١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
66
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على قدرته وحكمته ورحمته، وقد ذكرنا أن المقصود الأعظم في هذا الكتاب الكريم تقرير دلائل التوحيد، فإذا امتد الكلام في فصل من الفصول عاد الكلام بعده إلى ذكر دلائل التوحيد، والمذكور ههنا الوجوه المستنبطة من الإنعامات في أحوال ركوب البحر. فالنوع الأول: كيفية حركة الفلك على وجه البحر وهو قوله: {رَّبُّكُمُ ٱلَّذِى يُزْجِى لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِى ٱلْبَحْرِ } والإزجاء سوق الشيء حالاً بعد حال، وقد ذكرنا ذلك في تفسير قوله: { أية : بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ } تفسير : [يوسف:88] والمعنى: ربكم الذي يسير الفلك على وجه البحر لتبتغوا من فضله في طلب التجارة إنه كان بكم رحيماً، والخطاب في قوله: {رَبُّكُـمْ } وفي قوله: {إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ } عام في حق الكل، والمراد من الرحمة منافع الدنيا ومصالحها. والنوع الثاني: قوله: {وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ } والمراد من الضر، الخوف الشديد كخوف الغرق: {ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ } والمراد أن الإنسان في تلك الحالة لا يتضرع إلى الصنم والشمس والقمر والملك والفلك. وإنما يتضرع إلى الله تعالى، فلما نجاكم من الغرق والبحر وأخرجكم إلى البر أعرضتم عن الإيمان والإخلاص {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ كَفُورًا } لنعم الله بسبب أن عند الشدة يتمسك بفضله ورحمته، وعند الرخاء والراحة يعرض عنه ويتمسك بغيره. والنوع الثالث: قوله: {أَفَأَمِنتُمْ أَن نَخْسِفْ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرّ } قال الليث: الخسف والخسوف هو دخول الشيء في الشيء. يقال: عين خاسفة وهي التي غابت حدقتها في الرأس، وعين من الماء خاسفة أي غائرة الماء، وخسفت الشمس أي احتجبت وكأنها وقعت تحت حجاب أو دخلت في جحر. فقوله: {أن نَخْسِفْ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرّ } أي نغيبكم من جانب البر وهو الأرض، وإنما قال {جَانِبَ ٱلْبَرّ } لأنه ذكر البحر في الآية الأولى فهو جانب، والبر جانب، خبر الله تعالى أنه كما قدر على أن يغيبهم في الماء فهو قادر أيضاً على أن يغيبهم في الأرض، فالغرق تغييب تحت الماء كما أن الخسف تغييب تحت التراب، وتقرير الكلام أنه تعالى ذكر في الآية الأولى أنهم كانوا خائفين من هول البحر، فلما نجاهم منه آمنوا، فقال: هب أنكم نجوتم من هول البحر فكيف أمنتم من هول البر؟ فإنه تعالى قادر على أن يسلط عليكم آفات البر من جانب التحت أو من جانب الفوق، أما من جانب التحت فبالخسف. وأما من جانب الفوق فبإمطار الحجارة عليهم، وهو المراد من قوله: {أَوْ يرسل عَلَيْكُمْ حَاصِبًا } فكما لا يتضرعون إلا إلى الله تعالى عند ركوب البحر، فكذلك يجب أن لا يتضرعوا إلا إليه في كل الأحوال. ومعنى الحصب في اللغة: الرمي. يقال: حصبت أحصب حصباً إذا رميت والحصب المرمي. ومنه قوله تعالى: { أية : حَصَبُ جَهَنَّمَ } تفسير : [الأنبياء:98] أي يلقون فيها، ومعنى قوله: {حَـٰصِباً } أي عذاباً يحصبهم، أي يرميهم بحجارة، ويقال للريح التي تحمل التراب والحصباء حاصب، والسحاب الذي يرمي بالثلج والبرد يسمى حاصباً لأنه يرمي بهما رمياً. وقال الزجاج: الحاصب التراب الذي فيه حصباء والحاصب على هذا ذو الحصباء مثل اللابن والتامر وقوله: {ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً } يعني لا تجدوا ناصراً ينصركم ويصونكم من عذاب الله، ثم قال: {أَمْ أَمِنتُمْ أَن نُعِيدُكُمْ فِيهِ } أي في البحر تارة أخرى وقوله: {فَنُرسل علَيْكُمْ قَاصِفًا } من الريح القاصف الكاسر يقال: قصف الشيء يقصفه قصفاً إذا كسره بشدة، والقاصف من الريح التي تكسر الشجر، وأراد ههنا ريحاً شديدة تقصف الفلك وتغرقهم وقوله: {فَنُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ } أي بسبب كفركم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً. قال الزجاج: أي لا تجدوا من يتبعنا بإنكار ما نزل بكم بأن يصرفه عنكم، وتبيع بمعنى تابع. واعلم أن هذه الآية مشتملة على ألفاظ خمسة: وهي قوله: {أن نَخْسِفْ. أَوْ نُرْسِلُ. أَوْ نُعِيدُكُمْ. فنرسل. فنغرقكم } قرأ ابن كثير وأبو عمرو جميع هذه الخمسة بالنون، والباقون بالياء، فمن قرأ بالياء، فلأن ما قبله على الواحد الغائب وهو قوله: {إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّـٰكُمْ } ومن قرأ بالنون فلأن هذا البحر من الكلام، قد ينقطع بعضه من بعض وهو سهل لأن المعنى واحد. ألا ترى أنه قد جاء { أية : وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لّبَنِى إِسْرٰءيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِى وَكِيلاً } تفسير : [الإسراء:2] فانتقل من الجمع إلى الأفراد وكذلك ههنا يجوز أن ينتقل من الغيبة إلى الخطاب، والمعنى واحد والكل جائز، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِي ٱلْبَحْرِ} الإزجاء: السوق، ومنه قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً}. وقال الشاعر:شعر : يأيها الراكب المُزْجِي مطيّتَه سائل بني أسَد ما هذه الصَّوْتُ تفسير : وإزجاء الفلك: سوقه بالريح اللينة. والفلك هنا جمع، وقد تقدّم. والبحر الماء الكثير عذبا كان أو ملحا، وقد غلب هذا الاسم على المشهور. وهذه الآية توقيف على آلاء الله وفضله عند عباده، أي ربكم الذي أنعم عليكم بكذا وكذا فلا تشركوا به شيئاً. {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} أي في التجارات. وقد تقدّم. {إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}.
البيضاوي
تفسير : {رَّبُّكُمُ ٱلَّذِى يُزْجِى} هو الذي يجري. {لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِى ٱلْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} الريح وأنواع الأمتعة التي لا تكون عندكم. {إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه وسهل عليكم ما تعسر من أسبابه.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن لطفه بخلقه في تسخيره لعباده الفلك في البحر، وتسهيله لمصالح عباده لابتغائهم من فضله في التجارة من إقليم إلى إقليم، ولهذا قال: {إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} أي: إنما فعل هذا بكم من فضله عليكم ورحمته بكم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {رَّبُّكُمُ ٱلَّذِى يُزْجِى } يجري {لَكُمُ ٱلْفُلْكَ } السفن {فِى ٱلْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ } تطلبوا {مِن فَضْلِهِ } تعالى بالتجارة {إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } في تسخيرها لكم.
الشوكاني
تفسير : قوله: {رَّبُّكُمُ ٱلَّذِى يُزْجِى لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِى ٱلْبَحْرِ } الإزجاء: السوق والإجراء والتسيير، ومنه قوله سبحانه {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِى سَحَاباً }تفسير : [النور: 43]. وقول الشاعر:شعر : يا أيها الراكب المزجي مطيته سائل بني أسد: ما هذه الصور تفسير : وقول الآخر: شعر : عوذا تزجي خلفها أطفالها تفسير : والمعنى: أن الله سبحانه يسيّر الفلك في البحر بالريح، والفلك ها هنا جمع، وقد تقدّم، والبحر هو الماء الكثير عذباً كان أو مالحاً، وقد غلب هذا الاسم على المشهور {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } أي: من رزقه الذي تفضل به على عباده، أو من الربح بالتجارة، و"من" زائدة أو للتبعيض، وفي هذه الآية تذكير لهم بنعم الله سبحانه عليهم حتى لا يعبدوا غيره ولا يشركوا به أحداً، وجملة: {إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } تعليل لما تقدّم أي: كان بكم رحيماً فهداكم إلى مصالح دنياكم. {وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ } يعني: خوف الغرق {فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ } من الآلهة وذهب عن خواطركم، ولم يوجد لإغاثتكم ما كنتم تدعون من دونه من صنم، أو جنّ، أو ملك، أو بشر {إِلاَّ إِيَّاهُ } وحده فإنكم تعقدون رجاءكم برحمته وإغاثته، والاستثناء منقطع، ومعنى الآية: أن الكفار إنما يعتقدون في أصنامهم وسائر معبوداتهم أنها نافعة لهم في غير هذه الحالة، فأما في هذه الحالة فإن كل واحد منهم يعلم بالفطرة علماً لا يقدر على مدافعته أن الأصنام ونحوها لا فعل لها {فَلَمَّا نَجَّـٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرّ أَعْرَضْتُمْ } عن الإخلاص لله وتوحيده ورجعتم إلى دعاء أصنامكم والاستغاثة بها {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ كَفُورًا } أي: كثير الكفران لنعمة الله، وهو تعليل لما تقدّمه، والمعنى: أنهم عند الشدائد يتمسكون برحمة الله، وفي الرخاء يعرضون عنه. ثم أنكر سبحانه عليهم سوء معاملتهم قائلاً: {أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرّ } الهمزة للإنكار والفاء للعطف على محذوف تقديره: أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض، فبين لهم أنه قادر على هلاكهم في البرّ وإن سلموا من البحر. والخسف أن تنهار الأرض بالشيء، يقال: بئر خسيف إذا انهدم أصلها، وعين خاسف: أي. غائرة حدقتها في الرأس، وخسفت عين الماء: إذا غار ماؤها، وخسفت الشمس: إذا غابت عن الأرض، و{جانب البرّ} ناحية الأرض، وسماه جانباً، لأنه يصير بعد الخسف جانباً، وأيضاً فإن البحر جانب من الأرض والبرّ جانب؛ وقيل: إنهم كانوا على ساحل البحر، وساحله جانب البرّ فكانوا فيه آمنين من مخاوف البحر، فحذرهم ما أمنوه من البرّ كما حذرهم ما خافوه من البحر {أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا } قال أبو عبيدة والقتيبي: الحصب: الرمي أي: ريحاً شديدة حاصبة، وهي التي ترمي بالحصى الصغار. وقال الزجاج: الحاصب: التراب الذي فيه حصباء، فالحاصب: ذو الحصباء كاللابن، والتامر؛ وقيل: الحاصب: حجارة من السماء تحصبهم كما فعل بقوم لوط، ويقال للسحابة التي ترمي بالبرد: حاصب، ومنه قول الفرزدق:شعر : مستقبلين جبال الشام تضربنا بحاصب كنديف القطن منثور تفسير : {ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً } أي: حافظاً ونصيراً يمنعكم من بأس الله. {أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ } أي: في البحر مرة أخرى بأن يقوي دواعيكم ويوفر حوائجكم إلى ركوبه، وجاء بفي ولم يقل إلى البحر، للدلالة على استقرارهم فيه {فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مّنَ ٱلرّيحِ } القاصف: الريح الشديدة التي تكسر بشدّة، من قصف الشيء يقصفه أي: كسره بشدّة، والقصف: الكسر، أو هو الريح التي لها قصيف أي: صوت شديد من قولهم رعد قاصف أي: شديد الصوت {فَيُغْرِقَكُم } قرأ أبو جعفر، وشيبة، ورويس، ومجاهد (فتغرقكم) بالتاء الفوقية على أن فاعله الريح. وقرأ الحسن وقتادة، وابن وردان (فيغرقكم) بالتحتية والتشديد في الراء. وقرأ أبو جعفر أيضاً (الرياح). وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالنون في جميع هذه الأفعال. وقرأ الباقون بالياء التحتية في جميعها أيضاً، والباء في {بما كفرتم} للسببية أي: بسبب كفركم {ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا } أي: ثائراً يطالبنا بما فعلنا. قال الزجاج: لا تجدوا من يتبعنا بإنكار ما نزل بكم. قال النحاس: وهو من الثأر، وكذا يقال لكل من طلب بثأر أو غيره تبيع وتابع. {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } هذا إجمال لذكر النعمة التي أنعم الله بها على بني آدم أي: كرّمناهم جميعاً، وهذه الكرامة يدخل تحتها خلقهم على هذه الهيئة الحسنة وتخصيصهم بما خصهم به من المطاعم والمشارب والملابس على وجه لا يوجد لسائر أنواع الحيوان مثله. وحكى ابن جرير عن جماعة أن هذا التكريم هو أنهم يأكلون بأيديهم، وسائر الحيوانات تأكل بالفم، وكذا حكاه النحاس. وقيل: ميزهم بالنطق والعقل والتمييز، وقيل: أكرم الرجال باللحى والنساء بالذوائب. وقال ابن جرير: أكرمهم بتسليطهم على سائر الخلق وتسخير سائر الخلق لهم، وقيل: بالكلام والخط والفهم، ولا مانع من حمل التكريم المذكور في الآية على جميع هذه الأشياء. وأعظم خصال التكريم العقل، فإن به تسلطوا على سائر الحيوانات، وميزوا بين الحسن والقبيح، وتوسعوا في المطاعم والمشارب، وكسبوا الأموال التي تسببوا بها إلى تحصيل أمور لا يقدر عليها الحيوان، وبه قدروا على تحصيل الأبنية التي تمنعهم مما يخافون، وعلى تحصيل الأكسية التي تقيهم الحرّ والبرد، وقيل تكريمهم: هو أن جعل محمداً صلى الله عليه وسلم منهم {وَحَمَلْنَـٰهُمْ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } هذا تخصيص لبعض أنواع التكريم، حملهم سبحانه في البرّ على الدواب، وفي البحر على السفن، وقيل: حملناهم فيهما حيث لم نخسف بهم ولم نغرقهم {وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ } أي: لذيذ المطاعم والمشارب وسائر ما يستلذونه وينتفعون به {وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } أجمل سبحانه هذا الكثير ولم يبين أنواعه فأفاد ذلك أن بني آدم فضلهم سبحانه على كثير من مخلوقاته. وقد جعل بعض أهل العلم الكثير هنا بمعنى الجميع وهو تعسف لا حاجة إليه. وقد شغل كثير من أهل العلم بما لم تكن إليه حاجة ولا تتعلق به فائدة، وهو مسألة تفضيل الملائكة على الأنبياء أو الأنبياء على الملائكة، ومن جملة ما تمسك به مفضلو الأنبياء على الملائكة هذه الآية، ولا دلالة لها على المطلوب لما عرفت من إجمال الكثير وعدم تبيينه، والتعصب في هذه المسألة هو الذي حمل بعض الأشاعرة على تفسير الكثير هنا بالجميع حتى يتم له التفضيل على الملائكة، وتمسك بعض المعتزلة بهذه الآية على تفضيل الملائكة على الأنبياء. ولا دلالة بها على ذلك، فإنه لم يقم دليل على أن الملائكة من القليل الخارج عن هذا الكثير، ولو سلمنا ذلك فليس فيما خرج عن هذا الكثير ما يفيد أنه أفضل من بني آدم، بل غاية ما فيه أنه لم يكن الإنسان مفضلاً عليه. فيحتمل أن يكون مساوياً للإنسان، ويحتمل أن يكون أفضل منه، ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال، والتأكيد بقوله: {تَفْضِيلاً } يدل على عظم هذا التفضيل وأنه بمكان مكين، فعلى بني آدم أن يتلقوه بالشكر ويحذروا من كفرانه. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {يُزْجِى } قال: يجري، وأخرجوا عن قتادة قال: يسيرها في البحر. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {حَـٰصِباً } قال: مطر الحجارة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة قال: حجارة من السماء. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس {قَاصِفًا مّنَ ٱلرّيحِ } قال: التي تغرق. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، عن عبد الله بن عمرو قال: القاصف والعاصف في البحر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {قَاصِفًا } قال: عاصفاً، وفي قوله: {ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا } قال: نصيراً. وأخرج الطبراني، والبيهقي في الشعب، والخطيب في تاريخه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من شيء أكرم على الله يوم القيامة من ابن آدم قيل: يا رسول الله ولا الملائكة؟ قال: ولا الملائكة، الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر»تفسير : ، وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن ابن عمرو موقوفاً قال: وهو الصحيح. وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: المؤمن أكرم على الله من ملائكته. وأخرج الطبراني عن ابن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الملائكة قالت: يا رب أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون ونحن نسبح بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة، قال: لا أجعل صالح ذرّية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان»تفسير : . وأخرجه عبد الرزاق، وابن جرير عن زيد بن أسلم قال: قالت الملائكة. وإسناد الطبراني هكذا: حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة البغدادي، حدّثنا إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي، حدّثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره. وأخرج ابن عساكر من طريق عروة بن رويم قال: حدثني أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نحو حديث ابن عمرو الأول مع زيادة. وأخرج نحوه البيهقي أيضاً في الأسماء والصفات من وجه آخر عن عروة بن رويم عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس في قوله: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } قال: جعلناهم يأكلون بأيديهم وسائر الخلق يأكلون بأفواههم. وأخرج الحاكم في التاريخ، والديلمي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله: «حديث : الكرامة الأكل بالأصابع».
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ربُّكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر} معناه يجريها ويسيرها، قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد، قال الشاعر: شعر : يا أيها الراكب المزجي مطيتُه سائل بني أسدٍ ما هذه الصوت
ابن عطية
تفسير : "الإزجاء": سوق الثقيل السير، إما لضعف أو ثقل حمل أو غيره، فالإبل الضعاف تزجى، ومنه قول الفرزدق: [البسيط] شعر : على زواحف تزجيها محاسير تفسير : والسحاب تزجى ومنه قوله تعالى {أية : ألم تر أن الله يزجي سحاباً} تفسير : [النور: 43] والبضاعة المزجاة هي التي تحتاج لاختلالها أن تساق بشفاعة وتدفع بمعاون إلى الذي يقبضها، وإزجاء {الفلك} سوقه بالريح اللينة والمجاديف، و {الفلك} و {البحر} الماء الكثير عذباً كان أو ملحاً، وقد غلب الاسم على هذا المشهور، و {الفلك} تجري فيها. وقوله {لتبتغوا من فضله} لفظ يعم البصر، وطلب الأجر، في حج أو غزو ونحوه، ولا خلاف في جواز ركوبه للحج والجهاد والمعاش، واختلف في وجوبه للحج، أعني الكثير منه، واختلف في كراهيته للثروة وتزيد المال، وقد روي عنه أنه قال "حديث : البحر لا أركبه أبداً"تفسير : ، وهذا حديث يحتمل أنه رأي رآه لنفسه، ويحتمل أنه أوحي إليه ذلك، وهذه الآية توقيف على آلاء الله وفضله عند عباده. و {الضر} لفظ يعم خوف الغرق، والامتساك في المشي، وأهول حالاته: اضطرابه وتموجه. وقوله {ضل} معناه تلف وفقد، وهي عبارة تحقير لمن يدعي إلهاً من دون الله، والمعنى في هذه الآية أن الكفار إنما يعتقدون في أصنامهم أنها شافعة، وأن لها فضلاً، وكل واحد منهم بالفطرة يعلم علماً لا يقدر على مدافعته أن الأصنام لا فعل لها في الشدائد العظام، فوفقهم الله من ذلك على حالة البحر. وقوله {أعرضتم} أي لم تفكروا في صنع الله وقت حاجتكم إليه، وقوله {كفوراً} أي بالنعم. و {الإنسان} هنا للجنس، وكل أحد لا يكاد يؤدي شكر الله تعالى كما يجب، وقال الزجاج {الإنسان} يراد به الكفار، وهذا غير بارع. وقوله {أفأمنتم} الآية، المعنى {أفأمنتم} أيها المعرضون الناسون الشدة، حين صرتم إلى الرخاء "أن يخسف الله بكم مكانكم من البر" إذا أنتم في قبضة القدرة في البحر والبر، و"الحاصب" العارض الرامي بالبرد والحجارة ونحو ذلك، ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : مستقبلين شمال الشام تضربنا بحاصب كنديف القطن منثور تفسير : ومنه قول الأخطل: [الكامل] شعر : ترمي العصاة بحاصب من ثلجها حتى يبيت على العضاه جمالا تفسير : ومنه الحاصب الذي أصاب قوم لوط، والحصب: الرمي بالحصباء، وهي الحجارة الصغار، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي "يخسف" بالياء على معنى يخسف الله، وكذلك "يرسل" و"يعيد" و"يرسل" و"يغرق"، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ذلك كله بالنون، وقرأ أبو جعفر ومجاهد "تغرقكم" بالتاء أي الريح، وقرأ حميد "نغرقكم" بالنون حقيقة وأدغم القاف في الكاف، ورويت عن أبي عمرو وابن محيصن وقرأ الحسن وأبو رجاء " يغرّقكم " بشد الراء. و " الوكيل " القائم بالأمور، و " القاصف " الذي يكسر كل ما يلقى ويقصفه، و {تارة} ، جمعها تارات وتير، معناه: مرة أخرى، وقرأ أبو جعفر: " من الرياح " بالجمع. و " التبيع " الذي يطلب ثأراً أو ديناً، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : غدوا وغدت غزلانهم فكأنها ضوامن عزم لزهن تبيع تفسير : ومن هذه اللفظة قول النبي عليه السلام: "حديث : إذا اتبع أحدكم على ملي فليتبع " تفسير : فالمعنى لا تحدون من يتبع فعلنا بكم ويطلب نصرتكم.
ابن عبد السلام
تفسير : {يُزْجِى} يسوق ويسير.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِى لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِي ٱلْبَحْرِ}: إِزجاء الفُلْك: سَوْقه بالريحِ الليِّنة والمجاذيفِ، و{لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} لفظ يعمُّ التَّجْر وغيره، وهذه الآية المباركَةُ توقيفٌ على آلاء اللَّه وفَضْلِهِ ورحمته بعباده، و{ٱلضُّرُّ }، هنا لفظ يعمُّ الغرق وغيره، وأهوال حالات البحر وٱضطرابه وتموجه، و{ضَلَّ } معناه تلف وفُقِدَ. وقوله: {أَعْرَضْتُمْ }، أي: فلم تفكِّروا في جميل صنع اللَّه بكم. وقوله: {كَفُورًا } أي: بالنعم و{ٱلإِنسَـٰنُ}؛ هنا: الجنس، «والحاصب»: العارض الرامي بالبَرَدِ والحجارةِ؛ ومنه الحاصب الذي أصَابَ قوْمَ لوطٍ، «والحَصْبُ» الرمْيُ بالحَصْبَاء، «والقاصف»: الذي يَكْسِر كلَّ ما يَلْقى ويقْصِفُه، «وتارةً» معناه: مرَّة أخرى، «والتبيع» الذي يطلب ثأْراً أو دَيْناً؛ ومنْ هذه اللفظة قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ على مَلِيٍّ فَلْيُتْبِعْ » تفسير : فالمعنى: لا تجدون مَنْ يَتَتَبَّع فعلنا بكم، ويطلب نُصْرَتكم وهذه الآيات أنوارُهَا واضحةٌ للمهتدين.
ابن عادل
تفسير : قوله: تعالى: {رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِي ٱلْبَحْرِ} الآية. اعلم أنه تعالى عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على قدرته وحكمته ورحمته، وقد تقدم أن المقصود في هذا الكتاب الكريم تقرير دلائل التوحيد، فإذا امتدَّ الكلام في فصل من الفصول عاد الكلام بعده إلى ذكر دلائل التوحيد، فذكر ها هنا وجوه الإنعامات في أحوال ركوب البحر، فأوَّل كيفية حركة الفلك على وجه البحر، فقال جلَّ ذكره: {رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِي ٱلْبَحْرِ} والإزجاء سوق الشيء حالاً بعد حالٍ، وقد تقدَّم في تفسير قوله تعالى: {أية : بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ} تفسير : [يوسف: 88] أي: ربكم الذي يسير لكم الفلك على وجه البحر؛ {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} في طلب التجارة {إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}، و الخطاب في قوله: "ربُّكُمْ" وفي قوله "بِكُمْ" للكلِّ، والمراد من الرحمة: منافع الدنيا ومصالحها. والثاني: قوله: {وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ} أي: خوف الغرق "ضَلَّ"، بطل {مَن تَدْعُونَ} من الآلهة {إِلاَّ إِيَّاهُ} إلا الله، فلم تجدوا مغيثاً سواه، {فَلَمَّا نَجَّاكُمْ} من الغرق، والشدة، وأهوال البحر، وأخرجكم {إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ} عن الإيمان، والإخلاص، والطاعة؛ كفراً منكم لنعمه، {وَكَانَ ٱلإِنسَانُ كَفُوراً}. قوله تعالى: {إِلاَّ إِيَّاهُ}: فيه وجهان: أحدهما: أنه استثناءٌ منقطعٌ؛ لأنه لم يندرج فيما ذكر، إذ المراد به آلهتهم من دون الله. والثاني: متصلٌ؛ لأنهم كانوا يلْجَئُونَ إلى آلهتهم، وإلى الله تعالى. والثالث: {أَفَأَمِنتُمْ} بعد ذلك {أَن يَخْسِفَ بِكُمْ} ربُّكم يغوِّر بكم [جانب] البرِّ. قال الليث - رحمه الله -: الخسفُ والخسوف دخُولُ الشيءِ في الشَّيء، يقال عينٌ خاسفةٌ التي غابت حدقتها في الرَّأس، وعينٌ من الماء خاسفةٌ، أي: غائرة الماءِ، وخسفتِ الشَّمس أي: احتجبت، وكأنَّها وقعت تحت حجابٍ، أو دخلت في جحر، فقوله: {يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ} أي: يغيبكم في جانب البرِّ، وهو الأرض، وإنما قال: جانب البرِّ؛ لأنَّه ذكر البحر أولاً، فهو جانب، والبر جانبٌ، فأخبر الله سبحانه وتعالى؛ أنه كما كان قادراً على أن يغيبهم في الماءِ، فهو قادر على أن يغيبهم في الأرض، فالغرق تغييبٌ تحت الماء، كما أنَّ الخسف تغييبٌ تحت التُّراب. وتقرير الكلام أنَّه تعالى ذكر أولاً أنَّهم كانوا خائفين من هول البحر، فلمَّا نجَّاهم منه آمنوا، فقال: هَبْ أنَّكم نجوتم من هول البحر، فكيف أمنتم من هو البرِّ؛ فإنَّه قادرٌ على أن يسلِّط عليكم آفاتِ البرِّ من جانب التَّحتِ، أو من جانب الفوق، فأما من جانب التَّحت، فالخسف، وأما من جانب الفوق، فبإمطاركم الحجارة، وهو المراد من قوله {أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً} فكما يتضرعون إلى الله تعالى عند ركوب البحر فكذا يتضرَّعون إليه في كل الأحوال، والحَصَبُ في اللغة: المرمى، يقال: حصبته أحصبه، إذا رميته والحَصْبُ: الرَّميُ ومنه قوله تعالى: {أية : حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء: 98]، أي: يُلقَوْنَ فيها، ومعنى قوله "حَاصِباً" أي عذاباً يحصبهم، أي: يرميهم بحجارةٍ. قال أبو عبيدة والقتيبيُّ: الحاصبُ: الرِّيحُ التي ترمي بالحصباء، وهي الحصى الصِّغار؛ قال الفرزدق: شعر : 3441- مُسْتَقْبِلينَ شَمالَ الشَّامِ تَضْربُهمْ حَصْباءُ مِيْلُ نَدِيفِ القُطْنِ مَنْثُورِ تفسير : ويسمَّى السَّحاب الذي يرمي بالبرد والثَّلج حاصباً، لأنه يرمي بهما رمياً، ولم يؤنثه: إمَّا لأنه مجازيٌّ، أو على النسب، أي: ذات حصبٍ. وقال الزجاج: الحاصب التُّراب الذي فيه الحصباء، فالحاصب على هذا هو ذُو الحصباء، مثل اللاَّبن والتَّامر. {ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً} قال قتادة: مَانِعاً. قوله تعالى: {أَفَأَمِنتُمْ}: استفهام توبيخ وتقريع، وقدَّر الزمخشريُّ على قاعدته معطوفاً عليه، أي: أنجوتم، فأمنتم. وقوله تعالى جلَّ ذكره ولا إله إلا هو: {جَانِبَ ٱلْبَرِّ} فيه وجهان: أظهرهما: أنه مفعول به، كقوله: {أية : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ} تفسير : [القصص: 81]. والثاني: أنه منصوبٌ على الظرف. و "بِكُمْ" [يجوز] أن [تكون] حالية، أي مصحوباً بكم، وأن تكون للسببية. قيل: ولا يلزم من خسفه بسببهم أن يهلكوا. وأجيب بأنَّ المعنى: جانب البرِّ الذي أنتم فيه، فيلزم بخسفه هلاكهم، ولولا هذا التقدير، لم يكن في التوعُّد به فائدة. قوله: "أن نخسف" "أو نُرسِلَ" "أو نُعِيدكم" "فَنُرْسِلَ" ["فنُغْرِقكم"] قرأها بنون العظمة ابن كثير، وأبو عمرو، والباقون بالياء فيها على الغيبة، فالقراءة الأولى على سبيل الالتفات من الغائب في قوله "ربُّكم" إلى آخره، والقراءة الثانية على سننِ ما تقدَّم من الغيبة.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر أنه الوكيل الذي لا كافي غيره في حفظه، لاختصاصه بشمول علمه وتمام قدرته، أتبعه بعض أفعاله الدالة على ذلك فقال تعالى، عوداً إلى دلائل التوحيد الذي هو المقصود الأعظم بأحوال البحر الذي يخلصون فيه، في أسلوب الخطاب استعطافاً لهم إلى المتاب: {ربكم} أي المحسن إليكم، هو {الذي يزجي} أي يسوق ويدفع وينفذ {لكم} أي لمنفعتكم {الفلك} التي حملكم فيها مع أبيكم نوح عليه السلام {في البحر لتبتغوا} أي تطلبوا طلباً عظيماً بذلك أنواع المنافع التي يتعذر أو يتعسر الوصول إليها في البر {من فضله} ثم علل فعله ذلك بقوله تعالى: {إنه} أي فعل ذلك لكم لأنه {كان} أي أزلاً وأبداً {بكم} أي أيها المؤمنون خاصة {رحيماً *} أي مكرماً بالتوفيق إلى فعل ما يرضيه في المتجر وغيره، لا لشيء غير ذلك، أو يكون ذلك خطاباً لجميع النوع فيكون المعنى: خصكم به من بين الحيوانات. ولما كان المراد المؤمنين خاصة وإن كان خطاباً للمجموع، خص المشركين كذلك فقال: {وإذا} أي فإذا نعمكم بأنواع الخير كنتم على إشراككم به سبحانه، وإذا {مسكم} ولم يقل: أمسكم - بالإسناد إلى نفسه، تأديباً لنا في مخاطبته بنسبة الخير دون الشر إليه، مع اعتقاده أن الكل فعله، وتنبيهاً على أن الشر مما ينبغي التبرؤ منه والبعد عنه {الضر في البحر} من هيج الماء واغتلامه لعصوف الريح وطمو الأمواج {ضل} أي ذهب وبطل عن ذكركم وخواطركم {من تدعون} من الموجودات كلها {إلا إياه} وحده، فأخلصتم له الدعاء علماً منكم أنه لا ينجيكم سواه {فلما نجّاكم} من الغرق وأوصلكم بالتدريج {إلى البر أعرضتم} عن الإخلاص له ورجعتم إلى الإشراك {وكان الإنسان} أي هذا النوع {كفوراً *} أي بليغ التغطية لما حقه أن يشهر، فأظهر في موضع الإضمار تنبيهاً على أن هذا الوصف لا يخصهم، بل يعم هذا النوع لطبعه على النقائص إلا من أخلصه الله له. ولما كان التقدير: أعرضتم بعد إذ أنجاكم فكفرتم بذلك وكان الكفر وصفاً لكم لازماً، فتسبب عن ذلك أنكم أمنتم، أي فعلتم بذلك فعل الآمن، أنكر عليهم هذا الأمر لكونه من أجهل الجهل فقال تعالى: {أفأمنتم} أي أنجوتم من البحر فأمنتم بعد خروجكم منه {أن يخسف} أي بما لنا من العظمة {بكم} ودل على شدة إسراعهم بالكفر عند وصولهم إلى أول الساحل بقوله تعالى: {جانب البر} أي فنغيبكم فيه في أيّ جانب كان منه، لأن قدرتنا على التغييب في التراب في جميع الجوانب كقدرتنا على التغييب في الماء سواء، فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله في جميع الجوانب {أو} أمنتم إن غلظت أكبادكم عن تأمل مثل هذا أن {يرسل عليكم} من جهة الفوق شيئاً من أمرنا {حاصباً} أي يرمي بالحصباء، أي بالحصى الصغار - قاله الرازي في اللوامع، وقال الرماني: حجارة يحصب بها، أي يرمي بها، حصبه - إذا رماه رمياً متتابعاً - انتهى. يرميكم ذلك الحاصب في وجوهكم أو فوق رؤوسكم رمياً يهلك مثله كما وقع لقوم لوط أنا أرسلنا عليهم حاصباً، وقيل: الحاصب: الريح، ولم يقل: حاصبة لأنه وصف لزمها، ولم يكن لها، مذكر تنتقل إليه في حال فكان بمنزلة حائض {ثم لا تجدوا} أيها الناس {لكم} وأطلق ليعم فقال تعالى: {وكيلاً *} ينجيكم من ذلك ولا من غيره كما لم تجدوا في البحر وكيلاً غيره {أم أمنتم} إن جاوزت بكم الغباوة حدها فلم تجوزوا ذلك {أن يعيدكم فيه} أي البحر بما لنا من العظمة التي تضطركم إلى ذلك فتقركم عليه وإن كرهتم {تارة أخرى} بأسباب تضطركم إلى ذلك {فيرسل عليكم} أي بما لنا من صفة الجلال {قاصفاً} وهو الكاسر بشدة {من الريح} كما عهدتم أمثاله يا من وقفت أفكارهم مع المحسوسات فرضوا بذلك أن يكونوا كالبهائم لا يفهمون إلا الجزئيات المشاهدات {فيغرقكم} أي في البحر الذي أعدناكم فيه، لعظمتنا {بما كفرتم} كما يفعل أحدكم إذا ظفر بمن كفر إحسانه {ثم لا تجدوا لكم} وإن أمعنتم في الطلب، وطالت أزمانكم في إتقان السبب. ولما كان إطلاق النفي في ختام الآية الماضية - وإن كان لإرادة التعميم - يحتمل أن يدعي تقييده بما يخالف المراد، وكان المقصود هنا التخويف بسطوته سبحانه تارة بالخسف وتارة بغيره، قيد بما عين المراد، وقدم قوله تعالى: {علينا} دلالة على باهر العظمة {به} أي بما فعلنا بكم {تبيعاً *} أي مطالباً يطالبنا به.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {يزجي} قال: يجري. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطاء الخراساني رضي الله عنه في قوله: {يزجي لكم الفلك} قال: يسيرها في البحر. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني رضي الله عنه قال: {الفلك} السفن. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي رضي الله عنه في قوله: {إنه كان بكم رحيماً} قال: نزلت في المشركين. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {أو يرسل عليكم حاصباً} قال: مطر الحجارة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {أو يرسل عليكم حاصباً} قال: حجارة من السماء {ثم لا تجدوا لكم وكيلاً} أي منعة ولا ناصراً {أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى} أي مرة أخرى في البحر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فيرسل عليكم قاصفاً من الريح} قال: التي تغرق. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: القاصف والعاصف في البحر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {قاصفاً} قال: عاصفاً. وفي قوله: {ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً} قال: نصيراً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {تبيعاً} قال: ثائراً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً} قال: لا يتبعنا أحد بشيء من ذلك.
القشيري
تفسير : تعرَّف إلى عباده بخَلْقِه وإنعامه، فما من حادثٍ من عينٍ أو أثرٍ أو طَلَلٍ أو غََبَرٍ إلا وهو شاهِدٌ على وحدانيته، دالٌّ على ربوبيته.
اسماعيل حقي
تفسير : {ربكم}[برور دكار شما] وهو مبتدأ خبره قوله {الذى} القادر الحكيم الذى {يزجى} الازجاء [راندن] يقال زجاه وازجاه ساقه اى يسوق ويجرى بقدرته الكاملة {لكم} لمنافعكم {الفلك} اى السفن {فى البحر} [در دريا]. قال فى القاموس البحر الماء الكثير {لتبتغوا} لتطلبوا {من فضله} من رزق هو فضل من قبله {انه كان بكم} ازلا وابدا {رحيما} حيث هيأ لكم ما تحتاجون اليه وسهل عليكم ما يعسر من اسبابه فالمراد الرحمة الدنيوية والنعمة العاجلة المنقسمة الى الجليلة والحقيرة.
الجنابذي
تفسير : {رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي} يجرى {لَكُمُ ٱلْفُلْكَ} فانّه الّذى جعل اخشابها ذوات مسامٍّ يدخل فيه الهواء فيمنعها من الرّسوب فى الماء وجعل الهواء يتبادر الى الخلأ لامتناع الخلأ فيمنع ايضاً من الرّسوب وجعل الهواء متموّجاً فيحرّكها على الماء، وجعل لكم ما تتفطّنون بكيفيّة صنع الفلك ووضع الشّراع بحيث تتحرّك الى مقاصدكم وجعل لكم ما تتفطّنون بسببه بتمويج الهواء باختياركم كما اخترعوا من تحريك الفلك بالبخار {فِي ٱلْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} بنقلكم الامتعة الى البلاد البعيدة وتجاراتكم الرّابحة {إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} فى موضع تعليلٍ.
الأعقم
تفسير : {ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيماً} أي منعماً عليكم، احتج عليهم بدلائل التوحيد حثاً على اتباع أمره {وإذا مسكم الضر في البحر} خوف الغرق {ضلّ من تدعون إلا إياه} يعني أيقنتم أنكم لا تجدون ملجأ غيره، وضلّ عنكم ما كنتم دعوتموه إنها غيره {فلما نجاكم}: خلصكم {إلى البر أعرضتم} عن الايمان والطاعة كفراً بالنعمة {وكان الانسان كفوراً} وعادته الكفر بالنعم، وهذه عادة من لا يعرف الله حق معرفته {أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر} أي يقلبه وأنتم عليه، وكما قال: وخسفنا به وبداره الأرض {أو يرسل عليكم حاصباً} أي حصب بالحجارة من السماء، وقيل: هي الريح التي تحصب يعني إن لم يصيبكم بالهلاك من تحتكم بالخسف أصابكم بريح من فوقكم يرسلها {أم أمنتم}: أي تقوى دواعيكم وتوفر حوائجكم إلى أن ترجعوا فتركبوا البحر مرة ثانية، تارة أخرى أي مرة أخرى {فيرسل عليكم قاصفاً من الريح}، قيل: ريح شديدة لها صوت {فيغرقكم بما كفرتم} أي بكفرانكم نعم الله وجحودكم إياه {ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً} يعني طالباً ولا ناصراً وأصله من يتبع إهلاككم للمطالبة بدمائكم {ولقد كرّمنا بني آدم} أي أكرمناهم بإنعامنا عليهم بأنواع النعم، ومتى قيل: لم أطلق وفيهم الكافر والمهين؟ قالوا: معناه أكرمناهم بالانعام الدنياوي كالصورة الحسنة وتسخير الأشياء لهم وكرامة الله بالعقل والنطق والتمييز والخط والصورة الحسنة والقامة المعتدلة، وقيل: بتسليطهم على من في الأرض وتسخيره لهم، وقيل: كل شيء يأكل بنيه إلا ابن آدم، وقيل: بأن جعل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم {وحملناهم في البر والبحر} يعني في البر على ظهور الدواب وفي البحر على السفن، وذلك نعم يخص بها بنو آدم {ورزقناهم من الطيبات} كسب الرجل بيده من وجه حلال، وقيل: أراد المطاعم فجعل لهم الأطيب من كل شيء وما لا يستلذونه فهو لغيرهم {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً} هو ما سوى الملائكة (صلوات الله عليهم) وقيل: الإِكرام بالنعم التي يصنع بها التكليف، والفضل هو التكليف الذي عرضه به للمنازل العالية يوم القيامة.
اطفيش
تفسير : {رَّبُّكُمُ الَّذِى يُزْجِى لَكُمْ الْفُلْكَ} يدفعها بالريح اللينة والمجاديف إِذ ألهمكم المجاديف فكأَنَهُ قيل يسوقها. {فِى الْبَحْرِ} حال من الفلك أو يتعلق بيزجى. {لِتَبْتَغُوا} تطلبوا بالكسب الأَرباح وأنواع الأمتعة كان عندكم مثلها أو لم تكن. {مِن فَضْلِه} من سعة رحمته. {إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} بخلق ما تحتاجون إِليه وتسخير الفلك لتتوصلوا بها إِليه.
الالوسي
تفسير : {رَبَّكُمُ ٱلَّذِى يُزْجِى لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِى ٱلْبَحْرِ} مبتدأ وخبر، وقيل الموصول صفة {رَبُّكُـمْ} وهو صفة لقوله تعالى {أية : ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ} تفسير : [الإسراء: 51] أو بدل منه وذلك جائز وإن تباعد ما بينهما اهـ وفيه ما فيه. وأصل الإزجاء السوق حالاً بعد حال والمراد به الإجراء وكأن اختياره عليه لما أنه أدل منه على القسر وهو أوفق بالمقام وأعظم في الإنعام أي هو سبحانه وتعالى القادر الحكيم الذي يجري لنفعكم السفن في البحر بالريح اللينة وبالآلات حسبما جرت به عادته تعالى {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} تصريح بالنفع أي لتطلبوا من رزقه الذي هو فضل من قبله سبحانه أو من الربح الذي هو جل شأنه معطيه. و(من) تبعيضية وتفسير الفضل بالحج أو الغزو غير مناسب. وهذا تذكير لبعض النعم التي هي دلائل التوحيد الذي هو المراد الأصلي من البعثة وتمهيد لذكر توحيدهم عند مساس الضر تكملة لما مر من قوله سبحانه: {أية : فَلاَ يَمْلِكُونَ} تفسير : [الإسراء: 56] الآية. {إِنَّهُ كَانَ} أزلاً وأبداً {بِكُمْ رَحِيماً} حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه وسهل عليكم ما يعسر من مباديه، وهذا تذييل فيه تعليل لما سبق من الإزجاء والابتغاء للفضل ((وصيغة الرحيم كما في «إرشاد العقل السليم» للدلالة على أن المراد بالرحمة الرحمة الدنيوية والنعمة العاجلة المنقسمة إلى الجليلة والحقيرة)) وهو مبني على اختصاص الرحيم بالدنيا كما هو المشهور، وعليه «يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا»، وقيل بعدم الاختصاص وعليه «يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما».
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي وهو عوْد إلى تقرير أدلة الانفراد بالتصريف في العالم المشوبة بما فيها من نعم على الخلق، والدالة بذلك الشوب على إتقان الصنع ومحكم التدبير لنظام هذا العالم وسيادة الإنسان فيه وعليه. ويشبه أن يكون هذا الكلام عوداً إلى قوله: {أية : ويدعُ الإنسان بالشر دعاءه بالخير}تفسير : [الإسراء: 11] كما تقدم هناك فراجعه. فلما جرى الكلام على الإنذار والتحذير أعقب هنا بالاستدلال على صحة الإنذار والتحذير. والخطاب لجماعة المشركين كما يقتضيه قوله عقبه:{ أية : فلما نجاكم إلى البر أعرضتم }تفسير : [الإسراء: 67]، أي أعرضتم عن دعائه ودعوتم الأصنام، وقولُه:{أية : ضل من تدعون إلا إياه }تفسير : [الإسراء: 67]. وافتتحت الجملة بالمسند إليه معرفاً بالإضافة ومستحضراً بصفة الربوبية لاستدعاء إقبال السامعين على الخبر المؤذن بأهميته حيث افتتح بما يترقب منه خبر عظيم لكونه من شؤون الإله الحق وخالق الخلق ومدبر شؤونهم تدبير اللطيف الرحيم، فيوجب إقبال السامع بِشَرَاشِرِه إن مؤمناً متذكراً أو مشركاً ناظراً متدبراً. وجيء بالجملة الاسمية لدلالتها على الدوام والثبات. وبتعريف طرفيها للدلالة على الانحصار، أي ربكم هو الذي يزجي لكم الفلك لا غيرُه ممن تعبدونه باطلاً وهو الذي لا يزال يفعل ذلك لكم. وجيء بالصلة فعلاً مضارعاً للدلالة على تكرر ذلك وتحدده. فحصلت في هذه الجملة على إيجازها معان جمة خصوصية. وفي ذلك حد الإعجاز. ويُزجي: يسوق سوقاً بطيئاً شبه تسخير الفلك للسير في الماء بإزجاء الدابة المثقلة بالحمل. والفلُك هنا جمع لا مفرد. والبحر: الماء الكثير فيشمل الأنهار كالفرات والدجلة، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : والفلك التي تجري في البحر}تفسير : في سورة [البقرة: 164]. والابتغاء: الطلب. والفضل: الرزق، أي للتجارة وتقدم عند قوله تعالى:{أية : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم}تفسير : في سورة [البقرة: 198]. وهذا امتنان على الناس كلّهم مناسب لعموم الدعوة، لأنّ أهل مكة ما كانوا ينتفعون بركوب البحر وإنما ينتفع بذلك عرب اليمن وعرب العراق والناس غيرهم. وجملة {إنه كان بكم رحيماً} تعليل وتنبيه لموقع الامتنان ليرفضوا عبادة غيره مما لا أثر له في هذه المنة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يزجي لكم الفلك: أي يسوقها فتسير فيه. لتبتغوا من فضله: أي لتطلبوا رزق الله بالتجارة من إقليم إلى آخر. وإذا مسكم الضُر: أي الشدة والبلاء والخوف من الغرق. ضل من تدعون إلا إياه: أي غاب عنكم من كنتم تدعونهم من آلهتكم. أعرضتم: أي عن دعاء الله وتوحيده في ذلك. أو يرسل عليكم حاصباً: أي ريحاً ترمي بالحصباء لشدتها. ثم لا تجدوا لكم وكيلاً: أي حافظاً منه أي من الخسف أو الريح الحاصب. قاصفاً من الريح: أي ريحاً شديدة تقصف الأشجار وتكسرها لقوتها. علينا به تبيعاً: أي نصيراً ومعيناً يتبعنا ليثأر لكم منا. ولقد كرمنا بني آدم: أي فضلناهم بالعلم والنطق واعتدال الخلق. حملناهم في البر والبحر: في البر على البهائم والبحر على السفن. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد والدعوة إليه. فقوله تعالى: {رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِي ٱلْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} يخبرهم تعالى بأن ربهم الحق الذي يجب أن يعبدوه ويطيعوه بعد أن يؤمنوا هو الذي {يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ} أي السفينة {فِي ٱلْبَحْرِ} أي يسوقها فتسير بهم في البحر إلى حيث يريدون من أجل أن يطلبوا رزق الله لهم بالتجارة من إقليم لآخر. هذا هو إلهكم الحق، أما الأصنام والأوثان فهي مخلوقة لله مربوية له، لا تملك لنفسها فضلاً عن غيرها، نفعاً ولا ضراً. وقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} ومن رحمته تعالى تسخيره البحر لهم وإزجاء السفن وسوقها فيه ليحصلوا على أقواتهم عن طريق السفر والتجارة. وقوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ} يذكرهم بحقيقة واقعة لهم وهي أنهم إذا ركبوا في الفلك وأصابتهم شدة من مرض أو ضلال طريق أو عواصف بحرية اضطربت لها السفن وخافوا الغرق دعوا الله وحده ولم يبق من يدعوه سواه تعالى لكنهم إذا نجاهم من الهلكة التي خافوها ونزلوا بشاطئ السلامة أعرضوا عن ذكر الله وذكروا آلهتهم ونسوا ما كانوا يدعونه وهو الله من قبل {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً} هذا طبعه وهذه حاله سرعة النسيان، وشدة الكفران وقوله تعالى: وهو يخاطبهم لهدايتهم {أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ} يقرعهم على إعراضهم فيقول {أَفَأَمِنْتُمْ} الله تعالى {أَن يَخْسِفَ بِكُمْ} جانب الأرض الذي نزلتموه عند خروجكم من البحر {أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً} أي ريحاً شديدة تحمل الحصباء فيهلككم كما أهلك عاداً {ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ} من غير الله {وَكِيلاً} يتولى دفع العذاب عنكم ويقول: {أَمْ أَمِنْتُمْ} الله تعالى {أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ} أي في البحر {تَارَةً أُخْرَىٰ} أي مرة أخرى {فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ ٱلرِّيحِ} أي ريحاً شديدة تقصف الأشجار وتحطمها {فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ} أي بسبب كفركم كما أغرق آل فرعون {ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً} أي تابعاً يثأر لكم منا ويتبعنا مطالباً بما نلنا منكم من العذاب. فما لكم إذاً لا تؤمنون وتوحدون وبالباطل تكفرون. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ} أي فضلناهم بالنطق والعقل والعلم واعتدال الخلق {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} على ما سخرنا لهم من المراكب {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي المستلذات من اللحوم والحبوب والفواكه والخُضَر والمياه العذبة الفرات. وقوله تعالى: {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} فالآدميون أفضل من الجن وسائر الحيوانات، وخواصهم أفضل من الملائكة، وعامة الملائكة أفضل من عامة الآدميين ومع هذا فإن الآدمي إذا كفر ربه وأشرك في عبادته غيره، وترك عبادته، وتخلى عن محبته ومراقبته أصبح شر الخليقة كلها. قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ} تفسير : [البينة: 6]. من هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تعريف الله تعالى بذكر صفاته الفعلية والذاتية. 2- تذكير المشركين بحالهم في الشدة والرخاء حيث يعرفون الله في الشدة ويخلصون له الدعاء، وينكرونه في الرخاء ويشركون به سواه. 3- تخويف المشركين بأن الله تعالى قادر على أن يخسف بهم الأرض أو يرسل عليهم حاصباً من الريح فيهلكهم أو يردهم إلى البحر مرة أخرى ويرسل عليهم قاصفاً من الريح فيغرقهم بسبب كفرهم بالله، وعودتهم إلى الشرك بعد دعائه تعالى والتضرع إليه حال الشدة. 4- بيان منن الله تعالى على الإِنسان وأفضاله عليه في تكريمه وتفضيله. 5- حال الرخاء أصعب على الناس من حال الشدة بالقحط والمرض، أو غيرهما من المصائب. 6- الإِعلان عن كرامة الآدمي وشرفه على سائر المخلوقات الأرضية.
القطان
تفسير : يزجي: يسوق، يجري. الضر: الخوف. ضل: غاب. ان يخسف بكم: يجعل البر يغور بكم. حاصبا: ريحا فيها حصباء وحجارة. قاصفا من الريح: ريحا تكسر الشجر وغيره. التبيع: المطالب بالثأر. {رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ....} الآيات. ربكم الذي يجري لكم السفن في البحر لتطلبوا الربح بالتجارة والحصول على ما ليس عنكم من محصول الأمم وصناعتها، انه دائم الرحمة بكم. واذا خفتم الغرق وانتم في البحر ذهب عن ذاكرتكم كل ما تعبدون من دون الله، والتجأتم اليه وحده، فلما انجاكم الى البر أعرضتم وعدتم الى ما كنتم عليه، ان شأن الانسان الكفر وجحد النعمة. وقد مر نظير هذا في سورة يونس الآية 22 وما بعدها. افأمنتم وقد نجوتم الى البر ان يخسفه بكم فتغور بكم الارض، او يرسل عليكم ريحا تقذفكم بالحصباء ثم لا تجدون من يحميكم منه!؟ ام أمنتم ان يعيدكم في البحر مرة اخرى، فيرسل عليكم ريحا لا تمر على شيء الا قصفته، فيغرقكم بسبب كفركم وجحودكم نعمة الله حين انجاكم من قبل، ثم لا تجدون من يطالبنا بما فعلنا بكم!؟ قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو: "ان نخسف بكم، او نرسل عليكم، ام امنتم ان نعيدكم، فنرسل عليكم" بالنون في هذه جميعا، والباقون بالياء.
د. أسعد حومد
تفسير : (66) - وَاللهُ تَعَالَى رَبُّكُمْ هُوَ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ السُّفُنَ وَالمَرَاكِبَ، لِتَسِيرَ فِي البَحْرِ، وَتَنْقُلَكُمْ وَأَثْقَالَكُمْ وَأَمْتِعَتَكُمْ وَتِجَارَتَكُمْ، مِنْ مَكَانٍ إِلَىمَكَانٍ، لِتَبْتَغُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَفَضْلِهِ، بِالتِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَسْبَابِ الرِّزْقِ وَالكَسْبِ، وَتَبَادُلِ الحَاجَاتِ وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ. يُزْجِي - يُجْرِي وَيُسَيِّرُ وَيَسُوقُ بِرِفْقٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الربّ هو المتولّي تربيتك: خَلْقاً من عَدم، وإمداداً من عُدم، وقيُّوميته تعالى عطاء ينتظم المؤمن والكافر {يُزْجِي} الإزجاء: الإرسال بهوادة شيئاً فشيئاً. و{ٱلْفُلْكَ} هي السفن وتُطلَق على المفرد وعلى الجمع، وعلى المذكّر والمؤنث. ومنها قوله تعالى: {أية : وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ ..}تفسير : [البقرة: 164]. ومنها قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ..}تفسير : [يونس: 22]. ثم يقول تعالى: {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ..} [الإسراء: 66]. الابتغاء هو القصد إلى نافع يطلب من البحر كالقوت أو غيره، كما قال تعالى في آية أخرى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ..}تفسير : [النحل: 14]. فالبحر مصدر من مصادر الرزق والقُوت، ومُسْتودع لثروة عظيمة من فضل الله تعالى؛ لذلك قال بعدها: {إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [الإسراء: 66]. والرحمة اتساع مَدَد الفضل من الله، فالذي أعطاكم البَرَّ بما فيه من خيرات أعطاكم البحر أيضاً بما فيه من خيرات. والأرض التي نعيش عليها إما بَرَّ يسمى يابسة، أو بحر، وإنْ كانت نسبة اليابس من الأرض الرُّبْع أو الخُمْس، فالباقي بحر شاسع واسع يَزْخَر من خَيْرات الله بالكثير. وطُرُق السير في اليابسة كثيرة متعددة، تستطيع أن تمشي أو تركب، وكُلُّ وسيلة من وسائل الركوب حَسْب قدرة الراكب، فهذا يركب حماراً، وهذا يركب سيارة، وتستطيع أن تنتقل فيها من مكان إلى آخر. أما البحر فلا يمكن الانتقال فيه إلا أنْ تُحملَ على شيء، فمن رحمة الله بنا أنْ جعل لنا السفن آية من آياته تسير بنا على لُجَّة الماء، ويمسكها بقدرته تعالى فنأمَن الغرق. وأول مَنْ صنع السفن بوحي من الله نوح عليه السلام، فلم تكُنْ معروفة قبله، بدليل قوله تعالى: {أية : وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ}تفسير : [هود: 38]. فلم يكُنْ للناس عَهْد بالسفن، وكانت سفينة نوح بدائية من ألواح الخشب والحبال، ولولا أن الله تعالى دَلَّه على طريقة بنائها، وهداه إلى تنظيمها ما كان له عِلْم بهذه المسألة، فكَوْنُ الحق سبحانه يهدينا بواسطة نبي من أنبيائه إلى مركب من المراكب التي تيسّر لنا الانتفاع بثلاثة أرباع الأرض، لا شكَّ أنها رحمة بالإنسان وتوسيع عليه. وكذلك من رحمته بنا أنْ يسّر لنا تطوير هذا المركب على مَرِّ العصور، فبعد أنْ كان يتحرك على سطح الماء بقوة الهواء باستخدام ما يُسمَّى بالقِلْع، والذي يتحكم في المركب من خلاله، ويستطيع الربّان الماهر تسفيح القلع، يعني توجيهه إلى الناحية التي يريدها. فكان الريح هو الأصل في سَيْر السفن، ثم أتى التقدم العلمي الذي اكتشف البخار والآلات ثم الكهرباء، وبذلك سهّل على الإنسان تحريك السفن على سطح الماء بسهولة ويُسْر، كما تطورتْ صناعة السفن كذلك على مَرِّ العصور، حتى أصبحنا نرى الآن البوارج الكبيرة متعددة الأدوار، والتي تشبه فعلاً الجبال، مِصْداقاً لقوله الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ}تفسير : [الشورى: 32]. يعني: كالجبال، وكأن الحق سبحانه وتعالى يُعطينا الدليل على عِلْمه تعالى بما سيصل إليه العالم من تقدم، وما ستصل إليه صناعة السفن من رقيّ يصل بها إلى أنْ تكونَ كالجبال، وإلاّ ففي زمن نزول القرآن لم يكُنْ هناك بوارج عالية كهذه، إنها لم توجد إلا بعد قانون أرشميدس الذي تُبْنَى على أساسه هذه البوارج. لكن مع كل هذا التقدم في مجال الملاحة البحرية لا نغفل أن القدرة الإلهية هي التي تُسيِّر هذه السفن، وتحملها بأمان على صفحة الماء، ويجب أَلاّ يغتَرّ الإنسان بما توصّل إليه من العلوم، ويظن أنه أصبح مالكاً لزمام الأمور في الكون؛ لأن الحق سبحانه يقول: {أية : إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ..}تفسير : [الشورى: 33]. والريح هي الأصل في تسيير السفن. فإنْ قال قائل الآن: إنْ توقف الريح استخدمنا القوى الأخرى مثل البخار أو الكهرباء. نقول: لقد أخذت الريح على أنه الهواء فقط، إنما لو نظرتَ إلى كلمة الريح، وماذا تعني لوجدتَ أن معنى الريح القوة المطلقة أيّاً كان نوعها، بدليل قَوْل الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ..}تفسير : [الأنفال: 46] إذن: الريح هو القوة المطلقة. فمعنى: {أية : يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ ..}تفسير : [الشورى: 33] يُسكِن القوة المحرّكة للسفن أيّاً كانت هذه القوة: قوة الريح أو البخار أو الكهرباء أو غيرها من القوى، فإنْ شاء سبحانه تعطَّلَتْ كُلُّ هذه القوى. ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يذكر تعالى نعمته على العباد بما سخر لهم من الفلك والسفن والمراكب وألهمهم كيفية صنعتها، وسخر لها البحر الملتطم يحملها على ظهره لينتفع العباد بها في الركوب والحمل للأمتعة والتجارة. وهذا من رحمته بعباده فإنه لم يزل بهم رحيما رؤوفا يؤتيهم من كل ما تعلقت به إرادتهم ومنافعهم. ومن رحمته الدالة على أنه وحده المعبود دون ما سواه أنهم إذا مسهم الضر في البحر فخافوا من الهلاك لتراكم الأمواج ضل عنهم ما كانوا يدعون من دون الله في حال الرخاء من الأحياء والأموات، فكأنهم لم يكونوا يدعونهم في وقت من الأوقات لعلمهم أنهم ضعفاء عاجزون عن كشف الضر وصرخوا بدعوة فاطر الأرض والسماوات الذي تستغيث به في شدائدها جميع المخلوقات وأخلصوا له الدعاء والتضرع في هذه الحال. فلما كشف الله عنهم الضر ونجاهم إلى البر ونسوا ما كانوا يدعون إليه من قبل وأشركوا به من لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع وأعرضوا عن الإخلاص لربهم ومليكهم، وهذا من جهل الإنسان وكفره فإن الإنسان كفور للنعم، إلا من هدى الله فمن عليه بالعقل السليم واهتدى إلى الصراط المستقيم، فإنه يعلم أن الذي يكشف الشدائد وينجي من الأهوال هو الذي يستحق أن يفرد وتخلص له سائر الأعمال في الشدة والرخاء واليسر والعسر. وأما من خذل ووكل إلى عقله الضعيف فإنه لم يلحظ وقت الشدة إلا مصلحته الحاضرة وإنجاءه في تلك الحال. فلما حصلت له النجاة وزالت عنه المشقة ظن بجهله أنه قد أعجز الله ولم يخطر بقلبه شيء من العواقب الدنيوية فضلا عن أمور الآخرة. ولهذا ذكرهم الله بقوله: { أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا } أي: فهو على كل شيء قدير إن شاء أنزل عليكم عذابا من أسفل منكم بالخسف أو من فوقكم بالحاصب وهو العذاب الذي يحصبهم فيصبحوا هالكين، فلا تظنوا أن الهلاك لا يكون إلا في البحر. وإن ظننتم ذلك فأنتم آمنون من { أَنْ يُعِيدَكُمْ } في البحر { تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ } أي: ريحا شديدة جدا تقصف ما أتت عليه. { فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا } أي: تبعة ومطالبة فإن الله لم يظلمكم مثقال ذرة.
همام الصنعاني
تفسير : 1591- حدثنا عبد الرزاق، قال معمر، قال قتادة، في قوله تعالى: {رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِي ٱلْبَحْرِ}: [الآية: 66]، قال: يُسَيِّرها، فيرسل عَلَيْكم قاصِفاً من الريح، قال: {أية : ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً}تفسير : : [الآية: 69]، يقول: لا يَتْبَعُنَا أحدٌ بشيءٍ من ذلِكَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):