Verse. 2099 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيْۗ اٰدَمَ وَحَمَلْنٰہُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنٰہُمْ مِّنَ الطَّيِّبٰتِ وَفَضَّلْنٰہُمْ عَلٰي كَثِيْرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيْلًا۝۷۰ۧ
Walaqad karramna banee adama wahamalnahum fee albarri waalbahri warazaqnahum mina alttayyibati wafaddalnahum AAala katheerin mimman khalaqna tafdeelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد كرمنا» فضلنا «بني آدم» بالعلم والنطق واعتدال الخلق وغير ذلك ومنه طهارتهم بعد الموت «وحملناهم في البر» على الدواب «والبحر» على السفن «ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا» كالبهائم والوحوش «تفضيلاً» فمن بمعنى ما أو على بابها وتشمل الملائكة والمراد تفضيل الجنس، ولا يلزم تفضيل أفراده إذ هم أفضل من البشر غير الأنبياء.

70

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المقصود من هذه الآية ذكر نعمة أخرى جليلة رفيعة من نعم الله تعالى على الإنسان وهي الأشياء التي بها فضل الإنسان على غيره وقد ذكر الله تعالى في هذه الآية أربعة أنواع: النوع الأول: قوله: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } واعلم أن الإنسان جوهر مركب من النفس، والبدن، فالنفس الإنسانية أشرف النفوس الموجودة في العالم السفلي، وبدنه أشرف الأجسام الموجودة في العالم السفلي. وتقرير هذه الفضيلة في النفس الإنسانية هي أن النفس الإنسانية قواها الأصلية ثلاث. وهي الإغتذاء والنمو والتوليد، والنفس الحيوانية لها قوتان الحساسة سواء كانت ظاهرة أو باطنة، والحركة بالاختيار، فهذه القوى الخمسة أعني الإغتذاء والنمو والتوليد والحس والحركة حاصلة للنفس الإنسانية، ثم إن النفس الإنسانية مختصة بقوة أخرى وهي القوة العاقلة المدركة لحقائق الأشياء كما هي. وهي التي يتجلى فيها نور معرفة الله تعالى ويشرق فيها ضوء كبريائه وهو الذي يطلع على أسرار عالمي الخلق والأمر ويحيط بأقسام مخلوقات الله من الأرواح والأجسام كما هي وهذه القوة من تلقيح الجواهر القدسية والأرواح المجردة الإلهية، فهذه القوة لا نسبة لها في الشرف والفضل إلى تلك القوى النباتية والحيوانية، وإذا كان الأمر كذلك ظهر أن النفس الإنسانية أشرف النفوس الموجودة في هذا العالم وإن أردت أن تعرف فضائل القوة العقلية ونقصانات القوى الجسمية، فتأمل ما كتبناه في هذا الكتاب في تفسير قوله تعالى: { أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [النور: 35] فإنا ذكرنا هناك عشرين وجهاً في بيان أن القوة العقلية أجل وأعلى من القوة الجسمية فلا فائدة في الإعادة، وأما بيان أن البدن الإنساني أشرف أجسام هذا العالم، فالمفسرون إنما ذكروا في تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } هذا النوع من الفضائل وذكروا أشياء، أحدها: روى ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } قال: كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم فإنه يأكل بيديه. وقيل: إن الرشيد أحضرت عنده أطعمة فدعا بالملاعق وعنده أبو يوسف، فقال له: جاء في التفسير عن جدك في قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } جعلنا لهم أصابع يأكلون بها فرد الملاعق وأكل بأصابعه. وثانيها: قال الضحاك: بالنطق والتمييز وتحقيق الكلام أن من عرف شيئاً، فأما أن يعجز عن تعريف غيره كونه عارفاً بذلك الشيء أو يقدر على هذا التعريف. أما القسم الأول: فهو حال جملة الحيوانات سوى الإنسان، فإنه إذا حصل في باطنها ألم أو لذة فإنها تعجز عن تعريف غيرها تلك الأحوال تعريفاً تاماً وافيا. وأما القسم الثاني: فهو الإنسان، فإنه يمكنه تعريف غيره كل ما عرفه ووقف عليه وأحاط به فكونه قادراً على هذا النوع من التعريف هو المراد بكونه ناطقاً، وبهذا البيان ظهر أن الإنسان الأخرس داخل في هذا الوصف، لأنه وإن عجز عن تعريف غيره ما في قلبه بطريق اللسان، فإنه يمكنه ذلك بطريق الإشارة وبطريقة الكتابة وغيرهما ولا يدخل فيه الببغاء، لأنه وإن قدر على تعريفات قليلة، فلا قدرة له على تعريف جميع الأحوال على سبيل الكمال والتمام. وثالثها: قال عطاء: بامتداد القامة. واعلم أن هذا الكلام غير تام لأن الأشجار أطور من قامة الإنسان بل ينبغي أن يشترط فيه شرط، وهو طول القامة مع استكمال القوة العقلية، والقوى الحسية والحركية. ورابعها: قال بيان بحسن الصورة، والدليل عليه قوله تعالى: { أية : وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } تفسير : [غافر: 64] لما ذكر الله تعالى خلقة الإنسان قال: { أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } تفسير : [المؤمنون: 14] وقال: { أية : صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً } تفسير : [البقرة: 138] وإن شئت فتأمل عضواً واحداً من أعضاء الإنسان وهو العين فخلق الحدقة سوداء ثم أحاط بذلك السواد بياض العين ثم أحاط بذلك البياض سواد الأشفار ثم أحاط بذلك السواد بياض الأجفان ثم خلق فوق بياض الجفن سواد الحاجبين ثم خلق فوق ذلك السواد بياض الجبهة ثم خلق فوق بياض الجبهة سواد الشعر، وليكن هذا المثال الواحد أنموذجاً لك في هذا الباب. وخامسها: قال بعضهم من كرامات الآدمي أن آتاه الله الخط. وتحقيق الكلام في هذا الباب أن العلم الذي يقدر الإنسان على استنباطه يكون قليلاً. أما إذا استنبط الإنسان علماً وأودعه في الكتاب، وجاء الإنسان الثاني واستعان بذلك الكتاب، وضم إليه من عند نفسه أشياء أخرى ثم لا يزالون يتعاقبون، ويضم كل متأخر مباحث كثيرة إلى علم المتقدمين كثرت العلوم وقويت الفضائل والمعارف وانتهت المباحث العقلية والمطالب الشرعية إلى أقصى الغايات وأكمل النهايات، ومعلوم أن هذا الباب لا يتأتى إلا بواسطة الخط والكتبة، ولهذه الفضيلة الكاملة قال تعالى: { أية : ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } تفسير : [العلق:3-5]. وسادسها: أن أجسام هذا العالم إما بسائط وإما مركبات، أما البسائط فهي الأرض والماء والهواء والنار. والإنسان ينتفع بكل هذه الأربع، أما الأرض فهي لنا كالأم الحاضنة. قال تعالى: { أية : مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ } تفسير : [طه: 55] وقد سماها الله تعالى بأسماء بالنسبة إلينا، وهي الفراش والمهد، والمهاد، وأما الماء فانتفاعنا به في الشرب والزراعة والحراثة ظاهر، وأيضاً سخر البحر لنأكل منه لحماً طرياً، ونستخرج منه حلية نلبسها ونرى الفلك مواخر فيه، وأما الهواء فهو مادة حياتنا، ولولا هبوب الرياح لاستولى النتن على هذه المعمورة، وأما النار فيها طبخ الأغذية والأشربة ونضجها، وهي قائمة مقام الشمس والقمر في الليالي المظلمة، وهي الدافعة لضرر البرد كما قال الشاعر: شعر : ومن يرد في الشتاء فاكهة فإن نار الشتاء فاكهته تفسير : وأما المركبات فهي إما الآثار العلوية، وإما المعادن والنبات، وأما الحيوان والإنسان كالمستولي على هذه الأقسام والمنتفع بها والمستسخر لكل أقسامها فهذا العالم بأسره جار مجرى قرية معمورة أو خان معد وجميع منافعها ومصالحها مصروفة إلى الإنسان والإنسان فيه كالرئيس المخدوم، والملك المطاع وسائر الحيوانات بالنسبة إليه كالعبيد، وكل ذلك يدل على كونه مخصوصاً من عند الله بمزيد التكريم والتفضيل، والله أعلم. وسابعها: أن المخلوقات تنقسم إلى أربعة أقسام إلى ما حصلت له القوة العقلية الحكمية ولم تحصل له القوة الشهوانية الطبيعية وهم الملائكة، وإلى ما يكون بالعكس وهم البهائم وإلى ما خلا عن القسمين وهو النبات والجمادات وإلى ما حصل النوعان فيه وهو الإنسان، ولا شك أن الإنسان لكونه مستجمعاً للقوة العقلية القدسية المحضة، وللقوى الشهوانية البهيمية والغضبية والسبعية يكون أفضل من البهيمية ومن السبعية، ولا شك أيضاً أنه أفضل من الأجسام الخالية عن القوتين مثل النبات والمعادن والجمادات، وإذا ثبت ذلك ظهر أن الله تعالى فضل الإنسان على أكثر أقسام المخلوقات. بقي ههنا بحث في أن الملك أفضل أم البشر؟ والمعنى أن الجوهر البسيط الموصوف بالقوة العقلية القدسية المحضة أفضل أم البشر المستجمع لهاتين القوتين؟ وذلك بحث آخر. وثامنها: الموجود إما أن يكون أزلياً وأبدياً معاً وهو الله سبحانه وتعالى، وإما أن يكون لا أزلياً ولا أبدياً وهو عالم الدنيا مع كل ما فيه من المعادن والنبات والحيوان، وهذا أخس الأقسام، وإما أن يكون أزلياً لا أبدياً وهو الممتنع الوجود لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه، وإما أن لا يكون أزلياً ولكنه يكون أبدياً، وهو الإنسان والملك، ولا شك أن هذا القسم أشرف من القسم الثاني والثالث وذلك يقتضي كون الإنسان أشرف من أكثر مخلوقات الله تعالى. وتاسعها: العالم العلوي أشرف من العالم السفلي، وروح الإنسان من جنس الأرواح العلوية والجواهر القدسية فليس في موجودات العالم السفلي شيء حصل فيه شيء من العالم العلوي إلا الإنسان فوجب كون الإنسان أشرف موجودات العالم السفلي. وعاشرها: أشرف الموجودات هو الله تعالى، وإذا كان كذلك فكل موجود كان قربه من الله تعالى أتم، وجب أن يكون أشرف، لكن أقرب موجودات هذا العالم من الله هو الإنسان بسبب أن قلبه مستنير بمعرفة الله تعالى ولسانه مشرف بذكر الله وجوارحه وأعضاؤه مكرمة بطاعة الله تعالى فوجب الجزم بأن أشرف موجودات هذا العالم السفلي هو الإنسان، ولما ثبت أن الإنسان موجود ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ثبت أن كل ما حصل للإنسان من المراتب العالية والصفات الشريفة فهي إنما حصلت بإحسان الله تعالى وإنعامه فلهذا المعنى قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } ومن تمام كرامته على الله تعالى أنه تعالى لما خلقه في أول الأمر وصف نفسه بأنه أكرم فقال: { أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَّ بِٱلْقَلَمِ } تفسير : [العلق: 1 ـ 4] ووصف نفسه بالتكريم عند تربيته للإنسان فقال: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } ووصف نفسه بالكرم في آخر أحوال الإنسان فقال: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ ٱلْكَرِيمِ } تفسير : [الإنفطار: 6] وهذا يدل على أنه لا نهاية لكرم الله تعالى ولفضله وإحسانه مع الإنسان، والله أعلم. والوجه الحادي عشر: قال بعضهم هذا التكريم معناه أنه تعالى خلق آدم بيده وخلق غيره بطريق كن فيكون. ومن كان مخلوقاً بيد الله كانت العناية به أتم وأكمل، وكان أكرم وأكمل ولما جعلنا من أولاده وجب كون بني آدم أكرم وأكمل، والله أعلم. النوع الثاني: من المدائح المذكورة في هذه الآية قوله: {وَحَمَلْنَـٰهُمْ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } قال ابن عباس في البر على الخيل والبغال والحمير والإبل وفي البحر على السفن، وهذا أيضاً من مؤكدات التكريم المذكور أولاً، لأنه تعالى سخر هذه الدواب له حتى يركبها ويحمل عليها ويغزو ويقاتل ويذب عن نفسه، وكذلك تسخير الله تعالى المياه والسفن وغيرها ليركبها وينقل عليها ويتكسب بها مما يختص به ابن آدم، كل ذلك مما يدل على أن الإنسان في هذا العالم كالرئيس المتبوع والملك المطاع وكل ما سواه فهو رعيته وتبع له. النوع الثالث: من المدائح قوله: {وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ } وذلك لأن الأغذية إما حيوانية وإما نباتية، وكلا القسمين إنما يتغذى الإنسان منه بألطف أنواعها وأشرف أقسامها بعد التنقية التامة والطبخ الكامل والنضج البالغ، وذلك مما لا يحصل إلا للإنسان. النوع الرابع: قوله: {وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } وههنا بحثان: البحث الأول: أنه قال في أول الآية: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } وقال في آخرها: {وَفَضَّلْنَـٰهُمْ } ولا بد من الفرق بين هذا التكريم والتفضيل وإلا لزم التكرار، والأقرب أن يقال: إنه تعالى فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية مثل العقل والنطق والخط والصورة الحسنة والقامة المديدة، ثم إنه تعالى عرضه بواسطة ذلك العقل والفهم لاكتساب العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة، فالأول هو التكريم والثاني هو التفضيل. البحث الثاني: أنه تعالى لم يقل: وفضلناهم على الكل بل قال: {وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } فهذا يدل على أنه حصل في مخلوقات الله تعالى شيء لا يكون الإنسان مفضلاً عليه، وكل من أثبت هذا القسم قال: إنه هو الملائكة. فلزم القول بأن الإنسان ليس أفضل من الملائكة بل الملك أفضل من الإنسان، وهذا القول مذهب ابن عباس واختيار الزجاج على ما رواه الواحدي في البسيط. واعلم أن هذا الكلام مشتمل على بحثين: البحث الأول: أن الأنبياء عليهم السلام أفضل أم الملائكة؟ وقد سبق ذكر هذه المسألة بالاستقصاء في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: { أية : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ } تفسير : [البقرة: 34]. والبحث الثاني: أن عوام الملائكة وعوام المؤمنين أيهما أفضل؟ منهم من قال بتفضيل المؤمنين على الملائكة. واحتجوا عليه بما روي عن زيد بن أسلم أنه قال: قالت الملائكة ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويتنعمون ولم تعطنا ذلك فأعطنا ذاك في الآخرة، فقال: وعزتي وجلالي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كما قلت له {كُنَّ } فكان. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده. هكذا أورده الواحدي في «البسيط»، وأما القائلون بأن الملك أفضل من البشر على الإطلاق فقد عولوا على هذه الآية، وهو في الحقيقة تمسك بدليل الخطاب لأن تقرير الدليل أن يقال: إن تخصيص الكثير بالذكر يدل على أن الحال في القليل بالضد، وذلك تمسك بدليل الخطاب، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} الآية. لما ذكر من الترهيب ما ذكر بين النعمة عليهم أيضاً. «كرمنا» تضعيف كرم؛ أي جعلنا لهم كرما أي شرفا وفضلا. وهذا هو كرم نفي النقصان لا كرم المال. وهذه الكرامة يدخل فيها خلقهم على هذه الهيئة في امتداد القامة وحسن الصورة، وحملهم في البر والبحر مما لا يصح لحيوان سوى بني آدم أن يكون يتحمل بإرادته وقصده وتدبيره. وتخصيصهم بما خصهم به من المطاعم والمشارب والملابس، وهذا لا يتسع فيه حيوان اتساع بني آدم؛ لأنهم يكسبون المال خاصة دون الحيوان، ويلبسون الثياب ويأكلون المركّبات من الأطعمة. وغاية كلّ حيوان يأكل لحما نيئاً أو طعاما غير مركّب. وحكى الطبريّ عن جماعة أن التفضيل هو أن يأكل بيده وسائر الحيوان بالفم. وروي عن ابن عباس؛ ذكره المهدويّ والنحاس؛ وهو قول الكلبيّ ومقاتل؛ ذكره الماورديّ. وقال الضحاك: كرّمهم بالنطق والتمييز. عطاء: كرّمهم بتعديل القامة وامتدادها. يمان: بحسن الصورة. محمد بن كعب: بأن جعل محمداً صلى الله عليه وسلم منهم. وقيل: أكرم الرجال باللِّحَى والنساء بالذوائب. وقال محمد بن جرير الطبريّ: بتسليطهم على سائر الخلق، وتسخير سائر الخلق لهم. وقيل: بالكلام والخط. وقيل: بالفهم والتمييز. والصحيح الذي يعوّل عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف، وبه يُعرف الله ويُفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله؛ إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بُعثت الرسل وأنزلت الكتب. فمثال الشرع الشمس، ومثال العقل العين، فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس وأدركت تفاصيل الأشياء. وما تقدّم من الأقوال بعضه أقوى من بعض. وقد جعل الله في بعض الحيوان خصالاً يفضل بها ابن آدم أيضاً؛ كجري الفرس وسمعه وإبصاره، وقوّة الفيل وشجاعة الأسد وكرم الديك. وإنما التكريم والتفضيل بالعقل كما بيناه. والله أعلم. الثانية: قالت فرقة: هذه الآية تقتضي تفضيل الملائكة على الإنس والجن من حيث إنهم المستثنون في قوله تعالى: {أية : وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} تفسير : [النساء: 171]. وهذا غير لازم من الآية، بل التفضيل فيها بين الإنس والجن؛ فإن هذه الآية إنما عدد الله فيها على بني آدم ما خصهم به من سائر الحيوان، والجن هو الكثير المفضول، والملائكة هم الخارجون عن الكثير المفضول، ولم تتعرض الآية لذكرهم، بل يحتمل أن الملائكة أفضل، ويحتمل العكس، ويحتمل التساوي، وعلى الجملة فالكلام لا ينتهي في هذه المسألة إلى القطع. وقد تحاشى قوم من الكلام في هذا كما تحاشوا من الكلام في تفضيل بعض الأنبياء على بعض؛ إذ في الخبر: «حديث : لا تُخايروا بين الأنبياء ولا تفضّلوني على يونس بن مَتَّى»تفسير : . وهذا ليس بشيء؛ لوجود النص في القرآن في التفضيل بين الأنبياء. وقد بيناه في «البقرة» ومضى فيها الكلام في تفضيل الملائكة والمؤمن. الثالثة: قوله تعالى: {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} يعني لذيذ المطاعم والمشارب. قال مقاتل: السمن والعسل والزبد والتمر والحَلْوَى، وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى عليكم من التبن والعظام وغيرها. {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} أي على البهائم والدواب والوحش والطير بالغلبة والاستيلاء، والثواب والجزاء والحفظ والتمييز وإصابة الفِراسة. الرابعة: هذه الآية تردّ ما روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : احْرِمُوا أنفسكم طَيّب الطعام فإنما قوى الشيطان أن يجري في العروق منها»تفسير : . وبه يستدلّ كثير من الصُّوفية في ترك أكل الطيبات، ولا أصل له؛ لأن القرآن يردّه، والسنة الثابتة بخلافه، على ما تقرّر في غير موضع. وقد حكى أبو حامد الطُّوسِيّ قال: كان سهل يقتات ورق النّبْق مدة، وأكل دُقاق ورق التين ثلاث سنين. وذكر إبراهيم بن البنا قال: صحبت ذا النُّون من إخميم إلى الإسكندرية، فلما كان وقت إفطاره أخرجت قرصا ومِلْحاً كان معي، وقلت: هَلُمّ. فقال لي: ملحك مدقوق؟ قلت نعم. قال: لست تُفلح! فنظرت إلى مِزْوَده وإذا فيه قليل سَوِيقِ شعير يَسْتَف منه. وقال أبو يزيد: ما أكلت شيئاً مما يأكله بنو آدم أربعين سنة. قال علماؤنا: وهذا مما لا يجوز حمل النفس عليه؛ لأن الله تعالى أكرم الآدميّ بالحنطة وجعل قشورها لبهائمهم، فلا يصح مزاحمة الدواب في أكل التبن، وأما سَويق الشعير فإنه يورث القُولَنْج، وإذا اقتصر الإنسان على خبز الشعير والملح الجَريش فإنه ينحرف مِزاجه؛ لأن خبز الشعير بارد مجفف، والملح يابس قابض يضر الدّماغ والبصر. وإذا مالت النفس إلى ما يصلحها فمُنعت فقد قووِمت حكمة البارىء سبحانه بردّها، ثم يؤثر ذلك في البدن، فكان هذا الفعل مخالفاً للشرع والعقل. ومعلوم أن البدن مطيّة الآدميّ، ومتى لم يرْفَق بالمطيّة لم تُبَلِّغ. وروي عن إبراهيم بن أدهم أنه اشترى زبدا وعسلاً وخبز حُوّارَى، فقيل له: هذا كله؟ فقال: إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال، وإذا عدِمنا صَبَرنا صبر الرجال. وكان الثوري يأكل اللحم والعنب والفالوذج ثم يقوم إلى الصلاة. ومثل هذا عن السلف كثير. وقد تقدم منه ما يكفي في المائدة والأعراف وغيرهما. والأول غُلُوٌّ في الدِّين إن صح عنهم {أية : وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} تفسير : [الحديد: 27]

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم وتكريمه إياهم في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكلمها؛ كقوله تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰن فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} تفسير : [التين: 4] أي: يمشي قائماً منتصباً على رجليه، ويأكل بيديه، وغيره من الحيوانات يمشي على أربع، ويأكل بفمه، وجعل له سمعاً وبصراً وفؤاداً، يفقه بذلك كله، وينتفع به، ويفرق بين الأشياء، ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدينية والدنيوية {وَحَمَلْنَـٰهُمْ فِى ٱلْبَرِّ} أي: على الدواب من الأنعام والخيل والبغال، وفي البحر أيضاً على السفن الكبار والصغار {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي: من زروع وثمار ولحوم وألبان من سائر أنواع الطعوم والألوان المشتهاة اللذيذة، والمناظر الحسنة، والملابس الرفيعة من سائر الأنواع على اختلاف أصنافها وألوانها وأشكالها؛ مما يصنعونه لأنفسهم، ويجلبه إليهم غيرهم من أقطار الأقاليم والنواحي {وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} أي: من سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات. وقد استدل بهذه الآية الكريمة على أفضلية جنس البشر على جنس الملائكة. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم قال: قالت الملائكة: يا ربنا إنك أعطيت بني آدم الدينا، يأكلون منها ويتنعمون، ولم تعطنا ذلك، فأعطنا الآخرة، فقال الله تعالى: «حديث : وعزتي وجلالي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت كن فكان» تفسير : وهذا الحديث مرسل من هذا الوجه، وقد روي من وجه آخر متصلاً. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة البغدادي، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الملائكة قالت: يا ربنا أعطيت بني آدم الدنيا، يأكلون فيها ويشربون ويلبسون، ونحن نسبح بحمدك، ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا، فاجعل لنا الآخرة، قال: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان» تفسير : وقد روى ابن عساكر من طريق محمد بن أيوب الرازي: حدثنا الحسن بن علي بن خلف الصيدلاني، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدثني عثمان بن حصن عن عبيدة بن علاق، سمعت عروة بن رويم اللخمي، حدثني أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الملائكة قالوا: ربنا خلقتنا وخلقت بني آدم، وجعلتهم يأكلون الطعام، ويشربون الشراب، ويلبسون الثياب، ويتزوجون النساء، ويركبون الدواب، ينامون ويستريحون، ولم تجعل لنا من ذلك شيئاً، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، فقال الله عز وجل: «لا أجعل من خلقته بيدي، ونفخت فيه من روحي، كمن قلت له كن فكان» تفسير : وقال الطبراني: حدثنا عبدان بن أحمد حدثنا عمر بن سهل حدثنا عبيد الله بن تمام عن خالد الحذاء، عن بشر بن شغاف عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما شيء أكرم على الله يوم القيامة من ابن آدم» تفسير : قيل: يا رسول الله ولا الملائكة؟ قال: «حديث : ولا الملائكة، الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر» تفسير : وهذا حديث غريب جداً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا } فضّلنا {بَنِى ءَادَمَ } بالعلم والنطق واعتدال الخلق وغير ذلك ومنه طهارتهم بعد الموت {وَحَمَلْنَٰهُمْ فِى ٱلْبَرِّ } على الدوابّ {وَٱلْبَحْرِ } على السفن {وَرَزَقْنَٰهُمْ مّنَ ٱلطَّيّبَٰتِ وَفَضَّلْنَٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا } كالبهائم والوحوش {تَفْضِيلاً } ف «مَنْ» بمعنى «ما» أو على بابها وتشمل الملائكة والمراد تفضيل الجنس، ولا يلزم تفضيل أفراده إذ هم أفضل من البشر غير الأنبياء.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {ولقد كَرّمنا بني آدم..} فيه سبعة أوجه: أحدها: يعني كرمناهم بإنعامنا عليهم. الثاني: كرمناهم بأن جعلنا لهم عقولاً وتمييزاً. الثالث: بأن جعلنا منهم خير أمة أخرجت للناس. الرابع: بأن يأكلوا ما يتناولونه من الطعام والشراب بأيديهم، وغيرهم يتناوله بفمه، قاله الكلبي ومقاتل. الخامس: كرمناهم بالأمر والنهي. السادس: كرمناهم بالكلام والخط. السابع: كرمناهم بأن سخّرنا جميع الخلق لهم. {... ورزقناهُمْ من الطيبات} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ما أحله الله لهم. الثاني: ما استطابوا أكله وشربه. الثالث: أنه كسب العامل إذا نفع، قاله سهل بن عبد الله. {وفضلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلاً} فيه أربعة أوجه: أحدها: بالغلبة والاستيلاء. الثاني: بالثواب والجزاء. الثالث: بالحفظ والتمييز. الرابع: بإصابة الفراسة.

ابن عطية

تفسير : {كرمنا} تضعيف كرم، فالمعنى: جعلنا لهم كرماً، أي شرفاً وفضلاً، وهذا هو كرم نفي النقصان، لا كرم المال؛ وإنما هو كما تقول: ثوب كريم، أي جمة محاسنه. قال القاضي أبو محمد: رضي الله عنه: وهذه الآية، عدد الله تعالى فيها على بني آدم ما خصهم به من بين سائر الحيوان، والحيوان والجن هو الكثير المفضول، والملائكة هم الخارجون عن الكثير المفضول، وحملهم {في البر والبحر}، مما لا يصلح لحيوان سوى بني آدم أن يكون يحمل بإرادته وقصده وتدبيره {في البر والبحر} جميعاً، والرزق {من الطيبات}، ولا يتسع فيه حيوان اتساع بني آدم، لأنهم يكسبون المال خاصة دون الحيوان، ويلبسون الثياب، ويأكلون المركبات من الأطعمة، وغاية كل حيوان أن يأكل لحماً نياً، أو طعاماً غير مركب، و"الرزق"، كل ما صح الانتفاع به، وحكى الطبري عن جماعة أنهم قالوا: "التفضيل" هو أن يأكل بيديه وسائر الحيوان بالفم، وقال غيره: وأن ينظر من إشراف أكثر من كل حيوان، ويمشي قائماً، ونحو هذا من التفضيل، وهذا كله غير محذق وذلك للحيوان من هذا النوع ما كان يفضل به ابن آدم، كجري الفرس، وسمعه، وإبصاره، وقوة الفيل، وشجاعة الأسد وكرم الديك، وإنما التكريم والتفضيل بالعقل الذي يملك به الحيوان كله، وبه يعرف الله عز وجل، ويفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه، وقالت فرقة: هذه الآية تقضي بفضل الملائكة على الإنس، من حيث هم المستثنون، وقد قال تعالى {أية : ولا الملائكة المقربون}، تفسير : [النساء: 172] وهذا غير لازم من الآية بل التفضيل بين الإنس والجن لم تعن به الآية، بل يحتمل أن الملائكة أفضل، ويحتمل التساوي، وإنما صح تفضيل الملائكة من مواضعٍ أخر من الشرع، وقوله تعالى {يوم ندعو} الآية، يحتمل قوله {يوم} أن يكون منصوباً على الظرف، والعامل فيه: فعل مضمر تقديره أنكر، أو فعل يدل عليه، قوله {ولا يظلمون} تقديره "ولا يظلمون يوم ندعو". ثم فسره {يظلمون} الأخير، ويصح أن يعمل فيه {وفضلناهم}، وذلك أن فضل البشر يوم القيامة على سائر الحيوان بيّن، لأنهم المنعمون المكلمون المحاسبون الذين لهم القدر، إما أن هذا يرده أن الكفار يومئذ أخسر من كل حيوان، إذ يقول الكافر؛ يا ليتني كنت تراباً، ولا يعمل فيه {ندعو} لأنه مضاف إليه، ويحتمل أن يكون {يوم} منصوباً على البناء لما أضيف إلى غير متمكن، ويكون موضعه رفعاً بالابتداء والخبر في التقسيم الذي أتى بعد في قوله {فمن أوتي} إلى قوله {ومن كان}. وقرأ الجمهور "ندعو" بنون العظمة، وقرأ مجاهد "يدعو"، بالياء على معنى يدعو الله ورويت عن عاصم. وقرأ الحسن "يُدعو" بضم الياء وسكون الواو، وأصلها يدعى ولكنها لغة لبعض العرب، يقلبون هذه الألف واواً، فيقولون افعو حبلو، ذكرها أبو الفتح وأبو علي في ترجمة أعمى بعد وقرأ الحسن: "كل" بالرفع، على معنى يدعى كل، وذكر أبو عمرو الداني عن الحسن، أنه قرأ "يدعى كل" {أناس} اسم جمع لا واحد له من لفظه، وقوله {بإمامهم} يحتمل أن يريد باسم إمامهم، ويحتمل أن يريد مع إمامهم، فعلى التأويل الأول: يقال يا أمة محمد، ويا أتباع فرعون، ونحو هذا، وعلى التأويل الثاني: تجيء كل أمة معها إمامها، من هاد أو مضل، واختلف المفسرون في "الإمام"، فقال مجاهد وقتادة: نبيهم، وقال ابن زيد كتابهم الذي نزل عليهم، وقال ابن عباس والحسن: كتابهم الذي فيه أعمالهم، وقالت فرقة: متبعهم، من هاد أو مضل، ولفظة "الإمام" تعم هذا كله، لأن الإمام هو ما يؤتم به ويهتدى به في المقصد، ومنه قيل لخيط البناء إمام، قال الشاعر يصف قدحاً: [الطويل] شعر : وقومته حتى إذا تم واستوى كمخة ساق أو كمتن إمام تفسير : ومنه قيل للطريق إمام، لأنه يؤتم به في المقاصد حتى ينهي إلى المراد وقوله: {فمن أوتي كتابه بيمينه} حقيقة في أن يوم القيامة صحائف تتطاير وتوضع في الأيمان لأهل الإيمان، وفي الشمائل لأهل الكفر، وتوضع في أيمان المذنبين الذين ينفذ عليهم الوعيد، فسيستفيدون منها أنهم غير مخلدين في النار، وقوله {يقرؤون كتابهم} عبارة عن السرور بها أي يرددنها ويتأملونها، وقوله {ولا يظلمون فتيلاً} أي ولا أقل ولا أكثر، فهذا هو مفهوم الخطاب حكم المسكوت عنه كحكم المذكور. كقوله تعالى {أية : فلا تقل لهما أف}، تفسير : [الإسراء: 23] وكقوله {أية : إن الله لا يظلم مثقال ذرة} تفسير : [النساء: 40] وهذا كثير ومعنى الآية: أنهم لا يبخسون من جزاء أعمالهم الصالحة شيئاً، و"الفتيل" هو الخيط الذي في شق نواة التمرة يضرب به المثل في القلة وتفاهة القدر، وقوله {ومن كان}، الآية، قال محمد بن أبي موسى: الإشارة بهذه إلى النعم التي ذكرها في قوله {ولقد كرمنا بني آدم} أي من عمي عن شكر هذه النعم والإيمان لمسديها، فهو في أمور الآخرة وشأنها {أعمى}. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل {أعمى} الثاني أن يكون بمنزلة الأول، على أنه تشبيه بأعمى البصر، ويحتمل أن يكون صفة تفضيل، أي أشد عمى، والعمى في هذه الآية هو عمى القلب في الأول والثاني، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الإشارة بهذه إلى الدنيا، أي من كان في هذه الدار أعمى عن النظر في آيات الله وعبره والإيمان بأنبيائه، فهو في الآخرة أعمى؛ إما أن يكون على حذف مضاف، أي في شأن الآخرة، وإما أن يكون: فهو في يوم القيامة أعمى، على معنى أنه حيران، لا يتوجه له صواب، ولا يلوح له نجح، قال مجاهد "فهو في الآخرة أعمى" عن حجته. قال القاضي أبو محمد: والظاهر عندي أن الإشارة بـ {هذه} إلى الدنيا، أي من كان في دنياه هذه ووقت إدراكه وفهمه أعمى عن النظر في آيات الله، فهو في يوم القيامة أشد حيرة وأعمى، لأنه قد باشر الخيبة، ورأى مخايل العذاب، وبهذا التأويل، تكون معادلة للتي قبلها، من ذكر من يؤتى كتابه بيمينه، وإذا جعلنا قوله {في الآخرة} بمعنى في شأن الآخرة، لم تطرد المعادلة بين الآيتين. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: "أعمى" في الموضعين، بغير إمالة، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم بخلاف عنه في الموضعين بإمالة، وقرأ أبو عمرو بإمالة الأول وفتح الثاني، وتأوله بمعنى أشد عمى، ولذلك لم يمله، قال أبو علي: لأن الإمالة إنما تحسن في الأواخر، و {أعمى} ليس كذلك لأن تقديره أعمى من كذا، فليس يتم إلا في قولنا من كذا، فهو إذاً ليس بآخر، ويقوي هذا التأويل قوله عطفاً عليه {وأضل سبيلاً} فإنما عطف {أضل} الذي هو أفعل من كذا على ما هو شبيه به، وإنما جعله في الآخرة {أضل سبيلا}، لأن الكافر في الدنيا يمكن أن يؤمن فينجو، وهو في الآخرة، لا يمكنه ذلك، فهو {أضل سبيلاً}، وأشد حيرة، وأقرب إلى العذاب، وقول سيبويه رحمه الله: لا يقال أعمى من كذا كما يقال ما أبداه، إنما هو في عمى العين الذي لا تفاضل فيه، وأما في عمى القلب فيقال ذلك لأنه يقع فيه التفاضل، وذكر مكي في هذه الآية، أن العمى الأول هو عمى العين عن الهدى وهذا بين الاختلال، والله المعين. وقوله {وإن كادوا ليفتنونك} الآية، {إن} هذه عند سيبويه هي المخففة من الثقيلة، واللام في قوله {ليفتنونك} لام تأكيد، و {إن} هذه عند الفراء بمعنى ما، واللام بمعنى إلا والضمير في قوله {كادوا} قيل هو لقريش وقيل لثقيف، فأما لقريش، فقال ابن جبير ومجاهد: نزلت الآية لأنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ندعك تستلم الحجر الأسود حى تمس أيضاً أوثاننا على معنى التشرع بذلك، قال الطبري وغيره: فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يظهر لهم ذلك، وقلبه منكر فنزلت الآية في ذلك قال الزجاج: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه "حديث : وما علي أن أفعل لهم ذلك والله تعالى يعلم ما في نفسي"تفسير : وقال ابن إسحاق وغيره، إنهم اجتمعوا إليه ليلة فعظموه، وقالوا له: أنت سيدنا ولكن أقبل على بعض أمرنا ونقبل على بعض أمرك، فنزلت الآية في ذلك فهي في معنى قوله تعالى: {أية : ودّوا لو تدهن فيدهنون} تفسير : [القلم: 9]. وحكى الزجاج أن الآية قيل إنها فيما أرادوه من طرد فقراء أصحابه، وأما لثقيف، فقال ابن عباس وغيره: لأنهم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخرهم بعد إسلامهم سنة يعبدون فيها اللات، وقالوا إنا نريد أن نأخذ ما يهدى لنا، ولكن إن خفت أن تنكر ذلك عليك العرب، فقل: أوحى الله ذلك إلي، فنزلت الآية في ذلك، ويلزم قائل هذا القول أن يجعل الآية مدنية، وقد روي ذلك، وروى قائلو الأقوال الأخر أنها مكية. قال القاضي أبو محمد: وجميع ما أريد من النبي صلى الله عليه وسلم بحسب هذا الاختلاف قد أوحى الله إليه خلافه، إما في معجز وإما في غير معجز، وفعله هو أن لو وقع افتراء على الله إذ أفعاله وأقواله إنما هي كلها شرع. وقوله {وإذاً لاتخذوك خليلاً} توقيف على ما نجاه الله منه من مخالفة الكفار والولاية لهم، وقوله {لولا أن ثبتناك} الآية، تعديد نعمة على النبي صلى الله عليه وسلم، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال "حديث : اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين" تفسير : . و"الركون" شد الظهر إلى الأمر أو الحزم على جهة السكون إليه، كما يفعل الإنسان بالركن من الجدران ومنه قوله تعالى حكاية. {أية : أو آوي إلى ركن شديد} تفسير : [هود: 80]، وقرأ الجمهور "تركَن" بفتح الكاف، وقرأ ابن مصرف وقتادة وعبد الله بن أبي إسحاق "تركُن" بضم الكاف، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يركن، لكنه كاد بحسب همه بموافقتهم طمعاً منه في استئلافهم، وذهب ابن الأنباري إلى أن معناه لقد كاد أن يخبروا عنك أنك ركنت، ونحو هذا ذهب في ذلك إلى نفي الهم بذلك عن النبي عليه السلام، فحمل اللفظ ما لا يحتمل، وقوله {شيئاً قليلاً} يبطل ذلك، وهذا الهم من النبي عليه السلام إنما كانت خطرة مما لا يمكن دفعه، ولذلك قيل {كدت}، وهي تعطي أنه لم يقع ركون، ثم قيل {شيئاً قليلاً} إذ كانت المقاربة التي تتضمنها {كدت} قليلة خطرة لم تتأكد في النفس، وهذا الهمّ هو كهمّ يوسف عليه السلام، والقول فيهما واحد وقوله {إذاً لأذقناك} الآية، يبطل أيضاً ما ذهب إليه ابن الأنباري، وقوله {ضعف الحياة وضعف الممات} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك يريد ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات. قال القاضي أبو محمد: على معنى أن ما يستحقه هذا المذنب من عقوبتنا في الدنيا والآخرة كنا نضعفه لك، وهذا التضعيف شائع مع النبي عليه السلام في أجره، وفي ألمه وعقاب أزواجه، وباقي الآية بين.

ابن عبد السلام

تفسير : {كَرَّمْنَا بَنِى ءَادَمَ}: بالإنعام عليهم، أو بأن جعلنا منهم خير أمة أُخرجت للناس، أو بأكلهم الطعام بأيديهم وغيرهم بتناوله بفمه.

النسفي

تفسير : {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } بالعقل والنطق والخط والصورة الحسنة والقامة المعتدلة وتدبير أمر المعاش والمعاد والاستيلاء وتسخير الأشياء وتناول الطعام بالأيدي. وعن الرشيد أنه أحضر طعاماً فدعا بالملاعق ــ وعنده أبو يوسف رحمه الله تعالى ــ فقال له: جاء في تفسير جدك ابن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } جعلنا لهم أصابع يأكلون بها فأحضرت الملاعق فردها وأكل بأصابعه {وَحَمَلْنَـٰهُمْ فِى ٱلْبَرّ } على الدواب {وَٱلْبَحْرِ } على السفن {وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ } باللذيذات أو بما كسبت أيديهم {وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } أي على الكل كقوله {أية : وَأَكْثَرُهُمْ كَـٰذِبُونَ }تفسير : [الشعراء: 223] قال الحسن: أي كلهم وقوله: {أية : وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّا }تفسير : [يونس: 36] ذكر في الكشاف أن المراد بالأكثر الجميع. وعنه عليه السلام: «حديث : المؤمن أكرم على الله من الملائكة»تفسير : وهذا لأنهم مجبولون على الطاعة ففيهم عقل بلا شهوة. وفي البهائم شهوة بلا عقل، وفي الآدمي كلاهما، فمن غلب عقله شهوته فهو أكرم من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم، ولأنه خلق الكل لهم وخلقهم لنفسه {يَوْمَ نَدْعُواْ } منصوب بـ «اذكر» {كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ } الباء للحال والتقدير مختلطين بإمامهم أي بمن ائتموا به من نبي، أو مقدم في الدين أو كتاب أو دين فيقال: يا أتباع فلان، يا أهل دين كذا أو كتاب كذا. وقيل: بكتاب أعمالهم فيقال: يا أصحاب كتاب الخير ويا أصحاب كتاب الشر {فَمَنْ أُوتِىَ } من هؤلاء المدعوين {كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَـئِكَ يَقْرَءونَ كِتَـٰبَهُمْ } وإنما قيل أولئك لأن «من» في معنى الجمع {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } ولا ينقصون من ثوابهم أدنى شيء. ولم يذكر الكفار وإيتاء كتبهم بشمالهم اكتفاء بقوله:

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم} قال ابن عباس: هو أنهم يأكلون بالأيدي وغير الآدمي يأكل بفيه من الأرض وقال أيضاً بالعقل وقيل بالنطق والتمييز والخط والفهم، وقيل باعتدال القامة وامتدادها وقيل بحسن الصورة وقيل: الرجل باللحى والنساء بالذوائب. وقيل: بتسليطهم على جميع ما في الأرض وتسخيره لهم وقيل: بحسن تدبيرهم أمر المعاش والمعاد. وقيل بأن منهم خير أمة أخرجت للناس {وحملناهم في البر} أي على الإبل والخيل والحمير {والبحر} أي وحملناهم في البحر على السفن، وهذا من مؤكدات التكريم لأن الله تعالى سخر لهم هذه الأشياء لينتفعوا بها، ويستعينوا بها على مصالحهم {وزرقناهم من الطيبات} يعني لذيذ المطاعم والمشارب وقيل الزبد والتمر والحلواء، وجعل رزق غيرهم مما لا يخفى، وقيل: إن جميع الأغذية إما نباتية وإما حيوانية ولا يتغذى الإنسان إلا بأطيب القسمين بعد الطبخ الكامل والنضج التام ولا يحصل هذا لغير الإنسان {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً} واعلم أن الله تعالى قال في أول الآية: ولقد كرمنا بني آدم وفي آخرها وفضلناهم، ولا بد من الفرق بين التكريم والتفضيل والإلزام التكرار والأقرب أن يقال: إن الله تعالى كرم الإنسان على سائر الحيوان بأمور خلقية ذاتية طبيعية، مثل العقل والنطق والخط وحسن الصورة، ثم إنه سبحانه وتعالى عرفه بواسطة ذلك العقل والفهم اكتساب العقائد الصحيحة والأخلاق الفاضلة، فالأول هو التكريم والثاني هو التفضيل. ثم قال سبحانه وتعالى: على كثير ممن خلقنا تفضيلاً. ظاهر الآية يدل على أنه فضل بني آدم على كثير ممن خلق لا على الكل فقال: قوم فضلوا على جميع الخلق إلا على الملائكة وهذا مذهب المعتزلة. وقال الكلبي: فضلوا على الخلائق كلهم إلا على طائفة من الملائكة مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزائيل وأشباههم. وقيل: فضلوا على جميع الخلائق وعلى الملائكة كلهم. فإن قلت: كيف تصنع بكثير؟ قلت: يوضع الأكثر موضع الكل كقوله تعالى {أية : يلقون السمع وأكثرهم كاذبون}تفسير : [الشعراء: 223] أراد كلهم وفي الحديث عن جابر يرفعه قال: "حديث : لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة يا رب خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون فاجعل لهم الدنيا، ولنا الآخرة فقال: لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان" تفسير : وقيل بالتفضيل وهو الأولى والراجح أن خواص بني آدم وهم الأنبياء أفضل من خواص الملائكة، وعوام الملائكة أفضل من عوام البشر من بني آدم، وهذا التفضيل إنما هو بين الملائكة والمؤمنين من بني آدم لأن الكفار لا حرمة لهم قال الله سبحانه وتعالى {أية : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية}تفسير : [البينة: 7] وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: المؤمن أكرم على الله تعالى من الملائكة الذين عنده. وقوله عز وجل {يوم ندعو كل أناس بإمامهم} أي بنبيهم وقيل بكتابهم الذي أنزل عليهم، وقيل بكتاب أعمالهم وعن ابن عباس: إمام زمانهم الذي دعاهم في الدنيا إما إلى هدى وإما إلى ضلالة وذلك أن كل قوم يجتمعون إلى رئيسهم في الخير والشر. وقيل: بمعبودهم وقيل بإمامهم جمع أم يعني بأمهاتهم والحكمة فيه رعاية حق عيسى عليه السلام وإظهار شرف الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما، وأن لا يفتضح أولاد الزنا {فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم} فإن قلت: لم خص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم، مع أن أصحاب الشمال يقرؤونه أيضاً. قلت: الفرق أن أصحاب الشمال إذا طالعوا كتابهم، وجدوه مشتملاً على مشكلات عظيمة فيستولي عليهم الخجل والدهشة فلا يقدرون على إقامة حروفه فتكون قراءتهم كلا قراءة، وأصحاب اليمين إذا طالعوا كتابهم وجدوه مشتملاً على الحسنات والطاعات فيقرؤونه أحسن قراءة وأبينها {ولا يظلمون فتيلاً} أي ولا ينقصون من ثواب أعمالهم أدنى شيء.

الثعالبي

تفسير : وقوله جلَّت عظمته {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ...} الآية: عدَّد اللَّه سبحانه على بني آدم ما خصَّهم به من المزايا مِنْ بين سائر الحيوان، ومن أفضل ما أكْرَم به الآدِميَّ العقْلُ الذي به يعرفُ اللَّه تعالى، ويفهم كلامه، ويوصِّل إِلى نعيمه. وقوله سبحانه: {عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا } المراد بـــ«الكثير المفضولِ» الحيوانُ والجنُّ، وأما الملائكة، فهم الخارجون عن الكثير المفضول، وليس في الآية ما يقتضي أن الملائكة أفضَلُ من الإِنسِ؛ كما زعمت فرقة؛ بل الأمر محتملٌ أنْ يكونوا أفضَلَ من الإِنس، ويحتمل التساوي. وقوله سبحانه: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ } يحتمل أن يريد باسْمِ إِمامهم، فيقول: يا أمة محمَّد، ويا أتباع فِرْعَوْنَ، ونحو هذا، ويحتمل أن يريد: مع إِمامهم أنْ تجيء كل أمَّة معها إِمامها من هادٍ ومضلٍّ، واختلف في «الإمام»، فقال ابن عباس والحسن: كتابهم الذي فيه أعمالهم، وقال قتادة ومجاهد: نبيهم، وقال ابن زيد: كتابهم الذي نَزَلَ عليهم، وقالت فرقة: متَّبَعُهُمْ مِنْ هادٍ أو مُضِلٍّ، ولفظة «الإِمام» تعمُّ هذا كلَّه. وقوله سبحانه: {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ }: حقيقةٌ في أن في القيامة صحائفَ تتطاير، وتوضعُ في الأيْمَان لأهل الأَيْمانَ، وفي الشمائل لأهل الكُفْر والخذلان، وتوضع في أيمان المذْنِبِين الذين يَنْفُذُ عليهم الوعيد، فيستفيدون منها أنهم غَيْرُ مخلَّدين في النار. وقوله سبحانه: {يَقْرَءُونَ كِتَـٰبَهُمْ }: عبارةٌ عن السرور بها، أي: يردِّدونها ويتأمَّلونها. وقوله سبحانه: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} أي: ولا أقلَّ، وقوله سبحانه: {وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ }: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الإِشارة بـــ {هَـٰذِهِ } إلى الدنيا، أي: مَنْ كان في هذه الدارِ أعمى عن النظرِ في آيات اللَّه وعِبَرِه، والإِيمان بأنبيائه، فهو في الآخرة أعمى؛ على معنى أنه حيرانُ لا يتوجَّه لصوابٍ ولا يلوحُ له نُجْحٌ. قال مجاهد: فهو في الآخرةِ أعمى عن حُجَّته، ويحتمل أنْ يكون صفةَ تفضيلٍ، أي: أشدُّ عمًى وحيرةً؛ لأنه قد باشر الخَيْبة ورأى مخايل العذاب؛ ويقوِّي هذا التَّأويل قوله، عطفاً عليه: {وَأَضَلُّ سَبِيلاً } الذي هو «أَفْعَلُ مِنْ كَذَا» والعمى في هذه الآية هو عَمَى القلب، وقولُ سِيَبَوَيْه: لا يقال أعمى مِنْ كَذَا، إِنما هو في عمى العينِ الذي لا تفاضُلَ فيه، وأما في عمى القْلبِ، فيقال ذلك؛ لأنه يقع فيه التفاضل * ت *: وكذا قال * ص * وقوله سبحانه: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ...} الآية: الضمير في قوله: {كَادُواْ } هو لقريشٍ، وقيل: لثقيفٍ، فأما لقريش، فقال ابن جبير ومجاهد: نزلَتِ الآية، لأنهم قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم لاَ نَدَعُكَ تستلمُ الحَجَرَ الأسْوَدَ حتى تَمَسَّ أيضاً أوثانَنَا على معنى التشرُّع، وقال ابن إسحاق وغيره: إِنهم ٱجتمعوا إليه ليلةً، فعظَّموه، وقالوا له: أنْتَ سيِّدنا، ولكنْ أَقْبِلْ على بعض أمْرنا، ونُقْبِلُ على بعض أمرك، فنزلَتِ الآية في ذلك. قال * ع *: فهي في معنى قوله: { أية : وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } تفسير : [القلم:9] وأما لثقيفٍ، فقال ابن عباس وغيره: لأنهم طلبوا من رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم أنْ يؤخرهم بعد إِسلامهم سَنَةً يعبدون فيها اللاَّتَ، وقالوا: إِنما نريد أن نأخذ ما يُهْدَى لها ولكن إنْ خفْتَ أنْ تنكر ذلك عليك العربُ، فقل: أَوْحَى اللَّهُ ذلك إِلَيَّ، فنزلَتِ الآية في ذلك. * ت *: واللَّه أعلم بصحَّة هذه التأويلاتِ، وقد تقدَّم ما يجبُ اعتقاده في حَقِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فالتزمه تُفْلِحْ. وقوله: {وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً }: توقيفٌ على ما نجاه اللَّه منه من مُخَالَّةِ الكفَّار، والولايةِ لهم.

ابن عادل

تفسير : وهذه نعمة أخرى عظيمة من نعم الله - تعالى - على الإنسان، وهي تفضيل الإنسان على غيره. واعلم أنه ليس المراد من الكرمِ في المالِ. وعدَّاه بالتضعيف، وهو من كرم بالضَّم كـ "شَرُفَ"، قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: كلُّ شيءٍ يأكل بفيه إلاَّ ابن آدم يأكل بيديه. وروي عنه أنه قال: بالعقل. وقال الضحاك: بالنُّطق والتَّمييز. وقال عطاء: بتعديل القامة، وامتدادها. وينبغي أن يشترط مع هذا شرطٌ، وهو طول العمر، مع استكمال القوَّة العقليَّة والحسيَّة والحركيَّة، وإلاَّ فالأشجار أطول قامة من الإنسانِ، والدَّوابُّ منكبَّة على وجوهها. وقيل: بحسنِ الصورة؛ كقوله تعالى: {أية : فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ} تفسير : [غافر: 64] ولما ذكر خلقه للإنسان، قال: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 14] وقال جلَّ ذكره {أية : صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً} تفسير : [البقرة: 138]. وتأمَّل عضواً واحداً من أعضاء الإنسان، وهو العين، فخلق الحدقة سوداء، ثم أحاط بذلك السَّواد بياض العين، ثم أحاط بذلك البياض سواد الأشفار، ثم أحاط بذلك السواد بياض الأجفان، ثم خلق فوق بياض الجفن سواد الحاجبين، ثم خلق فوق سواد الحاجببين بياض الجبهة، ثمَّ خلق فوق بياض الجبهة سواد الشَّعر. وقيل: الرِّجال باللحى، والنِّساء بالذَّوائب. وقيل: بأن سخَّر لهم سائر الأشياء. وقال بعضهم: من كرامات الآدميِّ أن آتاه الله الخطَّ. وتحقيق الكلام: أن العلم الذي يقدر الإنسانُ على استنباطه يكون قليلاً، فإذا أودعه في كتابٍ، جاء الإنسان الثاني، واستعان بذلك الكتاب، ضمَّ إليه من عند نفسه آخر، ثم لا يزالون يتعاقبون، ويضمُّ كلُّ متأخرٍ مباحث كثيرة إلى علم المتقدِّمين، فكثرت العلومُ، وانتهتِ المباحثُ العقليَّة، والمطالب الشرعيَّة إلى أقصى الغايات، وأكمل النهايات، وهذا لا يتأتَّى إلا بواسطةِ الخطِّ، ولهذه الفضيلة؛ قال تعالى: {أية : ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} تفسير : [العلق: 3-5]. وقال بعضهم: إنَّ المخلوقاتِ أربعة أقسامٍ: قسم حصلت له القوَّة العقليَّة الحكميَّة، ولم تحصل له القوَّة الشهواتيَّة، وهم الملائكة - صلوات الله عليهم - وقسمٌ بالعكس، وهم البهائم، وقسم خلا عن القسمين، وهم النباتُ والجمادات، وقسم حصل النوعان فيه، وهو الإنسان، ولا شكَّ أنَّ الإنسان؛ لكونه مستجمعاً للقوَّة العقلية، والقوى الشهوانيَّة، والبهيميَّة والنفسيَّة والسبعيَّة يكون أفضل من البهيمة والسَّبع، وهو أيضاً أفضل من الخالي عن القوتين؛ كالنبات والجمادات، وإذا ثبت ذلك، ظهر أنَّ الله تعالى فضَّل الإنسان على أكثر أقسام المخلوقات. وأيضاً: الموجود: إمَّا أن يكون أزليًّا وأبدياً معاً، وهو الله تبارك وتعالى. وإمَّا ألاَّ يكون أزليًّا ولا أبديًّا، وهم عالم الدنيا مع ما فيه من المعادن، والنبات، والحيوان، وهذا أخسُّ الأقسام، وإمَّا أن يكون أزليًّا، ولا يكون أبديًّا، وهو الممتنعُ الوجود؛ لأنَّ ما ثبت قدمه، امتنع عدمهُ، وإمَّا ألاَّ يكون أزليًّا، ولكنَّه يكون أبديًّا، وهو الإنسان، والملك، وهذا القسمُ أشرف من الثاني والثالث، وذلك يقتضي كون الإنسان أشرف من أكثر المخلوقات. ثمَّ قال تعالى: {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}. قال ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنه -: في البرِّ على الخيل والبغالِ والحميرِ والإبلِ، وفي البحر على السُّفن. {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} يعني لذيذ الطَّعام والمشارب، {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}. واعلم أنَّه قال في أوَّل الآية {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}. وقال في آخرها: {وَفَضَّلْنَاهُمْ} ولا بدَّ من الفرق بين التكريم والتفضيل، وإلا لزم التَّكرار، والأقرب أن يقال: إنه تعالى فضَّل الإنسان على سائرِ الحيوانات بأمور خلقيَّة طبعيَّة ذاتيَّة؛ كالعقل، والنطق، والخطِّ، والصورة الحسنة، و القامة المديدة، ثم إنه تعالى عرضه بواسطة العقل والفهم لاكتساب العقائد الحقَّة، والأخلاق الفاضلة، فالأول: هو التكريم، والثاني: هو التفضيل. فصل ظاهرُ الآية يدلُّ على أنَّه فضَّلهم على كثيرٍ من خلقه، لا على الكلِّ، فقال قومٌ: فضِّلوا على جميع الخلق، لا على الملائكة، وهذا قول ابن عباس، واختيارُ الزجاج على ما رواهُ الواحديُّ في "البسيط". وقال الكلبيُّ: فضِّلوا على جميع الخلائف كلِّهم، إلاَّ على طائفةٍ من الملائكة: جبريل، ميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت - صلوات الله عليهم أجمعين - وأشباههم. وقال قوم: فضِّلوا على جميع الخلق، وعلى الملائكةِ كلِّهم، وقد يوضع الأكثر موضع الكلِّ؛ كقوله سبحانه {أية : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ}تفسير : [الشعراء: 221] إلى قوله: {أية : وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} تفسير : [الشعراء: 223] أي: كلُّهم. وروى جابرٌ يرفعه: قال "لمَّا خلق الله - عزَّ وجلَّ - آدم، وذريَّته، قالت الملائكة: يا ربُّ، خلقتهم يَأكلُونَ، ويَشْرَبُونَ، ويَنكِحُونَ، فاجعلْ لهمُ الدُّنْيَا، ولنَا الآخِرةَ، فقال تعالى: لا أجعل من خلقته بيدي، ونفخت فيه من روحي، كمن قلت له: كن فكان". والأولى أن يقال: عوامُّ الملائكة أفضل من عوامِّ المؤمنين، وخواصُّ المؤمنين أفضل من خواصِّ الملائكة، قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ} تفسير : [البينة: 7]. ورُوِيَ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "المُؤمِنُ أكْرَمُ على الله مِنَ المَلائِكَةِ الَّذينَ عِندَهُ" رواه البغويُّ وأورده الواحدي في "البسيط". واحتجَّ القائلون بتفضيل الملائكة على البشر على الإطلاق بهذه الآية. قال ابن الخطيب: وهو في الحقيقة تمسُّكٌ بدليل الخطاب، وتقريره أن يقال: تخصيص الكثير بالذكر يدلُّ على أنَّ الحال في القليل بالضدِّ، وذلك تمسُّك بدليل الخطاب.

البقاعي

تفسير : ولما قرر سبحانه بهذه الجمل ما يسر لهم من البر، وسهل من شدائد البحر في معرض التهديد، أتبعه أنه فعل ذلك تكريماً لهم على سائر مخلوقاته، كما هو شأنه في القدرة على ما يريد في المفاوتة بين الأمور التي كانت متساوية عند أول خلقه لها، ليستدلوا بذلك على سهولة الإعادة، مشيراً إلى أنه ركب جوهر الإنسان من نفس هي أشرف النفوس بما فضلها على قوى النفس النباتية من الاغتذاء والنمو والتوليد بالحس ظاهراً وباطناً وبالحركة بالاختيار، وخصه على سائر الحيوان بالقوة العاقلة المدركة لحقائق الأشياء كما هي، ويتجلى بها نور معرفة الله، ويشرق فيها ضوء كبريائه وتطلع على عالمي الخلق والأمر، وتحيط بأقسام المخلوقات من الأرواح والأجسام كما هي، فكانت بذلك النفس الإنسانية أشرف نفوس هذا العالم، وبدنه كذلك باختصاصه باعتدال القامة وامتدادها والتناول باليد وغير ذلك، فقال تعالى عاطفاً على ما يرشد إليه السياق من مثل أن يقال: فلقد كرمناكم بذلك من إزجاء الفلك وإنجائكم في وقت الشدائد، أو على: ولقد فضلنا: {ولقد كرمنا} أي بعظمتنا تكريماً عظيماً {بني ءادم} أي على سائر الطين بالنمو، وعلى سائر النامي بالحياة، وعلى سائر الحيوان بالنطق، فكان حذف متعلق التكريم دالاً على عمومه لجميع الخلق، وذلك كله تقديراً للقدرة على البعث {وحملناهم في البر} على الدواب وغيرها {والبحر} على السفن وغيرها {ورزقناهم} أي رزقاً يناسب عظمتنا {من الطيبات} أي المستلذات من الثمرات والأقوات التي يأكل غيرهم من الحيوان قشّها {وفضلناهم} في أنفسهم بإحسان الشكل، وفي صفاتهم بالعلم المنتج لسعادة الدارين، وفي رزقنا لهم بما تقدم. ولما حذف متعلق التكريم دلالة على التعميم، وكان أغلب أفراده ضالاً، قال لذلك: {على كثير ممن خلقنا} أي بعظمتنا التي خلقناهم بها وأكد الفعل بالمصدر إشارة إلى إعراقهم في الفضيلة فقال تعالى: {تفضيلاً *} هذا ما للمجموع، وأما الخلص فهم أفضل الخلائق لما علمنا من معالجتهم بالإخلاص وجهادهم لأهويتهم، لما طبعت عليه نفوسهم من النقائص، ولما لها من الدسائس حتى امتطوا بعد رتبة الإيمان درجتي التقوى والإحسان، وتقديم الأمر للملائكة بالسجود لآدم عليه السلام توطئة لهذه الآية أدل دليل على هذا. ولما قرر سبحانه قدرته على التفضيل في الحياة الحسية والمعنوية، والمفاضلة بين الأشياء في الشيئين فثبت بذلك قدرته على البعث، وختم ذلك بتفضيل البشر، وكان يوم الدين أعظم يوم يظهر في التفضيل، أبدل من قوله {يوم يدعوكم} مرهباً من سطواته في ذلك اليوم، ومرغباً في اقتناء الفضائل في هذا اليوم قوله تعالى: {يوم ندعوا} أي بتلك العظمة {كل أناس} أي منكم {بإمامهم} أي بمتبوعهم الذي كانوا يتبعونه، فيقال: يا أتباع نوح! يا أتباع إبراهيم! يا أتباع عيسى! يا أتباع محمد! فيقومون فيميز بين محقيهم ومبطليهم، ويقال: يا أتباع الهوى! يا أتباع النار! يا أتباع الشمس! يا أتباع الأصنام! ونحو هذا، أو يكون المراد بسبب أعمالهم التي ربطناهم بها ربط المأموم بإمامه كما قال تعالى {وكل إنسان الزمناه طائره في عنقه} وسماها إماماً لكونهم أموها واجتهدوا في قصدها، وندفع إليهم الكتب التي أحصت حفظتنا فيها تلك الأعمال {فمن أوتي} منهم من مؤتٍ ما {كتبه بيمينه} فهم البصراء القلوب لتقواهم وإحسانهم، وهم البصراء في الدنيا، ومن كان في هذه الدنيا بصيراً فهو في الآخرة أبصر وأهدى سبيلاً {فأولئك} أي العالو المراتب {يقرءون كتابهم} أي يجددون قراءته ويكررونها سروراً بما فيه كما هو دأب كل من سر بكتاب {ولا يظلمون} بنقص حسنة ما من ظالم ما {فتيلاً *} أي شيئاً هو في غاية القلة والحقاره، بل يزادون بحسب إخلاص النيات وطهارة الأخلاق وزكاء الأعمال، ومن أوتي كتابه بشماله فهو لا يقرأ كتابه لأنه أعمى في هذه الدار {ومن كان} منهم {في هذه} الدار {أعمى} أي ضالاً يفعل في الأعمال فعل الأعمى في أخذ الأعيان، لا يهتدي إلى أخذ ما ينفعه وترك ما يضره، ولا يميز بين حسن وقبح {فهو في الآخرة} لأن كل أحد يقوم على ما مات عليه {أعمى} أي أشد عمى مما كان عليه في هذه الدار، لا ينجح له قصد، ولا يهتدي لصواب، ولا يقدر على قراءة كتاب، لما فيه من موجبات العذاب، ولم يقل: أشد عمى، كما يقولونه في الخلق اللازمة لحالة واحدة من العور والحمرة والسواد ونحوها، لأن هذا مراد به عمى القلب الذي من شأنه التزايد والحدوث في كل لحظة شيئاً بعد شيء، فخالف ما لا يزيد؛ ولم يمله أبو عمرو مع إمالة الأول ليدل على أن معناه: أفعل من كذا، فهو وسط، والإمالة إنما يحسن في الأواخر، ولأن هذا معناه، عطف عليه قوله تعالى: {وأضل سبيلاً *} لأن هذه الدار دار الاكتساب والترقي بالأسباب، وأما تلك فليس فيها شيء من ذلك؛ فالآية من الاحتباك: أثبت الإيتاء باليمين والقراءة أولاً دليلاً على حذف ضدهما ثانياً، وأثبت العمى ثانياً دليلاً على حذف ضده أولاً.

السيوطي

تفسير : أخرج الطبراني والبيهقي في شعب الإيمان والخطيب في تاريخه، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : ما من شيء أكرم على الله من بني آدم يوم القيامة. قيل‏:‏ يا رسول الله، ولا الملائكة المقربون‏؟‏‏!‏‏.‏‏.‏ قال‏:‏ ولا الملائكة‏.‏‏.‏‏.‏ الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن ابن عمر رضي الله عنهما موقوفاً وقال‏:‏ هو الصحيح‏.‏ وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ المؤمن أكرم على الله من ملائكته‏. وأخرج الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : إن الملائكة قالت‏:‏ يا رب، أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون، ونحن نسبح بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة‏.‏ قال‏:‏ لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم مثله‏. وأخرج ابن عساكر من طريق عروة بن رويم قال‏:‏ حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الملائكة قالوا‏:‏ ربنا خلقتنا وخلقت بني آدم‏.‏‏.‏‏.‏ فجعلتهم يأكلون الطعام ويشربون الشراب ويلبسون الثياب ويأتون النساء ويركبون الدواب وينامون ويستريحون، ولم تجعل لنا من ذلك شيئا‏ً.‏‏.‏‏.‏ فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة‏.‏ فقال الله‏:‏ لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عروة بن رويم مرسلا‏ً. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عروة بن رويم الأنصاري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة‏:‏ يا رب، خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، فقال الله تعالى‏:‏ لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان "‏. تفسير : ‏وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من وجه آخر، عن عروة بن رويم اللخمي، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر نحوه إلا أنه قال‏:‏ ‏"‏حديث : ويركبون الخيل‏"‏ تفسير : ولم يذكر ونفخت فيه من روحي‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏ولقد كرمنا بني آدم‏} ‏ قال‏:‏ جعلناهم يأكلون بأيديهم، وسائر الخلق يأكلون بأفواههم‏. وأخرج الحاكم في التاريخ والديلمي، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال‏: ‏"‏حديث : ‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ {‏ولقد كرمنا بني آدم‏}‏ قال‏:‏الكرامة، الأكل بالأصابع ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر رضي الله عنه قال‏:‏ ما من رجل يرى مبتلى فيقول‏:‏ الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني عليك وعلى كثير من خلقه تفضيلاً، إلا عافاه الله من ذلك البلاء كائناً ما كان‏. وأخرج أبو نعيم والبيهقي في الدلائل، عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله خلق السموات سبعاً فاختار العليا منها، فأسكنها من شاء من خلقه، ثم خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشاً واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فأنا من خيار الأخيار ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏يوم ندعو كل أُناس بإمامهم‏} ‏ قال‏:‏ إمام هدى وإمام ضلالة‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والخطيب في تاريخه، عن أنس رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏يوم ندعو كل أناس بإمامهم‏} ‏ قال‏:‏ بنبيهم‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه مثله‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏يوم ندعو كل أناس بإمامهم‏} ‏ قال‏:‏ بكتاب أعمالهم‏. وأخرج ابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ ‏{‏يوم ندعو كل أناس بإمامهم‏}‏ قال‏:‏ يدعى كل قوم بإمام زمانهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه والبزار وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ‏ ‏"‏حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏{‏يوم ندعو كل أناس بإمامهم‏} ‏قال‏: يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويُمَدّ لَهُ في جسمه ستين ذراعاً ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من نور يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون‏:‏ اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا حتى يأتيهم فيقول‏:‏ أبشروا‏.‏‏.‏‏.‏ لكل رجل منكم مثل هذا. وأما الكافر، فيسوّد له وجهه ويُمَدّ له في جسمه ستين ذراعاً على صورة آدم، ويلبس تاجاً من نار فيراه أصحابه فيقولون‏:‏ نعوذ بالله من شر هذا‏.‏‏.‏‏.‏ اللهم لا تأتنا بهذا‏.‏ قال فيأتيهم‏.‏ فيقولون‏:‏ ربنا أخّرْه فيقول‏:‏ ابعدكم الله، فإن لكل رجل منكم مثل هذا ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن عكرمة قال‏:‏ جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسأله رجل‏:‏ أرأيت قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏ومن كان في هذه أعمى‏.‏‏.‏‏.‏ فهو في الآخرة أعمى‏} ‏ فقال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ لم تصب المسألة، اقرأ ما قبلها ‏ {‏ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر‏} ‏ حتى بلغ ‏ {‏وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا‏ً}‏ فقال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ فمن كان أعمى عن هذا النعيم الذي قَدْ رَأَى وعايَنَ، فهو في أمر الآخرة التي لم تُرَ ولَمْ تعاين ‏ {‏أعمى وأضل سبيلاً‏}. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏ومن كان‏} ‏ في الدنيا ‏ {‏أعمى‏} ‏ عما يرى من قدرتي من خلق السماء والأرض والجبال والبحار والناس والدواب وأشباه هذا ‏ {‏فهو‏} ‏ عما وصفت له في الآخرة ولم يره ‏ {‏أعمى وأضل سبيلا‏ً}‏ يقول‏:‏ أبعد حجة‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس‏:‏ من عمي عن قدرة الله في الدنيا فهو في الآخرة أعمى‏. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن قتادة في الآية قال‏:‏ من عمي عما يراه من الشمس والقمر والليل والنهار وما يرى من الآيات ولم يصدق بها، فهو عما غاب عنه من آيات الله أعمى وأضل سبيلا‏ً.

ابو السعود

تفسير : {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ} قاطبةً تكريماً شاملاً لبَرّهم وفاجرِهم أي كرمناهم بالصورة والقامةِ المعتدلةِ والتسلط على ما في الأرض والتمنُّعِ به والتمكُّنِ من الصناعات وغير ذلك مما لا يكاد يُحيط به نِطاقُ العبارة، ومن جملته ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما من أن كلَّ حيوانٍ يتناول طعامَه بفيه إلا الإنسانَ فإنه يرفعه إليه بـيده، وما قيل من شِرْكة القرد له في ذلك مبنيٌّ على عدم الفرقِ بـين اليد والرجل فإنه متناولٌ له برجله التي يطأ بها القاذورات لا بـيده {وَحَمَلْنَـٰهُمْ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ} على الدوابّ والسفن، من حملْتَه إذا جعلتَ له ما يركبه وليس من المخلوقات شيءٌ كذلك، وقيل: حملناهم فيهما حيث لم نخسِفْ بهم الأرضَ ولم نُغرِقْهم بالماء، وأنت خبـيرٌ بأن الأول هو الأنسبُ بالتكريم إذ جميعُ الحيواناتِ كذلك {وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ} أي فنون النعمِ وضُروب المستلذات مما يحصل بصنعهم وبغير صُنعِهم. {وَفَضَّلْنَـٰهُمْ} في العلوم والإدراكاتِ بما ركّبنا فيهم من القُوى المدرِكةِ التي بها يتميز الحقُّ من الباطل والحسَنُ من القبـيح {عَلَىٰ كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا} وهم من عدا الملائكةِ عليهم الصلاة والسلام {تَفْضِيلاً} عظيماً فحق عليهم أن يشكروا هذه النعمَ ولا يكفروها ويستعملوا قُواهم في تحصيل العقائدِ الحقّةِ ويرفضوا ما هم عليه من الشرك الذي لا يقبله أحدٌ ممن له أدنى تميـيزٍ فضلاً عمن فضل على من عدا الملأ الأعلى الذين هم العقولُ المحضةُ، وإنما استُثنيَ جنسُ الملائكة من هذا التفضيلِ لأن علومَهم دائمةٌ عاريةٌ عن الخطأ والخلل، وليس فيه دَلالةٌ على أفضليتهم بالمعنى المتنازَعِ فيه فإن المراد هنا بـيانُ التفضيل في أمر مشتركٍ بـين جميع أفرادِ البشر صالحِها وطالحِها ولا يمكن أن يكون ذلك هو الفضلَ في عِظم الدرجةِ وزيادةِ القُربةِ عند الله سبحانه. إن قيل: أيُّ حاجةٍ إلى تعيـين ما فيه التفضيلُ بعد بـيانِ ما هو المرادُ بالمفضّلين فإن استثناءَ الملائكةِ عليهم الصلاة والسلام من تفضيل جميع أفرادِ البشرِ عليهم لا يستلزم استثناءَهم من تفضيل بعضِ أفرادِه عليهم قلنا: لا بد من تعيـينه البتةَ، إذ ليس من الأفراد الفاجرةِ للبشر أحدٌ يفضُل على أحد من المخلوقات فيما هو المتنازَعُ فيه أصلاً بل هم أدنى من كل دنيءٍ حسبما يُنبىء عنه قوله تعالى: { أية : أُوْلَـٰئِكَ كَـٱلأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} تفسير : [الأعراف: 179] وقولُه تعالى: { أية : إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [الأنفال، الآية 55]. {يَوْمَ نَدْعُواْ} نُصب على المفعولية بإضمار اذكر أو ظرفٌ لما دل عليه قولُه تعالى: {وَلاَ يُظْلَمُونَ} وقرىء بالياء على البناء للفاعل والمفعول ويدعو بقلب الألف واواً على لغة من يقول في أفعى أفعو، وقد جوّز كونُ الواو علامةَ الجمعِ كما في قوله تعالى: { أية : وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ} تفسير : [ الأنبياء، الآية 3] أو ضميرَه وكلَّ بدلاً منه، والنونُ محذوفةٌ لقلة المبالاةِ بها فإنها ليست إلا علامةَ الرفع وقد يكتفىٰ بتقديره كما في يدعى {كُلَّ أُنَاسٍ} من بني آدم الذين فعلنا بهم في الدنيا ما فعلنا من التكريم والتفضيلِ، وهذا شروعٌ في بـيان تفاوتِ أحوالِهم في الآخرة بحسب أحوالِهم وأعمالهم في الدنيا {بِإِمَـٰمِهِمْ} أي بمن ائتمّوا به من نبـي أو مقدّم في الدين أو كتاب أو دين وقيل: بكتاب أعمالِهم التي قدموها فيقال: يا أصحابَ كتابِ الخيرِ يا أصحابَ كتابِ الشر، أو يا أهلَ دينِ كذا يا أهلَ كتابِ كذا، وقيل: الإمامُ جمعُ أم كُخف وخِفاف، والحكمةُ في دعوتهم بأمهاتهم إجلالُ عيسى عليه السلام وتشريفُ الحسنين رضي الله عنهما والسترُ على أولاد الزنا {فَمَنْ أُوتِىَ} يومئذ من ألئك المدعوّين {كِتَـٰبَهُ} صحيفةَ أعماله {بِيَمِينِهِ} إبانةٌ لخطر الكتابِ المُؤْتىٰ وتشريفاً لصاحبه وتبشيراً له من أول الأمرِ بما في مطاويه {فَأُوْلَـئِكَ} إشارةٌ إلى مَنْ باعتبار معناه إيذاناً بأنهم حزبٌ مجتمعون على شأن جليلٍ، أو إشعاراً بأن قراءتَهم لكتبهم تكون على وجه الاجتماعِ لا على وجه الانفرادِ كما في حال الإيتاءِ، وما فيه من الدِلالة على البعد للإشعار برفعة درجاتِهم أي أولئك المختصون بتلك الكرامةِ التي يُشعِر بها الإيتاءُ المزبور {يَقْرَءونَ كِتَـٰبَهُمْ} الذي أوتوه على الوجه المبـين تبجّحاً بما سُطّر فيه من الحسنات المستتبِعةِ لفنون الكراماتِ {وَلاَ يُظْلَمُونَ} أي لا يُنقصون من أجور أعمالِهم المرتسمةِ في كتبهم بل يؤتَوْنها مضاعَفةً {فَتِيلاً} أي قدْرَ فتيلٍ وهو القِشرةُ التي في شق النواة أو أدنى شيءٍ فإن الفتيلَ مثلٌ في القِلة والحقارة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ} [الآية: 70]. قال ابن عطاء: ابتداهم بالبر قبل الطاعات، وبالإجابة قبل الدعاء، وبالعطاء قبل السؤال، كفاهم الكل من حوائجهم ليكونوا لمن له الكل وبيده كفاية الكل. قال الجنيد رحمه الله: كرمنا بنى آدم بالفهم عن الله. قال أبو بكر بن طاهر: كرمنا بنى آدم بالمخاطبات بالأمر والنهى. وقال بعضهم: كرمنا بنى آدم بتقويم الخلقة واستواء القامة. قال بعضهم: كرمنا بنى آدم بالوسائط والرُسل. وقيل: كرمنا بنى آدم بالحظ، وقيل: كرمنا بنى آدم بالخلق. وقال الحسين: كرمنا بنى آدم بالكون فى القبضة، ومكافحة الخطاب. وقال الواسطى رحمه الله: أفرد آدم بالاصطفاء وأفرد بنى آدم بقوله: {كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ} يدخل فيه الكافر والمؤمن ثم اصطفى من ولده فقال: {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا} تفسير : [فاطر: 32]. وقال أيضًا: كرمنا بنى آدم بأن سخرنا لهم الكون وما فيها لئلا يكونوا فى تسخير شىء ويتفرغوا إلى عبادة ربهم. قال جعفر: كرمنا بنى آدم بالمعرفة. وسُئل ذو النون عن قوله: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ}. قال: بحسن الصوت. قوله تعالى: {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} [الآية: 70]. معنى البرّ النفس، ومعنى البحر القلب، فمن حمله فى النفس فقد أكرمه بنور التأييد فمن لم يكن له نور التأييد وكان له نور التدبير يكون هلاكه عن قريب. قال الواسطى رحمه الله فى قوله: {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} قال: البر ما أظهر من النعوت والبحر ما استتر من الحقائق، وقيل: فى مشاهدة أيده فصمت الوقتين الفصل والوصل وهو البر والبحر. قوله تعالى: {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} [الآية: 70]. قال أبو عثمان: الرزق الطيب هو الحلال. قال إبراهيم الخواص: الطيبات المباحات. قال عبد الله بن المبارك: كتب يد العامل إذا نصح. وقال يحيى بن معاذ: الرزق الطيب ما يفتح على الإنسان من غير سؤال ولا إشراف نفس. قوله تعالى: {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الآية: 70]. قال أبو عثمان: فضلناهم بالمعرفة على جميع الخلائق. قال أبو حفص: فضلناهم بأن بصرناهم عيوب أنفسهم. قال فضيل بن عياض: فضلناهم بالتمييز والحفظ. وحكى ابن الفرحى عن الجنيد رحمه الله تعالى قال: فضلناهم بإصابة الفراسة. وقال السيارى: فضلنا العلماء على الجهال بالعلم بالله وأحكامه.

القشيري

تفسير : المراد من قوله: {بَنِي ءَادَمَ} هنا المؤمنون لأنه قال في صفة الكفار:{أية : وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ}تفسير : [الحج: 18] والتكريم التكثير من الإكرام، فإذا حَرَمَ الكافرَ الإكرامَ... فمتى يكون له التكريم؟ ويقال إنما قال: {كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ} ولم يقل المؤمنين أو العابدين أو أصحاب الاجتهاد توضيحاً بأن التكريم لا يكون مقابلَ فِعْلِ، أو مُعَلَّلاً بِعِلةٍ، أو مُسَبّباً باستحقاقٍ يوجب ذلك التكريم. ومن التكريم أنهم متى شاءوا وقفوا معه على بساط المناجاة. ومن التكريم أنه على أي وصف كان من الطهارة وغيرها إذا أراد أن يخاطبه خَاطَبَه، وإذا أراد أن يسأل شيئاً سأله. ومن التكريم أنه إذا تاب ثم نقض توبته ثم تاب يقبل توبته، فلو تكرر منه جُرْمُه ثم توبته يضاعف له قبولَه التوبة وعفوَه. ومن التكريم أنه إذا شَرَعَ في التوبة أَخَذَ بيده، وإذا قال: لا أعود - يقبل قولَه وإِنْ عَلِمَ أنه ينقض توبته. ومن التكريم أنه زَيَّنَ ظاهرَهم بتوفيق المجاهدة، وحَسَّنَ باطنَهم بتحقيق المشاهدة. ومن التكريم أنه أعطاهم قبل سؤالهم، وغفر لهم قبل استغفارهم، كذا في الأثر: "حديث : أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني ". تفسير : ومن تكريم جملتهم أنه قال لهم:{أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ}تفسير : [البقرة: 152] ولم يقل ذلك للملائكة ولا للجن. وكما خَصَّ بني آدم بالتكريم خصَّ أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - منهم بتكريم مخصوص، فمن ذلك قوله تعالى: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54] و{أية : رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}تفسير : [المائدة: 119] وقوله {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ}تفسير : [البقرة: 165]. ومن التكريم قوله: {أية : وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً}تفسير : [النساء: 110] ومن التكريم ما ألقى عليهم من محبة الخالق حتى أحبوه. ومن التكريم لقوم توفيقُ صِدْق القَدَم، ولقوم تحقيقُ علوِّ الهِمَم. قوله: {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}: سَّخر البحر لهم حتى ركبوا في السفن، وسَّخر البرَّ لهم حتى قال: {أية : لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ}تفسير : [فصلت: 37]. ويقال محمولُ الكرامِ لا يقع، فإنْ وَقَعَ وَجَدَ مَنْ يأخذ بيده. ويقال الإشارة في حملهم في البرِّ ما أوصل إليهم جهراً، والإشارة بحديث البحر. ما أفردهم به من لطائف الأحوال سِرَّا. ويقال لمّا حَمَلَ بنو آدم الأمانة حملناهم في البر، فَحَمْلٌ هو جزاءُ حَمْلٍ، حَمْلٌ هو فِعْلُ مَنْ لم يكن وحَمْلٌ هو فَضْلُ من لم يَزَل. قوله: {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ}: الرزق الطيب ما كان على ذكر الرازق؛ فَمَنْ لم يكن غائباً بقلبه ولا غافلاً عن ربَّه استطاب كُلَّ رزقٍ، وأنشدوا: شعر : يا عاشقي إني سَعِدْتُ شراباً لو كان حتى علقماً أو صابا تفسير : قوله: {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}: أي الذين فضلناهم على خلقِ كثير، وليس يريد أن قوماً بقوا لم يفضلهم عليهم، ولكن المعنى أنا فضلناهم على كلِّ مَنْ خَلَقْنا، وذلك التفضيل في الخِلْقة. ثم فَاضَلَ بين بني آدم في شيء آخر هو الخُلق الحسن، فَجَمَعهم في الخُلقة - التي يفضلون بها سائر المخلوقات - ومَايَزَ بينهم في الخُلق. ويقال: {كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ}: هذا اللفظ للعموم، والمراد منه الخصوص، وهم المؤمنون، وبذلك يفضل قومٌ على الباقين، ففَضَّل أولياءَه على كثير ممن لم يبلغوا استحقاقَ الولاية. ويقال فضَّلهم بألاَّ ينظروا إلى نفوسهم بعين الاستقرار، وأن ينظروا إلى أعمالهم بعين الاستصغار.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} كرامته سابقة على كون الخلق جميعا لانها من صفاته واختياره ومشيته الاوليّة اوجد الخلق برحمته وخلق آدم وذريته بكرامته الخلق كلهم فى حيز الكرامة الرّحمة للعموم والكرامة للخصوص خلق الكل لآدم وذريته وخلق آدم وذريته لنفسه لذلك قال واصطنعتك لنفسى جعل آدم خليفته وجعل ذريته خلفاء ابيهم الملائكة والجن فى خدمتهم والامر والنهى والخطاب معهم والكتاب انزل اليهم والجنة والنار والسماوات والارض والشمس والقمر والنجوم وجميع الآيات خلق لهم والخلق كلهم طفيل لهم الا ترى يقول لحبيبه لولاك لما خلقت الكون ولهم كرامة الظاهر وهى تسوية خلقهم وظرافة صورتهم وحسن فطرتهم وجمال وجوههم حيث خلق فيها السمع والابصار والالسنة واستواء القامة وحسن الشى والبطش واستماع الكلام والتكلم باللسان والنظر بالبصر وجميع ذلك ميراث فطرة آدم التى صدرت من حسن اصطناع صفته الذى قال خلقت بيدى فنور وجوههم من معدن نور صفته فانوار الصفات انورت آدم وذريته فيكونون من حيث الصفات والهيآت والحسن والجمال متصفين متخلقين بالصفات لذلك قال عليه السّلام خلق الله آدم على صورة من حيث التخلق لا من حيث التشبه ولهم كرامة الباطن وهى العقل والقلب والروح والنفس والسر وفى هذه الجنود خزائن ربوبيته فالنفس مع جنود قهره والعقل مع جنود لطفه والقلب مع جنود تجلى صفاته والروح مع جنود تجلى ذاته والسر مستغرق فى علوم اسراره فالكل مكرمة بكشوف الصفات ممن له استعداد رؤية الصفات ومن له استعداد رؤية الذات فهو فى مشاهدة الذات فبكرامته عرف العقول اياته وعرف النفوس عبوديته وعرف القلوب صفاته وعرف الارواح جلال ذاته وعرف الاسرار علوم اسراره فاعطى العارفين من سمعه اسماعا ومن بصره ابصارا ومن كلامه خطابا ومن علمه قلوبا ومن سره اسرارا ومن انوار صفاته ارواحا ومن انوار افعاله عقولا فخلقهم بخلقه ووصفهم بوصفه فمن حيث الاتصاف متصفون ومن حيث الاتحاد متحدون ومن حيث العبودية هم فى الربوبية يطيرون باجنحة الازلية فى ظلال حيزوم القدم مع الحق الى ابد الابد فاى كرامة اشرف مما ذكرت يا كريم بن الكريم يا آدم بن آدم يا عارف البقلى تعرف من انت يفنى الناسوت فى اللاهوت ويبقى اللاهوت للناسوت وخاطب اللاهوت مع اللاهوت العارفون ينظرون اليك من مجالس سرادق مجد الكبرياء ويفرحون بك فى عالم البقاء طي باله وقتك من اين انت واين ماواك من حيث لا يعرفونك الكل ثم ان الله سحانه اسقط العلل والاسباب من مواضع تفضيلهم من حيث كرّمهم قبلهم بكرامته ومحبته السابقة لهم ثم بين عقب كرامته بانه بعزه وجلاله جعلهم فى بر الصفات بمراكب عناياته وفى بحر الذات بسفن محبته وكفاياته قال {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} ادارهم فى برارى النعوت والصفات بانوارها واجراهم فى بحار الذات بسفن انوارها فاستفادوا من برارى الصفات معادن المعارف واستفادوا من بحار الذات اصداف جواهر الكواشف حملهم فى بر العبودية بمراكب المعرفة وحملهم فى بحر الربوبية بمراكب المحبة حملهم فى بر المجاهدات بمراكب الشريعة وحملهم فى بحر المشاهدات بمراكب الحقيقة ثم رزق اسرارهم موايد العلوم الغيبية ورزق ارواحهم فيض الوصلة ورزق قلوبهم لطائفه القوية ورزق عقولهم حقائق الحكمة ورزق اشباحهم فيض عناصر فعله عن منابت عنصر الخليقة بتواثير مياه قدرته وظلال ليالى رحمته وانوار شموس كفايته وصفاء اقمار كلايته فهم على خوان الرحمانية وموايد الكرامة قال {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} ثم قرّبهم منه من البرية وكساهم حلل المغفرة وجمعهم فى دار الوصله وادار الكون لهم بالخدمة قال {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} قال ابن عطا فى قوله ولقد كرمنا بنى ادم ابتداهم بالبر قبل الطاعات وبالاجابة قبل الدعاء وبالعطاء قبل السوال كفاهم الكل من حوائجهم ليكونوا لمن له الكل وبيده كفاية الكل سئل ذو النون فى قوله كرمنا بنى آدم قال بحسن الصوت وقال الجنيد بالفهم عن الله وقيل بالخلق وقيل بتقويم الخلقة واستواء القامة وقال الواسطى بان سخرنا لهم الكون وما فيها لئلا يكونوا فى تسخير شئ ويتفرغوا الى عبادة ربهم وقال جعفر بالمعرفة وقال بعهضم معنى البر النفس ومعنى البحر القلب فمن حمله فى النفس فقد اكرمه بنور التدبير ومن حمله فى القلب فقد اكرمه بنور التائيد فمن لم يكن له نور التائيد وكان له نور التدبير يكون هلاكه عن قريب وقال الواسطى البر ما اظهر من النعوت والبحر ما استتر من الحقائق وقال فى مشاهدة ابده قسمت الوقتين الفصل والوصل وهو البر والبحر وقال ابو عثمان الرزق الطيب هو الحلال وقال فضلناهم بالمعرفة على جميع الخلائق وقال ابو حفص بان بصّرناهم عيوب انفسهم وقال الجنيد باصابة الفراسة قال السيارى فضلنا العلماء على الجهال بالعلم بالله واحكامه.

اسماعيل حقي

تفسير : قال الله تعالى {ولقد كرمنا بنى آدم} التكريم والا كرام بمعنى والاسم منه الكرامة والمعنى [بالفارسية وهر آيينه كرامى كرديم فرزندان آدم را]. قال المولى ابو السعود بنى آدم قاطبة تكريما شاملا لبرهم وفاجرهم. وفى التأويلات النجمية خصصناهم بكرامة تخرجهم من حيز الاشتراك وهى على ضربين جسدانية وروحانية فالكرامة الجسدانية عامة يستوى فيها المؤمن والكافر وهى تخمير طينته بيده اربعين صباحا وتصويره فى الرحم بنفسه وانه تعالى صوره فاحسن صورته وسواه فعدله فى أى صورة ما شاء ركبه ومشاه سويا على صراط مستقيم مستقيم القامة اخذا بيديه آكلا باصابعه مزينا باللحى والذوائب صانعا بانواع الحرف والكرامة الروحانية على ضربين خاصة وعامة فالعامة ايضا يستوى فيها المؤمن والكفار وهى ان كرمة بنفخه فيه من روحه وعلمه الاسماء كلها وكلمه قبل ان خلقه بقوله ألست بربكم فاسمعه خطابه وانطقه بجوابه بقوله قالوا بلى وعاهده على العبودية واولده على الفطرة وارسل اليه الرسل وانزل عليه الكتب ودعاه الى الحضرة ووعده الجنة وخوفه النار واظهر له الآيات والدلالات والمعجزات والكرامة الروحانية الخاصة ما كرم به انبياءه ورسله واولياء وعباده المؤمنين من النبوة والرسالة والولاية والايمان والاسلام والهداية الى الصراط المستقيم وهو صراط الله والسير الى الله وفى الله وبالله عند العبور على المقامات والترقى عن الناسوتيه بجذبات اللاهوتيه والتخلق باخلاق الالهية عند فناء الانانية وبقاء الهوية [امام قشيرى قدس سره فرموده كه مراد ازبنى آدم مؤمنا نند جه كافرا انرا بنص {أية : من يهن الله فماله من مكرم}تفسير : ازيتكريم هيج نصيبى نيست وتكريم مؤمنا بدانست كه ظاهر ايشانرا بتوفيق مجاهدات بياراست وباطن ايشانرا بتحقيق مشاهدات منورساخت] كما قال فى بحر العلوم الظاهر عندنا تكريمهم بالايمان والعمل الصالح بدليل قوله عليه السلام "حديث : ان المؤمن يعرف فى السماء كما يعرف الرجل اهله وولده وانه اكرم على الله من ملك مقرب"تفسير : انتهى [محمد ابن كعب رضى الله عنه كفت كه كرامت آدميان بدانست كه حضرت محمد صلى الله عليه وسلم ازايشانست] شعر : اى شرف دوده آدم بتو روشنئ ديده عالم بتو كيست درين خانه كه خيل تونيست كيست برين خوان كه طفيل تونيست ازتو صلايى بالست آمده نيست بمهمانئ هست آمده تفسير : {وحملناهم} [وبرداشتيم ايشانرا وسوار كرديم] {فى البر} [دربيابان بر جهار بايان] {والبحر} [ودردريا بكشتيها] من حملته اذا جعلت له ما يركبه وليس من المخلوقات شئ كذلك. وفى التأويلات النجمية اى عبرناهم عن بر الجسمانية وبحر الروحانية الى ساحل الربانية [ودر حقائق سلمى آمده كه كرامى صاختيم آدميانرا بمعرفت وتوحيد وبرداشتيم ايشانرا دبربر نفس وبحر قلب وكفته اند بر آنست كه ظهور دارد از صفات وبحر آنجه مستوراست ازحقائق ذات] {ورزقناهم} [وروى داديم ايشانرا] {من الطيبات} من فنون النعم المستلذة مما يحصل وبغير صنعهم كالسمن والزبد والتمر والعسل وسائر الحلاوى. وفى التأويلات النجمية وهى المواهب الى طيبها من الحدوث فيطعم بها من يبيت عنده ويسقيه بها وهى طعام المشاهدات وشراب المكاشفات التى لم يذق منها الملائكة المقربون اطعم بها اخس عباده فى اوانى المعرفة وسقاهم بها فى كأسات المحبة افردهم بها عن العالمين ولهذا اسجد لهم الملائكة المقربين: قال المولى الجامى قدس سره شعر : ملائك را جه سوداز حسن طاعت جوفيض عشق بر ادم فروربخت > تفسير : :وقال الحافظ شعر : فرشته عشق نداندكه جيست قصة مخوان بخواه جام وكلابى بخاك آدم ريز تفسير : {وفضلناهم} {وافزونى داديم ايشانرا] اى فى العلوم والادرا كات بما ركبنا فيه من القوى المدركة التى يتميز بها الحق من الباطل والحسن من القبيح {على كثير ممن خلقنا} وهم ما عدا الملائكة عليهم السلام {تفضيلا} عظيما فحق عليهم ان يشكروا نعم الله ولا يكفروها ويستعملوا قواهم فى تحصيل العقائد الحقة ويرفضوا ما هم عليه من الشرك الذى لا يقبله احد ممن له ادنى تمييز فضلا عمن فضل على من عدا الملأ الاعلى الذين هم العقول المحصنة وانما استثنى جنس الملائكة من هذا التفضيل لان علومهم دائمة عارية عن الخطأ والخلل وليس فيه دلالة على الافضلية بالمعنى المتنازع فيه فان المراد ههنا بيان التفضيل فى امر مشترك بين جميع افراد البشر صالحها وطالحها ولا يمكن ان يكون ذلك هو الفضل فى عظم الدرجة وزيادة القربة عند الله تعالى كما فى الارشاد. وقال فى بحر العلوم فيه دلالة على ان بنى آدم فضلوا على كثير وفضل عليهم قليل وهو ابوهم آدم وامهم حواء عليهما السلام لما فيهما من فضل الاصالة على من تفرع منهما من سائر الناس لا الملائكة المقربون كما زعم الكلبى وابو بكر الباقلانى وحثالة المعتزلة والا يلزم التعارض بين الآيات وذلك ان الله امر الملائكة كلهم بالسجود لآدم على وجه التعظيم والتكريم ومقتضى الحكمة الامر للادنى بالسجود للاعلى دون العكس وايضا قال {أية : وعلم آدم الاسماء كلها}تفسير : فيفهم منه كل احد من اهل اللسان قصده تعالى الى تفضيل آدم على الملائكة وبيان زيادة علمه واستحقاقه التعظيم والتكريم وقال{أية : ان الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين}تفسير : والملائكة من جملة العالم فمحال ان تدل الآية التى نحن بصددها على ما زعموا من تفضيل الملك على البشر كلهم وايضا مما يدل على بطلان ما زعموا قول النبى صلىالله عليه وسلم "حديث : ان الله فضل المرسلين على الملائكة المقربين لما بلغت السماء السابعة لقينى ملك من نور على سرير فسلمت عليه فرد على السلام فاوحى الله اليه سلم عليك صفيى ونبيى فلم تقم اليه وعزتى وجلالى لتقومن فلا تقعدن الى يوم القيامة"تفسير : انتهى. وفى الاسئلة المقحمة المشهور من مذهب اهل الحق ان الانبياء افضل من الملائكة انتهى. قال الكاشفى [علمارا در تفضيل بشر مباحث دور ودرازاست آنكه جمهور اهل سنت برآنند كه بنى آدم فاضل ترند از رسل ملائكة ورسل ملائكه افضلند از اولياى بنى آدم واولياى بنى آدم شريفترند ازاولياى ملائكة وصلحاى اهل ايمانرا افضل است برعوام ملائكة وعوام ملائكة بهترند از فساق مؤمنا]. وفى التأويلات النجمية {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} يعنى على الملائكة لانهم الخلق الكثير ممن خلق الله تعالى وفضل الانسان الكامل على الملك بانه خلق فى احسن تقويم وهو حسن استعداده فى قبول فيض نور الله بلا واسطة وقد ترفد به الانسان عن سائر المخلوقات كما قال تعالى {أية : انا عرضنا الامانة}تفسير : الى قوله {أية : وحملها الانسان}تفسير : والامانة هى نور الله كما صرح به فى قوله {الله نور السموات والارض} الى ان قال {نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء} فافهم جدار واغتنم فان هذا البيان اعز من الكبريت الاحمر واغرب من عنقاء مغرب انتهى. قال الكاشفى [وعلى الجملة اين آيت دليل فضيلت وجامعيت انسانست كه ازهمه مخلوقات مرآت صافى جهت انعكاسى صفات آلهى همه اوست وبس جنانجه ازمضمون اين ابيات حقائق سمات فهم توان فرمود] شعر : مد آيينه جمله كون ولى همجون آيينه نكرده جلى به نمودند درو بوجه كمال صورت ذو الجلال والافضال زانكه بوداين تفرق عددى مانع از سر جامع واحدى كشت آدم جلاى اين مرآت شدعيان ذات او بجمله صفات مظهرى كشت كلى وجامع سر ذات از صفات از لامع شد تفاصيل كون را مجمل بر مثال تعين اول بوى اين دائره مكمل شد آخر اين نقطه عين اول شد

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد كرَّمنا بني آدم} قاطبة، برهم وفاجرهم، أي: كرمناهم بالصورة الحسنة، والقامة المعتدلة، والتمييز بالعقل، والإفهام بالكلام، والإشارة والخط، والتهدي إلى أسباب المعاش والمعاد، والتسلط على ما في الأرض، والتمتع به، والتمكن من الصناعات، وغير ذلك مما لا يكاد يُحيط به نطاق العبارة. ومن جملته: ما ذكره ابن عباس رضي الله عنه؛ من أن كل حيوان يتناول طعامه بفيه، إلا الإنسان يرفعه إليه بيده، وأما القرد فيده بمنزلة رجله؛ لأنه يطأ بها القاذورات؛ فسقطت حرمتها. {وحملناهم} أي: بني آدم، {في البر والبحر}؛ على الدواب والسفن؛ فيمشون محمولين في البر والبحر. يقال: حملته حملاً: إذا جعلت له ما يركب. {ورزقناهم من الطيبات}؛ من فنون النعم، وضروب المستلذات ممَّا يحصل بصُنعهم وبغير صنعهم، {وفضلناهم} بالعلوم والإدراكات، مما رَكَّبْنَا فيهم {على كثير ممن خلقنا } وهم: من عدا الملائكة - عليهم السلام -. {تفضيلاً} عظيمًا، فحق عليهم أن يشكروا هذه النعم ولا يكفروها، ويستعملوا قواهم في تحصيل العقائد الحَقِّيَّةِ، ويرفضوا ما هم عليه من الشرك، الذي لا يقبله أحد ممن له أدنى تمييز، فضلاً عمن فُضّل على من عدا الملأ الأعلى، والمستثنى جنس الملائكة، أو الخواص منهم، ولا يلزم من عدم تفضيل الجنس؛ عدم تفضيل جنس بني آدم على الملائكة، عدم تفضيل بعض أجزائه؛ كالأنبياء والرسل، فإنهم أفضل من خواص الملائكة، وخواص الملائكة - كالمقربين مثلاً - أفضل من خواص بني آدم، كالأولياء، والأولياء أفضل من عوام الملائكة. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد كرَّم الله هذا الآدمي، وشرفه على خلقه؛ بخصائص جعلها فيه، منها: أنه جعله نسخة من الوجود، فيه ما في الوجود، وزيادة، قد انطوت فيه العوالم بأسرها، من عرشها إلى فرشها، وإلى هذا المعنى أشار ابن البنا، في مباحثه، حيث قال: شعر : يا سابقًا في مَوْكب الإِبْداع ولاحِقًا في جَيْش الاخْتِراع اعْقِل فَاَنْتَ نُسْخَةُ الوُجُود لله ما أعلاَك مِن مَوْجُود أَلَيْس فِيك العرشُ والكرسِيُّ والعالم العُلْويُّ والسُّفْلِيُّ ما الكونُ إِلا رَجلٌ كبيرُ وأنتْ كونٌ مِثْلُه صَغِيرُ تفسير : وقال آخر: شعر : إذا كنتَ كُرْسِيًّا وعَرْشًـا وَجنـَّـةً وَنارًا وأَفْلاَكًا تدَوُر وأَمْلاَكا وكُنْتَ من السِّرِّ المَصُون حَقِيقة وأَدْرَكْتَ هذا بالحقِيقَةِ إِدْرَاكا فَفِيمَ التَّأَنِّي فِي الحَضِيضِ تُثَبُّطًا مُقِيمًا معَ الأسْرَى أمَا آن إِسْرَاكَا تفسير : ومنها: أنه جعله خليفة في ملكه، وجعل الوجود بأسره خادمًا له، ومنتفعًا به، الأرض تُقله، والسماء تُظله، والجهات تكتنفه، والحيوانات تخدمه، والملائكة تستغفر له، إلى غير ذلك مما لا يعلمه الخلق. قال تعالى: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} تفسير : [الجاثية: 13]. ومنها: أن جعل ذاته مشتملة على الضدين: النور والظلمة، الكثافة واللطافة، الروحانية والبشرية، الحس والمعنى، القدرة والحكمة، العبودية وأسرار الربوبية، إلى غير ذلك. ولذلك خصه بحمل الأمانة. ومنها: أنه جعله قلب الوجود، هو المنظور إليه من هذا العالم، وهو المقصود الأعظم من إيجاد هذا الكون، فهو المنعَّم دون غيره، إن أطاع الله، ألا ترى قوله تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ}تفسير : [الزُّمَر: 75]، فنعيم الجنان خاص بهذا الإنسان، أو: من التحق به من مؤمني الجان. وقال الورتجبي: كرامة الله تعالى لبني آدم سابقة على كون الخلق جميعًا؛ لأنها من صفاته، واختياره، ومشيئته الأولية. أوجد الخلق برحمته، وخلق آدم وذريته بكرامته، الخلق كلهم في حيزِ الرحمة، وآدم وذريته في حيز الكرامة. الرحمة للعموم، والكرامة للخصوص. خلق الكلَّ لآدم وذريته، وخلق آدم وذريته لنفسه، ولذلك قال: {أية : وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}تفسير : [طه: 41]، جعل آدم خليفته، وجعل ذريته خلفاء أبيهم، الملائكة والجن في خدمتهم، والأمر والنهي والخطاب معهم، والكتاب أُنزل إليهم، والجنة والنار والسماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم، وجميع الآيات، خُلِقَ لهم. والخلق كلهم طُفيل لهم، ألا ترى الله يقول لحبيبه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لولاك ما خلقت الكون"تفسير : ؟ ولهم كرامة الظاهر، وهي: تسوية خلقهم، وظرافة صورهم، وحسن نظرتهم، وجمال وجوههم، حيث خلق فيها السمع والأبصار والألسنة، واستواء القامة، وحسن المشي، والبطش، وإسماع الكلام، والتكلم باللسان، والنظر بالبصر، وجميع ذلك ميراث فطرة آدم، التي صدرت من حسن اصطناع صورته. الذي قال: {أية : خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} تفسير : [ص: 75]، فنور وجوههم من معادن نور الصفة، وأنوار الصفات نوَّرت آدم وذريته، فتكون نورًا من حيث الصفات والهيئات، والحسن والجمال، متصفون متخلقون بالصفات الأزلية، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : خلَقَ آدَم على صُورَتِهِ"تفسير : ، من حيث التخلق لا من حيث التشبيه. انظر تمامه. والحاصل أنه فضلهم بالخلْق والخلُق، وذلك يجمع محاسن الصورة الظاهرة والباطنة. هـ. قاله المحشي الفاسي. ثم ذكر محل ظهور كرامة بني آدم وهو يوم القيامة

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى: انه كرّم {بني آدم} وانما عنى بني آدم بالتكرمة مع ان فيهم كفاراً، لان المعنى كرمناهم بالنعمة على وجه المبالغة في الصفة. وقال قوم: جرى ذلك مجرى قوله {أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس}تفسير : فاجرى الصفة على جماعتهم من اجل من فيهم على هذه الصفة. ثم بين تعالى الوجوه التي كرّم بها بني آدم بأنه حملهم في البرّ والبحر على ما يحملهم من الابل وغيرها، كما قال: {أية : والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة}تفسير : والبحر، والسفن التي خلقها لهم واجراها بالرياح فوق الماء ليبلغوا بذلك حوائجهم {ورزقناهم من الطيبات} يعني من الثمار والفواكه وطيبات الاشياء، وملاذها التي خص بها بني آدم ولم يشرك شيئاً من الحيوان فيها من فنون الملاذ. وقيل: من تفضيل بني آدم ان يتناول الطعام بيديه دون غيره، لان غيره يتناوله بفيه، وانه ينتصب، وما عداه على اربع او على وجهه. وقوله: {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً} وليس المراد بذلك تفضيلهم بالثواب، لان الثواب لا يتفضل به ابتداء، وانما فضلهم ابتداء بان خلق لهم من فنون النعم وضروب الملاذ ما لم يجعله لشيء من الحيوان، وانما فعل ذلك تفضلاً منه تعالى، ولما في ذلك من اللطف للعاقل، والصلاح الذي ينتظم ويتم بهذا التأويل، واستدل جماعته بقوله {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا} على تفضيل الملائكة على الانبياء، قال لان قوله {على كثير ممن خلقنا} يدل على ان ها هنا من لم يفضلهم عليهم، وليس الا الملائكة، لان ابن آدم افضل من كل حيوان سوى الملائكة بلا خلاف. وهذا باطل بما قلناه من ان المراد بذلك تفضيلهم بالنعم الدنياوية، والالطاف، وليس المراد بذلك الثواب بدلالة ابتدائهم بهذا التفضيل. والثواب لا يجوز الابتداء به. وقوله {يوم ندعوا كل أناس بإِمامهم} قال الزجاج: يتعلق بقوله {يعيدكم... يوم ندعوا} وقيل: تقديره اذكر يوم. وقيل انه يتعلق بقوله {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً.. يوم ندعوا}، لان ما فعله بهم من الالطاف في الدنيا، لان يطيعوا ويفعلوا من الافعال ما يدعون به يوم القيامة. واختلفوا في الإمام الذي يدعون به يوم القيامة، فقال مجاهد وقتادة: إِمامه نبيه. وقال ابن عباس: إِمامه كتاب علمه. وروي عنه ايضاً أن إِمامهم كتابهم الذي انزل الله اليهم فيه الحلال والحرام والفرائض والاحكام. وقال البلخي: بما كانوا يعبدونه، ويجعلونه إِماماً لهم. وقال ابو عبيد: بما كانوا يأتمون به في الدنيا. وهو قول ابي جعفر وابي عبدالله (ع). وقوله {فمن أُوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرأون كتابهم...} الاية، جعل الله تعالى إِعطاء الكتاب باليمين من علامة الرضا والخلاص، وأَن من أعطي كتابه باليمين تمكن من قراءته وسهل له ذلك، وكان فحواه أن من أعطي كتابه بشماله أو وراء ظهره، فإِنه لا يقدر على قراءة كتابه، ولا يتأتى له، بل يتلجلج فيه، لما يراه من المعاصي الموبقات. وقوله {ولا يظلمون فتيلاً} معناه لا يبخس أحد حقه، ولا يظلم شيئاً، سواء كان مستحقاً للثواب أو العقاب، فإِن المستحق للثواب لا يبخس منه شيئاً والمستحق للعقاب لا يفعل به أكثر من استحقاقه، فيكون ظلماً له. (والفتيل) هو المفتول الذي في شق النواة - في قول قتادة - وقيل الفتيل في بطن النواة، والنقير في ظهرها، والقطمير قشر النواة، ذكره الحسن. وقوله {ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً} قرأ أهل العراق إِلا حفصاً والأعشى {ومن كان في هذه أعمى} بالامالة. الباقون بالتفخيم وقرأ حمزة والكسائي إِلا نصيراً، وخلفاً، وأبا بكر إِلا الأعشى والبرجمي {فهو في الآخرة أعمى} بالأمالة: الباقون بالتفخيم. وقيل في معنى الآية قولان: أحدهما - قال ابن عباس، ومجاهد وقتادة، وابن زيد: من كان في أمر هذه الدنيا، وهي شاهدة له من تدبيرها وتوثقها وتقلب النعم فيها أعمى عن اعتماد الصواب الذي هو مقتضاها، فهو في الآخرة التي هي غائبة عنه {أعمى وأضل سبيلاً} وقال قوم: من كان في هذه الدنيا أعمى عن طريق الحق، فهو في الاخرة أعمى عن الرشد المؤدي إِلى طريق الجنة. وقال أبو علي: فهو في الآخرة أعمى عن طريق الجنة. ومن فخم في الموضعين، فلأن الياء فيهما قد صارت ألفاً لانفتاح ما قبلها. والأصل فمن كان في هذه اعمى، فهو في الآخرة أعمى، ومن كان فيما وضعناه من نعيم الدنيا اعمى، فهو في نعيم الآخرة اعمى. واما تفريق ابي عمرو بين اللفظين فلاختلاف المعنى، فقال ومن كان في هذه اعمى ممالاً، فهو في الاخرة اعمى بالفتح اي أشدّ عماً، فجعل الأول صفة بمنزلة أحمر وأصفر، والثاني بمنزلة أفعل منك، كقوله {وأضل سبيلاً} اي اعمى قلباً. والعمى في العين لا يتعجب منه بلفظة (أفعل)، ولا يقال ما أعماه، بل يقال ما أشدّ عماه، وفي القلب ما أعماه بغير أشدّ، لأن عما القلب حمق، كما قال الشاعر لمرور ما أحمره وأبيضه، فقال: شعر : أمّا الملوك فأنت اليوم ألأمهم لؤماً وأبيضهم سربال طباخ تفسير : وقال بعضهم: لا وجه لتفريق ابي عمرو، لأن الثاني، وإِن كان بمعنى (أفعل منك) فلا يمنع من الامالة، كما لم يمنع بالذي هو ادنى، قال ابن خالويه ابو عبد الله إِنما اراد ابو عمرو ان يفرق بينهما لما اختلف معناهما، واجتمعا في آية واحده، كما قرأ {ويوم القيامة يردون} يعني الكفار، ثم قال في آخرها {عما تعملون} اي أنتم وهم، ولو وقع مفرداً، لأجاز الامالة والتفخيم فيهما، قال ابو علي: ومن أمال الجميع كان حسناً، لانه ينحو نحو الياء بالالف ليعلم انها منقلبة الى الياء وان كانت فاصلة او مشبهة للفاصلة، فالامالة حسنة فيها، لأن الفاصلة موضع وقف، والالف تخفى في الوقف، فأمّا إِذا أمالها، نحا بها نحو الكسرة وليكون أظهر لها وأبين.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} بحسب ذواتهم لانّا خلقناهم على صورتنا ولا كرامة فوقه فجعلناهم ذوى سعةٍ ومراتب فى الوجود واعطيناهم الاحاطة قوّةً او فعلاً بكلّ الاشياء، وجعلنا كلاًّ منهم حيّاً عالماً سميعاً بصيراً مدركاً متكلّماً مريداً اذا أراد شيئاً ان يقول له كن فيكون بالنّسبة الى مخلوقاته الذّهنيّة وآلاته وقواه النّفسيّة او بالنّسبة الى جميع الموجودات حين استكماله بقوّة المتاعبة {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ} على الحمير والبغال والخيل والجمال وغير ذلك من الدّوابّ وعلى القدرة والمراكب الملكوتيّة اذا صاروا اهلاً له وهذا كرامة اخرى خارجة عن ذاته {وَٱلْبَحْرِ} على السّفن وعلى القدرة والمراكب الملكوتيّة اذا صاروا اهلاً له {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} طيّبات ارزاق النّبات والحيوان والانسان {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} من موجودات عالم الطّبع تماماً ومن موجودات الملكوت السّفلىّ ومن بعض اصناف الملائكة، وامّا المقرّبون والاوساط من الملائكة فهم افضل من بنى آدم ما لم يخرجا من القوّة الى الفعل، فاذا خرجوا صاروا حينئذٍ افضل المخلوقات تماماً مثل نبيّنا (ص)؛ فانّ له مع الله وقتاً لا يسعه ملك مقرّب ولانبىٌّ مرسل، وتفصيل التّفضيل ومراتبه ودقائقه قد مضى، ويمكن ان يقال: انّ اضافة بنى آدم الى آدم تدلّ على انّ المراد من لم يخرج بعد من القوّة الى الفعل من جميع الجهات فيصحّ حينئذٍ تفضيلهم على الكثير لا على الكلّ.

الهواري

تفسير : قوله: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا في سفر فأتوا على برك من ماء فكرعوا فيها فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : اغسلوا أيديكم واشربوا منها فنزلت هذه الآية عند ذلك تفسير : وقال الحسن: فضل الله بني آدم على البهائم والسباع والهوام. وقال بعضهم: {وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} هو جميع ما رزق بني آدم من الخبز واللحم والعسل والسمن وغيره من طيبات الطعام والشراب فجعل رزقهم أفضل من رزق الدواب والطير.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا} فضلنا على غيرهم من الحيوان. {بَنِى آدَمَ} بالعلم والفهم والنطق وحسن الصورة واعتدال المزاج واعتدال القامة وتناول الطعام والشراب باليد، كما قال ابن عباس فى تفسير الآية كل حيوان يتناول طعامه بفيِهِ إِلا الإِنسان فإِنه يرفعه إِليه بيده. روى أن هارون الرشيد أحضر طعاماً فدعا بالملاعق وعنده أبو يوسف فقال: جاء فى تفسير جدك ابن عباس فى قوله تعالى: {ولقد كرمنا بنى آدم} جعلنا لهم أصابع يأْكلون بها فأحضرت الملاعق فردها وأكل بأصابعه. حديث : وروى أنه - صلى الله عليه وسلم - كان مع أصحابه فى سفر فأَتوا على برك من ماء فكرعوا فيها بأَفواههم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اغسلوا أيديكم واشربوا منهاتفسير : ، فنزلت الآية وبالتمييز بالعقل والإِفهام بالنطق والإِشارة والخط والوصول إِلى أسباب المعايش والمعاد والتسلط على ما فى الأَرض وليس فى الأَرض شئ إلا إِذا شاءوا قهروه حتى السباع يجتمع اثنان منهم وأكثر فيقتلون الأَسد والواحد المحتال القوى الجنان يقتله، وحدثنى شيخنا أن الصغير يقتل الأَسد بأَن يلتزم ذنبه ويلتوى به حيث الأَسد ولا يزال يضربه فى خاصرته وداخل البطن حتى يقتله، وأن طفلا غير بالغ فعل ذلك وبالتمكن من الصناعات وأسياق الأَسباب والمسببات العلوية والسفلية إِلى ما يعود عليهم بالمنافع وكون الرجال باللحى والنساء بالنواصى والذوائب وإِن منهم خير أمة أخرجت للناس وإِن منهم محمد - صلى الله عليه وسلم - فقيل وبالطعام الطيب كالخبز واللحم والسمن والعسل وفيه أن هذا المذكور بعد وطهارتهم بعد الموت. {وَحَمَلنَاهُمْ فِى الْبَرِّ} على الدواب. {وَالْبَحْرِ} على الفلك ومعنى حملهم على ذلك إِركابه إِياهم على ذلك أو معناه أعطاه إِياهم ما تركبونه كما يقال أطعمته وسقا من تمر أى أعطيته إِياه ليأْكله شيئاً فشيئاً أو معناه منعه الأَرض أن تنهال بهم فينخسفوا والبحر أن تنفسخ بهم أجزاؤه فيغرقوا كأَنه قيل أجمدنا لكم الأَرض والبحر بقدر ما لا تستسفاون فيها {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} ما يستلذ من الطعام والشراب مما يحصل بسببهم كالطبخ والعجن وخلط شيئين أو أشياء أو بدون تسبيبهم كالرطب والفواكه وقيل المراد الزبد والسمن والتمر والحلو وذكر بعض أن الأَغذية إِما نباتية وإِما حيوانية ولا يتغذى الإِنسان إِلا بأَطيب القسمين بالطبخ الكامل والنضج التام وجعل رزق غيرهم مما لا يخفى. {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} بالقهر والشرف والكرامة واحترز بالكثير عن الملائكة، فقيل إِنهم أفضل من بنى آدم مطلقاً، وعليه الزمخشرى والمعتزلة، وقيل من خواصهم فإِنهم أفضل من عامة مؤمنى بنى آدم وخاصتهم، وقيل من عامتهم فقط وخاصتهم أفضل من خاصة الملائكة، وعن الكلبى المؤمنون أفضل من الملائكة إِلا على جبريل وعزرائيل وميكائيل وإِسرافيل ونحوهم ولا يلزم من عدم تفضيل بنى آدم عموماً عليهم عدم تفضيل بعضهم كنبينا أو كالانبياء مطلقاً فإِنهم أفضل من الملائكة عموماً والذى عندى أن المؤمن الآدمى أفضل من الملائكة لأَنه أطاع الله جل جلاله مع أن له موانع وعوارض عن الطاعة وقد جعلهم الله خدماً لهم فى الآخرة. وقد ورد فى الحديث أن المؤمن عند الله أفضل من بعض ملائكته وورد أنهم أفضل من جميعهم وأما إِسكان الملائكة فى السماوات وتقريبهم وتنزيلهم من الأَنبياء منزلة الأنبياء من الأمم فإِنما ذلك لعصمتهم وقوتهم على ما هنالك بخلاف من كان من شأْنه أن يعجز وأن يعصى فإِنه لا يليق بذلك وليس فى صدور المعصية من المؤمن ما ينقصه عن الملائكة إِذ هم خلقوا وطبعوا طبع ما لا يعصى بخلاف المؤمن. وروى جابر بن عبد الله أن الملائكة قالت: ربنا أنك أعطيت بنى آدم الدنيا يأْكلون منها ويتمتعون بشراب ونكاح وغيرهما، ولم تعظنا ذلك فأعطيناه فى الآخرة، فقال: وعزتى وجلالى لأجعل ذرية من خلقته بيدى كمن قلت له كن فكان. وعن أبى هريرة: المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده، وجعل الزمخشرى هذه الأحاديث موضوعة وإِن قلت فما صنع بقوله كثير، قلت: احترز به عما لا يدخل فى التفضيل كالجبال والشجر فإِنها أبعد من أن يوقع التفضيل بين الآدمى وبينها فكأَنه قيل فضلناهم على ذوى الشأْن وهم الكثير وأما غيرهم فلا شأْن له بالنسبة إِلى الإِنسان فضلا عن أن يوقع التفضيل بينهما وقيل الكثير بمعنى الكل كما قيل فى وأكثرهم كاذبون وهو بعيد ولا دليل فى الآية كما تراه فى سورة الشعراء والكثير يطلق على ما هو فى نفسه كثير ولو كان بالنسبة إِلى غيره قليلا، فلا يرد أن الملائكة على التفسير الأَول وأن الجبال ونحوها هى الكثير وبنى آدم قليل، وعبر أولا بالتكريم لأَن ما أشير إِليه أولا منحة وعبر ثانياً بالتفضيل لأَنه الله جل جلاله صيره بما منحه فاضلا فائقاً غيره، وأفضل ما به التكريم الإِيمان وأداء الفرائض واجتناب المعاصى وهما متوقفان على العقل والفهم للكرم بهما.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَمَ} بأشياء لم تجتمع للجن والملائكة وسائر الحيوانات، كحسن الصورة، قال الله عز وجل: "أية : فأحسن صوركم"تفسير : [غافر: 64، التغابن: 3] وقال فيهم: "أية : فتبارك الله أحسن الخالقين"تفسير : [المؤمنون: 14] وقال: "أية : لقد خلقا الإنسان فى أحسن تقويم" تفسير : [التين: 4] وكاعتدال المزاج لجعل قوتهم أطيب الأقوات، وجعل لغيرهم ما دونه وما فضل منه، وما خبث، وكاعتدال القامة وانتصابها، وكالتمييز بالعقل والإفهام بالنطق، والإشارة باليد والعين والرأس، والكتابة، وبها يجتمع لمن تأخر علوم من تقدم، قال الله جل وعلا: "أية : اقرأ باسم" تفسير : [العلق: 1] إلخ وقال: "أية : ن" تفسير : [القلم: 1] إلخ وعنه قيل: "أو أثارة" الخ. وكالاهتداء إِلى أسباب المعاش والمعاد، والتسلط على الأرض وحيوانها، وما فيها كشرب ما بها، والاغتسال به، والحرث والغرس، وأكل ثمارهما، وسائر ثمارها، وصيد برها وبحرها، وسخر لكم البحر لتأكلوا إلخ، وهوائها وهو من مواد الحياة، ولولا الريح لأنتنت الأرض، وبالنار وبالاستضاءة بها، وبمعادنها وكتناول الطعام باليد. قال ابن عباس: كل حيوان يتناول طعامه بفيه إلا الإنسان فبيده، ويصدر هذا من هر وقرد، إِلا أنه لا فضيلة لأكلهما باليد، لأنهما من ذوات الأربع، إِذ يطآن الأرض بأيديهما ويمسحان القاذورات بها مع قلة أكل الهر بها، وكتزين الرجال باللحى والنساء بالنواصى، وعبارة بعض بالذوائب، قيل: وبخلق أبيهم آدم بيده، وبأن منهم خير أمة أخرجت للناس، والتكريم جعل الشئ ذا شئ كريم، أى شئ مستحسن، ولا يعتبر فى مفهومه الإضافة إلى الغير، بخلاف التفضيل. {وَحَمَلْنَاهُمْ فِى البَرِّ} على الدواب {وَالْبَحْرِ} على السفن، وليس المراد عدم دخولهم فى الأرض والماء بالبقاء على ظهرهما، لأن الحيوانات شاركتهم فى ذلك قبل. {وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} مما يستلذ أكلا وشرباً، ولبساً وركوبًا واقتناء، وغير ذلك. {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} قيل: بالتعريض لاكتساب ما فيه النجاة، والزلفى بواسطة ما كرمناهم به، ويشكروه، وقيل: بالغلبة يلزم أن لا يكون أفضل من الجن والملائكة، لأنهم لم يستولوا على الجن والملائكة، فالكثير هم غير الجن والملائكة، وقيل: بالشرف، فغير الكثير الملائكة، وهم أفضل من الإنسان ونسب لابن عباس والزجاج، وقيل: غير الكثير خواص الملائكة فخواصهم أفضل من الإنسان، والإنسان أفضل من سائرهم، وخواصهم هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وحملة العرش، والذى يكون صفًّا وسائر الملائكة صفًّا. وقيل: الناس أفضل من سائر الملائكة وغيرهم، إلا أنه فسد من فسد بعد هذا بالمعاصى منهم، فضيّع هذه الفضيلة، وكثير على هذا بمعنى الكل، كما يستعمل الأكثر بمعنى الكل، قال الله عز وجل: "أية : هل أنبئكم على من تنزَّل الشياطين" تفسير : [الشعراء: 221] إلى "أية : وأكثرهم كاذبون" تفسير : [الشعراء: 223] وقوله: "أية : أكثرهم بهم مؤمنون" تفسير : [سبأ: 41]. وعن جابر بن عبد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة: ربنا إِنك أعطيت بنى آدم دنيا يأكلون ويشربون، وينكحون ويتمتعون، ولم تعطنا ذلك، فأعطنا ذلك فى الآخرة فقال: وعزتى لا أجعل ذرية من خلقته بيدى كمن قلت له كن فكان"تفسير : ومعنى خلقته بيدى أمرت بتراب فاجتمع، بل أمر الملَك فجمعه وكوَّنه منه، بعد أن كان طيناً، ثم صلصالا بإرادته، وذلك كعمل باليد، ولعل الحديث لم يصح عنه صلى الله عليه وسلم لأنه ليس فى طبع الملائكة التلذذ بغير العبادة، ولا طلبه، فإن صح عنه صلى الله عليه وسلم فذلك بأن أحدث الله فيهم ذلك التمنى، ثم أزاله، كما أحدث فى طبع هاروت وماروت اشتهاء النكاح، وشرب الخمر، ونحو ذلك فيما قيل على أنهما مَلَكان بفتح اللام. وعن أبى هريرة: المؤمن الواحد أفضل عند الله من جميع الملائكة، لأنه أطاع الله مع وجود دواعى المعاصى وقال الحنفية: خواص بنى آدم وهم المرسلون أفضل من جملة الملائكة، وخواص الملائكة أفضل من عوام بنى آدم، والأتقياء والزهاد أفضل من عوام الملائكة. ويقال: عوام المؤمنين أفضل من عوام الملائكة، وخواص المؤمنين أفضل من خواص الملائكة، وخطأوا الزمخشرى فى تفضيل جبريل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعبارة بعض الرسل من البشر أفضل مطلقاً، ثم الرسل من الملائكة أفضل مطلقاً من البشر والملائكة، ثم عموم الملائكة، ثم عموم البشر. ونسب لأبى حنيفة وكثير من الشافعية، وقيل بتعميم تفضيل الكمَّل من البشر نبيًّا أو وليًّا، وقيل: بتفضيل الكروبيين من الملائكة مطلقاً، ثم الرسل من البشر، ثم الكُمَّل منهم، ثم عموم الملائكة على عموم البشر. إسجاد الملائكة لآدم فضيلة لأولاده عليهم، ومذهبنا تفضيل الملائكة مطلقاً، لأنه لا تصدر منهم المعصية، وما خالف هذا فأخذ من قومنا، ثم إنه لا يلزم من تفضيل جنس الإنسان على جنس الملَك، تفضيل أفراد الإنسان على الملائكة، ولا يلزم من عدم تفضيل جنس الإنسان على الملائكة، عدم تفضيل بعض أفراده، ولا يختلف فى أن الملائكة أكثر عدداً من الجن والإنس، لأحاديث: "حديث : أطَّتِ السماء وحَقَّ لها أن تَئطّ ما من موضع قدم منها إلا وفيه ملَك راكع أو ساجد"تفسير : والمراد السماوات، ولا تنزل قطرة إِلا ومعها ملَك لا يرجع، ويدخل كل يوم البيت المعمور سبعون ألف ملك، ولا يعودون إليه.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءادَمَ} أي جعلناهم قاطبة برهم وفاجرهم ذوي كرم أي شرف ومحاسن جمة لا يحيط بها نطاق الحصر. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كرمهم سبحانه بالعقل، وفي رواية بتناولهم الطعام بأيديهم لا بأفواههم كسائر الحيوانات، وعن الضحاك بالنطق، وعن عطاء بتعديل القامة وامتدادها، وعن زيد بن أسلم بالمطاعم واللذات، وعن يمان بحسن / الصورة، وعن ابن جرير بالتسلط على غيرهم من الخلق وتسخيره لهم، وعن محمد بن كعب بجعل محمد صلى الله عليه وسلم منهم. وقيل: بخلق الله تعالى أباهم آدم بيديه، وقيل: بتدبير المعاش والمعاد، وقيل: بالخط، وقيل: باللحية للرجل والذؤابة للمرأة، وقيل وقيل والكل في الحقيقة على سبيل التمثيل؛ ومن ادعى الحصر في واحد كابن عطية حيث قال: إنما التكريم بالعقل لا غير فقد ادعى غلطاً ورام شططاً وخالف صريح العقل وصحيح النقل ولذا استدل الإمام الشافعي بالآية على عدم نجاسة الآدمي بالموت {وَحَمَلْنَـٰهُمْ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ} على أكبار رطبة وأعواد يابسة من الدواب والسفن فهو من حملته على كذا إذا أعطيته ما يركبه ويحمله فالمحمول عليه مقدر بقرينة المقام. وقيل: المراد من حملهم في البر والبحر جعلهم قارين فيهما بأن لم يخسف بهم الأرض ولم يغرقهم بالماء، والأول أنسب بالتكريم إذ لا يثبت لشيء من الحيوانات سواهم بخلاف الثاني {وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ} أي فنون النعم وضروب المستلذات مما يحصل بصنعهم وبغير صنعهم من المأكولات والملبوسات والمفروشات والمقتنيات وغير ذلك. {وَفَضَّلْنَـٰهُمْ} قيل: أي بالتكريم المذكور {عَلَىٰ كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} عظيماً، والمراد أن ذلك مخصوص بهم بالنسبة إلى الكثير فلم يكرم الكثير كما كرموا. وبحث الإمام في هذا المقام بأنه تعالى قال أولاً: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ} وقال سبحانه هنا: {وَفَضَّلْنَـٰهُمْ} فلا بد من فرق بين التكريم والتفضيل لئلا يلزم التكرار. والأقرب في ذلك أن يقال: إنه تعالى فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية مثل العقل والنطق والخط والصورة الحسنة والقامة المديدة ثم إنه عز وجل عرضه بواسطة العقل والفهم لاكتساب العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة فالأول هو التكريم والثاني هو التفضيل فكأنه قيل فضلناهم بالتعريض لاكتساب ما فيه النجاة والزلفى بواسطة ما كرمناهم به من مبادي ذلك فعليهم أن يشكروا ويصرفوا ما خلق لهم لما خلق له فيوحدوا الله تعالى ولا يشركوا به شيئاً ويرفضوا ما هم عليه من عبادة غيره عز وجل، ويقال نحو هذا على ما سبق أيضاً بقليل تغيير. وقال الطيبـي: قد كرر في الآية ما ينبىء عن غاية المدح من ذكر الكرامة والتفضيل وتسخير الأشياء على سبيل الترقي كأنه قيل: ولقد كرمنا بني آدم بكرامة أبيهم عليه السلام ثم سخرنا لهم الأشياء ورزقناهم من الطيبات ثم فضلناهم تفضيلاً أي تفضيل ولذا عقب بها قوله سبحانه: {أية : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ} تفسير : [الإسراء: 61] الخ وهو لبيان كرامة أبيهم وما توسط بينهما من الآيات كالاستطراد والاعتراض إلى آخر ما قال. ويعلم منه دفع التكرار وإن لم يسقه لذلك الغرض، وفيه تخصيص التكريم، وكذا فيما قيل إن التكريم بالنعم التي يصح بها التكليف والتفضيل بالتكليف الذي عرضهم به للمنازلة الرفيعة. والمراد بالكثير من عدا الملائكة عليهم السلام عند الكثير ومنهم الزمخشري وزعم أن الآية صريحة في تفضيل الملك على البشر وشنع على أهل السنة تشنيعاً أقذع فيه. والحق أنها لا تصلح للاحتجاج على التفضيل المتنازع فيه، ففي «الكشف» أن الظاهر من سياق الآية أنه حث للإنسان على الشكر وعلى أن لا يشرك به تعالى حيث ذكر ما في البر والبحر من حسن كلاءته سبحانه له وضمن فيه أنه جل وعلا هداهم إلى الفلك وصنعته وما يترتب عليه من الفوائد في قوله سبحانه: {أية : رَبَّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِى لَكُمُ ٱلْفُلْكَ } تفسير : [الإسراء: 66] الآيات فقال عز وجل: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ} أي هذا النوع من بين سائر الأنواع باصطناعات خصصناهم بها فذكر تعالى منها حملهم في البر والبحر ورزقهم من الطيبات وتفضيلهم على كثير من المخلوقات وهذا التفضيل لا يراد منه عظم الدرجة وزيادة القربة عند الله تعالى وهو المتنازع فيه لأن الحكم للنوع من حيث هو وذكر / الله تعالى لذلك موجبات تعم الصالح والطالح فسواء دخل في هذا الكثير الملائكة أو لم يدخل لم يدل على الأفضلية بالمعنى المذكور فلا يصلح لاحتجاج إحدى الطائفتين اهـ. ثم إن على فرض أن التفضيل بالمعنى المتنازع فيه لا تدل الآية على أن الملك أفضل من البشر إلا بطريق المفهوم وفي حجيته خلاف، وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه لا يقول به على أنه يدل على أنهم فضلوا على الكثير ولم يفضلوا على مقابله وهو يحتمل المساواة وتفضيل المقابل فليس نصاً في مذهب الزمخشري. وجعل الطيبـي (من) بيانية كما في قولك بذلت له العريض من جاهي أي فضلناهم على الكثيرين الذين خلقناهم من ذوي العقول كما هو الظاهر من {مِنْ} وهم منحصرون في الملك والجن والبشر فحيث خرج البشر لأن الشيء لا يفضل على نفسه بقي الملك والجن فيكون المراد بيان تفضيل البشر عليهم جميعاً وهو الذي يقتضيه مقام المدح فإن الآية مسوقة له وإذا جعلت للتبعيض كان {مّمَّنْ خَلَقْنَا} بدلاً أي فضلناهم على بعض المخلوقين. وذكر البعض في هذا المقام يدل على تعظيم المفضل عليه كما قرر في قوله تعالى: {أية : وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ} تفسير : [البقرة: 253] وأي مدح لبني آدم وإثبات للفضل والكرامة بالجملة القسمية إذا جعلوا مفضلين على الجن والشياطين على أن صفة الكثرة إذا جعلت مخصصة لإخراج البعض كانت الملائكة أولى من الجن والشياطين لأنهم هم الموصوفون بالكثرة كما تدل عليه الأخبار الكثيرة كخبر أطيط السماء وخبر نزول قطرات المطر وخبر ما يدخل البيت المعمور في كل يوم من الملائكة إلى غير ذلك، وإليه ينظر قول صاحب «التقريب» إنه يحتمل أن يراد بكثير ممن خلقنا الملائكة إذ هم كثير من العقلاء المخلوقين اهـ. وتعقب بأن ما ذكره من حمل (من خلقنا) على تعميم ذوي العقول مقبول فإن تفضيلهم على غير ذوي العقول حينئذ آت من طريق مفهوم الموافقة فلا حاجة إلى ارتكاب خلاف الظاهر واعتبار تغليبهم ليعمهم وغيرهم لكن حمل (من) على البيان غير مقبول فإنه بعيد جداً لأن قيد الكثرة يضيع عليه حمل (من) على التعميم التغليبـي أو الوضعي ولأن استعماله في التبعيض شائع أينما وقع في التنزيل واستعمالات الفصحاء وهو أكثر تعسفاً من حمله على الغاية في قوله تعالى: {أية : فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ} تفسير : [المائدة: 6] على ما ذكره الزمخشري فيه وأنه إذا قوبل بشيء آخر دل على القلة في المقابل كما في قوله تعالى: {أية : فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ} تفسير : [الحديد: 26] فإنه صرح بأنه يدل على أن الغلبة للفساق للمقابلة. أما ورد ابتداء فربما كان الأكثر خلاف ذلك كما في قوله تعالى: {أية : فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [النمل: 15] فقوله إن صفة الكثرة إذا جعلت مخصصة الخ كلام لم يصدر عن ثبت، ولهذه النكتة قال صاحب «التقريب»: يحتمل دلالة على أنه مرجوح. هذا ثم إن مسألة التفضيل مختلف فيها بين أهل السنة فمنهم من ذهب إلى تفضيل الملائكة وهو مذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما واختيار الزجاج على ما رواه الواحدي في «البسيط»، ومنهم من فصل فقال: إن الرسل من البشر أفضل مطلقاً ثم الرسل من الملائكة على من سواهم من البشر والملائكة ثم عموم الملائكة على عموم البشر وهذا ما عليه أصحاب الإمام أبـي حنيفة عليه الرحمة وكثير من الشافعية والأشعرية، ومنهم من عمم / تفضيل الكمل من نوع الإنسان نبياً كان أو ولياً، ومنهم من فضل الكروبيين من الملائكة مطلقاً ثم الرسل من البشر ثم الكمل منهم ثم عموم الملائكة على عموم البشر. وهذا ما عليه الإمام الرازي وبه يشعر كلام الغزالي في مواضع عديدة في «كتبه»، ومن هذا يعلم أن إطلاق القول بأن أهل السنة يفضلون البشر على الملك ليس على ما ينبغي. وهذه المسألة ومسألة تفضيل الأئمة ليستا مما يبدع الذاهب إلى أحد طرفيهما على ما في «الكشف» إذ لا يرجع إلى أصل في الاعتقاد ولا يستند إلى قطعي بعد أن يسلم من الطعن وما يخل بتعظيم في المسألتين لكن المشهور في مسألة تفضيل الأئمة أن القول بخلاف ما استقر عليه رأي أهل السنة ابتداع ومن أنصف قال بما في «الكشف» فهذر الزمخشري على من خالفه محض جهالة إذا لم يكن بتلك الغاية فكيف وهو قد بلغ فيه السفاهة غايتها ومن البذاذة نهايتها وسيرى جزاء ذلك.

ابن عاشور

تفسير : اعتراض جاء بمناسبة العِبرة والمنة على المشركين، فاعترض بذكر نعمته على جميع الناس فأشبه التذييل لأنه ذُكر به ما يشمل ما تقدم. والمراد ببني آدم جميع النوع، فالأوصاف المثبتة هنا إنما هي أحكام للنوع من حيث هو كما هو شأن الأحكام التي تسند إلى الجماعات. وقد جمعت الآية خمس مِنن: التكريم، وتسخير المراكب في البر، وتسخير المراكب في البحر، والرزق من الطيبات، والتفضيل على كثير من المخلوقات. فأما منة التكريم فهي مزية خص بها الله بني آدم من بين سائر المخلوقات الأرضية. والتكريم: جعله كريماً، أي نفيساً غير مبذول ولا ذليل في صورته ولا في حركة مشيه وفي بشرته، فإن جميع الحيوان لا يعرف النظافة ولا اللباس ولا ترفيه المضجع والمأكل ولا حسن كيفية تناول الطعام والشراب ولا الاستعداد لما ينفعه ودفع ما يضره ولا شعوره بما في ذاته وعقله من المحاسن فيستزيد منها والقبائح فيسترها ويدفعها، بله الخلو عن المعارف والصنائع وعن قبول التطور في أساليب حياته وحضارته. وقد مثل ابن عباس للتكريم بأن الإنسان يأكل بأصابعه، يريد أنه لا ينتهش الطعام بفمه بل برفعه إلى فيه بيده ولا يكرع في الماء بل يرفعه إلى فيه بيده، فإن رفع الطعام بمغرفة والشراب بقدح فذلك من زيادة التكريم وهو تناول باليد. والحمل: الوضع على المركب من الرواحل. فالراكب محمول على المركوب. وأصله في ركوب البر، وذلك بأن سخر لهم الرواحل وألهمهم استعمالها. وأما الحمل في البحر فهو الحصول في داخل السفينة. وإطلاق الحمل على ذلك الحصول استعارة من الحمل على الراحلة وشاعت حتى صارت كالحقيقة، قال تعالى: {أية : إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية}تفسير : [الحاقة: 11]. ومعنى حمل الله الناس في البحر: إلهامه إياهم استعمال السفن والقلوع والمجاذيف، فجعل تيسير ذلك كالحمل. وأما الرزق من الطيبات فلأن الله تعالى ألهم الإنسان أن يطعَم ما يشاء مما يروق له، وجعل في الطعوم أمارات على النفع، وجعل ما يتناوله الإنسان من المطعومات أكثر جداً مما يتناوله غيره من الحيوان الذي لا يأكل إلا أشياء اعتادها، على أن أقرب الحيوان إلى الإنسية والحضارة أكثرها اتساعاً في تناول الطعوم. وأما التفضيل على كثير من المخلوقات، فالمراد به التفضيل المشاهد لأنه موضع الامتنان. وذلك الذي جُماعه تمكين الإنسان من التسلط على جميع المخلوقات الأرضية برأيه وحيلته، وكفى بذلك تفضيلاً على البقية. والفرق بين التفضيل والتكريم بالعموم والخصوص؛ فالتكريم منظور فيه إلى تكريمه في ذاته، والتفضيل منظور فيه إلى تشريفه فوق غيره، على أنه فضله بالعقل الذي به استصلاح شؤونه ودفع الأضرار عنه وبأنواع المعارف والعلوم، هذا هو التفضيل المراد. وأما نسبة التفاضل بين نوع الإنسان وأنواع من الموجودات الخفية عنا كالملائكة والجن فليست بمقصودة هنا وإنما تعرف بأدلة توقيفية من قِبل الشريعة. فلا تفرض هنا مسألة التفضيل بين البشر والملائكة المختلف في تفاصيلها بيننا وبين المعتزلة. وقد فرضها الزمخشري هنا على عادته من التحكك على أهل السنّة والتعسف لإرغام القرآن على تأييد مذهبه، وقد تجاوز حد الأدب في هذه المسألة في هذا المقام، فاستوجب الغضاضة والملام. ولا شك أن إقحام لفظ {كثير} في قوله تعالى: {وفضلانهم على كثير ممن خلقنا} مراد منه التقييد والاحتراز والتعليم الذي لا غرور فيه، فيعلم منه أن ثَم مخلوقات غير مفضل عليها بنو آدم تكون مساوية أو أفضل إجمالاً أو تفصيلاً، وتبيينه يُتلقى من الشريعة فيما بينته من ذلك، وما سكتت فلا نبحث عنه. والإتيان بالمفعول المطلق في قوله: {تفضيلاً} لإفادة ما في التنكير من التعظيم، أي تفضيلاً كبيراً.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}. قال بعض أهل العلم: من تكريمه لبني آدم خلقه لهم على أكمل الهيئات وأحسنها. فإن الإنسان يمشي قائماَ منتصباً على رجليه، ويأكل بيديه. وغيره من الحيوانات يمشي على أربع، ويأكل بفمه. ومما يدل لهذا من القرآن قوله تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}تفسير : [التين:4]، وقوله: {أية : وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ}تفسير : [غافر:64] وفي الآية كلام غير هذا. والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} الآية. أي في البر على الأنعام، وفي البحر على السفن. والآيات الموضحة لذلك كثيرة جداً. كقوله: {أية : وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ}تفسير : [المؤمنون:22]، وقوله: {أية : وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ}تفسير : [الزخرف:12] وقد قدمنا هذا مستوفى بإيضاح "في سورة النحل".

الواحدي

تفسير : {ولقد كرَّمنا} فضَّلنا {بني آدم} بالعقل والنُّطق والتَّمييز {وحملناهم في البر} على الإِبل والخيل والبغال والحمير {و} في {البحر} على السُّفن {ورزقناهم من الطيبات} الثِّمار والحبوب والمواشي والسَّمن والزُّبد والحلاوى {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا} يعني: البهائم والدَّوابَّ والوحوش. {يوم ندعواْ} يعني: يوم القيامة {كلَّ أناسٍ بأمامهم} بنبيِّهم، وهو أن يقال: هاتوا مُتَّبعي إبراهيم عليه السَّلام، هاتوا مُتبَّعي موسى عليه السَّلام، هاتوا مُتَّبعي محمد عليه السَّلام، فيقوم أهل الحقِّ فيأخذون كتبهم بأيمانهم، ثمَّ يقال: هاتوا مُتَّبِعي الشَّيطان، هاتوا مُتَّبعي رؤساء الضَّلالة، وهذا معنى قول ابن عباس: إمام هدى وإمام ضلالة {ولا يظلمون} ولا ينقصون {فتيلاً} من الثَّواب، وهي القشرة التي في شقِّ النَّواة. {ومَنْ كان في هذه أعمى} في الدُّنيا أعمى القلب عمَّا يرى من قدرتي في خلق السَّماء والأرض والشَّمس والقمر وغيرهما {فهو في الآخرة} في أمر الآخرة ممَّا يغيب عنه {أعمى} أشدُّ عمىً {وأضلُّ سبيلاً} وأبعد حجَّةً. {وإن كادوا...} الآية. نزلت في وفد ثقيف أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: متِّعنا باللاَّت سنةً، وحرِّمْ وادينا كما حرَّمت مكَّة؛ فإنَّا نحبُّ أن تعرف العربُ فضلنا عليهم، فإنْ خشيت أن تقول العرب: أعطيتهم ما لم تعطنا فقل: الله أمرني بذلك، وأقبلوا يلحُّون على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وقد همَّ أنْ يعطيهم ذلك، فأنزل الله: {وإن كادوا} همُّوا وقاربوا {ليفتنونك} ليستزلُّونك {عن الذي أوحينا إليك} يعني: القرآن، والمعنى: عن حكمه، وذلك أنَّ في إعطائهم ما سألوا مخالفةً لحكم القرآن {لتفتري علينا غيره} أَيْ: لتختلق علينا أشياء غير ما أوحينا إليك، وهو قولهم: قل الله أمرني بذلك. {وإذاً} لو فعلت ما أرادوا {لاتخذوك خليلاً}. {ولولا أن ثبتناك} على الحقِّ بعصمتنا إيَّاك {لقد كدت تركن} تميل {إليهم شيئاً} ركوناً {قليلاً} ، ثمَّ توعَّد على ذلك لو فعله فقال: {إذاً لأذقناك ضعف الحياة} ضِعْفَ عذاب الدُّنيا {وضعف الممات} وضعف عذاب الآخرة. يعني: ضعف ما يعذِّب به غيره. {وإن كادوا لَيَسْتَفزٌّونَكَ} يعني: اليهود. قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: إنَّ الأنبياء بُعثوا بالشَّام، فإنْ كنت نبيَّاً فالحق بها، فإنَّك إنْ خرجتَ إليها آمنَّا بك، فوقع ذلك في قلبه لحبِّ إيمانهم، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية، ومعنى ليستفزونك: ليزعجونك {من الأرض} يعني: المدينة {وإذا لا يلبثون خلافك إلاَّ قليلاً} أعلم الله سبحانه أنَّهم لو فعلوا ذلك لم يلبثوا حتى يستأصلوا، كسنَّتنا فيمن قبلهم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 70- ولقد كرمنا أولاد آدم بحسن القوام والنطق وتخير الأشياء، وأعطيناهم الكرامة والعزة إن أطاعوا، وحملناهم فى البر على الدواب، وفى البحر على السفن، ورزقناهم من المستلذات، وفضلناهم على كثير من المخلوقات بالعقل والتفكير تفضيلا عظيماً. 71- واذكر - أيها النبى - لقومك يوم ندعو كل جماعة بشعارهم الذى يعرفون به، أو زعيمهم من رئيس اتبعوه، أو نبى، أو كتاب، فيقال: يا أهل موسى، يا أهل القرآن، وهكذا ليتسلموا كتب أعمالهم، فمن أعطى كتاب أعماله بيمينه - وهم السعداء - فأولئك يقرأون كتابهم مبتهجين ولا ينقصون من أجورهم أدنى شئ. 72- وأما الفريق الآخر فيغمه ما يرى، وتسد عليه مسالك النجاة، ويعمى عن كشف ضره، كما كان أعمى فى الدنيا عن طريق الحق والرشاد، ومن كان فى الدنيا أعمى فهو أشد فى الآخرة وأبعد عن سبيل الخير. 73- وإن المشركين يتفننون فى محاولة صرفك عن القرآن لتطلب غيره من المعجزات، وتكون كالمفترى علينا، وحينئذ يتخذونك صاحباً لهم، وإن هذه المحاولات قد تكررت وكثرت، وكان من شأنها أن تقربك مما يريدون ولكنك رسولنا الأمين. 74- وقد شملك لطفنا فصرفناك عن الاستجابة لهم، وثبتناك على الحق، ولولا ذلك لأوشكت أن تميل إلى استجابتهم طمعاً فى أن يكمل إيمانهم يوماً إذا دخلوا فى أوائل الإسلام. 75- ولو قاربت الركون إليهم لجمعنا عليك عذاب الدنيا وضاعفناه، وعذاب الآخرة وضاعفناه، ثم لا تجد لك نصيراً علينا يمنع عنك العذاب، ولكن لا يكون ذلك أبدا لأنه ممتنع على رسولنا الأمين.

القطان

تفسير : بإمامهم: بكتابهم الذي فيه اعمال. وله معنى آخر: بامامهم: صاحب رسالتهم كأن يقول ادعوا اصحاب ابراهيم، ادعوا اتباع موسى الخ.... الفتيل: اصل الفتيل: الخيط الضئيل الذي على نواة التمر، والمقصود به هنا الشيء الذي لا قيمة له. أعمى: اعمى البصيرة. {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ...} الآية. ولقد كرمنا بني آدم بحسن الصورة، واعتدال القوام، وبالمواهب العقلية والنطق والتفكير، وحملناهم برا وبحرا وجوا ولا ندري ما يستجد من مواصلات في المستقبل لان الله تعالى يقول: {أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 8] وزرقناهم من الطيبات المستلذة، وفضلناهم على كثير من المخلوقات. و{يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ}. اذكر ايها النبي لقومك يوم ندعو كل قوم باسم زعيمهم فيقال يا اصحاب موسى. يا أهل القرآن، ليتسلموا كتب اعمالهم، فمن أُعطيَ كتابه بيمينه وهم السعداء فأولئك يقرأون كتابهم مسرورين، ولا ينقص من اجرهم شيء. {وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً}. ومن كان في هذه الدنيا أعمى القلب والبصيرة فسيبقى على حالته ويكون في الآخرة اكثر عمى وابعد مدى في الضلال، وابعد عن سبيل الخير. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وابو بكر: اعْمِي بالامالة

د. أسعد حومد

تفسير : {ءَادَمَ} {وَحَمَلْنَاهُمْ} {وَرَزَقْنَاهُمْ} {ٱلطَّيِّبَاتِ} {وَفَضَّلْنَاهُمْ} (70) يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ تَشْرِيفِهِ لِبَنِي آدَمَ، وَتَكْرِيمِهِ إِيَّاهُمْ بِأَنْ خَلَقَهُمْ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، وَأَكْمَلِ هَيْئَةٍ، وَبِأَنْ مَيَّزَهُمْ بِالعَقْلِ، وَبِأَنْ حَمَلَهُمْ فِي البَرِّ عَلَى الدَّوَابِّ وَغَيْرِها، وَفِي البَحْرِ فِي السُّفُنِ وَالمَرَاكِبِ، وَبِأَنْ رَزَقَهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، مِنْ زُرُوعٍ وَثِمَارٍ، وَلُحُومٍ وَلِبَاسٍ وَسَكَنٍ، وَمِنْ مَنَاظِرَ مُبْهِجَةٍ. كَمَا يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَفْضِيلِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِهِ، بِالعَقْلِ، وَالتَّفْكِيرِ، وَقَدْ فَضَّلَهُمْ بِاسْتِخْلافِهِمْ فِي الأَرْضِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهل هناك تكريم لبني آدم أعظم من أنْ يُعدّ لهم مُقوّمات حياتهم قبل أنْ يخلقهم؟ لقد رتَّب لهم الكون وخلق من أجلهم الأشياء {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ..}تفسير : [البقرة: 29]. إذن: فكل ما في الوجود مُسخَّر لكم من قبل أنْ تُوجَدوا؛ لأن خلق الله تعالى إما خادم وإما مخدوم، وأنت أيُّها الإنسان مخدوم من كل أجناس الكون حتى من الملائكة، ألم يَقُلْ الحق سبحانه: {أية : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [الرعد: 11]. وقال تعالى: {أية : فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً}تفسير : [النازعات: 5]. فالكون كله يدور من أجلك وفي خدمتك، يعطيك عطاءً دائماً لا ينقطع دون سَعْي منك، لذلك نقول: كان من الواجب على العقل المجرد أنْ يقفَ وقفة تأمُّل وتفكُّر؛ ليصل إلى حَلٍّ للغز الكون، وليهتدي إلى أن له خالقاً مُبْدعاً، يكفي أن أنظر إلى آيات الله التي تخدمني، وليس له قدرة عليها، وليست تحت سيطرتي، فالشمس والقمر والنجوم والأرض والهواء والماء والمطر والسحاب كلها تعطيني وتُمدّني دون قدرة لي عليها، أليس من الواجب عليك عدلاً أن تقول: مَنِ الذي أعدّ لي كلَّ هذه الأشياء التي ما ادَّعاهَا أحد لنفسه؟ فإذا ما صاح صائح منك أيُّها الإنسان وقال: أنا رسول من الرب الذي خلق لكم كل هذه المخلوقات، كان يجب عليكم أنْ تُرهِفُوا له السمع لتسمعوا ما جاء به؛ لأنه سوف يحلُّ لكم هذا اللغز الذي حيّركم. وسبق أنْ ضربنا مثلاً لذلك بالرجل الذي انقطعتْ به السُّبل في الصحراء حتى أشرف على الهلاك، فإذا هو بمائدة مُعدَّة بأطايب الطعام والشراب، أليس حَرياً به قبل أنْ تمتد يده إليها أنْ يفكر كيف أتتْه؟ إذن: كان على الإنسان أن يُعمل عقله وفِكْره في معطيات الكون التي تخدمه وتسخر من أجله، وهي لا تأتمر بأمره ولا تخضع لقدرته. ولقد اختلف العلماء في بيان أَوْجُه التكريم في الإنسان، فمنهم مَنْ قال: كُرِّمَ بالعقل، وآخر قال: كُرِّمَ بالتمييز، وآخر قال: كُرِّمَ بالاختيار، ومنهم مَنْ قال: كُرِّمَ الإنسان بأنه يسير مرفوع القامة لا مُنحنياً إلى الأرض كالبهائم، ومنهم مَنْ يرى أنه كُرِّمَ بشكل الأصابع وتناسقها في شكل بديع يسمح لها بالحركة السلسة في تناول الأشياء، ومنهم مَنْ يرى أنه كُرِّم بأن يأكلَ بيده لا بفمه كالحيوان. وهكذا كان لكل واحد منهم مَلْحظ في التكريم. ولنا في مسألة التكريم هذه ملحظ كنت أودُّ أنْ يلتفت إليه العلماء، أَلاَ وهو: أن الحق سبحانه خلق الكون كله بكلمة (كُنْ) إلا آدم، فقد خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، قال تعالى: {أية : يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}تفسير : [ص: 75]. وقال: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}تفسير : [الحجر: 29]. فقمة الفضل والتكريم أن خلق الله تعالى أبانا آدم بيده، بدليل أن الله جعلها حيثية له. ثم يقول الحق سبحانه: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى ما امتنَّ به على الناس من تسيير السفن في البحر، ومن تنجيتهم من الغرق، تمّم ذكر المنَّة بما أنعم به على النوع الإِنساني من تكرمتهم، ورزقهم، وتفضيلهم على سائر المخلوقات، ثم ذكر أحوال الناس ودرجاتهم في الآخرة، ثم حذَّر الرسول صلى الله عليه وسلم من اتباع أهواء المشركين. اللغَة: {بِإِمَامِهِمْ} الإِمام في اللغة: كل من يأتم به غيره سواء كان على هدى أو ضلال ويطلق الإِمام على كتاب الأعمال لأن الإِنسان يكون تابعاً لكتاب أعماله يقوده إلى الجنة أو النار {فَتِيلاً} الفتيل: القشرة التي في شق النواة ويضرب مثلاً للشيء الحقير التافه ومثله القطمير والنقير {تَرْكَنُ} تميل {لَيَسْتَفِزُّونَكَ} الاستفزاز: الإِزعاج بسبب من الأسباب للحمل على الخروج من الوطن وغيره {تَحْوِيلاً} تغييراً وتبديلاً {لِدُلُوكِ} الدلوك: الغروب يقال دلكت الشمس أي غابت قال أبو عبيد وابن قتيبة: الدلوك الغروب وأنشد لذي الرمة: شعر : مصابيحُ ليستْ باللواتي تقودها نجومٌ ولا بالآفلات الدَّوَالكِ تفسير : وقال الأزهري: أصل الدلوك الميل يقال: مالت الشمس للزوال، ومالت للغروب {غَسَقِ} غسَقُ الليل: سواده وظلمته يقال: غسق الليل إذا اشتدت ظلمته {فَتَهَجَّدْ} التهجد: صلاة الليل بعد الاستيقاظ من النوم، والهجودُ: النوم، قال الشاعر: شعر : أَلاَ طَرَقَتْنَا والرِّفَاقُ هُجُود فباتَتْ بعَلاَّتِ النَّوَال تَجُود تفسير : {زَهَقَ} زال وبطل {نَأَى} تباعد والنأي: البُعد {ظَهِيراً} مُعيناً ونَصيراً. سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالت قريش لليهود أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل! فقالوا: سلوه عن الروح فأنزل الله {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ...} الآية. التفسِير: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ} أي لقد شرفنا ذرية آدم على جميع المخلوقات بالعقل، والعلم، والنطق، وتسخير جميع ما في الكون لهم {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} أي وحملناهم على ظهور الدواب والسفن {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي من لذيذ المطاعم والمشارب قال مقاتل: السمن والعسل والزبد والتمر والحلوى وجعلنا رزق الحيوان التبن والعظام وغيرها {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} أي وفضلناهم على جميع من خلقنا من سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات من الجن والبهائم والدواب والوحش والطير وغير ذلك {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} أي اذكر يوم الحشر حين ننادي كل إنسان بكتاب عمله ليسلَّم له وينال جزاءه، والإِمام الكتاب الذي سجل فيه عمل الإِنسان ويقوّيه {أية : وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ}تفسير : [يس: 12] قال ابن عباس: الإِمام ما عُمل وأُملي فكتب عليه، فمن بُعث متقياً لله جُعل كتابُه بيمينه فقرأه واستبشر {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} أي فمن أُعطي كتاب عمله بيمينه وهم السعداء أولو البصائر والنُّهى المتقون لله {فَأُوْلَـٰئِكَ يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ} أي يقرءون حسناتهم بفرح واستبشار لأنهم أخذوا كتبهم بأيمانهم {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} أي ولا يُنقصون من أجور أعمالهم شيئاً ولو كان بمقدار الفتيل وهو الخيط الذي في شق النواة {وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ} أي ومن كان في هذه الدنيا أعمى القلب، لا يهتدي إلى الحق ولا إلى الخير {فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً} أي فهو في الآخرة أشدُّ عمىً وأشدُّ ضلالاً عن طريق السعادة والنجاة قال قتادة: من كان في هذه الدنيا أعمى عمًّا عايَنَ من نعم الله وخلقه وعجائبه، فهو فيما يغيب عنه من أمر الآخرة أشد عمى وأضلُّ طريقاً {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} أي وإن كان الحال والشأن أن المشركين قاربوا أن يصرفوك عن الذي أوحيناه إليك يا محمد من بعض الأوامر والنواهي {لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ} أي لتأتي بغير ما أوحاه الله إليك وتخالف تعاليمه {وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك صاحباً وصديقاً قال المفسرون: حاول المشركون محاولات كثيرة ليثنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المضي في دعوته منها: مساومتهم له أن يعبدوا إلهه مقابل أن يترك التنديد بآلهتهم وما كان عليه آباؤهم، ومنها مساومة بعضهم أن يجعل أرضهم حراماً كالبيت العتيق الذي حرَّمه الله، ومنها طلب بعض الكبراء أن يجعل لهم مجلساً غير مجلس الفقراء، فعصمه الله من شرهم وأخبر أنه لا يكله إلى أحد من خلقه بل هو وليه وحافظه وناصره {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ} أي لولا أن ثبتاك على الحق بعصمتنا إياك {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً} أي كدت تميل إليهم وتسايرهم على ما طلبوا {إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ} أي لو ركَنْتَ إليهم لضاعفنا لك عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، لأن الذنب من العظيم جرمٌ كبير يستحق مضاعفة العذاب، والغرضُ من الآية بيانُ فضل الله على الرسول في تثبيته على الحق، وعصمته من الفتنة، ولو تخلَّى عن عصمتِه لمالَ إليهم بعض الشيء و {لَوْلاَ} حرف امتناع لوجود أي امتنع الركون إليهم لعصمته تعالى وتثبيته له، فليس في الآية ما يُنقص من قدر الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما هي بيان لفضل الله العظيم على نبيه الكريم {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} أي لا تجد من ينصرك منا أو يدفع عنك عذابنا {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا} أي وإن كاد المشركون بمكرهم وإِزعاجهم أن يخرجوك يا محمد من أرض مكة {وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي لو أخرجوك لم يلبثوا بعد خروجك إلا زمناً يسيراً وفق سنة الله التي لا تتبدل مع الذين يخرجون رسلهم من أوطانهم قال قتادة: همَّ أهلُ مكة بإخراج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة ولو فعلوا ذلك ما أمهلوا ولكنَّ الله تعالى منعهم من إخراجه حتى أمره بالخروج {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا} أي هذه عادة الله مع رسله في إهلاك كل أمةٍ أَخرجتْ رسولَها من بين أظهرهم {وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} أي لن تجد لها تبديلاً أو تغييراً {أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ} أي حافظ يا محمد على الصلاة في أوقاتها من وقت زوال الشمس عند الظهيرة إلى وقت ظلمة الليل {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ} أي وأقم صلاة الفجر، وإنما عبَّر عنها بقرآن الفجر لأنه تطلب إطالة القراءة فيها {إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} أي تشهده ملائكة الليل والنهار كما في الحديث "حديث : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون في صلاة العصر، وصلاة الفجر...." تفسير : الحديث، قال المفسرون: في الآية الكريمة إشارة إلى الصلوات المفروضة، فدلوكُ الشمس زوالُها وهو إشارة إلى الظهر والعصر، وغَسَقُ الليل ظلمتُه وهو إشارة إلى المغرب والعشاء، وقرآن الفجر صلاة الفجر، فالآية رمزٌ إلى الصلوات الخمس {وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} أي وقم من الليل بعد النوم متهجداً بالقرآن فضيلةً وتطوعاً لك {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} أي لعلَّ ربك يا محمد يقيمك يوم القيامة مقاماً محموداً يحمدك فيه الأولون والآخرون وهو مقام "الشفاعة العظمى" قال المفسرون: {عَسَىٰ} في كلام الله للتحقيق لأنه وعد كريم وهو لا يتخلف ولهذا قال ابن عباس: عسى من الله واجبة أي تفيد القطع {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} أي قل يا رب أدخلني قبري مُدْخل صدق أي إدخالاً حسناً {وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} أي أخرجني من قبري عند البعث إخراجاً حسناً هذا قول ابن عباس، وقال الحسن والضحاك: المراد دخوله المدينة المنورة، وخروجه من مكة المكرمة وذلك حين أخرجه المشركون بعد أن تآمروا على قتله صلوات الله وسلامه عليه {وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً} أي اجعل لي من عندك قوةً ومَنَعة تنصرني بها على أعدائك وتُعزُّ بها دينك، وقد استجاب الله دعاءه فنصره على الأعداء، وأعلا دينه على سائر الأديان {وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ} أي سطع نور الحق وضياؤه وهو الإِسلام، وزهق الباطل وأنصاره وهو الكفر وعبادةُ الأصنام، فلا شرك ولا وثنية بعد إشراق نور الإِيمان {إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} أي إن الباطل لا بقاء له ولا ثبوت لأنه يضمحل ويتلاشى، وإن كانت له صولةٌ وجولة فسرعان ما تزول كشعلة الهشيم ترتفع عالياً ثم تخبو سريعاً، روي حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة عام الفتح كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً فجعل يطعنها بعودٍ في يده ويقول: {جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} فما بقي منها صنمٌ إلا خرَّ لوجهه ثم أمر بها فكسرت تفسير : {وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} أي وننزّل من آيات القرآن العظيم ما يشفي القلوب من أمراض الجهل والضلال، ويُذهب صدأ النفس من الهوى والدَّنس، والشُّح والحسد، وما هو رحمة للمؤمنين بما فيه من الإِيمان والحكمة والخير المبين {وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً} أي ولا يزيد هذا القرآن الكافرين به عند سماعه إلا هلاكاً ودماراً لأنهم لا يصدقون به فيزدادون كفراً وضلالاً {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} أي وإذا أنعمنا على الإِنسان بأنواع النعم من صحةٍ، وآمنٍ، وغنىً أعرض عن طاعة الله وعبادته، وابتعد عن ربه غروراً وكِبْراً {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَئُوساً} أي وإذا أصابته الشدائد والمصائب أصبح يائساً قانطاً من رحمة الله، والآية تمثيلٌ لطغيان الإِنسان فإن أصابته النعم بطر وتكبَّر، وإن أصابته الشدة أيس وقنط كقوله {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً} تفسير : [المعارج: 19-21] {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} أي كل واحدٍ يعمل على نهجه وطريقته في الهدى والضلال، فإن كانت نفس الإِنسان مشرقةً صافية صدرت عنه أفعال كريمة فاضلة، وإن كانت نفسه فاجرةً كافرة صدرت عنه أفعال سيئةٌ شرّيرة {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً} أي ربكم أعلم بمن اهتدى إلى طريق الصواب وبمن ضلَّ عنه وسيجزي كل عاملٍ بعمله {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} أي يسألك يا محمد الكفار عن الروح ما هي؟ وما حقيقتها؟ فقل لهم إنها من الأسرار الخفية التي لا يعلمها إلا ربُّ البرية {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} أي وما أوتيتم أيها الناس من العلم إلا شيئاً قليلاً لأن علمكم قليل بالنظر إلى علم الله {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} أي لو أردنا لمحونا هذا القرآن الذي هو مِنَّةُ الرحمن من صدرك يا محمد فإن ذلك في قدرتنا {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً} أي لا تجد من يتوكل علينا باسترداده، وردّه إليك بعد ذهابه {إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} أي لكنْ رحمةً من ربك تركناه محفوظاً في صدرك وصدر أصحابك {إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً} أي فضل الله عليك عظيم حيث أنزل عليك القرآن، وأعطاك المقام المحمود، وجعلك خاتم المرسلين وسيد الأولين والآخرين، والمقصود بالآية الامتنان على الرسول بالقرآن والتحذير له عن التفريط فيه، والخطاب له عليه السلام والمراد أمته {قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} أي لو اتفق واجتمع أرباب الفصاحة والبيان من الإِنس والجان وأرادوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن لما أطاقوا ذلك ولو تعاونوا وتساعدوا على ذلك جميعاً فإن هذا أمر لا يستطاع وليس بمقدور أحد {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} أي بيَّنا لهم الحجج والبراهين القاطعة، ووضحنا لهم بالحقَّ بالآياتِ والعِبَر، والترغيب والترهيب {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} أي ومع البراهين القائمة والحجج الواضحة أبى أكثر الناس إلا جحوداً للحق وتكذيباً لله ورسوله. البَلاَغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: 1- الاستعارة {كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} الإِمام الذي يتقدم الناس في الصلاة وقد استعير هنا لكتاب الأعمال لأنه يرافق الإِنسان ويتقدمه يوم القيامة. 2- الاستعارة التمثيلية {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} يضرب مثلاً للقلة أي لا ينقصون من ثواب أجورهما ولا بمقدار الخيط الذي في شق النواة. 3- الطباق {ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ}. 4- المجاز المرسل {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ} أطلق الجزء على الكل أي قراءة الفجر والمراد بها الصلاة لأن القراءة جزء منها فالعلاقة الجزئية. 5- الإِظهار في مقام الإِضمار لمزيد الاهتمام والعناية {إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} بعد قوله {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ}. 6- التفصيل بعد الإِجمال {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ... وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ} بعد ذكر كتاب الأعمال. 7- المقابلة اللطيفة بين {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} {وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} وبين {جَآءَ ٱلْحَقُّ} {وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ}. 8- إسناد الخير إلى الله والشر لغيره {أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ .... وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ} لتعليم الأدب مع الله تعالى. لطيفَة: ذكر أن عالماً ممن ينكر المجاز والاستعارة في القرآن الكريم جاء إلى شيخٍ فاضل عالم منكراً عليه دعوى المجاز - وكان ذلك السائل المنكر أعمى - فقال له الشيخ ما تقول في قوله تعالى {وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً} هل المراد بالعمى الحقيقة وهو عمى البصر، أم المراد به المجاز وهو عمى البصيرة؟ فبهت السائل وانقطعت حجته.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} قال: الإِمام زيد بن علي عليهما السلامُ: معى التفضيلُ ها هنا أنهُ لَيسَ مِن دَابةٍ إِلاَّ تَأكلُ بفَمِها، إِلاَّ بَني آدم فإنهُ يَأكلُ بيَدهِ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن بني آدم وحاله من الكرامة وما عليه من الغرامة بقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ} [الإسراء: 70] أي خصصناهم بكرامة تخرجهم عن حيز الإشراك وهي على ضربين: جسدانية، وروحانية. فالكرامة الجسدانية: عامة يستوي فيها المؤمن والكافر وهي تخمير طينته بيده أربعين صباحاً، وتصويره في الرحم بنفسه، وأنه تعالى صوره فأحسن صورته وسواه فعدله في أي: صورة ما شاء ركبه، ومشاه سوياً على صراط مستقيم القامة آخذاً بيديه آكلاً بأصابعه مزيناً باللحى والذوائب صانعاً بأنواع الحرف. والكرامة الروحانية: على ضربين: عامة، وخاصة. فالعامة: أيضاً يستوي فيها المؤمن والكافر وهي أن كرمه بنفخه فيه من روحه وعلمه الأسماء كلها، وكلمه قبل أن خلقه بقوله: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} تفسير : [الأعراف: 172] فأسمعه خطابه وأنطقه بجوابه بقوله: {أية : قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172] وعاهده على العبودية، وأولده على الفطرة، وأرسل إليه الرسل وأنزل عليه الكتب ودعاه إلى الحضرة، ووعده الجنة وخوَّفه النار، وأظهر له الآيات والدلالات والمعجزات. والكرامة الروحانية الخاصة: كما كرم به أنبياءه وأولياءه وعباده المؤمنين من النبوة والرسالة والولاية والإيمان للإسلام والهداية إلى الصراط المستقيم، وهو صراط الله والسير إلى الله وفي الله وبالله عند العبور على المقامات والترقي من الناسوتية بجذبات اللاهوتية، والتخلق بأخلاق الإلهية عند فناء الأنانية وبقاء الهوية. كما قال تعالى: {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} [الإسراء: 70] أي: عبرنا بهم عن بر الجسمانية وبحر الروحانية إلى ساحل الربانية {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} [الإسراء: 70] وهي المواهب التي طيبها من الحدوث فيطع بها من يبيت عنده ويسقيه بها، وهي طعام المشاهدات وشراب المكاشفات التي لم يذق منها الملائكة المقربون، أطعم بها أخص عباده في أواني المعرفة، وسقاهم بها في كاسات المحبة أفردهم بها عن العالمين؛ ولهذا أسجد لهم الملائكة المقربين. وقال تعالى: {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء: 70] يعني: على الملائكة؛ لأنهم الخلق الكثير من خلق الله تعالى، وفضل الإنسان الكامل على الملك بأنه خلقه في أحسن تقويم وهو حسن استعداده في قبول فيض نور الله بلا واسطة، وقد تفرد به الإنسان عن سائر المخلوقات. كما قال تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ} تفسير : [الأحزاب: 72] أي: على أهلها {أية : فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ} تفسير : [الأحزاب: 72] الأمانة هي نور الله كما صرح به في قوله: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [النور: 35] إلى أن قال: {أية : نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} تفسير : [النور: 35] فافهم جدّاً واغتنم فإن هذا البيان أعز من الكبريت الأحمر وأغرب من عنقاء مغرب. ثم أخبر عن المقبولين منهم والمردودين بقوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [الإسراء: 71] يشير إلى ما يتبعه كل قوم وهو إمامهم، فقوم: يتبعون الدنيا وزينتها وشهواتها فيدعون يا أهل الدنيا، وقوم: يتبعون الآخرة ونعيمها ودرجاتها فيدعون: "يا أهل الآخرة"، وقوم: يتبعون الرسول صلى الله عليه وسلم محبة لله وطلباً لقربته ومعرفته فيدعون: "يا أهل الله" {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} [الإسراء: 71] فهو أهل السعادة من أصحاب اليمين فيه إشارة إلى أن السابقين الذين هم أهل الله لا يؤتون كتابهم كما لا يحاسبون حسابهم. ثم قال: {فَأُوْلَـٰئِكَ يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ} [الإسراء: 71] لأنهم أصحاب البصيرة والقرآن والدراية {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [الإسراء: 71] في جزاء أعمالهم الصالحة فيه إشارة إلى أن أهل الشقاوة الذين هم أصحاب الشمال لا يقرءون كتابهم؛ لأنهم أصحاب العمى والجهالة {وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ} [الإسراء: 72] أي: في هذه القراءة والدراية بالبصيرة {أَعْمَىٰ} [الإسراء: 72] في الدنيا لقوله: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ} تفسير : [الحج: 46] {فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ} [الإسراء: 72] لأنها {أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ} تفسير : [الطارق: 9] فيجعل الوجوه من السرائر فمن كان في سريره أعمى هاهنا يكون في صورته أعمى للمبالغة؛ لأن عمل السريرة هاهنا كان قابلاً للتدارك. وقد خرج ثمة الأمر من التدارك فيكون الأعمى عن رؤية الحق {وَأَضَلُّ سَبِيلاً} [الإسراء: 72] في الوصول إليه لفساد الاستعداد وإعواز التدارك. ثم قال: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ} [الإسراء: 73] أي: من عمى قلوبهم كادوا ليسترونك {عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} [الإسراء: 73] بالتغيير والتبديل {لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ} [الإسراء: 73] أي: وفق طباعهم في الضلالة وميلان نفوسهم إلى الدنيا وهي الضلالة عن الهدى {وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} [الإسراء: 73] إذ وافقتهم في الضلالة {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ} [الإسراء: 74] بالقول الثابت وهو قول: لا إله إلا الله إلى أن بلغناك مقام معرفة حقيقة لا إله إلا الله بقولنا: {أية : فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [محمد: 19] وطهرنا قلبك من لوث صفات البشرية {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ} بها إن لم يطهرك عنها بقولنا: {أية : وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} تفسير : [محمد: 19] {شَيْئاً قَلِيلاً} وإنما سماه قليلاً؛ لأن روحانية النبي صلى الله عليه وسلم كانت في أصل الخلقة غالبة على بشريته مؤيدة بتأييد: "حديث : أول ما خلق الله روحي" تفسير : إذ لم يكن مع روحه {شَيْئاً قَلِيلاً} ما يحجبه عن الله فشرفه بتشريف "حديث : كنت نبيّاً وآدم بين الماء والطين" تفسير : فمعنى الكلام: لولا التثبيت وقوة النبوة ونور الهداية وأثر نظر العناية، لكنت تركن إلى أهل الأهواء بهوى النفسانية بمنافع الإنسانية قدراً يسيراً لغلبة الروحانية وخمود نار البشرية. ثم قال: {إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ} [الإسراء: 75] يعني: بشؤم ميل نفسك إلى الباطل ورغبتها عن الخلق نحي نفسك، وأذقناك عذاب حياتها واستيلائها وغلبتها على روحك ونميت قلبك، وأذقناك عذاب مماته وضعف روحك وعجزه وبعده عن الحق {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} [الإسراء: 75] يمنع عذابنا منك.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا من كرمه عليهم وإحسانه الذي لا يقادر قدره حيث كرم بني آدم بجميع وجوه الإكرام، فكرمهم بالعلم والعقل وإرسال الرسل وإنزال الكتب، وجعل منهم الأولياء والأصفياء وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة. { وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ } على الركاب من الإبل والبغال والحمير والمراكب البرية. { وَ } في { الْبَحْرِ } في السفن والمراكب { وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ } من المآكل والمشارب والملابس والمناكح. فما من طيب تتعلق به حوائجهم إلا وقد أكرمهم الله به ويسره لهم غاية التيسير. { وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا } بما خصهم به من المناقب وفضلهم به من الفضائل التي ليست لغيرهم من أنواع المخلوقات. أفلا يقومون بشكر من أولى النعم ودفع النقم ولا تحجبهم النعم عن المنعم فيشتغلوا بها عن عبادة ربهم بل ربما استعانوا بها على معاصيه.

همام الصنعاني

تفسير : 1592- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن زيد بن أسلم، في قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ ...}: [الآية: 70]، قال، قالت الملائكة: يا ربنا، أعطيتَ بني آدم الدنيا، يأكلون فيها وينعمون، ولم تعطننا ذلك، فأعطناه في الآخرة فقال: وعزتي، لا أجعل صالح ذُرِّيَّةَ من خلقت بيدي، كما قلت له كن فكَانَ.