٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
204
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين أن الذين يشهدون مشاعر الحج فريقان: كافر وهو الذي يقول: {رَبَّنَا ءاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا } ومسلم وهو الذي يقول: {أية : رَبَّنَا ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلأَخِرَةِ حَسَنَةً } تفسير : [البقرة: 201] بقي المنافق فذكره في هذه الآية، وشرح صفاته وأفعاله، فهذا ما يتعلق بنظم الآية، والغرض بكل ذلك أن يبعث العباد على الطريقة الحسنة فيما يتصل بأفعال القلوب والجوارح، وأن يعلموا أن المعبود لا يمكن إخفاء الأمور عنه ثم اختلف المفسرون على قولين منهم من قال: هذه الآية مختصة بأقوام معينين ومنهم من قال: إنها عامة في حق كل من كان موصوفاً بهذه الصفة المذكورة في هذه الآية، أما الأولون فقد اختلفوا على وجوه: فالرواية الأولى: أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، وهو حليف لبني زهرة أقبل إلى النبـي صلى الله عليه وسلم وأظهر الإسلام، وزعم أنه يحبه ويحلف بالله على ذلك، وهذا هو المراد بقوله: {يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ } غير أنه كان منافقاً حسن العلانية خبيث الباطن، ثم خرج من عند النبـي عليه السلام فمر بزرع لقوم من المسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر، وهو المراد بقوله: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ } وقال آخرون المراد بقوله تعالى: {يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ } هو أن الأخنس أشار على بني زهرة بالرجوع يوم بدر وقال لهم: إن محمداً ابن أختكم، فإن يك كاذباً كفاكموه سائر الناس، وإن يك صادقاً كنتم أسعد الناس به قالوا: نعم الرأي ما رأيت، قال: فإذا نودي في الناس بالرحيل فإني أتخنس بكم فاتبعوني ثم خنس بثلثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمي لهذا السبب أخنس، وكان اسمه: أبـي بن شريق، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبه، وعندي أن هذا القول ضعيف وذلك لأنه بهذا الفعل لا يستوجب الذم وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ } مذكور في معرض الذم فلا يمكن حمله عليه بل القول الأول هو الأصح. والرواية الثانية: في سبب نزول هذه الآية ما روي عن ابن عباس والضحاك أن كفار قريش بعثوا إلى النبـي صلى الله عليه وسلم أنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفراً من علماء أصحابك، فبعث إليهم جماعة فنزلوا ببطن الرجيع، ووصل الخبر إلى الكفار، فركب منهم سبعون راكباً وأحاطوا بهم وقتلوهم وصلبوهم، ففيهم نزلت هذه الآية، ولذلك عقبه من بعد بذكر من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله منبهاً بذلك على حال هؤلاء الشهداء. القول الثاني: في الآية وهو اختيار أكثر المحققين من المفسرين، أن هذه الآية عامة في حق كل من كان موصوفاً بهذه الصفات المذكورة، ونقل عن محمد بن كعب القرظي، أنه جرى بينه وبين غيره كلام في هذه الآية، فقال إنها وإن نزلت فيمن ذكر فلا يمتنع أن تنزل الآية في الرجل ثم تكون عامة في كل من كان موصوفاً بتلك الصفات، والتحقيق في المسألة أن قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ } إشارة إلى بعضهم، فيحتمل الواحد ويحتمل الجمع، وقوله: {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ } لا يدل على أن المراد به واحد من الناس لجواز أن يرجع ذلك إلى اللفظ دون المعنى وهو جمع وأما نزوله على المسبب الذي حكيناه فلا يمتنع من العموم، بل نقول: فيها ما يدل على العموم، وهو من وجوه أحدها: أن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية، فلما ذم الله تعالى قوماً ووصفهم بصفات توجب استحقاق الذم، علمنا أن الموجب لتلك المذمة هو تلك الصفات، فيلزم أن كل من كان موصوفاً بتلك الصفات أن يكون مستوجباً للذم وثانيها: أن الحمل على العموم أكثر فائدة، وذلك لأنه يكون زجراً لكل المكلفين عن تلك الطريق المذمومة وثالثها: أن هذا أقرب إلى الإحتياط لأنا إذا حملنا الآية على العموم دخل فيه ذلك الشخص، وأما إذا خصصناه بذلك الشخص لم يثبت الحكم في غيره فثبت بما ذكرنا أن حمل الآية على العموم أولى، إذا عرفت هذا فنقول: اختلفوا في أن الآية هل تدل على أن الموصوف بهذه الصفات منافق أم لا، والصحيح أنها لا تدل على ذلك، لأن الله تعالى وصف هذا المذكور بصفات خمسة، وشيء منها لا يدل على النفاق فأولها قوله: {يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } وهذا لا دلالة فيه على صفة مذمومة إلا من جهة الإيماء الحاصل بقوله: {في الحياة الدنيا} لأن الإنسان إذا قيل: إنه حلو الكلام فيما يتعلق بالدنيا أوهم نوعاً من المذمة وثانيها: قوله: {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ } وهذ لا دلالة فيه على حالة منكرة، فإن أضمرنا فيه أن يشهد الله على ما في قلبه مع أن قلبه بخلاف ذلك فالكلام مع هذا الإضمار لا يدل على النفاق، لأنه ليس في الآية أن الذي يظهره للرسول من أمر الإسلام والتوحيد، فإنه يضمر خلافه حتى يلزم أن يكون منافقاً، بل لعل المراد أنه يضمر الفساد ويظهر ضده حتى يكون مرائياً وثالثها: قوله: {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ } وهذا أيضاً لا يوجب النفاق ورابعها: قوله: {وَإِذْ تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا } والمسلم الذي يكون مفسداً قد يكون كذلك وخامسها: قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإثْمِ } فهذا أيضاً لا يقتضي النفاق، فعلمنا أن كل هذه الصفات المذكورة في الآية كما يمكن ثبوتها في المنافق يمكن ثبوتها في المرائي، فإذن ليس في الآية دلالة على أن هذا المذكور يجب أن يكون منافقاً إلا أن المنافق داخل في الآية، وذلك لأن كل منافق فإنه يكون موصوفاً بهذه الصفات الخمسة بل قد يكون الموصوف بهذه الصفات الخمسة غير منافق فثبت أنا متى حملنا الآية على الموصوف بهذه الصفات الخمسة دخل فيها المنافق والمرائي، وإذا عرفت هذه الجملة فنقول: الله تعالى وصف هذا المذكور بصفات خمسة. الصفة الأولى:قوله: {يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } والمعنى: يروقك ويعظم في قلبك ومنه الشيء العجيب الذي يعظم في النفس. أما في قوله: {في الحياة الدنيا} ففيه وجوه أحدهما: أنه نظير قول القائل: يعجبني كلام فلان في هذه المسألة والمعنى: يعجبك قوله وكلامه عندما يتكلم لطلب مصالح الدنيا والثاني: أن يكون التقدير: يعجبك قوله وكلامه في الحياة الدنيا وإن كان لا يعجبك قوله وكلامه في الآخرة لأنه ما دام في الدنيا يكون جريء اللسان حلو الكلام، وأما في الآخرة فإنه تعتريه اللكنة والإحتباس خوفاً من هيبة الله وقهر كبريائه. الصفة الثانية: قوله: {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ } فالمعنى أنه يقرر صدقة في كلامه ودعواه بالاستشهاد بالله، ثم يحتمل أن يكون ذلك الاستشهاد بالحلف واليمين، ويحتمل أن يكون ذلك بأن يقول: الله يشهد بأن الأمر كما قلت، فهذا يكون استشهاداً بالله ولا يكون يميناً، وعامة القراء يقرؤن {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ } بضم الياء، أي هذا القائل يشهد الله على ما في ضميره، وقرأ ابن محيصن {يَشْهَدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ } بفتح الياء، والمعنى: أن الله يعلم من قلبه خلاف ما أظهره. فالقراءة الأولى: تدل على كونه مرائياً وعلى أنه يشهد الله باطلاً على نفاقه وريائه. وأما القراءة الثانية: فلا تدل إلا على كونه كاذباً، فأما على كونه مستشهداً بالله على سبيل الكذب فلا، فعلى هذا القراءة الأولى أدلى على الذم. الصفة الثالثة: قوله تعالى: {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الألد: الشديد الخصومة، يقال: رجل ألد، وقوم لد، وقال الله تعالى: {أية : وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً } تفسير : [مريم: 97] وهو كقوله: {أية : بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } تفسير : [الزخرف: 58] يقال: منه لد يلد، بفتح اللام في يفعل منه، فهو ألد، إذا كان خصماً، ولددت الرجل ألده بضم اللام، إذا غلبته بالخصومة، قال الزجاج اشتقاقه من لديدتي العنق وهما صفحتاه، ولديدي الوادي، وهما جانباه، وتأويله أنه في أي وجه أخذه خصمه من يمين وشمال في أبواب الخصومة غلب من خاصمه. وأما {ٱلْخِصَامِ } ففيه قولان أحدهما: وهو قول خليل: إنه مصدر بمعنى المخاصمة، كالقتال والطعام بمعنى المقاتلة والمطاعنة، فيكون المعنى: وهو شديد المخاصمة، ثم في هذه الإضافة وجهان أحدهما: أنه بمعنى {فِى} والتقدير: ألد في الخصام والثاني: أنه جعل الخصام ألد على سبيل المبالغة. والقول الثاني: أن الخصام جمع خصم، كصعاب وصعب، وضخام وضخم، والمعنى: وهو أشد الخصوم خصومة، وهذا قول الزجاج، قال المفسرون: هذه الآية نزلت في الأخنس بن شريق على ما شرحناه: وفيه نزل أيضاً قوله:{أية : وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ } تفسير : [الهمزة: 1] وقوله: {أية : وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ } تفسير : [القلم: 10، 11] ثم للمفسرين عبارات في تفسير هذه اللفظة، قال مجاهد {أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ } معناه: طالب لا يستقيم، وقال السدي: أعوج الخصام وقال قتادة ألد الخصام معناه أنه جدل بالباطل، شديد القصوة في معصية الله، عالم اللسان جاهل العمل. المسألة الثانية: تمسك المنكرون للنظر والجدل بهذه الآية، قالوا إنه تعالى ذم ذلك الإنسان بكونه شديداً في الجدل، ولولا أن هذه الصفة من صفات الذم، وإلا لما جاز ذلك وجوابه ما تقدم في قوله: {أية : وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجّ } تفسير : [البقرة: 197]. الصفة الرابعة: قوله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ } اعلم أنه تعالى لما بين من حال ذلك الإنسان أنه حلو الكلام، وأنه يقرر صدق قوله بالاستشهاد بالله وأنه ألد الخصام، بين بعد ذلك أن كل ما ذكره باللسان فقلبه منطو على ضد ذلك فقال: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا } ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ } فيه قولان: أحدهما: معناه وإذا انصرف من عندك سعى في الأرض بالفساد، ثم هذا الفساد يحتمل وجهين أحدهما: ما كان من اتلاف الأموال بالتخريب والتحريق والنهب، وعلى هذا الوجه ذكروا روايات منها ما قدمنا أن الأخنس لما أظهر للرسول عليه السلام أنه يحبه وأنه على عزم أن يؤمن فلما خرج من عنده مر بزرع للمسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر، ومنها أنه لما انصرف من بدر مر ببني زهرة وكان بينه وبين ثقيف خصومة فبيتهم ليلاً وأهلك مواشيهم وأحرق زرعهم. والوجه الثاني في تفسير الفساد: أنه كان بعد الإنصراف من حضرة النبـي عليه السلام يشتغل بإدخال الشبه في قلوب المسلمين، وباستخراج الحيل في تقوية الكفر، وهذا المعنى يسمى فساداً، قال تعالى: حكاية عن قوم فرعون حيث قالوا له: {أية : أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الأعراف: 127] أي يردوا قومك عن دينهم، ويفسدوا عليهم شريعتهم، وقال أيضاً: {أية : إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ } تفسير : [غافر: 26] وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [البقرة: 11] ما يقرب من هذا الوجه، وإنا سمي هذا المعنى فساداً في الأرض لأنه يوقع الإختلاف بين الناس ويفرق كلمتهم ويؤدي إلى أن يتبرأ بعضهم من بعض، فتنقطع الأرحام وينسفك الدماء، قال تعالى: {أية : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ } تفسير : [محمد: 22] فأخبر أنهم أن تولوا عن دينه لم يحصلوا إلا على الفساد في الأرض، وقطع الارحام، وذلك من حيث قلنا وهو كثير في القرآن، واعلم أن حمل الفساد على هذا أولى من حمله على التخريب والنهب، لأنه تعالى قال: {وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ } والمعطوف مغاير للمعطوف عليه لا محالة. القول الثاني: في تفسير قوله: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ } وإذا صار والياً فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل، وقيل: يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل، والقول الأول أقرب إلى نظم الآية، لأن المقصود بيان نفاقه، وهو أنه عند الحضور يقول الكلام الحسن ويظهر المحبة، وعند الغيبة يسعى في إيقاع الفتنة والفساد. المسألة الثانية: قوله: {سَعَىٰ فِى ٱلأَرْضِ } أي اجتهد في إيقاع القتال، وأصل السعي هو المشي بسرعة ولكنه مستعار لإيقاع الفتنة والتخريب بين الناس، ومنه يقال: فلان يسعى بالنميمة قال الله تعالى: {أية : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلَـٰلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ } تفسير : [التوبة: 47]. المسألة الثالثة: من فسر الفساد بالتخريب قال: إنه تعالى ذكره أولاً على سبيل الإجمال، وهو قوله: {لِيُفْسِدَ فِيهَا } ثم ذكره ثانياً على سبيل التفصيل فقال: {وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ } ومن فسر الإفساد بإلقاء الشبهة قال: كما أن الدين الحق أمر أن أولهما العلم، وثانيهما العمل، فكذا الدين الباطل أمران أولهما الشهبات، وثانيهما فعل المنكرات، فههنا ذكر تعالى أولاً من ذلك الإنسان اشتغاله بالشبهات، وهو المراد بقوله: {لِيُفْسِدَ فِيهَا } ثم ذكر ثانياً إقدامه على المنكرات، وهو المراد بقوله: {وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ } ولا شك في أن هذا التفسير أولى ثم من قال سبب نزول الآية أن الأخنس مر بزرع للمسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر قال: المراد بالحرث الزرع، وبالنسل تلك الحمر، والحرث هو ما يكون منه الزرع، قال تعالى: {أية : أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أأنتم تَزْرَعُونَهُ } تفسير : [الواقعة: 63] وهو يقع على كل ما يحرث ويرزع من أصناف النبات، وقيل: إن الحرث هو شق الأرض، ويقال لما يشق به: محرث، وأما النسل فهو على هذا التفسير نسل الدواب، والنسل في اللغة: الولد، واشتقاقه يحتمل أن يكون من قولهم: نسل ينسله إذا خرج فسقط، ومنه نسل ريش الطائر، ووبر البعير، وشعر الحمار، إذا خرج فسقط، والقطعة منها إذا سقطت نسالة، ومنه قوله تعالى: {أية : إِلَىٰ رَبّهِمْ يَنسِلُونَ } تفسير : [يس: 51] أي يسرعون، لأنه أسرع الخروج بحدة، والنسل الولد لخروجه من ظهر الأب وبطن الأم وسقوطه، والناس نسل آدم، وأصل الحرف من النسول وهو الخروج، وأما من قال: إن سبب نزول الآية: أن الأخنس بيت على قوم ثقيف وقتل منهم جمعاً، فالمراد بالحرث: إما النسوان لقوله تعالى: {أية : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ } تفسير : [البقرة: 223] أو الرجال وهو قول قوم من المفسرين الذين فسروا الحرث بشق الأرض، إذ الرجال هم الذين يشقون أرض التوليد، وأما النسل فالمراد منه الصبيان. واعلم أنه على جميع الوجوه فالمراد بيان أن ذلك الفساد فساد عظيم لا أعظم منه لأن المراد منها على التفسير الأول. إهلاك النبات والحيوان، وعلى التفسير الثاني: إهلاك الحيوان بأصله وفرعه، وعلى الوجهين فلا فساد أعظم منه، فإذن قوله: {وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ } من الألفاظ الفصيحة جداً الدالة مع اختصارها على المبالغة الكثيرة ونظيره في الاختصار ما قاله في صفة الجنة {أية : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ } تفسير : [الزخرف: 71] وقال: {أية : أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 31]. فإن قيل: أفتدل الآية على أنه يهلك الحرث والنسل، أو تدل على أنه أراد ذلك؟. قلنا: إن قوله: {سَعَىٰ فِى ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا } دل على أن غرضه أن يسعى في ذلك، ثم قوله: {وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ } إن عطفناه على الأول لم تدل الآية على وقوع ذلك، فإن تقدير الآية هكذا: سعى في الأرض ليفسد فيها، وسعى ليهلك الحرث والنسل، وإن جعلناه كلاماً مبتدأ منقطعاً عن الأول، دل على وقوع ذلك، والأول أولى، وإن كانت الأخبار المذكورة في سبب نزول الآية دلت على أن هذه الأشياء قد وقعت ودخلت في الوجود. المسألة الرابعة: قرأ بعضهم {وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ } على أن الفعل للحرث والنسل، وقرأ الحسن بفتح اللام من يهلك وهي لغة نحو: أبى يأبى، وروي عنه {وَيُهْلِكَ } على البناء للمفعول. المسألة الخامسة: استدلت المعتزلة على أن الله تعالى لا يريد القبائح بقوله تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ } قالوا: والمحبة عبارة عن الإرادة، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـٰحِشَةُ } تفسير : [النور: 19] والمراد بذلك أنهم يريدون، وأيضاً نقل عن الرسول عليه السلام أنه قال: «حديث : إن الله أحب لكم ثلاثاً وكره لكم ثلاثاً، أحب لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تناصحوا من ولاة أمركم وكره لكم القيل والقال وإضاعة المال وكثرة السؤال» تفسير : فجعل الكراهة ضد المحبة، ولولا أن المحبة عبارة عن الإرادة وإلا لكانت الكراهة ضداً للإرادة، وأيضاً لو كانت المحبة غير الإرادة لصح أن يحب الفعل وإن كرهه، لأن الكراهة على هذا القول إنما تضاد الإرادة دون المحبة، قالوا: وإذا ثبت أن المحبة نفس الإرادة فقوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ } جار مجرى قوله والله لا يريد الفساد كقوله: {أية : وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ } تفسير : [غافر: 31] بل دلالة هذه الآية أقوى لأنه تعالى ذكر ما وقع من الفساد من هذا المنافق ثم قال: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ } إشارة إليه فدل على أن ذلك الواقع وقع لا بإرادة الله تعالى وإذا ثبت أنه تعالى لا يريد الفساد وجب أن لا يكون خالقاً له لأن الخلق لا يمكن إلا مع الإرادة فصارت هذه الآية دالة على مسألة الإرادة ومسألة خلق الأفعال والأصحاب أجابوا عنه بوجهين الأول: أن المحبة غير الإرادة بل المحبة عبارة عن مدح الشيء وذكر تعظيمه والثاني: إن سلمنا أن المحبة نفس الإرادة، ولكن قوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ } لا يفيد العموم لأن الألف واللام الداخلين في اللفظ لا يفيدان العموم ثم الذي يهدم قوة هذا الكلام وجهان الأول: أن قدرة العبد وداعيته صالحة للصلاح والفساد فترجح الفساد على الصلاح، إن وقع لا لعلة لزم نفي الصانع، وإن وقع لمرجح فذلك المرجح لا بد وأن يكون من الله وإلا لزم التسلسل، فثبت أن الله سبحانه هو المرجح لجانب الفساد على جانب الصلاح فكيف يعقل أن يقال: إنه لا يريده والثاني: أنه عالم بوقوع الفساد فإن أراد أن لا يقع الفساد لزم أن يقال: إنه أراد أن يقلب علم نفسه جهلاً وذلك محال. الصفة الخامسة: قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإثْمِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ } معناه أن رسول الله دعاه إلى ترك هذه الأفعال فدعاه الكبر والأنفة إلى الظلم. واعلم أن هذا التفسير ضعيف، لأن قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ } ليس فيه دلالة إلا على أنه متى قيل له هذا القول أخذته العزة، فإما أن هذا القول قيل أو ما قيل فليس في الآية دلالة عليه فإن ثبت ذلك برواية وجب المصير إليه وإن كنا نعلم أنه عليه السلام كان يدعوا الكل إلى التقوى من غير تخصيص. المسألة الثانية: أنه تعالى حكى عن هذا المنافق جملة من الأفعال المذمومة أولها: اشتغاله بالكلام الحسن في طلب الدنيا وثانيها: استشهاده بالله كذباً وبهتاناً وثالثها: لجاجه في إبطال الحق وإثبات الباطل ورابعها: سعيه في الفساد وخامسها: سعيه في إهلاك الحرث والنسل وكل ذلك فعل منكر قبيح وظاهر قوله: {إِذَا قِيلَ لَه ٱتَّقِ ٱللَّهَ } فليس بأن ينصرف إلى بعض هذه الأمور أولى من بعض، فوجب أن يحمل على الكل فكأنه قيل: اتق الله في إهلاك الحرث والنسل وفي السعي بالفساد، وفي اللجاج الباطل، وفي الإستشهاد بالله كذلك، وفي الحرص على طلب الدنيا فإنه ليس رجوع النهي إلى البعض أولى من بعض. المسألة الثالثة: قوله: {أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإثْمِ } فيه وجوه أحدها: أن هذا مأخوذ من قولهم أخذت فلاناً بأن يعمل كذا، أي ألزمته ذلك وحكمت به عليه، فتقدير الآية: أخذته العزة بأن يعمل الإثم، وذلك الإثم هو ترك الإلتفات إلى هذا الواعظ وعدم الإصغاء إليه وثانيها: {أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ } أي لزمته يقال: أخذته الحمى أي لزمته، وأخذه الكبر، أي اعتراه ذلك، فمعنى الآية إذا قيل له اتق الله لزمته العزة الحاصلة بالإثم الذي في قلبه، فإن تلك العزة إنما حصلت بسبب ما في قلبه من الكفر والجهل وعدم النظر في الدلائل، ونظيره قوله تعالى: {أية : بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } تفسير : [ص: 2] والباء ههنا في معنى اللام، يقول الرجل: فعلت هذا بسببك ولسببك، وعاقبته بجنايته ولجنايته. أما قوله تعالى: {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ } قال المفسرون: كافيه جهنم جزاء له وعذاباً يقال: حسبك درهم أي كفاك وحسبنا الله، أي كافينا الله، وأما جهنم فقال يونس وأكثر النحويين: هي اسم للنار التي يعذب الله بها في الآخرة وهي أعجمية وقال آخرون. جهنم اسم عربـي سميت نار الآخرة بها لبعد قعرها، حكى عن رؤبة أنه قال: ركية جهنام بريد بعيدة القعر. أما قوله تعالى: {وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } ففيه وجهان الأول: أن المهاد والتمهيد: التوطئة، وأصله من المهد، قال تعالى: {أية : وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَـٰهَا فَنِعْمَ ٱلْمَـٰهِدُونَ } تفسير : [الذاريات: 48] أي الموطئون الممكنون، أي جعلناها ساكنة مستقرة لا تميد بأهلها ولا تنبو عنهم وقال تعالى: {أية : فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ } تفسير : [الروم:44] أي يفرشون ويمكنون والثاني: أن يكون قوله: {وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } أي لبئس المستقر كقوله: {أية : جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ } تفسير : [إبراهيم: 29] وقال بعض العلماء: المهاد الفراش للنوم، فلما كان المعذب في النار يلقى على نار جهنم جعل ذلك مهاداً له وفراشاً.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} لما ذَكَر الذين قصرت همتهم على الدنيا ـ في قوله: {أية : فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا} تفسير : [البقرة: 200] ـ والمؤمنين الذين سألوا خير الدارين ذكر المنافقين؛ لأنهم أظهروا الإيمان وأسّروا الكفر. قال السُّديّ وغيره من المفسّرين: نزلت في الأخْنس بن شَرِيق، وٱسمه أُبيّ، والأخنس لقبٌ لُقِّب به؛ لأنه خنس يوم بدر بثلثمائة رجل من حلفائه من بني زُهرة عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما يأتي في «آل عمران» بيانه. وكان رجلاً حلو القول والمَنْظَر؛ فجاء بعد ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأظهر الإسلام وقال: الله يعلم أني صادق؛ ثم هرب بعد ذلك، فمرّ بزرع لقوم من المسلمين وبحُمر فأحرق الزرع وعَقرَ الحمر. قال المهدويّ: وفيه نزلت {أية : وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّآءِ بِنَمِيمٍ} تفسير : [ن: 10، 11] و {أية : وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ}تفسير : [الهمزة: 1]. قال ٱبن عطية: ما ثبت قطّ أن الأخنس أسلم. وقال ٱبن عباس: نزلت في قوم من المنافقين تكلموا في الذين قُتلوا في غزوة الرَّجِيع: عاصم بن ثابت، وخُبيب، وغيرهم؛ وقالوا: وَيْحَ هؤلاء القوم، لا هُمْ قعدوا في بيوتهم، ولا هم أدّوا رسالة صاحبهم؛ فنزلت هذه الآية في صفات المنافقين، ثم ذكر المستشهدين في غزوة الرَّجِيع في قوله: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 207]. وقال قتادة ومجاهد وجماعة من العلماء: نزلت في كل مُبْطن كفراً أو نفاقاً أو كذباً أو إضراراً، وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك؛ فهي عامة، وهي تشبه ما ورد في الترمذيّ أن في بعض كتب الله تعالى: إن من عباد الله قوماً ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمرّ من الصَّبر، يلبسون للناس جلود الضأن من اللِّين، يشترون الدنيا بالدِّين، يقول الله تعالى: أبي يغترّون، وعليّ يجترئون، فبي حلفت لأتيحنّ لهم فتنة تدع الحليم منهم حيران. ومعنى «وَيُشْهِدُ اللَّهَ» أي يقول: الله يعلم أني أقول حقّاً. وقرأ ٱبن محيصن «وَيَشْهَد ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ» بفتح الياء والهاء في «يشهد» «اللهُ» بالرفع، والمعنى يعجبك قوله، والله يعلم منه خلاف ما قال. دليله قوله: {أية : وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [المنافقون: 1]. وقراءة ٱبن عباس {وَٱللَّهُ يَشْهَدُعَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ}. وقراءة الجماعة أبلغ في الذم؛ لأنه قوى على نفسه التزام الكلام الحسن، ثم ظهر من باطنه خلافه. وقرأ أُبَيّ وٱبن مسعود «ويستشهد الله على ما في قلبه» وهي حجة لقراءة الجماعة. الثانية ـ قال علماؤنا: وفي هذه الآية دليل وتنبيه على الاحتياط فيما يتعلق بأُمور الدِّين والدنيا، وٱستبراء أحوال الشهود والقضاة، وأن الحاكم لا يعمل على ظاهر أحوال الناس وما يبدو من إيمانهم وصلاحهم حتى يبحث عن باطنهم؛ لأن الله تعالى بيّن أحوال الناس، وأن منهم من يظهر قولا جميلاً وهو ينوي قبيحا. فإن قيل: هذا يعارضه قوله عليه السلام: «حديث : أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إلۤه إلا الله»تفسير : الحديث، وقوله: «حديث : فاقضي له على نحو ما أسمع»تفسير : فالجواب أن هذا كان في صدر الإسلام، حيث كان إسلامهم سلامتهم، وأما وقد عمّ الفساد فلا؛ قاله ٱبن العربي. قلت: والصحيح أن الظاهر يعمل عليه حتى يتبيّن خلافه؛ لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صحيح البخاريّ: أيها الناس، إن الوحي قد ٱنقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم؛ فمن أظهر لنا خيراً أمّناه وقرّبناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نؤمّنه ولم نصدّقه، وإن قال إن سريرته حسنة. الثالثة ـ قوله تعالى: {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ} الألدّ: الشديد الخصومة؛ وهو رجل أَلَدُّ، وٱمرأة لَدَّاء، وهم أهل لَدَد. وقد لَدِدْتَ ـ بكسر الدال ـ تَلَدُّ ـ بالفتح ـ لَدَدا، أي صرت ألّد. ولَدَدته ـ بفتح الدال ـ أَلُدُّه ـ بضمها ـ إذا جادلته فغلبته. والأَلدُّ مشتقٌّ من اللَّدِيدَين، وهما صفحتا العنق، أي في أيّ جانب أخذ من الخصومة غلب. قال الشاعر:شعر : وألدّ ذى حَنَقٍ عليّ كأنما تَغْلِي عَداوة صدره في مرْجلِ تفسير : وقال آخر:شعر : إن تحت التراب عزماً وحزماً وخصيما ألدّ ذا مِغلاقِ تفسير : و «الخصام» في الآية مصدر خاصم؛ قاله الخليل. وقيل: جمع خَصْم؛ قاله الزجاج؛ ككلب وكلاب، وصعب وصعاب، وضخم وضخام. والمعنى أشدّ المخاصمين خصومة، أي هو ذو جدال، إذا كلمك وراجعك رأيت لكلامه طلاوةً وباطنه باطل. وهذا يدل على أن الجدال لا يجوز إلا بما ظاهره وباطنه سواء. وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أَبْغَضَ الرّجالِ إلى الله الأَلَدُّ الْخَصِم».
البيضاوي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} يروقك ويعظم في نفسك، والتعجب: حيرة تعرض للإِنسان لجهله بسبب المتعجب منه. {في الحيَاةِ الدُّنْيَا} متعلق بالقول، أي ما يقوله في أمور الدنيا وأسباب المعاش، أو في معنى الدنيا فإنها مراد من إدعاء المحبة وإظهار الإيمان، أو يعجبك أي يعجبك قوله في الدنيا حلاوة وفصاحة ولا يعجبك في الآخرة لما يعتريه من الدهشة والحبسة، أو لأنه لا يؤذن له في الكلام. {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ} يحلف ويستشهد الله على أن ما في قلبه موافق لكلامه. {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ} شديد العداوة والجدال للمسلمين، والخصام المخاصمة ويجوز أن يكون جمع خصم كصعب وصعاب بمعنى أشد الخصوم خصومة. قيل نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي وكان حسن المنظر حلو المنطق يوالي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدعي الإِسلام. وقيل في المنافقين كلهم.
ابن كثير
تفسير : قال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأظهر الإسلام، وفي باطنه خلاف ذلك. وعن ابن عباس، أنها نزلت في نفر من المنافقين، تكلموا في خبيب وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع، وعابوهم، فأنزل الله في ذم المنافقين ومدح خبيب وأصحابه: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} وقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم، وفي المؤمنين كلهم، وهذا قول قتادة ومجاهد والربيع بن أنس وغير واحد، وهو الصحيح، وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الليث بن سعد عن خالد بن أبي هلال، عن القرظي، عن نوف، وهو البكالي، وكان ممن يقرأ الكتب، قال: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: قوم يحتالون على الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرّ من الصبر، يلبسون للناس مسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله تعالى: فعليّ يجترئون وبي يغترون، حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران، قال القرظي: تدبرتها في القرآن، فإذا هم المنافقون، فوجدتها: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ} الآية، وحدثني محمد بن أبي معشر: أخبرني أبو معشر نجيح، قال: سمعت سعيداً المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي، فقال سعيد: إن في بعض الكتب: إن عباداً ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين، قال الله تعالى: عليّ تجترئون، وبي تغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران، فقال محمد بن كعب هذا في كتاب الله، فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} الآية، فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت هذه الآية؟ فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل، ثم تكون عامة بعد، وهذا الذي قاله القرظي حسن صحيح، وأما قوله: {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ} فقرأه ابن محيصن {ويَشْهَدُ اللَّهُ} بفتح الياء وضم الجلالة {عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ} ومعناها أن هذا، وإن أظهر لكم الحيل، لكن الله يعلم من قلبه القبيح؛ كقوله تعالى:{أية : إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [المنافقون: 1] وقراءة الجمهور بضم الياء ونصب الجلالة، {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ} ومعناه أنه يظهر للناس الإسلام، ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق؛ كقوله تعالى: {أية : يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ}تفسير : [النساء: 108] الآية، هذا معنى ما رواه ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس، وقيل: معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام، حلف وأشهد الله لهم أن الذي في قلبه موافق للسانه، وهذا المعنى صحيح، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير، وعزاه إلى ابن عباس، وحكاه عن مجاهد، والله أعلم. وقوله: {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ} الألد في اللغة، الأعوج {أية : وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً}تفسير : [مريم: 97] أي: عوجاً، وهكذا المنافق في حال خصومته، يكذب، ويزور عن الحق، ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر»تفسير : . وقال البخاري: حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة عن عائشة ترفعه، قال: «حديث : إن أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخصم»تفسير : قال: وقال عبد الله بن يزيد: حدثنا سفيان، حدثنا ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخصم»تفسير : وهكذا رواه عبد الرزاق عن معمر في قوله: {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ} عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخصم».تفسير : وقوله: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ} أي: هو أعوج المقال، سيىء الفعال، فذلك قوله، وهذا فعله، كلامه كذب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة، والسعي ـ ههنا ـ هو القصد، كما قال إخباراً عن فرعون: {أية : ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ فَحَشَرَ فَنَادَىٰ فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلآخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ}تفسير : [النازعات: 22 ـ 26] وقال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الجمعة: 9] أي: اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي إلى الصلاة منهي عنه بالسنة النبوية: «حديث : إذا أتيتم الصلاة، فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار»تفسير : فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض وإهلاك الحرث، وهومحل نماء الزروع والثمار والنسل، وهو نتاج الحيوانات اللذين لا قوام للناس إلا بهما. وقال مجاهد: إذا سعي في الأرض إفساداً، منع الله القطر، فهلك الحرث والنسل. {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ} أي: لا يحب من هذه صفته، ولا من يصدر منه ذلك. وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ} أي: إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتق الله، وانزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق، امتنع وأبى، وأخذته الحمية والغضب بالإثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ يَكَـٰدُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}تفسير : [الحج: 72] ولهذا قال في هذه الآية: {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} أي: هي كافيته عقوبة في ذلك. وقوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة، ذكر صفات المؤمنين الحميدة، فقال: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} قال ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعكرمة وجماعة: نزلت في صهيب بن سنان الرومي، وذلك أنه لما أسلم بمكة، وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم، وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة، وقالوا له: ربح البيع، فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبره أن الله أنزل فيه هذه الآية، ويروىٰ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «حديث : ربح البيع صهيب»تفسير : قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن عبد الله بن رستة، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا جعفر بن سليمان الضبي، حدثنا عوف عن أبي عثمان النهدي عن صهيب، قال: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت لي قريش: يا صهيب قدمت إلينا، ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك؟ والله لا يكون ذلك أبداً، فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني؟ قالوا: نعم، فدفعت إليهم مالي، فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : ربح صهيب، ربح صهيب»تفسير : مرتين، وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب، قال: أقبل صهيب مهاجراً نحو النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، ونثل ما في كنانته، ثم قال: يا معشر قريش قد علمتم أني من أرماكم رجلاً، وأنتم والله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقى في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة، وخليتم سبيلي، قالوا: نعم، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ربح البيع»تفسير : قال: ونزلت: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ رَءُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله؛ كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءانِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}تفسير : [التوبة: 111] ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين، أنكر عليه بعض الناس، فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما، وتلوا هذه الآية: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ رَءُوفٌ بِٱلْعِبَادِ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } ولا يعجبك في الآخرة لمخالفته لاعتقاده {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ } أنه موافق لقوله {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ } شديد الخصومة لك ولأتباعك لعداوته لك وهو الأخْنَسُ بن شريق كان منافقا حلو الكلام للنبي صلى الله عليه وسلم يحلف أنه مؤمن به ومحبّ له فَيدْنَي مَجلِسهُ فأكذبه الله في ذلك ومر بزرع وحُمُرِ لبعض المسلمين فأحرقه وعقرها ليلاً كما قال تعالى.
الشوكاني
تفسير : لما ذكر سبحانه طائفتي المسلمين بقوله: {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ } عقب ذلك بذكر طائفة المنافقين، وهم الذين يظهرون الإيمان، ويبطنون الكفر. وسبب النزول الأخنس بن شريق كما يأتي بيانه. قال ابن عطية: ما ثبت قط أن الأخنس أسلم، وقيل إنها نزلت في قوم من المنافقين، وقيل: إنها نزلت في كل من أضمر كفرّاً، أو نفاقاً، أو كذباً، وأظهر بلسانه خلافه. ومعنى قوله: {يُعْجِبُكَ } واضح. ومعنى قوله: {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ } أنه يحلف على ذلك فيقول: يشهد الله على ما في قلبي من محبتك، أو من الإسلام، أو يقول: الله يعلم أني أقول حقاً، وأني صادق في قولي لك. وقرأ ابن محيصن: "وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ" بفتح حرف المضارعة، ورفع الإسم الشريف على أنه فاعل، والمعنى: ويعلم الله منه خلاف ما قال، ومثله قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ }تفسير : [المنافقون: 1] وقراءة الجماعة أبلغ في الذمّ. وقرأ ابن عباس: {والله يشهد على ما في قلبه} وقرأ أبيّ، وابن مسعود: «ويستشهد الله على ما في قلبه». وقوله: {في الحياة الدنيا} متعلق بالقول، أو بـ {يعجبك}، فعلى الأوّل القول صادر في الحياة، وعلى الثاني الإعجاب صادر فيها. والألدّ: الشديد الخصومة. يقال رجل ألدّ، وامرأة لداء، ولددته ألدّه: إذا جادلته، فغلبته، ومنه قول الشاعر:شعر : وألدّ ذي جَنَفٍ عليَّ كَأنَّما نَغْلِى عَداوةٌ صدره في مْرجَل تفسير : والخصام مصدر خاصم. قاله الخليل، وقيل: جمع خصم، قاله الزجاج ككلب، وكلاب، وصعب، وصعاب، وضخم، وضخام، والمعنى: أنه أشدّ المخاصمين خصومة، لكثرة جداله، وقوّة مراجعته، وإضافة الألدّ إلى الخصام بمعنى: في، أي: ألدّ في الخصام، أو جعل الخصام ألدّ على المبالغة. وقوله: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ } أي: أدبر، وذهب عنك يا محمد. وقيل: إنه بمعنى ضلّ، وغضب، وقيل: إنه بمعنى الولاية: أي: إذا كان والياً فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض. والسعي المذكور يحتمل أن يكون المراد به: السعي بالقدمين إلى ما هو فساد في الأرض، كقطع الطريق، وحرب المسلمين، ويحتمل أن يكون المراد به العمل في الفساد، وإن لم يكن فيه سعي بالقدمين، كالتدبير على المسلمين بما يضرّهم، وأعمال الحيل عليهم، وكل عمل يعمله الإنسان بجوارحه، أو حواسه يقال له سعي، وهذا هو الظاهر من هذه الآية. وقوله: {وَيُهْلِكَ} عطف على قوله: {لِيُفْسِدَ } وفي قراءة أبيّ: «وليهلك». وقرأه قتادة بالرفع. وروى عن ابن كثير: "وَيُهْلِكَ" بفتح الياء وضم الكاف، ورفع الحرث، والنسل، وهي قراءة الحسن، وابن محيصن. والمراد بالحرث: الزرع والنسل: الأولاد، وقيل الحرث: النساء. قال الزجاج: وذلك، لأن النفاق يؤدي إلى تفريق الكلمة، ووقوع القتال، وفيه هلاك الخلق، وقيل معناه: أن الظالم يفسد في الأرض، فيمسك الله المطر، فيهلك الحرث، والنسل. وأصل الحرث في اللغة: الشق، ومنه المحراث لما يشق به الأرض، والحرث: كسب المال، وجمعه. وأصل النسل في اللغة: الخروج، والسقوط، ومنه نسل الشعر، ومنه أيضاً: {أية : إِلَىٰ رَبّهِمْ يَنسِلُونَ }تفسير : [يس: 51] {أية : وهم من كل حدب ينسلون}تفسير : [الأنبياء: 96]، ويقال لما خرج من كل أنثى نسل، لخروجه منها. وقوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ } يشمل كل نوع من أنواعه من غير فرق بين ما فيه فساد الدين، وما فيه فساد الدنيا. والعزة: القوّة والغلبة، من عَزَّه يعزّه: إذا غلبه، ومنه: {أية : وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ }تفسير : [ص: 23] وقيل: العزة هنا: الحمية، ومنه قول الشاعر:شعر : أخذَته عزّة من جهْله فَتولىَّ مُغْضَباً فعل الضَّجِر تفسير : وقيل: العزة هنا: المنعة وشدّة النفس. ومعنى: {أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإثْمِ } حملته العزة على الإثم، من قولك أخذته بكذا: إذا حملته عليه، وألزمته إياه. وقيل: أخذته العزة بما يؤثمه، أي: ارتكب الكفر للعزة، ومنه: {أية : بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ }تفسير : [ص: 2] وقيل: الباء في قوله: {بِٱلإثْمِ } بمعنى اللام، أي: أخذته العزّة، والحمية عن قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه، وهو: النفاق، وقيل: الباء بمعنى: مع، أي: أخذته العزّة مع الإثم. وقوله: {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ } أي: كافية معاقبة، وجزاءً، كما تقول للرجل: كفاك ما حلّ بك، وأنت تستعظم عليه ما حلّ به. والمهاد جمع المهد، وهو الموضع المهيأ للنوم، ومنه مهد الصبي، وسميت جهنم مهاداً؛ لأنها مستقرّ الكفار. وقيل المعنى: أنها بدل لهم من المهاد كقوله: {أية : فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }تفسير : [آل عمران: 21] وقول الشاعر:شعر : تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : ويشرى بمعنى يبيع، أي: يبيع نفسه في مرضاة الله كالجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومثله قوله تعالى: {أية : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ } تفسير : [يوسف: 20] وأصله الاستبدال ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ } تفسير : [التوبة: 111]، ومنه قول الشاعر:شعر : وَشَرْيتُ برداً لَيْتَنِي مِنْ بعد بُرْدٍ كُنْتُ هَامَه تفسير : ومنه قول الآخر:شعر : يُعْطي بها ثمناً فَيمنعُها وَيَقُولُ صاحبه ألا تَشْرِي تفسير : والمرضاة: الرضا، تقول: رضي يرضى، رضا ومرضاة. ووجه ذكر الرأفة هنا أنه أوجب عليهم ما أوجبه ليجازيهم، ويثيبهم عليه، فكان ذلك رأفة بهم، ولطفاً لهم. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: لما أصيبت السرية التي فيها عاصم، ومرثد، قال رجال من المنافقين: يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا هكذا، لا هم قعدوا في أهلهم، ولا هم أدّوا رسالة صاحبهم؟ فأنزل الله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } أي: ما يظهر من الإسلام بلسانه: {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ } أنه مخالف لما يقوله بلسانه: {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ } أي: ذو جدال إذا كلمك وراجعك: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ } خرج من عندك: {سَعَىٰ فِى ٱلأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ } أي: لا يحبّ عمله، ولا يرضى به: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ } الذين يشرون أنفسهم من الله بالجهاد في سبيله، والقيام بحقه، حتى هلكوا على ذلك. يعني: هذه السرية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قوله} الآية، قال: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة، أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وقال جئت أريد الإسلام، ويعلم الله أني لصادق، فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منه، فذلك قوله: {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ }. ثم خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم، فمرّ بزرع لقوم من المسلمين، وحمر، فأحرق الزرع، وعقر الحمر، فأنزل الله: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلأرْضِ } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ } قال هو: شديد الخصومة. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد في قوله: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلأرْضِ } قال عمل في الأرض: {وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ } قال: نبات الأرض: {وَٱلنَّسْلَ } نسل كل شيء من الحيوان الناس، والدواب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد أيضاً أنه سئل، عن قوله: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلأرْضِ } قال: يلي في الأرض، فيعمل فيها بالعدوان، والظلم، فيحبس الله بذلك القطر من السماء، فتهلك بحبس القطر الحرث، والنسل، {والله لا يحبّ الفساد}. ثم قرأ مجاهد: {أية : ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ }تفسير : الآية [الروم: 41]. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: {وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ } قال: الحرث: الزرع، والنسل: نسل كل دابة. وأخرج ابن المنذر، والطبراني والبيهقي في الشعب، عن ابن مسعود؛ قال: «إن من أكبر الذنوب عند الله أن يقول الرجل لأخيه: اتق الله، فيقول عليك بنفسك أنت تأمرني». وأخرج ابن المنذر، والبيهقي في الشعب، عن سفيان قال: قال رجل لمالك بن مغْوَل: اتق الله، فسقط، فوضع خدّه على الأرض تواضعاً لله. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } قال: بئس المنزل. وأخرجا عن مجاهد قال: بئس ما شهدوا لأنفسهم. وأخرج ابن مردويه، عن صهيب قال: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت لي قريش: يا صهيب قدمت إلينا، ولا مال لك، وتخرج أنت، ومالك، والله لا يكون ذلك أبداً، فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني؟ قالوا: نعم، فدفعت إليهم مالي، فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : ربح البيع صهيب مرتين. تفسير : وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، وابن عساكر، عن سعيد بن المسيب، نحوه. وأخرج الطبراني، والحاكم، والبيهقي في الدلائل، عن صهيب، نحوه. وأخرج ابن المنذر، والحاكم وصححه، عن أنس قال: نزلت في خروج صهيب إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال: هم المهاجرون والأنصار.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةٍ الدُّنْيَا} فيه قولان: أحدهما: يعني من الجميل والخير. والثاني: من حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرغبة في دينه. {وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن يقول: اللهم اشهد عليّ فيه، وضميره بخلافه. والثاني: معناه: وفي قلبه ما يشهد الله أنه بخلافه. والثالث: معناه: ويستشهد الله على صحة ما في قلبه، ويعلم أنه بخلافه. وهي في قراءة ابن مسعود {وَيَسْتَشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ}. {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} والألد من الرجال الشديد الخصومة، وفي الخصام قولان: أحدهما: أنه مصدر، وهو قول الخليل. والثاني: أنه جمع خصيم، وهو قول الزجاج. وفي تأويل: {أَلَدُّ الْخِصَامِ} هنا أربعة أوجه: أحدها: أنه ذو جدال، وهو قول ابن عباس. والثاني: يعني أنه غير مستقيم الخصومة، لكنه معوجها، وهذا قول مجاهد، والسدي. والثالث: يعني أنه كاذب، في قول الحسن البصري. والرابع: أنه شديد القسوة في معصية الله، وهو قول قتادة. وقد روى ابن أبي مليكة، عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى الأَلَدُّ الخَصَمُ ". تفسير : وفيمن قصد بهذه الآية وما بعدها قولان: أحدهما: أنه صفة للمنافق، وهذا قول ابن عباس، والحسن. والثاني: أنها نزلت في الأخنس بن شريق، وهو قول السدي. قوله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ} في قوله تولى تأويلان: أحدهما: يعني غضب، حكاه النقاش. والثاني: انصرف، وهو ظاهر قول الحسن. وفي قوله تعالى: {لِيُفْسِدَ فِيهَا} تأويلان: أحدهما: يفسد فيها بالصد. والثاني: بالكفر. {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} فيه تأويلان: أحدهما: بالسبي والقتل. والثاني: بالضلال الذي يؤول إلى السبي والقتل. {وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ} معناه لا يحب أهل الفساد. وقال بعضهم لا يمدح الفساد، ولا يثني عليه، وقيل أنه لا يحب كونه ديناً وشرعاً، ويحتمل: لا يحب العمل بالفساد. قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ} فيه تأويلان: أحدهما: معناه دعته العزة إلى فعل الإثم. والثاني: معناه إذا قيل له اتق الله، عزت نفسه أن يقبلها، للإثم الذي منعه منها. قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللهِ} يشري نفسه أي يبيع، كما قال تعالى: {أية : وَشَرَوهُ بثَمَنٍ بَخْسٍ}، تفسير : [يوسف: 20] أي باعوه، قال الحسن البصري: العمل الذي باع به نفسه الجهاد في سبيل الله. واخْتُلِفَ فيمن نزلت فيه هذه الآية، على قولين: أحدهما: نزلت في رجل، أمر بمعروف ونهى عن منكر، وقتل، وهذا قول علي، وعمر، وابن عباس. والثاني: أنها نزلت في صُهيب بن سنان اشترى نفسه من المشركين بماله كله، ولحق بالمسلمين، وهذا قول عكرمة.
ابن عطية
تفسير : قال السدي: "نزلت في الأخنس بن شريق، واسمه أبيّ، والأخنس لقب، وذلك أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأظهر الإسلام، وقال: الله يعلم أني صادق، ثم هرب بعد ذلك، فمر بقوم من المسلمين، فأحرق لهم زرعاً، وقتل حمراً، فنزلت فيه هذه الآيات". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ما ثبت قط أن الأخنس أسلم. وقال ابن عباس: نزلت في قوم من المنافقين تكلموا في الذين قتلوا في غزوة الرجيع عاصم بن ثابت وخبيب وابن الدثنة وغيرهم قالوا: ويح هؤلاء القوم لا هم قعدوا في بيوتهم ولا أدوا رسالة صاحبهم، فنزلت هذه الآيات في صفات المنافقين: ثم ذكر المستشهدين في غزوة الرجيع في قوله: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} الآية، وقال قتادة ومجاهد وجماعة من العلماء: نزلت هذه الآيات في كل مبطن كفر أو نفاق أو كذب أو إضرار وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك، فهي عامة، وهي تشبه ما ورد في الترمذي أن في بعض كتب الله تعالى: "أن من عباد الله قوماً ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين، يقول الله تعالى: أبي يغترون وعلي يجترون؟ حلفت لأسلطن عليهم فتنة تدع الحليم منهم حيران". ومعنى {ويشهد الله} أي يقول: الله يعلم أني أقول حقاً، وقرأ أبو حيوة وابن محيصن " ويشهدُ الله" بإسناد الفعل إلى اسم الجلالة، المعنى يعجبك قوله والله يعلم منه خلاف ما قال، والقراءة التي للجماعة أبلغ في ذمه، لأنه قوى على نفسه التزام الكلام الحسن ثم ظهر من باطنه خلافه، و {ما في قلبه} مختلف بحسب القراءتين، فعلى قراءة الجمهور هو الخير الذي يظهر، أي هو في قلبه بزعمه، وعلى قراءة ابن محيصن هو الشر الباطن، وقرأ ابن عباس "والله يشهد على ما في قلبه" وقرأ أبي وابن مسعود "ويستشهد الله على ما في قلبه" والألد: الشديد الخصومة الصعب الشكيمة الذي يلوي الحجج في كل جانب، فيشبه انحرافه المشي في لديدي الوادي، ومنه لديد الفم، واللدود، ويقال منه: لدِدت بكسر العين ألد، وهو ذم، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" تفسير : ، ويقال: لَددته بفتح العين ألُده بضمها إذا غلبته في الخصام، ومن اللفظة قول الشاعر: [الخفيف] شعر : إنَّ تَحْتَ الأَحْجَارِ حَزْماً وَعَزْماً وَخَصيماً أَلَدَّ ذا مِعْلاَقِ تفسير : و {الخصام} في الآية مصدر خاصم، وقيل جمع خصم ككلب وكلاب، فكان الكلام وهو أشد الخصماء والدهم. و {تولى} و {سعى} تحتمل جميعاً معنيين: أحدهما أن تكون فعل قلب فيجيء {تولى} بمعنى ضل وغضب وأنف في نفسه فسعى بحيله وإرادته الدوائر على الإسلام، ومن هذا السعي قول الله تعالى: {أية : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} تفسير : [النجم: 39]، ومنه {أية : وسعى لها سعيها} تفسير : [الإسراء: 19]، ومنه قول الشاعر: [الرجز] شعر : أسعى على حيِّ بني مالك كل امرىء في شأنِهِ سَاعِ تفسير : ونحا هذا المنحى في معنى الآية ابن جريج وغيره، والمعنى الثاني أن يكونا فعل شخص فيجيء {تولى} بمعنى أدبر ونهض عنك يا محمد، و {سعى} يجيء معناها بقدميه فقطع الطريق وأفسدها، نحا هذا المنحى ابن عباس وغيره، وكلا السعيين فساد. وقوله تعالى: {ويهلك الحرث والنسل}. قال الطبري: "المراد الأخنس في إحراقه الزرع وقتله الحمر". وقال مجاهد: "المراد أن الظالم يفسد في الأرض فيمسك الله المطر فيهلك الحرث والنسل"، وقيل: المراد أن المفسد يقتل الناس فينقطع عمار الزرع والمنسلون". وقال الزجّاج: "يحتمل أن يراد بالحرث النساء وبالنسل نسلهن". قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن الآية عبارة عن مبالغة في الإفساد، إذ كل فساد في أمور الدنيا، فعلى هذين الفصلين يدور، وأكثر القراء على {يُهلكَ} بضم الياء وكسر اللام وفتح الكاف عطفاً على {ليفسد}، وفي مصحف أبي بن كعب "وليهلكَ"، وقرأ قوم "ويهلكُ" بضم الكاف، إما عطفاً على {يعجبك} وإما على {سعى}، لأنها بمعنى الاستقبال، وإما على القطع والاستئناف، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وأبو حيوة وابن محيصن "وَيهلِكُ" بفتح الياء وكسر اللام وضم الكاف ورفع " الحرثُ" و "النسَلُ"، وكذلك رواه ابن سلمة عن ابن كثير وعبد الوارث عن أبي عمرو، وحكى المهدوي أن الذي روى حماد بن سلمة عن ابن كثير إنما هو "ويُهلكُ" بضم الياء والكاف " الحرث" بالنصب، وقرأ قوم "وَيهلكَ" بفتح الياء واللام ورفع "الحرثُ" وهي لغة هلِكَ يهلَكُ، تلحق بالشواذ كركن يركن، و {الحرث} في اللغة شقَ الأرض للزراعة، ويسمى الزرع حرثاً للمجاورة والتناسب، ويدخل سائر الشجر والغراسات في ذلك حملاً على الزرع، ومنه قول عز وجل {أية : إذ يحكمان في الحرث} تفسير : [الأنبياء: 78]، وهو كرم على ما ورد في التفاسير، وسمي النساء حرثاً على التشبيه، و {النسل} مأخوذ من نسل ينسل إذا خرج متتابعاً ومنه نسال الطائر ما تتابع سقوطه من ريشه، ومنه قوله تعالى: {أية : وهم من كل حدب ينسلون} تفسير : [الأنبياء: 96]، ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِ تفسير : و {لا يحب} معناه لا يحبه من أهل الصلاح، أي لا يحبه ديناً، وإلا فلا يقع إلا ما يحب الله تعالى وقوعه، والفساد واقع، وهذا على ما ذهب إليه المتكلمون من أن الحب بمعنى الإرادة. قال القاضي أبو محمد: والحب له على الإرادة مزية إيثار، فلو قال أحد: إن الفساد المراد تنقصه مزية الإيثار لصح ذلك، إذ الحب من الله تعالى إنما هو لما حسن من جميع جهاته. وقوله تعالى: {وإذا قيل له اتق الله} الآية، هذه صفة الكافر أو المنافق الذاهب بنفسه زهواً، ويكره للمؤمن أن يوقعه الحرج في نحو هذا. وقال بعض العلماء: كفى بالمرء إثماً أن يقول له أخوه اتق الله فيقول له: عليك نفسك، مثلك يوصيني؟. والعزة هنا المنعة وشدة النفس، أي اعتز في نفسه وانتخى فأوقعته تلك العزة في الإثم حين أخذته به وألزمته أباه، ويحتمل لفظ الآية أن يكون أخذته العزة مع الإثم، فمعنى الباء يختلف بحسب التأويلين، و {حسبه} أي كافيه معاقبة وجزاء، كما تقول للرجل كفاك ما حل بك، وأنت تستعظم وتعظم عليه ما حل به، و {المهاد} ما مهد الرجل لنفسه كأنه الفراش، ومن هذا الباب قول الشاعر: [الوافر] شعر : تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ تفسير : وقوله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه} الآية تتناول كل مجاهد في سبيل الله أو مستشهد في ذاته أو مغير منكر، والظاهر من هذا التقسيم أن تكون الآيات قبل هذه على العموم في الكافر بدليل الوعيد بالنار ويأخذ العصاة الذين فيهم شيء من هذا الخلق بحظهم من وعيد الآية، ومن قال إن الآيات المتقدمة هي في منافقين تكلموا في غزوة الرجيع قال: هذه الآية في شهداء غزوة الرجيع، ومن قال تلك في الأخنس قال: هذه في الأنصار والمهاجرين المبادرين إلى الإيمان. وقال عكرمة وغيره: هذه في طائفة من المهاجرين، وذكروا حديث صهيب أنه خرج من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعته قريش لترده، فنثر كنانته، وقال لهم: تعلمون والله إني لمن أرماكم رجلاً، والله لأرمينَّكم ما بقي لي سهم، ثم لأضربن بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، فقالوا له: لا نتركك تذهب عنا غنياً وقد جئتنا صعلوكاً، ولكن دلنا على مالك ونتركك، فدلهم على ماله وتركوه، فهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال له: "حديث : ربح البيع أبا يحيى"تفسير : ، فنزلت فيه هذه الآية، ومن قال قصد بالأول العموم قال في هذه كذلك بالعموم، و {يشري} معناه يبيع، ومنه {أية : وشروه بثمن بخس} تفسير : [يوسف: 20]، ومنه قول يزيد بن مفرغ الحميري: [مجزوء الكامل] شعر : وَشَريْتُ برداً لَيْتَنِي مِنْ بَعْدِ برْدٍ كُنْتَ هَامَه تفسير : وقال الآخر: [الكامل] شعر : يعطى بها ثمناً فَيَمْنَعُها وَيَقُولُ صَاحِبُهُ أَلاَ تَشْرِي تفسير : ومن هذا تسمى الشراة كأنهم الذين باعوا أنفسهم من الله تعالى، وحكى قوم أنه يقال شرى بمعنى اشترى، ويحتاج إلى هذا من تأول الآية في صهيب، لأنه اشترى نفسه بماله ولم يبعها، اللهم إلا أن يقال إن عزم صهيب على قتالهم بيع لنفسه من الله تعالى فتستقيم اللفظة على معنى باع. وتأول هذه الآية عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم في مغيري المنكر، ولذلك قال علي وابن عباس: اقتتل الرجلان، أي قال المغير للمفسد: اتق الله، فأبى المفسد وأخذته العزة، فشرى المغير نفسه من الله تعالى وقاتله فاقتتلا. وروي أن عمر بن الخطاب كان يجمع في يوم الجمعة شباباً من القرأة فيهم ابن عباس والحر بن قيس وغيرهما فيقرؤون بين يديه ومعه، فسمع عمر ابن عباس رضي الله عنهم يقول: اقتتل الرجلان، حين قرأ هذه الآية، فسأله عما قال، ففسر له هذا التفسير، فقال له عمر: "لله تلادك يا ابن عباس". وقال أبو هريرة وأبو أيوب حين حمل هشام بن عامر على الصف في القسطنطينية فقال قوم: ألقى بيده إلى التهلكة، ليس كما قالوا، بل هذا قول الله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه} الآية. و {ابتغاء} مفعول من أجله، ووقف حمزة على {مرضاة} بالتاء والباقون بالهاء. قال أبو علي: "وجه وقف حمزة بالتاء إما أنه على لغة من يقول طلحت وعلقمت، ومنه قول الشاعر: [الرجز] شعر : بل جوز تيهاء كظهر الحجفت تفسير : وإما أنه لما كان المضاف إليه في ضمن اللفظة ولا بد أثبت التاء كما تثبت في الوصل ليعلم أن المضاف إليه مراد. وقوله تعالى: {والله رؤوف بالعباد} ترجية تقتضي الحض على امتثال ما وقع به المدح في الآية كما في قوله تعالى: {فحسبه جهنم} تخويف يقتضي التحذير مما وقع به الذم في الآية. ثم أمر تعالى المؤمنين بالدخول في السلم، وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي " السلم" بفتح السين، وقرأ الباقون بكسرها في هذا الموضع، فقيل: هما بمعنى واحد، يقعان للإسلام وللمسالمة. وقال أبو عمرو بن العلاء: السِّلم بكسر السين الإسلام، وبالفتح المسالمة"، وأنكر المبرد هذه التفرقة، ورجح الطبري حمل اللفظة على معنى الإسلام، لأن المؤمنين لم يؤمروا قط بالانتداب إلى الدخول في المسالمة، وإنما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجنح للسلم إذا جنحوا لها، وأما أن يبتدىء بها فلا. واختلف بعد حمل اللفظ على الإسلام من المخاطب؟ فقالت فرقة: جميع المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى أمرهم بالثبوت فيه والزيادة من التزام حدوده، ويستغرق {كافة} حينئذ المؤمنين وجميع أجزاء الشرع، فتكون الحال من شيئين، وذلك جائز، نحو قوله تعالى: {أية : فأتت به قومها تحمله} تفسير : [مريم: 27]، إلى غير ذلك من الأمثلة. وقال عكرمة: "بل المخاطب من آمن بالنبي من بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره". وذلك أنهم ذهبوا إلى تعظيم يوم السبت وكرهوا لحم الجمل وأرادوا استعمال شيء من أحكام التوراة وخلط ذلك بالإسلام فنزلت هذه الآية فيهم، فـــ {كافة} على هذا لإجزاء الشرع فقط. وقال ابن عباس: "نزلت الآية في أهل الكتاب"، والمعنى يا أيها الذي آمنوا بموسى وعيسى ادخلوا في الإسلام بمحمد كافة، فــ {كافة} على هذا لإجزاء الشرع وللمخاطبين على من يرى السلم الإسلام، ومن يراها المسالمة يقول: أمرهم بالدخول في أن يعطوا الجزية، و {كافة} معناه جميعاً، والمراد بالكافة الجماعة التي تكف مخالفها، وقيل: إن {كافة} نعت لمصدر محذوف، كأن الكلام: دخله كافة، فلما حذفت المنعوت بقي النعت حالاً، وتقدم القول في {خطوات}، والألف واللام في {الشيطان} للجنس، و {عدو} يقع على الواحد والاثنين والجميع، و{مبين} يحتمل أن يكون بمعنى أبان عداوته وأن يكون بمعنى بان في نفسه أنه عدو، لأن العرب تقول: بان الأمر وأبان بمعنى واحد.
ابن عبد السلام
تفسير : {يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} من الجميل والخير، أو من حب الرسول صلى الله عليه وسلم والرغبة في دينه. {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ} يقول اللهم اشهد عليَّ به، أو في قلبه ما يشهد الله أنه بخلافه، أو يستشهد الله على صحة ما في قلبه والله يعلم أنه بخلافه. {أَلَدُّ} الألد: الشديد الخصومة. {الْخِصَامِ} مصدر، أو جمع خصيم أي ذو جدال، أو كذاب، أو شديد القسوة في المعصية، أو غير مستقيم الخصومة. نزلت في الأخنس بن شَرِيق، أو هي صفة للمنافقين.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا} نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة، واسمه أبي وإنما سمي الأخنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بني زهرة، عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنه أشار على بني زهرة الرجوع يوم بدر، وقال لهم: إن محمداً ابن أختكم فإن يك كاذباً كفاكموه الناس وإن يك صادقاً كنتم أسعد الناس به قالوا: نعم ما رأيت قال إني سأخنس بكم فاتبعوني فخنس فسمي الأخنس بذلك وكان الأخنس حلو الكلام حلو المنظر، وكان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجالسه ويظهر الإسلام ويقول: إني لأحبك ويحلف بالله على ذلك وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني مجلسه وكان الأخنس منافقاً فنزل فيه، ومن الناس من يعجبك قوله، أي يروقك وتستحسنه ويعظم في قلبك في الحياة الدنيا، يعني أن حلاوة كلامه فيما يتعلق بأمر الدنيا {ويشهد الله على ما في قلبه} يعني قوله: والله إني بك مؤمن ولك محبّ {وهو ألد الخصام} أي شديد الجدال في الباطل، وقيل: هو كاذب القول، وقيل: هو شديد القسوة في المعصية جدل بالباطل يتكلم بالحكمة ويعمل بالخطيئة (ق) عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" تفسير : يعني الشديد في الخصومة.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ...}. حكى ابن عطية في سبب نزولها ثلاثة أوجه: إمّا أنها عامة في كل من أبطن الكفر وأظهر الإسلام، وإما أنّها خاصة بقوم من المنافقين تكلَّموا في قوم من المؤمنين استشهدوا في غزوة الرجيع. وإما أنها خاصة بالأخنس بن (شريق). قال أبو حيان: و "من" إما موصولة بمعنى الذي أو نكرة موصوفة. قال ابن عرفة: إعرابها نكرة مناسب للقول بعموم الآية في كل منافق، وإعرابها موصولة مناسب للقولين الآخرين لأجل العهد الذي في الصلة فيقتضي تقدم معهود على (الخصوص) ويكون تعجبك ماضيا في المعنى (أي) بلفظ المضارع للتصوير والتحقيق كأنه مشاهد وعلى العموم فهو مستقبل حقيقة. قوله تعالى: {فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا}. إما متعلق بـ "يعجبك" أو بـ "قَوْلُهُ". وعادتهم يوردون عليه سؤالا وهو أنه إن تعلق بـ "يعجبك" كان الكلام غير مفيد لأنه معلوم لأن الإعجاب منه إنما هو في الدنيا، ولا يقع في الآخرة فهو تحصيل الحاصل، وإن تعلق بـ "قَوْلُهُ" فإما أن يراد نفس قوله أو متعلقه، فمتعلقه إنّما هو في الآخرة لا في الدنيا لأن (محصول) ذلك القول (الإسلام) وهو أمر أخروي لا دنيوي. وإن أريد نفس "قَوْلُهُ" فذلك القول إنما وقع منه في الدنيا ونحن نعلم ذلك من غير حاجة إلى الإعلام به فيرجع إلى تحصيل الحاصل. قال: فالجواب أنه على حذف مضاف، أي يعجبك قوله في شأن الحياة الدنيا، لأنه إنما (يقصد) بكلمة الإسلام عصمته من القتل والأسر وضرب (الجزية)، وصيانة ماله وعرضه، فالإعجاب راجع إلى حكم دنيوي لأن المراد به نفس التعجب. قوله تعالى: {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ...}. دليل على أن العقل في القلب. قيل لابن عرفة: وهذا من الكذب على الله. وقد ذكر ابن التلمساني فيه قولين: قيل إنه كفر، وقيل لا؟ قال ابن عرفة: إنّما الخلاف في الكذب على الله في الأحكام كقوله: أَحَلّ الله كذا وحرم كذا وأما قول القائل أي الحالف لقد كان كذا والله يعلم أنّي لصادق، فهو يمين غموس وليس من ذلك القبيل وعلق التعجب بالقول ليفيد التعجّب من كلامه من باب أحرى. قوله تعالى: {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ}. إنما كان مُلدّا لحلفه على الباطل وتأكيده الحلف يعلم أنه تعالى أنه حق.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {مرضاة} بالإمالة والوقف بالهاء: علي. وكذلك يقف على {هيهات} هيهاه وعلى {حدائق ذات} ذاه وعلى {أفرأيتم اللات} اللاه وعلى {ولات حين} ولاه، وعلى {مريم ابنة} ابنه. وافق أبو عمر وفي {ولات حين} بالهاء {لسلم} بفتح السين. أبو جعفر ونافع وابن كثير وعلي. الباقون: بالكسر. {والملائكة} بالجر: يزيد عطفاً على "ظلل" أو على "الغمام" أو للجوار وإن كان فاعل "يأتهم". الباقون: بالرفع {ترجع الأمور} حيث كان بفتح التاء وكسر الجيم: حمزة وعلي وخلف وابن عامر وسهل ويعقوب. الباقون: بضم التاء وفتح الجيم. الوقوف: {قلبه} لا لأن الواو للحال {الخصام} ه {والنسل} ط {الفساد} ط {جهنم} ط {المهاد} ه {مرضات الله} ط {بالعباد} ه {كافة} ص لعطف الجملتين المتفقتين {الشيطان} ط مع احتمال الجواز {مبين} ه {حكيم} ه {وقضى الأمر} ط {الأمور} ه. التفسير: لما آل أمر بيان الحج إلى تعديد فرق الناس بحسب أغراضهم في الدعاء، ناسب أن يعطف على ذلك تقسيم آخر يعرف منه مطامح أنظار الناس على الإطلاق ليعرف أرباب النفاق. من أصحاب الوفاق. عن السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي وهو حليف بني زهرة. أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فأظهر له الإسلام وزعم أنه يحبه وقال: والله يعلم أني لصادق. فلما خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم مر بزرع لقوم من المسلمين وحمر، فأحرق الزرع وعقر الحمر. وقيل: إنه أشار على بني زهرة بالرجوع يوم بدر وقال لهم: إن محمداً ابن أختكم فإن يك كاذباً كفاكموه سائر الناس، وإن يك صادقاً كنتم أسعد الناس به. فقالوا: نعم الرأي ما رأيت. ثم خنس بثلثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمى بهذا السبب أخنس - وكان اسمه أبي بن شريق - فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبه. وعن ابن عباس والضحاك: أن كفار قريش بعثوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفراً من علماء أصحابك فبعث إليهم جماعة، فلما كانوا ببعض الطريق ركب من الكفار سبعون راكباً فأحاطوا بهم فقتلوهم وصلبوهم ففيهم نزلت. وقوله بعد ذلك {ومن الناس من يشري} إشارة إلى هؤلاء الشهداء. واختيار المحققين من المفسرين أنه لا يمتنع أن تكون الآية نازلة في الرجل ثم تكون عامة في أمثاله. فهذه الآية عامة في المنافقين، فإن ألسنتهم تحلو لي وقلوبهم أمر من الصبر. والضمير في {يعجبك قوله} يعود إلى "من" ويحتمل أن يكون جمعاً ولكنه أفرد نظراً إلى اللفظ. ومعنى يعجبك يروقك ويعظم في قلبك و {في الحياة الدنيا} إما أن يتعلق بقوله أي يعجبك ما يقوله في باب الدنيا طلباً للمصالح العاجلة فقط كالأمان من القتل والأخذ من المغانم، و إما أن يتعلق بيعجبك لأن قوله وحلو كلامه إنما يعجب السامع في الدنيا ولا يعجبه في الآخرة لما يرهقه في الموقف من الهيبة والحيرة، أو لأنه لا يؤذن له في الكلام. والخطاب إما للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لكل سامع. {ويشهد الله على ما في قلبه} يحتمل أن يكون ذلك الاستشهاد بالحلف، وأن يكون بقوله "شهد الله على ما في قلبي من محبتك ومن الإسلام". {وهو ألد الخصام} الألد الشديد الخصومة، واللديدان جانبا الوادي. كأن كلاً من المتخاصمين في جانب. ومنه اللدود وهو ما يصب من الأدوية في أحد شقي الفم. وإضافة الألد بمعنى "في" كقولهم "ثبت الغدر" و "قتيل الصف" أو جعل الخصام ألد على المبالغة نحو "جد جده". والخصام جمع خصم كصعاب في صعب. والمعنى: هو أشد الخصوم خصومة. والحاصل إنه جدل بالباطل شديد الفسوق في معصية الله عالم اللسان جاهل العمل، وإذا تولى عنك وذهب بعد إلانة القول وإحلاء المنطق سعى في الأرض ليفسد فيها كما فعل بأولئك المسلمين من إحراق الزروع وعقر المواشي. وأصل السعي المشي بسرعة، وقد يستعار لإيقاع الفتنة والتخريب بين الناس. وقيل: لما انصرف من بدر مر ببني زهرة وكان بينه وبين ثقيف خصومة، فبيتهم ليلاً وأهلك مواشيهم وأحرق زروعهم، وعلى هذا فيقع قوله {ويهلك الحرث والنسل} تفصيلاً لما أجمله قوله {ليفسد} وقيل: إفساده هو إلقاء الشبه في عقائد المسلمين، وعلى هذا فيكون إهلاك الحرث والنسل بمعنى آخر. وهذا تفسير مناسب لأن كمال الإنسان بالعلم والعمل ونقصه بضدهما، فيكون الإفساد إشارة إلى نقص قوّته النظرية والإهلاك عبارة عن فعل المنكرات و فيه نقصان قوّته العملية. وقيل: {وإذا توّلى} أي إذا كان والياً فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل. وقيل: يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل. فالحرث الزرع، والنسل الولد. ونسلت الناقة بولد كثير، والتركيب يدل على الخروج. وقيل: إهلاك الحرث قتل النسوان {أية : نساؤكم حرث لكم} تفسير : [البقرة: 223] وإهلاك النسل إفناء الصبيان {والله لا يحب الفساد} قالت المعتزلة: معناه لا يريد الفساد. وفيه دليل على أنه يريد القبائح وإذا لم يردها لم يخلقها لأن الخلق لا يمكن إلا بالإرادة. ومنع من أن المحبة نفس الإرادة، بل المحبة عبارة عن مدح الشيء وذكره بالتعظيم. ثم الدليل الدال على أن لا مرجح لأحد جانبي كل ممكن على الآخر إلا الله وإلا انسد باب إثبات الصانع يدل على أن الكل بإرادته ومشيئته، وقد مر تحقيق ذلك فيما سلف. واعلم أنه سبحانه حكى عن المنافق جملة من الأفعال الذميمة. أولها حسن كلامه في طلب الدنيا، وثانيها استشهاده بالله كذباً وبهتاناً، وثالثها لحاجة في إبطال الحق وإثبات الباطل، ورابعها سعيه في الأرض للإفساد، وخامسها سعيه في إهلاك الحرث والنسل. فوقع قوله {والله لا يحب الفساد} جمله معترضة. ثم ذكر خصلة سادسة أشنع من الكل دالة على جهله المركب وخروجه عن أن يرجى منه خير وذلك قوله {وإذا قيل له اتق الله} في ارتكاب شيء من هذه المنهيات. والقائل إما الرسول صلى الله عليه وسلم قولاً خاصاً أو عاماً لجميع المكلفين فيدخل المنافق فيه، وإما كل واعظ وناصح {أخذته العزة بالإثم} من قولهم "أخذت فلاناً بأن يفعل كذا" أي ألزمته ذلك وحملته عليه أي أخذته الغلبة والاستيلاء والأنفة وحمية الجاهلية أن يعمل الإثم، وذلك الإثم هو ترك الالتفات إلى هذا الوعظ وعدم الإصغاء إليه، أو من قوله "أخذته الحمى" أي لزمته، و "أخذه الكبر" أي اعتراه ذلك والمعنى لزمته العزة الحاصلة بسبب الإثم الذي في قلبه، وذلك الإثم هو الكفر والجهل وعدم النظر في الدلائل {فحسبه جهنم} كافية هي جزاء له يستوي فيه الواحد والجمع والتثنية والمذكر والمؤنث لأنه مصدر. ورفعه على الخبرية أو على الابتداء إذا كان ما بعده معرفة، أو على الابتداء فقط إن كان نكرة مثل "حسبك درهم". وعلى هذا تكون الإضافة معنوية ألبتة، وعلى تقدير كونه خبر الوقوع المعرفة بعده تكون الإضافة لفظية أي فحسب وكافٍ له. قال يونس وأكثر النحويين: جهنم اسم للنار التي يعذب الله بها في الآخرة وهي أعجمية وفيها العلمية والتأنيث. وقال آخرون: إنه اسم عربي سميت نار الآخرة بها لبعد قعرها. حكي عن رؤبة أنه قال: ركية جهنام بكسر الجيم والهاء أي بعيدة القعر. وقيل: اشتقاقها من الجهومة وهي الغلظ. ومنه رجل جهم الوجه أي غليظه. سميت بذلك لغلظ أمرها في العذاب والعقاب. {ولبئس المهاد} أي ما يمهد لأجله فإن المعذب في النار يلقى على النار كما يوضع الشخص على الفراش. ويحتمل أن يكون مصدراً بمعنى التمهيد والتوطئة. قوله تعالى: {ومن الناس من يشري} الآية. قال سعيد بن المسيب: أقبل صهيب مهاجراً نحو النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من قريش فنزل عن راحلته وانتشل ما في كنانته وأخذ قوسه ثم قال: والله لا تصلون إليّ أو أرمي بكل سهم معي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي. وإن شئتم دللتكم على مال دفنته بمكة وخليتم سبيلي ففعلوا. فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" حديث : ربح البيع أبا يحيى"تفسير : وتلا الآية. وقيل: أخذ المشركون صهيباً فعذبوه فقال لهم صهيب: إني شيخ كبير لا يضركم، أمنكم كنت أم من غيركم. فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟ ففعلوا ذلك. وكان قد شرط عليهم راحلة ونفقة فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر في رجال، فقال له أبو بكر: ربح بيعك أبا يحيى. قال صهيب: وبيعك. أفلا تخبرني ما ذاك؟ فقال: نزلت فيك كذا قرأ الآية. عن الحسن: نزلت في أن المسلم أتى الكافر فقاتل حتى قتل. وقيل: نزلت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. سمع عمر بن الخطاب إنساناً يقرأ هذه الآية فقال عمر: إنا لله قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل. وقيل: نزلت في علي رضي الله عنه بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة خروجه إلى الغار. ويروى أنه لما نام على فراشة قام جبريل عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجبريل ينادي بخ بخ. من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة ونزلت الآية. ثم إن الآية تدل على أن ههنا مبايعة، فأكثر المفسرين على أن العامل هو البائع. ومعنى يشري يبيع {أية : وشروه بثمن بخس} تفسير : [يوسف: 20] والله هو المشتري {أية : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} تفسير : [التوبة: 111] وعمل المكلف وهو بذل نفسه في طاعة الله من الصلاة والصيام والحج والجهاد هو الثمن والجنة هي المثمن. وقيل: يحتمل أن يراد بالشراء ههنا الاشتراء وذلك أن من أقدم على الكفر والمعاصي. فكأن نفسه خرجت عن ملكه وصارت حقاً للنار، وإذا أقدم على الطاعة صار كأنه اشترى نفسه من النار فصار حال المؤمن كالمكاتب يبذل دراهم معدودة ويشتري بها نفسه، والمؤمن يبذل أنفاساً معدودة ويشتري بها نفسه، لكن المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم. فكذا المكلف لا ينجو عن ربقة العبودية ما دام بقي له نفس واحد في الدنيا، وهذا كقول عيسى عليه السلام {أية : وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً} تفسير : [مريم: 31] وقوله عز من قائل لنبيه {أية : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} تفسير : [الحجر: 99] و {ابتغاء مرضات الله} أي طلب رضوانه نصب على العلة الغائية. وفيه دليل على أن كل مشقة يتحملها الإنسان يجب أن تكون على وفق الشرع ومطلوباً بها جانب الحق وإلا كان عمله ضلالاً وكده وبالاً. {والله رؤف بالعباد} فمن رأفته جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل، وجوز لهم كلمة الكفر إبقاء على النفس {أية : إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} تفسير : [النحل: 106] ومن رأفته أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها، ومن رأفته أن المصر على الكفر مائة سنة إذا تاب ولو في لحظة أسقط عقابه وأعطاه ثوابه، ومن رأفته أن النفس له والمال له ثم إنه يشتري ملكه بملكه فضلاً منه وامتناناً ورحمة وإحساناً. قوله سبحانه {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة} أصل السلم بالكسر، والفتح الاستسلام والطاعة. ويطلق أيضاً على الصلح وترك الحرب والمنازعة. وهو أيضاً راجع إلى هذا و إنه يذكر ويؤنث. واختلف في المخاطبين فقيل: أمر للمسلمين بما يضاد حال المنافقين أي يا أيها الذين آمنوا بالألسنة والقلوب دوموا على الإسلام فيما تستأنفونه من أيامكم ولا تخرجوا منه ولا من شيء من شرائعه. {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} لا تلتفتوا إلى الشبهات التي يلقيها إليكم أهل الغواية، والكائن في الدار إذا علم أن له في المستقبل خروجاً منها لا يمتنع أن يؤمر بدخولها في المستقبل حالاً بعد حال. ومعلوم أن المؤمنين قد يخرجون عن خصال الإيمان بالنوم والسهو وغيرهما من الأحوال، فلا يبعد أن يأمرهم الله بالدخول في الإسلام فيما يستأنف من الزمان. أو أمرهم بأن يكونوا مجتمعين في نصرة الدين واحتمال البلوى فيه. ولا تتبعوا آثار الشيطان بالإقبال على الدنيا والجبن والخور في أمر الدين مثل {أية : ولا تنازعوا فتفشلوا} تفسير : [الأنفال: 46] أو يكون المراد بالدخول في السلم ترك الذنوب والمعاصي، فإن من مذهبنا أن الإيمان باقٍ مع الذنب والعصيان، أو يكون المراد الرضا بالقضاء والتلقي لجميع المكاره بالبشر والطلاقة كما ورد في الخبر "حديث : الرضا بالقضاء باب الله الأعظم" تفسير : أو يكون المراد ترك الانتقام وسلوك طريق العفو والإغماض {أية : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً} تفسير : [الفرقان: 63] وقوله: {كافة} يصلح أن يكون حالاً من المأمورين أي ادخلوا بأجمعكم في السلم ولا تتفرقوا ولا تختلفوا وأن يكون حالاً من السلم على أنها مؤنث كالحرب أي ادخلوا في شرائع الإسلام كلها وأصل الكف المنع فسمي الجميع كافة لأن الاجتماع بمنع التفرق والشذوذ. ورجل مكفوف أي كف بصره من أن ينظر. وكفة القميص لأنها تمنع الثوب من الانتشار. والكف طرف اليد لأنه يكف بها عن سائر البدن. وقيل: الخطاب للمنافقين والتقدير: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ادخلوا بكليتكم في الإسلام ولا تتبعوا آثار تزيين الشيطان وتسويله بالإقامة على النفاق. وقيل: نزلت في مسلمي أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه حين أرادوا أن يقيموا على بعض شرائع موسى كتعظيم السبت وقراءة التوراة واستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأمروا أن يدخلوا في شرائع الإسلام كافة ولا يتمسكوا بشيء من أحكام التوراة لثبوت نسخها بالكلية، فإن التمسك بها بعد تبين نسخها من اتباع آثار الشيطان، وقيل: السلم الإسلام، والخطاب لأهل الكتاب، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بالكتاب المتقدم كملوا طاعتكم بالإيمان بجميع أنبيائه وكتبه، ولا تتبعوا خطوات الشيطان بالشبهات التي يتمسكون بها في بقاء تلك الشريعة {إنه لكم عدوّ مبين} عن أبي مسلم أن المبين من صفات البليغ الذي يعرب عن ضميره، ولا يخفى أنه أعرب عن عداوته لآدم ونسله. وقيل: مبين من الإبانة القطع وذلك أنه يقطع المكلف بوسوسته عن طاعة الله وثوابه ورضوانه. قوله {فإن زللتم} المخاطبون ههنا هم المخاطبون في قوله {ادخلوا} فيجيء الخلاف ههنا بحسب الخلاف هناك. والمعنى العام: فإن دحضت أقدامكم وانحرفتم عن الطريق الذي أمرتم به {من بعد ما جاءتكم البينات} الدلائل العقلية والسمعية على أن ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق {فاعلموا أن الله عزيز} غالب لا يعجزه الانتقام منكم وهذه نهاية في الوعيد كما لو قال الوالد لولده: إن عصيتني فأنت عارف بي وبشدّة سطوتي. كان أبلغ في الزجر من التصريح بضرب من ضروب العذاب. وكما أن قوله {عزيز} يشتمل على الوعيد البليغ فقوله {حكيم} يشتمل على الوعد الحسن. فإن اللائق بالحكمة تمييز المحسن من المسيء وأن لا يسّوي بينهما في الثواب والعقاب. روي أن قارئاً قرأ غفور رحيم فسمعه أعرابي فأنكره ولم يقرأ القرآن وقال: إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا. الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه يكون إغراء عليه. قوله {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله} الآية معنى النظر ههنا الانتظار. وأما إتيان الله فقد أجمع المفسرون على أنه سبحانه منزه عن المجيء والذهاب لأن هذا من شأن المحدثات والمركبات وأنه تعالى أزلي فرد في ذاته وصفاته فذكروا في الآية وجهين: الأول: وهو مذهب السلف الصالح السكوت في مثل هذه الألفاظ عن التأويل وتفويضه إلى مراد الله تعالى كما يروى عن ابن عباس أنه قال: نزل القرآن على أربعة أوجه: وجه لا يعذر أحد بجهالته، ووجه يعرفه العلماء ويفسرونه، ووجه يعرف من قبل العربية فقط، ووجه لا يعلمه إلا الله. الثاني: وهو قول جمهور المتكلمين: أنه لا بد من التأويل على سبيل التفصيل. فقيل: جعل مجيء الآيات مجيئاً له تفخيماً لها كما يقال "جاء الملك" إذا جاء جيش عظيم من جهته. وقيل: المراد إتيان أمره وبأسه فحذف المضاف بدليل قوله في موضع آخر {أية : أو يأتي أمر ربك} تفسير : [النحل: 33] {فجاءهم بأسنا} وأيضاً اللام في قوله {وقضى الأمر} تدل على معهود سابق وما ذاك إلا الذي أضمرناه. لا يقال أمر الله عندكم صفة قديمة فالإتيان عليها معهود سابق وما ذاك إلا الذي أضمرناه. لا يقال أمر الله عندكم صفة قديمة فالإتيان عليها محال. وعند المعتزلة أصوات فتكون أعراضاً. فالإتيان عليها أيضاً محال لأنا نقول: الأمر قد يطلق على الفعل {أية : وما أمر فرعون برشيد} تفسير : [هود: 94] وحينئذ فالمراد ما يليق بتلك المواقف من الأهوال وإظهار الآيات المهيبة. وإن حملنا الأمر على ضد النهي فلا يبعد أن منادياً ينادي يوم القيامة ألا إن الله يأمركم بكذا. ومعنى كونه في ظلل من الغمام أن سماع ذلك النداء ووصول تلك الظلل يكون في آن واحد، أو يكون المراد حصول أصوات مقطعة مخصوصة في تلك الغمامات تدل على حكم الله تعالى على أحد بما يليق به من السعادة والشقاوة، أو أنه تعالى يخلق نقوشاً منظومة في ظلل من الغمام لشدة بياضها. وسواد تلك الكتابة يعرف بها حال أهل الموقف في الوعد والوعيد، وتكون فائدة الظلل أنه تعالى جعلها أمارة لما يريد إنزاله بالقوم ليعلموا أن الأمر قد حضر. وقيل: المأتي به محذوف والمعنى إلا أن يأتيهم الله ببأسه أو بنقمته الدالة عليه بقوله {عزيز}. وفائدة الحذف كونه أبلغ في الوعيد لانقسام خواطرهم وذهاب فكرتهم في كل وجه. وقيل: إن "في" بمعنى الباء أي يأتيهم الله بظلل من الغمام، والمراد العذاب الذي يأتيهم في الغمام مع الملائكة. وقيل: الغرض من ذكر إتيان الله تصوير غاية الهيبة ونهاية الفزع كقوله تعالى {أية : والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه} تفسير : [الزمر: 67] ولا قبض ولا طي ولا يمين وإنما الغرض تصوير عظمة شأنه. وقيل: بناء على أن الخطاب في ادخلوا وزللتم لليهود المراد أنهم لا يقبلون دين الحق إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة، وذلك أن اليهود كانوا على اعتقاد التشبيه ويجوّزون المجيء والذهاب على الله تعالى ويقولون: إنه تعالى تجلى لموسى عليه السلام على الطور في ظلل من الغمام، فطلبوا مثل ذلك في زمن محمد صلى الله عليه وسلم. فعلى هذا يكون الكلام حكاية عن معتقد اليهود ولا يبقى إشكال فإن الآية لا تدل إلا على أن قوماً ينتظرون إتيان الله وليس فيها دلالة على أنهم محقون في ذلك الانتظار أم مبطلون. والظلل جمع ظلة وهي ما أظلك والغمام لا يكون كذلك إلا إذا كان مجتمعاً ومتراكماً. فالظلل من الغمام عبارة عن قطع متفرقة، كل قطعة منها تكون في غاية الكثافة والعظم، فكل قطعة ظلة والجمع ظلل. والاستفهام ههنا في معنى النفي أي ما ينتظرون إلا أن يأتيهم عذاب الله في ظلل من الغمام، وفيه تفظيع شأن العذاب وتهويله لأن الغمام مظنة الرحمة، وإذا نزل منه العذاب كان أشنع لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسر، فكيف إذا جاء الشر من حيث يتوقع الخير؟ أو نزول الغمام علامة لظهور الأهوال في القيامة قال: {أية : يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوماً على الكافرين عسيراً} تفسير : [الفرقان: 25 - 26] واستعير لتتالي العذاب تتابع القطر وإتيان الملائكة ليقوموا بما أمروا به من تعذيب وتخريب ولا حاجة إلى التأويل لأن إتيانهم ممكن. {وقضي الأمر} فرغ من أمر إهلاكهم وتدميرهم أو عما كانوا يوعدون به، فلا تقال لهم عثرة ولا تصرف عنهم عقوبة ولا ينفع في دفع ما نزل بهم حيلة. والتقدير: إلا أن يأتيهم الله ويقضي الأمر، فوضع الماضي موضع المستقبل. إما للتنبيه في قرب العذاب أو الساعة "كل ما هو آت قريب"، وإما لأن إخبار الله تعالى كالواقع المقطوع به وقيل: الأمر المذكور ههنا هو فصل القضاء بين الخلائق وأخذ الحقوق لأربابها وإنزال كل أحد من المكلفين منزله من الجنة والنار. وعن معاذ بن جبل وقضاء الأمر مصدر مرفوع عطفاً على لفظي الله والملائكة. {وإلى الله ترجع الأمور} وذلك أنه ملك في الدنيا عباده كثيراً من أمور خلقه، أما إذا صاروا إلى الآخرة فلا مالك للحكم بين العباد سواه وهذا كقولهم "رجع أمرنا إلى الأمير" إذا كان هو يختص بالنظر فيه. فعلى المكلف أن يدخل في السلم كما أمر ويحترز عن اتباع آثار الشيطان كما نهى. ثم إن الأمور ترجع إليه جل جلاله، وهو تعالى يرجعها إلى نفسه بإفناء الدنيا وإقامة القيامة. فهذا معنى القراءتين في {ترجع} وأيضاً قراءة ضم التاء وفتح الجيم على مذهب العرب في قولهم "فلان معجب بنفسه" ويقول الرجل لغيره: إلى أين ذهب بك؟ وإن لم يكن أحد يذهب به. أو المراد أن العباد يردّون أمورهم إلى خالقهم ويعترفون برجوعها إليه. أما المؤمنون فبالمقال، وأما الكافرون فبشهادة الحال {أية : ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدوّ والآصال} تفسير : [الرعد: 15]. التأويل: النفس الأمارة تظهر الأشياء المموهة والأقوال المزخرفة وترى أنها أولى الأولياء، ولكنها أعدى الأعداء وتسعى في تخريب أرض القلب وإبطال حرث الصدق في طلب السعادة إهلاك نسل ما يتولد من الأخلاق الحميدة وتشمخ بأنفها عن قبول الحق فحسبه جهنم الميعاد {ومن الناس من يشري} هذا شأن الأولياء باعوا أنفسهم خالصاً لوجه الله لا لأجل الجنة {ادخلوا في السلم كافة} أي بجميع الأجزاء والأعضاء الظاهرة والباطنة. ودخول القلب في الإسلام يكون بدخول الإيمان في القلب، ودخول الروح في الإسلام يكون بتخلقه بأخلاق الله وتسليم الأحكام والأقضية لله، ودخول السر في الإسلام بفنائه في الله وبقائه بالله، وهذا مقام يضيق عن إعلانه نطاق النطق ولا يسع إظهاره ظروف الحروف. شعر : وإن قميصاً خيط من نسج تسعة وعشرين حرفاً من معانيه قاصر تفسير : الله ولي التوفيق وهو حسبي.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما أصيبت السرية التي فيها عاصم ومرثد قال رجال من المنافقين: يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا هكذا، لا هم قعدوا في أهلهم ولا هم أدوا رسالة صاحبهم.! فأنزل الله {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا} أي لما يظهر من الإِسلام بلسانه {ويشهد الله على ما في قلبه} أنه مخالف لما يقوله بلسانه {وهو ألد الخصام} أي ذو جدال إذا كلمك راجعك {أية : وإذا تولى}تفسير : [البقرة: 205] خرج من عندك {أية : سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} تفسير : [البقرة: 205] أي لا يحب عمله ولا يرضى به {أية : ومن الناس من يشري نفسه...}تفسير : [البقرة: 207] الآية. الذين شروا أنفسهم من الله بالجهاد في سبيله والقيام بحقه حتى هلكوا على ذلك، يعني بهذه السرية. وأخرج ابن المنذر عن أبي إسحق قال: كان الذين اجلبوا على خبيب في قتله نفر من قريش عكرمة بن أبي جهل، وسعيد بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد ود، والأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة، وعبيدة بن حكيم بن أمية بن عبد شمس، وأمية ابن أبي عتبة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {ومن الناس من يعجبك} الآية. قال "نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي حليف لبني زهرة، أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وقال: جئت أريد الإِسلام، ويعلم الله أني لصادق. فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منه فذلك قوله {ويشهد الله على ما في قلبه} ثم خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم، فمر بزرع لقوم من المسلمين وحمر، فاحترق الزرع وعقر الحمر، فأنزل الله {أية : وإذا تولى سعى في الأرض} تفسير : [البقرة: 205] الآية". وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الكلبي قال: كنت جالساً بمكة فسألوني عن هذه الآية {ومن الناس من يعجبك قوله...} الآية. قلت: هو الأخنس بن شريق ومعنا فتى من ولده، فلما قمت اتبعني فقال: إن القرآن إنما أنزل في أهل مكة، فإن رأيت أن لا تسمي أحداً حتى تخرج منها فافعل. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير والبيهقي في الشعب عن أبي سعيد المقبري. أنه ذاكر محمد بن كعب القرظي فقال: إن في بعض كتب الله: إن لله عباداً ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرّ من الصبر، لبسوا لباس مسوك الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين. قال الله تعالى: أعلي يجترئون؟ وبي يغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران. فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا} الآية. فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت. فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل تكون عامة بعد. وأخرج أحمد في الزهد عن الربيع بن أنس قال: أوحى الله إلى نبي من الأنبياء: ما بال قومك يلبسون جلود الضأن، ويتشبهون بالرهبان، كلامهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر؟ أبي يغترون أم لي يخادعون؟، وعزتي لأتركنّ العالم منهم حيراناً، ليس مني من تكهن أو تُكُهِّنَ له، أو سحر أو سُحِرَ له، من آمن بي فليتوكل عليّ، ومن لم يؤمن فليتبع غيري. وأخرج أحمد في الزهد عن وهب. "أن الرب تبارك وتعالى قال لعلماء بني إسرائيل: يفقهون لغير الدين، ويعلمون لغير العمل، ويبتغون الدنيا بعمل الآخرة، يلبسون مسوك الضأن ويخفون أنفس الذباب، ويتّقون القذى من شرابكم، ويبتلعون أمثال الجبال من المحارم، ويثقلون الدين على الناس أمثال الجبال ولا يعينونهم برفع الخناصر، يبيضون الثياب ويطيلون الصلاة، ينتقصون بذلك مال اليتيم والأرملة، فبعزتي حلفت لأضربنكم بفتنة يضل فيها رأي ذي الرأي، وحكمة الحكيم". وأما قوله تعالى: {وهو ألد الخصام} . أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وهو ألد الخصام} قال: شديد الخصومة. وأخرج الطستي عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق سأله قوله {وهو ألد الخصام} قال: الجدل المخاصم في الباطل. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول مهلهل: شعر : إن تحت الأحجار حزماً وجوداً وخصيماً ألد ذا مغلاق تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {وهو ألد الخصام} قال: ظالم لا يستقيم. وأخرج وكيع وأحمد والبخاري وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها. إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ". تفسير : وأخرج الترمذي والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كفى بك آثماً أن لا تزال مخاصماً ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال: "كفى بك آثماً أن لا تزال ممارياً، وكفى بك ظالماً أن لا تزال مخاصماً، وكفى بك كاذباً أن لا تزال محدثاً الأحاديث في ذات الله عز وجل". وأخرج أحمد عن أبي الدرداء قال: من كثر كلامه كثر كذبه، ومن كثر حلفه كثر إثمه، ومن كثرت خصومته لم يسلم دينه. وأخرج البيهقي في الشعب عن عبد الكريم الجزري قال: ما خاصم ورع قط. وأخرج البيهقي عن ابن شبرمة قال: من بالغ في الخصومة أثم، ومن قصر فيها خصم، ولا يطيق الحق من تألى على من به دار الأمر، وفضل الصبر التصبر، ومن لزم العفاف هانت عليه الملوك والسوق. وأخرج البيهقي عن الأحنف بن قيس قال: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة: حليم من أحمق، وبر من فاجر. وأخرج البيهقي عن ابن عمرو بن العلاء قال: ما تشاتم رجلان قط إلا غلب أَلأمُهُمَا.
التستري
تفسير : قوله: {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ}[204] أي شديد الخصومة بالباطل. وقد روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : أبغض الرجال إلى الله تعالى الألدُّ الخَصِمُ ".
القشيري
تفسير : أخبر أن قوماً أعرض الحق سبحانه وتعالى عن قلوبهم فأعطاهم في الظاهر بَسْطَةً في اللسان ولكن ربط على قلوبهم أسباب الحرمان؛ فَهُمْ في غطاء جهلهم، ليس وراءهم معنيً، ولا على قولهم اعتمادٌ، ولا على إيمانهم اتِّكَالٌ، ولا بهم ثقةٌ بوجهٍ. والإشارة إلى أهل الظاهر الذين لم تساعدهم أنوار البصيرة فهم مربوطون بأحكام الظاهر؛ لا لهم بهذا الحديث إيمان، ولا بهذه الجملة استبصار، فالواجبُ صونُ الأسرار عنهم فإنهم لا يقابِلون هذا الحديث إلا بالإنكار، وإن أهل الوداعة من العوام الذين في قلوبهم تعظيم لهذه الطريقة، ولهم إيمان على الجملة بهذا الحديث لأقرب إلى هذه الطريقة من كثيرٍ ممن عدَّ نفسه من الخواص وهو بمعزل عن الإيمان بهذا الأمر.
البقلي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} اى ومن المدعين من يعجبك طاماته ومزخرفاته وما كان بخلاف خاطره واخبر تعالى نبيه عليه السلام ان قوما ياتونك ويتكلفون فى دقايق الكلام ويظهرون خصائص الاحوال والكرامات الت كانوا يسمعونها من اهل المعرفة ويتنوقون فى الاشارات والنوامض من العلوم وهم بمعزل عن حقايقها هؤلاء فراغته الضلالة لسانهم لسان الانبياء وقلوبهم قلوب الذباب لان الله تعالى سلب نور الايمان والمعرفة عن قلوبهم والبس بسط الكلام السنتهم ليس لهم فى مقامات الاصفياء نصيب ولا لهم فى غصان اشجار معارفهم وكواشفهم نصيب ولا على قولهم اعتماد ولا على عهدهم اتكال صرف الله وجوهههم عن قبلة الحقيقة ومنعهم عن ملاحظة حق الشريعة واقفل ابواب قلوبهم بختم الضلالة وحجبتهم عن ادراك انور البصيرة حتى ليس فى جاربهم من معنى الحقيقة معنى ولهم فى كل محفل من الاباطيل دعوة فالواجب على السالكين الاعراض عن مجالتهم لانهم اعداء الله واعداء اوليائه حتى سلموا من شوم مذهبهم وقبح مقالتهم فهؤلاء اهل البدع والاهواء يفتنون هذه الامة ويجزونهم عن طريق الحق وينكرون اهل الاصابة ويغرون اهل الارادة ويبعدونهم عن الطريقة والله يشد انهم الحاذبون فى دعواهم يلذون فى محاوراتهم مع الصديقين باسؤ المخاطبات يغرى الخلق ذبح لباسهم اقدامهم على اعناق الانام يخادعون الله والذين أمنوا وما يخدعون الا انفسهم وما يشعرون وقال الاستاذ ابو القسم القشيرى الاشارة الى اهل الظاهر الذين لم يساعدهم انوار البصيرة فهم مربوطون باحاكم الظاهر لا لهم بهذا الحديث يامان ولا لهذه الجملة استبصار قالوا واجب صون الاسم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن الناس من يعجبك قوله} اى تستحسن ظاهر قوله وتعده حسنا مقبولا فان الاعجاب استحسان الشىء والميل اليه والتعظيم له قال الراغب التعجب حيرة تعرض للانسان عند الجهل بسبب الشىء وحقيقة اعجبنى كذا ظهر لى ظهورا لم اعرف سببه {فى الحيوة الدنيا} متعلق بالقول اى يسرك ما يقوله فى معنى الدنيا وحقها لان دعواه محبتك انما هو لطلب حظ من الدنيا فكلامه اذا فى الدنيا لا فى الآخرة او يعجبك قوله فى الدنيا بحلاوته وفصاحته لا فى الآخرة لما انه يظهر هناك كذبه وقبحه {ويشهد الله على ما فى قلبه} اى يقول الله شاهد أن ما فى قلبى من المحبة والاسلام موافق لما فى لسانى {وهو ألد الخصام} اى اشد فى العداوة والخصومة للمسلمين على ان الخصام مصدر كالقتال والجدال واضافة الألد اليه بمعنى فى. واللدد شدة الخصومة. نزلت فى الاخنس بن شريف الثقفى وكان حسن المنظر حلو المنطق يوالى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويدعى الاسلام ودعوى المحبة والخلوص بدون المواطأة من فعل الملاحدة والزنادقة والمحب لا يفعل الا ما يحب محبوبه قال الشاعر شعر : تعصى الاله وانت تظهر حبه هذا لعمرى فى الفعال بديع لو كان حبك صادقا لأطعته ان المحب لمن أحب مطيع تفسير : قال الحافظ شعر : بصدق كوش كه خورشيد زايد ازنفست كه ازدروغ سيه روى كشت صبح نخست
ابن عجيبة
تفسير : قلت: نزلت الآية في الأخنَسْ بن شريق الثقفي وصُهيب بن سنان الرومي، أما الأخنس فكان رجلاً حسن المنظر، حُلُو المنطق، كان يوالي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدَّعي الإسلام، ثم ارتد، ومرَّ على زرع وحُمر للمسلمين فقتلها وأفسد الزرع، قال ابن عطية: ولم يثبت أنه أسلم. قلت: بل ذكره في القاموس من الصحابة، فانظره، ولعله تاب بعد نزول الآية. وأما صهيب الرومي فأخذه المشركون وعذبوه ليرتد، فقال لهم: إني شيخ كبير؛ لا أنفعكم إن كنت معكم، ولا أضركم إن كنت عليكم، فخلّوني وما أنا عليه، وخذوا مالي، فقبلوه منه، وأتى المدينة فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال له:"حديث : رَبِحْتَ يا أَبَا يَحْيى ". تفسير : وقيل: نزلت في المنافقين ومَنْ نحَا نحوهم، وفيمن باع نفسه لله في الجهاد وتغيير المنكر من المسلمين. و {في الحياة الدنيا} يتعلق بالقول، و {ألد الخصام} شديده، وفي الحديث:"حديث : أبْغَضُ الرِّجالِ إلى اللّهِ الألدُّ الخَصِم"تفسير : . والخِصام: مصدر، أو جمع خصيم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ومن الناس} قوم حُلْ اللسان خرَاب الجَنَان، إذا تكلم في شأن الدنيا {يعجبك قوله} فيها لرونقه وفصاحته، {ويُشهد الله} أي: يحلف على أنه موافق لقلبه، وأن ظاهره موافق لباطنه، وهو شديد الخصومة والعدواة للمسلمين، أو أشد الخصوم، {وإذا تولى} أي: أدبر وانصرف عنك، {سعى في الأرض} أي: مشى فيها بنية الإفساد {ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل} كما فعل الأخنَسْ، أو كما فعله أهل الظلم، فيَحْبِسُ الله القَطْر، فَيَهْلِكَ الحرثُ والنسل بشؤم معاصيهم، {والله لا يحب الفساد} أي: لا يرتضيه، فاحذروا غضبه. {وإذا قيل له اتق الله} وارجع عما أنت عليه من الفساد {أخذته العزة} أي: حملته الحمية والأنفة بسبب الإثم الذي ارتكبه، فلا ينزجر عن غَيِّه. أو حملَتْه الحمية على الإثم الذي يُؤمَر باتقائه. {فحسبه جهنم} أي: كَفَته عذاباً وعقاباً، وهي عَلَمٌ لدار العقاب، كالنار، {ولبئس المهاد} هي: أي: بئس الفراش الذي مهَّده لنفسه. ونزل في مقابله، وهو صهيب، أو كل من بذل نفسه لله: {ونم الناس من يشري نفسه} أي: يبيعُها ويبذلها لله في الجهاد وغيره، {ابتغاء مرضات الله} والوصول إلى حضرته {والله رؤوف بالعباد} الذين يفعلون مثل هذا، فيدرأ عنهم المضَارّ، ويجلبُ لهم المَسَار أينما حَلُّوا من الدارين. الإشارة: الناس على قسمين: قسم زَيّنُوا ظواهرهم وخرَّبوا بواطنهم، وظاهرهم جميل وباطنُهم قبيح، إذا تكلموا في الدنيا أو في الحس، أعجبَك قولهم، وراقك منظرُهم، وإذا تكلموا في الآخرة، أو في المعنى، أخذتهم الحبْسةُ والدهشة. وفي بعض الكتب المنزلة: "إنَّ مِنْ عِبَاد الله قوماً ألْسنَتُهُم أحْلَى منَ العَسَلِ، وَقُلُوبُهُمْ أمرّ مِنْ الصَّبْرِ، يَلْبَسُونَ للنَّاس جُلُودَ الضَّأنِ مِن اللِّينِ، يَجْتَرُّون الدُّنْيَا بالدين، يَقُولُ الله تعالى: أبِي يَغْتَرُّونَ، وعليَّ يَجْترِئُون؟ حَلَفتْ لأُسلطنَّ عليهمْ فتْنةٌ تَدَعُ الْحَليم مِنْهُمْ حَيْرَانَ". وقوله: {يلبسون...} الخ. كناية عن إظهار اللين والسهول ليخدع ويغر الناس ليتوصل إلى حظ نفسه من الدنيا، ومع ذلك يدعي موافقة ظاهره لباطنه، وهو شديد الخصومة لأهل الله، وإذا تولى عنك اشتغل بالمعاصي والذنوب، ليُفسد في الأرض، ويهلك الحرث والنسل بشؤم معاصيه، وإذا ذُكِّر: أنِفَ واستكبر، وأخذته حمية الجاهلية، فحسبُه البُعد في نار القطيعة. والقسم الثاني: قوم زَيَّنوا بواطنهم وخربوا ظواهرهم، عمّروا قلوبهم بمحبة الله، وبذلوا أنفسهم في مرضات الله، قلوبهم في أعلى عليين، وأشباحهم في أسفل سافلين، فأولئك المقربون مع النبيين والمرسلين. قال بعض العارفين: كلما وضعت نفسك أرضاً أرضاً، سما قلبك سماء سماء، وكل ما نقص من حسك زاد في معناك. وفي الحديث:"حديث : مَن تواضعَ دُون قَدْره رَفَعهُ الله فوقَ قَدْره"تفسير : . وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : قال الحسن: المعني بهذه الآية المنافق. وقال قوم: المعني: بها المرائي. وقيل: إنها نزلت في الأخنس بن شريق ذكره السدي وغيره. اللغة: والاعجاب هو السرور بالشيء سرور العجب بما يستحسن. ومنه العجب بالنفس، والسرور بها سرور العجب من الشيء استحساناً له، وذلك إذا تعجب من شدة حسنه. وتقول: عجب عجباً، وتعجب تعجباً، وعجبه تعجيباً، وأعجبه إعجاباً، واستعجب استعجاباً أي اشتد تعجبه. والعجاب: العجيب، وأعجبني هذا: إذا كان حسناً جداً. والمعجب بنفسه أو بالشيء معروف. وقال الأزهري: العجب كل شي غير مألوف، وعجب الذنب: العظم الذي ينبت عليه شعر الذنب في المعز، ورأيت أعجوبة وأعاجيب. وأصل الباب العجب. وقوله تعالى: {في الحياة الدنيا} أي وقت الحياة الدنيا فالحيّ هو من لا يستحيل، وهو على ما هو عليه أن يكون عالماً قادراً. وقوله: {ويشهد الله على ما في قلبه} فأصل الاشهاد: هو الاقرار بالشيء ليشهد به المقر عنده. والمراد في الآية: من يقرّ بالحق، ويقول: أللهم اشهد عليّ، وضميره على خلافه. وقوله تعالى: {وهو ألدّ الخصام} يقال لدّه يلدّه لدّاً: إذا غلبه في الخصومة، ولدّه يلدَّه: إذا أوجره في أحد خقي فمه. ولدّت تلدّ لدّاً وهو شدة الخحومة. وجانبا كل شيء لديداه، فمنه لديدي الوادي. ولديدي العنق: صفحتاه. ولدّه عن كذا: إذا حبسه. والتلدّد: التلفت عن تحير وأصل الباب اللديد: الجانب. والخصام: هو المخاصمة. تقول: خاصمه يخاصمه مخاصمة، وخصاماً، وتخاصماً، واختصما اختصاماً، واستخصمهم استخصاماً. والخُصم طرف الراوية الذي بحيال العزلاء من مأخرها، وطرفها الأعلى وهو العصم. والأخصام من كل شيء جوانبه، كجوانب الخوالق الذي فيه العرى، يحمل به. وأصل الباب الخصومة. المعنى: ومعنى {ألدّ} في الآية: هو الشديد الجدل بالخصومة الى ما يريد، قال الشاعر: شعر : ثم أردّي وبهم من تُردي تْلدّ أقران الخصوم اللدّ تفسير : وقال الزجاج: الخصام جمع خصم. والمعنى هو أشد المخاصمين خصومة. وقال غيره: هو مصدر. ومعنى الآية أنه تعالى وصف المنافقين، فقال: {ومن الناس من يعجبك} يا محمد {قوله} في الظاهر، وباطنه بخلافه {ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام} جدل مبطل. ومن قرأ {ويشهد الله} - بفتح الياء - معناه أنه تعالى يشهد عليه بنفاقه، وإظهاره خلاف ما يبطن. والقراءة العامة هي الأولى.
الجنابذي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} تخلّل الاجنبىّ يمنع من عطفه على قوله {من النّاس من يقول ربّنا آتنا} (الى آخرها)، وانشائيّة الجمل السّابقة تمنع من عطفه عليها، وكون الواو للاستيناف ممّا يمنع منه السّليقة المستقيمة فبقى ان يكون عطفاً على محذوف مستفاد من السّابق فكأنّه قال: فمن النّاس من يذكر الله من غير نفاق لمحض الدّنيا، ومنهم من يذكره للدّنيا والآخرة، ومنهم منافق لا يذكر الله الاّ للتّدليس وهو بحيث يعجبك قوله {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} حال عن مفعول يعجبك او متعلّق بقوله او حال عنه او عن الضّمير فى قوله يعنى اذا تنزّلت فى مقام الحياة الدّنيا ونظرت من ذلك المقام الى مقاله تعجّبت منه او هو اذا تكلّم فى امر الحياة الدّنيا او حفظها تعجّبت منه لا اذا كنت فى مقام الحياة الاخرى، او لا اذا تكلّم فى الحياة الاخرى {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ} ادّعاء بادّعاء انّ ما فى قلبه هو الحقّ الموافق لقوله لا على ما فى قلبه حقيقة فانّه يدلّس باظهار ما لم يكن فى قلبه والمراد بالاشهاد جعله متحمّلاً للشّهادة او مؤدّياً لها وهذا ديدن الكذّاب فانّه لمّا لم يجد من يصدّقه ولا ما يحتجّ به يحلف بالله ويشهد بالله وصار قولهم: الكذّاب حلاّف مثلاً، وقد اشار تعالى بقوله: {أية : وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ} تفسير : [القلم:10] الى انّه كذّاب {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ} الَدُ افعل مثل احمر وليس للتّفضيل مثل افضل بمعنى الخصم الشّحيح الّذى لا يزيغ الى الحقّ، والخصام مصدرٌ، او جمعٌ لخصم والآية عامّة لجملة المنافقين وان ورد فى نزولها انّها فى معاوية ومن وافقه.
الهواري
تفسير : قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} وهو المنافق الذي يقر بالإِيمان ولا يعمل بالفرائض. {وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} أي: من ترك الوفاء بما أقر لله به. {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}. أي كذاب. إذ لم يوف لله بما أقر به إذ لم يعمل بفرائضه. وهو كقوله: (أية : وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً) تفسير : [مريم:97] أي: ذوي خصومة ولَدَدٍ. وقال مجاهد: ألدُّ الخصام: ظالم. وقال الحسن: قول المنافقين في هذا كقوله: (أية : إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى)تفسير : [التوبة:107] و (أية : إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)تفسير : [النساء: 62-63] من ترك الوفاء بالعمل الذي أقروا به. وقال بعضهم: {وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} يقول: يشهد العباد على ما في قلبه. قال: فلولا أن الله بعث عليه دليلاً من عمله ما عرفه الناس، ولكن الله عرّفه للمؤمنين بعمله، عمل السوء. وقال في تأويل ألد الخصام أي: إنه شديد الخصومة في معصية الله جَدِلٌ بالباطل.
اطفيش
تفسير : {ومِنَ النَّاسِ مَن يُعْجبكَ قَوْلهُ فى الحَيَاةِ الدُّنْيا}: لفصاحته وحلاوته، ولا يعجبك فى الآخرة لما يعتريه من الدهشة وانحباس لسانه لرؤيته العقاب على عمله، أو لأنه لا يؤذن له فى الكلام، أو لمخالفة قوله لاعتقاده، ومعنى يعجبك يحسن فى قلبك ويعظم فيه، ومن الشئ العجيب الذي يعظم فى قلبك، ومنه التعجب، لأنهُ حيرة تعرض للإنسان من عظم الشئ لجهله بالسبب، وإن شئت قلت: حالة تعرض للإنسان من عظم الشئ لجهله بالسبب، وإن شئت فقل: التعجب استحسان الشئ والميل إليه والتعظيم له. نزلت الآية فى الأخنس بن شريق الثقفى حليف بنى زهرة، وإنما سمى الأخنس لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بنى زهرة، عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه أشار على بنى زهرة بالرجوع يوم بدر، وقال لهم: إن محمداً إبن أختكم فإن يك كاذباً كفاكموه الناس، وإن يك صادقاً كنتم أسعد الناس به، قالوا نعم ما رأيت قال: (فانى سأخنس بكم فاتبعونى، فخنس فسمى الأخنس بذلك)، وكان حلو الكلام حلو المنظر، وكان يأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجالسه ويظهر الإسلام ويقول: إنى أحبك ويحلف على ذلك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدنى مجلسه وكان الأخنس منافقاً، قال السدى: نزلت فى الأخنس بن شريق، أظهر الإسلام، ثم هرب، فمر بقوم من المسلمين فأحرق لهم زرعاً وقتل حمراً، وكذا قال الطبرى والداودى أنها نزلت فى الأخنس بن شريق، وقال عياض: ما ثبت قط أن الأخنس أسلم، قلت: يحتمل أنه أراد ما ثبت عنده، ولا ينافى ثبوته عند غيره، ويحتمل أنه أراد ما ثبت أنه أسلم إسلاماً بلا نفاق، فلا ينافى أنه أسلم ونافق، فإن بعضاً يسلم ويخلص، وبعضاً يسلم وينافق، وبعضاً يسلم بلا نفاق، ثم يرتد، وقال قتادة وجماعة: نزلت الآية فى كل مبطن كفراً ونفاقاً أو كذباً أو ضراراً، ويظهر بلسانه خلاف ذلك، وكأن ألسنتهم حلوة وقلوبهم مرة كالصبر، وفى الحياة متعلق، بيعجب، كما تعلم من تفسيرى أول الآية، ويجوز تعليقه بالقول، فمعنى قوله: {فى الحياة الدنيا} يكلمه فيها أى كلامه الذى يتكلم به فى حياته، أو تكلمه فى أمور الدنيا، وأسباب المعاش، أو نكلمه فى ذم الدنيا والزهد فيها والرغبة عنها، كما هو شأن مدعى الإيمان والمحبة، وكان - لَعَنُه الله - يُلين القول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويدعى أنه مسلم. {ويُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ}: يقول الله شهيد أنى مؤمن فى قلبى كما فى لسانى، ويحلف على ذلك بالله تعالى، ويجوز أن يكون المعنى يشهد الله فى نفسه فى مخالفة قلبه للسانه، سمى بقاءه على النفاق إشهاد الله للتلازم، لأنه يلزم من بقائه على النفاق شهادة الله عليه به، ويحتمل أن يكون المعنى يقول لله أشهد على للعباد بما فى قلبى من النفاق، وأخبرهم به فيبعث الله منه عملا يعرفه الناس به سمى بقاءه على والنفاق وإصراره عليه طلباً لشهادة الله عليه وإخباره العباد بما فى قلبه، للتسويف التلازم الجملى وقرأ: ويشهد الله بفتح الياء والهاء، ورفع اسم الجلالة وقرأ ابن مسعود: ويستشهد الله بنصب اسم الجلالة. {وَهُوَ ألدُّ الخِصَامِ}: شديد الخصومة لك وللمؤمنين، لعداوته لكم رجل ألد والتدَّد ويلتدُّد شديد الخصومة، يلوى الُحْجَجَ فى كل جانب كمن يمشى فى واد منحرف، ويتبع لديد الواد إلى منحرفه وألد والتدد ويلتدد صفات متشابهات، والخصام مصدر بمعنى الخصومة، وكان خصامه جدالا بالباطل والكذب لقسوته فى المعصية يتكلم بالحكمة، ويعمل بالخطئة. روى البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصيم"تفسير : ، يعنى الشديد فى الخصومة، وقول مجاهد: ألد الخصام ظالم تفسير بالمعنى والإضافة بمعنى فى، ويجوز أن تكون من إضافة، الصفة إلى فاعلها، فالمعنى وهو خصام شديد، ويجوز أن يكون اسم تفضيل، والخصام غير مصدر، بل جمع خصم والخصم وصف، كقولك صعب وصعاب، وإن قلت: لم لا يصح أن يكون اسم تفضيل إذا جعلنا الخصام مصدراً، قلت: لأن اسم التفضيل إنما يضاف لما هو بعضه والإنسان ليس بعض الخصومة، وإن قدر مضاف صح ذلك، أى ألد ذوى الخصام، ولا يصح أن يقال: الضمير عائد إلى الخصام على معنى خصامه أشد الخصام، لأنه لم يتقدم للخصام ذكر قبله، بل يصح أن يقال الضمير لذلك المنافق كما لا يخفى ويقدر مضاف، أى خصامه أشد الخصام.
اطفيش
تفسير : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبْكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَٰوةِ الدُّنْيَا} أى يعجبك ما ينطق به فى شأن أمور الدنيا من حرب، وصلح، وكسب، وعفو، أو لأجل الدنيا، بأن يظهر الإيمان والحب ليتوصل إلى ما يحب من لذات الدنيا، أو يعجبك فى الدنيا كلامه حلاوة وفصاحة، وأما فى الآخرة فلا كلام له ألبتة تارة، ولا يؤذن لهم، فيعتذرون وإذا تكلموا تارة فكلام دهشة لا فصاحة، ولا يعجبك فى الآخرة لأنه لا نفع له به، والخطاب له صلى الله عليه وسلم، أو لمن يصلح له مطلقا، ومثل ذلك قوله تعالى عز وجل "أية : وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ" تفسير : [المنافقون: 4] ويعجبك الخ. يحدث قوله فى قلبك عجبا، والعجب حيرة تعرض بسبب الجهل بما تعجب منه وقد يستعمل العجب فى حيرة تعرض مع العلم بالسبب، والعجب هنا عبارة عما يلزم من عظمة الإنسان فى قلب غيره، وفى متعلق بيعجبك أو بقوله على ما رأيت، من التفسير {وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ} يستشهده أو يجعله شاهداً على أن قلبه مواطىء لقوله فى الإيمان وهو كاذب فى دعواه {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} شديد الخصومة وهو صفة مشبهة فيما قيل، وشهر، واحتج له بورود مؤنثه على فعلاء كحمراء إن صح، والراجح أنه اسم تفضيل باق أو خارج عنه، لأن الصفة المشبهة التى على وزن أفعل تختص بالألوان والعيوب ونحوها، ولا يصح أن يقال فى أعلم وأفضل إنهما صفتان مشبهتان، وهو قول الخليل والزجاج، وإضافة اسم التفضيل لفاعله معنى جائزة، ويجوز تقدير، وهو ألد ذوى الخصام، أو خصامه ألد الخصام، أو الضمير للخصام، وهو ضعيف، أو الخصام جمع خصام كصعب وصعاب، أى أشد من كل من يخاصم، وهو يخاصم المسلمين خصاماً شديداً أعظم من يخاصمهم فى الخصام، والشديد الخصام أو صاحبه، فيقدر فى، أى ألد الخصام، والآية فى المنافقين كقوله تعالى: "أية : وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ" تفسير : [المنافقون: 4] وكانوا حسنى المنظر، والكلام فى الإسلام والتحبب إلى أهله، فذكر الله حسن كلامهم وحسن أجسادهم هنالك، والإفراد للجنس، ولفظ من، والمشهور الأخنس بن شريق وكان منهم كذلك، وزعم بعضهم أنه أسلم عام الفتح وحسن إسلامه، ويعارضه قوله فحسبه جهنم، واسمه أُبىّ، ولقب الأخنس، لأنه خنس بقومه أى تأخر عنه صلى الله عليه وسلم بثلاثمائة رجل بعد خروجهم لبدر، وقال إن كان غالبا فهو ابن أختكم وأنتم أسعد به، وإن غلب كفيتموه، وكان يحلف بالله أنه مؤمن محب لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المدينة وأظهر له الإسلام، وأعجب النبى صلى الله عليه وسلم ذلك منه، وقال إنما جئت أريد الإسلام والله تعالى يعلم أنى لصادق، فكان صلى الله عليه وسلم يدينه إليه فى المجلس فكذبه الله وفضحه.
الالوسي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} عطف على قوله تعالى: {أية : فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ }تفسير : [البقرة: 200] والجامع أنه سبحانه لما ساق بيان أحكام الحج إلى بيان انقسام الناس في الذكر والدعاء في تلك المناسك إلى الكافر والمؤمن، تممه سبحانه ببيان قسمين آخرين ـ المنافق والمخلص ـ وأصل ـ التعجب ـ حيرة تعرض للإنسان لجهله بسبب المتعجب منه، وهو هنا مجاز عما يلزمه من الروق والعظمة فإن الأمر الغريب المجهول يستطيبه الطبع ويعظم وقعه في القلوب، وليس على حقيقته لعدم الجهل بالسبب أعني الفصاحة والحلاوة، فالمعنى ومنهم من يروقك ويعظم في نفسك ما يقول {فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} أي في أمور الدنيا وأسباب المعاش ـ سواء كانت عائدة إليه أم لا ـ فالمراد من الحياة ما به الحياة والتعيش،/ أو في معنى الدنيا فإنها مرادة من ادعاء المحبة وإظهار الإيمان ـ فالحياة الدنيا ـ على معناها، وجعله ظرفاً للقول من قبيل قولهم في عنوان المباحث الفصل الأول في كذا والكلام في كذا أي المقصود منه ذلك ولا حذف في شيء من التقديرين على ما وهم وتكون الظرفية حينئذٍ تقديرية كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : في النفس المؤمنة مائة من الإبل» تفسير : أي في قتلها فالسبب الذي هو القتل متضمن للدية تضمن الظرف للمظروف وهذه هي التي يقال لها إنها سببية كذا في الرضي قاله بعض المحققين، وجوز تعلق المجرور بالفعل قبله أي يعجبك في الدنيا قوله لفصاحته وطراوة ألفاظه ولا يعجبك في الآخرة لما يعتريه من الدهشة واللكنة أو لأنه لا يؤذن له في الكلام فلا يتكلم حتى يعجبك، والآية كما قال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بن زهرة «أقبل إلى النبـي صلى الله عليه وسلم في المدينة فأظهر له الإسلام وأعجب النبـي صلى الله عليه وسلم ذلك منه وقال: إنما جئت أريد الإسلام والله تعالى يعلم إني لصادق ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بزرع [لقوم] من المسلمين وحمر فأحرق الزرع وعقر الحمر» وقيل: في المنافقين كافة. {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ} أي بحسب ادعائه حيث يقول الله يعلم أن ما في قلبـي موافق لما في لساني وهو معطوف على {يُعْجِبُكَ} وفي مصحف أبـيّ (ويستشهد الله)، وقرىء (ويشهد الله) بالرفع، فالمراد بما في قلبه ما فيه حقيقة، ويؤيده قراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، (والله يشهد على ما في قلبه) على أن كلمة على لكون المشهود به مضراً له، والجملة حينئذٍ اعتراضية. {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ} أي شديد المخاصمة في الباطل كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما واستشهد عليه بقول مهلهل:شعر : إن تحت الحجار حزماً وجورا وخصيماً ألد ذا مقلاق تفسير : فألد صفة كأحمر بدليل جمعه على لد ومجىء مؤنثه لداء لا أفعل تفضيل والإضافة من إضافة الصفة إلى فاعلها كحسن الوجه على الإسناد المجازي وجعلها بعضهم بمعنى في على الظرفية التقديرية أي شديد في المخاصمة؛ ونقل أبو حيان عن الخليل أن ألد أفعل تفضيل فلا بد من تقدير، وخصامه ألد الخصام أو ألد ذوي الخصام، أو يجعل وهو راجع إلى الخصام المفهوم من الكلام على بعد، أو يقال الخصام جمع خصم كبحر وبحار وصعب وصعاب، فالمعنى أشد الخصوم خصومة، والإضافة فيه للاختصاص كما في أحسن الناس وجهاً، وفي الآية إشارة إلى أن شدة المخاصمة مذمومة، وقد أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أبغض الرجال إلى الله تعالى الألد الخصم»تفسير : وأخرج أحمد عن أبـي الدرداء «حديث : كفى بك إثماً أن لا تزال ممارياً وكفى بك ظالماً أن لا تزال مخاصماً وكفى بك كاذباً أن لا تزال محدثاً إلا حديث في ذات الله عز وجل»تفسير : وشدة الخصومة من صفات المنافقين لأنهم يحبون الدنيا فيكثرون الخصام عليها.
سيد قطب
تفسير : في ثنايا التوجيهات والتشريعات القرآنية - التي يتألف من مجموعها ذلك المنهج الرباني الكامل للحياة البشرية - يجد الناظر في هذه التوجيهات كذلك منهجاً للتربية، قائماً على الخبرة المطلقة بالنفس الإنسانية، ومساربها الظاهرة والخفية؛ يأخذ هذه النفس من جميع أقطارها، كما يتضمن رسم نماذج من نفوس البشر، واضحة الخصائص جاهرة السمات، حتى ليخيل للإنسان وهو يتصفح هذه الخصائص والسمات، أنه يرى ذوات بعينها، تدب في الأرض، وتتحرك بين الناس، ويكاد يضع يده عليها، وهو يصيح: هذه هي بعينها التي عناها القرآن! وفي هذا الدرس نجد الملامح الواضحة لنموذجين من نماذج البشر: الأول نموذج المرائي الشرير، الذلق اللسان. الذي يجعل شخصه محور الحياة كلها. والذي يعجبك مظهره ويسوؤك مخبره. فإذا دعي إلى الصلاح وتقوى الله لم يرجع إلى الحق؛ ولم يحاول إصلاح نفسه؛ بل أخذته العزة بالإثم، واستنكف أن يوجه إلى الحق والخير.. ومضى في طريقه يهلك الحرث والنسل! والثاني نموذج المؤمن الصادق الذي يبذل نفسه كلها لمرضاة الله! لا يستبقي منها بقية، ولا يحسب لذاته حساباً في سعيه وعمله، لأنه يفنى في الله، ويتوجه بكليته إليه. وعقب عرض هذين النموذجين نسمع هتافاً بالذين آمنوا ليستسلموا بكليتهم لله، دون ما تردد، ودون ما تلفت، ودون ما تجربة لله بطلب الخوارق والمعجزات، كالذي فعلته بنو إسرائيل حين بدلت نعمة الله عليها وكفرتها.. ويسمى هذا الاستسلام دخولاً في السلم. فيفتح بهذه الكلمة باباً واسعاً للتصور الحقيقي الكامل لحقيقة الإيمان بدين الله، والسير على منهجه في الحياة (كما سنفصل هذا عند مواجهة النص القرآني بإذن الله). وفي مواجهة نعمة الإيمان الكبرى، وحقيقة السلام التي تنشر ظلالها على الذين آمنوا.. يعرض سوء تصور الكفار لحقيقة الأمر، وسخريتهم من الذين آمنوا بسبب ذلك التصور الضال. ويقرر إلى جانب ذلك حقيقة القيم في ميزان الله: {والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة}.. يلي هذا تلخيص لقصة اختلاف الناس. وبيان للميزان الذي يجب أن يفيئوا إليه ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه. وتقرير لوظيفة الكتاب الذي أنزله الله بالحق ليحكم بين {الناس فيما اختلفوا فيه}.. ويتطرق من هذا إلى ما ينتظر القائمين على هذا الميزان من مشاق الطريق؛ ويخاطب الجماعة المسلمة فيكشف لها عما ينتظرها في طريقها الشائك من البأساء والضراء والجهد الذي لقيته كل جماعة نيطت بها هذه الأمانة من قبل. كي تعد نفسها لتكاليف الأمانة التي لا مفر منها ولا محيص عنها. وكي تقبل عليها راضية النفس، مستقرة الضمير؛ تتوقع نصر الله كلما غام الأفق، وبدا أن الفجر بعيد! وهكذا نرى أطرافاً من المنهج الرباني في تربية الجماعة المسلمة وإعدادها، تنحو أنحاء منوعة من الإيقاعات المؤثرة، تتخلل التوجيهات والتشريعات التي يتألف من مجموعها ذلك المنهج الرباني الكامل للحياة البشرية. {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا، ويشهد الله على ما في قلبه، وهو ألد الخصام. وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد. وإذا قيل له: اتق الله أخذته العزة بالإثم، فحسبه جهنم ولبئس المهاد.. ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، والله رؤوف بالعباد}.. هذه اللمسات العجيبة من الريشة المبدعة في رسم ملامح النفوس، تشي بذاتها بأن مصدر هذا القول المعجز ليس مصدراً بشرياً على الإطلاق. فاللمسات البشرية لا تستوعب - في لمسات سريعة كهذه - أعمق خصائص النماذج الإنسانية، بهذا الوضوح، وبهذا الشمول. إن كل كلمة أشبه بخط من خطوط الريشة في رسم الملامح وتحديد السمات.. وسرعان ما ينتفض النموذج المرسوم كائناً حياً، مميز الشخصية. حتى لتكاد تشير بأصبعك إليه، وتفرزه من ملايين الأشخاص، وتقول: هذا هو الذي أراد إليه القرآن!.. إنها عملية خلق أشبه بعملية الخلق التي تخرج كل لحظة من يد الباريء في عالم الأحياء! هذا المخلوق الذي يتحدث، فيصور لك نفسه خلاصة من الخير، ومن الإخلاص، ومن التجرد، ومن الحب، ومن الترفع، ومن الرغبة في إفاضة الخير والبر والسعادة والطهارة على الناس.. هذا الذي يعجبك حديثه. تعجبك ذلاقة لسانه، وتعجبك نبرة صوته، ويعجبك حديثه عن الخير والبر والصلاح.. {ويشهد الله على ما في قلبه}.. زيادة في التأثير والإيحاء، وتوكيداً للتجرد والإخلاص، وإظهاراً للتقوى وخشية الله.. {وهو ألد الخصام}! تزدحم نفسه باللدد والخصومة، فلا ظل فيها للود والسماحة، ولا موضع فيها للحب والخير، ولا مكان فيها للتجمل والإيثار. هذا الذي يتناقض ظاهره وباطنه، ويتنافر مظهره ومخبره... هذا الذي يتقن الكذب والتمويه والدهان.. حتى إذا جاء دور العمل ظهر المخبوء، وانكشف المستور، وفضح بما فيه من حقيقة الشر والبغي والحقد والفساد: {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها، ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد}.. وإذا انصرف إلى العمل، كانت وجهته الشر والفساد، في قسوة وجفوة ولدد، تتمثل في إهلاك كل حي من الحرث الذي هو موضع الزرع والإنبات والإثمار، ومن النسل الذي هو امتداد الحياة بالإنسال.. وإهلاك الحياة على هذا النحو كناية عما يعتمل في كيان هذا المخلوق النكد من الحقد والشر والغدر والفساد.. مما كان يستره بذلاقة اللسان، ونعومة الدهان، والتظاهر بالخير والبر والسماحة والصلاح.. {والله لا يحب الفساد}.. ولا يحب المفسدين الذين ينشئون في الأرض الفساد.. والله لا تخفى عليه حقيقة هذا الصنف من الناس؛ ولا يجوز عليه الدهان والطلاء الذي قد يجوز على الناس في الحياة الدنيا، فلا يعجبه من هذا الصنف النكد ما يعجب الناس الذين تخدعهم الظواهر وتخفى عليهم السرائر. ويمضي السياق يوضح معالم الصورة ببعض اللمسات: {وإذا قيل له: اتق الله أخذته العزة بالإثم. فحسبه جهنم ولبئس المهاد}.. إذا تولى فقصد إلى الإفساد في الأرض؛ وأهلك الحرث والنسل؛ ونشر الخراب والدمار؛ وأخرج ما يعتمل في صدره من الحقد والضغن والشر والفساد. إذا فعل هذا كله ثم قيل له: {اتق الله}.. تذكيراً له بخشية الله والحياء منه والتحرج من غضبه.. أنكر أن يقال له هذا القول؛ واستكبر أن يوجه إلى التقوى؛ وتعاظم أن يؤخذ عليه خطأ وأن يوجه إلى صواب. وأخذته العزة لا بالحق ولا بالعدل ولا بالخير ولكن {بالإثم}.. فاستعز بالإجرام والذنب والخطيئة، ورفع رأسه في وجه الحق الذي يذكر به، وأمام الله بلا حياء منه؛ وهو الذي كان يشهد الله على ما في قلبه ; ويتظاهر بالخير والبر والإخلاص والتجرد والاستحياء! إنها لمسة تكمل ملامح الصورة، وتزيد في قسماتها وتمييزها بذاتها.. وتدع هذا النموذج حياً يتحرك. تقول في غير تردد: هذا هو. هذا هو الذي عناه القرآن! وأنت تراه أمامك ماثلا في الأرض الآن وفي كل آن! وفي مواجهة هذا الاعتزاز بالإثم؛ واللدد في الخصومة؛ والقسوة في الفساد؛ والفجور في الإفساد.. في مواجهة هذا كله يجبهه السياق باللطمة اللائقة بهذه الجبلة النكدة: {فحسبه جهنم ولبئس المهاد!}.. حسبه! ففيها الكفاية! جهنم التي وقودها الناس والحجارة. جهنم التي يكبكب فيها الغاوون وجنود إبليس أجمعون. جهنم الحطمة التي تطلع على الأفئدة. جهنم التي لا تبقي ولا تذر. جهنم التي تكاد تميز من الغيظ! حسبه جهنم {ولبئس المهاد!} ويا للسخرية القاصمة في ذكر {المهاد} هنا.. ويا لبؤس من كان مهاده جهنم بعد الاعتزاز والنفخة والكبرياء! ...ذلك نموذج من الناس. يقابله نموذج آخر على الطرف الآخر من القياس: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله. والله رؤوف بالعباد}.. ويشري هنا معناها يبيع. فهو يبيع نفسه كلها لله؛ ويسلمها كلها لا يستبقي منها بقية، ولا يرجو من وراء أدائها وبيعها غاية إلا مرضاة الله. ليس له فيها شيء، وليس له من ورائها شيء. بيعة كاملة لا تردد فها ولا تلفت ولا تحصيل ثمن، ولا استبقاء بقية لغير الله.. والتعبير يحتمل معنى آخر يؤدي إلى نفس الغاية.. يحتمل أن يشتري نفسه بكل أعراض الحياة الدنيا، ليعتقها ويقدمها خالصة لله، لا يتعلق بها حق آخر إلا حق مولاه. فهو يضحي كل أعراض الحياة الدنيا ويخلص بنفسه مجردة لله. وقد ذكرت الروايات سبباً لنزول هذه الآية يتفق مع هذا التأويل الأخير: قال ابن كثير في التفسير: قال ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعكرمة وجماعة: نزلت في صهيب بن سنان الرومي. وذلك أنه لما أسلم بمكة، وأراد الهجرة منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل؛ فتخلص منهم، وأعطاهم ماله؛ فأنزل الله فيه هذه الآية؛ فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة، فقالوا له: ربح البيع. فقال: وأنتم. فلا أخسر الله تجارتكم. وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية.. "حديث : ويروى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: ربح البيع صهيب"تفسير : ..قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن عبد الله بن مردويه، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا جعفر بن سليمان الضبي، حدثنا عوف، عن أبي عثمان النهدي، "حديث : عن صهيب، قال: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت لي قريش: يا صهيب. قدمت إلينا ولا مال لك؛ وتخرج أنت ومالك؟ والله لا يكون ذلك أبداً. فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني؟ قالوا: نعم! فدفعت إليهم مالي، فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:"ربح صهيب ربح صهيب".. مرتين.. " تفسير : وسواء كانت الآية نزلت في هذا الحادث، أو أنها كانت تنطبق عليه، فهي أبعد مدى من مجرد حادث ومن مجرد فرد. وهي ترسم صورة نفس، وتحدد ملامح نموذج من الناس؛ ترى نظائره في البشرية هنا وهناك. والصورة الأولى تنطبق على كل منافق مراء ذلق اللسان؛ فظ القلب، شرير الطبع، شديد الخصومة، مفسود الفطرة.. والصورة الثانية تنطبق على كل مؤمن خالص الإيمان، متجرد لله، مرخص لأعراض الحياة.. وهذا وذلك نموذجان معهودان في الناس؛ ترسمهما الريشة المبدعة بهذا الإعجاز؛ وتقيمهما أمام الأنظار يتأمل الناس فيهما معجزة القرآن، ومعجزة خلق الإنسان بهذا التفاوت بين النفاق والإيمان. ويتعلم منهما الناس ألا ينخدعوا بمعسول القول، وطلاوة الدهان؛ وأن يبحثوا عن الحقيقة وراء الكلمة المزوقة، والنبرة المتصنعة، والنفاق والرياء والزواق! كما يتعلمون منهما كيف تكون القيم في ميزان الإيمان. وفي ظلال هاتين اللوحتين المشخصتين لنموذج النفاق الفاجر، ونموذج الإيمان الخالص. يهتف بالجماعة المسلمة، باسم الإيمان الذي تعرف به، للدخول في السلم كافة، والحذر من اتباع خطوات الشيطان، مع التحذير من الزلل بعد البيان. {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، إنه لكم عدو مبين. فإن زللتم، من بعد ما جاءتكم البينات، فاعلموا أن الله عزيز حكيم}.. إنها دعوة للمؤمنين باسم الإيمان. بهذا الوصف المحبب إليهم، والذي يميزهم ويفردهم، ويصلهم بالله الذي يدعوهم.. دعوة للذين آمنوا أن يدخلوا في السلم كافة.. وأول مفاهيم هذه الدعوة أن يستسلم المؤمنون بكلياتهم لله، في ذوات أنفسهم، وفي الصغير والكبير من أمرهم. أن يستسلموا الاستسلام الذي لا تبقى بعده بقية ناشزة من تصور أو شعور، ومن نية أو عمل، ومن رغبة أو رهبة، لا تخضع لله ولا ترضى بحكمه وقضاه. استسلام الطاعة الواثقة المطمئنة الراضية. الاستسلام لليد التي تقود خطاهم وهم واثقون أنها تريد بهم الخير والنصح والرشاد؛ وهم مطمئنون إلى الطريق والمصير، في الدنيا والآخرة سواء. وتوجيه هذه الدعوة إلى الذين آمنوا إذ ذاك تشي بأنه كانت هنالك نفوس ما تزال يثور فيها بعض التردد في الطاعة المطلقة في السر والعلن. وهو أمر طبيعي أن يوجد في الجماعة إلى جانب النفوس المطمئنة الواثقة الراضية.. وهي دعوة توجه في كل حين للذين آمنوا؛ ليخلصوا ويتجردوا؛ وتتوافق خطرات نفوسهم واتجاهات مشاعرهم مع ما يريد الله بهم، وما يقودهم إليه نبيهم ودينهم، في غير ما تلجلج ولا تردد ولا تلفت. والمسلم حين يستجيب هذه الاستجابة يدخل في عالم كله سلم وكله سلام. عالم كله ثقة واطمئنان، وكله رضى واستقرار. لا حيرة ولا قلق، ولا شرود ولا ضلال. سلام مع النفس والضمير. سلام مع العقل والمنطق. سلام مع الناس والأحياء. سلام مع الوجود كله ومع كل موجود. سلام يرف في حنايا السريرة. وسلام يظلل الحياة والمجتمع. سلام في الأرض وسلام في السماء. وأول ما يفيض هذا السلام على القلب يفيض من صحة تصوره لله ربه، ونصاعة هذا التصور وبساطته.. إنه إله واحد. يتجه إليه المسلم وجهة واحدة يستقر عليها قلبه؛ فلا تتفرق به السبل، ولا تتعدد به القبل؛ ولا يطارده إله من هنا وإله من هناك - كما كان في الوثنية والجاهلية - إنما هو إله واحد يتجه إليه في ثقة وفي طمأنينة وفي نصاعة وفي وضوح. وهو إله قوي قادر عزيز قاهر.. فإذا اتجه إليه المسلم فقد اتجه إلى القوة الحقة الوحيدة في هذا الوجود. وقد أمن كل قوة زائفة واطمأن واستراح. ولم يعد يخاف أحدا أو يخاف شيئاً، وهو يعبد الله القوي القادر العزيز القاهر. ولم يعد يخشى فوت شيء. ولا يطمع في غير من يقدر على الحرمان والعطاء. وهو إله عادل حكيم، فقوته وقدرته ضمان من الظلم، وضمان من الهوى، وضمان من البخس. وليس كآلهة الوثنية والجاهلية ذوات النزوات والشهوات. ومن ثم يأوي المسلم من إلهه إلى ركن شديد، ينال فيه العدل والرعاية والأمان. وهو رب رحيم ودود. منعم وهاب. غافر الذنب وقابل التوب. يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء. فالمسلم في كنفه آمن آنس، سالم غانم، مرحوم إذا ضعف، مغفور له متى تاب.. وهكذا يمضي المسلم مع صفات ربه التي يعرفه بها الإسلام؛ فيجد في كل صفة ما يؤنس قلبه، وما يطمئن روحه، وما يضمن معه الحماية والوقاية والعطف والرحمة والعزة والمنعة والاستقرار والسلام.. كذلك يفيض السلام على قلب المسلم من صحة تصور العلاقة بين العبد والرب. وبين الخالق والكون. وبين الكون والإنسان.. فالله خلق هذا الكون بالحق؛ وخلق كل شيء فيه بقدر وحكمة. وهذا الإنسان مخلوق قصداً، وغير متروك سدى، ومهيأ له كل الظروف الكونية المناسبة لوجوده، ومسخر له ما في الأرض جميعاً. وهو كريم على الله، وهو خليفته في أرضه. والله معينه على هذه الخلافة. والكون من حوله صديق مأنوس، تتجاوب روحه مع روحه، حين يتجه كلاهما إلى الله ربه. وهو مدعو إلى هذا المهرجان الإلهي المقام في السماوات والأرض ليتملاه ويأنس به. وهو مدعو للتعاطف مع كل شيء ومع كل حي في هذا الوجود الكبير، الذي يعج بالأصدقاء المدعوين مثله إلى ذلك المهرجان! والذي يؤلفون كلهم هذا المهرجان! والعقيدة التي تقف صاحبها أمام النبتة الصغيرة، وهي توحي إليه أن له أجراً حين يرويها من عطش، وحين يعينها على النماء، وحين يزيل من طريقها العقبات.. هي عقيدة جميلة فوق أنها عقيدة كريمة. عقيدة تسكب في روحه السلام؛ وتطلقه يعانق الوجود كله ويعانق كل موجود؛ ويشيع من حوله الأمن والرفق، والحب والسلام. والاعتقاد بالآخرة يؤدي دوره الأساسي في إفاضة السلام على روح المؤمن وعالمه؛ ونفي القلق والسخط والقنوط.. إن الحساب الختامي ليس في هذه الأرض؛ والجزاء الأوفى ليس في هذه العاجلة.. إن الحساب الختامي هناك؛ والعدالة المطلقة مضمونة في هذا الحساب. فلا ندم على الخير والجهاد في سبيله إذا لم يتحقق في الأرض أو لم يلق جزاءه. ولا قلق على الأجر إذا لم يوف في هذه العاجلة بمقاييس الناس، فسوف يوفاه بميزان الله. ولا قنوط من العدل إذا توزعت الحظوظ في الرحلة القصيرة على غير ما يريد، فالعدل لا بد واقع. وما الله يريد ظلماً للعباد. والاعتقاد بالآخرة حاجز كذلك دون الصراع المجنون المحموم الذي تداس فيه القيم وتداس فيه الحرمات. بلا تحرج ولا حياء فهناك الآخرة فيها عطاء، وفيها غناء، وفيها عوض عما يفوت. وهذا التصور من شأنه أن يفيض السلام على مجال السباق والمنافسة؛ وأن يخلع التجمل على حركات المتسابقين؛ وأن يخفف السعار الذي ينطلق من الشعور بأن الفرصة الوحيدة المتاحة هي فرصة هذا العمر القصير المحدود! ومعرفة المؤمن بأن غاية الوجود الإنساني هي العبادة، وأنه مخلوق ليعبد الله.. من شأنها - ولا شك - أن ترفعه إلى هذا الأفق الوضيء. ترفع شعوره وضميره، وترفع نشاطه وعمله، وتنظف وسائله وأدواته. فهو يريد العبادة بنشاطه وعمله؛ وهو يريد العبادة بكسبه وإنفاقه؛ وهو يريد العبادة بالخلافة في الأرض وتحقيق منهج الله فيها. فأولى به ألا يغدر ولا يفجر؛ وأولى به ألا يغش ولا يخدع؛ وأولى به ألا يطغى ولا يتجبر؛ وأولى به ألا يستخدم أداة مدنسة ولا وسيلة خسيسة. وأولى به كذلك ألا يستعجل المراحل، وألا يعتسف الطريق، وألا يركب الصعب من الأمور. فهو بالغ هدفه من العبادة بالنية الخالصة والعمل الدائب في حدود الطاقة.. ومن شأن هذا كله ألا تثور في نفسه المخاوف والمطامع، وألا يستبد به القلق في أية مرحلة من مراحل الطريق. فهو يعبد في كل خطوة؛ وهو يحقق غاية وجوده في كل خطرة، وهو يرتقي صعداً إلى الله في كل نشاط وفي كل مجال. وشعور المؤمن بأنه يمضي مع قدر الله، في طاعة الله، لتحقيق إرادة الله.. وما يسكبه هذا الشعور في روحه من الطمأنينة والسلام والاستقرار؛ والمضي في الطريق بلا حيرة ولا قلق ولا سخط على العقبات والمشاق؛ وبلا قنوط من عون الله ومدده؛ وبلا خوف من ضلال القصد أو ضياع الجزاء.. ومن ثم يحس بالسلام في روحه حتى وهو يقاتل أعداء الله وأعداءه. فهو إنما يقاتل لله، وفي سبيل الله، ولإعلاء كلمة الله؛ ولا يقاتل لجاه أو مغنم أو نزوة أو عرض ما من أعراض هذه الحياة. كذلك شعوره بأنه يمضي على سنة الله مع هذا الكون كله. قانونه قانونه، ووجهته وجهته. فلا صدام ولا خصام، ولا تبديد للجهد ولا بعثرة للطاقة. وقوى الكون كله تتجمع إلى قوته، وتهتدي بالنور الذي يهتدي به، وتتجه إلى الله وهو معها يتجه إلى الله. والتكاليف التي يفرضها الإسلام على المسلم كلها من الفطرة ولتصحيح الفطرة. لا تتجاوز الطاقة؛ ولا تتجاهل طبيعة الإنسان وتركيبه؛ ولا تهمل طاقة واحدة من طاقاته لا تطلقها للعمل والبناء والنماء؛ ولا تنسى حاجة واحدة من حاجات تكوينه الجثماني والروحي لا تلبيها في يسر وفي سماحة وفي رخاء.. ومن ثم لا يحار ولا يقلق في مواجهة تكاليفه. يحمل منها ما يطيق حمله، ويمضي في الطريق إلى الله في طمأنينة وروح وسلام. والمجتمع الذي ينشئه هذا المنهج الرباني، في ظل النظام الذي ينبثق من هذه العقيدة الجميلة الكريمة، والضمانات التي يحيط بها النفس والعرض والمال.. كلها مما يشيع السلم وينشر روح السلام. هذا المجتمع المتواد المتحاب المترابط المتضامن المتكافل المتناسق. هذا المجتمع الذي حققه الإسلام مرة في أرقى وأصفى صوره. ثم ظل يحققه في صور شتى على توالي الحقب، تختلف درجة صفائه، ولكنه يظل في جملته خيراً من كل مجتمع آخر صاغته الجاهلية في الماضي والحاضر، وكل مجتمع لوثته هذه الجاهلية بتصوراتها ونظمها الأرضية! هذا المجتمع الذي تربطه آصرة واحدة - آصرة العقيدة - حيث تذوب فيها الأجناس والأوطان، واللغات والألوان، وسائر هذه الأواصر العرضية التي لا علاقة لها بجوهر الإنسان.. هذا المجتمع الذي يسمع الله يقول له: {أية : إنما المؤمنون إخوة}.. تفسير : والذي يرى صورته في قول النبي الكريم: "حديث : مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ".. تفسير : هذا المجتمع الذي من آدابه: {أية : وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها}.. {أية : ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور} {أية : ادفع بالتي هي أحسن - فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} {أية : يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب. بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان. ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون}.. {أية : ولا يغتب بعضكم بعضاً. أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم }.. تفسير : هذا المجتمع الذي من ضماناته: {أية : يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}.. {أية : يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا}. {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها}..تفسير : و.."حديث : كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله ".. تفسير : ثم هذا المجتمع النظيف العفيف الذي لا تشيع فيه الفاحشة؛ ولا يتبجح فيه الإغراء، ولا تروج فيه الفتنة، ولا ينتشر فيه التبرج، ولا تتلفت فيه الأعين على العورات، ولا ترف فيه الشهوات على الحرمات، ولا ينطلق فيه سعار الجنس وعرامة اللحم والدم كما تنطلق في المجتمعات الجاهلية قديماً وحديثاً.. هذا المجتمع الذي تحكمه التوجيهات الربانية الكثيرة، والذي يسمع الله - سبحانه - يقول: {أية : إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون}.. {أية : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر؛ وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين}.. {أية : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً، وأولئك هم الفاسقون}.. {أية : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، ذلك أزكى لهم، إن الله خبير بما يصنعون. وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمرهن على جيوبهن، ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن، أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن، أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن، أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء. ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن، وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}.. تفسير : والذي يخاطب فيه نساء النبي - أطهر نساء الأرض في أطهر بيت في أطهر بيئة في أطهر زمان: {أية : يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن. فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً. وقرن في بيوتكن، ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وأقمن الصلاة وآتين الزكاة، وأطعن الله ورسوله. إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً }.. تفسير : وفي مثل هذا المجتمع تأمن الزوجة على زوجها، ويأمن الزوج على زوجته، ويأمن الأولياء على حرماتهم وأعراضهم، ويأمن الجميع على أعصابهم وقلوبهم. حيث لا تقع العيون على المفاتن، ولا تقود العيون القلوب إلى المحارم. فإما الخيانة المتبادلة حينذاك وإما الرغائب المكبوتة وأمراض النفوس وقلق الأعصاب.. بينما المجتمع المسلم النظيف العفيف آمن ساكن، ترف عليه أجنحة السلم والطهر والأمان! وأخيراً إنه ذلك المجتمع الذي يكفل لكل قادر عملاً ورزقاً ولكل عاجز ضمانة للعيش الكريم، ولكل راغب في العفة والحصانة زوجة صالحة، والذي يعتبر أهل كل حي مسؤولين مسؤولية جنائية لو مات فيهم جائع؛ حتى ليرى بعض فقهاء الإسلام تغريمهم بالدية. والمجتمع الذي تكفل فيه حريات الناس وكراماتهم وحرماتهم وأموالهم بحكم التشريع، بعد كفالتها بالتوجيه الرباني المطاع. فلا يؤخذ واحد فيه بالظنة، ولا يتسور على أحد بيته، ولا يتجسس على أحد فيه متجسس، ولا يذهب فيه دم هدراً والقصاص حاضر؛ ولا يضيع فيه على أحد ماله سرقة أو نهباً والحدود حاضرة. المجتمع الذي يقوم على الشورى والنصح والتعاون. كما يقوم على المساواة والعدالة الصارمة التي يشعر معها كل أحد أن حقه منوط بحكم شريعة الله لا بإرادة حاكم، و لا هوى حاشية ولا قرابة كبير. وفي النهاية المجتمع الوحيد بين سائر المجتمعات البشرية، الذي لا يخضع البشر فيه للبشر. إنما يخضعون حاكمين ومحكومين لله ولشريعته؛ وينفذون حاكمين ومحكومين حكم الله وشريعته. فيقف الجميع على قدم المساواة الحقيقية أمام الله رب العالمين وأحكم الحاكمين، في طمأنينة وفي ثقة وفي يقين.. هذه كلها بعض معاني السلم الذي تشير إليه الآية وتدعو الذين آمنوا للدخول فيه كافة. ليسلموا أنفسهم كلها لله؛ فلا يعود لهم منها شيء، ولا يعود لنفوسهم من ذاتها حظ؛ إنما تعود كلها لله في طواعية وفي انقياد وفي تسليم.. ولا يدرك معنى هذا السلم حق إدراكه من لا يعلم كيف تنطلق الحيرة وكيف يعربد القلق في النفوس التي لا تطمئن بالإيمان، في المجتمعات التي لا تعرف الإسلام، أو التي عرفته ثم تنكرت له، وارتدت إلى الجاهلية، تحت عنوان من شتى العنوانات في جميع الأزمان.. هذه المجتمعات الشقية الحائرة على الرغم من كل ما قد يتوافر لها من الرخاء المادي والتقدم الحضاري، وسائر مقومات الرقي في عرف الجاهلية الضالة التصورات المختلة الموازين. وحسبنا مثل واحد مما يقع في بلد أوربي من أرقى بلاد العالم كله وهو "السويد". حيث يخص الفرد الواحد من الدخل القومي ما يساوي خمسمائة جنيه في العام. وحيث يستحق كل فرد نصيبه من التأمين الصحي وإعانات المرض التي تصرف نقداً والعلاج المجاني في المستشفيات. وحيث التعليم في جميع مراحله بالمجان، مع تقديم إعانات ملابس وقروض للطلبة المتفوقين وحيث تقدم الدولة حوالي ثلاثمائة جنيه إعانة زواج لتأثيث البيوت.. وحيث وحيث من ذلك الرخاء المادي والحضاري العجيب.. ولكن ماذا؟ ماذا وراء هذا الرخاء المادي والحضاري وخلو القلوب من الإيمان بالله؟ إنه شعب مهدد بالانقراض، فالنسل في تناقص مطرد بسبب فوضى الاختلاط! والطلاق بمعدل طلاق واحد لكل ست زيجات بسبب انطلاق النزوات وتبرج الفتن وحرية الاختلاط! والجيل الجديد ينحرف فيدمن على المسكرات والمخدرات؛ ليعوض خواء الروح من الإيمان وطمأنينة القلب بالعقيدة. والأمراض النفسية والعصبية والشذوذ بأنواعه تفترس عشرات الآلاف من النفوس والأرواح والأعصاب.. ثم الانتحار.. والحال كهذا في أمريكا.. والحال أشنع من هذا في روسيا.. إنها الشقوة النكدة المكتوبة على كل قلب يخلو من بشاشة الإيمان وطمأنينة العقيدة. فلا يذوق طعم السلم الذي يدعى المؤمنون ليدخلوا فيه كافة، ولينعموا فيه بالأمن والظل والراحة والقرار: {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة.. ولا تتبعوا خطوات الشيطان. إنه لكم عدو مبين}.. ولما دعا الله الذين آمنوا أن يدخلوا في السلم كافة.. حذرهم أن يتبعوا خطوات الشيطان. فإنه ليس هناك إلا اتجاهان اثنان. إما الدخول في السلم كافة، وإما اتباع خطوات الشيطان. إما هدى وأما ضلال. إما إسلام وإما جاهلية إما طريق الله وإما طريق الشيطان وإما هدى الله وإما غواية الشيطان.. وبمثل هذا الحسم ينبغي أن يدرك المسلم موقفه، فلا يتلجلج ولا يتردد ولا يتحير بين شتى السبل وشتى الاتجاهات. إنه ليست هنالك مناهج متعددة للمؤمن أن يختار واحداً منها، أو يخلط واحدا منها بواحد.. كلا! إنه من لا يدخل في السلم بكليته، ومن لا يسلم نفسه خالصة لقيادة الله وشريعته، ومن لا يتجرد من كل تصور آخر ومن كل منهج آخر ومن كل شرع آخر.. إن هذا في سبيل الشيطان، سائر على خطوات الشيطان.. ليس هنالك حل وسط، ولا منهج بين بين، ولا خطة نصفها من هنا ونصفها من هناك! إنما هناك حق وباطل. هدى وضلال. إسلام وجاهلية. منهج الله أو غواية الشيطان. والله يدعو المؤمنين في الأولى إلى الدخول في السلم كافة؛ ويحذرهم في الثانية من اتباع خطوات الشيطان. ويستجيش ضمائرهم ومشاعرهم، ويستثير مخاوفهم بتذكيرهم بعداوة الشيطان لهم، تلك العداوة الواضحة البينة، التي لا ينساها إلا غافل.والغفلة لا تكون مع الإيمان. ثم يخوفهم عاقبة الزلل بعد البيان: {فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم}.. وتذكيرهم بأن الله {عزيز} يحمل التلويح بالقوة والقدرة والغلبة، وأنهم يتعرضون لقوة الله حين يخالفون عن توجيهه.. وتذكيرهم بأنه {حكيم}. فيه إيحاء بأن ما اختاره لهم هو الخير، وما نهاهم عنه هو الشر، وأنهم يتعرضون للخسارة حين لا يتبعون أمره ولا ينتهون عما نهاهم عنه.. فالتعقيب بشطريه يحمل معنى التهديد والتحذير في هذا المقام.. بعد ذلك يتخذ السياق أسلوباً جديداً في التحذير من عاقبة الانحراف عن الدخول في السلم واتباع خطوات الشيطان. فيتحدث بصيغة الغيبة بدلاً من صيغة الخطاب: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة؟ وقضي الأمر، وإلى الله ترجع الأمور}.. وهو سؤال استنكاري عن علة انتظار المترددين المتلكئين الذين لا يدخلون في السلم كافة. ما الذي يقعد بهم عن الاستجابة؟ ماذا ينتظرون؟ وماذا يرتقبون؟ تراهم سيظلون هكذا في موقفهم حتى يأتيهم الله - سبحانه - في ظلل من الغمام وتأتيهم الملائكة؟ وبتعبير آخر: هل ينتظرون ويتلكأون حتى يأتيهم اليوم الرعيب الموعود، الذي قال الله سبحانه: إنه سيأتي فيه في ظلل من الغمام، ويأتي الملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً؟ وفجأة - وبينما نحن أمام السؤال الاستنكاري الذي يحمل طابع التهديد الرعيب - نجد أن اليوم قد جاء، وأن كل شيء قد انتهى، وأن القوم أمام المفاجأة التي كان يلوح لهم بها ويخوفهم إياها: {وقضي الأمر}.. وطوي الزمان، وأفلتت الفرصة، وعزت النجاة، ووقفوا وجهاً لوجه أمام الله؛ الذي ترجع إليه وحده الأمور: {وإلى الله ترجع الأمور}.. إنها طريقة القرآن العجيبة، التي تفرده وتميزه من سائر القول. الطريقة التي تحيي المشهد وتستحضره في التو واللحظة، وتقف القلوب إزاءه وقفة من يرى ويسمع ويعاني ما فيه! فإلى متى يتخلف المتخلفون عن الدخول في السلم؛ وهذا الفزع الأكبر ينتظرهم؟ بل هذا الفزع الأكبر يدهمهم! والسلم منهم قريب. السلم في الدنيا والسلم في الآخرة يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً. يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً. يوم يقضي الأمر.. وقد قضي الأمر! {وإلى الله ترجع الأمور}.. هنا يلتفت السياق لفتة أخرى. فيخاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - يكلفه أن يسأل بني إسرائيل - وهم نموذج التلكؤ في الاستجابة كما وصفتهم هذه السورة من قبل -: كم آتاهم الله من آية بينة ثم لم يستجيبوا! وكيف بدلوا نعمة الله، نعمة الإيمان والسلم، من بعد ما جاءتهم: {سل بني إسرائيل: كم آتيناهم من آية بينة، ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب}.. والعودة هنا إلى بني إسرائيل عودة طبيعية، فهنا تحذير من موقف بنو إسرائيل فيه أصلاء! موقف التلكؤ دون الاستجابة؛ وموقف النشوز وعدم الدخول في السلم كافة؛ وموقف التعنت وسؤال الخوارق، ثم الاستمرار في العناد والجحود.. وهذه هي مزالق الطريق التي يحذر الله الجماعة المسلمة منها، كي تنجو من عاقبة بني إسرائيل المنكودة. {سل بني إسرائيل: كم آتيناهم من آية بينة}.. والسؤال هنا قد لا يكون مقصوراً على حقيقته. إنما هو أسلوب من أساليب البيان، للتذكير بكثرة الآيات التي آتاها الله بني إسرائيل، والخوارق التي أجراها لهم.. إما بسؤال منهم وتعنت، وإما ابتداء من عند الله لحكمة حاضرة.. ثم ما كان منهم - على الرغم من كثرة الخوارق - من تردد وتلكؤ وتعنت ونكوص عن السلم الذي يظلل كنف الإيمان. ثم يجيء التعقيب عاماً: {ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب}.. ونعمة الله المشار إليها هنا هي نعمة السلم. أو نعمة الإيمان. فهما مترادفان. والتحذير من تبديلها يجد مصداقه أولاً في حال بني إسرائيل، وحرمانهم من السلم والطمأنينة والاستقرار، منذ أن بدلوا نعمة الله، وأبوا الطاعة الراضية، والاستسلام لتوجيه الله. وكانوا دائماً في موقف الشاك المتردد، الذي يظل يطلب الدليل من الخارقة في كل خطوة وكل حركة؛ ثم لا يؤمن بالمعجزة، ولا يطمئن لنور الله وهداه، والتهديد بشدة عقاب الله يجد مصداقه أولاً في حال بني إسرائيل، ويجد مصداقه أخيراً فيما ينتظر المبدلين للنعمة المتبطرين عليها في كل زمان. وما بدلت البشرية هذه النعمة إلا أصابها العقاب الشديد في حياتها على الأرض قبل عقاب الآخرة. وها هي ذي البشرية المنكودة الطالع في أنحاء الأرض كلها تعاني العقاب الشديد؛ وتجد الشقوة النكدة؛ وتعاني القلق والحيرة؛ ويأكل بعضها بعضاً؛ ويأكل الفرد منها نفسه وأعصابه، ويطاردها وتطارده بالأشباح المطلقة، وبالخواء القاتل الذي يحاول المتحضرون أن يملأوه تارة بالمسكرات والمخدرات، وتارة بالحركات الحائرة التي يخيل إليك معها أنهم هاربون تطاردهم الأشباح! ونظرة إلى صورهم في الأوضاع العجيبة المتكلفة التي يظهرون بها: من مائلة برأسها، إلى كاشفة عن صدرها، إلى رافعة ذيلها، إلى مبتدعة قبعة غريبة على هيئة حيوان! إلى واضع رباط عنق رسم عليه تيتل أو فيل! إلى لابس قميص تربعت عليه صورة أسد أو دب! ونظرة إلى رقصاتهم المجنونة، وأغانيهم المحمومة، وأوضاعهم المتكلفة وأزيائهم الصارخة في بعض الحفلات والمناسبات؛ ومحاولة لفت النظر بالشذوذ الصارخ، أو ترضية المزاج بالتميز الفاضح.. ونظرة إلى التنقل السريع المحموم بين الأهواء والأزواج والصداقات والأزياء بين فصل وفصل، لا بل بين الصباح والمساء! كل أولئك يكشف عن الحيرة القاتلة التي لا طمأنينة فيها ولا سلام. ويكشف عن حالة الملل الجاثم التي يفرون منها، وعن حالة "الهروب" من أنفسهم الخاوية وأرواحهم الموحشة، كالذي تطارده الجنة والأشباح. وإن هو إلا عقاب الله، لمن يحيد عن منهجه، ولا يستمع لدعوته: {يا أيها الذين أمنوا ادخلوا في السلم كافة}.. وإن الإيمان الواثق لنعمة الله على عباده، لا يبدلها مبدل حتى يحيق به ذلك العقاب.. والعياذ بالله.. وفي ظل هذا التحذير من التلكؤ في الاستجابة، والتبديل بعد النعمة، يذكر حال الذين كفروا وحال الذين آمنوا؛ ويكشف عن الفرق بين ميزان الذين كفروا وميزان الذين آمنوا للقيم والأحوال والأشخاص: {زين للذين كفروا الحياة الدنيا، ويسخرون من الذين آمنوا، والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة، والله يرزق من يشاء بغير حساب}.. لقد زينت للذين كفروا هذه الحياة الدنيا؛ بأعراضها الزهيدة، واهتماماتها الصغيرة. زينت لهم فوقفوا عندها لا يتجاوزونها؛ ولا يمدون بأبصارهم إلى شيء وراءها؛ ولا يعرفون قيماً أخرى غير قيمها. والذي يقف عند حدود هذه الحياة الدنيا لا يمكن أن يسمو تصوره إلى تلك الاهتمامات الرفيعة التي يحفل بها المؤمن، ويمد إليها بصره في آفاقها البعيدة.. إن المؤمن قد يحتقر أعراض الحياة كلها؛ لا لأنه أصغر منها همة أو أضعف منها طاقة، ولا لأنه سلبي لا ينمي الحياة ولا يرقيها.. ولكن لأنه ينظر إليها من عل - مع قيامه بالخلافة فيها، وإنشائه للعمران والحضارة، وعنايته بالنماء والإكثار - فينشد من حياته ما هو أكبر من هذه الأعراض وأغلى. ينشد منها أن يقر في الأرض منهجاً، وأن يقود البشرية إلى ما هو أرفع وأكمل، وأن يركز راية الله فوق هامات الأرض والناس، ليتطلع إليها البشر في مكانها الرفيع، وليمدوا بأبصارهم وراء الواقع الزهيد المحدود، الذي يحيا له من لم يهبه الإيمان رفعة الهدف، وضخامة الاهتمام، وشمول النظرة. وينظر الصغار الغارقون في وحل الأرض، المستعبدون لأهداف الأرض.. ينظرون للذين آمنوا، فيرونهم يتركون لهم وحلهم وسفسافهم، ومتاعهم الزهيد؛ ليحاولوا آمالاً كباراً لا تخصهم وحدهم، ولكن تخص البشرية كلها؛ ولا تتعلق بأشخاصهم إنما تتعلق بعقيدتهم؛ ويرونهم يعانون فيها المشقات؛ ويقاسون فيها المتاعب؛ ويحرمون أنفسهم اللذائذ التي يعدها الصغار خلاصة الحياة وأعلى أهدافها المرموقة.. ينظر الصغار المطموسون إلى الذين آمنوا - في هذه الحال - فلا يدركون سر اهتماماتهم العليا. عندئذ يسخرون منهم. يسخرون من حالهم، ويسخرون من تصوراتهم، ويسخرون من طريقهم الذي يسيرون فيه! {زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا...}.. ولكن هذا الميزان الذي يزن الكافرون به القيم ليس هو الميزان.. إنه ميزان الأرض. ميزان الكفر. ميزان الجاهلية.. أما الميزان الحق فهو في يد الله سبحانه. والله يبلغ الذين آمنوا حقيقة وزنهم في ميزانه: {والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة}.. هذا هو ميزان الحق في يد الله. فليعلم الذين آمنوا قيمتهم الحقيقية في هذا الميزان. وليمضوا في طريقهم لا يحفلون سفاهة السفهاء، وسخرية الساخرين، وقيم الكافرين.. إنهم فوقهم يوم القيامة. فوقهم عند الحساب الختامي الأخير. فوقهم في حقيقة الأمر بشهادة الله أحكم الحاكمين. والله يدخر لهم ما هو خير، وما هو أوسع من الرزق. يهبهم إياه حيث يختار؛ في الدنيا أو في الآخرة، أو في الدارين وفق ما يرى أنه لهم خير: {والله يرزق من يشاء بغير حساب}.. وهو المانح الوهاب يمنح من يشاء، ويفيض على من يشاء لا خازن لعطائه ولا بوّاب! وهو قد يعطي الكافرين زينة الحياة الدنيا لحكمة منه، وليس لهم فيما أعطوا فضل. وهو يعطي المختارين من عباده ما يشاء في الدنيا أو في الآخرة.. فالعطاء كله من عنده. واختياره للأخيار هو الأبقى والأعلى.. وستظل الحياة أبداَ تعرف هذين النموذجين من الناس.. تعرف المؤمنين الذين يتلقون قيمهم وموازينهم وتصوراتهم من يد الله؛ فيرفعهم هذا التلقي عن سفساف الحياة وأعراض الأرض، واهتمامات الصغار؛ وبذلك يحققون إنسانيتهم؛ ويصبحون سادة للحياة، لا عبيداً للحياة.. كما تعرف الحياة ذلك الصنف الآخر: الذين زينت لهم الحياة الدنيا، واستعبدتهم أعراضها وقيمها؛ وشدتهم ضروراتهم وأوهاقهم إلى الطين فلصقوا به لا يرتفعون! وسيظل المؤمنون ينظرون من عل إلى أولئك الهابطين؛ مهما أوتوا من المتاع والأعراض. على حين يعتقد الهابطون أنهم هم الموهوبون، وأن المؤمنين هم المحرومون؛ فيشفقون عليهم تارة ويسخرون منهم تارة. وهم أحق بالرثاء والإشفاق.. وعلى ذكر الموازين والقيم؛ وظن الذين كفروا بالذين آمنوا؛ وحقيقة مكان هؤلاء ووزنهم عند الله.. ينتقل السياق إلى قصة الاختلاف بين الناس في التصورات والعقائد، والموازين والقيم؛ وينتهي بتقرير الأصل الذي ينبغي أن يرجع إليه المختلفون؛ وإلى الميزان الأخير الذي يحكم فيما هم فيه مختلفون: {كان الناس أمة واحدة؛ فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين؛ وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه - وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم - فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه؛ والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}.. هذه هي القصة.. كان الناس أمة واحدة. على نهج واحد، وتصور واحد. وقد تكون هذه إشارة إلى حالة المجموعة البشرية الأولى الصغيرة من أسرة آدم وحواء وذراريهم، قبل اختلاف التصورات والاعتقادات. فالقرآن يقرر أن الناس من أصل واحد. وهم أبناء الأسرة الأولى: أسرة آدم وحواء. وقد شاء الله أن يجعل البشر جميعاً نتاج أسرة واحدة صغيرة، ليقرر مبدأ الأسرة في حياتهم، وليجعلها هي اللبنة الأولى. وقد غبر عليهم عهد كانوا فيه في مستوى واحد واتجاه واحد وتصور واحد في نطاق الأسرة الأولى. حتى نمت وتعددت وكثر أفرادها، وتفرقوا في المكان، وتطورت معايشهم؛ وبرزت فيهم الاستعدادات المكنونة المختلفة، التي فطرهم الله عليها لحكمة يعلمها، ويعلم ما وراءها من خير للحياة في التنوع في الاستعدادات والطاقات والاتجاهات. عندئذ اختلفت التصورات وتباينت وجهات النظر، وتعددت المناهج، وتنوعت المعتقدات.. وعندئذ بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.. {وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه}.. وهنا تتبين تلك الحقيقة الكبرى.. إن من طبيعة الناس أن يختلفوا؛ لأن هذا الاختلاف أصل من أصول خلقتهم؛ يحقق حكمة عليا من استخلاف هذا الكائن في الأرض.. إن هذه الخلافة تحتاج إلى وظائف متنوعة، واستعدادات شتى من ألوان متعددة؛ كي تتكامل جميعها وتتناسق، وتؤدي دورها الكلي في الخلافة والعمارة، وفق التصميم الكلي المقدر في علم الله. فلا بد إذن من تنوع في المواهب يقابل تنوع تلك الوظائف؛ ولا بد من اختلاف في الاستعدادات يقابل ذلك الاختلاف في الحاجات.. "ولا يزالون مختلفين - إلا من رحم ربك - ولذلك خلقهم".. هذا الاختلاف في الاستعدادات والوظائف ينشئ بدوره اختلافاً في التصورات والاهتمامات والمناهج والطرائق.. ولكن الله يحب أن تبقى هذه الاختلافات المطلوبة الواقعة داخل إطار واسع عريض يسعها جميعاً حين تصلح وتستقيم.. هذا الإطار هو إطار التصور الإيماني الصحيح. الذي ينفسح حتى يضم جوانحه على شتى الاستعدادات وشتى المواهب وشتى الطاقات؛ فلا يقتلها ولا يكبحها؛ ولكن ينظمها وينسقها ويدفعها في طريق الصلاح. ومن ثم لم يكن بد أن يكون هناك ميزان ثابت يفيء إليه المختلفون؛ وحكم عدل يرجع إليه المختصمون؛ وقول فصل ينتهي عنده الجدل، ويثوب الجميع منه إلى اليقين: {فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق، ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه}. ولا بد أن نقف عند قوله تعالى {بالحق}.. فهو القول الفصل بأن الحق هو ما جاء به الكتاب؛ وأن هذا الحق قد أنزل ليكون هو الحكم العدل، والقول الفصل، فيما عداه من أقوال الناس وتصوراتهم ومناهجهم وقيمهم وموازينهم.. لا حق غيره. ولا حكم معه. ولا قول بعده. وبغير هذا الحق الواحد الذي لا يتعدد؛ وبغير تحكيمه في كل ما يختلف فيه الناس؛ وبغير الانتهاء إلى حكمه بلا مماحكة ولا اعتراض.. بغير هذا كله لا يستقيم أمر هذه الحياة؛ ولا ينتهي الناس من الخلاف والفرقة؛ ولا يقوم على الأرض السلام؛ ولا يدخل الناس في السلم بحال. ولهذه الحقيقة قيمتها الكبرى في تحديد الجهة التي يتلقى منها الناس تصوراتهم وشرائعهم؛ والتي ينتهون إليها في كل ما يشجر بينهم من خلاف في شتى صور الخلاف.. إنها جهة واحدة لا تتعدد هي التي أنزلت هذا الكتاب بالحق؛ وهو مصدر واحد لا يتعدد هو هذا الكتاب الذي أنزله الله بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.. وهو كتاب واحد في حقيقته، جاء به الرسل جميعاً. فهو كتاب واحد في أصله، وهي ملة واحدة في عمومها، وهو تصور واحد في قاعدته: إله واحد، ورب واحد، ومعبود واحد، ومشرّع واحد لبني الإنسان.. ثم تختلف التفصيلات بعد ذلك وفق حاجات الأمم والأجيال؛ ووفق أطوار الحياة والارتباطات؛ حتى تكون الصورة الأخيرة التي جاء بها الإسلام، وأطلق الحياة تنمو في محيطها الواسع الشامل بلا عوائق. بقيادة الله ومنهجه وشريعته الحية المتجددة في حدود ذلك المحيط الشامل الكبير. وهذا الذي يقرره القرآن في أمر الكتاب هو النظرية الإسلامية الصحيحة في خط سير الأديان والعقائد.. كل نبي جاء بهذا الدين الواحد في أصله، يقوم على القاعدة الأصيلة: قاعدة التوحيد المطلق.. ثم يقع الانحراف عقب كل رسالة، وتتراكم الخرافات والأساطير، حتى يبعد الناس نهائياً عن ذلك الأصل الكبير، وهنا تجيء رسالة جديدة تجدد العقيدة الأصيلة، وتنفي ما علق بها من الانحرافات، وتراعي أحوال الأمة وأطوارها في التفصيلات.. وهذه النظرية أولى بالإتباع من نظريات الباحثين في تطور العقائد من غير المسلمين، والتي كثيرا ما يتأثر بها باحثون مسلمون، وهم لا يشعرون، فيقيمون بحوثهم على أساس التطور في أصل العقيدة وقاعدة التصور، كما يقول المستشرقون وأمثالهم من الباحثين الغربيين الجاهليين! وهذا الثبات في أصل التصور الإيماني، هو الذي يتفق مع وظيفة الكتاب الذي أنزله الله بالحق، ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، في كل زمان، ومع كل رسول، منذ أقدم الأزمان. ولم يكن بد أن يكون هناك ميزان ثابت يفيء إليه الناس، وأن يكون هناك قول فصل ينتهون إليه. ولم يكن بد كذلك أن يكون هذا الميزان من صنع مصدر آخر غير المصدر الإنساني، وأن يكون هذا القول قول حاكم عدل لا يتأثر بالهوى الإنساني، ولا يتأثر بالقصور الإنساني، ولا يتأثر بالجهل الإنساني! وإقامة ذلك الميزان الثابت تقتضي علماً غير محدود. علم ما كان وما هو كائن وما سيكون. علمه كله لا مقيداً بقيود الزمان التي تفصل الوجود الواحد إلى ماض وحاضر ومستقبل، وإلى مستيقن ومظنون ومجهول، وإلى حاضر مشهود ومغيب مخبوء.. ولا مقيداً بقيود المكان التي تفصل الوجود الواحد إلى قريب وبعيد، ومنظور ومحجوب، ومحسوس وغير محسوس.. في حاجة إلى إله يعلم ما خلق، ويعلم من خلق.. ويعلم ما يصلح وما يصلح حال الجميع. وإقامة ذلك الميزان في حاجة كذلك إلى استعلاء على الحاجة، واستعلاء على النقص، واستعلاء على الفناء، واستعلاء على الفوت، واستعلاء على الطمع، واستعلاء على الرغبة والرهبة.. واستعلاء على الكون كله بما فيه ومن فيه.. في حاجة إلى إله، لا أرب له، ولا هوى، ولا لذة، ولا ضعف في ذاته - سبحانه - ولا قصور! أما العقل البشري فبحسبه أن يواجه الأحوال المتطورة، والظروف المتغيرة، والحاجات المتجددة؛ ثم يوائم بينها وبين الإنسان في لحظة عابرة وظرف موقوت. على أن يكون هناك الميزان الثابت الذي يفيء إليه، فيدرك خطأه وصوابه، وغيه ورشاده، وحقه وباطله، من ذلك الميزان الثابت.. وبهذا وحده تستقيم الحياة. ويطمئن الناس إلى أن الذي يسوسهم في النهاية إله! إن الكتاب لم ينزل بالحق ليمحو فوارق الاستعدادات والمواهب والطرائق والوسائل. إنما جاء ليحتكم الناس إليه.. وإليه وحده.. حين يختلفون.. ومن شأن هذه الحقيقة أن تنشىء حقيقة أخرى تقوم على أساسها نظرة الإسلام التاريخية: إن الإسلام يضع {الكتاب} الذي أنزله الله {بالحق} ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.. يضع هذا الكتاب قاعدة للحياة البشرية. ثم تمضي الحياة. فإما اتفقت مع هذه القاعدة، وظلت قائمة عليها، فهذا هو الحق. وإما خرجت عنها وقامت على قواعد أخرى، فهذا هو الباطل.. هذا هو الباطل ولو ارتضاه الناس جميعاً. في فترة من فترات التاريخ. فالناس ليسوا هم الحكم في الحق والباطل. وليس الذي يقرره الناس هو الحق، وليس الذي يقرره الناس هو الدين. إن نظرة الإسلام تقوم ابتداء على أساس أن فعل الناس لشيء، وقولهم لشيء، وإقامة حياتهم على شيء.. لا تحيل هذا الشيء حقاً إذا كان مخالفاً للكتاب؛ ولا تجعله أصلاً من أصول الدين؛ ولا تجعله التفسير الواقعي لهذا الدين؛ ولا تبرره لأن أجيالاً متعاقبة قامت عليه.. وهذه الحقيقة ذات أهمية كبرى في عزل أصول الدين عما يدخله عليها الناس! وفي التاريخ الإسلامي مثلاً وقع انحراف، وظل ينمو وينمو.. فلا يقال: إن هذا الانحراف متى وقع وقامت عليه حياة الناس فهو إذن الصورة الواقعية للإسلام! كلا! إن الإسلام يظل بريئاً من هذا الواقع التاريخي. ويظل هذا الذي وقع خطأ وانحرافاً لا يصلح حجة ولا سابقة؛ ومن واجب من يريد استئناف حياة إسلامية أن يلغيه ويبطله، وأن يعود إلى الكتاب الذي أنزله الله بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.. ولقد جاء الكتاب.. ومع ذلك كان الهوى يغلب الناس من هناك ومن هناك؛ وكانت المطامع والرغائب والمخاوف والضلالات تبعد الناس عن قبول حكم الكتاب، والرجوع إلى الحق الذي يردهم إليه: {وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات.. بغياً بينهم}.. فالبغي.. بغي الحسد. وبغي الطمع. وبغي الحرص. وبغي الهوى.. هو الذي قاد الناس إلى المضي في الاختلاف على أصل التصور والمنهج؛ والمضي في التفرق واللجاج والعناد. وهذه حقيقة.. فما يختلف اثنان على أصل الحق الواضح في هذا الكتاب، القوي الصادع المشرق المنير.. ما يختلف اثنان على هذا الأصل إلا وفي نفس أحدهما بغي وهوى، أو في نفسيهما جميعاً.. فأما حين يكون هناك إيمان فلا بد من التقاء واتفاق: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه}.. هداهم بما في نفوسهم من صفاء، وبما في أرواحهم من تجرد، وبما في قلوبهم من رغبة في الوصول إلى الحق. وما أيسر الوصول حينئذ والاستقامة: {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}.. هو هذا الصراط الذي يكشف عنه ذلك الكتاب. وهو هذا المنهج الذي يقوم على الحق ويستقيم على الحق. ولا تتقاذفه الأهواء والشهوات، ولا تتلاعب به الرغاب والنزوات.. والله يختار من عباده لهذا الصراط المستقيم من يشاء، ممن يعلم منهم الاستعداد للهدى والاستقامة على الصراط؛ أولئك يدخلون في السلم، وأولئك هم الأعلون، ولو حسب الذين لا يزنون بميزان الله أنهم محرومون، ولو سخروا منهم كما يسخر الكافرون من المؤمنين! وتنتهي هذه التوجيهات التي تستهدف إنشاء تصور إيماني كامل ناصع في قلوب الجماعة المسلمة.. تنتهي بالتوجه إلى المؤمنين الذين كانوا يعانون في واقعهم مشقة الاختلاف بينهم وبين أعدائهم من المشركين وأهل الكتاب، وما كان يجره هذا الخلاف من حروب ومتاعب وويلات.. يتوجه إليهم بأن هذه هي سنة الله القديمة، في تمحيص المؤمنين وإعدادهم ليدخلوا الجنة، وليكونوا لها أهلاً: أن يدافع أصحاب العقيدة عن عقيدتهم؛ وأن يلقوا في سبيلها العنت والألم والشدة والضر؛ وأن يتراوحوا بين النصر والهزيمة؛ حتى إذا ثبتوا على عقيدتهم، لم تزعزعهم شدة، ولم ترهبهم قوة، ولم يهنوا تحت مطارق المحنة والفتنة.. استحقوا نصر الله، لأنهم يومئذ أمناء على دين الله، مأمونون على ما ائتمنوا عليه، صالحون لصيانته والذود عنه. واستحقوا الجنة لأن أرواحهم قد تحررت من الخوف وتحررت من الذل، وتحررت من الحرص على الحياة أو على الدعة والرخاء. فهي عندئذ أقرب ما تكون إلى عالم الجنة، وارفع ما تكون عن عالم الطين: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب}.. هكذا خاطب الله الجماعة المسلمة الأولى، وهكذا وجهها إلى تجارب الجماعات المؤمنة قبلها، وإلى سنته - سبحانه - في تربية عباده المختارين، الذين يكل إليهم رايته، وينوط بهم أمانته في الأرض ومنهجه وشريعته. وهو خطاب مطرد لكل من يختار لهذا الدور العظيم.. وإنها لتجربة عميقة جليلة مرهوبة.. إن هذا السؤال من الرسول والذين آمنوا معه. من الرسول الموصول بالله، والمؤمنين الذين آمنوا بالله. إن سؤالهم: {متى نصر الله؟} ليصور مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة. ولن تكون إلا محنة فوق الوصف، تلقي ظلالها على مثل هاتيك القلوب، فتبعث منها ذلك السؤال المكروب: {متى نصر الله؟}.. وعندما تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة.. عندئذ تتم كلمة الله، ويجيء النصر من الله: {ألا إن نصر الله قريب}.. إنه مدخر لمن يستحقونه. ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية. الذين يثبتون على البأساء والضراء. الذين يصمدون للزلزلة. الذين لا يحنون رؤوسهم للعاصفة. الذين يستيقنون أن لا نصر إلا نصر الله، وعندما يشاء الله. وحتى حين تبلغ المحنة ذروتها، فهم يتطلعون فحسب إلى {نصر الله}، لا إلى أي حل آخر، ولا إلى أي نصر لا يجيء من عند الله. ولا نصر إلا من عند الله. بهذا يدخل المؤمنون الجنة، مستحقين لها، جديرين بها، بعد الجهاد والامتحان، والصبر والثبات، والتجرد لله وحده، والشعور به وحده، وإغفال كل ما سواه وكل من سواه. إن الصراع والصبر عليه يهب النفوس قوة، ويرفعها على ذواتها، ويطهرها في بوتقة الألم، فيصفو عنصرها ويضيء، ويهب العقيدة عمقاً وقوة وحيوية، فتتلألأ حتى في أعين أعدائها وخصومها. وعندئذ يدخلون في دين الله أفواجاً كما وقع، وكما يقع في كل قضية حق، يلقى أصحابها ما يلقون في أول الطريق، حتى إذا ثبتوا للمحنة انحاز إليهم من كانوا يحاربونهم، وناصرهم أشد المناوئين وأكبر المعاندين.. على أنه - حتى إذا لم يقع هذا - يقع ما هو أعظم منه في حقيقته. يقع أن ترتفع أرواح أصحاب الدعوة على كل قوى الأرض وشرورها وفتنتها، وأن تنطلق من إسار الحرص على الدعة والراحة، والحرص على الحياة نفسها في النهاية.. وهذا الانطلاق كسب للبشرية كلها، وكسب للأرواح التي تصل إليه عن طريق الاستعلاء. كسب يرجح جميع الآلام وجميع البأساء والضراء التي يعانيها المؤمنون، والمؤتمنون على راية الله وأمانته ودينه وشريعته. وهذا الانطلاق هو المؤهل لحياة الجنة في نهاية المطاف.. وهذا هو الطريق.. هذا هو الطريق كما يصفه الله للجماعة المسلمة الأولى، وللجماعة المسلمة في كل جيل. هذا هو الطريق: إيمان وجهاد.. ومحنة وابتلاء. وصبر وثبات.. وتوجه إلى الله وحده. ثم يجيء النصر. ثم يجيء النعيم..
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة { أية : فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا } تفسير : [البقرة: 200] الخ، لأنه ذكر هنالك حال المشركين الصرحاء الذين لاحظ لهم في الآخرة، وقابل ذكرهم بذكر المؤمنين الذين لهم رغبة في الحسنة في الدنيا والآخرة، فانتقل هنا إلى حال فريق آخرين ممن لاحظ لهم في الآخرة وهم متظاهرون بأنهم راغبون فيها، مع مقابلة حالهم بحال المؤمنين الخالصين الذين يؤثرون الآخرة والحياة الأبدية على الحياة في الدنيا، وهم المذكورون في قوله: { أية : ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله } تفسير : [البقرة: 207]. و(من) بمعنى بعض كما في قوله تعالى: { أية : ومن الناس من يقول آمنا بالله } تفسير : [البقرة: 8] فهي صالحة للصدق على فريق أو على شخص معين (ومن) الموصولة كذلك صالحة لفريق وشخص. والإعجاب إيجاد العجب في النفس والعجب: انفعال يعرض للنفس عند مشاهدة أمر غير مألوف خفي سببه. ولما كان شأن ما يخفى سببه أن ترغب فيه النفس، صار العجب مستلزماً للاستحسان فيقال أعجبني الشيء بمعنى أوجب لى استحسانه، قال الكواشي يقال في الاستحسان: أعجبني كذا، وفي الإنكار: عجبت من كذا، فقوله: {يعجبك} أي يحسن عندك قوله. والمراد من القول هنا ما فيه من دلالته على حاله في الإيمان والنصح للمسلمين، لأن ذلك هو الذي يهم الرسول ويعجبه، وليس المراد صفة قوله في فصاحة وبلاغة؛ إذ لا غرض في ذلك هنا لأن المقصود ما يضاد قوله: وهو ألد الخصام إلى آخره. والخطاب إما للنبي - صلى الله عليه وسلم - أي ومن الناس من يظهر لك ما يعجبك من القول وهو الإيمان وحب الخير والإعراض عن الكفار، فيكون المراد بِــــ«مَن» المنافقين ومعظمهم من اليهود، وفيهم من المشركين أهل يثرب وهذا هو الأظهر عندي، أو طائفة معينة من المنافقين، وقيل: أريد به الأخنس بن شريف الثقفي واسمه أبي وكان مولى لبني زهرة من قريش وهم أخوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان يظهر المودة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ينضم إلى المشركين في واقعة بدر بل خنس أي تأخر عن الخروج معهم إلى بدر وكان له ثلاثمائة من بني زهرة أحلافه فصدهم عن الانضمام إلى المشركين فقيل: إنه كان يظهر الإسلام وهو منافق، وقال ابن عطية: لم يثبت أنه أسلم قط، ولكن كان يظهر الود للرسول فلما انقضت وقعة بدر قيل: إنه حرق زرعاً للمسلمين وقتل حميراً لهم فنزلت فيه هاته الآية ونزلت فيه أيضاً { أية : ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم } تفسير : [القلم: 10، 11] ونزلت فيه { أية : ويل لكل همزة لمزة } تفسير : [الهمزة: 1]، وقيل بل كانت بينه وبين قومه ثقيف عداوة فبيتهم ليلاً فأحرق زرعهم وقتل مواشيهم فنزلت فيه الآية وعلى هذا فتقريعه لأنه غدرهم وأفسد. ويجوز أن الخطاب لغير معين ليعم كل مخاطب تحذيراً للمسلمين من أن تروج عليهم حيل المنافقين وتنبيه لهم إلى استطلاع أحوال الناس وذلك لا بد منه والظرف من قوله {في الحياة الدنيا} يجوز أن يتعلق بيعجبك فيراد بهذا الفريق من الناس المنافقون الذين يظهرون كلمة الإسلام والرغبة فيه على حد قوله تعالى: { أية : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } تفسير : [البقرة: 14] أي إعجابك بقولهم لا يتجاوز الحصول في الحياة الدنيا فإنك في الآخرة تجدهم بحالة لا تعجبك فهو تمهيد لقوله في آخر الآية {فحسبه جهنم} والظرفية المستفادة من (في) ظرفيةٌ حقيقية. ويجوز أن يتعلق بكلمة {قوله} أي كلامه عن شؤون الدنيا من محامد الوفاء في الحلف مع المسلمين والود للنبيء ولا يقول شيئاً في أمور الدين، فهذا تنبيه على أنه لا يتظاهر بالإسلام فيراد بهذا الأخنس بن شريق. وحرف (في) على هذا الوجه للظرفية المجازية بمعنى عن والتقدير قوله: عن الحياة الدنيا. ومعنى {يشهد الله على ما في قلبه} أنه يقرن حسن قوله وظاهر تودده بإشهاد الله تعالى على أن ما في قلبه مطابق لما في لفظه، ومعنى إشهاد الله حلفه بأن الله يعلم إنه لصادق. وإنما أفاد ما في قلبه معنى المطابقة لقوله لأنه لما أشهد الله حين قال كلاماً حلواً تعين أن يكون مدعياً أن قلبه كلسانه قال تعالى: { أية : يحلفون بالله لكم ليرضوكم } تفسير : [التوبة: 62]. ومعنى {وهو ألد الخصام} أنه شديد الخصومة أي العداوة مشتق من لده يلده بفتح اللام لأنه من فعل، تقول: لددت يا زيد بكسر الدال إذا خاصم، فهو لاد ولدود فاللدد شدة الخصومة والألد الشديد الخصومة قال الحماسي ربيعة بن مقروم: شعر : وأَلَدَّ ذِي حَنَقٍ عليَّ كَأَنَّما تَغْلِي حَرَارَةُ صَدْرِه في مِرْجَلِ تفسير : فألد صفة مشبهة وليس اسم تفضيل، ألا ترى أن مؤنثه جاء على فعلاء فقالوا: لداء وجمعه جاء على فُعْل قال تعالى: { أية : وتنذر به قوماً لداً } تفسير : [مريم: 97] وحينئذٍ ففي إضافته للخصام إشكال؛ لأنه يصير معناه شديد الخصام من جهة الخصام فقال في «الكشاف»: إما أن تكون الإضافة على المبالغة فجعل الخصام أَلَد أي نُزِّل خصامه منزلة شخص له خصام فصارا شيئين فصحت الإضافة على طريقة المجاز العقلي، كأنه قيل: خصامه شديد الخصام كما قالوا: جُنَّ جُنُونُه وقالوا: جَدَّ جَدُّه، أو الإضافة على معنى في أي وهو شديد الخصام في الخصام أي في حال الخصام، وقال بعضهم يقدر مبتدأ محذوف بعد {وهو} تقديره: وهو خصامه ألد الخصام وهذا التقدير لا يصح لأن الخصام لا يوصف بالألد فتعيَّن أن يُؤَوَّل بأنه جعل بمنزلة الخصم وحينئذٍ فالتأويل مع عدم التقدير أولى، وقيل الخصام هنا جمع خَصم كصَعْب وصِعاب وليس هو مصدراً وحينئذٍ تظهر الإضافة أي وهو ألد الناس المخاصمين. وقوله تعالى: {وإذا تولى سعى في الأرض} إذا ظرف تضمن معنى الشرط. و{تولى} إما مشتق من التولية وهي الإدبار والانصراف يقال ولى وتولى وقد تقدم قوله تعالى: { أية : ما ولاهم عن قبلتهم } تفسير : [البقرة: 142] أي وإذا فارقك سعى في الأرض ليفسد. ومتعلق {تولى} محذوف تقديره تولى عنك، والخطاب المقدر يجري على الوجهين المتقدمين وإما مشتق من الوَلاية: يقال وَلِيَ البلد وتولاه، أي وإذا صار والياً أي إذا تزعم ورأس الناس سعى في الأرض بالفساد، وقد كان الأخنس زعيم مواليه وهم بنو زهرة. وقوله: {سعى في الأرض ليفسد فيها} السعي حقيقته المشي الحثيث قال تعالى: { أية : وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى } تفسير : [القصص: 20] ويطلق السعي على العمل والكسب، قال تعالى: { أية : ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها } تفسير : [الإسراء: 19] وقال امرؤ القيس: شعر : فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة تفسير : البيتين ويطلق على التوسط بين الناس لإصلاح ذات البين أو لتخفيف الإضرار قال عمرو بن كلثوم: شعر : ومِنَّا قَبْلَه السَّاعِي كُلَيْبٌ فأيُّ الفضل إلاّ قَدْ ولِينَا تفسير : وقال لبيد: شعر : وهم السُّعاة إذا العشيرة أفظعت تفسير : البيت. ويطلق على الحرص وبذل العزم لتحصيل شيء كما قال تعالى في شأن فرعون { أية : ثم أدبر يسعى } تفسير : [النازعات: 22] فيجوز أن يكون هنا بالمعنيين الأول والرابع أي ذهب يسير في الأرض غازياً ومغيراً ليفسد فيها. فيكون إشارة إلى ما فعله الأخنس بزرع بعض المسلمين، لأن ذلك مؤذن بكفره وكذبه في مودة النبي صلى الله عليه وسلم إذ لو كان وده صادقاً لما آذى أتباعه. أو إلى ما صنعه بزرع ثقيف على قول من قال من المفسرين إن الأخنس بيت ثقيفا وكانت بينه وبينهم عداوة وهم قومه فأغار عليهم بمن معه من بني زهرة فأحرق زروعهم وقتل مواشيهم. لأنَّ صنيعه هذا بقوم وإن كانوا يومئذٍ كفاراً لا يهم المسلمين ضُرهم، ولأنه لم يفعله انتصاراً للإسلام ولم يكن في حالة حرب معهم فكان فعله ينم عن خبث طوية لا تتطابق مع ما يظهره من الخير ولين القول؛ إذ من شأن أخلاق المرء أن تتماثل وتتظاهر فالله لا يرضى بإضرار عبيده ولو كفاراً ضراً لا يجر إلى نفعهم؛ لأنهم لم يغزهم حملاً لهم على الإيمان بل إفساداً وإتلافاً ولذلك قال تعالى: {والله لا يحب الفساد}. وقوله: {في الأرض} تأكيد لمدلول {سعى} لرفع توهم المجاز من أن يراد بالسعي العمل والاكتساب فأريد التنصيص على أن هذا السعي هو السير في الأرض للفساد وهو الغارة والتلصص لغير إعلاء كلمة الله، ولذلك قال بعده {ليفسد فيها} فاللام للتعليل، لأن الإفساد مقصود لهذا الساعي. ويجوز أن يكون {سَعىٰ} مجازاً في الإرادة والتدبير أي دبر الكيد لأن ابتكار الفساد وإعمالَ الحيلة لتحصيله مع إظهار النصح بالقَول كَيْدٌ ويكون ليفسد مفعولاً به لفعل {سعى} والتقدير أراد الفساد في الأرض ودبَّره، وتكون اللام لام التبليغ كما تقدم في قوله تعالى: { أية : يريد الله بكم اليسر}تفسير : [البقرة: 185] إلى قوله {أية : ولتكملوا العدة } تفسير : [البقرة: 185] فاللام شبيه بالزائد وما بعد اللام من الفعل المقدَّرَةِ معه (أَنْ) مفعول به كما في قوله تعالى: { أية : يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم } تفسير : [التوبة: 32] وقول جَزْءِ بنِ كُلَيْبٍ الفَقْعسي: شعر : تبغَّى ابن كوز والسفاهة كاسمها ليستادَ منّا أَنْ شَتَوْنَا لَيَالِيَا تفسير : إذ التقدير تبغَّى الاستيادَ منا، قال المرزوقي: أتى بالفعل واللام لأنّ تبغى مثل أراد فكما قال الله عز وجل: { أية : يريدون أن يطفئوا نور الله بأفوههم } تفسير : [التوبة: 32] والمعنى يريدون إطفاء نور الله كذلك قال تبغى ليستاد أي تبغى الاستياد منا اهــــ. وأقول: إن هذا الاستعمال يتأتى في كل موضع يقع فيه مفعول الفعل علةً للفعل مع كونه مفعولاً به، فالبليغ يأتي به مقترناً بلام العلة اعتماداً على أن كونه مفعولاً به يعلم من تقدير (أَن) المصدرية. ويكون قوله: {في الأرض} متعلقاً بسعى لإفادة أن سعيه في أمر من أمور أهل أرضكم، وبذلك تكون إعادة {فيها} من قوله: {ليفسد فيها} بياناً لإجمال قوله: {في الأرض} مع إفادة التأكيد. وقوله: {ويهلك الحرث والنسل} بضم الياء أي يتلفه. والحرث هنا مراد منه الزرع، والنسل أطفال الحيوان مشتق من نسل الصوف نسولاً إذا سقط وانفصل، وعندي أن إهلاك الحرث والنسل كناية عن اختلال ما به قوام أحوال الناس، وكانوا أهل حرث وماشية فليس المراد خصوص هذين بل المراد ضياع ما به قوام الناس، وهذا جار مجرى المثل، وقيل الحرث والنسل هنا إشارة إلى ما صنع الأخنس بن شريق، وأياً ما كان فالآية دالة على أن من ينتسب في مثل ذلك صريحاً أو كناية مستحق للعقاب في الآخرة ولذلك عقب بجملة التذييل وهي {والله لا يحب الفساد} تحذيراً وتوبيخاً. ومعنى نفي المحبة نفي الرضا بالفساد، وإلاّ فالمحبة ــــ وهي انفعال النفس وتوجه طبيعي يحصل نحو استحسان ناشىء ــــ مستحيلة على الله تعالى فلا يصح نفيها فالمراد لازمها وهو الرضا عندنا وعند المعتزلة: الإرادة والمسألة مبنية على مسألة خلق الأفعال. ولا شك أن القدير إذا لم يرض بشيء يعاقب فاعله، إذ لا يعوقه عن ذلك عائق وقد سمى الله ذلك فساداً وإن كان الزرع والحرث للمشركين: لأن إتلاف خيرات الأرض رزء على الناس كلهم وإنما يكون القتال بإتلاف الأشياء التي هي آلات الإتلاف وأسباب الاعتداء. والفساد ضد الصلاح، ومعنى الفساد: إتلاف ما هو نافع للناس نفعاً محضاً أو راجحاً، فإتلاف الألبان مثلاً إتلاف نفع محض، وإتلاف الحطب بعلة الخوف من الاحتراق إتلاف نفع راجح والمراد بالرجحان رجحان استعماله عند الناسي لا رجحان كمية النفع على كمية الضر، فإتلاف الأدوية السامة فساد، وإن كان التداوي بها نادراً لكن الإهلاك بها كالمعدوم لما في عقول الناس من الوازع عن الإهلاك بها فيتفادى عن ضرها بالاحتياط رواجها وبأمانة من تسلم إليه، وأما إتلاف المنافع المرجوحة فليس من الفساد كإتلاف الخمور بَلْه إتلاف ما لا نفع فيه بالمرة كإتلاف الحيَّات والعقارب والفيران والكِلاب الكَلِبَةِ، وإنما كان الفساد غير محبوب عند الله لأن في الفساد بالتفسير الذي ذكرناه تعطيلاً لما خلقه الله في هذا العالم لحكمة صلاح الناس فإن الحكيم لا يحب تعطيل ما تقتضيه الحكمة، فقتال العدوِّ إتلاف للضر الراجح ولذلك يقتصر في القتال على ما يحصل به إتلاف الضر بدون زيادة، ومن أجل ذلك نهي عن إحراق الديار في الحرب وعن قطع الأشجار إلاّ إذا رجح في نظر أمير الجيش أن بقاء شيء من ذلك يزيد قوة العدو ويطيل مدة القتال ويخاف منه على جيش المسلمين أن ينقلب إلى هزيمة وذلك يرجع إلى قاعدة: الضرورةُ تقدر بقدرها. وقوله: {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم} أي وإذا وعظه واعظ بما يقتضي تذكيره بتقوى الله تعالى غضب لذلك، والأخذ أصله تناول الشيء باليد، واستُعمل مجازاً مشهوراً في الاستيلاء قال تعالى: { أية : وخذوهم واحصروهم } تفسير : [التوبة: 5] وفي القهر نحو { أية : فأخذناهم بالباساء } تفسير : [الأنعام: 42]. وفي التلقي مثل { أية : أخذ الله ميثاق النبيين } تفسير : [آل عمران: 81] ومنه أخذ فلان بكلام فلان، وفي الاحتواء والإحاطة يقال أخذته الحمى وأخذتهم الصيحة، ومنه قوله هنا {أخذته العزة} أي احتوت عليه عزة الجاهلية. والعزة صفة يرى صاحبها أنه لا يقدر عليه غيره ولا يُعارض في كلامه لأجل مكانته في قومه واعتزازه بقوتهم قال السموأل: شعر : وننكر إن شئنا على الناس قولهم ولا ينكرون القول حين نقول تفسير : ومنه العزة بمعنى القوة والغلبة وإنما تكون غالباً في العرب بسبب كثرة القبيلة، وقد تغني الشجاعة عن الكثرة ومن أمثالهم: وإنما العزة للكاثر، وقالوا: لن نغلب من قلة وقال السموأل شعر : وما ضَرَّنَا أَنا قليل وجَارُنا عَزِيز وجَارُ الأَكْثَرِينَ ذَليل تفسير : ومنها جاء الوصف بالعزيز كما سيأتي في قوله: { أية : فاعلموا أن الله عزيز حكيم } تفسير : [البقرة: 209]. فــــ (أَل) في (العزة) للعهد أي العزة المعروفة لأهل الجاهلية التي تمنع صاحبها من قبول اللوم أو التغيير عليه، لأن العزة تقتضي معنى المنعة فأخذ العزة له كناية عن عدم إصغائه لنصح الناصحين. وقوله: {بالإثم} الباء فيه للمصاحبة أي أخذته العزة الملابسة للإثم والظلم وهو احتراس لأن من العزة ما هو محمود قال تعالى: { أية : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } تفسير : [المنافقين: 8] أي فمنعته من قبول الموعظة وأبقته حليف الإثم الذي اعتاده لا يرعوي عنه وهما قرينان. وقوله {فحسبه جهنم} تفريع على هاته الحالة، وأصل الحسب هو الكافي كما سيجيء عند قوله تعالى { أية : وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } تفسير : في آل عمران (173). ولما كان كافي الشيء من شأنه أن يكون على قدره ومما يرضيه كما قال أبو الطيب: شعر : على قدر أهل العزم تأتي العزائم تفسير : أطلق الحسب على الجزاء كما هنا. وجهنم علم على دار العقاب الموقدة ناراً، وهو اسم ممنوع من الصرف قال بعض النحاة للعلمية والتأنيث، لأن العرب اعتبرته كأسماء الأماكن وقال بعضهم للعلمية والعُجمة وهو قول الأكثر: جاء من لغة غير عربية، ولذلك لا حاجة إلى البحث عن اشتقاقه، ومن جعله عربياً زعم أنه مشتق من الجَهْم وهو الكراهية فزعم بعضهم أن وزنه فُعَنَّل بزيادة نونين أصله فعنل بنون واحدة ضعفت وقيل وزنه فعلل بتكرير لامه الأولى وهي النون إلحاقاً له بالخُماسي ومن قال: أصلها بالفارسية كَهَنَّام فعربت جهنم. وقيل أصلها عبرانية كِهِنَّام بكسر الكاف وكسر الهاء فعربت وأن من قال إن وزن فعنل لا وجود له لا يلتفت لقوله لوجود دَوْنَك اسم واد بالعالية وحَفَنْكَى اسم للضعيف وهو بحاء مهملة وفاء مفتوحتين ونون ساكنة وكاف وألف وهما نادران، فيكون جهنم نادراً، وأما قول العرب رَكِيَّةٌ جهنم أي بعيدة القَعر فلا حجة فيه، لأنه ناشىء عن تشبيه الركية بجهنم، لأنهم يصفون جهنم أنها كالبئر العميقة الممتلئة ناراً قال ورقة بن نوفل أو أميَّة بن أبي الصَّلْت يرثي زيداً بن عمرو بن نُفَيْل وكانا معاً ممن ترك عبادة الأوثان في الجاهلية: شعر : رَشَدْتَ وأنعمت ابنَ عمرو وإنَّما تَجَنَّبْتَ تَنُّوراً من النَّار مُظْلِما تفسير : وقد جاء وصف جهنم في الحديث بمثل ذلك وسماها الله في كتابه في مواضع كثيرة ناراً وجعل وقودها الناس والحجارة وقد تقدم القول في ذلك عند قوله تعالى: { أية : فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة } تفسير : [البقرة: 24]. وقوله: {ولبئس المهاد} أي جهنم، والمهاد ما يُمْهد أي يُهَيَّأ لمن ينام، وإنما سمى جهنَم مهاداً تهكماً، لأن العُصاة يُلْقَون فيها فتصادف جنوبهم وظهورهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يعجبك: يروق لك وتستحسنه. في الدنيا: إذا تحدث في أمور الدنيا. ألد الخصام: قوي الخصومة شديدها لذلاقة لسانه. تولى: رجع وانصرف، أو كانت له ولاية. الحرث والنسل: الحرث: الزرع، والنسل: الحيوان. أخذته العزة بالإثم: أخذته الحميّة والأنف بذنوبه فهو لا يتقي الله. يشري نفسه: يبيع نفسه لله تعالى بالجهاد في سبيله بنفسه وماله. معنى الآيات: يخبر تعالى رسوله والمؤمنين عن حال المنافقين، والمؤمنين الصادقين فقال تعالى مخاطبا الرسول صلى الله عليه وسلم: ومن الناس رجل منافق يحسن القول وإذا قال يعجبك قوله لما عليه من طلاء ورونق وذلك إذا تكلم في أمور الحياة الدنيا بخلاف أمور الآخرة فإنه يجهلها وليس له دافع ليقول فيها لأنه كافر، وعندما يحدث يشهد الله أنه يعتقد ما يقول فيقول للرسول صلى الله عليه وسلم يعلم الله أني مؤمن وأني أحبك، ويشهد الله أني كذا... وإذا قام من مجلسك وانصرف عنك {سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ} أي مشى فيها بالفساد ليهلك الحرث والنسل بارتكاب عظائم الجرائم فيمنع المطر وَتيبس المحاصيل الزراعية وتمحل الأرض وتموت البهائم وينقطع النسل وعمله هذا مبغوض لله تعالى فلا يحبه ولا يحب فاعله. كما أخبر تعالى أن هذا المنافق إذا أمر بمعروف أو نهي عن منكر فقيل له اتق الله لا تفعل كذا او اترك كذا تأخذه الأنفة والحمية بسبب ذنوبه التي هو متلبس بها فلا يتقي الله ولا يتوب إليه فيكفيه جزاء على نفاقه وشره وفساده جهنم يمتهدها فراشا لا يبرح منها أبداً ولبئس المهاد جهنم. كما يخبر تعالى عن المؤمن الصادق فيقول من الناس رجل مؤمن صادق الإِيمان باع نفسه وماله لله تعالى طلبا لمرضاته والحياة في جواره في الجنة دار السلام فقال تعالى {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} رحيم بهم. قيل أن الرجل المنافق الذي تضمنت الحديث عنه الآيات الثلاثة الأولى هو الأخنس بن شريق، وأن الرجل المؤمن الذي تضمنت الحديث عنه الآية الرابعة [207] هو صهيب بن سنان الرومي أبو يحيى إذ المشركون لما علموا به أنه سيهاجر إلى المدينة ليلحق بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه قالوا لن تذهب بنفسك ومالك لمحمد فلن نسمح لك بالهجرة إلا إذا أعطيتنا مالك كله فاعطاهم كل ما يملك وهاجر فلما وصل المدينة ورآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: حديث : ربح البيع أبا يحيى ربح البيعتفسير : . والآيات وإن نزلت في شأن الأخنس وصهيب فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالأخنس مثل سوء لكل من يتصف بصفاته، وصهيب مثل الخير والكمال لكل من يتصف بصفاته. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- التحذير من الاغترار بفصاحة وبيان الرجل إذا لم يكن من أهل الإِيمان والإخلاص. 2- شر الناس من يفسد في الأرض بارتكاب الجرائم مما يسبب فساداً وهلاكا للناس والمواشي. 3- قول الرجل يعلم الله، ويشهد الله يعتبر يميناً فليحذر المؤمن أن يقول ذلك وهو يعلم من نفسه أنه كاذب. 4- إذا قيل للمؤمن اتق الله يجب عليه أن لا يغضب أو يكره من أمره بالتقوى بل عليه أن يعترف بذنبه ويستغفر الله تعالى ويقلع عن المعصية فورا. 5- الترغيب في الجهاد بالنفس والمال وجواز أن يخرج المسلم من كل ماله في سبيل الله تعالى ولا يعد ذلك إسرافاً ولا تبذيراً إذ الإِسراف والتبذير في الإِنفاق في المعاصي والذنوب.
القطان
تفسير : يشهد الله: يحلف بالله. ألد الخصام: أشد الخصام. تولى: انصرف وأدبر، وبعضهم فسرها بانه تولى الحكم والسلطان فكان فساده أعظم. الحرث والنسل: الزرع والولد. أخذته العزة بالاثم: حملته الانفة والحمية. المهاد: الفراش. يشري نفسه: يبيعها. ابتغاء مرضاة الله: من اجل رضاء الله. في هذه الآيات الكريمة يعرض علينا تعالى نموذجين من صور البشر، الاول: ذلك المنافق الشرير صاحب المظهر الحسن واللسان الذلق اللطيف، الذي يعجب به الناس. اما فعلُه فهو سيء قبيح. انه يُشهد الله على أنه مؤمن صادق، لكنه كذاب آثم خدّاع، شديد الخصومة. فاذا انصرف من المجلس سعى في الفساد فاحرق الزرع وأهلك النسل والحيوانات. ان الله تعالى لا يحب المفسدين، بل يمد لهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. واذا دُعي ذاك الرجل الى الصلاح والتقوى لم يرجع الى الحق، بل تكبّر وشمخ بأنفه وأخذته حمية الجاهلية. ان هذا الصنف من الناس مصيره الى جهنم وبئس القرار. قال الطبري: نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق، فقد جاء الى النبي بالمسجد وأظهر الاسلام، وكان حسن المنظر فصيحا. ولما خرج وتولى صادف في طريقه زرعاً للمسليمن فأحرقه، وبعضَ الحيوانات فقتلها. وعلى اي حال فإن العبرة بعموم اللفظ، والآية تنطبق على كل خداع منافق غشاش. والثاني: ذلك الذي يؤمن بالله إيماناً حقيقيا، ويبذل نفسه في سبيل إعلاء دينه، فلا يطلب عرض الدنيا وزخرفها. وأمثال هذا رضي الله عنهم، وأعد لهم يوم القيامة جنات عدن يدخلونها، ورحمة من الله واسعة. ويقال إنها نزلت في صهيب الرومي، وقيل فيه وفي غيره. والعبرة كما قدمنا بعموم اللفظ، فهي عامة في كل من يبذل نفسه وماله في سبيل الله.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْحَيَاةِ} (204) - وَهُنَاكَ أُنَاسٌ مُنَافِقُونَ تُعْجِبُ المَرْءَ حَلاَوةُ أَلْسِنَتِهِمْ، وَيَتَظَاهَرُونَ بِالوَرَعِ وَطِيبِ السَّرِيرَةِ، وَيُشْهِدُونَ اللهَ عَلَى صِدْقِ طَوِيَّتِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ، وَقُلُوبُهُمْ فِي الحَقِيقَةِ هِيَ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، فَهُمْ يَقُولُونَ حَسَناً، وَيَفْعَلُونَ سَيِّئاً، وَهُمْ شَدِيدُو الجَدَلِ، لا يُعْجِزُهُمْ أَنْ يَغُشُّوا النَّاسَ بِمَا يَظْهَرُ عَلَيهِمْ مِنَ المَيْلِ إِلى الإِصْلاَحِ. أَلَدُّ الخِصَامِ - شَدِيدُ الخُصُومَةِ فِي البَاطِلِ.
الثعلبي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} الآية. الكلبي والسّدي ومقاتل وعطاء: قالوا نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني أبي زهرة وإسمه أبي، وسمي بالأخنس لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بني زهرة عن قتال النبيّ صلى الله عليه وسلم وقد تولوا [الجحفة] وقال لهم: يا بني زهرة إن محمّداً ابن أخيكم، فإن يكن صادقاً فلن تغلبوه وكنتم أسعد الناس بصدقه، وإن يك كاذباً فإنكم أحق من كف عنه لقرابتكم وكفتكم إياه أوباش العرب. قالوا: نِعْمَ الرأي رأيت فَسِر لما شئت فنتبعك. فقال: إذا نودي الناس [في الرحيل فإني] أخنس بكم فاتبعوني، ففعل وفعلوا وسمي لذلك الأخنس، وكان رجلاً حلو الكلام حلو المنظر وكان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم [يواله ويظهر] الإسلام ويخبره بإنه يحّبه ويحلف بالله عزّ وجلّ على ذلك، وكان منافقاً فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني مجلسه وَيُقبِل عليه ولا يعلم إنه يضمر خلاف ما يظهر ثمّ إنه كان بينه وبين ثقيف خصومة فبيّتهم ليلاً وأهلك مواشيهم واحرق زرعهم وكان حسن العلانية سيء السريرة. قال السّدي: مرَّ بزرع للمسلمين وحمر فأحرق الزرع وعقر الحمر. مقاتل: خرج إلى [الطائف] مقتضياً حلاله على غريم فأحرق له... أرضاً وعقر له... أتاناً فأنزل الله فيه هذه الآيات. ابن عبّاس والضحاك: نزلت هذه الآيات إلى قوله والله رؤوف بالعباد في سرية [الرجيع] وذلك أن كفّار قريش بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة، إنّا أسلمنا فابعث إلينا نفراً من علماء أصحابك يعلموننا دينك، وكان ذلك مكراً منهم فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حبيب بن عدي الأنصاري ومرثد بن أبي مرثد الغنوي وخالد بن بكير وعبدالله بن طارق ابن شهاب البادي وزيد ابن الدثنة وأمّر عليهم عاصم بن ثابت بن الاقلح الأنصاري فساروا يريدون مكّة فنزلوا [بطن الرجيع] بين مكّة والمدينة ومعهم تمر عجرة فأكلوا فمرت عجوزة وأبصرت النوى فرجعت إلى قومها بمكّة وقالت: قد سلك الطريق أهل يثرب من أصحاب محمّد، فركب سبعون رجلاً ومعهم الرماح حتّى أحاطوا بهم فحاربوهم فقتلوا مرثداً وخالداً وعبدالله بن طارق ونثر عاصم بن ثابت كنانته وفيها سبعة أسهم فقتل منهم رجلاً من عظماء المشركين ثمّ قال اللّهمّ إني حميت دينك صدر النهار فاحم لحمي آخر اللّيل، ثمّ أحاط به المشركون فقتلوه، فلّما قتلوه أرادوا جزّ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن عهيد وكانت قد نذرت حين أصاب إبنها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن فيه قحفه الخمر، فأرسل الله رجلاً من الدّبر وهي الزنابير فحمت عاصماً ولم يقدروا عليه فسمي حمي الدبر فلما حالت بينهم وبينه قال: دعوه حتّى يمسي تذهب عنه فنأخذه فجاءت سحابة سوداء ومطرت مطراً (كالعزالي) فبعث الله الوادي فاحتمل عاصماً فذهب به (......) وحملته... خمسين من المشركين إلى النّار قال: وكان عاصم قد أعطى لله عهداً أن لا يمس مشركاً ولا يمسه مشرك أبداً (تنجساً) منه وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول حين بلغه الخبر إن الدَّبر منعته، عجباً لحفظ الله العبد المؤمن كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركاً أبداً فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع من حياته، فأسر المشركون خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فذهبوا بهما إلى مكّة فأما حبيب فابتاعه بنو الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناه ليقتلوه (بأيديهم) وكان حبيب هو الذي قتل الحرث بن عامر بأحد فبينما خبيب عند بنات الحرث إذا استعار من إحداهن موسى يستحل بها للقتل فما راع المرأة ولها صبي يدرج الاباء بحبيب قد أجلس الصبي على فخذه والموسى في يده فصاحت المرأة فقال حبيب: أتحنثين أن أقتله، إن الغدر ليس من شأننا، فقالت المرأة: ما رأيت أسيراً قط خيراً من حبيب لقد رأيته وما بمكّة من تمرة وإن في يده لقطفاً من عنب يأكله إن كان إلاّ رزقاً رزقه الله حبيباً، ثمّ إنّهم خرجوا به من الحرم ليقتلوه وأرادوا أن يصلبوه فقال: ذروني أصلي ركعتين فتركوه فصلى ركعتين فجرت (سنة لمن) قتل صبراً أن يُصلّي ركعتين، ثمّ قال: لولا أن يقولوا جزع حبيب لزدت وأنشأ يقول: شعر : ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي شق كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك في أوصال شلو ممزع تفسير : أي مقطع. ثمّ قال: اللهم أحصهم عدداً [وخذهم] بدداً فصلبوه حياً، فقال: اللهم إنك تعلم إنه ليس أحد حولي يبلغ رسولك سلامي فأبلغه لأُمي، قال: ثمّ جاء به رجل من المشركين يقال له أبو سروعة ومعه رمح فوضعه بين ثديي حبيب فقال له حبيب: إتق الله فما زاده إلاّ عتواً فطعنه فأنفذه. فذلك قوله {وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} الآية. يعني سلامان وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله (بأبيه) أمية بن خلف الجحمي ثمّ بعثه مع مولى له يسمى قسطاس إلى التنعيم ليقتله فإجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال أبو سفيان لزيد حين قدم ليُقتَل أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمّداً عندنا الآن بمكانك نضرب عنقه وإنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمّداً الآن بمكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي. فقال: أبو سفيان:" حديث : ما رأيت من النّاس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمّد محمّداً، ثمّ قتله قسطاس، فلما بلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا الخبر قال لأصحابه: أيكم يحتمل خبيباً عن خشبته فله الجنة؟ قال الزبير بن العوام: أنا يا رسول الله وصاحبي المقداد بن الأسود فخرجا يمشيان بالليل ويكتمان بالنهار حتّى أتيا التنعيم ليلاً فإذا حول الخشبة أربعون من المشركين نيام [نشاوى] فأنزلاه فإذا هو رطب ينثني لم يتغير منه شيء بعد أربعين يوماً ويده على جراحته تخضب دماً، اللون لون الدم والريح ريح المسك فحمله الزبير على فرسه وسارَ فانتبه الكفار وقد فقدوا حبيباً فأخبر بذلك قريشاً فركب منهم سبعون فلما لحقوهما قذف الزبير حبيباً فابتلعته الأرض فسمي بليع الأرض. فقال الزبير: ما جرّأكم علينا يا معشر قريش ثمّ رفع العمامة عن رأسه فقال: أنا الزبير بن العوام وأُمي صفية بنت عبد المطلب وصاحبي المقداد بن الأسود أسدان رابضان يدفعان عن شبلهما فإن شئتم ناضلتكم وإن شئتم نازلتكم وإن شئتم إنصرفتم، فإنصرفوا إلى مكّة، وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبرئيل عنده فقال: يا محمّد إن الملائكة لتباهي بهذين من أصحابك فقال رجال من المنافقين في أصحاب حيبب ياويَح لهؤلاء لمقتولين الذين هلكوا لأنهم قعدوا في بيوتهم ولاهم أدوّا رسالة صاحبهم، فأنزل الله في الزبير والمقداد بن الأسود وحبيب وأصحابه المؤمنين وفيمن طعن عليهم من المنافقين {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ} يامحمّد {قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}" تفسير : أي تستحسنه ويعظم في قلبك ومنه العجب لإنه تعظم في النفس. فقال في الخبر الإستحسان والمحبة: أعجبني كذا، وفي الإنكار والكراهية: عجبت من كذا، وأصل العجب مالم يكن مثله قاله المفضل. {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ} يعني قول المنافق والله إني بك لمؤمن ولك محب. وقرأ ابن محيصن: ويشهد الله بفتح الياء والهاء ورفع الهاء من قوله أي يظهر أمراً ويقول قولاً ويعلم الله خلاف ذلك منه وفي مصحف أُبي ويستشهد الله وهي حجة لقراءة العامة. {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ} أي شديد الخصومة. يقال منه لددت يا هذا وأنت تلد لدّاً ولداد، وإذا أردت إنه غلب خصمه قلت لِدّه يلدة لداً. ويقال: رجل الدّ وإمرأة لدّاء ورجال ونساء لدّ. قال الله تعالى {أية : وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} تفسير : [مريم: 97]. وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ". تفسير : قال الشاعر: شعر : إن تحت الأحجار حزماً وجوداً وخصيماً ألدّ ذا مغلاق تفسير : وقال الراجز: شعر : تلدّ أقران الرجال اللدّ تفسير : وقال الزجاج: إشتقاقه من لديدي العنق وهما صفحتاه وتأويله إنه في أي وجه أخذ من يمين أو شمال في أبواب الخصومة غلب في ذلك. والخصام: مصدر خاصمته خصاماً ومخاصمة قاله أبو عبيدة وقال الزجاج: هو جمع خصم يقال: خصم وخصام وخصوم مثل بحر وبحار وبحور، وحقيقة الخصومة التعمق في البحث عن الشيء والمضايقه فيه ولذلك قيل لزوايا الأوعية خصوم. قال السدي: ألدّ الخصام أعوج الخصام. مجاهد: الأخير المستقيم على خصومة. الحسن: هو كاذب القول. قتادة: هو شديد القسوة في معصية الله جدل بالباطل عالم باللسان جاهل بالعمل متكلم بالحكمة ويعمل بالخطيئة. {وَإِذَا تَوَلَّىٰ} أدبر وأعرض عنك. الحسن: تولى عن قوله الذي أعطاه. ابن جريح: غضب. الضحاك: ملك الأمر وصار والياً {سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ} أي عمل فيها يقال: فلان يسعى لعياله أي يعمل فيما يعود عليهم نفقه. ومنه قول الأعشى: شعر : وسعى لكندة سعي غير مواكل قيس، فضر عدوها وبنى لها تفسير : وقيل سار ومشى. {لِيُفْسِدَ فِيِهَا}. قال ابن جريح: قطع الرحم وسفك دماء المسلمين، والنساء إسم لجميع المعاصي. {وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ}. قرأ الحسن وابن أبي إسحاق: ويهلك برفع الكاف على الابتداء. وقرأت العامّة: بالنصب، ويصدّقها قراءة أُبي: وليهلك. قال المفسّرون: الحرث ما تحرثون من النبات، والنسل نسل كل دابة والنّاس منهم. النضر بن عدي عن مجاهد في قوله{وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ} الآية قال: إذا ولى خاف فعمل بالعدوان والعالم فأمسك الله المطر وأهلك الحرث والنسل. {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ}. عن سعيد بن المسيب قال: قطع الدرهم من الفساد في الأرض. قتادة عن عطاء:" حديث : إن رجلاً يقال له العلاء بن منبه أحرم في جبّة فأمره النبيّ صلى الله عليه وسلم أن ينزعها ". تفسير : قال قتادة: فقلت لعطاء: إنّا كنا نسمع أن شقّها فقال عطاء: إن الله لا يحب الفساد. {وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} خف الله، تكبّر {أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ} أي حملته العزّة وحمية الجاهليّة على الفعل بالإثمّ والعزة والقوّة والمنعة، ويقال: معناه أخذته العزة بالإثمّ الذي في قلبه كما قام الهاء مقام اللام كقول عنترة يشبهّه بالرب: شعر : وكأن رباً أو كحيلاً معقداً حش الوقود به جوانب قمقم تفسير : أي خلق الأمالة خشية جهنم أي كفاه عذاب جهنم. {وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} الفراش. قال عبد الله بن مسعود: إن من أكبر الذنب عند الله أن يقال للعبد: اتق الله فيقول: عليك بنفسك. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي} يبيع {نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} أي يطلب رضا الله. والكسائي: يميل مرضاة الله كل القرآن. {وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ}. قال ابن عبّاس والضحاك: نزلت هذه الآية في الزبير والمقداد بن الأسود حين شريا أنفسهما لإنزال حبيب من خشبته التي صُلب عليها، وقد مضت القصّة. وقال أكثر المفسرين: نزلت في صهيب بن سنان المخزومي مولى عبد الله (بن جدعان) التيمي أخذه المشركون في رهط من المؤمنين فضربوهم فقال لهم صهيب: إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت، أم من غيركم فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني، ففعلوا ذلك، وكان قد شرط عليهم راحلة ونفقة فأقام بمكة ما شاء الله ثمّ خرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في رجال. قال له ابو بكر: ربح بيعك أبا يحيى فقال صهيب: وبيعك فلا تخسر بأذاك. فقال: أنزل الله تعالى فيك كذا، وقرأ عليه هذه الآية. قال سعيد بن المسيب وعطاء: أقبل صهيب مهاجراً نحو النبيّ صلى الله عليه وسلم فأتبعه نفر من مشركي قريش فنزل عن راحلته وهو ما في كنانته ثمّ قال: يا معاشر قريش لقد علمتم إني من أرماكم رجلاً، والله لا أصنع سهماً مما في كنانتي إلاّ في قلب رجل، وأيم الله لا يصلون إليّ حتّى أرمي كل سهم في كنانتي، ثمّ اضرب بسيفي ما بقي في يدي، ثمّ إفعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي [وضيعتي] بمكة وخليتم سبيلي. قالوا: نعم. ففعل ذلك، فأنزل الله هذه الآية. وقال قتادة: ما هم بأهل الحرور المراق من دين الله تعالى، ولكن هم المهاجرون والأنصار. وقال الحسن: أتدرون فيمن نزلت هذه الآية، في أن مسلماً لقى كافراً فقال له: قل لا إله إلاّ الله وإذا قلتها عصمت مالك ودمك إلا (بحقها) فأبى أن يقولها، قال المسلم: والله لأشرين نفسي لله فتقدم فقاتل حتّى قُتل. وقال المغيرة: بعث عمر جيشاً فحاصروا حصناً فتقدم رجل من بجيلة فقاتل وحده حتّى قتل، فقال النّاس ألقى بيده إلى التهلكة فبلغ ذلك عمر فقال: كذبوا اليس الله يقول {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ} الآية. وقال بعضهم: نزلت هذه الآية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقال ابن عبّاس: أرى هاهنا من إذا أمر بتقوى الله أخذته العزة بالإثمّ. قال: (هذا) وأنا أشري نفسي وأرى من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل أخذته العزّة بالإثمّ ثمّ قال: هذا وأنا أشري نفسي لمقاتلته فأقتتل الرجلان لذلك، وكان علي (رضي الله عنه) إذا قرأ هذه الآية يقول: اقتتلا ورب الكعبة. وقال الخليل: سمع عمر بن الخطاب إنسأناً يقرأ هذه الآية {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ} الآية. فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل. حماد بن سلمة عن أبي غالب عن أبي إمامة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر ". تفسير : عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : سيد الشهداء يوم القيامة حمزة بن عبد االمطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله ". تفسير : وقال الثعلبي: ورأيت في الكتب" حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد الهجرة خَلف علي بن أبي طالب بمكة لقضاء ديونه ورد الودايع التي كانت عنده فأمره ليلة خرج إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار أن ينام على فراشه صلى الله عليه وسلم وقال له: إتشح ببردي الحضرمي الأخضر، ونم على فراشي، فإنّه لا يخلص إليك منهم مكروه إنشاء الله، ففعل ذلك عليٌ، فأوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل إني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالبقاء والحياة؟ فإختار كلاهما الحياة فأوحى الله تعالى إليهما: أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب عليه السلام آخيت بينه وبين محمّد صلى الله عليه وسلم فبات على فراشه [يفديه] نفسه ويؤثره بالحياة، إهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه، فنزلا فكان جبرئيل عند رأس علي وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل ينادي: بخ بخ من مثلك يا بن أبي طالب، فنادى الله عزّ وجلّ الملائكة وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وهو متوجه إلى المدينة في شأن علي عليه السلام {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} ". تفسير : قال ابن عبّاس: نزلت في علي بن أبي طالب حين هرب النبيّ صلى الله عليه وسلم من المشركين إلى الغار مع أبي بكرالصديق ونام عليَّ على فراش النبيّ صلى الله عليه وسلم. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً} نزلت في مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام النضري وأصحابه وذلك إنهم عظموا السبت وكرهوا لحم الابل وألبانها بعدما أسلموا وقالوا: يا رسول الله إن التوراة كتاب الله فدعنا فلنقم بها في صلاتنا بالليل فأنزل الله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً} أي في الإسلام قاله قتادة والضحاك والسدي وابن زيد، يدلّ عليه قول الكندي: شعر : دعوت عشيرتي للسلم لما رأيتهم تولوا مدبرينا تفسير : أي دعوتهم إلى الإسلام لما إرتدوا، قال ذلك حين إرتدة كندة مع الأشعت بن قيس بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال طاووس: في الدين. مجاهد: في أحكام أهل الإسلام وأعمالهم كافة أي جميعها. ربيع: في الطاعة. سفيان الثوري: في أنواع البر كلها، وكلها متقاربة في المعنى وأصله من الاستسلام والانقياد ولذلك قيل للصلح سلم وقال زهير: شعر : وقد ملتما إن ندرك السلم واسعاً بمال ومعروف من الأمر نسلم تفسير : قال حذيفة بن اليمان: في هذه الآية الإسلام ثمانية أسهم: الصلاة سهم، والزكاة سهم، والصوم سهم، والحج سهم، والعمرة سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له. واختلف القراء في السلم. فقرأ الأعمش وابن عبّاس: بكسر السين هاهنا وفي الأنفال وسورة محمّد صلى الله عليه وسلم. وقرأها أهل الحجاز والكسائي: كلها بالفتح وهو اختيار أبي عبيد. لما روى عبد الرحمن ابن [ابزي] أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقرأها كلها بالفتح. وقرأ حمزة وخلف في الانفال بالفتح وسائرها بالكسر. وقرأ الباقون: هاهنا بالكسر والباقي بالفتح وهو اختيار أبي حاتم، وهما لغتان. عاصم الأحول عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مثل الإسلام كمثل الشجرة الثابتة الإيمان بالله، أصلها الصلوات الخمس جذوعها، وصيام شهر رمضان لحاءها، والحج والعمرة جناها، والوضوء وغسل الجنابة شربها، وبر الوالدين وصلة الرحم غصونها، والكف عمّا حرم الله ورقها، والأعمال الصالحة ثمرها، وذكر الله تعالى عروقها ". تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كما لا تحسن الشجرة ولا تصلح إلاّ بالورق الأخضر، كذلك الإسلام لا يصلح إلاّ بالكف عن محارم الله تعالى والأعمال الصالحة ". تفسير : {كَآفَّةً} جميعاً وهي مأخوذة من كففت الشيء إذا منعته وضممت بعضه إلى بعض، ومنه قيل لحاشية القميص كفة، لأنها تمنعه من أن ينتشر وكل مستطيل فحرفه كفة بالضم وكل مستدير فحرفه كفة بالكسر، نحو كفة الميزان، ومنه قيل للراحة مع الأصابع كفة لأنه يكفّ بها عن سائر البدن، ورجل مكفوف أي كفَّ بصره من النظر فمعنى الكافة هو ان ينتهي إليه ويكفه من أن يجاوزه. {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} أي أثاره ونزعاته فيما بيّن لكم من تحريم السبت ولحم الجمل وغيره {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}. الشعبي عن جابر بن عبد الله: إن عمر أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:" حديث : إنّا نسمع أحاديث من يهود [قد أخذت بقلوبنا] أن نكتب بعضها؟ فقال: أمتهوكون أنتم كما تهوّكت اليهود والنصارى لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حياً ما وسعه إلاّ اتباعي ". تفسير : {فَإِن زَلَلْتُمْ}. قال ابن حيان: أخطأتم. السدي: ضللتم. يمان: ملتم. قال ابن عبّاس: يعني الشرك. قتادة: أنزل الله هذه الآية وقد علم إنه سيزل زالون عن النّاس، فتقدّم في ذلك وأوعد فيه فيكون لله حجة على خلقه. وقرأ أبو السماك [العذري]: زللتم بكسر اللام وهما لغتان وأصل الحرف من الزلق. {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} يعني الإيمان والقرآن والأمر والنهي {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} في نعمته {حَكِيمٌ} في أمره {هَلْ يَنظُرُونَ} أي هل ينظر التاركون الدخول في السلم كافة والمتبعون خطوات الشيطان؟ يقال نظرته وإنتظرته بمعنى واحد. قال الشاعر: شعر : فبينا نحن ننظره أتانا معلّق شكوة وزناد راع تفسير : أي ننتظره ونتوقعه فإذا كان النظر مقروناً بذكر الوجه فلا يكون إلاّ بمعنى الرؤية. {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ} جمع ظلة وقرأ قتادة: في ظلال ولها وجهان أحدهما: جمع ظلة فقال: ظلة وظلال مثل جلة وجلال، وظل ظلال كثر حلة وحلل، والثاني: جمع ظل من الغمام وهو السحاب الأبيض الرقيق سمي بذلك لأنه نعم أي يستتر. عكرمة عن إبن عبّاس في قوله {يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ} قال: يأتي الله في ظلله من الغمام قد قطعت طاقات، ورفعه بعضهم سلمة بن وهرام أن عكرمة أخبره أن ابن عبّاس أخبره عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن من الغمام طاقات يأتي الله عزّ وجلّ فيها محفوفة بالملائكة" تفسير : وذلك قوله {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ}. قال الحسن: في سترة من الغمام، فلا ينظر اليهم أهل الأرض، الضحاك: في (ضلع) من السحاب. مجاهد: هو غير من السحاب ولم يكن إلاّ لبني اسرائيل في تيههم. مقاتل: كهيئة الظبابة أبيض، وذلك قوله {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ} تفسير : [الفرقان: 25]. {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ}. قرأ ابن جعفر بالخفض: عطفاً على الغمام وتقديره مع الملائكة، تقول العرب: أقبل الأمير في العسكر أي مع العسكر. وقرأها الباقون: بالرفع على معنى إلاّ أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام، يدلّ عليه قراءة أبي حاتم وعبد الله {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ}. {فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ}. أبو العالية والربيع: تأتيهم الملائكة في ظلل من الغمام ويأتي الله تعالى فيما يشاء. قرأ معاذ: في ظلل مع الغمام وقضاء الأمر (بالمد) أراد المصدر ذكر البيان عن مغني الإتيان. واختلف الناس في ذلك، فقال بعضهم: (في) بمعنى الباء، وتعاقب حروف الصفات شائع مشهور في كلام العرب، تقدير الآية: إلاّ أن يأتيهم الله بظلل من الغمام وبالملائكة أو مع الملائكة،وبهذا التأويل زال الإشكال وسهل الأمر (وأجرى) الباقون للآية فهي ظاهرة. ثم اختلفوا في تأويلها ففسّره قوم على الإتيان الذي هو الإنتقال من مكان إلى مكان وأدخلوا فيه بلا كيف (يدل عليه) ظواهر أخبار وردت لم يعرفوا تأويلها وهذا غير مرضيّ من القول لأنه إثبات المكان لله سبحانه، وإذا كان متمكناً وجب أن يكون محدوداً متناهياً ومحتاجاً وفقيراً، وتعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً. وقال بعض المحقّقين الموفّقين أظنّه علي بن أبي طالب عليه السلام: "من زعم أن الله تعالى من شيء أو في شيء أو على شيء فقد ألحد، لأنه لو كان من شيء لكان محدثاً، ولو كان في شيء لكان محصوراً، ولو كان على شيء لكان محمولاً". وسكت قومٌ عن الخوض في معنى الإتيان فقالوا: نؤمن بظاهره ونقف عن تفسيره؛ لأنّا قد نُهينا أن نقول في كتاب الله تعالى ما لا نعلم ولم ينبّهنا الله تعالى ولا رسوله على حقيقة معناه. قال يحيى: هذه من (المكتوم) الذي لا يُفسّر، وكان مالك والأوزاعي ومحمد وإسحاق وجماعة من المشايخ يقولون فيه وفي أمثاله أمرّوها كما جاءت بلا كيف. وزعم قوم أن في الآية إضماراً أو اختصاراً تقديرها: إلاّ أن يأتيهم أمر الله وهو الحساب والعذاب، دلّ عليه قوله: {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} الآية وجب العذاب وفُرغ من الحساب، قالوا هذا كقوله: {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82] ويقول العرب: قطع الوالي اللّص يعني يده وإنما فعل ذلك آخر أنه بأمره. ويقال: خطبتان مأتينا بنو أمية أي حكمهم. وعلى هذا يحمل قوله: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} تفسير : [الأنفال: 17] لأن الله تعالى قال ذلك، وهذا معنى قول الحسن البصري. وقالت طائفة من أهل الحقائق: إن الله يُحدث فعلاً يسميه إتياناً كما سمعت فهلاّ سمّاه نزولاً وأفعاله بلا آلة ولا علّة. قال الثعلبي: قلت: ويحتمل أن يكون معنى الإتيان ههنا راجعاً إلى الجزاء؛ فسمّى الجزاء إتياناً كما سمّى التخويف والتعذيب في قصّة نمرود إتياناً فقال عزّ من قائل: {أية : فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} تفسير : [النحل: 26]. وقال في قصّة بني النضير: {أية : فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} تفسير : [الحشر: 2] {أية : وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ } تفسير : [الأنبياء: 47]: وإنّما احتمل الإتيان هذه المعاني لأنّ أصل الإتيان عند أهل اللسان هو القصد إلى المشي في الآية فهل ينظرون إلاّ أن يظهر الله خلاف أفعاله مع خلق من خلقه فيقصد إلى مجازاتهم ويقضي في لعنهم ما هو قاض ومجازيهم على فعل ويمضي فيهم ما أراد، يدلّ عليه ما روى صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «حديث : إذا كان يوم القيامة فإنّ الله عزّ وجلّ في ظلال من الغمام والملائكة فيتكلم بكلام طلق ذلق فيقول: انصتوا فطالما أنصتّ لكم منذ خلقتكم أرى أعمالكم وأسمع أقوالكم وإنّما من عصابتكم بقي أهليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك لا يلومنَّ إلاّ نفسه ».
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يريد الحق سبحانه وتعالى أن يضع أمامنا قضية وجودية، وهذه القضية الوجودية هي أن كل عمل له ظاهر وله باطن. ومن الجائز أن تتقن الظاهر وتدلس على الناس في الباطن، فإذا كان الناس لهم مع بعضهم ظاهر وباطن. فمن مصلحة الإنسان أن ينتمي هو والناس جميعاً إلى عالم يعرف فيه كل إنسان أن هناك إلهاً حكيماً يعرف كل شيء عنا جميعاً. فإذا كان عندك شيء لا أعلمه، وأنا عندي شيء أنت لا تعلمه كيف تسير مصالحنا؟ ولذلك فمن ضروريات حياتنا أن نؤمن معاً بإله يطلع على سرائرنا جميعاً، وهذا ما يجعلنا نلزم الأدب. ولذلك قيل: "إن عَمّيْتَ على قضاء الأرض فلن تعمى على قضاء السماء". إذن فقضاء السماء وعلم الله بالغيب مسألة يجب أن نحمده عليها، لأنه هو الذي سيحمي كل واحد منا من غيره. وعندما ستر الله غيبنا فذلك نعمة يجب أن نشكره عليها؛ لأن النفوس متقلبة. فلو علمت ما في نفسي عليك في لحظة قد لا يسرك .. وقد لا تنساه أبداً ويظل رأيك فيَّ سيئاً، لكن الظنون والآراء تمر عندي وعندك وتنتهي. ولو اطلع كل منا على غيب الآخر لكانت الحياة مرهقة، والقول المأثور يذكر ذلك: "لو تكاشفتم ما تدافنتم". إذن فمن رحمة الله ومن أكبر نعمه على خلقه أن ستر غيب خلقه عن خلقه. والحق يحذرنا ممن قال فيهم: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [البقرة: 204] أي الذين يظهرون من خير خلاف ما يبطنون من شر، ولذلك صور الشاعر هذه المسألة فقال: شعر : عـلى الـذم بـتنـا مجـمـعـين وحـالنـا مـن الخـوف حـال المجـمـعين على الحمد تفسير : أي لو تكاشفنا لقلنا كلنا ذماً، إنما كلنا مداحون حين يلقى بعضنا بعضا كل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. و"يعجبك قوله" فهل الممنوع أن يعجبك القول؟ لا، يعجبني القول ولكن في غير الحياة الدنيا، فالقول الذي يعجب هو ما يتعلق بأمر الحياة الآخرة الباقية ليضمن لنا الخير عند من يملك كل الخير. وكفى بالذي يسمع من مادح له مدحاً، والمادح نفسه يُضمر في قلبه كرهاً له، وكفى بذلك شهادة تغفيل للممدوح، بأنه يقول بينه وبين نفسه: "إن الممدوح غبي؛ لأني أمدحه وهو مصدق مدحي له". إن الله سبحانه وتعالى ينبهنا إلى ضرورة أن يكون المسلم يقظاً وفطناً، ومن يقول لنا كلاماً يعجبنا في الحياة الدنيا نتهمه بأن كلامه ليس حسناً؛ لأن خير الكلام هو ما يكون في الأمر الباقي. ولذلك عندما أرسل خليفةُ المسلمين للإمام جعفر الصادق يقول له: - لماذا لا تغشانا - أي لا تزورنا - كما يغشانا الناس؟ فكتب الإمام جعفر الصادق للخليفة يقول: أما بعد فليس عندي من الدنيا ما أخاف عليه، وليس عندك من الآخرة ما أرجوك له. وكأنه يريد أن يقول له اتركنا وحالنا؛ أنت محتاج لمن يجلس معك ويمدحك، وأنت لا تعلم أن أول أناس لهم رأي سيىء فيك هم من يمدحونك. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [البقرة: 204] وهذه الآية نزلت في الأخنس ابن شريق الثقفي واسمه أبيّ ولقب بالأخنس لأنه خنس ورجع يوم بدر فلم يقاتل المسلمين مع قريش واعتذر لهم بأن العير قد نجت من المسلمين وعادت إليهم، وكان ساعة يقابل رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهر إسلامه ويلين القول للرسول ويدعي أنه يحبه، ولكنه بعد أن خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بزرع وحُمُر لقوم من المسلمين فأحرق الزرع وقتل الحُمُر. والآية وإن نزلت في الأخنس فهي تشمل كل مُنافق. {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ} [البقرة: 204] لا تقولوا: "الله يشهد"، وإنما هاتوا شهداءكم ليشهدوا على صدق قولكم؛ لأن معنى "الله يشهد" هو إخبار منك بأن الله يشهد لك. وأنت كاذب في هذه، وتريد أن تضفي المصداقية على كذبك بإقحام الله في المسألة. وساعة تسمع واحداً يقول لك: أُشْهِدُ الله على أني كذَا، فقل له: هذا إخبار منك بأن الله يشهد، وأنت قد تكذب في هذا الخبر، أنا أفضل أن يشهد اثنان من البشر ولا نقحم الله في هذه الشهادة. {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ} [البقرة: 204] وألد الخصام هو الفاسق في معصيته، ويقال: فلان عنده لدد أي له فسق في خصومته، ويجادل بالباطل. ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"حديث : إنّ أبغض الرجال إلى الله هو الألد الخصم ". تفسير : يعني المجادل بالباطل الذي عنده قسوة في المعصية، فهو عاصٍ وفي الوقت نفسه قاسٍ في معصيته. ولماذا هو ألد الخصام؟ لأن الذي يجابهك بالأمر يجعلك تحتاط له، أما الذي يقابلك بنفاق فهو الذي يريد أن يخدعك، وهذا عنف في الخصومة فالخصم الواضح أفضل لأنه يواجهك بما في باطنه، لكن إذا جابهت الذي يُبطِن خصومته ويظهر محبته يكون قاسياً عليك في خصومته؛ لأنه يريد أن يخدعك ويُبَيّتُ لك. {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا} [البقرة: 205] و"تولى": انصرف أي يقول لك ما يعجبك، فإذا تولى عنك نقل المسألة إلى الحقيقة بإظهار ما كان يخفيه، ويحتمل المعنى أنه إذا تولى شيئاً آخر، من الولاية، ففيه "تَولّى" من التَّولي وهو الانصراف والإعراض، وفيه "تَولّى" من الولاية. {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ} [البقرة: 205] كانت الأرض بدون تدخل البشر مخلوقة على هيئة الصلاح، والفساد أمر طارئ من البشر. ونعرف أن الفساد لم يطرأ على أي أمر إلا وللإنسان فيه دخل. لماذا اشتكينا أزمة قوت ولم نشتك أزمة هواء؟ لأن الهواء لا تدخل للإنسان فيه، وبمقدار تدخل الإنسان يكون الفساد. لقد تدخلنا قليلاً في المياه فجاء في ذلك فساد، فلم نحسن نقلها في مواسير جيدة فوصلت لنا ملوثة، أو زاد عليها الكلور أو نقص. وبقدر ما يكون التدخل يكون الإفساد، أما في الزمن القديم فقد كان الإنسان يذهب إلى مصدر الماء المباشر في الآبار ويأخذ الماء الطبيعي الذي خلقه الله بلا تدخل من الإنسان ولم يكن تلوث أو غيره. إذن على مقدار وجود الإنسان في حركة الحياة غير المُرشّدة بالإيمان بالله ينشأ الفساد، ولذلك كان لابد له من منهج سماوي للإنسان. والكائنات غير الإنسان ليس لها منهج وهي مخلوقة بالغريزة وتؤدي مهمتها فقط؛ فالدابة لم تمتنع يوماً عن ركوبك عليها، ولم تمتنع أن تحمل عليها أثقالك، أو تستعين بها في الحرث، أو الري، حتى عندما تذبحها لا تمتنع عليك، لماذا؟ لأنها مخلوقة بالغريزة التي تؤدي بها الحركة النافعة بدون اختيار منها. وإذا امتنعت في وقت فإنما يكون ذلك لأمر طارئ كمرض مثلاً. لكن الذي له اختيار لابد أن يكون له منهج يقول له: افعل هذا ولا تفعل تلك. فإن استقام مع المنهج في "افعل" و"لا تفعل" سارت حياته بشكل متوازن، لكن إذا لم يستقم تفسد الحياة. وهذا ما نفهمه من قوله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا} [البقرة: 205]، كأن الإفساد هو الذي يحتاج إلى عمل، اترك الطبيعة والمخلوقات كما هي تجدها تعمل في انضباط وكمال على ما يرام. إذن فالفساد طارئ من الإنسان الذي يحيا بلا منهج لأنه "إذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها" فكأن الأصل في الأرض وما فيها جاء على هيئة الصلاح، فإن لم تزد الصالح صلاحاً فلا تحاول أن تفسده. قال تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ}تفسير : [البقرة: 11-12]. ومن هنا نفهم أنهم ظنوا أن الأرض تحتاج إلى حركتهم لإصلاحها، برغم أن الأرض بدون حركتهم صالحة؛ لأنهم لا يتحركون بمنهج الله. إذن هذه الآية نفهم منها أن الإنسان إذا "تولى" بمعنى رجع أو تولى ولاية سعى في الأرض ليفسد فيها؛ فكأن الفساد في الأرض أمر طارئ وينتج من سعي الإنسان على غير منهج من الله. وما دام للإنسان اختيار فيجب أن يكون له منهج أعلى منه يصون ذلك الاختيار، فإن لم يكن له منهج وسار على هواه فهو مفسد لا محالة. وانظر إلى غباء الذي يفسد في الأرض، هل يظن أنه هو وحده الذي سيستفيد في الأرض، فأباح لنفسه أن يفسد في الأرض لغيره؟ إنه ينسى الحقيقة، فكما يُفسد لغيره، فغيره يُفسد له، فمَنْ الخاسر؟ كلنا سنخسر إذن. {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ ..} [البقرة: 205]. والحرث له معنيان: فمرة يُطلق على الزرع، ومرة يُطلق على النساء، المعنى الأول ورد في قوله تعالى: {أية : وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ ..}تفسير : [الأنبياء: 78]. فالحرث في الآية معناه: الزرع، والزرع ناتج عن إثارة الأرض وإهاجتها. وعملك يا أيها الإنسان أن تهيج الأرض وتثيرها، وتأتي بالبذر الذي خلقه الله في الأرض التي خلقها الله، وتسقيها بالماء الذي خلقه الله، وتكبر في الهواء الذي خلقه الله، ولذلك يلفتنا وينبهنا الحق - سبحانه - فيقول: {أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ}تفسير : [الواقعة: 63-64]. والمعنى الثاني: يُطلق الحرث على المرأة في قوله تعالى: {أية : نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ..}تفسير : [البقرة: 223]. وإذا كان حرث الزرع هدفه إيجاد النبات فكذلك المرأة حتى تلد الأولاد. ويقول سبحانه وتعالى: {أية : فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ..}تفسير : [البقرة: 223]. وأراد المتحللون الإباحيون أن يُطلقوا إتيان المرأة في جميع جسدها، ونقول لهم: لاحظوا قوله: "حرثكم" والحرث محل الإنبات، فالإتيان يكون في محل الإنبات فقط، لا تفهمها تعميماً وإنما هي تخصيص. ويتابع الحق وصف الذي يقول القول الحسن، ولكن يسعى في الأرض بالفساد فيقول: {وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ} [البقرة: 205]. والنسل هو الأنجال والذرية. ويذيل الحق الآية: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ} [البقرة: 205] أي أن الحق يريد منكم إن لم تدخلوا بطاقة الله التي خلقها لكم فكراً وعطاء، فعلى الأقل اتركوا المسألة كما خلقها الله؛ لأن الله لا يحب أن تفسدوا فيما خلقه صالحاً في ذاته. وما سبق في هذه الآية هو مجرد صورة من صور استقبال الدعوة الإسلامية في أول عهدها، من الذين كانوا ينافقون واقعها القوي، فيأتون بأقوال تُعجب، وبأفعال تُعجب من يُنافَق. ونعرف أن النفاق كان دليلاً على قوة المسلمين، ولذلك لم ينشأ النفاق في مكة، وإنما نشأ في المدينة. فقد قال الحق: {أية : وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ ..}تفسير : [التوبة: 101]. وربما يتساءل إنسان: وكيف تظهر هذه الظاهرة في البيئة الإيمانية القوية في المدينة؟ ونقول: لأن الإسلام في مكة كان ضعيفاً، والضعيف لا ينافقه أحد، والإسلام في المدينة أصبح قوياً، والقوي هو الذي ينافقه الناس. إذن، فوجود النفاق في المدينة كان ظاهرة صحية تدل على أن الإيمان أصبح قوياً بحيث يدعيه مَنْ ليس عنده إسلام. وهؤلاء كانوا يقولون قولاً حسناً جميلاً، وقد يفعلون أمام مَنْ ينافقونه فعلاً يُعجب مَنْ يراهم أو يسمعهم، ولكنهم لا يثبتون على الحق، فإذا ما تولوا، أي اختفوا عن أنظار مَنْ ينافقونه رجعوا إلى أصلهم الكفري، أو إذا ائتمنوا على شيء فهم يسعون في الأرض فساداً. والآية هنا تتعرض لشيء يدل على فطنة المؤمنين، إن الآية فضحت مَنْ نافق وكان الأخنس عمدة في النفاق، وفضيحة المنافق بهذه الصورة، تدل على أن وراء محمد صلى الله عليه وسلم ووراء المؤمنين بمحمد، ربَّاً يخبرهم بمَنْ يدلس عليهم، وأيضاً ينبههم لضرورة أن تكون لهم فطنة بدليل قول الحق: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لمّا ذكر تعالى في الآيات السابقة العبادات التي تُطهّر القلوب، وتزكّي النفوس كالصيام، والصدقة، والحج، وذكر أن من الناس من يطلب الدنيا ولا غاية له وراءها، ومنهم من تكون غايته نيل رضوان الله تبارك وتعالى، أعقبها بذكر نموذج عن الفريقين: فريق الضلالة الذي باع نفسه للشيطان، وفريق الهدى الذي باع نفسه للرحمن، ثم حذَّر تبارك وتعالى من اتباع خطوات الشيطان، وبيَّن لنا عداوته الشديدة. اللغَة: {أَلَدُّ} اللَّدَدُ: شدة الخصومة قال الطبري: الألدُّ: الشديد الخصومة وفي الحديث: "حديث : إنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلى الله الألدُّ الخَصِم "تفسير : . {ٱلْحَرْثَ}: الزرع لأنه يزرع ثم يحرث. {ٱلنَّسْلَ} الذريّة والولد، وأصله الخروج بسرعة ومنه {أية : إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} تفسير : [يس: 51] وسمي نسلاً لأنه ينسل - يسقط - من بطن أمه بسرعة. {ٱلْعِزَّةُ} الأنفة والحميَّة. {حَسْبُهُ} حسب اسم فعل بمعنى كافيه. {ٱلْمِهَادُ}: الفراش الممهَّد للنوم. {يَشْرِي}: يبيع. {ٱبْتِغَآءَ} طلب. {ٱلسِّلْمِ} بكسر السين بمعنى الإِسلام وبفتحها بمعنى الصلح، وأصله من الاستسلام وهو الخضوع والانقياد قال الشاعر: شعر : دَعَوْتُ عشيرتي للسِّلْمِ حتى رأيْتهُم تَوَلَّوْا مُدْبرينا تفسير : {زَلَلْتُمْ} الزّلل: الانحراف عن الطريق المستقيم وأصله في القدم ثم استعمل في الأمور المعنوية. {ظُلَلٍ} جمع ظلّة وهي ما يستر الشمس ويحجب أشعتها عن الرؤية. سَبَبُ النّزول: 1- روي أن الأخنس بن شريق أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأظهر له الإسلام وحلف أنه يحبه، وكان منافقاً حسن العلانية خبيث الباطن، ثم خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم فمرَّ بزرع لقوم من المسلمين وحُمُر فأحرق الزرع وقتل الحُمُر فأنزل الله تعالى فيه الآيات {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ...} الآية وإلى قوله: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ...} الآية. 2- وروي أن صهيباً الرومي لما أراد الهجرة إِلى المدينة المنورة لحقه نفر من قريش من المشركين ليردوه فنزل عن راحلته ونثر ما في كنانته وأخذ قوسه ثم قال: يا معشر قريش لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً، وأيْمُ الله لا تصلون إِليَّ حتى أرمي بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء ثم افعلوا ما شئتم، قالوا: جئتنا صعلوكاً لا تملك شيئاً وأنت الآن ذو مال كثير!! فقال: أرأيتم إن دللتكم على مالي تخلّون سبيلي؟ قالوا: نعم، فدلّهم على ماله بمكة فلما قدم المدينة دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له صلى الله عليه وسلم: "حديث : رَبَحَ البَيْعَ صُهَيْبٌ رَبَحَ البَيْعَ صُهَيُبٌ" تفسير : وأنزل الله عز وجل فيه { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ...} الآية. التفسير: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} أي ومن الناس فريق يروقك كلامه يا محمد ويثير إِعجابَك بخلابة لسانه وقوة بيانه، ولكنه منافق كذّاب {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي في هذه الحياة فقط أما الآخرة فالحاكم فيها علاّم الغيوب الذي يطّلع على القلوب والسرائر {وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ} أي يظهر لك الإِيمان ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ} أي شديد الخصومة يجادل بالباطل ويتظاهر بالدين والصلاح بكلامه المعسول {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا} أي وإذا انصرف عنك عاث في الأرض فساداً، وقد نزلت في الأخنس ولكنها عامة في كل منافق يقول بلسانه ما ليس في قلبه [كقوله]: شعر : يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ فيك كما يروغُ الثعلب تفسير : {وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ} أي يهلك الزرع وما تناسل من الإِنسان والحيوان ومعناه أن فساده عام يشمل الحاضر والباد، فالحرث محل نماء الزروع والثمار، والنسل وهو نتاج الحيوانات التي لا قوام للناس إِلا بهما، فإفسادهما تدمير للإِنسانية {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلفَسَادَ} أي يبغض الفساد ولا يحب المفسدين {وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ} أي إِذا وُعظ هذا الفاجر وذكِّر وقيل له انزع عن قولك وفعلك القبيح، حملته الأنفة وحميَّةُ الجاهلية على الفعل بالإِثم والتكبر عن قبول الحق، فأغرق في الإِفساد وأمعن في العناد {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} أي يكفيه أن تكون له جهنم فراشاً ومهاداً، وبئس هذا الفراش والمهاد {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} هذا هو النوع الثاني وهم الأخيار الأبرار، فبعد أن ذكر تعالى صفات المنافقين الذميمة أتبعه بذكر صفات المؤمنين الحميدة والمعنى ومن الناس فريق من أهل الخير والصلاح باع نفسه لله، طلباً لمرضاته ورغبةً في ثوابه لا يتحرى بعمله إِلا وجه الله {وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} أي عظيم الرحمة بالعباد يضاعف الحسنات ويعفو عن السيئات ولا يعجل العقوبة لمن عصاه.. ثم أمر تعالى المؤمنين بالانقياد لحكمه والاستسلام لأمره والدخول في الإسلام الذي لا يقبل الله ديناً سواه فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً} أي ادخلوا في الإِسلام بكليته في جميع أحكامه وشرائعه، فلا تأخذوا حكماً وتتركوا حكماً، لا تأخذوا بالصلاة وتمنعوا الزكاة مثلاً فالإِسلام كلٌّ لا يتجزأ {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي لا تتبعوا طرق الشيطان وإغواءه فإنه عدوٌ لكم ظاهر العداوة {فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} أي إن انحرفتم عن الدخول في الإِسلام من بعد مجيء الحجج الباهرة والبراهين القاطعة على أنه حق {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي اعلموا أن الله غالب لا يعجزه الانتقام ممن عصاه حكيم في خلقه وصنعه {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} أي ما ينتظرون شيئاً إِلا أن يأتيهم الله يوم القيامة لفصل القضاء بين الخلائق حيث تنشق السماء وينزل الجبار عز وجل في ظللٍ من الغمام وحملة العرش والملائكة الذين لا يعلم كثرتهم إِلا الله ولهم زجل من التسبيح يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} أي انتهى أمر الخلائق بالفصل بينهم فريق في الجنة وفريق في السعير، وإلى الله وحده مرجع الناس جميعاً. والمقصود تصوير عظمة يوم القيامة وهولها وشدتها وبيان أن الحاكم فيها هو ملك الملوك جل وعلا الذي لا معقب لحكمه ولا رادّ لقضائه وهو أحكم الحاكمين.. ثم قال تعالى مخاطباً رسوله الكريم {سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} أي سلْ يا محمد بني إسرائيل - توبيخاً لهم وتقريعاً - كم شاهدوا مع موسى من معجزات باهرات وحجج قاطعات تدل على صدقه ومع ذلك كفروا ولم يؤمنوا {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي من يبدل نعم الله بالكفر والجحود بها فإِن عقاب الله له أليم وشديد {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} أي زينت لهم شهوات الدنيا ونعيمها حتى نسوا الآخرة وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهافتوا عليها وأعرضوا عن دار الخلود. {وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي وهم مع ذلك يهزؤون ويسخرون بالمؤمنين يرمونهم بقلة العقل لتركهم الدنيا وإقبالهم على الآخرة كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ} تفسير : [المطففين: 29] قال تعالى رداً عليهم: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي والمؤمنون المتقون لله فوق أولئك الكافرين منزلةً ومكانة، فهم في أعلى علّيين وأولئك في أسفل سافلين، والمؤمنون في الآخرة في أوج العز والكرامة والكافرون في حضيض الذل والمهانة {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي والله يرزق أولياءه رزقاً واسعاً رغداً، لا فناء له ولا انقطاع كقوله: {أية : يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [غافر: 40] أو يرزق في الدنيا من شاء من خلقه ويوسع على من شاء مؤمناً كان أو كافراً، براً أو فاجراً على حسب الحكمة والمشيئة دون أن يكون له محاسب سبحانه وتعالى. البلاغة: 1- {أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ} ذكر لفظ الإثم بعد قوله العزة يسمى عند علماء البديع بـ "التتميم" لأنه ربما يتوهم أن المراد عزة الممدوح فذكر بالإِثم ليشير إِلى أنها عزة مذمومة. 2- {وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} هذا من باب التهكم أي جعلت لهم جهنم غطاءً ووطاءً فأكرم بذلك كما تكرم الأم ولدها بالغطاء والوطاء اللّينين. 3- {هَلْ يَنظُرُونَ} استفهام إِنكاري في معنى النفي بدليل مجيء إِلاّ بعدها أي ما ينتظرون. 4- {فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ} التنكير للتهويل فهي في غاية الهول والمهابة لما لها من الكثافة التي تغم على الرائي ما فيها وقوله: {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} هو عطف على المضارع {يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ} وإِنما عدل إِلى صيغة الماضي دلالة على تحققه فكأنه قد كان. 5- {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} إِظهار الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال الروعة. 6- {زُيِّنَ... وَيَسْخَرُونَ} أورد التزيين بصيغة الماضي لكونه مفروغاً منه مركوزاً في طبيعتهم وعطف عليه بالفعل المضارع {وَيَسْخَرُونَ} للدلالة على استمرار السخرية منهم لأن صيغة المضارع تفيد الدوام والاستمرار. تنبيه: قال ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالته التدمرية: "وصفه تعالى نفسه بالإِتيان في ظللٍ من الغمام كوصفه بالمجيء في آيات أخر ونحوهما مما وصف به نفسه في كتابه أو صحَّ عن رسوله صلى الله عليه وسلم والقول في جميع ذلك من جنس واحد وهو مذهب سلف الأمة وأئمتها، إِنهم يصفونه سبحانه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريفٍ ولا تعطيل ولا تكييفٍ ولا تمثيل، والقول في صفاته كالقول في ذاته والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فلو سأل سائل: كيف يجيء سبحانه؟ فليقل له: كما لا تعلم كيفية ذاته كذلك لا تعلم كيفية صفاته".
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ} فالأَلَدُ: الشّديدُ الخُصومةِ بالبَاطِلِ. والجمعُ لُدٌّ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما أمر تعالى بالإكثار من ذكره، وخصوصا في الأوقات الفاضلة الذي هو خير ومصلحة وبر، أخبر تعالى بحال من يتكلم بلسانه ويخالف فعله قوله، فالكلام إما أن يرفع الإنسان أو يخفضه فقال: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أي: إذا تكلم راق كلامه للسامع، وإذا نطق، ظننته يتكلم بكلام نافع، ويؤكد ما يقول بأنه { وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ } بأن يخبر أن الله يعلم، أن ما في قلبه موافق لما نطق به، وهو كاذب في ذلك، لأنه يخالف قوله فعله. فلو كان صادقا، لتوافق القول والفعل، كحال المؤمن غير المنافق، فلهذا قال: { وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ } أي: إذا خاصمته، وجدت فيه من اللدد والصعوبة والتعصب، وما يترتب على ذلك، ما هو من مقابح الصفات، ليس كأخلاق المؤمنين، الذين جعلوا السهولة مركبهم، والانقياد للحق وظيفتهم، والسماحة سجيتهم. { وَإِذَا تَوَلَّى } هذا الذي يعجبك قوله إذا حضر عندك { سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا } أي: يجتهد على أعمال المعاصي، التي هي إفساد في الأرض { وَيُهْلِكَ } بسبب ذلك { الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ } فالزروع والثمار والمواشي، تتلف وتنقص، وتقل بركتها، بسبب العمل في المعاصي، { وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ } وإذا كان لا يحب الفساد، فهو يبغض العبد المفسد في الأرض، غاية البغض، وإن قال بلسانه قولا حسنا. ففي هذه الآية دليل على أن الأقوال التي تصدر من الأشخاص، ليست دليلا على صدق ولا كذب، ولا بر ولا فجور حتى يوجد العمل المصدق لها، المزكي لها وأنه ينبغي اختبار أحوال الشهود، والمحق والمبطل من الناس، بسبر أعمالهم، والنظر لقرائن أحوالهم، وأن لا يغتر بتمويههم وتزكيتهم أنفسهم. ثم ذكر أن هذا المفسد في الأرض بمعاصي الله، إذا أمر بتقوى الله تكبر وأنف، و { أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ } فيجمع بين العمل بالمعاصي والكبر على الناصحين. { فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ } التي هي دار العاصين والمتكبرين، { وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ } أي: المستقر والمسكن، عذاب دائم، وهم لا ينقطع، ويأس مستمر، لا يخفف عنهم العذاب، ولا يرجون الثواب، جزاء لجناياتهم ومقابلة لأعمالهم، فعياذا بالله من أحوالهم.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ} [204] 56- أنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا وكيع، نا ابن جريج، عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أبعَض الرجال إلى الله الألدُّ الخَصِم ".
همام الصنعاني
تفسير : 238- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ}: [الآية: 204]، قال: هو المنافق. 239- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ}: [الآية: 204]، قال: جَدِلٌ بِالباطِل. 240- عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: كان أبغض الرجال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: الألَدُّ الخَصِم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):