث : مَنْ حَجَّ فَلَم يَرْفثْ وَلَمْ يَفْسُقْ... " تفسير : ورابعها: روى الكلبي عن ابن عباس: "لِمَن اتَّقَى الصَّيْد وما يلزَمُهُ اجتِنَابُه من محْظُورَاتِ الإِحْرَامِ". قال ابن الخطيب: وهذا ضعيفٌ من وجهين: أحدهما: أنَّه تقييد للَّفظ المطلق بغير دليل. والثاني: أنّ هذا لا يصحُّ إلاّ إذا حمل على ما قبل هذه الأيَّام؛ لأنه في يوم النَّحر إذا رمى وطاف وحلق، فقد تحلَّل قبل رمي الجمار، فلا يلزمه اتِّقاء الصَّيد في هذه الأيَّام. قوله: "واتَّقُوا الله" فهو أمر في المستقبل، وهو مخالف لقوله: "لِمَنِ اتَّقَى" الذي أريد به الماضي، فلا يكون تكراراً، وقد تقدم أن التَّقوى عبارة عن فعل الواجبات وترك المحظورات. وقوله: {وَٱعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}. فهو توكيد للأمر بالتَّقوى؛ لأن مَنْ تصور الحشر والمحاسبة والمساءلة، وأنّ بعد الموت لا دار إلاّ الجنَّة أو النَّار، صار ذلك من أقوى الدَّواعي إلى التَّقوى، وأمَّا الحشر: فهو اسمٌ يقع على ابتداء أوَّل خروجهم من الأجْداث، يوم لا مالك سواه ولا ملجأ إلاّ إيَّاه. قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ}. لمّا ذكر الذين قصرت همَّتهم على الدُّنيا في قوله: "ومِنَ النَّاسِ من يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَة"، والمؤمنين الذين سألوا خير الدَّارين، ذكر المنافقين؛ لأنَّهم أظهروا الإيمان وأسرُّوا الكفر. قوله تعالى: "مَنْ يُعْجِبُكَ": يجوز في "مَنْ" أن تكون موصولة، وأن تكون نكرةً موصوفةً، وقد تقدَّم نظيرها، والإعجاب: استحسان الشيء، والميل إليه، والتعظيم له، والهمزة فيه للتعدِّي. وقال الراغب: "العَجَبُ حَيْرَةٌ تَعْرِضُ للإنسان عند الجهل بسبب الشَّيء، وليس هو شيئاً له في ذاته حالةً، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السَّبب ومن لا يعرفه، وحقيقة: أعجبني كذا: ظهر لي ظهوراً لم أعرف سببه"، ويقال: عجبت من كذا، قال القائل: [الرجز] شعر : 1007 - عَجِبْتُ وَالدَّهْرُ كَثِيرٌ عَجَبُهْ مِنْ عَنَزِيَّ سَبَّنِي لَمْ أَضْرِبُهْ تفسير : قال بعض المفسِّرين: يقال في الاستحسان: أعجبني كذا، وفي الإنكار والكراهة: عجبت من كذا. قوله: "في الحَيَاةِ" فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلق بـ"قَوْلُهُ"، أي: يعجبك ما يقوله في معنى الدنيا، لأنَّ ادِّعاءه المحبة بالباطل يطلب حظّاً من الدنيا. والثاني: أن يتعلَّق بـ"يُعْجِبُكَ"، أي: قوله حلوٌ فصيحٌ في الدُّنيا، فهو يعجبك ولا يعجبك في الآخرة، لما يرهقه في الموقف من الاحتباس واللُّكنة، أو لأنه لا يؤذن لهم في الكلام، قال أبو حيان: "والذي يظهر أنه متعلِّق بـ"يُعْجِبُكَ"، لا على المعنى الذي قاله الزمخشري، بل على معنى أنك تستحسن مقالته دائماً في مدَّة حياته؛ إذ لا يصدر منه من القول إلا ما هو معجبٌ رائقٌ لطيفٌ، فمقالته في الظاهر معجبة دائماً، لا تراه يعدل عن تلك المقالة الحسنة الرائعة إلى مقالةٍ منافيةٍ. قوله: "وَيُشْهِدُ اللَّهَ" في هذه الجملة وجهان: أظهرهما: أنها عطف على "يُعْجِبُكَ"، فهي صلة لا محلَّ لها من الإعراب، أو صفةٌ، فتكون في محلِّ رفع على حسب القولين في "مَنْ". والثاني: أن تكون حاليةً، وفي صاحبها حينئذً وجهان: أحدهما: أنه الضمير المرفوع المستكن في "يُعْجِبُكَ". والثاني: أنه الضمير المجرور في "قَوْلُهُ"، تقديره: يعجبك أن يقول في أمر الدنيا، مقسماً على ذلك. وفي جعلها حالاً نظر من وجهين: أحدهما: من جهة المعنى، فإنه يلزم منه أن يكون الإعجاب والقول مقيدين بحالٍ، والظاهر خلافه. والثاني: من جهة الصِّناعة وهو أنَّه مضارعٌ مثبتٌ، فلا يقع حالاً إلا في شذوذٍ؛ نحو: "قُمْتُ وَأَصُكُّ عَيْنَهُ" أو ضرورةً؛ نحو: [المتقارب] شعر : 1008-..................... نَجَوْتُ وَأَرْهَنُهُمْ مَالِكَا تفسير : وتقديره مبتدأً قبله على خلاف الأصل، أي: وهو يشهد. والجمهور على ضمِّ حرف المضارعة وكسر الهاء، مأخوذاً من "أَشْهَدَ" ونصب الجلالة مفعولاً به، وقرأ أبو حيوة وابن محيصنٍ بفتحهما ورفع الجلالة فاعلاً. قال القرطبيُّ - رحمه الله تعالى - ويؤيِّده قراءة ابن عباسٍ "واللَّهُ يَشْهَدُ عَلَى مَا في قَلْبِهِ". وقرأ أُبَيٌّ: "يَسْتَشْهِدُ اللَّهَ". فأمَّا قراءة الجمهور وتفسيرهم، فإن المعنى: يحلف بالله ويشهده أنّه صادقٌ، وقد جاءت الشهادة بمعنى القسم في آية اللِّعان، وقيل: فيكون اسم الله منتصباً على حذف حرف الجر، أي: يقسم بالله، قال شهاب الدين: وهذا سهوٌ من قائله؛ لأنَّ المستعمل بمعنى القسم "شَهِدَ" الثلاثيٌّ، لا "أَشْهَدَ" الرباعيُّ، لا تقول: أُشْهِدُ بالله، بل: أَشْهَدُ بالله، فمعنى قراءة الجمهور: يطَّلع الله على ما في قلبه، ولا يعلم به أحدٌ، لشدة تكتُّمه. وأمَّا تفسير الجمهور: فيحتاج إلى حذف ما يصحُّ به المعنى، تقديره: ويحلف بالله على خلاف ما في قلبه؛ لأن الذي في قلبه هو الكفر، وهو لا يحلف عليه، إنما يحلف على ضدِّه، وهو الذي يعجب سامعه، ويقوِّي هذا التأويل قراءة أبي حيوة؛ إذ معناها: ويطَّلع الله على ما قلبه من الكفر. وأمَّا قراءة أُبيًّ: فيحتمل "استَفْعَلَ" وجهين: أحدهما: أن يكون بمعنى "أَفْعَلَ"؛ فيوافق قراءة الجمهور. والثاني: أنه بمعنى المجرَّد وهو "شَهِدَ"، وتكون الجلالة منصوبةً على إسقاط الخافض. قوله: {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ} الكلام في هذه الجملة كالتي قبلها، وهنا وجهٌ آخر، وهو أن تكون حالاً من الضمير في "يُشْهِدُ"، والألد: الشديد؛ من اللَّدد، وهو شدة الخصومة؛ قال: [الخفيف] شعر : 1009 - إنَّ تَحْتَ التُّرَابِ عَزْماً وحَزْماً وَخَصِيماً أَلَدَّ ذَا مِغْلاَقِ تفسير : ويقال: لَدِدت بكسر العين ألَدُّ بفتحها، ولدَدته بفتح العين ألُدُّه بضمها أي: غلبته في ذلك، فيكون متعدياً، قال الشاعر: [الرجز] شعر : 1010 - تَلُدُّ أَقْرَانَ الرِّجَالِ اللُّدِّ تفسير : تلدُّ أقران الرِّجال، معناه أنّه في أي وجه أخذ خصمه من اليمين أو الشمال في أبواب الخصومة غلبه. ورجل ألدُّ وألنددٌ ويلنددٌ، وامرأةٌ لدَّاء، والجمع "لُدٌّ" كـ"حُمْرٍ". وفي اشتقاقه أقوالٌ: قال الزجَّاج: من لُديدَي العنق، وهما صفحتاه. وقيل: من لديدي الوادي، وهما جانباه، سمِّيا بذلك؛ لاعوجاجهما. وقيل: هو من لدَّه إذا حبسه، فكأنه يحبس خصمه عن مفاوضته. و "الخِصَامِ" فيه قولان: أحدهما: قال الزجَّاج: وهو جمع خصمٍ بالفتح؛ نحو: كعبٍ وكعابٍ، وكلبٍ وكلابٍ، وبحرٍ وبحارٍ، وعلى هذا فلا تحتاج إلى تأويل. والثاني: قال الخليل وأبو عبيد إنه مصدر، يقال: خاصمَ خصاماً، نحو قاتلَ قتالاً، وعلى هذا فلا بد من مصحِّح لوقوعه خبراً عن الجثَّة، فقيل: في الكلام حذف من الأول، أي وخصامه أشدُّ الخصام، وجعل أبو البقاء "هو" ضمير المصدر الذي هو "قوله" فإنه قال: ويجوز أن يكون "هُوَ" ضمير المصدر الذي هو "قَوْلُهُ" وهو خصام، والتقدير: خصامه ألدُّ الخصام. وقيل: من الثاني: أي: وهو أشدُّ ذوي الخصام، وقيل: أريد بالمصدر اسم الفاعل؛ كما يوصف به في قولهم: رجل عدلٌ وخصمٌ، وقيل: "أَفْعَلُ" هنا ليست للتفضيل، بل هي بمعني لديد الخصام، فهو من باب إضافة الصفة المشبهة، وقال الزمخشريُّ: والخِصَامُ المُخَاصَمَةُ، وإضافةُ الألدِّ بمعنى "في"؛ كقولهم: "ثَبْتُ الغَدْرِ" يعني أن "أَفْعَلَ" ليس من باب ما أضيف إلى ما هو بعضه، بل هي إضافة على معنى "في"؛ قال أبو حيان: وهذا مخالفٌ لما يَزْعُمُهُ النحاة من أنَّ "أَفْعَلَ" لا تضاف إلا إلى ما هي بعضه، وفيه إثبات الإضافة بمعنى "في"، وهو قولٌ مرجوحٌ، وقيل: "هُوَ" ليس ضمير "مَنْ" بل ضمير الخصومة يفسِّره سياق الكلام، أي: وخصامه أشدُّ الخصام. فصل في بيان عموم هذه الآية قال بعض المفسِّرين: هذه الآية الكريمة مختصَّة بأقوام معيَّنين، وقال بعضهم: إنّها عامة في كلِّ من اتَّصف بهذه الصِّفة، والأولون اختلفوا على وجوهٍ: أحدها: أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة، واسمه: أُبي، وسمِّي الأخنس؛ لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة من بني زهرة عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رجلاً حلو المنظر، حلو الكلام، وكان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجالسه ويظهر الإسلام، ويقول: إنيّ أحبُّك، ويحلف بالله على ذلك، وكان منافقاً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدنيه في مجلسه، وكان حسن العلانية خبيث الباطن، فخرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم فمرَّ بزرع لقوم من المسلمين فأحرق الزَّرع، وقيل: المواشي، وقيل: بيَّت قوماً من ثقيف فلبسهم، وأهلك مواشيهم، وأحرق زرعهم. وقال مُقاتِلٌ: خرج إلى الطَّائف مُقْتَضِياً مالاً لَهُ على غرِيم فَأَحْرَقَ له كدساً، وعَقَرَ لَهُ أَتاناً، والنّسلُ: نَسْل كُلّ حيوان من ناطقٍ، وغيره؛ فنزلت الآية الكريمة. الثَّاني: أنَّ الأَخْنَس أَشَار على بني زهرة بالرُّجُوع يوم بدرٍ وقال لهُم: إِنَّ مُحَمَّد ابن أخيكم، فإِنْ يَكُ كَاذِباً كفاكموه سائر النَّاس، وإن يَكُ صَادِقاً كنتم أَسعَدَ النَّاسِ به، قالُوا نِعْمَ الرَّأيُ ما رَأَيَتَ قال: فإذا نودي في النَّاس بالرحيل فإنّي أخنس بكم، فاتَّبِعُوني، ثمَّ انخنَسَ بثلاثِمائة من بني زُهْرَة عن قِتَال رسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وسُمِّيَ بهذا السَّبب الأَخنس، فبلغ ذلك رسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فأعجبه. قال ابنُ الخطيب: وعندي أَنَّ هذا القول ضعيفٌ، لأَنَّهُ لا يَسْتَوجِبُ الذَّمَّ بهذا العمل، والآية مذكورة في معرض الذَّمِّ، فلا يمكن حَمْلُها عليه. الثالث: روي عن ابن عبَّاس والضحَّاك أنَّ كُفَّار قريش بعثوا إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حديث : أَنَّا قد أَسلمنا، فابعثْ إِلَيْنَا نفراً مِنْ عُلَمَاءِ أَصْحَابك، فبعثَ إليهم جماعَة، فنزلوا ببطن الرجيع، ووصل الخَبَرُ إلى الكُفَّارِ، فَرَكِبَ منهم سبعون راكباً، وأَحَاطُوا بهم، وَقَتَلُوهم، وصَلَبُوهُم، فَنَزَلَتْ هذه الآية الكريمة، ولذلك عقَّبَهُ بقول "مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتَغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ"تفسير : فَنَبَّه بذلك على حال هؤُلآءِ الشَّهداء. القولُ الثَّاني: وهو اختيارُ أكثر المحقِّقين من المُفسِّرين، أنَّها عامَّة في كُلِّ من اتَّصف بهذه الصِّفَةِ المَذْكُورة، نقل عن محمَّد بن كعب القُرظِي أنَّه جرَى بَيْنَهُ وبَيْنَ غيره كلام في الآية فقال: إِنَّها وإن نزلت فيمن ذكرتهم، فلا يَمْتنعُ أن تنزل الآية الكريمة في الرَّجُلِ، ثم تَكُونُ عامَّة في كُلِّ مَنْ كان موصوفاً بهذه الصِّفات. وَرَوَتْ عائشة - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال:- "حديث : إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ " تفسير : قال ابن الخطيب: نُزُول الآية الكريمة على سبب لا يمنعُ من العُمُومِ، بل في الآية الكريمة ما يَدُلُّ على العُمومِ مِنْ وجوه: الأول: أَنَّ ترتيب الحُكم على الوصف المُنَاسِبِ مشعراً بالعلِّيَّة. الثاني: أَنَّ الحَمْلَ على العُموم أكثر فائدة، لأَنَّهُ زجرٌ لكلِّ مكلَّف عن تِلك الطَّريقةِ المَذْمُومَةِ. الثالث: أَنَّهُ أَقربُ إلى الاحتياطِ. قال قتادةُ ومُجاهدٌ وجماعة من العلماء: نزلت في كُلِّ مُبْطنٍ كُفراً، أو نِفاقاً، أو كذباً أو إضراراً، وهو يظهر بلسانِهِ خلاف ذلك، فهي عامة. قال القرطبي رحمه الله: وهي تشبه ما ورد في التِّرمذيّ أَنّ في بعض الكُتُب أَنَّ اللَّهَ تعالى يقُولُ: "إِنَّ مِنْ عِبَادِي قوماً ألسِنَتُهُمْ أَحْلَى من العسَلِ، وقلوبهم أَمَرّ مِنَ الصَّبْرِ، يَلْبسون للنَّاس جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّين، يشترُون الدُّنيا بالدِّين، يقُولُ الله - تبارك وتعالى - إِنَّهُم لمُغترُّون، وعلى اللَّهِ يجترئُونَ فبي حلفت لأُسَلِّطَنَّ عليهم فِتنَةً تدَعُ الحليم منهم حيران. ومعنى: "وَيُشْهِدُ الله"، أي: يقول: اللَّهُ يعلم أَنَّي أقُولُ حَقّاً. فصل اختلفُوا في المَوْصُوف بالصِّفاتِ المذكورة في الآية، هل هو مُنَافقٌ أمْ لا؟ قال ابنُ الخطيب: إنَّها لا تدلُّ على ذلك، فإِنَّ قوله: {يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} لا دلالة فيه على صِفةٍ مَذْمُومةٍ، إِلاَّ من جهة الإِيماء الحاصل بقوله {فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا}، فإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ: فُلاَن حُلْوُ الكَلاَمِ فيما يَتَعَلَّق بالدُّنيا أَوْهَم نوعاً من المَذمَّةِ. وقوله: {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ} لا دلالة فيه على حالَةٍ مُنْكرةٍ، وإِن أَضمرنا فيه أَنَّهُ يُشْهِدُ اللَّهَ على ما في قلبه، مع أنَّ قلبه بخلاف ذلك لأَنَّهُ ليس في الآية أَنَّ القَوْلَ الَّذي أَظْهرهُ هو الإِسلامُ والتَّوحِيدُ حتى يكُون خلافه نِفَاقاً، بل يَحْتَمِلُ أن يُضْمِر الفساد، ويظهر ضِدَّهُ، فَيَكُونُ مُرائِياً وقوله: {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ} أيضاً لا يُوجِبُ النِّفَاقَ. وقوله: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا} فالمفسد قد يكون مُسْلِماً. وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ} أيضاً لا يَقْتَضِي النِّفَاق، إِلاَّ أنَّ المُنَافِقَ داخل في هذه الصِّفَاتِ الخَمْس، والمرائي أيضاً. فصل في ما أثر عن السلف في بيان "ألد الخصام" قال مُجاهدٌ: أَلَدُّ الخِصَام: معناهُ: ظَالِمٌ لا يستقيمُ وقال السُّدِّيُّ - رحمه الله تعالى - أعوجُ الخِصَامِ. وقال قتادةُ: شديدُ القَسْوة في المعَصية، جدلٌ بالباطل، عالم اللِّسان، جاهل العمل، يتقلد بالحكمة، ويعملُ بالخطيئة. فصل في بيان أمر الاحتياط في الدِّين قال القُرطبيُّ: قال عُلماؤُنَا: في الآية الكريمة دليلٌ على أَنَّ الاحتياط فيما يتعلق بأُمُور الدِّين والدُّنيا، واستبراء أحوال الشهود والقضاة، وأَنَّ الحاكم لا يعملُ على ظاهر أَحوالِ النَّاسِ وما يبدو من إيمانهم، وصلاحهم؛ حتى يَبْحث عن باطنهم؛ لأَنَّ الله تعالى بَيَّنَ أَحوال النَّاسِ، وأَنَّ منهم من يظهرُ قولاً جميلاً، وهو يَنْوي قَبِيحاً. فإِنْ قِيلَ: هذا يَعارضُ قوله عليه السَّلام: "حديث : أُمِرتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِله إِلاَّ اللَّهُ"تفسير : . وقوله: "حديث : فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحو ما أَسْمَعُ " تفسير : فالجوابُ: هذا كان في صدر الِسلامِ، حيثُ كان إِسْلاَمُهُم سلامتهم، وأمَّا الآن، وقد عَمَّ الفسادُ، فلا، قاله ابنُ العَرَبيّ. والصَّحيحُ: أَنَّ الظَّاهِرَ يَعملُ عليه، حَتّى يبين خلافه. قوله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ} "سَعَى" جوابُ إذا الشَّرطيَّة، وهذه الجُملةُ الشَّرطيةُ تحتملُ وجْهَيْنِ. أحدهما: أن تكُونَ عطفاً على ما قبلها، وهو "يُعْجِبُكَ"، فتكون: إمَّا صلةً، أو صفةً حسب ما تقدَّم في "مَنْ". والثاني: أن تكُون مُستأَنفةً لمُجرَّدِ الإخبارِ بحالِهِ، وقد تَمَّ الكلامُ عند قوله: "ألدُّ الخصام". والتّولِّي والسَّعْيُ يحْتَمِلان الحقيقة، أي: تولَّى ببدنِهِ عنك وسعَى بِقَدَمَيْهِ، والمُجازَ بأن يريدُ بالتولِّي الرُّجُوع عن القَوْلِ الأَوَّل، وبالسَّعي العمَل والكَسْبَ من السَّعاية، وهو مجازٌ شائعٌ؛ ومنه: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ}تفسير : [النجم: 39]، وقال امرؤُ القَيسِ: [الطويل] شعر : 1011 - فَلَوْ أَنَّ مَا أَسْعَى لأَدْنَى مَعِيشَةٍ كَفَانِي - وَلَمْ أَطْلُبْ - قليلٌ مِنَ المَالِ وَلكِنَّمَا أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ وَقَدْ يُدْرِكُ المَجْدَ المُؤَثَّلَ أَمْثَالِي تفسير : وقال آخرُ: [السريع] شعر : 1012 - أَسْعَى عَلَى حَيِّ بَنِي مَالِكٍ كُلُّ امْرِىءٍ فِي شَأْنِهِ سَاعِي تفسير : والسَّاعيةُ بالقولِ ما يقْتَضِي التَّفْرِيق بينَ الأَخِلاَّءِ؛ قال القائل: [السريع] شعر : 1013 - مَا قُلْتُ مَا قَالَ وُشَاةٌ سَعَوْا سَعْيَ عَدْوٍّ بَيْنَنَا يَرْجُفُ تفسير : وقال الضَّحَّاكُ: وإذا تَوَلَّى، أي: مَلَكَ الأَمْرَ، وصارَ والياً سَعَى في الأَرض. وقال مُجاهدٌ: إذا وُلِّي، وعمل بالعُدوان، والظُّلم، أَمْسَكَ اللَّهُ المطر، وأهلك الحرث والنَّسل. قوله: "فِي الأَرْضِ" مُتَعَلِّقٌ بـ"سَعَى"، فإنْ قيل: مَعْلُومٌ أنَّ السَّعْيَ لا يكُونُ إلاَّ فِي الأَرْضِ قيل: لأنَّهُ يُفيدُ العُمُومَ، كأنه قيل: أيَّ مكانٍ حَلَّ فيه من الأرض أفسدَ فيه، فَيَدُلُّ لفظُ الأَرْضِ على كَثرةِ فسادِهِ، إذ يلزَمُ مِنْ عمومِ الظَّرفِ عمومُ المَظْرُوفِ، و"ليُفْسِدَ" مُتَعَلّقٌ بـ"سَعَى" علَّةً له. قوله: "وَيُهْلِكَ الحَرْثَ" الجُمْهُورُ على: "يُهْلِكَ" بضمِّ اليَاءِ، وكسر اللام ونصب الكافِ. "الحَرْثَ" مفعول به، وهي قراءةٌ واضِحَةٌ من: أَهْلَكَ يُهْلك، والنَّصبُ عطَفٌ على الفعل قبلُهُ، وهذا شبيهٌ بقوله تعالى: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ}تفسير : [البقرة: 98] فإنَّ قوله: "ليفْسِدَ" يَشْتَمِلُ على أَنَّهُ يُهْلكُ الحَرْثَ والنَّسْلَ، فخصَّهُما بالذّكر لذلك. وقرأ أُبيّ: "وليُهْلِكَ" بإظهارِ لام العِلَّةِ، وهي معنى قراءة الجَمهور، وقرأ أبو حَيوة - ورُويت عن ابن كثيرٍ وابن عمرو - "وَيَهْلِك الحَرْثُ والنَّسْلُ" بفتح الياءِ، وكسر اللام من هلك الثَّلاثي، و"الحَرْث" فاعلٌ، و"النَّسلُ" عطفٌ عليه. وقرأ قومٌ: "ويُهْلِكُ الحَرْثَ" من أَهْلَكَ، و" الحَرْث" مفعولٌ به إلا أَنَّهُم رفعُوا الكاف. وخُرِّجت على أربعةِ أوجهٍ: أن تكُونَ عَطْفاً على "يُعْجِبُك" أو على "سَعَى"؛ لأَنَّهُ في معنى المُستقبل، أو على خبر مُبْتَدأ للمفعول، "الْحَرْثُ" رفعاً، وَقَرَأَ أيضاً: "ويَهلِكُ" بفتح الياءِ واللام ورفعِِ الكَافِ، "الحَرْثُ" رفعا على الفاعلية، وفتحُ عين المُضارع هنا شاذٌّ لفَتْحِ عين ماضِيهِ، وَليس عينُهُ ولا لامُهُ حرفَ حَلْق، فهو مثلُ رَكَنَ يَرْكَنُ بالفتح فيهما. و"الحرث" في اللُّغة: الشَّقُّ، ومنه المِحراثُ لام يُشقّ به الأرض، والحرث: كسب المالِ وجمعه، والحَرْثُ: الزَّرعُ، والحرَّاث الزرَّاع، وقد حرث، واحترثَ مثل: زَرَعَ وازْدَرَعَ. ويقالُ: احرثِ القرآن؛ أي: ادرسه، وحَرَثتُ النَّاقة وأحرثْتُها، أي: سِرْتُ عليها حتَّى هزلت، وحرثت النَّارَ حرّكتها والمِحراث ما يحرك به نار التَّنور نقله الجوهري. وقد تَقَدَّمَ. والنَّسْلُ: مصدرُ نَسَلَ ينسُل، أي: خرج بِسُرعة، ومنه: نَسَلَ وَبَرُ البَعِير، ونَسَلَ ريشُ الطَّائر، أي: خَرَجَ وتطايَرَ وقال القُرطبيُّ: النَّسْلُ ما خرج من كُلِّ أنثى من ولدٍ وأصله الخروج، والسُّقُوط. وقيل: النَّسلُ الخروج مُتتابعاً، ومنه: "نُسَالُ الطَّائِر" ما تتابع سقُوطه من ريشه؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 1014 - وَإِنْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَةٌ فَسلِّي ثِيَابي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِ تفسير : وقوله: {أية : مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ}تفسير : [الأنبياء: 96] يحتملُ المعنيين. و"الحَرْثَ وَالنَّسْلَ" وإن كانا في الأصلِ مصدَرَيْنِ فإنهما هنا واقعان موقَعَ المفعولِ به. فصل في المراد بـ"التولي" ذكرُوا في هذا التوَلِّي قولين: أحدهما: معناه: إذا انْصَرَفَ من عندك سَعَى بالفسَادِ، وهذا الفَسَادُ يَحتمِلُ وجهَينِ: أحدهما: إِتْلافُ الأموالِ بالتَّخريب، والتَّحريق، والنَّهب كما تقدَّم. والوجه الثاني: أَنَّهُ كان بعد الانصرافِ من حَضْرَةِ النَّبِيِّ - عليه السَّلام - يلقي الشّبه في قلوب المؤمنين ويستخرج الحيل في تقوية الكُفْرِ، قال تعالى حكاية عن فرعون {أية : إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ}تفسير : [غافر: 26] وسمي هذا المعنى فساداً، لأَنَّهُ يوقع اختلافاً بين النَّاس، ويفرّق كلمتهم، ويتبَّرأُ بعضهم من بعض، فتنقطعُ الأَرْحام وتُسفَكُ الدماءُ. القول الثَّاني في التَّوَلِّي والسَّعي؛ أي: رجع عن قوله واجتهد في إيقاع الفساد، وأصل السَّعي المشي بسرعةٍ، ولكنَّهُ يستعارُ لإِيقاع الفِتنة بيْنَ النَّاسِ، ومنه يُقالُ: فلان يَسْعَى بالنَّميمة، والمراد بـ"الحَرْث" الزَّرْعُ وبـ"النَّسل": تلك الحمر على التَّفْسِير الأَوَّل، وهو يَقَعُ على ما يُحْرَثُ ويُزْرَعُ. وقيل: إِنَّ الحَرثَ هو شَقُّ الأرض، ويقالُ لما يُشقّ به: محرث. والنَّسلُ في اللُّغة الوَلَدُ، ومن قال: إِنَّ الأَخنس بيَّت على قوم ثقيف وقتل منهم جمعاً، فالمراد بالحرث: الرجال والنساء. أمَّا النساء فلقوله تعالى: {أية : نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ}تفسير : [البقرة: 223]. وأَمَّا الرجال: فهم الذين يشقون أرض التوليد، وأَمَّا النسلُ فالمراد منه الصبيان. قوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ}. قال العباس بن الفضل: الفسادُ هو الخرابُ. وقال سعيد بن المسيب: قطع الدراهم من الفساد في الأرض. وقال عطاء: كان رجل يقال له عطاء بن منبه أحرم في جُبَّةٍ، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينزعها. قال قتادة: قلت لعطاء: إِنَّا كنا نسمع أن يشقها، فقال عطاء: إِنَّ اللَّهَ لا يحب الفساد. قال القرطبي: والآية تَعُمُّ كُلَّ فساد كان في الأرض، أو مالٍ أو دين، وهو الصحيح. وقيل: معناه لا يجب الفساد من أهل الصلاح، أو لا يحبه ديناً، أو المعنى لا يأمر به. فصل في بيان فساد قول المعتزلة في معنى المحبة استدلت المعتزلة به على أَنَّهُ تبارك وتعالى لا يريد القبائح، قالوا: المحبة عبارة عن الإرادة لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ}تفسير : [النور: 19] والمرادُ أنهم يُرِيدونَ. وأيضاً: نُقِل عن النبيِّ - عليه السلامُ - أَنَّهُ قال: "حديث : إِنَّ اللَّهَ أَحَبَّ لَكُمْ ثَلاَثاً، وكره لكُم ثلاثاً: أَحَبَّ لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوه وَلاَ تُشْرِكُوا به شَيْئاً، وأَنْ تتَنَاصحُوا منْ وَلاّهُ أَمْرَكُم، ويَكْرَهُ لَكُمْ القيل والقَالَ، وإضاعَة المال، وكثرةَ السُّؤالِ"تفسير : فجعل الكراهةَ ضِدَّ المحبةِ، وإذا ثبتَ أَنَّ الإرادة نفسُ المحبةِ، فقوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ}، كقوله: لا يُريدُ الفساد، وكقوله {أية : وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ}تفسير : [غافر: 31]، وإذا كان لا يريدُ الفساد، لا يكون خالقاً له؛ لأنَّ الخلقَ لا يمكن إلاَّ مع الإرادة، وأُجيبُوا بوجهين: أحدهما: أَنَّ المحبة غيرُ الإِرادة، بل المحبَّةُ عبارةٌ عن مَدح الشيء. والثاني: سَلَّمنا أَنَّ المحبةَ نفسُ الارادة، لكن قوله تعالى {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ} [البقرة: 205] لا يُفيد العُموم؛ لأنَّ الألف واللاَّم الداخلتين في اللفظ لا يُفيدان العمومَ، ثم يهدم كلامهم وجهان: الأول: أَنَّ قُدرة العبد صالحةٌ للإصلاح، والفساد؛ فترجُّحُ الفساد على الصلاح إِنْ وقع لا لمُرجح، لزم نفيُ الصانعِ، وإنْ وقع لمرجح، فذلك المرجّح لا بُدَّ وأنْ يكونَ من اللَّهِ؛ وإِلاَّ لَزِمَ التسلسلُ، فثبت أَنَّ اللَّهَ سُبحانه هو المرجح لجانب الفساد، فكيف يعقِلُ أَنْ يُقال إِنَّهُ لا يريده؟ والثاني: أَنَّهُ عالِمٌ بوقوع الفسادِ، فإن أراد أَلاَّ يقع الفسادُ، لزم أَنْ يُقال: إِنَّه أَراد أَنْ يقلب علم نفسه جهلاً، وذلك مُحَالٌ. قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ}: هذه الجملةُ الشرطيةُ تحتملُ الوجهين المتقدِّمين في نظيرتها، أَعْني: كونها مستأنفةً، أو معطوفة على "يُعجِبُك"، وقد تقدَّم الخلافُ في الذي قام مقام الفاعل عند قوله: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ}تفسير : [البقرة: 11]. قوله: "أخذَتْهُ العزَّةُ"، أي حملتُه العِزَّةُ وحَمِيَّةُ الجاهلية على الفعل. قوله: "بالإثم" أي: بالظلم وفي هذه الباءِ ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أنْ تكونَ للتعديةِ، وهو قول الزمخشري فإنه قال: "أَخَذْتُهُ بكذا إذا حَمَلْتهُ عليه، وأَلْزَمْتهُ إياه، أي: حَمَلتهُ العِزَّةُ على الإِثْم، وأَلْزَمَتْهُ ارتكابَه" قال أبو حيان: "وباء التعدية بابُها الفعلُ اللازمُ، نحو: {أية : ذَهَبَ ٱللَّهُ}تفسير : [البقرة: 17]، {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ}تفسير : [البقرة: 20]، ونَدَرَتِ التعديةُ بالباءِ في المتعدِّي نحو: "صَكَكْتُ الحجرَ بالحجرِ" أي: جَعَلْتُ أَحدهما يَصُكُّ الآخرَ". الثاني: أَنْ تكونَ للسببيةِ، بمعنى أنَّ إثمَه كان سبباً لأخذِ العِزَّة له؛ كما في قوله: [الرمل] شعر : 1015 - أَخَذَتْهُ عِزَّةٌ مِنْ جَهْلِهِ فَتَوَلَّى مُغْضَباً فِعْلَ الضَّجِرْ تفسير : فتكونُ الباءُ بمعنى اللام، فتقول: فعلت هذا بسببك، ولسببك، وعاقَبْتُه لجِنَايتهِ، وبجنايَتِه. الثالث: أن تكونَ للمصاحبة؛ فتكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ، وفيها حينئذٍ وجهان: أحدهما: أَنْ تكون حالاً مِنَ "العِزَّة" أي: مُلْتبسةً بالإِثمِ. والثاني: أن تكونَ حالاً من المفعولِ، أي: أَخَذَتْهُ مُلْتبساً بالإِثمِ. قال القُرطبيُّ: وقيل: "الباءُ" بمعنى "مَعَ" أي: أخذته العِزَّةُ مع الإثم. وفي قوله: "العِزَّةُ بالإِثْم" من عِلْمِ البديع التتميم وهو عبارةٌ عن إِرْداف الكلمةِ بأُخْرى، تَرْفَعُ عنها اللَّبسَ، وتقَرِّبُها مِنَ الفَهْم، وذلك أنَّ العزَّةَ تكونُ محمودةً ومَذمُومةً. فَمِنْ مَجِيئها محمودةً: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [المنافقون: 8] {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [المائدة: 54] فلو أُطلِقَت لَتَوَهَّمَ فيها بعضُ مَنْ لا عنايةَ له المحمُودة؛ فقيل: "بالإِثْمِ" تَتْمِيماً للمرادِ، فرُفِعَ اللَّبْسُ بها. فصل اعلم أَنَّ اللَّهَ سُبحانه وتعالى حكى عن هذا المنافق أفعالاً مَذْمُومةً وهي اشتغاله بالكلام الحسن في طلب الدُّنيا، واستشهادة باللَّهِ كذباً ولجاجةً في أبطالِ الحقِّ وإثبات الباطلِ، وسعيُه في الأَرْض بالفَسَادِ، وإهلاكُ الحربِ والنَّسْلِ، وكُلُّها أفعالٌ قَبِيحةٌ، فالظاهِرُ مِنْ قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} أَنْ يُصْرفَ إلى الكلّ؛ لأنَّ صَرْفَهُ إلى البعض ليس أولى من البعض، فكأَنَّهُ قيل له: اتَّقِ اللَّهِ في إِهْلاك الحرثِ والنَّسْل، وفي السَّعي بالفَسَادِ، وفي اللَّجاجِ في إِبطَالِ الحقِّ ونُصْرة الباطلِ، وفي الاستشهاد باللَّهِ كذباً، وفي الحرص على طَلَبِ الدُّنْيا. وقيل: قوله: {أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ} راجِعٌ إلى أنه قيل له: اتَّقِ اللَّهَ فقط؛ على ما سيأتي، فيكُون معنى الآية الكريمة أنَّ الموصوف بهذه الصِّفات هو الَّذي إِذَا قيل له: اتَّقِ الله، أَخَذَتْهُ العِزةُ بالإثم؛ فحَسْبُهُ جَهَنَّم. و"العِزَّةُ" القوَّةُ والغلبةُ مِنْ: عَزَّهُ يَعُزُّه، إِذا غلبهُ، ومنه {أية : وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ}تفسير : [ص: 23]. وقيل: العزَّةُ هُنا: الحمِيَّة؛ قال الشَّاعرُ: [الرَّمل] شعر : 1016 - أَخَذَتْهُ عِزَّةٌ مِنْ جَهْلِهِ فَتَوَلَّى مُغْضَباً فِعْلَ الضَّجِرْ تفسير : وقيل: العِزَّةُ هنا: المَنَعةُ وشِدَّةُ النَّفسِ، أي: اعتَزَّ في نفسه، فأَوقعَتْهُ تِلْك العزَّةُ في الإِثمِ، وألزمتْهُ إيَّاه. قوله: {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ}، "حَسْبُهُ" مبتدأٌ، و"جهنَّمُ" خبرُه أي: كافيهم جهنَّمُ، وقيل: "جَهَنَّمُ" فاعلٌ بـ"حَسْبَ"، ثُمَّ اختلف القائِلُ بذلك في "حَسْب" فَقِيل: هو بمعنى اسم الفاعلِ، أي: الكافي، وهو في الأَصْلِ مصدرٌ أُريد به اسمُ الفاعِل، والفاعِلُ - وهو جهنَّمُ - سَدَّ مَسَدَّ الخبر، وقَويَ "حَسْبُ" لاعتمادِهِ على الفاءِ الرابطةِ للجملةِ بما قبلَها، وهذا كلُّه مَعْنَى كلام أبي البقاء. وقيل: بل "حَسْبُ" اسمُ فِعْلٍ، والقائِلُ بذلك اختلَفَ؛ فقيل: اسمُ [فِعْلٍ] ماضٍ، أي: كَفَاهُمْ وقِيل: فعلُ أمرٍ، أي: لِيَكفِيهم، إلاَّ أن إعرابَه ودخولَ حُرُوفِ الجَرِّ عليه يَمْنع كونه اسم فعل. وقد تلخَّصَ أَنَّ "حَسْب" هل هو بمعنى اسم الفاعل وأَصْلُه مصدرٌ، أو اسمُ فعلٍ مَاضٍ، أو فِعْلُ أَمْر؟ وهو مِنَ الأَسماءِ اللازمةِ للإِضَافةِ، ولا يَتَعَرَّفُ بإضافته إلى معرفةٍ؛ تقولُ: مَرَرْتُ برجلٍ حَسْبِك، ويُنْصَبُ عنه التمييزُ، ويكونُ مبتدأً؛ فيُجَرُّ بباءٍ زائدةٍ، وخبراً؛ فلا يُجَرُّ بها، ولا يُثّنَّى ولا يُجْمَعُ، ولا يؤَنَّثُ، وإنْ وَقَعَ صفةً لهذه الأشياءِ. و"جهنَّمُ" اخَتَلَفَ الناسُ فيها فقال يونس وأكثر النُّحاة: هي اسمٌ للنَّار التي يعذَّب بها في الآخِرةِ وهي أعجميةٌ وعُرِّبَتْ، وأَصْلُها كِهِنَّام، فمنعُها من الصرَّف لِلعلمية والعُجمةِ. وقيل: بل هي عربيةُ الأَصْلِ، والقائلون، بذلك اختلَفوا في نُونِها: هل هي زائدةٌ، أمْ أصليةٌ؟ فالصحيحُ أنها زائدةٌ، ووزنُها "فَعَنَّلُ" مُشتقةٌ من "رَكِيَّةٌ جِهِنَّامٌ"، أي: بعيدةُ القَعْر، وهي من الجَهْم، وهو الكراهةُ، وقيل: بل نُونُها أصليَّةٌ، ووزنُها فَعَلَّل؛ كـ"عَدَبَّسٍ"؛ قال: لأن "فَعَنَّلاً" مفقودٌ في كلامِهِم، وجعل "زَوَنَّكاً" فَعَلَّلاً أيضاً؛ لأنَّ الواوَ أصلٌ في بنات الأربعةِ؛ كـ"وَرَنْتَلٍ"، لكنَّ الصحيحَ إثباتُ هذا البناءِ، وجاءَتْ منه ألفاظٌ، قالوا: "ضَغَنَّطٌ" من الضَّغاطةِ، وهي الضَّخامةُ، و"سَفَنَّجٌ" و"هَجَنَّفٌ" لِلظّلِيم، والزَّوَنَّكُ: القصيرُ سُمِّيَ بذلك؛ لأنه يزوكُ في مِشْيَتِهِ، أي: يَتَبَخْتَرُ؛ قال حَسَّان: [الكامل] شعر : 1017- أَجْمَعْتُ أَنَّكَ أَنْتَ أَلأَمُ مَنْ مَشَى فِي فُحْشِ زَانِيَةٍ وَزَوْكِ غُرَابِ تفسير : وهذا كلُّه يدُلُّ على أنَّ النُونَ زائدةٌ في "زَوَنَّكٍ" وعلى هذا فامتِناعُها للتأنيثِ والعلَميةِ. قوله: {وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} المخصُوص بالذَّمِّ محذوفٌ، أي: وَلَبِئْسَ المِهادُ جَهَنَّمُ، وحَسَّنَ حَذْفَهُ هنا كونُ "المِهَادِ" وقعَ فاصِلةً. وتقدَّمَ الكلامُ على "بِئْسَ" وحُذِفَ هذا المخصُوصُ بذلك على أنه مبتدأٌ، والجملةُ مِنْ نِعْمَ وبِئْسَ خبرُهُ، سواءٌ تقدَّمَ أو تأخَّرَ؛ لأنَّا لو جَعَلْنَاهُ خبرَ مبتدأ مَحْذُوفٍ، أو مُبتَدأً محذوفَ الخبرِ، ثم حذَفْنَاهُ، كُنَّا قد حَذَفْنَا الجملةَ بأَسْرها من غَيْرَ أنْ يَنُوبَ عنها شَيْءٌ، وأيضاً فإنَّه يَلْزَمُ مِنْ ذلك أَنْ تكونَ الجملةُ مُفْلَتَةً مِمَّا قبلها، إِذْ ليس لها مَوْضِعٌ من الإِعْرابِ، وليست مُعْترضةً، ولا مفسِّرةً، ولا صلةً. والمِهَادُ فيه قولان: أحدهما: أَنَّهُ جَمْعُ "مَهْدٍ"، وهو ما يُوطَّأُ للنوم قال تعالى: و {أية : فَرَشْنَٰهَا فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ}تفسير : [الذاريات: 48]. والثاني: أنه اسمٌ مُفْردٌ، سُمِّيَ به الفِرَاشُ المُوَطَّأُ للنَّوم وقِيل: "المُسْتَقِر" كقوله تعالى: {أية : جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ}تفسير : [إبراهيم: 29] وهذا مِنْ باب التَّهَكم والاستهزاءِ، أي: جُعِلَتْ جَهَنَّمُ لهم بَدَلَ مِهادٍ يَفْترشُونَهُ؛ وهو كقوله:[الوافر] شعر : 1018 - وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ تفسير : أي: القائمُ لهم مقامَ التحيةِ، الضربُ الوَجِيع.
البقاعي
تفسير : ولما كان قد أمرهم بذكره عند قضاء الأركان وكان ربما فهم اقتصارهم عليه في الوقت الذي كانوا يذكرون فيه آباءهم قال معمّماً وليكون الحث عليه آكد لتكرير الندب إليه بصيغة الأمر فيكون أضخم لشأنه: {واذكروا} بالرمي، أمر بالرمي وعبر عنه بالذكر ليشمل كل ذكر لسانياً كان أو غيره {الله} أي لما يستحقه في ذاته من الكمال {في أيام} ولما كانت لا تحتاج إلى غير العد لكونها قليلة وبعد الأيام التي يحتاط في أمرها بالرأي وغيره حتى تكون معلومات قال جامعاً صفة ما لا يعقل بما اطرد فيها من الألف والتاء إذا كان موصوفها جمع قلة: {معدودات} وهي أيام إقامتكم بمنى في ضيافته سبحانه لفعل بقية ما عليكم من تتمات العبادات الحجية أولها يوم القر، وهو الحادي عشر ليستقر الناس فيه بمنى، ثانيها يوم النفر الأول، ثالثها يوم النفر الأعظم، والثلاثة تسمى أيام التشريق، وهى مع يوم العيد تسمى أيام النحر. والأربعة مع يوم عرفة أيام التكبير والذكر، ولما فهم من هذا أنه لا بد من الإقامة بها - في مدة الثلاثة الأيام نفى ذلك ميسراً لأنّ الحج يجمع القوي والضعيف والخادم والمخدوم، والضعيف في هذا الدين أمير على القوي فقال مشيراً إلى أن الإنسان في ذلك الجمع الأعظم له نازعان نازع ينزع إلى الإقامة في تلك الأماكن المرضية والجماعات المغفورة ونازع ينزعه إلى أهله وأوطانه وعشائره وإخوانه: {فمن تعجل} منكم النفر للرجوع إلى أوطانه {في يومين} منها {فلآ إثم عليه} والعجلة فعل الشيء قبل وقته الأليق به، وقيد باليومين إعلاماً بأن من أدركه غروب اليوم الثاني بمنى وهو مقيم لزمه مبيت الليلة الثالثة ورمى اليوم الثالث، فإن نفر قبل غروبه سقط عنه المبيت والرمي، قال في شرح المهذب: بلا خلاف، وكذا إن أدركه الغروب وهو راحل قبل أن ينفصل منها، ولم يقيد التأخر لأن نهايته باليوم الثالث معروفة من أن الأيام ثلاثة. ولما كان ذلك ربما أفهم أن المتأخر يلحقه إثم كما كان أهل الجاهلية يقولون وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم قوماً يسابقون إلى المعالي وكان سبحانه وتعالى يريد الرفق بأهل هذا الدين ستر التصريح بالترغيب في التأخر فعبر عنه أيضاً بنفي الإثم كالأول بعد أن أشار إلى الترغيب فيه بالتعبير عن النفر الأول بالتعجل فقال: {ومن تأخر} أي فأقام في منى إلى تمام الثلاثة فرمى اليوم الثالث {فلآ إثم عليه} والتأخر إبعاد الفعل من الآن الكائن. قال الشيخ محيي الدين في شرح المهذب: قال الشافعي رضي الله تعالى عنه والأصحاب: يجوز النفر في اليوم الثاني من التشريق ويجوز في الثالث، وهذا مجمع عليه لقوله تعالى: {فمن تعجل} - الآية، قالوا: والتأخر إلى اليوم الثالث أفضل للأحاديث الصحيحة"حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر في اليوم الثالث ". تفسير : ولما كان مدار الأعمال البدنيات على النيات قيد ذلك بقوله: {لمن} أي هذا النفي للإثم عن القسمين لمن {اتقى} من أهلهما فأدار أفعاله على ما يرضي الله. ولما كان التقدير: فافعلوا ما شئتم من التعجل والتأخر عطف عليه ما علم أنه روحه فقال: {واتقوا الله} أي الذي له الإحاطة الشاملة. ولما كان الحج حشراً في الدنيا والانصراف منه يشبه انصراف أهل الموقف بعد الحشر عن الدنيا فريقاً إلى الجنّة وفريقاً إلى السعير ذكرهم بذلك بقوله: {واعلموا أنَّكم} جميعاً {إليه} لا إلى غيره {تحشرون *} بعد البعث، والحشر الجمع بكره، وهو واقع على أول خروجهم من الأجداث إلى انتهاء الموقف، فاعلموا لما يكون سبباً في انصرافكم منه إلى دار كرامته لا إلى دار إهانته. قال الحرالي: وكلية الحج ومناسكه مطابق في الاعتبار لأمر يوم الحشر ومواقفه من خروج الحاج من وطنه متزوداً كخروج الميت من الدنيا متزوداً بزاد العمل، ووصوله إلى الميقات وإهلاله متجرداً كانبعاثه من القبر متعرياً، وتلبيته في حجه كتلبيته في حشره {أية : مهطعين إلى الداع} تفسير : [القمر: 80] كذلك اعتباره موطناً إلى غاية الإفاضة والحلول بحرم الله في الآخرة التي هي الجنة، والشرب من ماء زمزم التي هي آية نزل الله لأهل الجنة على وجوه من الاعتبارات يطالعها أهل الفهم واليقين، فلأجل ذلك كان أتم ختم لأحكام الحج ذكر الحشر - انتهى. وهنا تم ما أراد سبحانه وتعالى من بيان قواعد الإسلام الخمس: الإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج، المشار إلى الثلاث الأول منها بقوله تعالى أول السورة: {أية : يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} تفسير : [البقرة: 3] وذكر الحج لمزيد الاعتناء به لاحقاً للصوم بعد ذكره سابقاً عليه، ولعل ذلك هو السبب في تقديم الصوم على الحج تارة وتأخيره أخرى في روايات حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في الصحيح "حديث : بني الإسلام على خمس ". تفسير : ولما كان قد ذكر سبحانه وتعالى الراغب في الدنيا وحدها والراغب في الدارين وكان قد بقي من الأقسام العقلية المعرض عنهما وهو مفقود فلم يذكره والراغب في الآخرة فقط، وكل من الأقسام تارة يكون مسرّاً وتارة يكون معلناً وكان المحذور منها - إنما هو المسر لإرادة الدنيا بإظهاره لإرادة الآخرة وكان هذا هو المنافق بدأ به بعد ذكر التقوى والحشر ليكون مصدوعاً بادىء بدء بذلك الأمر مقصوداً بالتهديد بالحشر وساقه بصيغة ما في أول السورة من ذكر المنافقين ليتذكر السامع تلك القصص ويستحضرها بتلك الأحوال وحسن ذلك طول الفصل وبعد العهد فقال: {ومن الناس من} أي شخص أو الذي {يعجبك} أي يروقك ويأخذ بمجامع قلبك أيها المخاطب {قوله} كما ذكرنا أول السورة أنه يخادع، ويعجب من الإعجاب وهو من العجب وهو كون الشيء خارجاً عن نظائره من جنسه حتى يكون ندرة في صنعه - قاله الحرالي. وقال الأصبهاني: حالة تغشى الإنسان عند إدراك كمال مجهول السبب، وعن الراغب أنه قال: وليس هو شيئاً له في ذاته حالة بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب ومن لا يعرفه، وحقيقة أعجبني كذا: ظهر لي ظهوراً لم أعرف سببه. ولما كان ذكر هذا بعد ذكر الحشر ربما أوهم أن يكون القول أو الإعجاب واقعاً في تلك الحالة قيده بقوله: {في} أي الكائن في {الحياة الدنيا} لا يزداد في طول مدته فيها إلا تحسيناً لقوله وتقبيحاً لما يخفى من فعله و أما في الآخرة فكلامه غير حسن ولا معجب {ويشهد الله} المستجمع لصفات الكمال {على ما في قلبه} أنه مطابق لما أظهره بلسانه {وهو} أي والحال أنه {ألدّ الخصام *} أي يتمادى في الخصام بالباطل لا ينقطع جداله كل ذلك وهو يظهر أنه على الحسن الجميل ويوجه لكل شيء من خصامه وجهاً يصرفه عما أراد به من القباحة إلى الملاحة، واللدد شدة الخصومة، والخصام القول الذي يسمع المصيح ويولج في صماخه ما يكفه عن مزعمه ودعواه - قاله الحرالي. وقال الأصبهاني: هو التعمق في البحث عن الشيء والمضايقة فيه ويجوز أن يجعل الخصام ألد على المبالغة - انتهى. ولما ذكر أنه ألد شرع يذكر وجه لدده فقال عاطفاً على ما تقديره: فإذا واجهك اجتهد في إظهار أنه مصلح أو تكون جملة حالية {وإذا تولى} أي أعرض بقلبه أو قاله عمن خدعه بكلامه، وكنى بالتعبير بالسعي عن الإسراع في إيقاع الفتنة بغاية الجهد فقال: {سعى} ونبه على كثرة فساده بقوله: {في الأرض} أي كلها بفعله وقوله عند من يوافقه {ليفسد} أي ليوقع الفساد وهو اسم لجميع المعاصي {فيها} أي في الأرض في ذات البين لأجل الإهلاك والناس أسرع شيء إليه فيصير له مشاركون في أفعال الفساد، فإذا فعل منه ما يريد كان معروفاً عندهم فكان له عليه أعوان وبين أنه يصل بإفساده إلى الغاية بقوله مسمياً المحروث حرثاً مبالغة: {ويهلك الحرث} أي المحروث الذي يعيش به الحيوان، قال الحرالي سماه حرثاً لأنه الذي نسبه إلى الخلق، ولم يسمه زرعاً لأن ذلك منسوب إلى الحق - انتهى. ولأنه إذا هلك السبب هلك المسبب من غير عكس {والنسل} أي المنسول الذي به بقاء نوع الحيوان. قال الحرالي: وهو استخراج لطيف الشيء من جملته - انتهى. وفعله ذلك للإفساد ونظمت الآية هكذا إفهاماً لأن المعنى أن غرضه أولاً بإفساد ذات البين التوصل إلى الإهلاك وثانياً بالإهلاك التوصل إلى الإفساد {والله} أي والحال أن الملك الأعظم {لا يحب الفساد *} أي لا يفعل فيه فعل المحب فلا يأمر به بل ينهى عنه ولا يقر عليه بل يغيره وإن طال المدى ويعاقب عليه، ولم يقل: الهلاك، لأنه قد يكون صورة فقط فيكون صلاحاً كما إذا كان قصاصاً ولا قال: الإفساد يشمل ما إذا كان الفساد عن غير قصد، والآية من الاحتباك، ذكر أولاً الإفساد ليدل على حذفه ثانياً وثانياً الإهلاك ليدل على حذفه أولاً، وذكر الحرث الذي هو السبب دلالة على الناسل والنسل الذي هو المسبب دلالة على الزرع فهو احتباك ثان. ولما كان من الناس من يفعل الفساد فإذا نهى عنه انتهى بين أن هذا على غير ذلك تحقيقاً لألديته فقال مبشراً بأداة التحقيق بأنه لا يزال في الناس من يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: {وإذا قيل له} من أي قائل كان {اتق الله} أي الملك الأعظم الذي كل شيء تحت قهره واترك ما أنت عليه من الفساد {أخذته} أي قهرته لما له من ملكة الكبر {العزة} في نفسه لما فيها من الكبرياء والاستهانة بأمر الله، وليس من شأن الخلق الاتصاف بذلك فإن العزة لله جميعاً {بالإثم} أي مصاحباً للذنب، وهو العمل الرذل السافل وما - لا يحل ويوجب العقوبة باحتقار الغير والاستكبار عليه. ولما كان هذا الشأن الخبيث شأنه دائماً يمهد به لنفسه التمكين مما يريد سبب عنه قوله: {فحسبه} أي كفايته {جهنم} تكون مهاداً له كما مهد للفساد، وتخصيص هذا الاسم المنبىء عن الجهامة في المواجهة أي الاستقبال بوجه كريه لما وقع منه من المواجهة لمن أمره من مثله. قال الحرالي: فلمعنى ما يختص بالحكم يسمي تعالى النار باسم من أسمائها - انتهى. {ولبئس المهاد *} هي والمهاد موطن الهدوء والمستطاب مما يستفرش ويوطأ - قاله الحرالي، وقال: فيه إشعار بإمهال الله عزّ وجلّ لهذه الأمة رعاية لنبيها فأحسب فاجرها وكافرها بعذاب الآخرة، ولو عاجل مؤمنها بعقوبة الدينا فخلص لكافرها الدنيا ولمؤمنها الآخرة وأنبأ بطول المقام والخلود فيها. ولما أتم الخبر عن هذا القسم الذي هو شر الأقسام أتبعه خيرها ليكون ختاماً وبينهما تباين فإن الأول من يهلك الناس لاستبقاء نفسه وهذا يهلك نفسه لاستصلاح الناس فقال: {ومن الناس من} أي شخص أو الذي {يشري} أي يفعل هذا الفعل كلما لاح له وهو أنه يبيع بغاية الرغبة والانبعاث {نفسه} فيقدم على إهلاكها أو يشتريها بما يكون سبب إعتاقها وإحيائها بالاجتهاد في أوامر الله بالنهي لمثل هذا الألد عن فعله الخبيث والأمر له بالتقوى والتذكير بالله، وروي أنها نزلت في صهيب رضي الله تعالى عنه لأنه لما هاجر أرادت قريش رده فجعل لهم ماله حتى خلوا سبيله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ربح البيع" تفسير : فعلى هذا يكون شرى بمعنى اشترى، ثم علل ذلك بقوله: {ابتغآء} أي تطلب وتسهل وتيسر بغاية ما يمكن أن يكون كل من ذلك {مرضات الله} أي رضى المحيط بجميع صفات الكمال وزمان الرضى ومكانه بما دل عليه كون المصدر ميمياً ويكون ذلك غاية في بابه بما دل عليه من وقفه بالتاء الممدودة لما يعلم من شدّة رحمة الله تعالى به {والله رؤوف} أي بالغ الرحمة، وأظهر موضع الإضمار دلالة على العموم وعلى الوصف المقتضي للرحمة والشرف فقال: {بالعباد *} كلهم حيث أسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة مع كفرهم به أو تقصيرهم في أمره، وبين لهم الطريق غاية البيان بالعقل أولاً والرسل ثانياً والشرائع ثالثاً والكتب الحافظة لها رابعاً، ولعل الفصل بين الأقسام الأربعة بالأيام المعدودات اهتماماً بأمرها لكونها من فعل الحج وتأخيرها عن أخواتها إشارة إلى أنها ليست من دعائم المناسك بل تجبر بدم. ولما ختم هذين القسمين بالساعي في رضى الله عنه مشاكلة للأولين حسن جداً تعقيبه بقوله: {يا أيها الذين آمنوا} ليكون هذا النداء واقعاً بادىء بدء في أذن هذا الواعي كما كان المنافق مصدوعاً بما سبقه من التقوى والحشر مع كونه دليلاً على صفة الرأفة، وتكرير الأمر بالإيمان بين طوائف الأعمال من أعظم دليل على حكمة الآمر به فإنه مع كونه آكد لأمره وأمكن لمجده وفخره يفهم أنه العماد في الرشاد الموجب للإسعاد يوم التناد فقال: {ادخلوا في السلم} أي الإيمان الذي هو ملزم لسهولة الانقياد إلى كل خير، وهو في الأصل بالفتح والكسر الموادعة في الظاهر بالقول والفعل أي يا من آمن بلسانه كهذا الألد ليكن الإيمان أو الاستلام بكلية الباطن والظاهر ظرفاً محيطاً بكم من جميع الجوانب فيحيط بالقلب والقالب كما أحاط باللسان ولا يكون لغرامة الجهل وجلافة الكفر إليكم سبيل {كآفة} أي وليكن جميعكم في ذلك شرعاً واحداً كهذا الذي يشري نفسه، ولا تنقسموا فيكون بعضكم هكذا وبعضكم كذلك الألد، فإن ذلك دليل الكذب في دعوى الإيمان. ولما كان الإباء والعناد الذي يحمل عليه الأنفة والكبر فعل الشيطان وثمرة كونه من نار قال: {ولا تتبعوا} أي تكلفوا أنفسكم من أمر الضلال ضد ما فطرها الله تعالى عليه وسهله لها من الهدى {خطوات الشيطان} أي طرق المبعد المحترق في الكبر عن الحق. قال الحرالي: ففي إفهامه أن التسليط في هذا اليوم له، وفيه إشعار وإنذار بما وقع في هذه الأمة وهو واقع وسيقع من خروجهم من السلم إلى الاحتراب بوقوع الفتنة في الألسنة والأسنة على أمر الدنيا وعودهم إلى أمور جاهليتهم، لأن الدنيا أقطاع الشيطان كما أن الآخرة خلاصة الرحمن، فكان ابتداء الفتنة منذ كسر الباب الموصد على السلم وهو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فلم يزل الهرج ولا يزال إلى أن تضع الحرب أوزارها. ثم علل ذلك سبحانه وتعالى بقوله: {إنه لكم عدو مبين *} أي بما أخبرناكم به في أمر أبيكم آدم عليه الصلاة والسلام وغير ذلك مما شواهده ظاهرة، وما أحسن هذا الختم المضاد لختم التي قبلها! فإن تذكر الرأفة منه سبحانه على عظمته والعبودية منا الذي هو معنى الولاية التي روحها الانقياد لكل ما يحبه الولي وتذكر عداوة المضل أعظم منفر منه وداع إلى الله سبحانه وتعالى. ولما أقام سبحانه وتعالى الأدلة على عظمته التي منها الوحدانية وأزال الشبه ومحا الشكوك وذكر بأنواع اللطف والبر إلى أن ختم الآيتين بما ذكر من ولايته وعداوة المضل عن طريقه سبب عن ذلك قوله {فإن زللتم} مشيراً بأداة الشك إلى أنهم صاروا إلى حالة من وضوح الطريق الواسع الأمكن الأمين المستقيم الأسلم يبعد معها كل البعد أن يزلوا عنه ولذلك قال: {من بعد ما جاءتكم البينات} أي بهذا الكتاب الذي لا ريب فيه. قال الحرالي: بينات التجربة شهوداً ونبأ عما مضى وتحققاً بما وقع، وقال: إن التعبير بأن يشعر بأنهم يستزلون، والتعبير بالماضي إشعار بالرجوع عنه رحمة من الله لهم كرحمته قبل لأبويهم حين أزلهما الشيطان فكما أزل أبويهم في الجنة عن محرم الشجرة أزلهم في الدنيا عن شجرة المحرمات من الدماء والأموال والأعراض - انتهى. ولما كان الخوف حاملاً على لزوم طريق السلامة قال: {فاعلموا} فإن العلم أعون شيء على المقاصد {أن الله} الحاوي لصفات الكمال {عزيز} لا يعجزه من زل ولا يفوته من ضل {حكيم} يبرم ما لا يقدر أحد على نقض شيء منه. ولما كان هذا الختم مؤذناً بالعذاب وكان إتيان العذاب من محل تتوقع منه الرحمة أفظع وكان أنفع الأشياء السحاب لحمله الغيث والملائكة الذين هم خير محض وكان الذين شاهدوا العذاب من السحاب الذي هو مظنة الرحمة ليكون أهول عاداً وبني إسرائيل وكان عاد قد مضوا فلا يمكن عادة سؤالهم وكان من زل بعد هذا البيان قد أشبه بني إسرائيل في هذا الحال فكان جديراً بأن يشبههم في المآل فيما صاروا إليه من ضرب الذلة والمسكنة وحلول الغضب والوقوع في العطب قال تعالى: {هل ينظرون} أي ينتظرون إذا زلوا. سائقاً له في أسلوب الإنكار، وصيغة الغيبة مجردة عن الافتعال تنبيهاً على أن الزالين في غاية البعد عن مواطن الرأفة والاستحقاق بمظهر الكبر والنقمة بإعراض السيد عن خطابهم وإقباله من عذابهم على ما لم يكن في حسابهم {إلا أن يأتيهم الله} أي مجد الذي لا يحتمل شيء تجلى عظمته وظهور جلاله، كائناً مجده {في ظلل من الغمام} ظلة في داخل ظلة، وهي ما يستر من الشمس فهي في غاية الإظلام والهول والمهابة لما لها من الكثافة التي تغم على الرائي ما فيها وتدمر ما أتت عليه - إلى غير ذلك من أنواع المجد الذي لا يقدره حق قدره إلا الله {والملائكة} أي ويأتي جنده الذين لا يعصون الله ما أمرهم، هذا على قراءة الجماعة، وعلى قراءة أبي جعفر بالخفض، المعنى وظلل من الملائكة أي جماعات يملؤون الأقطار ليتبادروا إلى امتثال أوامره؛ وهل ينتظرون من القوي المحكم لما يفعل العزيز الذي يعلو أمره كل أمر إلا إتيانه بالبأس إذا غضب بعد طول الحلم وتمادي الأناة فلا يرد بأسه ولا يعارض أمره وهو المراد من قوله: {وقضي} أي والحال أنه قد قضي {الأمر} أي نفذ بإهلاكهم سريعاً فرجعوا إلى الله سبحانه وتعالى بأسرهم لا يملكون لأنفسهم شيئاً {وإلى الله} الذي له الإحاطة الكاملة وحده {ترجع الأمور} كلها دنيا وأخرى، فإن حكمه لا يرد وقدرته لا تحد. قال الحرالي: وإتيان الله في محل الإيمان أمر مبهم لا يناله علم العالمين ويقف دونه إيمان المؤمنين، لا يأخذونه بكيف ولا يتوهمونه بوهم، وإتيان الله في أوائل فهم الفاهمين بدو أمره وخطابه في محل ما من السماء والأرض أو العرش أو الكرسي أو ما شاء من خلقه؛ فهو تعالى يجل أن يحجبه كون، فحيث ما بدأ خطابه كفاحاً لا بواسطة فهناك هو {أية : وناديناه من جانب الطور الأيمن} تفسير : [مريم: 52] إلى: {أية : إني أنا الله} تفسير : [طه: 14] وفي الكتاب الأول: جاء الله من سيناء - انتهى. وتمامه: وشرق من جبل ساعير وظهر لنا من جبال فاران؛ والمراد بالأول نبوة موسى عليه الصلاة والسلام وهو واضح، وبالثاني نبوة عيسى عليه الصلاة والسلام، فإن جبل ساعير هو جبل الجليل وهو الذي بين طبرية ومرج بني عامر، وبالثالث نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فإن فاران هي مكة المشرفة.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: الأيام المعدودات ثلاثة أيام: يوم الأضحى، ويومان بعده، إذبح في أيها شئت، وأفضلها أولها. وأخرج الفريابي وابن أبي الدنيا وابن المنذر عن ابن عمر في قوله {واذكروا الله في أيام معدودات} قال: ثلاثة أيام، أيام التشريق. وفي لفظ: هي الثلاثة الأيام بعد يوم النحر. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والمروزي في العيدين وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب والضياء في المختارة من طرق عن ابن عباس قال: الأيام المعلومات أيام العشر، والأيام المعدودات أيام التشريق. وأخرج الطبراني عن عبدالله بن الزبير {واذكروا الله في أيام معدودات} قال: هن أيام التشريق يذكر الله فيهن بتسبيح وتهليل وتكبير وتحميد. وأخرج ابن أبي الدنيا والمحاملي في أماليه والبيهقي عن مجاهد قال: الأيام المعلومات العشر، والأيام المعدودات أيام التشريق. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الأيام المعدودات أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده. وأخرج المروزي عن يحيى بن كثير في قوله {واذكروا الله في أيام معدودات} قال: هو التكبير في أيام التشريق دبر الصلوات. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر. أنه كان يكبر تلك الأيام بمنى ويقول: التكبير واجب، ويتأوّل هذه الآية {واذكروا الله في أيام معدودات} . وأخرج المروزي وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عمرو بن دينار قال: رأيت ابن عباس يكبر يوم النحر ويتلو {واذكروا الله في أيام معدودات}. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {واذكروا الله في أيام معدودات} قال: التكبير أيام التشريق، يقول في دبر كل صلاة: الله أكبر الله أكبر الله أكبر. وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر. أنه كان يكبر ثلاثاً ثلاثاً وراء الصلوات بمنى: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وأخرج المروزي عن الزهري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر أيام التشريق كلها. وأخرج سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: "سمعت ابن عباس يكبر يوم الصدر ويأمر من حوله أن يكبر، فلا أدري تأوّل قوله تعالى {واذكروا الله في أيام معدودات} أو قوله {فإذا قضيتم مناسككم} الآية". وأخرج مالك عن يحيى بن سعيد، أنه بلغه أن عمر بن الخطاب خرج الغد من يوم النحر بمنى حتى ارتفع النهار شيئاً، فكبر وكبر الناس بتكبيره حتى بلغ تكبيرهم البيت، ثم خرج الثالثة من يومه ذلك حين زاغت الشمس، فكبر وكبر الناس بتكبيره، فعرف أن عمر قد خرج يرمي. وأخرج البيهقي في سننه عن سالم بن عبد الله بن عمر "أنه رمى الجمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة الله أكبر الله أكبر، اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وعملاً مشكوراً، وقال: حدثني أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كلما رمى بحصاة يقول مثل ما قلت". وأخرج البخاري والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر "أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على كل حصاة ثم يتقدم حتى يسهل، فيقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلاً ويدعو، ويرفع يديه ويقوم طويلاً، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف ويقول: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله". وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة قالت "أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع فمكث بمنى ليالي التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى وعند الثانية، فيطيل القيام ويتضرع، ثم يرمي الثالثة ولا يقف عندها". وأخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة "حديث : هات القط لي حصيات من حصى الخذف، فلما وضعهن في يده قال: بأمثال هؤلاء وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين ". تفسير : وأخرج الحاكم عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء أن يرموا يوماً ويدعوا يوماً". وأخرج الأزرقي عن ابن الكلبي قال: إنما سميت الجمار جمار لأن آدم كان يرمي إبليس فيتجمر بين يديه، والإِجمار الإِسراع. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري قال: ما يقبل من حصى الجمار رفع. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: رمى الناس في الجاهلية والإِسلام. فقال: ما تقبل منه رفع، ولولا ذلك كان أعظم من ثبير. وأخرج الأزرقي عن ابن عباس أنه سئل هذه الجمار ترمى في الجاهلية والإِسلام، كيف لا تكون هضاباً تسد الطريق؟ فقال: إن الله وكل بها، ملكاً فما يقبل منه رفع ولم يقبل منه ترك. وأخرج الأزرقي عن ابن عباس قال: والله ما قبل الله من امرىء حجه إلا رفع حصاه. وأخرج الأزرقي عن ابن عمر أنه قيل له: ما كنا نتراءى في الجاهلية من الحصى والمسلمون اليوم أكثر، إنه لضحضاح؟ فقال: إنه - والله - ما قبل الله من امرىء حجه إلا رفع حصاه. وأخرج الأزرقي عن سعيد بن جبير قال: إنما الحصى قربان فما يقبل منه رفع، وما لم يتقبل منه فهو الذي يبقى. وأخرج الطبراني في الأوسط والدارقطني والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري قال "حديث : قلنا: يا رسول الله هذه الأحجار التي يرمى بها كل سنة فنحسب أنها تنقص!... قال: ما يقبل منها يرفع، ولولا ذلك لرأيتموها مثل الجبال ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عمر أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن رمي الجمار وما لنا فيه؟ فسمعته يقول: "حديث : تجد ذلك عند ربك أحوج ما تكون إليه ". تفسير : وأخرج الأزرقي عن ابن عباس. أنه سئل عن منى وضيقه في غير الحج فقال: إن منى تتسع بأهلها كما يتسع الرحم للولد. وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مثل منى كالرحم هي ضيقة، فإذا حملت وسعها الله ". تفسير : وأخرج الأزرقي عن ابن عباس قال: إنما سميت منى منى لأن جبريل حين أراد أن يفارق آدم قال له: تمن. قال: أتمنى الجنة، فسميت منى لأنها منية آدم". وأخرج الأزرقي عن عمر بن مطرف قال: إنما سميت منى لما يمنى بها من الدماء. وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة قالت "حديث : قيل: يا رسول الله ألا نبني لك بناء يظلك؟ قال: لا، منى مناخ من سبق ". تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ونحن بمنى: "حديث : لو يعلم أهل الجمع بمن حلوا لاستبشروا بالفضل بعد المغفرة ". تفسير : وأخرج مسلم والنسائي عن نبيشة الهدبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منى، لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى". وأخرج ابن جرير عن عائشة قالت: "حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق، وقال: هي أيام أكل وشرب وذكر الله ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي الشعثاء قال: "حديث : دخلنا على ابن عمر في اليوم الأوسط من أيام التشريق، فأتى بطعام فتنحى ابن له فقال: ادن فاطعم قال: إني صائم. قال: أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "هذه أيام طعم وذكر" "؟. تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن مسعود بن الحكم الزرقي عن أمه أنها حدثته قالت "حديث : كأني أنظر إلى عليّ على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء في شعب الأنصار، وهو يقول: أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها ليست أيام صيام، إنها أيام أكل وشرب وذكر ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر بن خلدة الأنصاري عن أمه قالت "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً أيام التشريق ينادي: إنها أيام أكل وشرب وبعال". وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن ماجة عن بشر بن شحيم "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب أيام التشريق فقال: لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن هذه الأيام أيام أكل وشرب ". تفسير : وأخرج مسلم عن كعب بن مالك "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأوس بن الحدثان أيام التشريق، فنادى: أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب". وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وابن أبي الدنيا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أيام منى أيام أكل وشرب ". تفسير : وأخرج أبو داود وابن أبي الدنيا والحاكم وصححه عن أبي مرة مولى أم هانىء، أنه دخل مع عبد الله على أبيه عمرو بن العاص، فقرب إليهما طعاماً فقال: كل، فقال: إني صائم. قال عمرو: كل فهذه الأيام التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بإفطارها وينهانا عن صيامها. قال مالك: وهن أيام التشريق. وأخرج ابن أبي الدنيا والبزار عن أبي هريرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام ستة أيام من السنة: يوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق، واليوم الذي يشك فيه من رمضان". وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن عمر "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام أيام التشريق، وقال: إنها أيام أكل وشرب ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن قتادة أنه سئل عن أيام التشريق، لأي شيء سميت التشريق؟ فقال: كانوا يشرقون لحوم ضحاياهم وبدنهم، يشرقون القديد. أما قوله تعالى: {فمن تعجل في يومين} الآية. أخرج وكيع وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} قال: في تعجيله {ومن تأخر فلا إثم عليه} في تأخيره. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} قال: فلا ذنب له {ومن تأخر فلا إثم عليه} قال: فلا حرج عليه لمن اتقى. يقول: اتقى معاصي الله. وأخرج الفريابي وابن جرير عن ابن عمر قال: أحلَّ النفر في يومين لمن اتقى. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: من غابت له الشمس في اليوم الذي قال الله فيه {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} وهو منى، فلا ينفرن حتى يرمى الجمار من الغد. وأخرج سفيان بن عيينة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {لمن اتقى} قال: لمن اتقى الصيد وهو محرم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: هي في مصحف عبد الله (لمن اتقى الله). وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عبد الله بن يعمر الديلمي "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو واقف بعرفة وأتاه أناس من أهل مكة فقالوا: يا رسول الله كيف الحج؟ فقال: الحج عرفات، الحج عرفات، فمن أدرك ليلة جمع قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك أيام منى ثلاثة أيام {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} ثم أردف رجلاً خلفه ينادي بهن ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن علي في قوله {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} قال: غفر له {ومن تأخر فلا إثم عليه} قال: غفر له. وأخرج وكيع والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} قال: مغفور له {ومن تأخر فلا إثم عليه} قال: مغفور له. وأخرج البيهقي في سننه عن ابن عباس في الآية قال: من تعجل في يومين غفر له، ومن تأخر إلى ثلاثة أيام غفر له. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} قال: رجع مغفوراً له. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: رخص الله أن ينفروا في يومين إن شاؤوا، ومن تأخر إلى اليوم الثالث فلا إثم عليه لمن اتقى. قال قتادة: يرون أنها مغفورة له. وأخرج وكيع وابن أبي شيبة عن مجاهد {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} قال: إلى قابل {ومن تأخر فلا إثم عليه} قال: إلى قابل. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: لا والذي نفس الضحاك بيده إن نزلت هذه الآية {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} في الإِقامة والظعن، ولكنه برئ من الذنوب. وأخرج سفيان بن عيينة وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن مسعود {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} قال: خرج من الإِثم كله {ومن تأخر فلا إثم عليه} قال: برىء من الإِثم كله. وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله {لمن اتقى} قال: لمن اتقى في حجه. قال قتادة: وذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول: من اتقى في حجه غفر له ما تقدم من ذنبه. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح قال: كانت امرأة من المهاجرات تحج، فإذا رجعت مرت على عمر فيقول لها: أتقيت؟ فتقول: نعم. فيقول لها: استأنفي العمل. وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد. أن عمر قال لقوم حجاج: أنهزكم إليه غيره؟ قالوا: لا. قال: أتقيتم؟ قالوا: نعم. قال: أما لا فاستأنفوا العمل. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} قال: قد غفر له إنهم يتأولونها على غير تأويلها، إن العمرة لتكفر ما معها من الذنوب، فكيف بالحج؟!. وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن معاوية بن مرة المزني {فلا إثم عليه} قال: خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: إنما جعل الله هذه المناسك ليكفر بها خطايا بني آدم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي العالية في قوله {فلا إثم عليه لمن اتقى} قال: ذهب إثمه كله إن اتقى فيما بقي من عمره. وأخرج البيهقي في الشعب عن الحسن. أنه قيل له: الناس يقولون: إن الحاج مغفور له، قال إنه ذلك أن يدع سيء ما كان عليه. وأخرج البيهقي عن خيثمة بن عبد الرحمن قال: إذا قضيت حجك فسل الله الجنة فلعله. وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن إبراهيم قال: كان يقال: صافحوا الحجاج قبل أن يتلطخوا بالذنوب. وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال: تلقوا الحجاج والعمار والغزاة، فليدعوا لكم قبل أن يتدنسوا. وأخرج ابن أبي شيبة عن حبيب بن أبي ثابت قال: كنا نلتقي الحجاج فنصافحهم قبل أن يفارقوا. وأخرج الأصبهاني عن الحسن. أنه قيل له ما الحج المبرور؟ قال: أن يرجع زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة. وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أقضى أحدكم حجه فليعجل الرحلة إلى أهله، فإنه أعظم لأجره ". تفسير : وأخرج مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قفل من غزوة أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". وأخرج ابن حبان في الضعفاء وابن عدي في الكامل والدارقطني في العلل عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من حج ولم يزرني فقد جفاني ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وأبو يعلى والطبراني وابن عدي والدارقطني والبيهقي في الشعب وابن عساكر عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من حج فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي والبزار وابن خزيمة وابن عدي والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من زار قبري وجبت له شفاعتي ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من جاءني زائراً لم تنزعه حاجة إلا زيارتي كان حقاً علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة ". تفسير : وأخرج الطيالسي والبيهقي في الشعب عن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من زار قبري كنت له شفيعاً أو شهيداً، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله في الآمنين يوم القيامة ". تفسير : وأخرج البيهقي عن حاطب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة ". تفسير : وأخرج العقيلي في الضعفاء والبيهقي في الشعب عن رجل من آل الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من زارني متعمداً كان في جواري يوم القيامة، ومن سكن المدينة وصبر على بلائها كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أنس بن مالك "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من عبد يسلم عليّ عند قبري إلا وكل الله به ملكاً يبلغني، وكفى أمر آخرته ودنياه، وكنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من مسلم يسلم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام ". تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عمر "أنه كان يأتي القبر فيسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يمس القبر، ثم يسلم على أبي بكر ثم على عمر". وأخرج البيهقي عن محمد بن المنكدر قال: رأيت جابراً وهو يبكي عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ههنا تسكب العبرات، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"حديث : ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن منيب بن عبد الله بن أبي أمامة قال: رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فوقف، فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم انصرف. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن سليمان بن سحيم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم قلت: يا رسول الله هؤلاء الذين يأتونك فيسلّمون عليك أتفقه سلامهم؟ قال: نعم، وأرد عليهم. وأخرج البيهقي عن حاتم بن مروان قال: كان عمر بن عبد العزيز يوجه بالبريد قاصداً إلى المدينة ليقرىء عنه النبي صلى الله عليه وسلم السلام. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي فديك قال: سمعت بعض من أدركت يقول: بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فتلا هذه الآية {أية : إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً} تفسير : [الأحزاب: 56] صلى الله عليك يا محمد حتى يقولها سبعين مرة فأجابه ملك: صلى الله عليك يا فلان لم تسقط لك حاجة. وأخرج البيهقي عن أبي حرب الهلالي قال: حج أعرابي، فلما جاء إلى باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ راحلته، فعقلها ثم دخل المسجد حتى أتى القبر، ووقف بحذاء وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، جئتك مثقلاً بالذنوب والخطايا، مستشفعاً بك على ربك لأنه قال في محكم كتابه {أية : ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً}تفسير : [النساء: 64] وقد جئتك بأبي أنت وأمي مثقلاً بالذنوب والخطايا، استشفع بك على ربك أن يغفر لي ذنوبي وأن تشفع فيَّ، ثم أقبل في عرض الناس وهو يقول: شعر : يا خير من دفنت في الترب أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر. أنه كان يقول للحاج إذا قدم: تقبل الله نسكك، وأعظم أجرك، وأخلف نفقتك. وأخرج البيهقي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا قدم أحدكم على أهله من سفر فليهد لأهله، فليطرفهم ولو كان حجارة ".
ابو السعود
تفسير : {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} أي كبِّروه في أعقاب الصلواتِ وعند ذبحِ القرابـينِ ورمي الجمارِ وغيرِها {فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودٰتٍ} هي أيامُ التشريق {فَمَن تَعَجَّلَ} أي استعجَلَ في النفر أو النفْرَ فإن التفعّل والاستفعال يجيئان لازمين ومتعدّيـين يقال: تعجل في الأمر واستعجل فيه وتعجله واستعجله والأول أوفقُ للتأخر كما في قوله: [البسيط] شعر : قد يُدرك المتأني بعضَ حاجتِه وقد يكون من المستعجل الزللُ تفسير : {فِى يَوْمَيْنِ} أي في تمامِ يومين بعد يوم النحر وهو القرُّ ويومُ الرؤس واليومُ بعده ينفِر إذا فرَغ من رمي الجمار {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} بتعجله {وَمَن تَأَخَّرَ} في النفر حتى رمىٰ في اليوم الثالثِ قبل الزوالِ أو بعده، وعند الشافعيّ بعده فقط {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} بما صنعَ من التأخُّرِ، والمرادُ التخيـيرُ بـين التعجل والتأخر، ولا يقدح فيه أفضليةُ الثاني وإنما ورد بنفي الإثم تصريحاً بالرد على أهل الجاهلية حيث كانوا مختلفين فمن مُؤثِّمٍ للمتعجل ومؤثمٍ للمتأخر {لِمَنِ ٱتَّقَىٰ} خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي الذي ذُكر من التخيـير ونفي الإثم عن المتعجّل والمتأخر، أو من الأحكام لمن اتقى لأنه الحاج على الحقيقة والمنتفع به أو لأجله حتى لا يتضرِّرَ بترك ما يُهمُّه منهما {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في مَجامِع أمورِكم بفعل الواجبات وترك المحظورات ليعبأَ بكم وتنتظِموا في سلك المغتنمين بالأحكام المذكورة والرُخَص أو احذروا الإخلالَ بما ذُكر من الأحكام، وهو الأنسبُ بقوله عز وجل: {وَٱعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي للجزاء على أعمالكم بعد الإحياءِ والبعث، وأصلُ الحشر الجمعُ والضمُّ المتفرّق، وهو تأكيدٌ للأمر بالتقوى وموجب للامتثال به، فإن من علِم بالحشر والمحاسبة والجزاءِ كان ذلك من أقوى الدواعي إلى ملازمة التقوى. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} تجريدٌ للخطاب وتوجيهٌ له إليه عليه الصلاة والسلام وهو كلامٌ مبتدأ سيق لبـيان تحزُّب الناسِ في شأن التقوى إلى حِزبـين وتعيـينِ مآلِ كلٍّ منهما و(من) موصولة أو موصوفة وإعرابُه كما بـينا في قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } تفسير : [البقرة، الآية 8] أي ومنهم من يروقْك كلامُه ويعظُم موقعُه في نفسك لما تشاهد فيه من ملاءمة الفحوى ولُطف الأداءِ، والتعجُّب حِيْرةٌ تعرِضُ للإنسان بسبب عدمِ الشعور بسبب ما يتعجّب منه {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} متعلق بقولُه أي ما يقوله في حق الحياة الدنيا ومعناها فإنها الذي يريده بما يدّعيه من الإيمان ومحبةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، وفيه إشارةٌ إلى أن له قولاً آخرَ ليس بهذه الصفة أو بـيُعجبُك أي يعجبك قولُه في الدنيا بحلاوته وفصاحتِه لا في الآخرة لما أنه يظهر هناك كذِبُه وقُبحُه وقيل: لما يُرهِقه من الحبْسة واللُكنة وأنت خبـيرٌ بأنه لا مبالغة حينئذ في سوء حالِه فإن مآلَه بـيانُ حسنِ كلامِه في الدنيا وقبُحِه في الآخرة وقيل: معنى في الحياة الدنيا أي لا يصدُر منه فيها إلا القولُ الحسن {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ} أي بحسَب ادِّعائِه حيث يقول: الله يعلم أن ما في قلبـي موافِقٌ لما في لساني وهو عطفٌ على يُعجبُك، وقرىء ويُشهدُ الله، فالمرادُ بما في قلبه ما فيه حقيقةً، ويؤيده قراءةُ ابنِ عباس رضي الله عنهما (والله يشهَدُ على ما في قلبه) على أن كلمةَ على لكون المشهودِ به مُضِرّاً له، فالجملةُ اعتراضية وقرىء ويستشهدُ الله {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ} أي شديد العداوةِ والخصومةِ للمسلمين على أن الخِصامَ مصدرٌ وإضافة (ألدُّ) إليه بمعنى في كقولكم: ثبْتُ العذرِ، أو أشدُّ الخصوم لهم خصومةً على أنه جمع خَصْم كصَعْب وصِعاب قيل: نزلت في الأخنس بنِ شُرَيقٍ الثقفي وكان حسنَ المنظر حلوَ المنطق يوالي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ويدعي الإسلامَ والمحبة وقيل: في المنافقين والجملةُ حال من الضمير المجرور في قوله أو من المستكن في يُشهد وعطف على ما قبلها على القراءتين المتوسطتين.
القشيري
تفسير : هذه صفة أواخر النسك، وهو الرمي في أيام مِنًى لما قدموا بأركان الحج خَفَّفَ عنهم بأن خَيَّرهم في المقام والإفاضة والتعجيل في التفريق. والإشارة منه أَنَّ مَنْ خمدت نفسهُ، وَحى قلبُه واستدام بحقائق الشهود (سِرُّه). فإنْ سَقطَ عنه شيء من فروع الأوراد ففيما هو له مستديمُ من آداب الحضور عِوَضٌ عن الذي يفوت.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذكروا الله} اى كبروه اعقاب الصلوات وعند ذبح القرابين ورمى الجمار وغيرها {فى ايام معدودات} فى ايام التشريق هى ثلاثة ايام بعد يوم النحر. اولها يوم القر وهو الحادى عشر من ذى الحجة يستقر الناس فيه بمنى. والثانى يوم النفر الاول لان بعض الناس ينفرون فى هذا اليوم من منى. والثالث يوم النفر الثانى وهذه الايام الثلاثة مع يوم النحر ايام رمى الجمار وايام التكبير ادبار الصلوات وفى الحديث "حديث : كبر دبر كل صلاة من يوم عرفة الى آخر ايام التشريقbr>". تفسير : وسميت معدودات لقلتهن كقوله تعالى {أية : دراهم معدودة} تفسير : [يوسف: 20]. اى قليلة. والايام المعلومات فى قوله تعالى {أية : ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات} تفسير : [الحج: 28]. فى سورة الحج عشر ذى الحجة آخرهن يوم النحر. وفى الكواشى معدودات جمع معدودة وايام جمع يوم ولا ينعت المذكر بمؤنث فلا يقال يوم معدودة وقياسه فى ايام معدودة لان الجمع قد ينعت بالمؤنث كقوله تعالى {أية : لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} تفسير : [البقرة: 80]. قالوا ووجهه انه اجرى معدودات على لفظ ايام وقابل الجمع بالجمع مجازا انتهى {فمن تعجل} اى استعجل وطلب الخروج من منى {فى يومين} فى تمام يومين بعد يوم النحر واكتفى برمى الجمار فى يومين من هذه الايام الثلاثة فلم يمكث حتى يرمى فى اليوم الثالث {فلا إثم عليه} بهذا التعجيل وهو مرخص له فعند ابى حنيفة رحمه الله ينفر قبل طلوع الفجر من اليوم الثالث ومحصله ان على الحاج ان يبيت بمنى الليلة الاولى والثانية من ايام التشريق ويرمى كل يوم بعد الزوال احدى وعشرين حصاة عند كل جمرة سبع حصيات ورخص فى ترك البيتوتة لرعاء الابل واهل سقاية الحاج ثم كل من رمى اليوم الثانى من ايام التشريق واراد ان ينفر بعد البيتوتة فى الليلة الاولى والثانية من ايام التشريق ورمى يوميهما فذلك له واسع لقوله تعالى {فمن تعجل فى يومين فلا اثم عليه} ومن لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه ان يبيت حتى يرمى اليوم الثالث ثم ينفر {ومن تأخر} عن الخروج حتى رمى فى اليوم الثالث قبل الزوال او بعده ثم يخرج اذا فرغ من رمى الجمار كما يفعل الناس الآن وهو مذهب الشافعى والامامين {فلا اثم عليه} بترك الترخص والمعنى انهم خيرون بين التعجيل والتأخير. فان قلت أليس التأخير بافضل. قلت بلى ويجوز ان يقع التخيير بين الفاضل والافضل كما خير المسافر بين الصوم والافطار وان كان الصوم افضل وانما اورد بنفى الاثم تصريحا بالرد على اهل الجاهلية حيث كانوا فريقين منهم من جعل المتعجل آثما ومنهم من جعل المتأخر آثما فورد القرآن بنفى الاثم عنهما جميعا {لمن اتقى} خبر مبتدأ محذوف اى الذى ذكر من التخيير ونفى الاثم عن المتعجل والمتأخر لمن اتقى اى مختص بمن اتقى المناهى لانه الحاج على الحقيقة والمنتفع به لانه تعالى قال {أية : إنما يتقبل الله من المتقين} تفسير : [المائدة: 27]. ومن كان ملوثا بالمعاصى قبل حجه وحين اشتغاله به لا ينفعه حجه وان كان قد ادى الفرائض ظاهرا {واتقوا الله} اى حال الاشتغال باعمال الحج وبعده ليعتد باعمالكم فان المعاصى تأكل الحسنات عند الموازنة {واعلموا أنكم إليه تحشرون} اى تبعثون وتجمعون للجزاء على اعمالكم وهو تأكيد للامر بالتقوى وموجب للامتثال به فان علم بالحشر والمحاسبة والجزاء كان ذلك من اقوى الدواعى الى ملازمة التقوى وكانوا اذا رجعوا من حجهم يجترئون على الله بالمعاصى فشدد فى تحذيرهم. قال ابو العالية يجيء الحاج يوم القيامة ولا اثم عليه اذا اتقى فيما بقى من عمره فلم يرتكب ذنبا بعدما غفر له فى الحج والمذنب المصر اذا حج فلا يقبل منه لعوده الى ما كان عليه فعلمة الحج المبرور ان يرجع زاهدا فى الدنيا راغبا فى الآخرة فاذا رجع من الحج المبرور رجع وذنبه مغفور ودعاؤه مستجاب فلذلك يستحب تلقيه بالسلام وطلب الاستغفار منه. والحج المبرور مثل حج ابراهيم بن ادهم مع رفيقه الصالح الذى صحبه من بلخ فرجع من حجه زاهدا فى الدنيا راغبا فى الآخرة وخرج عن ملكه وماله واهله وعشيرته وبلاده واختار بلاد الغربة وقنع بالاكل من عمل يده اما من الحصاد او من نظارة البساتين قال بعضهم الحر الكريم لا ينقض العهد القديم واذا دعتك نفسك الى نقض عهد مولاك فقل لها معاذ الله ان ربى احسن مثواى: وفى المثنوى شعر : نقض ميثاق وشكست توبها موجب لعنت شود در انتها جون تراروى توكز بودودغا راست جون جويى ترازوى جزا تفسير : وعن بعضهم قدمت من الحج مع قوم فدعتنى نفسى الى امر سوء فسمعت هاتفا ناحية البيت يقول ويلك ألم تحج ويلك ألم تحج فعصمنى الله الى الساعة ولا شك ان بعض الاعمال يكون حجابا للمرء اذا استند اليه واعتمد عليه ـ حكى ـ ان بعض الاتراك كان يلازم مجلس شيخ الاسلام احمد النامقى الجامى قدس سره ويرى فوق قفاه نورا كالترس فاتفق له ان يحج فلما رجع زالت عنه تلك الحال فسأل الشيخ عن سببه فقال انك كنت قبل الحج صاحب تضرع ومسكنة والآن غرك حجك واعطيت نفسك قدرا ومنزلة فلذا نزلت عن رتبتك ولم تر النور. ومما يجب على الحاج اتقاؤه المحارم ولان لا يجعل نفقته من كسب حرام فان الله لا يقبل الا الطيب ـ وحكى ـ عن بعض من حج انه توفى فى الطريق فى رجوعه فدفنه اصحابه ونسوا الفأس فى قبره فنبشوه ليأخذوا الفأس فاذا عنقه ويداه قد جمعتا فى حلقة الفأس فردوا عليه التراب ثم ردعوا الى اهله فسألوهم عن حاله فقالوا صحب رجلا فاخذ ماله فكان يحج منه وفى الحديث "حديث : من حج بيت الله من كسب الحلال لم يخط خطوة الا كتب الله له بها سبعين حسنة وحط عنه سبعين خطيئة ورفع له سبعين درجة" تفسير : ذكره فى الخالصة واذا أراد أن يحج بمال حلال ليس فيه شبهة فانه يستدين للحج ويقضى دينه من ماله. وعن ابى القاسم الحكيم انه كان يأخذ جائزة السلطان فكان يستقرض لجميع حوائجه وما يأخذه من السلطان كان يقضى به ديونه وعن ابى يوسف قال هذا جواب ابيح فى مثل هذا كذا فى خزانة الفتاوى.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {واذكروا الله في أيام معدودات} وهي ثاني النَّحْر وثالثُة ورابعُه، وهي أيام التشريق وأيام منى، وأما الأيام المعلومات فهي يوم النحر وثانِيه وثالثُه. والمراد بالذِكْر: التكبيرُ عند الرمي، وذبحِ القَرَابين، وخَلْفَ الصلواتِ الخمس، وغير ذلك، {فمن تعجل في يومين} بحيث رمَى ثانيَ النحر وثالثه، ورجَع، {فلا إثم عليه ومن تأخر} لرمى رابع النحر، وهو ثالث أيام منى، {فلا إثم عليه}، والقصد بنفي الإثم: التخيير والرد على الجاهلية، فإنَّ منهم مَن أَثم المتعجل، ومنهم من أثم المتأخر. هذا كله {لمن اتقى} الله في حجه، لم يرفُث، ولم يفسُق، فإنه يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، كما قال الصادق المصدوق، {واتقوا الله} في جميع أموركم، فإنه ذكرٌ وشرفٌ لكم، {واعلموا أنكم إليه تحشرون} فتجازَوْن على ما أسلفتم من خير أو شر. الإشارة: الأيام المعدودات هي أيام الدنيا؛ فإنها قلائل معدودة، وهي كلها كيوم واحد، وأيام البرزخ يومٌ ثانٍ، وأيام البعث وما بعده يوم ثالث، فمن تعجل في يومين، بحيث طوى في نظره أيام الدنيا وأيام البرزخ، وسكن بقلبه في يوم القيامة فلا إثم عليه، وهذا هو صاحب الهمة المتوسطة، ومن تأخر حتى زَهد في الأيام الثالثة، وعلق همته بمولاه، ولم يلتفت إلى ما سواه، فلا إثم عليه في ذلك التأخر، وإن اتقى شهود السوى، وعلق عمته بمحبة المولى، ثم حضّ سبحانه على هذه التقوى فقال: {واتقوا الله} فلا تشهدوا معه سواه، {واعلموا أنكم إليه تحشرون} فترَوْا ما فاز به المتقون.
الطوسي
تفسير : المعنى: هذا أمر من الله تعالى للمكلفين أن يذكروا الله في الأيام المعدودات: وهي أيام التشريق: ثلاثة أيام بعد النحر، وهو قول ابن عباس، والحسن ومالك والأيام المعلومات: عشر ذي الحجة، وهو قول ابن عباس أيضاً، وذكر الفراء: أن المعلومات: هي أيام التشريق، والمعدودات العشر. وفيه خلاف ذكرناه في اختلاف الفقهاء. وسميت معدودات لأنها قلائل، كما قال: {أية : وشروه بثمن بخس دراهم معدودة} تفسير : أي قليلة. والجمع بالألف والتاء يصلح للقليل والكثير، والقليل أغلب عليه. وأنكر الزجاج ما يروي في قول حسان: شعر : لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما تفسير : من أنه عيب عليه، وزعم أن الخبر موضوع، وقال الألف والتاء يصلح للكثير قال الله تعالى: {أية : وهم في الغرفات آمنون}تفسير : وقال: {أية : إن المتقين في جنات وعيون}تفسير : وإنما احتمل هذا الجمع القليل والكثير، لأن جمع السلامة على طريقة واحدة لا يتميز فيه قليل من كثير، وكان القليل أغلب عليه، لشبهه بالتثنية. والآية تدل على وجوب التكبير في هذه الأيام، وهو أن يقولوا: ألله أكبر ألله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ألله أكبر ولله الحمد. وبه قال الحسن والجبائي، وزاد أصحابنا على هذا القدر: ألله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أولانا, ورزقنا من بهيمة الانعام. وأول التكبير - عندنا - لمن كان بمنى، عقيب الظهر من يوم النحر الى الفجر يوم الرابع من النحر: عقيب خمسة عشرة صلاة، وفي الأمصار عقيب الظهر من يوم النحر الى عقيب الفجر يوم الثاني من التشريق: عقيب عشر صلوات، واختار الجبائي من صلاة الغداة من يوم عرفة الى صلاة العصر آخر يوم التشريق. وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف. وقوله تعالى: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه}. المعني في ذلك الرخصة في جواز النفر في اليوم الثاني من التشريق وإن أقام الى النفر الاخير، وهو اليوم الثالث من التشريق، كان أفضل، فان نفر في الأول، نفر بعد الزوال الى الغروب، فان غربت فليس له أن ينفر. وقال الحسن إنما له أن ينفر بعد الزوال الى وقت العصر، فان أدركته صلاة العصر، فليس له أن ينفر إلا يوم الثالث وليس للامام أن ينفر في النفر الأول، وبه قال الحسن. وقوله تعالى: {فلا إثم عليه} قيل فيه قولان: أحدهما - لا إثم عليه لتكفير سيآته بما كان من حجه المبرور وهو معنى قول ابن مسعود. الثاني - قال الحسن: لا إثم عليه في تعجّله ولا تأخره. وإنما نفى الاثم، لئلا يتوهم ذلك متوهم في التعجّل، وجاء في التأخر على مزاوجة الكلام كما تقول: إن أظهرت الصدقة، فجائز. وإن أسررتها، فجائز، والاسرار أفضل. وقوله تعالى: {لمن اتقى} قيل فيه قولان: أحدهما - لما قال {فلا إثم عليه} دّل على وعده بالثواب، فقيد ذلك بالتقوى لله تعالى، لئلا يتوهم أنه بالطاعة في النفر فقط. والثاني - أنه لا إثم عليه في تعجّله إذا لم يعمل لضرب من ضروب الفساد، ولكن لاتباع إذن الله فيه. وقالوا: معنى تجديد الأمر بالتقوى ها هنا التحذير من الاتكال على ما سلف من أعمال البرّ في الحج، فبين أن عليهم مع ذلك ملازمة التقوى، ومجانبة المعاصي. وروى أصحابنا: أن قوله {لمن اتقى} متعلق بالتعجّل في اليومين، وتقديره {فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه} {لمن اتقى} الصّيد الى انقضاء النفر الأخير وما بقى من إحرامه، ومن لم يتقها، فلا يجوز له النفر في الأول، وهو اختيار الفراء، والمروي عن ابن عباس، وروي عن أبي عبد الله (ع) في قوله تعالى {فمن تعجل في يومين} أي من مات في هذين اليومين، فقد كّفر عنه كل ذنب. ومن تأخر أي أنسىء أجله، فلا إثم عليه بعدها إذا اتقى الكبائر. الاعراب: والعامل في اللام في قوله {لمن اتقى} قيل فيه قولان: أحدهما - ذلك {لمن اتقى} فحذف ذلك لأن الكلام الأول دلّ على وعدٍ للعامل. والثاني - أن يكون العامل معنى {لا إثم عليه}، لأنه قد تضمن معنى جعلناه {لمن اتقى}. اللغة: وقوله تعالى: {واتقوا الله} معناه اجتنبوا معاصي الله، {واعلموا أنكم إليه تحشرون} أي تحققوا أنكم بعد موتكم تردون الى الله، فيجازيكم على أعمالكم. تقول: حشر يحشر حشراً، فالحشر: جمع القوم من كل ناحية الى مكان. والمحشر: مجتمعهم: هو المكان الذي يحشرون فيه، وحشرتهم السنة: إذا أجحفت بهم، لأنها تضمهم من النواحي الى المصر. وسهم حشر: خفيف لطيف، لأنه ضامر باجتماعه. ومنه أذن حشره: لطيفة ضامرة. وحشرات الأرض: دوابها الصغار، والواحدة حشرة، لاجتماعها من كل ناحية. ودابّة حشور: إذا كان ملزّزة الحلق شديدة. ورجل حشور: إذا كان عظيم البطن. وحشرت السنان، فهو محشور: إذا رفقته وألطفته. وأصل الباب الاجتماع.
الجنابذي
تفسير : {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} عطف على قوله {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ} {فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} فسّرت الآيام المعدودات بايّام التّشريق وهى ثلاثة ايّام بعد النّحر والذّكر بالمأثور من التّكبيرات عقيب الصّلوات الخمس عشرة من ظهر يوم النّحر الى صبح الثّالث عشر لمن كان بمنى ولغيره الى عشر صلوات الى صبح الثّانى عشر والتكبيرات المأثورات: الله اكبر، الله اكبر، لا اله الاّ الله والله اكبر، الله اكبر ولله الحمد، الله اكبر، على ما هدانا، الله اكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام. وقوله تعالى {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ} يدلّ على هذا التّفسير للأيّام المعدودات فلا يعبأ بغيره والمراد التّعجيل فى النّفر فى اليوم الثّانى عشر والتّأخير الى الثّالث عشر سواء قدّر من تعجّل فى النّفر او فى الذّكر، والمراد بتعجيل الذّكر تعجيل اتمامه فى منى فى الثّانى عشر وبتأخيره تأخير اتمامه الى الثّالث عشر {فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} ردّ على من اثّم المتعجّل من اهل الجاهليّة فانّ بعضهم كانوا يؤثّمون المتعجّل {وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} ردّ على جماعة اخرى كانوا يؤثّمون المتأخّر {لِمَنِ ٱتَّقَىٰ} اى هذا الحكم والتّخيير فى النّفر بين الثّانى عشر والثّالث عشر لمن اتّقى الصّيد فى احرامه فان اصابه لم يكن له ان ينفر فى النّفر الاوّل وهذا مدلول بعض الاخبار، وفى بعض الاخبار لمن اتّقى منهم الصّيد واتّقى الرّفث والفسوق والجدال وما حرّم الله عليه فى احرامه، وفى بعض الاخبار ليس هو على ان ذلك واسع ان شاء صنع ذا وان شاء صنع ذا؛ لكنّه يرجع مغفوراً له لا اثم عليه ولا ذنب له يعنى ليس المقصود بيان التّخيير فقط بل بيان تطهيره من الذّنوب كيوم ولدته امّه ان اتّقى ان يواقع الموبقات فانّه ان واقعها كان عليه اثمها ولم يغفر له تلك الذّنوب السّالفة بتوبة قد أبطلها بموبقاته بعدها وانّما تغفر بتوبة يجدّدها، وفى بعض الاخبار: من مات قبل ان يمضى الى أهله فلا اثم عليه ومن تأخّر فلا اثم عليه لمن اتّقى الكبائر او لمن اتّقى الكبر وهو ان يجهل الحقّ ويطعن على أهله، ونسب الى الصّادق (ع) انّه قال: انّما هى لكم والنّاس سواء وانتم الحاجّ وفى خبرٍ انتم والله هم انّ رسول الله (ص) قال لا يثبت على ولاية علىّ (ع) الاّ المتّقون {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} بعد تلك الايّام ان تواقعوا الموبقات حتّى لا تحملوا اثقال ذنوبكم السّالفة مع ثقل الذّنب الّذى اتيتموه ولا تحتاجوا الى توبة اخرى او الامر بالتّقوى مطلق اى اتّقوا سخط الله فى ترك المأمورات وارتكاب المنهيّات {وَٱعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} فيجازى كلاًّ على حسب عمله ترغيب وتهديد.
الأعقم
تفسير : {واذكروا الله في أيام معدودات} هي ايام التشريق يوم النحر ويومان بعده {فمن تعجل في يومين} قيل: في النفر، وقيل: في الرمي بأن يرمي في اليوم الثاني، قوله تعالى: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا} الآية نزلت في الأخنس الثقفي وسُمِّيَ الأخنس لانه خنس في جماعة من بني زهرة عن قتال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم بدر وكان رجلاً حلو الكلام يجلس الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويظهر الإسلام ورسول الله يقبل عليه ولا يعلم باطنه ثم انه كان بينه وبين ثقيف خصومَة فبيّتهم ليلاً واهلك مواشيهم واحرق زروعهم وكان حسن العلانيَّة سيّءُ السريرة، وقيل: نزلت في سريَّة وذلك ان كفار قريش بعثوا الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انا قد اسلمنا فابعث الينا نفراً من علماء اصحابك يعلمونا دينك وكان ذلك مكراً منهم فبعث اليهم جماعة فنزلوا بطن الرجيع واتى قريشاً الخبر، فركب سبعون راكباً وأحاطوا بهم وقتلوهم وأسروا خُبَيْباً ثم قتلوه وصلبوه وفيهم نزلت الآية ولهم قصَّة طويلة، وقيل: نزلت في المنافقين، وقيل: نزلت في الزانين {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} قيل: نزلت في صهيب، وقيل: في رجل أمر بمعروفٍ ونهى عن منكرٍ، وقيل: نزلت في المهاجرين والانصار، وقيل: نزلت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقيل: نزلت في علي (عليه السلام) بات على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة خرج الى الغار عن ابن عباس، وروي انه لمّا نام على فراشه قام جبريل عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجبريل ينادي بخِ بخِ من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة، قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السِّلم} الآية نزلت في اليهود، وقيل: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه لما أبقوا السبت، وقيل: نزلت في جميع المؤمنين، والسلم بمعنى الإسلام {فان زللتم} اي عصيتم، وزل عن الطريق اذا مال {من بعد ما جاءتكم البينات} وهي الحجج والمعجزات {فاعلموا ان الله عزيز حكيم} قادر على عقوبتكم ولا يعجزه الإنتقام منكم {هل ينظرون إلا ان يأتيهم الله في ظلل من الغمام} والمراد العذاب الذي يأتيهم في الغمام مع الملائكة ظلل، قيل: سُترة من الغمام، وقيل: قُطعاً من السحاب {وقضي الأمر} قيل: وجب العذاب، وقيل: فرغ من الحساب وأمور القيامة {وإلى الله ترجع الأُمور} بأن يكون هو الحاكم والمدبر لا حكم لأحد معه قوله تعالى: {سل بين إسرائيل}، قيل: سل يا محمد وقيل: أيها السامع، بني إسرائيل أولاد يعقوب، وقيل: علماءهم، وذلك سؤال تقريع وتبكيت {كم اتيناهم} أي اعطيناهم {من آية} يعني حجةٍ {بينةٍ} واضحة من فلق البحر وتظليل الغمام وغير ذلك من آيات موسى (عليه السلام)، وقيل: كم معهم من آية واضحة على نبوتك.
اطفيش
تفسير : {واذكُروا اللّهَ}: كان ابن مسعود، رضى الله عنه، يقول فى الأيام المعدودات: الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد كثيراً، وكذا روى عن على ابن أبى طالب، وذكر سعيد بن جبير عن ثقة عنده عن الحسن البصرى: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، يسكت بين بين كل تكبيرتين، وقال مالك: يكبر أثر كل صلاة ثلاث تكبيرات، وعن سعيد بن جبير والحسن وأهل المدينة والشافعى: يكبر ثلاثاً ثلاثاً، الله أكبر الله أكبر، قال الشافعى: وما زاد من ذكر فحسن، وفى رواية عن ابن مسعود أنه يكبر اثنتين اثنتين الله أكبر الله أكبر، وهو قول الكوفيين والبصريين، وذلك زيادة على التكبير عند رمى الجمار، والمراد فى الآية التكبير عند رميها وعند غيرها، والذكر يشمل كل ذكر، ولكن سن التكبير عند الرمى، وروى مسلم عن قبيص الهذلى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله"تفسير : ، وروى البخارى عن عمر أنه كان يكبر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات وعلى فراشه، وفى مجلسه وفى ممشاه فى تلك الأيام جميعاً، وأخرج البخارى عن عمر بلا سند أنه كان يكبر فى قبته فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترج منى، وفى رواية كان يكبر فى فسطاطه بمنى فيكبر من حوله حتى يكبر الناس فى الطريق، وفى الطواف وأجمعوا على أن التكبير مشروع فى إدبار الصلوات، وعند الرمى، وعند الذبح، وسائر الأوقات فى الأيام المعدودات كما قال الله جل وعلا: {فى أيَّامٍ معْدوداتٍ}: وصفت بأنها معدودة تقليلا لها، وهن أيام التشريق، وهى ثلاثة أيام بعد عيد الأضحى الحادى عشر من ذى الحجة، والثانى عشر والثالث عشر، وتسمى أيام منى وأيام رمى الجمار، إلا أن جمرة العقبة ترمى أيضاً فى يوم النحر وذلك والصحيح، وبه قال ابن عمر وابن عباس والحسن البصرى، هو رجل استوثق جابر بن زيد رحمه الله بروايته، وعطاء وقتادة ومجاهد، وهو رجل استوثقته امرأة جابر بن زيد، واستفتته، وهو قول الشافعى، وقال على بن أبى طالب وابن عمر فى رواية عنه، وأبو حنيفة: الأيام المعدودات يوم النحر ويومان بعده، ويفتتح التبكبير من صلاة فجر الحادى عشر من ذى الحجة إلى صلاة العصر من الثالث عشر أو بعدها إلى المغرب، هذا هو الصحيح عند قوم، وهو فى ثلاث عشرة صلاة، وبه قال الشافعى وأبو يوسف ومحمد، وهو مروى عن على ومكحول، وقال أحمد بن حنبل: إذا كان حلالا كبر عند ثلاث وعشرين صلاة أولها الصبح من يوم عرفة، وآخرها صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وإن كان محرماً كبر عقب سبع عشرة صلاة، أولها الظهر من يوم النحر، وآخرها عصر آخر أيام التشريق، وقيل: يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة النحر، ويختم بصلاة الصبح من آخر أيام التشريق، فيكون التكبير عقب ثمانى عشرة صلاة، وهو مروى عن الشافعى أيضاً، وقيل: يبتدأ من صلاة ظهر النحر إلى صلاة الصبح، من آخر أيام التشريق، وذلك خمس عشرة صلاة، وهو مروى أيضاً عن الشافعى ومالك، وهو أصح أقوال الشافعى، قال: لأن الناس فيه تبع للحاج، وذكر الحاج قبل هذا وهو التلبية وهو مروى أيضاً عن ابن عباس وابن عمر، وذلك الخلاف فى تشريع التكبير وراء الصلاة، وأما سائر الأوقات فهو مشروع فيها حتى تتم الأيام المعدودات بالتكبير، أو مع غيره، ويروى عن على أنه كان يكبر بعد صلاة فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، ويكبر فى العصر، ثم يكف، وروى أن الحسن يكبر من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الظهر من يوم النفر الأول، وربما قيل إلى العصر. {فَمنْ تَعجَّل فى يَوْميْن}: أى استعجل بالنفر من منى فى ثانى يومين بعد يوم النحر بعد رمى الجمار عندنا، وعند قتادة والشافعى، وقبل طلوع الفجر وتعجل واستعجل يتعديان بالباء، فمن تعجل بالنفر وبأنفسهما أى فمن تعجل النفر، والأول أكثر وهو أنسب بقوله: {ومن تأخر} كما أن الأنسب تعدية بالباء لمناسبة لفظ المتأنى فى قوله: شعر : قد يدرك المتأنى بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل تفسير : ويقال لليوم الأول من اليومين الذين ذكرهما الله عز وجل يوم النفر وهو اليوم الذى بعد يوم النحر متصلا به، لأن الناس ينفرون بمنى فيه، ويقال لليوم الذى بعد هذا يوم النفر الأول، لأن النفر قسمان: نفر فى اليوم الذى بعد يوم النفر ونفر فى اليوم الثالث، ويقال أيضاً: لليوم الذى بعد النحر يوم الرءوس، لأنهم يأكلون فيه رءوس الأضاحى وهى تسمية مكية. {فَلاَ إِثْم عَليْهِ}: فى تعجيله، قالوا: وجب المبيت بمنى ليلة يوم النفر يرمى فيه قبل الزوال، وقيل بعده الجمار، كل جمرة بسبع حصيات، وكل رميه بتكبيرة، وكذا المبيت ليلة يوم النفر الأول، ليرمى كذلك، وقد ورد فى الأخبار الصحيحةحديث : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - يكبر مع كل حصاةتفسير : ، رواه ابن عمر، وروى جابر بن عبد الله حديث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرمى يوم النحر الجمرة، ويرمى الجمار يوم التشريق بعد زيلان الشمس، وكان يرمى بمثل حصى الحذفتفسير : ، ومن خواص التكبير وبركاته ما روى ابن السنى بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا رأيتم الحريق فكبروا فإن التكبير يطفئه ". تفسير : {وَمَنْ تَأخَّر}: عن النفر فى اليوم الثانى وبات ليلة الثالث ورمى فيه. {فلا إثم عليه}: فى تأخره والرمى فيه بعد الزوال، وقيل قبله، وقال أبو حنيفة: يرمى فى اليومين بعده، وفى الثالث بعده أو قبله، واختار بعده، ومنع الشافعى قبله، وإن قلت: كيف قال: {ومن تأخر فلا إثم عليه} مع أنه لا يتوهم متوهم أنه يأثم مع أنه أكمل فى المناسك؟ قلت: كان أهل الجاهلية منهم من يتعجل فى يومين ويخطئ من تأخر، ومنهم من يتأخر ويخطئ منهم من يتعجل، فأخبر الله جل وعلا أنه لا إثم على من تعجل، ولا على من تأخر، وأنه يجوز التعجل والتأخر، ويحتمل أن يكون المعنى من تعجل فى يومين رجع مغفوراً له لا ذنب عليه يبقى من ذنوبه، ومن تأخر فكذلك كما روى عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"تفسير : ويحتمل أنه قال: {ومن تأخر فلا إثم عليه}، لأنه قد يتوهم متوهم من قوله فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه أنه من لم يجر على هذه الرخصة يأثم، فنفى عنه الإثم لمجانسة الأول، ومعلوم أن العبادة إذا لم تفسد يكون لها ثواب، فلم يكن إشكال، فإن نفى بقوله: {ومن تأخر فلا إثم عليه}، ويجوز أن يكون المعنى ومن تأخر فله ثواب على تأخره، ولكن عبر بنفى الإثم فى التأخير مؤذن بصحة التأخر، فلصحته ثواب، لأنه عبادة ويحتمل أن يكون كناية عن تجويز الأمرين، فإن الحرام هو ما فيه الإثم لا ما لا إثم فيه، وعن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب كان يقول: من أدركه الليل من اليوم الثالث فلا ينفر حتى يرمى الجمار اليوم الثالث. وعن الحسن: من أدركته صلاة العصر فلا ينفر إلى اليوم الثالث. ومذهب الشافعى أنه يجوز له النفر بعد الزوال قبل الغروب من اليوم الثانى، وإن غربت عليه الشمس وهو بمنى لزمته المبيت بها لرمى الجمار، ونسب لأكثر الفقهاء، وقال أبو حنيفة: يجوز له أن ينفر ما لم يطلع الفجر، لأنه لم يدخل وقت الرمى بعد، ورخص للرعاة وأهل سقاية الحج ترك المبيت بمنى ليالى منى، وأهل مكة كغيرهم فى التعجل والتأخر على الأصح، وقيل: يجب عليهم التأخر. {لِمَنِ اتَّقَى}: خبر لمحذوف، أى ذلك المذكور من الأحكام كلها أو من جواز التعجل والتأخر لمن اتقى الله فى أمره ونهيه، لأنه الحاج على الحقيقة المنتفع بحجته، أو ذلك لأجل المتقى وهو المتحرز المتحفظ عن كل ما يبطل عمله أو يضعف ثوابه، فلا يغتم بالوسواس، فإن واحداً من التعجل والتأخر مؤثم له، ويجوز أن يكون مفعولا لمحذوف، أى أخاطب بذلك من اتقى خطابا، فتاب خطابا عن خطاب، فقوى العامل باللام لضعفه بالحذف، أو لكونه مصدراً إن قلنا العامل خطاب، ثم حذف خطاب، وقيل التقدير ذلك المذكور من نفى الإثم، ثابت لمن اتقى فى حجه ما نهى عنه ومن قتل صيد وإلقاء تفث وغير ذلك، أو ثابت لمن اتقى المعاصى وتحرر عنها، وأشفق منها فيما بقى من عمره، ولو وقع فيها أقلع وأشفق وأخذ حذره فإنه المنتفع بحجه، وكم من أمر عام خص به أحد بأنه المنتفع به، فإن الإثم بالتعجل والتأخر منتف عن كل أحد، ويجور أن يقدر ذلك مفعول لمن اتقى أى فى من اتقى المعاصى، أو ما نهى عنهُ فى الحج أو مفعول له خطاب له أو لأجله، أو خاطبت به من اتقى خطاب. {وَاتَّقُوا اللّهَ}: بعد الحج بأداء الواجبات وترك المحظورات ليعبأ بكم الله. {واعْلَمُوا أنكُم إليْهِ تُحْشَرُون}: تجمعون إليه لا إلى غيره بالبعث للجزاء، وفيه الحث على التقوى، ولينتفعوا بجحهم وأعمالهم.
اطفيش
تفسير : {وَاذْكُرُوا اللهَ} بالتكبير وغيره، إدبار الصلوات، وعند ذبح القرابين، ورمى الجمار وغير ذلك، قال مسلم عن نبيشة الهذلى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر الله تعالىتفسير : ، وقال البخارى عن ابن عمر أنه كان يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه، وفى فسطاطة وفى مجلسه وفى ممشاه فى تلك الأيام جميعاً، يعنى يوم النحر وثلاثة الأيام بعده، المرادة عندنا فى قوله تعالى {فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودَةٍ} جمع يوم، معدود مع أنه مذكر لأن لفظ معدود أكثر من ثلاثة أحرف لغير عاقل فجاز جمعه بألف وتاء، وذلك التكبير وسائر الذكر فى تلك الأيام مستحبان عندنا وعند أبى حنيفة إلا عند ذبح القرابين، فعنده وجب التكبير، وعندنا يستحب، ويحتاج إلى الجمع بين الحقيقة والمجاز فى الأمر أو عموم المجاز، والمراد بالأيام ما يشمل الليالى، وعن أبن أبى ليلى الأيام يوم النحر ويومان بعده قيل وهو وهم، ونسب لعمر وعلى، والمشهور عنهما، وهو قول ابن عباس، أن الأيام يوم وثلاثة بعده، وعن ابن عباس وابن عمر والحسن وعطاء ومجاهد وقتادة الثلاثة بعد النحر، قلت لا يلزم الوهم، ولعله خص مزيد التأكيد فى ذلك بالحج، والواجب عند القائلين به فى الحج، وهم الظاهرية، والواجب ما عدا اليوم الرابع بالعيد، ولا يخفى استحباب الذكر فى الأيام الثلاثة ويوم النحر قبلها فى الحج وغير الحج {فَمَن تَعَجَّلَ} النفر أو بالنفر أو عن منى {فِى يَوْمَيْنِ} يوم القَر واليوم بعده، والقر والقرار هو عدم النفر، ولا بد منه فى اليوم بعد العيد، فأضيف للقر، وأما النفر بفاء سكانة فهو الذهاب، يضاف إليه اليوم الثانى والثالث، فنقول يوم النفر الأول ويوم النفر الثانى لجواز أن ينفر فى اليوم الثانى أو فى الثالث، ولا قر بعد الثالث ويسمى اليوم بعد العبد يوم الرءوس لأنه تؤكل فيه رءوس الضحايا، ونسب التعجل لليومين مع أنه فى الثانى فقط تنزيلا لهما بمنزلة اليوم الواحد، لأنه لا بد منهما وهو حكم على المجموع، أو يقدر مضاف، أى تعجل فى ثانى يومين، والتعجل فيهما صالح للتعجل قبل تمام اليوم الثانى وهو المراد، والظرفية لا تصلح لهما فى ليلة الثالث، فمن دخلت عليه ليلة الثالث لزمه البقاء إلى الزوال، فيرمى قبله أو بعده، وذلك أنه من نفر فى ليلة الثالث لا يصدق عيه أنه نفر فى اليومين، وذلك مذهبنا ومذهب الشافعى وقال أبو حنيفة له النفر، ما لم يطلع فجر الثالث ومذهب الشافعية، وقال أبو حنيفة له النفر، ما لم يطلع فجر الثالث وإن طلع فيه لزمه اللبث إلى الزوال فيرمى، وعن أبى حنيفة له الرمى قبل الزوال فيه وفى اليومين قبله، وعنه لا يجوز إلا بعد الزوال، وكذا عن الشافعى، وقيل من لم ينفر قبل زوال اليوم الثانى لزمه اللبث إلى الثالث فيرمى {فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ} كما يزعم بعض الجاهلية، ويجوز الوجهان بلا إثم والثانى أعظم أجراً لزيادة الرمى والذكر {لِمَنِ اتَّقَى} أى ذلك لمن اتقى الله فى حجه، وهو الذى ينتفع بحجه ولو كان أيضاً لغيره، أو ذلك لأجل المتقى ليصان عن ترك الواجب لو وجب الثلاثة {وَاتَّقُواْ اللهَ} فى الحج وغيره {وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ} لا إلى غيره، ولو كان إلى غيره لأمكنكم الإنكار والإخفاء ونفعكم {تُحْشَرُونَ} للجزاء على مثاقيل الذر.
الالوسي
تفسير : {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} أي كبروه إدبار الصلوات وعند ذبح القرابين ورمي الجمار وغيرها. {فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودٰتٍ} وهي ثلاثة أيام التشريق وهو المروي في المشهور عن عمرو وعلي وابن عباس رضي الله تعالى عنهم، وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها أربعة أيام بضم يوم النحر إليها، واستدل بعضهم للتخصيص بأن هذه الجملة معطوفة على قوله سبحانه. {أية : فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ } تفسير : [البقرة: 200] الخ فكأنه قيل: فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله في أيام معدودات، والفاء للتعقيب فاقتضى ذلك إخراج يوم النحر من الأيام، ومن اعتبر العطف والتعقيب وجعل بعض يوم يوماً استدل بالآية على ابتداء التكبير خلف الصلاة من ظهر يوم النحر، واستدل بعمومها من قال: يكبر خلف النوافل. واستشكل وصف أيام بمعدودات لأن أياماً جمع يوم وهو مذكر، و{مَّعْدُودٰتٍ} واحدها معدودة وهو مؤنث فكيف تقع صفة له، فالظاهر معدودة ووصف جمع ما لا يعقل بالمفرد المؤنث جائز، وأجيب بأن معدودات جمع معدود لا معدودة، وكثيراً ما يجمع المذكر جمع المؤنث كحمامات وسجلات، وقيل: إنه قدر اليوم مؤنثاً باعتبار ساعاته، وقيل: إن المعنى أنها في كل سنة معدودة، وفي السنين معدودات فهي جمع معدودة حقيقة ولا يخفى ما فيه. {فَمَن تَعَجَّلَ} أي عجل في النفر أو استعجل النفر من منى، وقد ذكر غير واحد أن عجل واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل يقال: تعجل في الأمر واستعجل، ومتعديين يقال: تعجل الذهاب، والمطاوعة عند الزمخشري أوفق لقوله تعالى: {وَمَن تَأَخَّرَ} كما هي كذلك في قوله:شعر : / قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون من (المستعجل) الزلل تفسير : لأجل المتأني، وذهب بعض أرباب التحقيق إلى ترجيح التعدي لأن المراد بيان أمور ـ العجل ـ لا التعجل مطلقاً، وقيل: لأن اللازم يستدعي تقدير (في) فيلزم تعلق حرفي جر أحدهما: المقدر والثاني: {فِى يَوْمَيْنِ} بالفعل وذا لا يجوز ـ واليومان ـ يوم القر. ويوم الرؤوس. واليوم الذي بعده. والمراد فمن نفر في ثاني أيام التشريق قبل الغروب ـ وبعد رمي الجمار عند الشافعية ـ وقبل طلوع الفجر من اليوم الثالث إذا فرغ من رمي الجمار عندنا ـ والنفر في أول يوم منها لا يجوز ـ فظرفية اليومين له على التوسع باعتبار أن الاستعداد له في اليوم الأول، والقول بأن التقدير في أحد يومين إلا أنه مجمل فسر باليوم الثاني، أو في آخر يومين خروج عن مذاق النظر. {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} باستعجاله {وَمَن تَأَخَّرَ} في النفر حتى رمي في اليوم الثالث قبل الزوال أو بعده عندنا، وعند الشافعي بعده فقط {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} بما صنع من التأخر، والمراد التخيير بين ـ التعجل والتأخر ـ ولا يقدح فيه أفضلية الثاني خلافاً لصاحب ـ «الإنصاف» ـ وإنما ورد ـ بنفي الإثم ـ تصريحاً بالرد على أهل الجاهلية حيث كانوا مختلفين فيه، فمن مؤثم للمعجل، ومؤثم للمتأخر {لِمَنِ ٱتَّقَىٰ} خبر لمحذوف ـ واللام ـ إما للتعليل أو للاختصاص، أي ذلك التخيير المذكور بقرينة القرب لأجل ـ المتقي ـ لئلا يتضرر بترك ما يقصده من ـ التعجيل والتأخر ـ لأنه حذر متحرز عما يريبه، أو ذلك المذكور من أحكام الحج مطلقاً نظراً إلى عدم المخصص القطعي، وإن كانت عامة لجميع المؤمنين مختصة ـ بالمتقي ـ لأنه الحاج على الحقيقة، والمنتفع بها، والمراد من ـ التقوى ـ على التقديرين التجنب عما يؤثم من ـ فعل أو ترك ـ ولا يجوز حملها على التجنب عن الشرك لأن الخطاب في جميع ما سبق للمؤمنين، واستدل بعضهم بالآية على أن الحاج إذا اتقى في أداء حدود الحج وفرائضه غفرت له ذنوبه كلها، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأخرج ابن جرير عنه أنه فسر الآية بذلك ثم قال: إن الناس يتأوّلونها على غير تأويلها، وهو من الغرابة بمكان. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في جميع أموركم التي يتعلق بها العزم لتنتظموا في سلك المغتنمين بالأحكام المذكورة، أو احذروا الإخلال بما ذكر من أمور الحج {وَٱعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} للجزاء على أعمالكم بعد الإحياء والبعث، وأصل ـ الحشر ـ الجمع وضم المفرق وهو تأكيد للأمر بالتقوى وموجب للامتثال به، فإن من علم بالحشر والمحاسبة والجزاء كان ذلك من أقوى الدواعي له إلى ملازمة التقوى، وقدم إليه للاعتناء بمن يكون الحشر إليه ولتواخي الفواصل.
ابن عاشور
تفسير : معطوف على { أية : فاذكروا الله كذكركم آباءكم } تفسير : [البقرة: 200] وما بينهما اعتراض، وإعادة فعل {اذكروا} ليبنى عليه تعليق المجرور أي قوله: {في أيام معدودات} لبعد متعلقه وهو {فاذكروا الله كذكركم آباءكم}، لأنه أريد تقييد الذكر بصفته ثم تقييدُه بزمانه ومكانه. فالذكر الثاني هو نفس الذكر الأول وعطفه عليه منظور فيه إلى المغايرة بما علق به من زمانه. والأيام المعدودات أيام منى، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، يقيم الناس فيها بمنى وتسمى أيام التشريق، لأن الناس يقددون فيها اللحم، والتقديد تشريق، أو لأن الهدايا لا تنحر فيها حتى تشرق الشمس. وكانوا يعلمون أن إقامتهم بمنى بعد يوم النحر بعد طواف الإفاضة ثلاثة أيام فيعلمون أنها المراد هنا بالأيام المعدودات، ولذلك قال جمهور الفقهاء الأيام المعدودات أيام منى وهي بعد اليوم العاشر وهو قول ابن عمر ومجاهد وعطاء وقتادة والسدي والضحاك وجابر بن زيد ومالك، وهي غير المراد من الأيام المعلومات التي في قوله تعالى: { أية : ويذكروا اسم الله في أيام معلومات } تفسير : في [سورة الحج: 28]. فالأيام المعلومات أيام النحر الثلاثة، وهي اليوم العاشر ويومان بعده. والمعدودات أيام منى بعد يوم النحر، فاليوم العاشر من المعلومات لا من المعدودات، واليومان بعده من المعلومات والمعدودات، واليوم الرابع من المعدودات فقط، واحتجوا على ذلك بقوله تعالى: { أية : ويذكروا اسم الله في إيام معلومات على رزقهم من بهيمة الأنعام } تفسير : [الحج: 28] لأن اليوم الرابع لا نحر فيه ولا ذَبح إجماعاً، وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن لا فرق بين الأيام المعلومات والأيام المعدودات وهي يوم النحر ويومان بعده فليس اليوم الرابع عندهما معلوماً ولا معدوداً، وعن الشافعي الأيام المعلومات من أول ذي الحجة حتى يوم النحر وما بعد ذلك معدودات، وهو رواية عن أبي حنيفة. ودلت الآية على طلب ذكر الله تعالى في أيام رمي الجمار وهو الذكر عند الرمي وعند نحر الهدايا. وإنما أمروا بالذكر في هذه الأيام، لأن أهل الجاهلية كانوا يشغلونها بالتفاخر ومغازلة النساء، قال العرجي: شعر : ما نَلتقِي إلاّ ثلاثَ مِنًى حَتَّى يُفَرِّقَ بينَنا النَّفْر تفسير : وقال عمر بن أبي ربيعة: شعر : بَدَا لِيَ منها معصم حينَ جَمَّرَتْ وكَفٌّ خَضيبٌ زُيَّنَتْ بِبَنَان فوالله ما أَدري وإِنْ كُنْتُ دَارياً بسَبْعٍ رَمَيْتُ الجَمْرَ أمْ بِثَمَان تفسير : لأنهم كانوا يرون أن الحج قد انتهى بانتهاء العاشر، بعد أن أمسكوا عن ملاذهم مدة طويلة فكانوا يعودون إليها، فأمرهم الله تعالى بذكر الله فيها، وذكرُ الله فيها هو ذكره عند رمي الجمار. والأيام المعدودات الثلاثة ترمى الجمار الثلاثة في كل يوم منها بعد الزوال يبتدأ بالجمرة التي تلي مسجد منى بسبع حصيات، ثم ترمى الجمرتان الأخريان كل جمرة بمثل ذلك ويكبر مع كل حصاة، وآخرها جمرة العقبة، وفي أحكام الرمي ووقته وعكس الابتداء فيه بجمرة مسجد منى والمبيت بغير منى خلافات بين الفقهاء. والآية تدل على أن الإقامة في منى في الأيام المعدودات واجبة فليس للحاج أن يبيت في تلك الليالي إلاّ في منى، ومن لم يبت في منى فقد أخل بواجب فعليه هدي، ولا يرخص في المبيت في غير منى إلاّ لأهل الأعمال التي تقتضي المغيب عن منى فقد رخص النبي - صلى الله عليه وسلم - للعباس المبيت بمكة لأجل أنه على سقاية زمزم، ورخص لرعاء الإبل من أجل حاجتهم إلى رعي الإبل في المراعي البعيدة عن منى وذلك كله بعد أن يرموا جمرة العقبة يوم النحر ويرجعوا من الغد فيرمون، ورخص للرعاء الرمي بليل، ورخص الله في هذه الآية لمن تعجل إلى وطنه أن يترك الإقامة بمنى اليومين الأخيرين من الأيام المعدودات. وقوله: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} تفريع لفظي للإذن بالرخصة في ترك حضور بعض أيام منى لمن أعجله الرجوع إلى وطنه، وجيء بالفاء لتعقيب ذكر الرخصة بعد ذكر العزيمة رحمة منه تعالى بعباده. وفِعْلاَ {تَعَجَّل} و{تأَخَّر}: مشعران بتعجل وتأخر في الإقامة بالمكان الذي يشعر به اسم الأيام المعدودات، فالمراد، من التعجل عدم اللبث وهو النفر عن منى ومن التأخر اللبث في منى إلى يوم نفر جميع الحجيج، فيجوز أن تكون {صيغة} تعجل و{تأخر} معناهما مطاوعة عجله وأخره فإن التفعل يأتي للمطاوعة كأنه عجل نفسه فتعجل وأخرها فتأخر فيكون الفعلان قاصرين لا حاجة إلى تقدير مفعول لهما ولكن المتعجل عنه والمتأخر إليه مفهومان من اسم الأيام المعدودات، أي تعجل النفر وتأخر النفر، ويجوز أن تكون صيغة التفعل في الفعلين لتكلف الفعل كأنه اضطر إلى العجلة أو إلى التأخر فيكون المفعول محذوفاً لظهوره أي فمن تعجل النفر ومن تأخره. فقوله: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} ظاهر المعنى في نفي الإثم عنه، وإنما قوله: {ومن تأخر فلا إثم عليه} يشكل بأن نفي الإثم يقتضي توهم حصوله فيصير التأخر إلى اليوم الرابع رخصة مع أنه هو العزيمة، ودُفع هذا التوهم بما روي أن أهل الجاهلية كانوا على فريقين؛ فريق منهم يبيحون التعجيل، وفريق يبيحون التأخير إلى الرابع فوردت الآية للتوسعة في الأمرين، أو تجعل معنى نفي الإثم فيهما كناية عن التخيير بين الأمرين، والتأخير أفضل، ولا مانع في الكلام من التخيير بين أمرين وإن كان أحدهما أفضل كما خير المسافرُ بين الصوم والإفطار وإن كان الصوم أفضل. وعندي أن وجه ذكر {ومن تأخر فلا إثم عليه} أن الله لما أمر بالذكر في أيام منى وترك ما كانوا عليه في الجاهلية من الاشتغال فيها بالفضول كما تقدم، وقال بعد ذلك {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} خيف أن يتوهم أن التعجيل بالنفر أولى تباعداً من مواقعة ما لا يحسن من الكلام، فدفع ذلك بقوله: {ومن تأخر فلا إثم عليه} فإذا نفي هذا التوهم علم السامع أنه قد ثبتت للمتأخر فضيلة الإقامة بتلك المنازل المباركة والمشاركة فيها بذكر الله تعالى، ولذلك عقبه بقوله: {لمن اتقى} أي لمن اتقى الله في تأخره فلم يرفث ولم يفسق في أيام منى، وإلاّ فالتأخر فيها لمن لم يتق إثم فهو متعلق بما تدل عليه (لا) من معنى النفي، أو هو خبر مبتدأ، أي ذلك وبدون هذا لا يظهر وجه لزيادة قوله {لمن اتقى} وإن تكلفوا في تفسيره بما لا تميل النفس إلى تقريره. وقوله: {واتقوا الله} وصاية بالتقوى وقعت في آخر بيان مهامّ أحكام الحج، فهي معطوفة على {واذكروا الله} أو معترضة بين {ومن تأخر} وبين { أية : من الناس من يعجبك } تفسير : [البقرة: 204]الخ. وقد استُحضر حال المخاطبين بأحكام الحج في حال حجهم؛ لأن فاتحة هاته الآيات كانت بقوله: { أية : فمن فرض فيهن الحج فلا رفث } تفسير : [البقرة: 197] الخ ولما ختمت بقوله: {واذكروا الله في أيام معدودات} وهي آخر أيام الحج وأشير في ذلك إلى التفرق والرجوع إلى الأوطان بقوله {فمن تعجل في يومين} الخ، عُقب ذلك بقوله تعالى: {واتقوا الله} وصية جامعة للراجعين من الحج أن يراقبوا تقوى الله في سائر أحوالهم وأماكنهم ولا يجعلوا تقواه خاصة بمدة الحج كما كانت تفعله الجاهلية فإذا انقضى الحج رجعوا يتقاتلون ويغيرون ويفسدون، وكما يفعله كثير من عصاة المسلمين عند انقضاء رمضان. وقوله: {واعلموا أنكم إليه تحشرون} تحريض على التقوى وتحذير من خلافها؛ لأن من علم ذلك سعى لما يجلب رضا المرجوع إليه وتجنب سخطه. فالأمر في {اعلموا} للتذكير، لأن ذلك معلوم عندهم وقد تقدم آنفاً عند قوله: { أية : واعلموا أن الله شديد العقاب } تفسير : [البقرة: 196]. والحشر: الجمع بعد التفرق فلذلك ناسب قوله: {تحشرون} حالتي تفرق الحجيج بعد انقضاء الحج واجتماع أفراد كل فريق منهم إلى بلده بعد ذلك. واختير لفظ (تحشرون) هنا دون تصيرون أو ترجعون، لأن تحشرون أجمع لأنه يدل على المصير وعلى الرجوع مع الدلالة على أنهم يصيرون مجتمعين كلهم كما كانوا مجتمعين حين استحضار حالهم في هذا الخطاب وهو اجتماع الحج، ولأن الناس بعد الحج يحشرون إلى مواطنهم فذكرهم بالحشر العظيم، فلفظ تحشرون أنسب بالمقام من وجوه كثير، والعرب كانوا يتفرقون رابع أيام منى فيرجعون إلى مكة لزيارة البيت لطواف الوداع ثم ينصرفون فيرجع كل فريق إلى موطنه، قال امرؤ القيس يذكر التفرق يوم رابع النحر وهو يوم المحصب في منى: شعر : فلله عَيْنَا مَنْ رَأَى مِنْ تَفَرُّقٍ أَشَتَّ وأَنْأَى مِنْ فِراقِ المُحَصَّب غَداةَ غَدَوْا فَسَالِكٌ بَطْنَ نَخْلَة وَآخَرُ مِنهم جَازِعٌ نَجْدَ كَبْكَب تفسير : وقال كثير: شعر : ولما قضينا من منى كل حاجة ومسح بالأركان من هو ماسح وشدت على دهم المهاري رحالُنا ولم ينظر الغادي الذي هو رائح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطي الأباطح تفسير : والمعنى ليكن ذكركم الله ودعاؤكم في أيام إقامتكم في منى، وهي الأيام المعدودات الثلاثة الموالية ليوم الأضحى، وأقيموا في منى تلك الأيام فمن دعته حاجاته إلى التعجيل بالرجوع إلى وطنه فلا إثم عليه أن يترك يومين من أيام منى وهما الثاني عشر من ذي الحجة والثالث عشر منه.
الواحدي
تفسير : {واذكروا الله في أيام معدودات} يعني: التَّكبير أدبار الصَّلوات في أيام التَّشريق {فمن تعجَّل في يومين} من أيام التَّشريق فنفر في اليوم الثّاني من مِنىً {فلا إثم عليه} في تعجُّله، {ومن تأخر} عن النَّفر إلى اليوم الثالث {فلا إثم عليه} في تأخُّره {لمن اتقى} أَيْ: طرحُ المأثم يكون لمن اتَّقى في حجِّه تضييعَ شيءٍ ممَّا حدَّه الله تعالى. {ومن الناس مَن يعجبك قوله...} الآية. يعني: الأخنس بن شريق، وكان منافقاً حلو الكلام، حسن العلانيَة سيِّىء السَّريرة، وقوله: {في الحياة الدنيا} لأنَّ قوله إنَّما يعجب النَّاس في الحياة الدُّنيا، ولا ثواب له عليه في الآخرة {ويشهد الله على ما في قلبه} لأنَّه كان يقول للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: واللَّهِ، إنِّي بك لمؤمنٌ، ولك محبٌّ {وهو ألدُّ الخصام} أَيْ: شديد الخصومة، وكان جَدِلاً بالباطل. {وإذا تولى سعى في الأرض...} الآية، وذلك أنَّه رجع إلى مكَّة، فمرَّ بزرعٍ وحُمُرٍ للمسلمين، فأحرق الزَّرع وعقر الحُمُر، فهو قوله: {ويهلك الحرث والنسل} أَيْ: نسل الدَّوابِّ. {وإذا قيل له اتق الله} وإذا قيل له: مهلاً مهلاً {أخذته العزَّةُ بالإِثم} حملته الأنفة وحميَّة الجاهليَّة على الفعل بالإِثم {فحسبه جهنم} كافيه الجحيم جزاءً له {ولبئس المهاد} ولبئس المقرُّ جهنَّم.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَّعْدُودَاتٍ} (203) - الأَيَّامُ المَعْدُودَاتُ هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ (يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلاَثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ - وَهِيَ أَيَّامُ رَمْيِ الجِمَارِ) فَكَبِّرُوا اللهَ بَعْدَ صَلَواتِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. ثُمَّ أَشَارَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، إِلَى النَفْرِ مِنْ مِنىً فِي اليَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. ثُمَّ أَشَارَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، إِلَى النَفْرِمِنْ مِنىً فِي اليَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ - أَيْ ثَالِثِ أَيَّامِ العِيدِ - قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي ذلِكَ اليَوْمِ، عَلَى قَوْلِ الأَئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ، وَقَبْلَ فَجْرِ اليَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَلَى قَوْلِ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبِذلِكَ يَسْقُطُ عَنْهُ، رَمِيُ الجِمَارِ فِي اليَوْمِ الأَخِيرِ مِنْ أَيَّامِ العِيدِ، وَلا إِثْمَ عَلَيهِ فِي ذلِكَ، وَمَنْ بَقِيَ إِلَى اليَوْمِ الرَّابعِ فَلا إِثْمَ عَلَيهِ. فَالمُهِمُّ فِي الأَمْرِ مَرَاقَبَةُ المَرْءِ تَقْوَى اللهِ. ثُمَّ يَأْمُرُ اللهُ المُؤْمِنينَ بِتَقْوَاهُ، وَيُعْلِمُهُمْ أَنَّهُمْ إِليهِ رَاجِعُونَ يَوْمَ الحَشْرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونلاحظ أن ذكر الله أمر شائع في جميع المناسك، و"في أيام معدودات" أي في أيام التشريق. وفي اليوم التاسع نكون في عرفة وليلة العاشر نبيت فيها بـ"مزدلفة"، ثم بعد ذلك نفيض من حيث أفاض الناس، نذهب لرمي جمرة العقبة، وبعضنا يذهب ليطوف طواف الإفاضة وينهي مناسكه، أو قد يذهب ليذبح ويتحلل التحلل الأصغر، إن لم يكن معه امرأة، وإن طاف فهو يتحلل التحلل الأكبر. أما الأيام المعدودات أي أيام التشريق فهي الأيام الثلاثة بعد يوم النحر. وقد سميت بذلك نسبة إلى الشروق، والشروق خاص بالشمس، كانوا قديماً إذا ما ذبحوا ذبائحهم أخذوا اللحم وشرقوه، أي عرضوه لمطلع الشمس كلون من الحفظ، ومن هنا سميت هذه الأيام بأيام التشريق. وعندما نسمع قوله: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ} [البقرة: 203] نفهم منها أنها فوق يومين. وبعد ذلك يقول الحق: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ} [البقرة: 203]. قول الحق سبحانه وتعالى: {فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203] ثم قوله: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ} [البقرة: 203] يدل على أن كلمة "أيام" تطلق على الجمع وهو الأكثر من يومين، أي ثلاثة أيام، لكن الحق سبحانه وتعالى جعل للقيام بيومين حكم القيام بالثلاثة، فإن تعجلت في يومين فلا إثم عليك ومن قضى ثلاثة أيام فلا إثم عليه كيف يكون ذلك؟. لأن المسألة ليست زمناً، ولكنها استحضار نية تعبدية، فقد تجلس ثلاثة أيام وأنت غير مستحضر النية التعبدية؛ لذلك قال سبحانه: {لِمَنِ ٱتَّقَىٰ} [البقرة: 203]، فإياك أن تقارن الأفعال بزمنها، وإنما هي بإخلاص النية والتقوى فيها. ويذيل الحق الآية بالقول الكريم: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [البقرة: 203]. وقد جاء سبحانه وتعالى بكلمة "تحشرون" لتناسب زحمة الحج؛ لأنه كما حشركم هذا الحشر وأنتم لكم اختيار، هو سبحانه القادر أن يحشركم وليس لكم اختيار. فإذا كنتم قد ذهبت باختيارك إلى هذا الحشر البشري الكبير في الحج فاعرف أن الذي كلفك بأن تذهب باختيارك لتشارك في هذا الاجتماع الحاشد هو القادر على أن يأتي بك وقد سُلب منك الاختيار. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} يقول: لا حرج عليه. {وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} [الآية: 203] لا حرج عليه. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً} [الآية: 208] يعني: في الإِسلام جميعاً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ} [الآية: 211] يعني: يكفرها. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الآية: 213]. قال: يعني بالناس آدم.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ: هي أَيامُ التَّشْرِيقِ. والأَيامُ المعلوماتُ: هي عَشرُ ذِي الحجةِ من أولِهَا. تفسير : وقولهُ تعالى: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} قال هي مغفرةٌ لهم.
الجيلاني
تفسير : {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} بعد تتميمكم مناسككم ووقوفكم بعرفة {فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} هي أيام التشريق {فَمَن تَعَجَّلَ} أي: استعجل للرجوع والنفر {فِي يَوْمَيْنِ} أي: في ثاني أيام التشريق {فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} باستعاجله {وَمَن تَأَخَّرَ} أيضاً {فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ} بتأخيره؛ يعني: أنتم مخيرون في استعجال النفرة وتأخيرها بعدما وصلتم، والفوز العافية {لِمَنِ ٱتَّقَىٰ} إلى الله عن محارمه {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في جميع ما صدر عنكمن واستحفظوا منه {وَٱعْلَمُوآ أَنَّكُمْ} بأجمعكم {إِلَيْهِ} لا إلى غيره {تُحْشَرُونَ} [البقرة: 203] ترجعون رجوع الظل إلى ذي الظل. {وَ} من جملة الآدب الموضوعة فيكم بوضع الله المدبر لأموركم المهذب لأخلاقكم: الاجتناب عن الجلساء السوء، لذلك خاطب سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم امتناناً عليه وإرشاداً لكم، فقال: {مِنَ ٱلنَّاسِ} المجبولين على البغض والنفاق، المستمرين عليه دائماً بلا تصفية ووفاق {مَن يُعْجِبُكَ} يوقعك في العجب المحير العارض لنفسك بلا علمك بموجبه وسببه {قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} أي: مقوله المتعلق بأمور الدنيا وأسباب المعاش، بأن من تسلم أمور الدنيا وترتيبها يُتوصل إلى الآخرة ولذاتها، كما هو المشهور بين أهل الدنيا، ويسمونه عقل المعاش {وَ} مع إغرائه وتغيره {يُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ} من حب الدنيا، ويدعي موافقة كلام الله وحكمه المودعة فيه على ما يدعيه، لا تغفل عنه ولا تسمع قوله {} [البقرة: 204] وأشد العداوة والجدال معك ومع من تبعك من المؤمنين. قيل: نزلت فوَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِي الأخنس بن شريك الثقفي، وكان من بلغائهم وفصائحهم، له الوجاهةو الحسن والطلاقة، يتردد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويصاحب معه ويظهر المحبة والإخلاص، ويدعي الإيمان والانقياد. {وَإِذَا تَوَلَّىٰ} أدبر من عنده {سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ} الموضوعة للإصلاح والتعمير {لِيُفْسِدَ فِيِهَا} بأنواع الفسادات {وَ} من جملة ذلك أنه {يُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ} بالظلم والفسوق والعصيان المتجاوز للحد مثل: الزنا وقطع الطريق والخروج على الولاة القائمين بحدود الله المقيمن بأحكامه، كالمتمشيخة المبتدعة التي ظهرت في هذه الأمة بإفساد عقائد ضعفاء المسلمين بالشيخوصة، وترغيبهم إلى البدع والأهواء الباطلة المؤدية إلى تحليل المحرمات الشرعية، ورفع التكليفات الدينية والمعتدات اليقينة، شتت الله شملهم وفرق جمعهم {وَٱللَّهُ} الهادي للعباد {لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ} [البقرة: 205]. {وَ} من غاية عتوه وعناده ونهاية استكباره {إِذَا قِيلَ لَهُ} إمحاضاً للنصح: {ٱتَّقِ ٱللَّهَ} عن أمثال هذه الفضائح واستح منه {أَخَذَتْهُ} هيجته وحركته {ٱلْعِزَّةُ} المرتكزة في نفسه {بِٱلإِثْمِ} الذي منع منه لجاجاً وعناداً {فَحَسْبُهُ} وحسب أمثاله {جَهَنَّمُ} الإمكان الذي يعلبون بنيرانها، كفت مؤنة شرورهم وطغيانهم {وَ} الله {لَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} [البقرة: 206] مهداً لإمكان المستلزم لمهد النيران.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن رعاية المحدودات أنها أيام معدودات بقوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203]، والإشارة أن المداومة على الذكر والملازمة على العبودية في أيام معدودات العمر المختصر من البداية إلى النهاية بجميع أجزاء الوجود مندوب إليه في الشريعة، وأمر واجب لأرباب الطريقة، كما نقل عن بعضهم وقد سئل عن مدة هذا العمر؟ فقال: من المهد إلى اللحد، ولو شئت لقلت: من الأزل إلى الأبد، وهذا مما لا يفهم بهذه العقول المدنسة بالفضول، وقال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ}تفسير : [الحجر: 99]؛ أي: الموت {فَمَن تَعَجَّلَ} [البقرة: 203]؛ يعني: من أرباب السلوك وأصحاب القلب {فِي يَوْمَيْنِ} [البقرة: 203]؛ يعني يوم البداية ويوم النهاية، أو يوم الطلب ويوم الوصول بازدياد في الأوراد وجد في الاجتهاد، وتأخر هاتين الحالتين عن بعض المجاهدات، أو يرفق بالنفس في شيء من المباحات {فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ} [البقرة: 203]؛ أي: لمن كان ثابتاً في التقوى راسخاً في الاستقامة مع المولى {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [البقرة: 203]، في جميع الأحوال بتزكية النفوس وتنقية القلوب، وحفظ الأعمال {وَٱعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [البقرة: 203]؛ يعني: إن لم ترجعوا بالاختيار تحشرون إليه بالاضطرار. ثم أخبر عن مقال أهل القال، ومعاملة أهل الحال بقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} [البقرة: 204] إلى قوله: {وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} [البقرة: 206]، والإشارة فيها أن قوماً أعرض الحق تعالى عن قلوبهم؛ فأعطاهم في الظاهر بسطة في اللسان وتقريراً في البيان ويدعون شيئا بأقوالهم يكذبون فيها بأخلاقهم وأفعالهم فيعجب الخلق بأقوالهم ما لم يروا أعمالهم، ولكن الله يشهد سرائرهم، ويعلم ضمائرهم إن عقود أسرارهم حضور أخبارهم، وفي الحقيقة هذه خصلة بعض النفوس الأمارة بالسوء أن تظهر السوء باللات المموهة والأقوال المزخرفة تسر بقبائح أوصافها وفضائح أخلاقها، وتعلن الصداقة وتخفي العداوة، وترى أنها أولى الأولياء، وتراها أعدى الأعداء {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ} [البقرة: 204-205]؛ أي: وجد التمكن والولاية {سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ} [البقرة: 205]؛ يعني: في أرض القلب {لِيُفْسِدَ فِيِهَا} [البقرة: 205]، يخربها {وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ} [البقرة: 205]، ويبطل حرث الصدق في ترك الدنيا، وطلب الآخرة والتوجه إلى الحق {وَٱلنَّسْلَ} [البقرة: 205]، ما تولد من الأخلاق الحميدة، والخصال السريدة {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ} [البقرة: 205]، بالأقوال الكاذبة. {وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} [البقرة: 206]، يعني لأرباب النفوس من أهل الكبر والأنفة {أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ} [البقرة: 206]، ثم سمحت أرواحهم عن قبول الحق وتمادت نفوسهم بالباطل، ولو ساعدت العناية وأدركتهم العاطفة؛ لتقلدوا المنن لمن هداهم إلى الجنة ونبههم عن نوم الغفلة، وولتهم على طريق الوصلة، ولكن من رزق العناد زال عن منهج السداد وضل عن سبيل الرشاد {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} [البقرة: 206] أي: حسبه جنهم الغرور والتكبر، فإنها دركة من دركات نار القطيعة في الحال {وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ}، والمرجع في المآل. ثم أخبر عن معاملة أهل الوداد من العباد بقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} [البقرة: 207]. والإشارة أن الخواص من أولياء الله منهم لمن يشتري نفسه ابتغاء مرضات الله كما أن الله تعالى {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ}تفسير : [التوبة: 111]. والفرق بين الفريقين أن الله اشترى من المؤمنين أيام الميثاق من غير اختيارهم، فكان ثمن نفس المؤمن الجنة أما الأولياء فإنهم باعوا باختيارهم أنفسهم في هذا العالم فكان ثمن الأولياء مرضات الله، {وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} يعني: الفريقين فلرأفته بالمؤمنين اشترى الأمارة بالسوء مع غب الظلومي والجهولي بثمن الجنة، والنعيم المقيم، ولعاطفته بالأولياء وفقهم لشري أنفسهم بغير حظ من حظوظها؛ بل خالصاً لوجه الله ابتغااء مرضاته. ثم أخبر عن المدخول في الإسلام بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً} [البقرة: 208]، معنى عاماً، ومعنى خاصاً؛ فأما المعنى العام مع جميع من آمن في الظاهر ادخلوا في جميع شرائط الإسلام في الباطن كما دخلتهم في شرائعه في الظاهر من شرائطها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : المسلم من سَلم المسلمون من يده ولسانه، والمؤمن من أمن الناس بوائقه ". تفسير : وأما المعنى الخاص كخطاب حاضر مع شخص الإنسان، وجميع أجزائه الظاهر كما أن لسانه دخل في الإسلام بالقول، فينبغي أن يدخل أركانه في الإسلام بالفعل، فالعين بالنظر، والأذن بالسمع، والفم بالأكل، والفرج بالشهوة، واليد بالبطش، والرجل بالمشي، ودخول كل واحد منها في الإسلام بأن يستسلم لأوامر الله تعالى، ويجتنب من نواهيه بترك ما لا يعنيه أصلاً، ويقع على ما لابد له منه، ودخول أجزاء الظاهر في شرائع الإسلام ميسر للمنافق، فإنا إدخال معاني الباطن في شرائط الإسلام وحقائقه، فعريكة إيصال الدين، ومزلة الرجال البالغين، فدخول النفس في الإسلام بخروجها عن كفار صفاتها الذميمة، وعبورها عن طبعها في إيقاع الهوى، وترك مألوفاتها، ومستحسناتها، ومستلذاتها، ونورها بنور الإسلام، وتتبع أحكامه، واطمئنانها بالعبودية؛ لتستحق بها دخول مقام العباد المخصوصين بخطابه تعالى إياها كقوله تعالى: {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي * وَٱدْخُلِي جَنَّتِي}تفسير : [الفجر: 27-30]، دخول القلب في الإسلام بتصفيته عن رذائل أخلاق النفس وخساسة أوصاف الحيوان، وتحليته بشمائل أخلاق الروح، ونفاسه أوصاف الملك، ودخول أنوار الإيمان بكتابه الحق فيه، وتأييده بروح منه كقوله تعالى: {أية : كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ}تفسير : [المجادلة: 22]، ففي الحقيقة لا يدخل القلب في الإسلام ما لم يدخل الإيمان في القلب لقوله تعالى: {أية : وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}تفسير : [الحجرات: 14]، ودخول الروح في الإسلام بتخلقه بأخلاق الله تعالى، وتسليم الأحكام الأزلية، وقطع النظر، والتعلق عما سوى الله بتصرفات الجذبات الألوهية ودخل السر في الإسلام بفنائه في الله، وبقائه بالله {أية : وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ}تفسير : [البقرة: 168]؛ أي: لا تكونوا على سيرته وصفته وهي الاستكبار والإباء فإنه ضد الإسلام وهو الكفر لقوله تعالى: {أية : ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [ص: 74]. واعلم أن كل جزء من أجزاء ظاهر الإنسان وباطنه ما لم يكن مستسلماً لأوامر الشرع وأحكام القضاء الأزلي ويأبى على الحق ويستكبر فإنه ما دخل في الإسلام ويتبع خطوات الشيطان وما خرج بعد من العداوة، فهو إظهار محبته - أي الله - فإن محبته - أي الشيطان - مضمرة في عداوته وعداوته - أي الشيطان - مضمرة في محبته - أي الله -.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يأمر تعالى بذكره في الأيام المعدودات، وهي أيام التشريق الثلاثة بعد العيد، لمزيتها وشرفها، وكون بقية أحكام المناسك تفعل بها، ولكون الناس أضيافا لله فيها، ولهذا حرم صيامها، فللذكر فيها مزية ليست لغيرها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أيام التشريق، أيام أكل وشرب، وذكر الله ". ويدخل في ذكر الله فيها، ذكره عند رمي الجمار، وعند الذبح، والذكر المقيد عقب الفرائض، بل قال بعض العلماء: إنه يستحب فيها التكبير المطلق، كالعشر، وليس ببعيد. { فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ } أي: خرج من "منى "ونفر منها قبل غروب شمس اليوم الثاني { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ } بأن بات بها ليلة الثالث ورمى من الغد { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } وهذا تخفيف من الله [تعالى] على عباده، في إباحة كلا الأمرين، ولكن من المعلوم أنه إذا أبيح كلا الأمرين، فالمتأخر أفضل، لأنه أكثر عبادة. ولما كان نفي الحرج قد يفهم منه نفي الحرج في ذلك المذكور وفي غيره، والحاصل أن الحرج منفي عن المتقدم، والمتأخر فقط قيده بقوله: { لِمَنِ اتَّقَى } أي: اتقى الله في جميع أموره، وأحوال الحج، فمن اتقى الله في كل شيء، حصل له نفي الحرج في كل شيء، ومن اتقاه في شيء دون شيء، كان الجزاء من جنس العمل. { وَاتَّقُوا اللَّهَ } بامتثال أوامره واجتناب معاصيه، { وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } فمجازيكم بأعمالكم، فمن اتقاه، وجد جزاء التقوى عنده، ومن لم يتقه، عاقبه أشد العقوبة، فالعلم بالجزاء من أعظم الدواعي لتقوى الله، فلهذا حث تعالى على العلم بذلك.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 98 : 40 - سفين عن بن ابي نجيح عن مجاهد قال "الأيام المعلومات" الأيام العشر، و"المعدودات" أيام التشريق. [الآية 203]. 99 : 41 - سفين عن منصور عن إبراهيم مثله.
همام الصنعاني
تفسير : 237- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قَتَادة، في قوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ}: [الآية: 203]، قال: هي أيام التشريق. {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ}: [الآية: 203] يقول: رخَّصَ الله تعالى أنْ ينفروا في يَوْميْن مِنْها إنْ شاءوا، ومن تأخَّر إلى اليوْمِ الثالث فلا إثم عليْه لمن اتَّقى. قال قتادة: يَرَوْن أنَّه مغفورٌ له.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):