١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
67
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ} «الضُّرُّ» لفظ يعم خوف الغرق والإمساك عن الجَرْي. وأهوال حالاته اضطرابه وتموّجه. {ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ} «ضلَّ» معناه تَلِف وفُقد، وهي عبارة تحقيرٍ لمن يدعي إلهاً من دون الله. والمعنى في هذه الآية: أن الكفار إنما يعتقدون في أصنامهم أنها شافعة، وأن لها فضلاً، وكلّ واحد منهم بالفطرة يعلم علما لا يقدر على مدافعته أن الأصنام لا فعل لها في الشدائد العظام، فوقّفهم الله من ذلك على حالة البحر حيث تنقطع الحيل. {فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ} أي عن الإخلاص. {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً} الإنسان هنا الكافر. وقيل: وطبع الإنسان كفورا للنعم إلا مَن عَصَمه الله، فالإنسان لفظ الجنس.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ } خوف الغرق. {ضَلَّ مَن تَدْعُونَ } ذهب عن خواطركم كل من تدعونه في حوادثكم. {إِلاَّ إِيَّاهُ } وحده فإنكم حينئذ لا يخطر ببالكم سواه فلا تدعون لكشفه إلا إياه، أو ضل كل من تعبدونه عن إغاثتكم إلا الله. {فَلَمَّا نَجَّـٰكُمْ } من الغرق. {إِلَى ٱلْبَرّ أَعْرَضْتُمْ } عن التوحيد. وقيل اتسعتم في كفران النعمة كقول ذي الرمة:شعر : عَطَاء فَتَى تَمَكَّنَ فِي المَعَالي فَأَعْرَضَ فِي المَكَارِمِ وَاسْتَطَالاَ تفسير : {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ كَفُورًا } كالتعليل للإعراض.
ابن كثير
تفسير : يخبر تبارك وتعالى: أن الناس إذا مسهم ضر، دعوه منيبين إليه، مخلصين له الدين، ولهذا قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلآ إِيَّاهُ} أي: ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون غير الله تعالى؛ كما اتفق لعكرمة بن أبي جهل لما ذهب فاراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة، فذهب هارباً، فركب في البحر ليدخل الحبشة، فجاءتهم ريح عاصف، فقال القوم بعضهم لبعض: إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعوا الله وحده، فقال عكرمة في نفسه: والله إن كان لا ينفع في البحر غيره، فإنه لا ينفع في البر غيره، اللهم لك علي عهد لئن أخرجتني منه، لأذهبن فلأضعن يدي في يدي محمد، فلأجدنه رؤوفاً رحيماً، فخرجوا من البحر، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه رضي الله عنه وأرضاه. وقوله تعالى: {فَلَمَّا نَجَّـٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ} أي: نسيتم ما عرفتم من توحيده، وأعرضتم عن دعائه وحده لا شريك له {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ كَفُورًا} أي: سجيته هذا، ينسى النعم ويجحدها، إلا من عصم الله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ } الشدّة {فِى ٱلْبَحْرِ } خوف الغرق {ضَلَّ } غاب عنكم {مَن تَدْعُونَ } تعبدون من الآلهة فلا تدعونه {إِلاَّ إِيَّاهُ } تعالى فإنكم تدعونه وحده لأنكم في شدّة لا يكشفها إلا هو {فَلَمَّا نَجَّٰكُمْ } من الغرق وأوصلكم {إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ } عن التوحيد {وَكَانَ ٱلإِنْسَٰنُ كَفُورًا } جحوداً للنعم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وإذا مَسّكم الضُّرُّ في البحر ضَلَّ من تدعون إلا إياه} فيه وجهان: أحدهما: بطل من تدعون سواه، كما قال تعالى {أية : أضلَّ أعمالهم} تفسير : [محمد: 1] أي أبطلها. الثاني: معناه غاب من تدعون كما قال تعالى {أية : أئِذا ضَلَلْنا في الأرض} تفسير : [السجدة: 10] أي غِبْنَا.
النسفي
تفسير : {وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ } أي خوف الغرق {ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ } ذهب عن أوهامكم كل من تدعونه في حوادثكم إلا إياه وحده فإنكم لا تذكرون سواه، أو ضل من تدعون من الآلهة عن إغاثتكم ولكن الله وحده الذي ترجونه على الاستثناء المنقطع {فَلَمَّا نَجَّـٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرّ أَعْرَضْتُمْ } عن الإخلاص بعد الخلاص {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ } أي الكافر {كَفُورًا } للنعم {أَفَأَمِنتُمْ } الهمزة للإنكار والفاء للعطف على محذوف تفديره: أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض {أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرّ } انتصب {جانب} بـ {يخسف} مفعولاً به كالأرض في قوله: {أية : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ }تفسير : [القصص: 81] و{بكم} حال، والمعنى أن يخسف جانب البر أي يقلبه وأنتم عليه، والحاصل أن الجوابب كلها في قدرته سواء وله في كل جانب أو براً كان أو بحراً، من أسباب الهلاك ليس جانب البحر وحده مختصاً به، بل إن كان الغرق في جانب البحر ففي جانب البر الخسف، وهو تغييب تحت التراب والغرق تغييب تحت الماء، فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله في جميع الجوانب وحيث كان {أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا } هي الريح التي تحصب أي ترمي بالحصباء يعني أو إن لم يصبكم بالهلاك من تحتكم بالخسف أصابكم به من فوقكم بريح يرسلها عليكم فيها الحصباء {ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً } يصرف ذلك عنكم {أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ } أي أم أمنتم أن يقوي دواعيكم ويوفر حوائجكم إلى أن ترجعوا فتركبوا البحر الذي نجاكم منه فأعرضتم فينتقم منكم بأن يرسل عليكم {قَاصِفًا مّنَ ٱلرّيحِ } وهي الريح التي لها قصيف وهو الصوت الشديد أو هو الكاسر للفلك {فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ } بكفرانكم النعمة هو إعراضكم حين نجاكم {ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا } مطالباً من قوله: {أية : فَٱتِبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ }تفسير : [البقرة: 178] أي مطالبة، والمعنى إنا نفعل ما نفعل بهم ثم لا تجدوا أحداً يطالبنا بما فعلنا انتصاراً منا ودركاً للنار من جهتنا وهذا نحو قوله: {أية : وَلاَ يَخَافُ عُقْبَـٰهَا }تفسير : [الشمس: 16] {أن نخسف} {أو نرسل} {أن نعيدكم} {فنرسل} {فنغرقكم} بالنون: مكي وأبو عمرو .
ابو السعود
تفسير : {وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ} خوفَ الغرقِ فيه {ضَلَّ مَن تَدْعُونَ} أي ذهب عن خواطركم ما كنتم تدعون من دون الله من الملائكة أو المسيحِ أو غيرهم {إِلاَّ إِيَّاهُ} وحده من غير أن يخطُر ببالكم أحدٌ منهم وتدعوه لكشفه استقلالاً أو اشتراكاً، أو ضل كلُّ مَنْ تدعونه عن إغاثتكم وإنقاذِكم ولم يقدِر على ذلك إلا الله، على الاستثناء المنقطع {فَلَمَّا نَجَّـٰكُمْ} من الغرق وأوصلكم {إِلَى ٱلْبَرّ أَعْرَضْتُمْ} عن التوحيد أو اتسعتم في كُفران النعمة {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ كَفُورًا} تعليلٌ لما سبق من الإعراض. {أَفَأَمِنتُمْ} الهمزة للإنكار والفاء للعطف على محذوف تقديره أنجوتم فأمنتم {أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرّ} الذي هو مأمنُكم أي يقلِبه ملتبساً بكم أو بسبب كونِكم فيه، وفي زيادة الجانبِ تنبـيهٌ على تساوي الجوانب والجهاتِ بالنسبة إلى قدرته سبحانه وتعالى وقهرِه وسلطانِه، وقرىء بنون العظمة {أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ} من فوقكم وقرىء بالنون {حَـٰصِباً} ريحاً ترمي بالحصباء {ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً} يحفظكم من ذلك أو يصرِفه عنكم فإنه لا رادَّ لأمره الغالب. {أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ} في البحر، أُوثرت كلمةُ في على كلمة إلى المنبئةِ عن مجرد الانتهاء للدِلالة على استقرارهم فيه {تَارَةً أُخْرَىٰ} إسنادُ الإعادة إليه تعالى مع أن العَوْدَ إليه باختيارهم باعتبار خلقِ الدواعي الملجئةِ لهم إلى ذلك، وفيه إيماءٌ إلى كمال شدةِ هولِ ما لاقَوْه في التارة الأولى بحيث لولا الإعادةُ لما عادوا {فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ} وأنتم في البحر وقرىء بالنون {قَاصِفًا مّنَ ٱلرّيحِ} وهي التي لا تمر بشيء إلا كسرَتْه وجعلتْه كالرميم، أو التي لها قصيفٌ وهو الصوتُ الشديد كأنها تتقصّف أي تتكسر {فَيُغْرِقَكُم} بعد كسر فُلْكِكم كما ينبىء عنه عنوانُ القصفِ، وقرىء بالنون وبالتاء على الإسناد إلى ضمير الريح {بِمَا كَفَرْتُمْ} بسبب إشراكِكم أو كفرانِكم لنعمة الإنجاء {ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا} أي ثائراً يطالبنا بما فعلنا انتصاراً منا ودَرْكاً للثأر من جهتنا كقوله سبحانه: { أية : وَلاَ يَخَافُ عُقْبَـٰهَا} تفسير : [الشمس، الآية 15].
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ}[67] أي ما تسألون كشفه إلا منه، وتتبرؤون من حولكم وقوتكم، وتعترفون بحوله وقوته، وهذه الآية رد على أهل القدر الذين يدّعون الاستطاعة لأنفسهم دون الله تعالى.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ} [الآية: 67]. قال ابن عطاء: ليس بخالص لله من لا يكون فى حالة الرخاء مع الله كحال الشدة، ومن يلتجئ إلى غيره فى حال الشدائد فهو من العبيد السّوء الذى لا يقومُه إلا الأدب.
القشيري
تفسير : جُبِلَ الإنسانُ على أنه إذا أصابته نقمةٌ، أو مَسَّتْه محنة فَزْعَ إلى الله لاستدفاعها، وقد يُعْتَقَدُ أنهم لن يعودوا بعدها إلى ما ليس فيه رضاء الله، فإذا أزال اللَّهُ تلك النِّقمة وكَشَفَ تلك المحنة عادوا إلى ما عنه تابوا، كأنهم لم يكونوا في ضُرِّ مَسَّهم، وفي معناه أنشدوا: شعر : فكم قد جهلتم ثم عُدْنا بِحِلْمِنا أحباءَنا كم تجهلون! وَتَحْلمُ!
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ} اشارة الحقيقة مع العارف اذا وقع فى بحر الديمومية والازلية واستغرق فى طوفان الاولية وفنى فى سطوات الالوهية تبرأ ممّا له من الكرامات والولايات والفراسات والمقامات والحالات والمكاشفات والمعارف ودعاوى الاتحاد والاتصاف ويلتجئ منه اليه فلما خرج من تلك الاحوال الرفيعة الى مقاماته الشريفة رجع الى رؤية الاحوال والمقامات فيدعى ما كان مدعيا من معرفة الالوهية وهكذا حال من خرج من عنده الاسد اذا كان فى اجمة لكن تفحص حاله عند الاسد {فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً} واذا رجعنا الى حال العبودية فان صدق المعرفة هناك الاستقامة فيها والتساوى فى روية النعماء والبلوى قال ابن عطا ليس نجا لص لله من لا يكون فى حاله الرجاء مع الله كحال الشدة ومن يلتجئ الى غيره فى احوال الشدائد وهو من العبيد السّوء الذى لا يقومه الا الادب.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذا مسكم}[وجون برسد شمارا] {الضر فى البحر} خوف الغرق فيه {ضل من تدعون} اى ذهب عن خواطركم كل من تدعون فى حوادثكم وتسغيثون {الا اياه} تعالى وحده من غير ان يخطر ببالكم احد منهم وتدعوه لكشفه استقلالا او اشتراكا ويجوز ان يكون الاستثناء منقطعا اى ضل كل من تدعونه وتعبدونه من الآلهة كالمسيح والملائكة وغيرهم من عونكم وغوثكم ولكن الله هو الذى ترجونه لصرف النوازل عنكم {فلما}[بس آن هنكام كه]{نجاكم} من الغرق واوصلكم {الى البر}[بسوى بيابان]{اعرضتم} عن التوحيد وعدتم الى عباد الاوثان ونسيتم النعمة وكفرتم بها {وكان الانسان كفورا} بليغ الكفران ولم يقل وكنتم كفورا ليسجل على ان هذا الجنس موسوم بكفران النعمة.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وابو عمرو {أن نخسف... أو نرسل... أن نعيدكم... فنرسل} بالنون فيهن. الباقون بالياء. الا ابا جعفر، وورش، فانهما قرأا "فتغرقكم" بالتاء يردَّانه الى الريح. ومن قرأ بالنون اراد الاخبار من الله عن نفسه. ومن قرأ بالياء اراد أن محمداً اخبر عن الله، والمعنيان متقاربان. وقال ابو علي: من قرأ بالياء فلانه تقدم {ضل من تدعون إلا إياه، فلما نجاكم إلى البر... أفأمنتم أن يخسف بكم} ومن قرأ بالنون، فلان مثله قد ينقطع بعضه عن بعض. والمعنى واحد، يقول الله تعالى لخلقه: انه اذا نالكم الضر، وانتم ركاب البحر بان أشرفتم على الهلاك وخبّ بكم البحر وماجت الامواج {ضل من تدعون} اي يكون بمنزلة من يضل عنكم، ولا ينجيكم من اهواله الا الله تعالى. وانما خص البحر بذكر النجاة، لان له اهوالاً هيجانية وخبة، لا يطمع عاقل في ان ينجيه احد منه الا الذي خلق النفس وانعم بما وهب من العقل والسمع والبصر. وقال: اذا دعوتموه في تلك الحال، ونجاكم، وخلصكم، واخرجكم منه الى البر اعرضتم عن ذكر الله، والاعتراف بنعمه. ثم قال تعالى: {وكان الإنسان كفوراً} لنعم الله تعالى، ثم قال مهدداً لهم: {أفأمنتم} اي هل أمنتم اذا ضربتم في البرّ {أن يخسف بكم} جانبه ويقلب اسفله اعلاه فتهلكون عند ذلك، كما خسفنا بمن كان قبلكم من الكفار نحو قوم لوط وقوم فرعون {أو يرسل عليكم حاصباً} بمعنى حجارة تحصبون بها او ترمون بها. والحصباء الحصى الصغار، ويقال: حصب الحصى يحصبه حصباً اذ رماه رمياً متتابعاً، والحاصب ذو الحصب. والحاصب فاعل الحصب {ثم لا تجدوا لكم وكيلاً} أي من يدفع ذلك عنكم. ثم قال: {أم} اي هل {أمنتم أن يعيدكم} في البحر دفعة اخرى بان يجعل لكم الى ركوبه حاجة {فيرسل عليكم قاصفاً من الريح} فالقاصف الكاسر بشدة قصفه يقصفه قصفاً، فهو قاصف، وتقصف شعره تقصفاً، وانقصف الرجل انقصافاً. وقصّف الشيء تقصيفاً، {فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً} اي من يتبع إِهلاككم للمطالبة بدمائكم او يأخذ بثاركم، وقيل ان القاصف الريح الشديدة تقصف الشجر بشدّتها. وانما قيل: حاصب على وزن فاعل لامرين: احدهما - ريح حاصب أي تحصب الحجارة من السماء، قال الشاعر: شعر : مستقبلين شمال الشام يضربنا بحاصب كنديف القطن منثور تفسير : وقال الآخر: شعر : ولقد علمت إِذا العشار تروحت حتى تبيت على العصاة حفالا تفسير : الثاني - حاصب ذو حصب.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ} من الاجرام العلوية والاجسام السّفليّة من الاوثان والطّواغيت البشريّة وغيرها {إِلاَّ إِيَّاهُ} استثناء من من تدعون اى ضلّ كلّ من تدعونه الاّ الله، والاتيان بضمير النّصب لكون الاستثناء فى كلام موجب، وذلك الضّلال لانّ المدعوّ من دون الله انّما هو مدعوّ باغواء الشّيطان وتصرّف الخيال، ووقت الضّرّ وغاية الوحشة يفرّ الشّيطان وينقطع تصرّف الخيال فيبقى العقل الدّاعى لله لا معارضٍ فيدعو الله بمقضتى جبلّته {فَلَمَّا نَجَّاكُمْ} من الغرق والبحر {إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ} لانّ الشّيطان يعود والخيال يتصرّف ويعارض الاّ من دخل فى كنف امان الله من شرّ الشّيطان وجعل خياله وقواه مسلّمةً للعقل منقادةً له {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً} لانّ فى جبلّته النّفس الّتى لا شأن لها الاّ كفران النّعم وهو عطف فى معنى التّعليل.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِى البَحْرِ} هو اضطراب البحر وتموجه وانكسار بعض السفينة وانقطاع بعض آلاتها ووقوعها فى الدردور وجذورها ماسة لجبل من تحت أو من جانب أو نحو ذلك من أهوال البحر التى يخاف منها الغرق، ولك أن تفسر الضر بخوف الغرق لشئ من نحو ما ذكرنا {ضَلَّ} غاب ذهب عن قلوبكم {مَن تَدْعُونَ} تعبدون أو تطلبون فى حوادثكم من الأَصنام {إِلاَّ إِيَّاهُ} إِلا الله سبحانه وتعالى فإِنه يحضر فى قلوبكم حينئذ فتدعونه وحده لأَنكم تعلمون أنه لا يكشف ذلك الضر إلا هو، ويجوز أن يكون المعنى غاب ما تدعونه عن غاثتكم من الأَصنام إلا الله، وقد علمت من إِيقاع من على الأَصنام أن الاستثناء منقطع فى وجهين، ويجوز أن بقاعها على ما يدعونه مطلقاً بحيث يعم الظاهر اللفظ الله جل جلاله وتلك الأَصنام، على أنهم قد يدعون الله فيكون الاستثناء متصلا. {فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلى البرِّ} من الغرق {أعْرَضْتُمْ} عن التوحيد وأقبلتم على الأَصنام، ويجوز أن يكون المعنى كفرتم كفراً عريضاً أى واسعاً كقول ذى الرمة يذم شخصاً: شعر : عطاء فتى تمكن فى المعالى فأعرض فى المكارم واستطالا تفسير : أى اتسع فى كفران المكارم بعد شكرها، واستطال فى كفرانها. {وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً} جاحد للنعم جحوداً عظيماً كثيراً بعدم الشكر والإِنسان الجنس، وفى هذا إِيماء لعلة الإِعراض كأَنه قيل أعرضتم لإِنسان كفور.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ} خوف الغرق، فإن الخوف ضر أو الضر ما تخافون به الغرق كشدة موج البحر، ودخول طرفها فى تراب أو شق جبل، أو تعرض سمكة عظيمة لها، وشدة الريح وضرب جبل. {فِى الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ} تطلبون أو تعبدون {إِلاَّ إِيَّاهُ} كانوا يعبدون معه ويطلبون الآلهة، فإذا مسهم الضرّ لم يطلبوا ولم يعبدوا إِلا الله، لعلمهم أنه لا ينجيهم من الضر إلا الله، فضلَّ بمعنى ذهب عن خواطركم، أو ضلَّ عن إغاثتهم أى لم ينفعكم، أو لم يهتد إِلى نفعكم، وإن لم تعتبر عبادتهم الله وطلبه لقلتها منهم، أو لبطلانها بالإشراك فالاستثناء منقطع. {فَلَمَّا نَجَّاكُمْ} من الغرق {إِلَى الْبَرِّ} ونجاهم على ما مضى منهم من ذلك، ولذلك لم يقل وإذا نجاكم، كما يدل له قوله عز وجل: "أية : أم أمنتم أن يعيدكم"تفسير : [الإسراء: 69] إلخ. {أَعْرَضْتُمْ} عن تخصيص الله بالطلب والعبادة، ورجعتم إلى الإشراك، وأعرضتم عن ذكره بعد تخصيصه فى البحر حين خفتم بالذكر أو توحيده أو شكره بالتوحيد والعبادة. روى أن عكرمة بن أبى جهل رضى الله عنه، فر إلى جدة ليركب البحر لما فتحت مكة، ووافى الرئيس يقول لمن يريد الركوب: أخلصوا وهم مشركون فيقولون: لا إِله إِلا الله، لئلا يصيبهم غرق فقال: هذا ما يقول محمد، قد أقروا به، ففيم الفرار منه واتفق أن زوجه أرسلت إليه أن ائت وآمن، فإن محمداً صلى الله عليه وسلم يقبل من يأتيه مؤمناً فأتى وآمن. ويجوز على بعد لعدم دليل أن يكون معنى أعرضتم توسعتم فى المكارم، كمن أخذ فى عرض الشئ ضد الطول كقول ذى الرمة: شعر : عطاء فتى تمكَّن فى المعالى فأعرض فى المكارم واستطالا تفسير : أى أخذ فى عرضها وطولها، وكل جسم له عرض إما بزيادة الطول عنه، أو بالاعتبار كلمح طوله وعرضه سواء، واعتبر الطول بأعلاه، والعرض بجوانبه فالمراد بالعرض العرض العظيم، فإذا عظم المرض فالأصل أن يكون الطول أكثر منه، فالمراد أعرضتم والتسطلتم، يقال لو كان الله جوهراً لكان له حيز، واحتاج إلى محل ومحدث أو جوهراً لاحتاج إِلى ذلك، ولم يقدر على أفعاله. قيل لعالم: أثبتِ اللهَ لى بلا ذكر جوهر وعرض، فقال: هل ركبت البحر، وعصفت الريح، وأشرفت على الغرق، وأيست ممن معك وغيرهم من الخلق أن ينجوك، وتعلق قلبك بشئ غيرهم أن ينجيك؟ قال: نعم، قال: فذلك الغير هو الله عز وجل، فاستحسن ذلك، وكذا كل ما لا يخطر فى قلبك معه غير الله سبحانه. {وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا} كثير الكفران وعظيمه فى الجملة، لأنهم أعرضوا، والكفران جحود النعمة، ومن شأنها أن تشكر بالطاعة، فإذا لم تشكر فكأنها لم تقع على الكافر لها، فضلا عن أن يشكرها، والمراد مطلق الإنسان على إرادة الجنس لا كل فرد. وإن قلنا هو هؤلاء المخاطبون فعلى طريق الالتفات إذ لفت الكلام عن أن يقول: وكنتم كافرين لطفًا بهم واستجلابًا.
الالوسي
تفسير : {وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ} خوف الغرق بعصف الريح وتقاذف الأمواج {ضَلَّ مَن تَدْعُونَ} أي ذهب عن خواطركم كل من تدعونه وترجون نفعه فلا تذكرونه {إلا إِيَّاهُ} جل وعلا فإنكم تذكرونه وحده سبحانه لا تذكرون سواه ولا يخطر ببالكم غيره تعالى لكشف ما حل بكم من الضر استقلالاً أو اشتراكاً فالمراد بضلالهم غيبتهم عن الكفر لا عن النظر والحس لأنه أمر معلوم من قولهم: ضل عنه كذا إذا نسيه، وفي «الكشف» هو من ضل عنه كذا إذا ضاع ولا حاجة إلى تضمين أو من ضله فلان ذهب عنه فلم يقدر عليه ذكره الأزهري وأنشد:شعر : / والسائل المتبغي كرائمها يعلم أني تضلني عللي تفسير : أي تفارقني وتذهب عني فلا أتعلل بعلة وهذا أظهر. نعم الضلال راجع إلى الذكر لا بمعنى إضماره فإنه ركيك يقال ضل عن خاطري كذا إذا لم تذكره فإنه ضلال له لا أنه ضلال ذكره ولا تقول ضل عن خاطري ذكره وكذلك ضلني الأمر اهـ. والدعاء في هذا على ظاهره. والاستثناء متصل بناء على أن ما عبارة عن المدعوين مطلقاً وأنهم كانوا يدعون الله تعالى وغيره في الحوادث، وإن كانت ما عبارة عن آلهتهم الباطلة فقط وأنهم كانوا في حالة السراء يدعونها وحدها كما يدل عليه ظاهر ما بعد فالاستثناء منقطع، وفسر الدعاء على هذا بدعاء العبادة واللجأ. وقال أبو حيان: الظاهر الانقطاع لأنه تعالى لم يندرج في {مَن تَدْعُونَ} إذ المعنى ضلت آلهتهم أي معبوداتهم وهم لا يعبدون الله تعالى. وتعقب بأن مقتضى كونهم مشركين أنهم يعبدونه سبحانه أيضاً لكن على طريق الإشراك بل قولهم {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى} تفسير : [الزمر: 3] كما قص سبحانه عنهم يقتضي أنه جل مجده المعبود الحقيقي عندهم، وقد يقال: إن الشارع أسقط مثل هذه العبادة عن درجة الاعتبار فهم غير عابدين الله جل وعلا شرعاً بل قيل إنهم غير عابدين لغة أيضاً لأن العبادة لغة غاية الخضوع والتذلل ولا يتحقق ذلك مع الشركة ولو على الوجه الذي زعموه فتأمل. وجوز غير واحد أن يكون المعنى ضل من تدعونه عن إغاثتكم إلا إياه تعالى، والضلال فيه إما بمعنى الغيبة أو بمعنى عدم الاهتداء منه كأنه قيل ضل عن حجة الصواب في إنقاذكم ولم يقدر على ذلك، وأمر الاستثناء من الاتصال والانقطاع ومبنى كل على حاله. والزمخشري جوز أن يكون المعنى ضل من تدعون من الآلهة عن إغاثتكم ولكن الله تعالى هو الذي ترجونه وجعل الاستثناء عليه منقطعاً فقيل إن ذلك لتخصيصه المدعوين بالآلهة. وفي «الكشف» لعل الوجه فيه أنه تعالى ما كانوا يدعونه أي دعاء العبادة واللجأ إلا في تلك الحالة وأما في حالة السراء فيخصون آلهتهم بالدعاء، والتحقيق أن الضلال بهذا المعنى لم يتناول الحق سبحانه لأن معناه ضل المدعوون وغابوا عن إغاثتهم ولا يراد غابوا وحضر جل وعلا بل المراد ولكن رجوا أن يغيثهم ولا يخذلهم فعل المدعوين على حسبانهم وهذا هو الوجه إن شاء الله تعالى اهـ. ومبنى التحقيق لا يخفى على المتدرب في علم النحو. هذا ومن اللطائف أن بعض الناس قال لبعض الأئمة: أثبت لي وجود الله تعالى ولا تذكر لي الجوهر والعرض فقال له: هل ركبت البحر؟ قال: نعم قال: فهل عصفت الريح؟ قال: نعم قال: فهل أشرفت بك السفينة على الغرق؟ قال: نعم قال: فهل يئست من نفع من في السفينة ونحوهم من المخلوقين لك وإنجائهم مما أنت فيه إياك؟ قال: نعم قال: فهل بقي قلبك متعلقاً بشيء غير أولئك؟ قال: نعم قال: ذلك هو الله عز وجل فاستحسن ذلك. {فَلَمَّا نَجَّـٰكُمْ} من الضر وأوصلكم {إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ} عن ذكره تعالى بعد أن كنتم غير ذاكرين إلا إياه سبحانه أو أعرضتم عن توحيده جل وعلا أو عن شكره عز وجل بتوحيده وطاعته سبحانه أو توغلتم في التوسع في كفران النعمة على أنه من العرض مقابل الطول وجعل كناية عن ذلك كما في قول ذي الرمة:شعر : عطاء فتى تمكن في المعالي فأعرض في المكارم واستطالا تفسير : وكأنه أريد أعرضتم واستطلتم في الكفران إلا أنه استغنى بذكر العرض عن ذكر الطول للزومه له. {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ كَفُورًا} كالتعليل للإعراض وهو بيان لحكم الجنس ويعلم منه حكم أولئك المخاطبين / وفيه لطافة حيث أعرض سبحانه عن خطابهم بخصوصهم وذكر أن جنس الإنسان مجبول على الكفران فلما أعرضوا أعرض الله سبحانه عنهم.
ابن عاشور
تفسير : بعد أن ألزمهم الحجة على حق إلهية الله تعالى بما هو من خصائص صنعه باعترافهم، أعقبه بدليل آخر من أحوالهم المتضمنة إقرارهم بانفراده بالتصرف ثم بالتعجيب من مناقضة أنفسهم عند زوال اضطرارهم. فجملة {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} خبر مستعمل في التقرير وإلزام الحجة إذ لا يخبر أحد عن فعله إخباراً حقيقياً. وجملة {فلما نجاكم إلى البر أعرضتم} خبر مستعمل في التعجيب والتوبيخ. وضر البحر: هو الإشراف على الغرق؛ لأنه يزعج النفوس خوفاً، فهو ضر لها. و {ضل} بضاد ساقطة فعل من الضلال، وهو سلوك طريق غير موصلة للمقصود خطأ. والعدول إلى الموصولية لِما تؤذن به الصلة من عمل اللسان ليتأتى الإيجاز، أي من يتكرر دعاؤكم إياهم، كما يدل عليه المضارع. فالمعنى غاب وانصرف ذكر الذين عادتكم دعاؤهم عن ألسنتكم فلا تدعونهم، وذلك بقرينة ذكر الدعاء هنا الذي متعلقه اللسان، فتعين أن ضلالهم هو ضلال ذكر أسمائهم، وهذا إيجاز بديع. والاستثناء من عموم الموصول، لأن اسم الله مما يجري على ألسنتهم في الدعاء تارة كما تجري أسماء الأصنام، فالاستثناء متصل. ويجوز أن يكون اسم الموصول في قوله: {من تدعون} خاصاً بأصنامهم لأنهم يكثر دعاؤهم إياها دون اسم الله تعالى، كما هو مقتضى التجدد فإذا اشتد بهم الضر دعوا الله كما قال تعالى: {أية : فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون}تفسير : [العنكبوت: 65]. ويكون الاستثناء منقطعاً. ونصب المستثنى لا يختلف في الوجهين جرياً على اللغة الفصحى. ولعل هذا الوجه أرجح لأنه أنسب بقوله: أعرضتم}. والإعراض: الترك، أي تركتم دعاء الله، بقرينة الجمع بين مقتضى المضارع من إفادة التجدد وبين مقتضى الاستثناء من انحصار الدعاء في الكون باسمه تعالى. وقوله: {إلى البر} عدي بحرف (إلى) لتضمين {نجاكم} معنى أبلغكم وأوصلكم. وجملة {وكان الإنسان كفوراً} اعتراض وتذييل لزيادة التعجب منهم ومن أمثالهم. و «الكفور» صيغة مبالغة، أي كثير الكفر. والكفر ضد الشكر. والتعريف في {الإنسان} تعريف الجنس وهو مفيد للاستغراق. فهذا الاستغراق يجوز أن يكون استغراقاً عرفياً بحمله على غالب نوع الإنسان، وهم أهل الإشراك وهم أكثر الناس يومئذٍ، فتكون صيغة المبالغة من قوله: {كفوراً} راجعة إلى قوة صفة الكفران أو عدم الشكر فإن أعلاه إشراك غير المنعم مع المنعم في نعمة لا حظ له فيها. ويجوز أن يكون الاستغراق حقيقياً، أي كان نوع الإنسان كفوراً، أي غير خاللٍ من الكفران، فتكون صيغة المبالغة راجعة إلى كثرة أحوال الكفران مع تفاوتها. وكثرة كفران الإنسان هي تكرر إعراضه عن الشكر في موضع الشكر ضلالاً أو سهواً أو غفلة لإسناده النعم إلى أسبابها المقارنة دون منعمها ولفرضه منعمين وهميين لا حظ لهم في الإنعام. وذكر فعل (كان) إشارة إلى أن الكفران مستقر في جبلة هذا الإنسان، لأن الإنسان قلما يشعر بما وراء عالم الحس فإن الحواس تشغله بمدركاتها عن التفكر فيما عدا ذلك من المعاني المستقرة في الحافظة والمستنبطة بالفكر. ولما كان الشكر على النعمة متوقفاً على تذكر النعمة كانت شواغله عن تذكر النعم الماضية مغطية عليها، ولأن مدركات الحواس منها الملائم للنفس وهو الغالب، ومنها المنافر لها. فالإنسان إذا أدرك الملائم لم يشعر بقدره عنده لكثرة تكرره حتى صار عادة فذهل عما فيه من نفع، فإذا أدرك المنافر استذكر فقدان الملائم فضج وضجر. وهو معنى قوله تعالى: {أية : وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض}تفسير : [فصلت: 51]. ولهذا قال الحكماء: العافية تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى فهذا الاعتبار هو الذي أشارت له هذه الآية مع التي بعدها وهي {أية : أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر}تفسير : [الإسراء: 68] الآية. ومن أجل ذلك كان من آداب النفس في الشريعة تذكيرها بنعم الله، قال تعالى: {أية : وذكرهم بأيام الله}تفسير : [إبراهيم: 5] ليقوم ذكر النعمة مقام معاهدتها.
الشنقيطي
تفسير : بين جل وعلا في هذه الآيات الكريمة: أن الكفار إذا مسهم الضر في البحر. أي اشتدت عليهم الريح فغشيتهم أمواج البحر كأنها الجبال، وظنوا أنهم لا خلاص لهم من ذلك - ضل عنهم. اي غاب عن أذهانهم وخواطرهم في ذلك الوقت كل ما كانوا يعبدون من دون الله جل وعلا. فلا يدعون في ذلك الوقت إلا الله جل وعلا وحده. لعلمهم أنه لا ينقذ من ذلك الكرب وغيره من الكروب إلا هو وحده جل وعلا، فأخلصوا العبادة والدعاء له وحده في ذلك الحين الذي أحاط بهم فيه هول البحر، فإذا نجاهم الله وفرج عنهم، ووصلوا البر رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر. كما قال تعالى: {فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراَ}. وهذا المعنى المذكور في هذه الآية الكريمة أوضحه الله جل وعلا في آيات كثيرة. كقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ}تفسير : [يونس:22-23]، وقوله: {أية : قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ}تفسير : [الأنعام:63-64]، وقوله: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} تفسير : [العنكبوت:65]، وقوله: {أية : وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ}تفسير : [لقمان:32]، وقوله: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ} تفسير : [الزمر:8]، إلى غير ذلك من الآيات كما قدمنا إيضاحه "في سورة الأنعام" وغيرها. ثم إن الله جل وعلا بين في هذا الموضع الذي نحن بصدده سخافة عقول الكفار، وأنهم إذا وصلوا إلى البر ونجوا من هول البحر رجعوا إلى كفرهم آمنين عذاب الله. مع أنه قادر على إهلاكهم بعد وصولهم إلى البر، بأن يخسف بهم جانب البر الذي يلي البحر فتبتلعهم الأرض، أو يرسل عليهم حجارة من السماء فتهلكهم، أو يعيدهم مرة أخرى في البحر فتغرقهم أمواجه المتلاطمة. كما قال هنا منكراً عليهم أمنهم وكفرهم بعد وصول البر {أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً} وهو المطر أو الريح اللذين فيهما الحجارة {أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ} [الإسراء:69] أي بسبب كفركم. فالباء سببية، وما مصدرية. والقاصف: ريح البحار الشديدة التي تكسر المراكب وغيرها. ومنه قول أبي تمام: شعر : إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت عيدان نجد ولا يعبأن بالرتم تفسير : يعني: إذا ما هبت بشدة كسرت عيدان شجر نجد رتماً كان أو غيره. وهذا المعنى الذي بينه جل وعلا هنا من قدرته على إهلاكهم في غير البحر بخسف أو عذاب من السماء - أوضحه في مواضع أخر. كقوله: {أية : إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [سبأ:9] الآية، وقوله: {أية : قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ}تفسير : [الأنعام:65] الآية، وقوله: {أية : أَأَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ}تفسير : [الملك:16-17]، وقوله "في قوم لوط": {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ}تفسير : [القمر: 34]، وقوله: {أية : لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ}تفسير : [الذاريات:33] إلى غير ذلك من الآيات. والحاصب في هذه الآية قد قدمنا أنه قيل: إنها السحابة أو الريح، وكلا القولين صحيح. لأن كل ريح شديدة ترمي بالحصباء تسمى حاصباً وحصبة. وكل سحابة ترمي بالبرد تسمى حاصباً أيضاً. ومنه قول الفرزدق: شعر : مستقبلين شمال الشام يضربنا بحاصب كنديف القطن منثور تفسير : وقول لبيد: شعر : جرت عليها أن خوت من أهلها أذيالها كل عصوف حصبه تفسير : وقوله في هذه الآية {ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً} فعيل بمعنى فاعل. أي تابعا يتبعنا بالمطالبة بثأركم. كقوله {أية : فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا}تفسير : [الشمس:14-15] أي لا يخاف عاقبة تبعة تلحقه بذلك. وكل مطالب بدين أو ثأر غير ذلك تسميه العرب تبيعاً. ومنه قول الشماخ يصف عقاباً: شعر : تلوذ ثعالب الشرفين منها كما لاذ الغريم من التبيع تفسير : أي كعياذ المدين من صاحب الدين الذي يطالبه بغرمه منه. ومنه قول الآخر: شعر : غدوا وغدت غزلانهم وكأنها ضوامن غرم لدهن تبيع تفسير : أي خصمهن مطالب بدين، ومن هذا القبيل قوله تعالى: {أية : فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}تفسير : [البقرة:178] الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إذا أتبع أحدكم على ملىء فليتبع"تفسير : وهذا هو معنى قول ابن عباس وغيره "تبيعا" أي نصيرا، وقول مجاهد نصيراً ثائراً. تنبيه لا يخفى على الناظر في هذه الآية الكريمة: أن الله ذم الكفار وعاتبهم بأنهم في وقت الشدائد والأهوال خاصة يخلصون العبادة له وحده، ولا يصرفون شيئاً من حقه لمخلوق. وفي وقت الأمن والعافية يشركون به غيره في حقوقه الواجبة له وحده، التي هي عبادته وحده في جميع أنواع العبادة، ويعلم من ذلك أن بعض جهلة المتسمين باسم الإسلام أسوأ حالاً من عبدة الأوثان. فإنهم إذا دهمتهم الشدائد، وغشيتهم الأهوال والكروب التجؤوا إلى غير الله ممن يعتقدون فيه الصلاح. في الوقت الذي يخلص فيه الكفار العبادة لله. مع أن الله جل وعلا أوضح في غير موضع: أن إجابة المضطر، وإنجاءه من الكرب من حقوقه التي لا يشاركه فيها غيره. ومن أوضح الأدلة في ذلك قوله تعالى "في سورة النمل": {أية : ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱلله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ}تفسير : [النمل:59-62] الآيات. فتراه جل وعلا في هذه الآيات الكريمات جعل إجابة المضطر إذا دعا وكشف السوء عنه من حقه الخالص الذي لا يشاركه فيه أحد. كخلقه السموات والأرض، وإنزاله الماء من السماء، وإنباته به الشجر، وجعله الأرض قراراً، وجعله خلالها أنهاراً، وجعله لها رواسي، وجعله بين البحرين حاجزاً، إلى آخر ما ذكر في هذه الآيات من غرائب صنعه وعجائبه التي لا يشاركه فيها أحد. سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. وهذا الذي ذكره الله جل وعلا في هذه الآيات الكريمات: كان سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل. فإنه لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب فاراً منه إلى بلاد الحبشة، فركب في البحر متوجهاً إلى الحبشة. فجاءتهم ريح عاصف فقال القوم بعضهم لبعض: إنه لا يفنى عنكم إلا أن تدعو الله وحده. فقال عكرمة في نفسه: والله إن كان لا ينفع في البحر غيره فإنه لا ينفع في البر غيره! اللهم لك علي عهد، لئن أخرجتني منه لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد صلى الله عليه وسلم فلأجدنه رؤوفاً رحيماً. فخرجوا من البحر، فخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه رضي الله عنه اهـ. والظاهر أن الضمير في قوله {بِهِ تَبِيعاً} راجع إلى الإهلاك بالإغراق المفهوم من قوله {فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ} أي لا تجدون تبيعاً يتبعنا بثأركم بسبب ذلك الإغراق. وقال صاحب روح المعاني. وضمير "به" قيل للإرسال، وقيل للإغراق، وقيل لهما باعتبار ما وقع. والعلم عند الله تعالى
د. أسعد حومد
تفسير : {نَجَّاكُمْ} {ٱلإِنْسَانُ} (67) - وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ الضُّرُّ فِي البَحْرِ، لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ اللهِ تَعَالَى مَنْ يَدْعُونَهُ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، لِيُنْقِذَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ، مِنْ كَرْبٍ وَشِدَّةٍ، وَيَغِيبُ فِي سَاعَةِ الشِّدَّةِ وَالضِّيقِ عَنْ خَوَاطِرِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ وَأَذْهَانِهِمْ كُلُّ مَعْبُودٍ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ غَيْر اللهِ، لأَِنَّهُمْ يُدْرِكُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ وَحْدَهُ القَادِرُ عَلَى إِنْجَائِهِمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ. وَلكِنَّهُمْ حِينَ يُنْجِيهِمُ اللهُ، وَيُعِيدُهُمْ إِلى البَرِّ سَالِمِينَ، يَنْسَونَ اللهَ الذِي عَبَدُوهُ، وَدَعَوْهُ فِي البَحْرِ، وَيَعْرُضُونَ عَنْ دُعَائِهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَمِنْ سَجِيَّةِ الإِنْسَانِ الكُفْرُ، يَنْسَى النِّعَمَ وَيَجْحَدُهَا (وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : البحر هو المزنق والضائقة التي لا يستطيع الخلاص منها إنْ أصابه فيه سوء، فالبر منافذ النجاة فيه متعددة، أما البحر فلا نجاة فيه إلا بعناية الله، يقول تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ..}تفسير : [يونس: 22]. وهكذا الإنسان حتى الكافر، إذا ضاقتْ به الحِيَل ولم يجد مَنْفذاً يلجأ إلى الله المنقذ الحقيقي والمفرِّج للكَرْب، والإنسان عادة لا يُسلم نفسه ويظلّ مُتعلّقاً بالأمل في النجاة. فقوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ..} [الإسراء: 67]. أي: أحاط بهم الخطر بالريح العاصف أو الموج العالي، وأحسُّوا بخطورة الموقف ولا مُنقِذَ لهم إلا الله، حتى الكفار في هذا الموقف يَصْدُقون مع أنفسهم، ولا يخدعونها ولا يكذبون عليها، فإنْ آمنوا بآلهة أخرى وإنْ عبدوا الأصنام والأوثان، فإنهم في هذا الضيق لا يلجأون إلا إلى الله، ولا يدعون إلا الله؛ لأنهم يعلمون تماماً أن آلهتهم لا تسمع ولا تجيب، ولا تملك لهم نفعاً ولا نجاة. قوله تعالى: {ضَلَّ مَن تَدْعُونَ ..} [الإسراء: 67] أي: ذهب عن بالكم مَن اتخذتموهم آلهة، وغابوا عن خاطركم، فلن يقولوا هنا يا هبل؛ لأنهم لن يغشُّوا أنفسهم، ولن ينساقوا وراء كذبهم في هذا الوقت العصيب. إنهم في هذا الضيق لن يتذكروا آلهتهم، ولن تخطرَ لهم ببال أبداً؛ لأن مجرد تذكّرهم يُضعِف ثقتهم في الله الذي يملك وحده النجاة، والذي يطلبون منه المعونة. وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بقصة حلاق الصحة في الريف الذي يتولى علاج البسطاء، ويدّعي العلم والخبرة، فإذا ما مرض ولده فإنه يُسرع به إلى الطبيب، لأنه إنْ خدع الناس فلن يخدع نفسه، وإنْ كذب عليهم فلن يكذب على نفسه. وكذلك الإنسان لا يبيع نفسه رخيصاً، فإنْ أحاطتْ به الأخطار لا يلجأ إلا إلى الله؛ لأنه وحده القادر على تفريج الكروب وإغاثة الملهوف، حتى وإنْ كان كافراً؛ لأنه سبحانه هو الذي أمره أنْ يلجأ إليه، وأنْ يدعوه، فقال: {أية : فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ..}تفسير : [الأنعام: 43]. فإنْ دَعَوهُ سمع لهم وأجابهم على كفرهم وعنادهم؛ لأنهم عباده وخَلْقه وصَنْعته، فما أرحمه سبحانه حتى بمَنْ كفر به! لذلك قال رب العزة في الحديث القدسي:"حديث : قالت الأرض: يا رب إئذن لي أن أخسف بابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت السماء: يا رب إئذن لي أن أسقط كِسَفاً على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت الجبال: يا رب إئذن لي أن أَخِرَّ على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت البحار: يا رب إئذن لي أن أُغرِقَ ابن آدم فقد طَعِم خيرك ومنع شكرك. فقال تعالى: دعوني وما خلقت، لو خلقتموهم لرحمتموهم، فإنهم عبادي، فإنْ تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، وإنْ لم يتوبوا فأنا طبيبهم ". تفسير : لقد غفر لهم الحق سبحانه أن يعبدوا غيره، وأن يؤذوا النبوة، وأنْ يقفوا في وجه الدعوة، غفر لهم لأنه ربٌّ، وما دام رباً فهو رحيم، فتضرعوا إليه ودَعَوْهُ، فلمّا نجّاهم إلى البر أعرضوا، وعادوا لما كانوا عليه وتنكّروا للجميل والمعروف؛ لذلك يقول تعالى بعدها: {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً} [الإسراء: 67]. وكفور: صيغة مبالغة من الكفر، أي: كثير الكفر للنعمة، ولَيْتَه كفر بنعمة الخلق فقال: إنه أتى هكذا من فعل الطبيعة، إنما كفر بنعمة ملموسة مشاهدة عاش مأزقها، وقاسى خطرها، ثم إذا نجَّاه الله أعرض وتمرَّد، وهذا من طبيعة الإنسان. ثم يقول الحق سبحانه: {أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} مما ارتكز في نفوسهم ورسخ في قلوبكم، أنكم {إِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ} بأن عرض لمركبكم ما يوجب كسرها وغرقها، وصرتم فيها حيارى سكارى، بحيث {ضَلَّ} وغاب عنكم {مَن تَدْعُونَ} وتستغيثون منه لو كنتم في البر، وما معكم من الأمتعة والبضاعات {إِلاَّ} استعانتكم واستغاثتكم {إِيَّاهُ} سبحانه، فإنه بذاته لا يغيب عنكم، ولا يفارقكم؛ إذ هو أقرب إليكم من حبل وريدكم {فَلَمَّا نَجَّاكُمْ} وخلّصكم سبحانه من تلك المضائق الهائلة {إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ} عنه سبحانه، وصرتم متعلقين بما معكم من الأمتة والأعراض {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ} في أصل فطرته خُلق {كَفُوراً} [الإسراء: 67] لأنعم الله {أية : هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً}تفسير : [المعارج: 19-20] نحو الحق {أية : وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ}تفسير : كفوراً {أية : مَنُوعاً}تفسير : [المعارج: 21] معرضاً عنه منكراًً له. {أَ} أعرضتم عنه سبحانه بعد إنجائه وصلاخه إياكم {فَأَمِنْتُمْ} عنه قهره وسخطه حين وصلتم إلى البر، مع أنه سبحانه قادراً على إهلاككم من البر أيضاً، أما تخافون {أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ} أي: يقلب عليك الأرض كما خسفها على قارون {أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ} ريحاً شديداً {حَاصِباً} ترميكم وترجمكم بحجارة كما رجمنا قوم لوط {ثُمَّ} بعدما أخذناكم في البر بأمثال هذه البليات {لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً} [الإسراء: 68] حفيظاَ يحفظكم عن أمثال هذه المصيبات، أو يشفع لكم بتخفيفها وكشفها. {أَمْ أَمِنْتُمْ} أيها القاصرون عن إدراك قدر الله، وكما قدرته {أَن يُعِيدَكُمْ} ويلجئكم إلى الرجوع {فِيهِ} أي: في البحر {تَارَةً أُخْرَىٰ} بأسباب ووسائ لا تخطر ببالكم {فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ} في الكرة الأخرى لأخذكم وانتقامكم {قَاصِفاً} كاسراً {مِّنَ ٱلرِّيحِ} لتكسر مركبكم {فَيُغْرِقَكُم} فيه {بِمَا كَفَرْتُمْ} في اللكرة الأولى {ثُمَّ} بعد إرجاعنا إلى البحر، وإغراقنا فيه على نحو إنعامنا وإنجائنا ن قبل {لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً} [الإسراء: 69] أي: لا تجدوا ناصراً ومعيناً لكم، فيظهر علينا بأخذكم وانتقامكم، ويطالب منا قصاص ما فعلنا بكم؛ إذ لا رادّ لفعلنا، ولا معقب لحكمنا، نفعل ما نشاء ونحكم ما نريد. ثم قال سبحانه على سبيل الإنعام والامتنان: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا} وفضلنا {بَنِي ءَادَمَ} بأنواع الكرامة والتفضيل على سائر المخلوقات من حسن الصورة والسيرة واعتدال المزاج، واستواء القامة، والعقل المفاض المتشعب من العقل الكل الذي هو حضرة العلم الحضوري الإلهي، وكذا بالقدرة والإدارة، وسائر الصفات المترتبة على الصفات الذاتية الإلهية يشعر بخلافته ونيابته {وَ} مع ذلك {حَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ} بركوب النجائب من الخيل والبغال والبعير وغير ذلك، {وَ} في {ٱلْبَحْرِ} بركوب الجواري والسفن {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي: الأطايب التي يكسبونها بأيديهم على مقتضى إقدارنا إياهم، وإعدادنا أسباب مكاسبهم معهم، وأبحنا لهم ما تستلذ به نفوسهم وتشتهي قلوبهم على وفق ما نطق به رسلهم وكتبهم. و{وَ} بالجملة {فَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء: 70] والقليل المستثنى هم الملائكة المقربون المهيمون المستغرقون بمطالعة جمال الله وجلاله، وإن كان الوالهون الهائمون من الإنسان في ولاء الله ومحبته، المكاشفون بسر الخلافة والنيابة التي أخبر بها الحق، الواصلون إلى مرتبة الفناء بالموت الأرادي، أفضل منهم أيضاً، وأرفع رتبة ومكانة. وإنما كرمناهم وفضلناهم بما فضلناهم؛ لحكمةٍ ومصلحة تقتضيها ذاتنا، وهي أنَّ نريد أن نطالع ذاتنا المتصفة لجميع أوصاف الكمال ونعوت الجمال والجلال في مظهر تام كامل لمراتبنا وخلافتنا، وكرّمناه لأجل هذه الحكمة العزيزة، فمن لم يبلغ منهم إلى هذه المرتبة العلية والدرجة السنية بسلوكه الذي أرشدناه وعلمناه بإرسال الرسل وإنزال الكتب فه ونازلً كل التنازل عن درجة الاعتبار، ساقطُ عن رتبة ذوي الألباب والأبصار. بل أولئك البعداء الضالون عن منهج الرشاد كالأنعام بلا شعور إلى ما جبلوا لأجله، بل أضل سبيلاً منها وأسوأ حالاً ومآلاً، {أية : مَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}تفسير : [النور: 40]. اذكر يا أكمل الرسل للمكرمين المفضلين على سائر المخلوقات: {يَوْمَ نَدْعُواْ} نحشر {كُلَّ أُنَاسٍ} منهم؛ لنسألهم، ونطلب عنهم ما اكتسبوا، وحصَّلوا من المعارف والحقائق والأعمال المقربة إلينا باقتدائهم {بِإِمَامِهِمْ} الذي نرسل إليهم، وننزل ع ليه من الرسل والكتب؛ لإرشادهم وإهدائهم مع أنا كتبنا منهم خيرهم وشرهم اللذَّين جاء كل منهم بهما في صحيفةٍ، ونعطيهم اليوم صحائف أعمالهم {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ} منهم {بِيَمِينِهِ} فهو دليل خيرية أعماله وطيب أحواله {فَأُوْلَـٰئِكَ} المقبولون {يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ} فرحين بما فيها مسرورين، فيجازون على مقتضى ما كُتب بل أضعافها وآلافها، عنايةً منَّا وفضلاً {وَ} هم {لاَ يُظْلَمُونَ} ولا ينقصون من أجور أعمالهم {فَتِيلاً} [الإسراء: 71] مقدار ما في ظهر النواة من الخط الأسود أو بين الأصابع من الوسخ المفتول. {وَ} من أوتي كتابه بشماله فهو علامة شرّية أعماله، ورخامة حاله ومآله، فأولئك الأشقياء المردودون ينظرون إلى كتابهم، فيجدون ما فيها من أنواع المعاصي والآثام، فيغمضون عيونهم عن قراءتها آيسين محزونين، فيجازون على مقتضى ما كتب مثلاً بمثل عدلاً منه سبحانه؛ إذ {مَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ} النشأة {أَعْمَىٰ} عن مطالعة آثار الأوصاف الذاتية الإلهية، وملاحظة عجائب صنعه وغرائب حكمته وبدائع تجلياته وتطوراته لحظة فلحظة {فَهُوَ فِي} النشأة {ٱلآخِرَةِ} أيضاً {أَعْمَىٰ} إذ النشأة الأولى مزرعات الخيرات، والأخرى وقت حصاده، فمن لم يزرع فيها، فهو وقت الح صاد خاسر مغبون أعمى عن وجدان الخيرات {وَأَضَلُّ سَبِيلاً} [الإسراء: 72] لفوات أسباب التدارك والتلافي عنه، فيبقى متحيراً مدهوشاً قلقاً حائراً ضالاً مستوحشاً. ثم قال سبحانه مخاطباً لحيبيه على وجه التنبيه والتأديب بعدما ظهر عليه مخايل الميل والركون عن الحق بمخادعة أهل الكفر والنفاق: {وَإِن كَادُواْ} أي: أنهم؛ أي: الكفرة قاربوا {لَيَفْتِنُونَكَ} يا أكمل الرسل، ويوقعونك في الفتنة الشديدة يالميل والصرف {عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} وأنزلنا في كتباك من الأوامر والنواهي والأحكام المتعلقة بتهذيب الظاهر والباطن، ويرغبونك {لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ} أي: غير ما أوحينا إليك {وَإِذاً} أي: حين افترائك وانتسابك إلينا غير ما أوحينا إليك من الأمور التي تشتهيها نفوسهم وترتضيها قلوبهم {لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} [الإسراء: 73] وآمنوا بك بواسطة انتسابك هذا. نزلت في ثقيف حين قالوا: لا نؤمن بك حتى تخصنا بخصالٍ نفتخر ونباهي على سائر العرب، لا نضن ولا نُحشر ولا نُجبي في صلواتنا، وكّل رِباً لنا فهو لنا، وكل رِباً علينا فهو موضوع عنَّا، وأن تمتعنا باللات سنة، وأن تحرم وادينا كما حرمت مكة، فإن قالت العرب: لم فعلت معهم هذا؟ فقل: إن الله أمرني وأوصاني بها، وانتظر أن تنزل آية فيها، فإن فعلتَ بنا هذه نؤمن بك ونصدقك ونتخذك خليلاً، فتردد صلى الله عليه وسلم وقرب أن يميل ويركن لشدة ميله إلى إيمانهم واتِّباعهم، فجاء جبريل عليه السلام فمنعه عن هذا الرأي. لذلك قال سبحانه: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ} أي: ولولا إثباتنا وتثبيتنا إياك يا أكمل الرسل في مقر صدقك وتمكينك {لَقَدْ كِدتَّ} وقربت {تَرْكَنُ} وتميل {إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً} [الإسراء: 74] أي: صوت في صدد الميل والركون إلى إنجاز ما أرداوا. {إِذاً} أي: حين إنجاحكم سُؤْلهم ومأمولهم {لأذَقْنَاكَ} في نشأتك هذه {ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ} أي: ضعف عذاب من جاء بمثله في النشأة الأولى {وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ} أي: ضعف عذاب من جاء بمثله في النشأة الأخرى؛ يعني: نعذبك في الدنيا والآخرة بعضف عذاب من جاء به من سائر الناس؛ لأن جزاء الأبرار لو أتوا بالمعاصي والآثام ضعف جزاء الأشراء، بل أكثر؛ إذ لا يتوقع منهم الانصراف عن منهج الرشاد أصلاً، ولو انصرفوا أُخذوا بضعف من يتوقع منهم الانحراف والانصراف {ثُمَّ} بعد أخذنا إياك انتقامنا منك {لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} [الإسراء: 75] أي: لا تجد ظهيراً لك نصيراً يظهر علينا بنصرتك، ويطالبنا بإنقاذك عن عذابنا.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ} [الإسراء: 67] يعني: خلل في فلك الشريعة وخوفاً من الغرق {ضَلَّ مَن تَدْعُونَ} [الإسراء: 67] أي: بطل كل تدبير مدبر لنجاتكم {إِلاَّ إِيَّاهُ} [الإسراء: 67] أي: إلا الله. {فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ} [الإسراء: 67] وحسبتم الوصول إلى ساحل الوصال، حُجبتم بحجاب الحسنات وحُجُب الوجدان {أَعْرَضْتُمْ} [الإسراء: 67] عن الحق بالكفر، وأدبرتم بالخذلان ورجعتم بالخسران كما قال الجنيد: لو أقبل صديق على الله ألف سنة، ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله، وخسران الإنسان في الخذلان ولخذلان من نتائج الكفران كما قال تعالى: {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً} [الإسراء: 67]. وبقوله: {أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ} [الإسراء: 68] يشير إلى أهل السكون من ساكني بر البشرية أي: يا من سكنتم بر البشرية ولم تركبوا فلك الشريعة لتعبروا بحر الروحانية أفأنتم أن يخسف بكم مذمومات صفات البشرية ولم تركبوا فلك الشريعة لتعبروا {أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً} [الإسراء: 68] أي: يمطر عليكم حصباء القهر {ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً} [الإسراء: 68] يمنعكم من إصابة حصب قهرنا. ثم قال: {أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ} بالماء {فِيهِ} في البحر {تَارَةً أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ ٱلرِّيحِ} [الإسراء: 69] أي: كاسراً من ريح البلاء لفلك الشريعة {فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ} [الإسراء: 69] من كفران النعمة {ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً} [الإسراء: 69] يمنع عنكم سطوات قهرنا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):