١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
71
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع كرامات الإنسان في الدنيا ذكر أحوال درجاته في الآخرة في هذه الآية وفيها مسائل: المسألة الأولى: قرىء {يدعو} بالياء والنون و{يدعى كل أناس} على البناء للمفعول وقرأ الحسن {يدعو كل أناس} قال الفراء وأهل العربية لا يعرفون وجهاً لهذه القراءة المنقولة عن الحسن ولعله قرأ {يدعى} بفتحة ممزوجة بالضم فظن الراوي أنه قرأ {يدعو}. المسألة الثانية: قوله {يوم ندعو} نصب بإضمار اذكر ولا يجوز أن يقال العامل فيه قوله { أية : وفضلناهم } تفسير : [الإسراء:70] لأنه فعل ماضٍ ويمكن أن يجاب عنه فيقال المراد ونفضلهم بما نعطيهم من الكرامة والثواب. المسألة الثالثة: قوله: {بِإِمَـٰمِهِمْ } الإمام في اللغة كل من ائتم به قوم كانوا على هدى أو ضلالة فالنبي إمام أمته، والخليفة إمام رعيته، والقرآن إمام المسلمين وإمام القوم هو الذي يقتدي به في الصلاة وذكروا في تفسير الإمام ههنا أقوال، القول الأول: إمامهم نبيهم روي ذلك مرفوعاً عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ويكون المعنى أنه ينادي يوم القيامة يا أمة إبراهيم يا أمة موسى يا أمة عيسى يا أمة محمد فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بإيمانهم ثم ينادي يا أتباع فرعون يا أتباع نمروذ يا أتباع فلان وفلان من رؤساء الضلال وأكابر الكفر وعلى هذا القول فالباء في قوله {بإمامهم} فيه وجهان. الأول: أن يكون التقدير يدعو كل أناس بإمامهم تبعاً وشيعة لأمامهم كما تقول ادعوك باسمك. والثاني: أن يتعلق بمحذوف وذلك المحذوف في موضع الحال كأنه قيل يدعو كل أناس مختلطين بإمامهم أي يدعون وإمامهم فيهم نحو ركب بجنوده. والقول الثاني: وهو قول الضحاك وابن زيد {بإمامهم} أي بكتابهم الذي أنزل عليهم وعلى هذا التقدير ينادي في القيامة يا أهل القرآن يا أهل التوراة يا أهل الإنجيل. والقول الثالث: قال الحسن بكتابهم الذي فيه أعمالهم وهو قول الربيع وأبي العالية والدليل على أن هذا الكتاب يسمى إماماً قوله تعالى: { أية : وَكُلَّ شىْء أَحْصَيْنَـٰهُ فِى إِمَامٍ مُّبِينٍ } تفسير : [يۤس: 12] فسمى الله تعالى هذا الكتاب إماماً، وتقدير الباء على هذا القول بمعنى مع أي ندعو كل أناس ومعهم كتابهم كقولك ادفعه إليه برمته أي ومعه رمته. القول الرابع: قال صاحب «الكشاف» ومن بدع التفاسير أن الإمام جمع أم، وأن الناس يدعون يوم القيامة بإمهاتهم وأن الحكمة في الدعاء بالأمهات دون الآباء رعاية حق عيسى وإظهار شرف الحسن والحسين وأن لا يفتضح أولاد الزنا ثم قال صاحب «الكشاف» وليت شعري أيهما أبدع أصحة لفظه أم بيان حكمته. والقول الخامس: أقول في اللفظ احتمال آخر وهو أن أنواع الأخلاق الفاضلة والفاسدة كثيرة والمستولي على كل إنسان نوع من تلك الأخلاق فمنهم من يكون الغالب عليه الغضب ومنهم من يكون الغالب عليه شهوة النقود أو شهوة الضياع ومنهم من يكون الغالب عليه الحقد والحسد وفي جانب الأخلاق الفاضلة منهم من يكون الغالب عليه العفة أو الشجاعة أو الكرم أو طلب العلم والزهد إذا عرفت هذا فنقول: الداعي إلى الأفعال الظاهرة من تلك الأخلاق الباطنة فذلك الخلق الباطن كالإمام له والملك المطاع والرئيس المتبوع فيوم القيامة إنما يظهر الثواب والعقاب بناء على الأفعال الناشئة من تلك الأخلاق فهذا هو المراد من قوله: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ } فهذا الاحتمال خطر بالبال، والله أعلم بمراده ثم قال تعالى: {فَمَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَـئِكَ يَقْرَءونَ كِتَـٰبَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } قال صاحب «الكشاف» إنما قال أولئك لأن من أوتي في معنى الجمع والفتيل القشرة التي في شق النواة وسمي بهذا الاسم لأنه إذا أراد الإنسان استخراجه انفتل وهذا يضرب مثلاً للشيء الحقير التافه ومثله القطمير والنقير في ضرب المثل به والمعنى لا ينقصون من الثواب بمقدار فتيل ونظيره قوله: { أية : وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً } تفسير : [مريم: 60]، { أية : فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً } تفسير : [طه: 112] وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال الفتيل هو الوسخ الذي يظهر بفتل الإنسان إبهامه بسبابته وهو فعيل من الفتل بمعنى مفتول فإن قيل لهم خص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم مع أن أصحاب الشمال يقرؤونه أيضاً قلنا الفرق أن أصحاب الشمال إذا طالعوا كتابهم وجدوه مشتملاً على المهلكات العظيمة والقبائح الكاملة والمخازي الشديدة فيستولي الخوف والدهشة على قلوبهم ويثقل لسانهم فيعجزوا عن القراءة وأما أصحاب اليمين فأمرهم على عكس ذلك لا جرم أنهم يقرؤون كتابهم على أحسن الوجوه وأثبتها ثم لا يكتفون بقراءتهم وحدهم بل يقول القارىء لأهل الحشر: { أية : هَاؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَـٰبيَهْ } تفسير : [الحاقه: 19] فظهر الفرق، والله أعلم ثم قال تعالى: {وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلأَخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ونصر عن الكسائي ومن كان في هذه أعمى بالإمالة والكسر فهو في الآخرة أعمى بالفتح وقرأ بالفتح والتفخيم فيهما ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم في رواية بالإمالة فيهما، قال أبو علي الفارسي الوجه في تصحيح قراءة أبي عمرو أن المراد بالأعمى في الكلمة الأولى كونه في نفسه أعمى وبهذا التقدير تكون هذه الكلمة تامة فتقبل الإمالة وأما في الكلمة الثانية فالمراد من الأعمى أفعل التفضيل فكانت بمعنى أفعل من وبهذا التقدير لا تكون لفظة أعمى تامة فلم تقبل الإمالة والحاصل أن إدخال الإمالة في الأولى دل على أنه ليس المراد أفعل التفضيل وتركها في الثانية يدل على أن المراد منها أفعل التفضيل، والله أعلم. المسألة الثانية: لا شك أنه ليس المراد من قوله تعالى: {وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلأَخِرَةِ أَعْمَىٰ } عمى البصر بل المراد منه عمى القلب، أما قوله فهو في الآخرة أعمى ففيه قولان: القول الأول: أن المراد منه أيضاً عمى القلب وعلى هذا التقدير ففيه وجوه. الأول: قال عكرمة: جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسأله رجل عن هذه الآية فقال: اقرأ ما قبلها فقرأ { أية : رَبَّكُمُ ٱلَّذِى يُزْجِى لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِى ٱلْبَحْرِ } تفسير : [الإسراء: 66] إلى قوله { أية : تَفْضِيلاً } تفسير : [الإسراء: 70] قال ابن عباس من كان أعمى في هذه النعم التي قد رأى وعاين فهو في أمر الآخرة التي لم ير ولم يعاين أعمى وأضل سبيلا وعلى هذا الوجه فقوله في هذه إشارة إلى النعم المذكورة في الآيات المتقدمة. وثانياً: روى أبو ورق عن الضحاك عن ابن عباس قال من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرتي في خلق السموات والأرض والبحار والجبال والناس والدواب فهو عن أمر الآخرة أعمى وأضل سبيلاً وأبعد عن تحصيل العلم به وعلى هذا الوجه فقوله فمن كان في هذه إشارة إلى الدنيا وعلى هذين القولين فالمراد من كان في الدنيا أعمى القلب عن معرفة هذه النعم والدلائل فبأن يكون في الآخرة أعمى القلب عن معرفة أحوال الآخرة أولى فالعمى في المرتين حصل في الدنيا. وثالثها: قال الحسن من كان في الدنيا ضالاً كافراً فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً لأنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل توبته وفي الدنيا يهتدي إلى التخلص من أبواب الآفات وفي الآخرة لا يهتدي إلى ذلك ألبتة. ورابعها: أنه لا يمكن حمل العمى الثاني على الجهل بالله لأن أهل الآخرة يعرفون الله بالضرورة فكان المراد منه العمى عن طريق الجنة أي ومن كان في هذه الدنيا أعمى عن معرفة الله فهو في الآخرة أعمى عن طريق الجنة. وخامسها: أن الذين حصل لهم عمى القلب في الدنيا إنما حصلت هذه الحالة لهم لشدة حرصهم على تحصيل الدنيا وابتهاجهم بلذاتها وطيباتها فهذه الرغبة تزداد في الآخرة وتعظم هناك حسرتها على فوات الدنيا وليس معهم شيء من أنوار معرفة الله تعالى فيبقون في ظلمة شديدة وحسرة عظيمة فذاك هو المراد من العمى. القول الثاني: أن يحمل العمى الثاني على عمى العين والبصر فمن كان في هذه الدنيا أعمى القلب حشر يوم القيامة أعمى العين والبصر كما قال: { أية : ونحشرهُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ أَعْمَىٰ قَالَ رَبّ لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ ايَـٰتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ } تفسير : [طه: 124 ـ 126] وقال: { أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا } تفسير : [الإسراء:97] وهذا العمى زيادة في عقوبتهم، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} روى الترمذي عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} قال: حديث : يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويُمَدّ له في جسمه ستون ذراعا، ويُبَيّض وجهه ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ فينطلق إلى أصحابه فيرَوْنه من بعيد فيقولون اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا حتى يأتيهم فيقول أبشروا لكل منكم مثلُ هذا. ـ قال ـ وأما الكافر فيُسَوّد وجهه ويمدّ له في جسمه ستون ذراعا على صورة آدم ويلبس تاجاً فيراه أصحابه فيقولون نعوذ بالله من شر هذاٰ اللهم لا تأتنا بهذا. قال: فيأتيهم فيقولون اللَّهُمَّ أخزه. فيقول أبعدكم الله فإن لكل رجل منكم مثل هذا»تفسير : . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. ونظير هذا قوله: {أية : وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الجاثية: 28]. والكتاب يسمى إماماً؛ لأنه يُرجع إليه في تعرّف أعمالهم. وقال ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك: «بإمامهم» أي بكتابهم، أي بكتاب كلّ إنسان منهم الذي فيه عمله؛ دليله «فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمينِهِ». وقال ابن زيد: بالكتاب المنزَّل عليهم. أي يدعَى كل إنسان بكتابه الذي كان يتلوه؛ فيدعى أهل التوراة بالتوراة، وأهل القرآن بالقرآن؛ فيقال: يا أهل القرآن، ماذا عملتم، هل امتثلتم أوامره هل اجتنبتم نواهيه! وهكذا. وقال مجاهد: «بإمامهم» بنبيّهم، والإمام من يؤتَمّ به. فيقال: هاتوا متّبِعِي إبراهيم عليه السلام، هاتوا متّبعي موسى عليه السلام، هاتوا متبعي الشيطان، هاتوا متبعي الأصنام. فيقوم أهل الحق فيأخذون كتابهم بأيمانهم، ويقوم أهل الباطل فيأخذون كتابهم بشمالهم. وقاله قتادة. وقال عليّ رضي الله عنه: بإمام عصرهم. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله:{يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} فقال: «حديث : كلٌّ يدعى بإمام زمانهم وكتابِ ربِّهم وسنّةِ نبيّهم فيقول هاتوا متبعي إبراهيم هاتوا متبعي موسى هاتوا متبعي عيسى هاتوا متبعي محمدا ـ عليهم أفضل الصلوات والسلام ـ فيقوم أهل الحق فيأخذون كتابهم بأيمانهم ويقول هاتوا متبعي الشيطان هاتوا متبعي رؤساء الضلالة إمامَ هدًى وإمام ضلالة»تفسير : . وقال الحسن وأبو العالية: «بإمامهم» أي بأعمالهم. وقاله ابن عباس. فيقال: أين الراضون بالمقدور، أين الصابرون عن المحذور. وقيل: بمذاهبهم؛ فيُدْعَوْن بمن كانوا يأتمون به في الدنيا: يا حنفيّ، يا شافعيّ، يا معتزليّ، يا قدرِيّ، ونحوه، فيتبعونه في خير أو شر أو على حق أو باطل، وهذا معنى قول أبي عبيدة. وقد تقدّم. وقال أبو هريرة: يدعى أهل الصدقة من باب الصدقة، وأهل الجهاد من باب الجهاد...، الحديث بطوله. أبو سهل: يقال أين فلان المصلّي والصوّام، وعكسه الدَّفاف والنمام، وقال محمد بن كعب: «بإمامهم» بأمهاتهم. وإمام جمع آمّ. قالت الحكماء: وفي ذلك ثلاثة أوجه من الحكمة؛ أحدهما ـ لأجل عيسى. والثاني ـ إظهار لشرف الحسن والحسين. والثالث ـ لئلا يفتضح أولاد الزنى. قلت: وفي هذا القول نظر؛ فإن في الحديث الصحيح عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا جمع الله الأوّلين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء فيقال هذه غدرة فلان بن فلان» تفسير : خرّجه مسلم والبخاري. فقوله: «هذه غَدْرة فلان بن فلان» دليلٌ على أن الناس يُدْعَوْن في الآخرة بأسمائهم وأسماء آبائهم، وهذا يردّ على من قال: إنما يدعون بأسماء أمهاتهم لأن في ذلك سَتْراً على آبائهم. والله أعلم. قوله تعالى: {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} هذا يقوّي قول من قال: «بإمامهم» بكتابهم ويقوّيه أيضاً قوله: {أية : وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ} تفسير : [يس: 12]. {فَأُوْلَـٰئِكَ يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} الفتيل الذي في شقّ النواة. وقد مضى في «النساء».
ابن كثير
تفسير : يخبر تبارك وتعالى عن يوم القيامة أنه يحاسب كل أمة بإمامهم، وقد اختلفوا في ذلك، فقال مجاهد وقتادة: بنبيهم، وهذا كقوله تعالى: {أية : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [يونس: 47] الآية. وقال بعض السلف: هذا أكبر شرف لأصحاب الحديث؛ لأن إمامهم النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن زيد: بكتابهم الذي أنزل على نبيهم من التشريع، واختاره ابن جرير. وروي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: بكتبهم، فيحتمل أن يكون أراد هذا، وأن يكون أراد ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ} أي: بكتاب أعمالهم. وكذا قال أبو العالية والحسن والضحاك، وهذا القول هو الأرجح؛ لقوله تعالى: {أية : وَكُلَّ شىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ فِىۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ} تفسير : [يس: 12] وقال تعالى: {أية : وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ} تفسير : [الكهف: 49] الآية. ويحتمل أن المراد بإمامهم أي: كل قوم بمن يأتمون به، فأهل الإيمان ائتموا بالأنبياء عليهم السلام، وأهل الكفر اتئموا بأئمتهم؛ كما قال: {أية : وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} تفسير : [القصص: 41] وفي "الصحيحين": «حديث : لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع ما كان يعبد الطواغيت الطواغيت» تفسير : الحديث. وقال تعالى: {أية : وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الجاثية: 28 - 29] وهذا لا ينافي أن يجاء بالنبي إذا حكم الله بين أمته؛ فإنه لا بد أن يكون شاهداً على أمته بأعمالها؛ كقوله تعالى: {أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ وَجِـىءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ} تفسير : [الزمر: 69] وقوله تعالى: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 41] ولكن المراد ههنا بالإمام هو كتاب الأعمال، ولذا قال تعالى: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ فَمَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَـٰبَهُمْ} أي: من فرحته وسروره بما فيه من العمل الصالح يقرؤه ويحب قراءته؛ كقوله: {أية : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ} تفسير : إلى قوله {أية : وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِشِمَالِهِ} تفسير : [الحاقة: 19 - 25] الآيات. وقوله تعالى: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} قد تقدم أن الفتيل هو الخيط المستطيل في شق النواة. وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثاً في هذا فقال: حدثنا محمد بن يعمر ومحمد بن عثمان بن كرامة قالا: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن السدي عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ} قال: «حديث : يدعى أحدهم، فيعطى كتابه بيمينه، ويمد له في جسمه، ويبيض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤة يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه، فيرونه من بعيد، فيقولون: اللهم ائتنا بهذا، وبارك لنا في هذا، فيأتيهم فيقول لهم: أبشروا؛ فإن لكل رجل منكم مثل هذا، وأما الكافر، فيسود وجهه، ويمد له جسمه، ويراه أصحابه فيقولون: أعوذ بالله من هذا، أو من شر هذا، اللهم لا تأتنا به، فيأتيهم فيقولون: اللهم أخزه فيقول: أبعدكم الله؛ فإن لكل رجل منكم مثل هذا» تفسير : ثم قال البزار: لا يروى إلا من هذا الوجه. وقوله تعالى: {وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ} الآية، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: {وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِ} أي: في الحياة الدنيا {أَعْمَىٰ} أي: عن حجة الله وآياته وبيناته {فَهُوَ فِى ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ} أي: كذلك يكون، {وَأَضَلُّ سَبِيلاً} أي: وأضل منه؛ كما كان في الدنيا، عياذاً بالله من ذلك.
المحلي و السيوطي
تفسير : اذكر {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَٰمِهِمْ } نبيّهم فيقال يا أُمّة فلان أو بكتاب أعمالهم فيقال يا صاحب الخير يا صاحب الشر وهو يوم القيامة {فَمَنْ أُوتِىَ } منهم {كِتَٰبَهُ بِيَمِينِهِ } وهم السعداء أولو البصائر في الدنيا {فَأُوْلٰئِكَ يَقْرَءُون كِتَٰبِهُمْ وَلاَيُظْلَمُونَ} ينقصون من أعمالهم {فَتِيلاً } قدر قشرة النواة.
الشوكاني
تفسير : قوله: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ } قال الزجاج: يعني يوم القيامة، وهو منصوب على معنى أذكر يوم ندعوا. وقرى: (يدعو) بالياء التحتية على البناء للفاعل و (يدعى) على البناء للمفعول، والباء في {بإمامهم} للإلصاق كما تقول: أدعوك باسمك، ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف هو حال، والتقدير: ندعو كل أناس متلبسين بإمامهم، أي: يدعون وإمامهم فيهم نحو ركب بجنوده، والأوّل أولى. والإمام في اللغة كل ما يؤتمّ به من نبيّ أو مقدّم في الدين أو كتاب. وقد اختلف المفسرون في تعيين الإمام الذي تدعى كل أناس به، فقال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والضحاك إنه كتاب كلّ إنسان الذي فيه عمله أي: يدعى كل إنسان بكتاب عمله، ويؤيد هذا قوله: {أية : فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ } تفسير : [الحاقة: 19]. الآية، وقال ابن زيد: الإمام هو الكتاب المنزل عليهم فيدعى أهل التوراة بالتوراة، وأهل الإنجيل بالإنجيل، وأهل القرآن بالقرآن، فيقال: يا أهل التوراة، يا أهل الإنجيل، يا أهل القرآن. وقال مجاهد وقتادة: إمامهم: نبيهم فيقال: هاتوا متبعي إبراهيم، هاتوا متبعي موسى، هاتوا متبعي عيسى، هاتوا متبعي محمد، وبه قال الزجاج. وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه؛ المراد بالإمام إمام عصرهم، فيدعى أهل كل عصر بإمامهم الذي كانوا يأتمرون بأمره وينتهون بنهيه. وقال الحسن وأبو العالية: المراد {بإمامهم}: أعمالهم، فيقال مثلاً: أين المجاهدون، أين الصابرون، أين الصائمون، أين المصلون؟ ونحو ذلك. وروي عن ابن عباس وأبي هريرة. وقال أبو عبيدة، المراد بإمامهم صاحب مذهبهم، فيقال مثلاً: أين التابعون للعالم فلان بن فلان، وهذا من البعد بمكان. وقال محمد بن كعب: {بإمامهم}: بأمهاتهم، على أن إمام جمع أمّ كخف وخفاف، وهذا بعيد جدّاً. وقيل: الإمام: هو كل خلق يظهر من الإنسان حسن كالعلم والكرم والشجاعة، أو قبيح كأضدادها، فالداعي إلى تلك الأفعال خلق باطن هو كالإمام، ذكر معناه الرازي في تفسيره {فَمَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ } من أولئك المدعوّين، وتخصيص اليمين بالذكر للتشريف والتبشير {فَأُوْلَـئِكَ} الإشارة إلى "من" باعتبار معناه. قيل: ووجه الجمع الإشارة إلى أنهم مجتمعون على شأن جليل، أو الإشعار بأن قراءتهم لكتبهم تكون على وجه الاجتماع لا على وجه الانفراد {يَقْرَءونَ كِتَـٰبَهُمْ } الذي أوتوه {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } أي: لا ينقصون من أجورهم قدر فتيل، وهو القشرة التي في شق النواة، أو هو عبارة عن أقلّ شيء، ولم يذكر أصحاب الشمال تصريحاً، ولكنه ذكر سبحانه ما يدلّ على حالهم القبيح فقال: {وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ } أي: من كان من المدعوّين في هذه الدنيا أعمى أي: فاقد البصيرة. قال النيسابوري: لا خلاف أن المراد بهذا العمى عمى القلب، وأما قوله: {فَهُوَ فِى ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ } فيحتمل أن يراد به: عمى البصر كقوله: {أية : وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ أَعْمَىٰ * قَالَ رَبّ لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً } تفسير : [طه: 124 ــ 125] وفي هذا زيادة العقوبة، ويحتمل أن يراد عمى القلب؛ وقيل: المراد بالآخرة: عمل الآخرة، أي: فهو في عمل، أو في أمر الآخرة أعمى؛ وقيل: المراد: من عمي عن النعم التي أنعم الله بها عليه في الدنيا فهو عن نعم الآخرة أعمى؛ وقيل: من كان في الدنيا التي تقبل فيها التوبة أعمى فهو في الآخرة التي لا توبة فيها أعمى؛ وقيل: من كان في الدنيا أعمى عن حجج الله فهو في الآخرة أعمى، وقد قيل: إن قوله: {فَهُوَ فِى ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ } أفعل تفضيل، أي: أشدّ عمى، وهذا مبنيّ على أنه من عمى القلب، إذ لا يقال ذلك في عمى العين. قال الخليل وسيبويه: لأنه خلقه بمنزلة اليد والرجل، فلا يقال ما أعماه كما لا يقال: ما أيداه. وقال الأخفش: لا يقال فيه ذلك لأنه أكثر من ثلاثة أحرف. وقد حكى الفراء عن بعض العرب أنه سمعه يقول: ما أسود شعره، ومن ذلك قول الشاعر:شعر : أما الملوك فأنت اليوم ألأمهم لؤما وأبيضهم سربال طباخ تفسير : والبحث مستوفي في النحو. وقرأ أبو بكر، وحمزة، والكسائي، وخلف. (أعمى) بالإمالة في الموضعين. وقرأهما أبو عمرو ويعقوب والباقون بغير إمالة، وأمال أبو عبيد الأوّل دون الثاني {وَأَضَلُّ سَبِيلاً } يعني: أن هذا أضلّ سبيلاً من الأعمى لكونه لا يجد طريقاً إلى الهداية، بخلاف الأعمى فقد يهتدي في بعض الأحوال. ثم لما عدد سبحانه في الآيات المتقدّمة أقسام النعم على بني آدم أردفه بما يجري مجرى التحذير من الاغترار بوساوس الأشقياء فقال: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ }: "إن" هي المخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير شأن محذوف، واللام: هي الفارقة بينها وبين النافية، والمعنى: وإن الشأن قاربوا أن يخدعوك فاتنين، وأصل الفتنة: الاختبار، ومنه فتن الصائغ الذهب، ثم استعمل في كل من أزال الشيء عن حدّه وجهته، وذلك لأن في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن وافتراء على الله سبحانه من تبديل الوعد بالوعيد وغير ذلك {عَنِ ٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد {لِتفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ } لتتقوّل علينا غير الذي أوحينا إليك مما اقترحه عليك كفار قريش {وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً } أي: لو اتبعت أهواءهم لاتخذوك خليلاً لهم أي: والوك وصافوك، مأخوذ من الخلة بفتح الخاء. {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ } على الحق وعصمناك عن موافقتهم {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ } لقاربت أن تميل إليهم أدنى ميل، والركون هو الميل اليسير، ولهذا قال: {شَيْئًا قَلِيلاً } لكن أدركته صلى الله عليه وسلم العصمة فمنعته من أن يقرب من أدنى مراتب الركون إليهم، فضلاً عن نفس الركون، وهذا دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ما همّ بإجابتهم، ذكر معناه القشيري وغيره، وقيل: المعنى وإن كادوا ليخبرون عنك بأنك ملت إلى قولهم، فنسب فعلهم إليه مجازاً واتساعاً كما تقول للرجل: كدت تقتل نفسك، أي: كاد الناس يقتلونك بسبب ما فعلت، ذكر معناه المهدوي. ثم توعده سبحانه في ذلك أشدّ الوعيد فقال: {إِذًا لأَذَقْنَـٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ } أي: لو قاربت أن تركن إليهم، أي: مثلي ما يعذب به غيرك ممن يفعل هذا الفعل في الدارين، والمعنى: عذاباً ضعفاً في الحياة وعذاباً ضعفاً في الممات أي: مضاعفاً، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه وأضيفت، وذلك لأن خطأ العظيم عظيم كما قال سبحانه: {أية : يٰنِسَاء ٱلنَّبِىّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } تفسير : [الأحزاب: 30]. وضعف الشيء: مثلاه، وقد يكون الضعف النصيب كقوله: {أية : لِكُلّ ضِعْفٌ } تفسير : [الأعراف: 38] أي: نصيب. قال الرازي: حاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك وعقدت على الركون همك لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة ولصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا } ينصرك فيدفع عنك هذا العذاب. قال النيسابوري: اعلم أن القرب من الفتنة لا يدل على الوقوع فيها، والتهديد على المعصية لا يدلّ على الإقدام عليها، فلا يلزم من الآية طعن في العصمة. {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ } الكلام في هذا كالكلام في {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ } أي: وإن الشأن أنهم قاربوا أن يزعجوك من أرض مكة لتخرج عنها، ولكنه لم يقع ذلك منهم، بل منعهم الله منه حتى هاجر بأمر ربه بعد أن هموا به، وقيل: إنه أطلق الإخراج على إرادة الإخراج تجويزاً {وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خلفك إِلاَّ قَلِيلاً } معطوف على {ليستفزونك} أي: لا يبقون بعد إخراجك إلاّ زمناً قليلاً، ثم عوقبوا عقوبة تستأصلهم جميعاً. وقرأ عطاء بن أبي رباح: (لا يلبثوا) بتشديد الباء الموحدة. وقرىء: (لا يلبثوا) بالنصب على إعمال "إذ"، على أن الجملة معطوف على جملة: {وَإِن كَادُواْ } لا على الخبر فقط. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو بكر، وأبو عمرو (خلفك) ومعناه: بعدك. وقرأ ابن عامر، وحفص، وحمزة، والكسائي {خلافك} ومعناه أيضاً: بعدك. وقال ابن الأنباري: {خلافك} بمعنى: مخالفتك، واختار أبو حاتم القراءة الثانية لقوله: {أية : فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَـٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 81] ومما يدلّ على أن خلاف بمعنى بعد قول الشاعر:شعر : عفت الديار خلافها فكأنما بسط الشواطب بينهنّ حصيرا تفسير : يقال: شطبت المرأة الجريد: إذا شققته لتعمل منه الحصير. قال أبو عبيدة: ثم تلقيه الشاطبة إلى المثقبة. {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا } {سنّة} منتصبة على المصدرية، أي: سنّ الله سنّة. وقال الفراء: أي يعذبون كسنّة من قد أرسلنا فلما سقط الخافض عمل الفعل. وقيل: المعنى: سنّتنا سنّة من قد أرسلنا. قال الزجاج: يقول إن سنّتنا هذه السنّة فيمن أرسلنا قبلك إليهم أنهم إذا أخرجوا نبيهم من بين أظهرهم أو قتلوه أن ينزل العذاب بهم {وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً } أي: ما أجرى الله به العادة لم يتمكن أحد من تحويله ولا يقدر على تغييره. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ } قال: إمام هدى وإمام ضلالة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والخطيب في تاريخه عن أنس في الآية قال: نبيهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: بكتاب أعمالهم. وأخرج ابن مردويه عن عليّ في الآية قال: يدعى كل قوم بإمام زمانهم، وكتاب ربهم وسنّة نبيهم. وأخرج الترمذي وحسنه، والبزار، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ } قال: «حديث : يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه ويمدّ له في جسمه ستين ذراعاً ويبيض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون: اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا، حتى يأتيهم فيقول: أبشروا لكل رجل منكم مثل هذا، وأما الكافر فيسود وجهه ويمدّ له في جسمه ستين ذراعاً على صورة آدم، ويلبس تاجاً فيراه أصحابه فيقولون: نعوذ بالله من شر هذا، اللّهم لا تأتنا بهذا، قال: فيأتيهم فيقولون: اللهم اخزه، فيقول: أبعدكم الله، فإن لكل رجل منكم مثل هذا»تفسير : . قال البزار بعد إخراجه: لا يروى إلا من هذا الوجه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله: {وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ } يقول: من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرتي من خلق السماء والأرض والجبال والبحار والناس والدواب وأشباه هذا {فَهُوَ } عما وصفت له {فِى ٱلآخِرَةِ } ولم يره {أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً } يقول: أبعد حجة. وأخرج الفريابي، وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عنه نحو هذا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً يقول: من عمي عن قدرة الله في الدنيا فهو في الآخرة أعمى. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه أيضاً قال: إن أمية بن خلف وأبا جهل بن هشام ورجالاً من قريش أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: تعال فتمسح آلهتنا وندخل معك في دينك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتدّ عليه فراق قومه ويحب إسلامهم فرق لهم، فأنزل الله {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ } إلى قوله: {نَصِيراً}. وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن ياذان، عن جابر بن عبد الله مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر، فقالوا لا ندعك تستلمه حتى تستلم بآلهتنا، فقال رسول الله: "وما عليّ لو فعلت والله يعلم مني خلافه"؟ فأنزل الله: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن جبير بن نفير: أن قريشاً أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له: إن كنت أرسلت إلينا فاطرد الذين اتبعوك من سقاط الناس ومواليهم لنكون نحن أصحابك، فركن إليهم، فأوحى الله إليه {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: أنزل الله {أية : وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ } تفسير : [النجم: 1]. فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {أية : أَفَرَءيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ }تفسير : [النجم: 19]. فألقى عليه الشيطان: تلك الغراييق العلى. وأين شفاعتهم لترتجى، فقرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم ما بقي من السورة وسجد، فأنزل الله {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } الآية، فما زال مهموماً مغموماً حتى أنزل الله {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ }تفسير : الآية [الحج: 52]. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس: أن ثقيفاً قالوا للنبيّ: أجلنا سنة حتى يُهدى لآلهتنا، فإذا قبضنا الذي يهدى للآلهة أحرزناه ثم أسلمنا وكسرنا الآلهة فهمّ أن يؤجلهم، فنزلت {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ } الآية. وأخرج ابن جرير عنه في قوله: {ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ } يعني: ضعف عذاب الدنيا والآخرة. وأخرج البيهقي عن الحسن في الآية قال: هو عذاب القبر. وأخرج أيضاً عن عطاء مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم كانت الأنبياء تسكن الشام، فمالك والمدينة؟ فهمّ أن يشخص، فأنزل الله: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأرْضِ } الآية. وأخرج ابن جرير عن حضرمي أنه بلغه أن بعض اليهود فذكر نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر عن عبد الرحمٰن بن غنم، أن اليهود أتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن كنت نبياً فالحق بالشام، فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء، فصدّق النبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا، فتحرّى غزوة تبوك لا يريد إلاّ الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل بعدما ختمت السورة: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ } إلى قوله: {تَحْوِيلاً } فأمره بالرجوع إلى المدينة، وقال: فيها محياك وفيها مماتك ومنها تبعث، وقال له جبريل: سل ربك فإن لكل نبي مسألة فقال: "ما تأمرني أن أسأل؟" قال: {قُل رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَٱجْعَل لّى مِن لَّدُنْكَ سُلْطَـٰناً نَّصِيرًا } فهؤلاء نزلن عليه في رجعته من تبوك. قال ابن كثير: وفي هذا الإسناد نظر، والظاهر أنه ليس بصحيح، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يغز تبوك عن قول اليهود، وإنما غزاها امتثالاً لقوله: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مّنَ ٱلْكُفَّارِ } تفسير : [التوبة: 123]. وغزاها ليقتصّ وينتقم ممن قتل أهل مؤتة من أصحابه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلاْرْضِ } قال: همّ أهل مكة بإخراج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، وقد فعلوا بعد ذلك، فأهلكهم الله يوم بدر، ولم يلبثوا بعده إلاّ قليلاً حتى أهلكهم الله يوم بدر، وكذلك كانت سنّة الله في الرسل إذا فعل بهم قومهم مثل ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلَـٰفَكَ إِلاَّ قَلِيلاً } قال: يعني بالقليل: يوم أخذهم ببدر، فكان ذلك هو القليل الذين لبثوا بعده.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {يوم ندعوا كل أناسٍ بإمامِهمْ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: بنبيِّهم، قاله مجاهد. الثاني: بكتابهم الذي أنزل عليهم أوامر الله ونواهيه، قاله ابن زيد. الثالث: بدينهم، ويشبه أن يكون قول قتادة. الرابع: يكتب أعمالهم التي عملوها في الدنيا من خير وشر، قاله ابن عباس. الخامس: بمن كانوا يأتمرون به في الدنيا فيتبعونه في خير أو شر، أو على حق، أو باطل، وهو معنى قول أبو عبيدة. قوله عز وجل: {ومن كان في هذه أعمى..} يحتمل أربعة أوجه: أحدها: من كان في الدنيا أعمى عن الطاعة {فهو في الآخرة أعمى} عن الثواب. الثاني: ومن كان في الدنيا أعمى عن الاعتبار {فهو في الآخرة أعمى} عن الاعتذار. الثالث: ومن كان في الدنيا أعمى عن الحق {فهو في الآخرة أعمى} عن الجنة. الرابع: ومن كان في تدبير دنياه أعمى فهو تدبير آخرته أعمى {وأضل سبيلاً}.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِإِمَامِهِمْ}: نبيهم، أو كتابهم المنزل عليهم، أو بكتب أعمالهم من خير أو شر "ع"، أو بمن اقتدوا به في الدنيا.
ابن عادل
تفسير : لما ذكر كرامات الإنسان في الدُّنيا، شرح درجات أحواله في الآخرة. قوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُواْ}: فيه أوجه: أحدها: أنه منصوبٌ على الظرفية، والعامل "فضَّلنَاهُمْ" أي: فضَّلناهم بالثواب يوم ندعُو، قال ابن عطيَّة في تقريره: وذلك أنَّ فضل البشر على سائر الحيوان يوم القيامة بيِّنٌ، إذ هم المكلَّفون المنعَّمون المحاسبون الذين لهم القدرُ؛ إلا أنَّ هذا يردُّه أنَّ الكفار [يومئذٍ] أخسرُ مِنْ كلِّ حيوانٍ؛ لقولهم: {أية : يَٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} تفسير : [النبأ: 40]. الثاني: أنه منصوبٌ على الظرف، والعامل فيه "اذكُرْ" قاله الحوفيُّ وابن عطيَّة، وهذا سهوٌ؛ كيف يعمل فيه ظرفاً؟ بل هو مفعولٌ. الثالث: أنه مرفوعُ المحلِّ على الابتداء، وإنما بُنِيَ لإضافته إلى الجملة الفعلية، والخبر الجملة بعده، قال ابن عطيَّة في تقريره: ويصحُّ أن يكون "يوم" منصوباً على البناء، لمَّا أضيف إلى غير متمكِّنٍ، ويكون موضعه رفعاً بالابتداء، وخبره في التقسيم الذي أتى بعده في قوله "فَمنْ أوتِي كِتابَهُ" إلى قوله "ومَنْ كَانَ" قال أبو حيان: قولهُ "منصوبٌ على البناء" كان ينبغي أن يقول: مبنياً على الفتح، وقوله "لمَّا أضيف إلى غير متمكِّن" ليس بجيِّدٍ؛ لأنَّ المتمكِّن وغير المتمكِّن، إنما يكون في الأسماءِ، لا في الأفعالِ، وهذا أضيف إلى فعلٍ مضارع، ومذهبُ البصريين فيه أنه معربٌ، والكوفيون يجيزون بناءه، وقوله: "[والخبر] في التقسيم" إلى آخره، التقسيم عارٍ من رابطٍ يربط جملة التقسيم بالابتداء. قال شهاب الدين: الرابط محذوفٌ للعلم به، أي: فمن أوتي كتابه فيه. الرابع: أنه منصوب بقوله "ثُمَّ لا تجِدُوا" قاله الزجاج. الخامس: أنه منصوب بـ "يُعِيدكُمْ" مضمرة، أي: يعيدكم يوم ندعو. السادس: أنه منصوبٌ بما دلَّ عليه "ولا يُظلَمُونَ" بعده، أي: لا يظلمون يوم ندعو، قاله ابن عطية وأبو البقاء. السابع: أنه منصوب بما دلَّ عليه "متى هو". الثامن: أنه منصوبٌ بما تقدَّمه من قوله تعالى: {أية : فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ} تفسير : [الإسراء: 52]. التاسع: أنه بدلٌ من "يَوْمَ يَدْعُوكُمْ". وهذان القولان ضعيفان جدًّا؛ لكثرة الفواصل. العاشر: أنه مفعول به بإضمار "اذكر" وهذا - وإن كان أسهل التقادير - أظهر ممَّا تقدَّم؛ إذ لا بعد فيه ولا إضمار كثيرٌ. وقرأ العامة "نَدْعُو" بنون العظمة، ومجاهدٌ "يَدعُو" بياء الغيبة، أي: الله تعالى أو الملك، و "كُلَّ" نصْبٌ مفعولاً به على القراءتين. وقرأ الحسن فيما نقله الدَّانيُّ عنه "يُدعَى" مبنيًّا للمفعول "كُلُّ" مرفوعٌ؛ لقيامه مقام الفاعل، وفيما نقله عنه غيره "يُدْعَوْ" بضمِّ الياء، وفتح العين، بعدها واوٌ، وخرجت على وجهين: أحدهما: أن الأصل: "يُدْعَوْنَ" فحذفت نون الرفع، كما حذفت في قوله - صلوات الله وسلامه عليه -: "حديث : لا تَدْخلُوا الجَنَّة حتَّى تُؤمِنُوا، ولا تُؤمِنُوا حتَّى تَحابُّوا"تفسير : وقوله: [الرجز] شعر : 3446- أبِيتُ أسْرِي وتَبِيتِي تَدْلُكِي وجْهَكِ بالعَنْبَرِ والمِسْكِ الذَّكِي تفسير : و "كلُّ" مرفوع بالبدلِ من الواو التي هي ضميرٌ، أو بالفاعلية، والواو علامة على لغة "يَتعاقَبُون فِيكُمْ مَلائِكةٌ". والتخريج الثاني: أنَّ الأصل "يُدْعَى" كما نقله عنه الدَّاني، إلاَّ أنه قلب الألف واواً وقفاً، وهي لغة قومٍ، يقولون: هذه أفْعَوْ وعَصَوْ، يريدون: أفْعى وعَصَا، ثم أجري الوصل مجرى الوقفِ. و "كُلُّ" مرفوعٌ لقيامه مقام الفاعل على هذا، ليس إلا. قوله تعالى: {بِإِمَامِهِمْ} يجوز أن تكون الباء متعلقة بالدعاء، أي: باسم إمامهم، قال مجاهدٌ: بِنَبِيِّهِمْ. ورواه أبو هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً، فيقال: يا أمَّة فلانٍ، وقال أبو صالحٍ والضحاك: بِكتَابهمْ. وقال الحسنُ وأبو العاليةِ: بأعمَالِهمْ. وقال قتادة: بكتابهم الذي فيه أعمالهم؛ بدليل سياق الآية. وقوله تعالى: {أية : أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ} تفسير : [يس: 12]. وعن ابن عباس - رضي الله عنه - وسعيد بن جبيرٍ: بإمام زمانهم الذي دعاهم في الدنيا إلى ضلالٍ أو هدًى. قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} تفسير : [الأنبياء: 73] وقال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ} تفسير : [القصص: 41]. وقيل: بمعبودهم. وأن تكون للحالِ، فيتعلق بمحذوفٍ، أي: ندعوهم مصاحبين لكتابهم، والإمامُ: من يقتدى به، وقال الزمخشريُّ: "ومن بدعِ التفاسير: أن الإمام جمع "أمٍّ" وأنّ الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم، وأن الحكمة فيه رعايةُ حقِّ عيسى - صلوات الله عليه -، وإظهار شرف الحسن والحسين، وألاَّ يفضح أولادُ الزِّنى" قال: "وليت شعري أيُّهما أبدعُ: أصحَّة لفظه، أم بهاءُ حكمته؟". وهو معذورٌ لأنَّ "أم" لا يجمع على "إمام" هذا قول من لا يعرف الصناعة، ولا لغة العرب، وأمَّا ما ذكروه من المعنى، فإنَّ الله تعالى نادى عيسى - صلوات الله عليه - باسمه مضافاً لأمِّه في عدَّة مواضع من قوله {أية : يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ} تفسير : [المائدة: 110]، وأخبر عنه كذلك؛ نحو {أية : وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ}تفسير : [الصف: 6] وفي ذلك غضاضةٌ من أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه وكرَّم وجهه. قوله تعالى: {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ} يجوز أن تكون شرطية، وأن تكون موصولة، والفاء لشبهه بالشرط، وحمل على اللفظ أولاً في قوله {أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} فأفرد، وعلى المعنى ثانياً في قوله: "فأولَئِكَ" فجمع. لأن من أوتي كتابه في معنى الجمع. ثن قال: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً}. الفَتِيلُ: القشرة التي في شقِّ النَّواة، وسمِّي بذلك؛ لأنَّه إذا رام الإنسان إخراجهُ انفتل، وهذا مثلٌ يضرب للشَّيء الحقير التَّافهِ، ومثله: القطميرُ والنَّقير. والمعنى: لا ينقصون من الثواب بمقدار فتيلٍ ونظيره {أية : وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} تفسير : [مريم: 60] وروى مجاهدٌ عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: الفتيلُ هو الوسخُ الذي يفتلهُ الإنسانُ بين سبَّابته وإبهامه. وهو فعيلٌ بمعنى مفعولٍ. فإن قيل: لم خصَّ أصحاب اليمين بقراءة كتابهم، مع أنَّ أهل الشِّمال يقرءونه؟! فالجواب: الفرق بينهما أنَّ أهل الشِّمال، إذا طالعوا كتابهم، وجدوه مشتملاً على المهلكاتِ العظيمة، والقبائح الكاملة، والمخازِي الشديدة، فيستولي الخوف والدهشة على قلبهم، ويثقل لسانهم، فيعجزوا عن القراءةِ الكاملة، وأما أصحاب اليمين، فعلى العكس، فلا جرم أنَّهم يقرءون كتابهم على أحسن الوجوه، ثم لا يكتفون بقراءتهم وحدهم، بل يقولون لأهل المحشر: {أية : هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ} تفسير : [الحاقة: 19] فظهر الفرق.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [الآية: 71]. قال ابن عطاء: يوصل كل مريد إلى مراده، وكل محب إلى محبوبه، وكل مدعٍ إلى دعواه، ولكل مُنتمٍ إلى من كان ينتمى إليه. وقال الجنيد فى هذه الآية: يقولون لقوم يا عبيد الدنيا، ولقوم يا عبيد الأنفس، ولقوم يا طلاب الآخرة، ولقوم يا أصحاب الأعراض، ولقوم يا مُتبعى الأوامر، ولقوم يا ربانيين.
القشيري
تفسير : إمامُ كلِّ أحدٍ مَنْ يَقْتَدِي به، ولكن... مِنْ إمامٍ يهتدي به مُقْتَدِيه، ومن إمام يتردَّى به مقتديه. {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ}: لكمالِ صحوهم وقيادة عقلهم، والذين لا يؤتون كتابهم بيمينهم فهم لخوفِهم وتَرَدّدِهم لا يقرأون كتابهم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} امام كل عارف مقامه مع الله من حيث الاحوال والخطاب والقربة والوصال والمعارف والكواشف والعلوم والحكم فيدعو المحبين الى منازل المحبة ويدعو المشتاقين الى منازل الشوق ويدعو العاشقين الى منازل العشق ويدعوا العارفين الى منازل المعرفة ويدعو الموحدين الى منازل التوحيد وايضا يدعو المريدين باسماء مشائخهم ويدعوهم الى منازلهم قال ابن عطا يوصل كل مريد الى مراده وكل محب الى محبوبه وكل مدع الى دعواه وكل متمن الى ما كان يتمنى ثم هو سبحانه بين ان من لم يعرفه فى الدنيا لا يعرفه فى الاخرة كما قال امير المؤمنين على بن ابى طالب كرّم الله وجهه.
اسماعيل حقي
تفسير : {يوم ندعو} نصب باضمار اذكر على انه مفعول به {كل اناس}[هر كر وهى را ازبنى آدم] والاناس جمع الناس كما فى القاموس {بامامهم} اى بمن ائتموا به من نبى فيقال يا امة موسى ويا امة عيسى ونحو ذلك او مقدم فى الدين فيقال يا حنفى ويا شافعى ونحوهما او كتاب فيقال يا اهل القرآن ويا اهل الانجيل وغيرهما او دين فيقال يا مسلم ويا يهودى ويا نصرانى ويا مجوسى وغير ذلك. وفى التأويلات النجمية يشير الى ما يتبعه كل قوم وهو امامهم. فقوم يتبعون الدنيا وزينتها وشهواتها فيدعون يا اهل النيا.وقوم يتبعون الآخرة ونعيمها ودرجاتها فيدعون يا اهل الآخرة. وقوم يتبعون الرسول صلى الله عليه وسلم محبة لله وطلبا لقربته ومعرفته فيدعون يا اهل الله. وقيل الامام جمع ام كخف وخفاف والحكمة فىدعوتهم ومهاتهم اجلال عيسى عليه السلام وتشريف الحسنين رضى الله عنهما اذ فى نسبتهما الى امهما اظهار انتسابهما الى رسول الله صلى الله عليه وسلم نسبا بخلاف نسبتهما الى ابيهما والستر على اولاد الزنى وينصره ما روى عن عائشة رضى الله عنها وابن عباس رضى الله عنهما ان النبى عليه الصلاة والسلام قال "حديث : ان الله يدعو الناس يوم القيامة بامهاتهم سترا منه على عباده"تفسير : كما فى بحر العلوم ويؤديه ايضا حديث التلقين حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اذا مات احد من اخوانكم فسويتم عليه التراب فليقم احدكم على رأس قبره ثم ليقل يا فلان ابن فلانة فانه يسمعه ولا يجيب ثم يقول يا فلان ابن فلانه فانه يستوى قاعدا ثم يقول يا فلان ابن فلانة فانه يقول ارشدك الله رحمك الله ولكن لا تشعرون فليقل اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة ان لا اله الا الله وان محمدا عبده ورسوله وانك رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وبالقرآن اماما وبالكعبة قبلة فان منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه يقول انطلق لا تقعد عن من لقن حجته فيكون حجيجه دونهما" فقال رجل يا رسول الله فان لم يعرف اسم امه قال "فلينسبه الى حواء"تفسير : ذكره الامام السخاوى فى المقاصد الحسنة وصححه باسانيده وكذا الامام القرطبى فى تذكرته وفهم منه شيآن الاول استحباب القيام وقت التلقين والثانى ان المرء يدعى باسمه واسم امه لا باسم ابيه ولكن جاء فى احاديث المقاصد والمصابيح انه عليه السلام قال "حديث : انكم تدعون يوم القيامة باسمائكم واسماء آبائكم"تفسير : ولعله لا يخالف ما سبق فانه ورد ترغيبا فى تحسين الاسماء وتغيير القبيح منها اذ كانوا يسمون بالاسماء القبيحة على عادة الجاهلية مثل المضطجع واصرم وعاصية ونحوها وكان عليه السلام يغير القبيح الى الحسن فغير اصرم وهو الصرم بمعنى القطع الى زرعة وهو بالضم والسكون قطعة من الزرع كأنه قال لست مقطوعا بل انت منبت متصل بالاصل وغير المضطجع الى المنبعث وعاصية الى جميلة {فمن} [هركه را] {اوتى} [داده شود] يومئذ من اولئك المدعوين {كتابه} صحفه اعماله {بيمينه} وهم السعداء وفى ايتاء الكتاب من جانب اليمين تشريف لصاحبه وتبشير {فاولئك} الجمع باعتبار معنى من {يقرأون كتابهم} قراءة ظاهرة مسرورين وينتفعون بما فيه من الحسنات ولم يذكر الاشقياء وان كانوا يقرأون كتبهم ايضا لانهم اذا قرأوا ما فيها لم يفصحوا به خوفا وحياء وليس لهم شئ من الحسنات ينتفعون به {ولا يظلمون} الى لا ينقصون من اجور اعمالهم المرتسمة فىكتبهم بل يؤتونها مضاعفة {فتيلا} اى قدر فتيل وهو ما يفتل بين اصبعين من الوسخ او القشرة التى فى شق النواة او ادنى شئ فان الفتيل مثل فى القلة والحقارة {ومن} [وهركه} اى من المدعوين المذكورين {كان فى هذه} الدنيا {اعمى} اعمى القلب لا يهتدى الى رشده. يعنى {دلش راه صواب نه بيند] {فهو فى الآخرة اعمى} لا يرى طريق النجاة لان العمى الاول موجب للثانى فالكافر لا يهتدى الى طريق الجنة والعاصى الى ثواب المطيع والقاصر الى مقامات الكاملين {واضل سبيلا} من الاعمى فى الدنيا لزوال الاستعداد وتعطل الاسباب والآلات وفقدان المهلة. قال فى التأويلات النجمية {فمن اوتى كتابه بيمينه} فهو اهل السعادة من اصحاب اليمين وفيه اشارة الى ان السابقين الذين هم اهل الله تعالى لا يؤتون كتابهم كما لا يحاسبون حسابهم {فاولئك يقرأون كتابهم} لانهم اصحاب البصيرة والقراءة والدراية {ولا يظلمون فتيلا} فى جزاء اعمالهم الصالحة وفيه اشارة الى ان اهل الشقاوة الذين هم اصحاب الشمال لا يقرأون كتابهم لانهم اصحاب العمى والجهالة {ومن كان فى هذه اعمى} اى فى هذه القراءة والدراية بالبصيرة اعمى فى الدنيا لقوله {فانها لا تعمى الابصار} الآية {فهو فى الآخرة اعمى} لان يوم تبلى السرائر تجعل الوجوه من السرائر فمن كان فى سريرته اعمى ههنا يكون ثمة فى صورته اعمى للمبالغة لان عمى السريرة ههنا كان قابلا للتدارك وقد خرج ثمة الامر من التدارك فيكون اعمى عن رؤية الحق {واضل سبيلا} فى الوصول اليه لفساد الاستعداد واعزاز التدارك انتهى. يقول الفقير ان قلت هل يحصل الترقى والتيقظ لبعض الافراد بعد الموت الصورى. قلت ان السالك الصادق فى طلبه اذا سافر من مقام طبيعته ونفسه فمات فى الطريق اى بالموت الاضطرارى قبل ان يصل الى مراده بالموت الاختيارى فله نصيب من اجر الواصلين واليه الاشارة بقوله تعالى {أية : ومن يخرج من بيته مهاجرا الى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع اجره على الله}تفسير : كما قال بعض الكبار من مات قبل الكمال فمراده يجيئ اليه كما ان من مات فى طريق الكعبة يكتب له اجر حجين انتهى اشار الى ان الله تعالى قادر على ان يكمله فى عالم البرزخ بواسطة روح من الارواح او بالذات فيصير امره بعد النقصان الموهوم الى الكمال المعلوم وقد ثبت فى الشرع ان الله تعالى يوكل ملكا لبعض عباده فى القبر فيقرئه القرآن ويعلمه اى ان كان قد مات اثناء التعلم. واما غير السالك فلا يجد الترقى بعد الموت اى بالنسبة الى معرفة الحق اذ من المتفق شرعا وعقلا وكشفا ان كل كمال لم يحصل للانسان فى هذه النشأة وهذى الدار فانه لا يحصل له بعد الموت فى الدار الآخرة كما فى الفكوك فما يدل على عدم الترقى بعد الموت من قوله تعالى {أية : ومن كان فى هذه اعمى فهو فى الآخرة اعمى}تفسير : انما هو بالنسبة الى معرفة الحق لا لمن لا معرفة له اصلا فانه اذا انكشف الغطاء ارتفع العمى بالنسبة الى دار الآخرة ونعيمها وجحيمها والاحوال التى فيها واما قوله عليه السلام "حديث : اذا مات ابن آدم انقطع عمله"تفسير : فهو يدل على ان الاشياء التى يتوقف حصولها على الاعمال لا تحصل وما لا يتوقف عليها بل يحصل بفضل الله ورحمته فقد يحصل وذلك من مراتب الترقى كما فى شرح الفصوص للمولى الجامى قدس سره فقوله تعالى {أية : ليس للانسان الا ما سعى}تفسير : ليس معناه ان ما يحصل للانسان مقصور على سعيه بل معناه ليس للانسان الا ما يمكن ان يكون بسعيه فما يمكن ان يكون بسعيه فهو بسعيه والباقى فضل من الله تعالى كالسعى فى مرتبة الملك. واما الملكوت فلا يمكن الا بمحض فضل الله فلا مدخل فيه للسعى كما فى الواقعات المحمودية. فعلى العاقل ان يسعى فى تحصيل البصيرة قبل ان يخرج من الدنيا ويكون من الذين يشاهدون الله تعالى فى كل مرآة من المرايا: وفى المثنوى شعر : اين جهان برآ فتاب ونوره ماه او بهشته سرفرو برده بجاه كه اكر حقست كوآن روشنى سربر آر ازجاه بنكر اى دنى جمله عالم شرق وغرب آن نوريافت تاتودر جاهى نخواهد برتوتافت جه رها كن رو بايوان وكروم كم هتيزا ينجا بدان كاللج شوم اى بسابيدار جشم وخفته دل خودجه بيند جشم اهل آب وكل وانكه دل بيدار ودارد جشم سر ربخسبد بر كشايد صد بصر كرتو اهل دل نه بيدار باش الب دل باش ودربيكار باش وردلت بيدار شدمى خسب خوش ست غائب ناظرت ازهفت وشش كفت بيغمبركه خسبد جشم من يك كى خسبد دلم اندر وسن شاه بيدارست حارس خفته كير ان فداى خفتكان دل بصير
ابن عجيبة
تفسير : قلت: يجوز في {أعمى} - الثاني -: أن يكون وصفًا كالأول، وأن يكون من أفعل التفضيل، وهو أرجح؛ لعطف "وأضل" عليه، الذي هو للتفضيل. وقال سيبويه: لا يجوز أن يقال: هو أعمى من كذا، وإنما يقال: هو أشد عمى، لكن إنما يمتنع ذلك في عمى البصر، لا في عمى القلب. قاله ابن جزي. يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكر {يوم ندعو كلَّ أناس بإِمامهم}؛ بنبيهم. فيقال: يا أُمَّةَ فلان، يا أمة فلان، احضروا للحساب. أو: بكتاب أعمالهم، فيقال: يا صاحب الخير ويا صاحب الشر، فهو مناسب لقوله: {فمن أُوتي...} الخ. وقال محمد بن كعب القرظي: بأسماء أمهاتهم، فيكون جمع "أم"، كخف وخفاف، لكن في الحديث: "حديث : إِنكُم تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ بأسمَائِكُمْ وأسمَاءِ آبَائِكًمْ"تفسير : ، ولعل ما قاله القرظي مخصوص بأولاد الزنا. وفي البيضاوي: قيل: بأمهاتهم، والحكمة في ذلك: إجلال عيسى وإظهار شرف الحسن والحسين، وألا يُفتضح أولاد الزنى. هـ. وقال أبو الحسن الصغير: قيل لأبي عمران: هل يدعى الناس بأمهاتهم يوم القيامة أو بآبائهم؟ قال: قد جاء في ذلك شيء أنهم يدعون بأمهاتهم فلا يفتضحوا. وفي البخاري - باب يدعى الناس بآبائهم -، وساق حديث ابن عمر: "حديث : يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ. يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلاَنٍ ابنُ فُلاَن"تفسير : ، فظاهر الحديث أنهم يدعون بآبائهم، وهو الراجح، إلا فيمن لا أب له. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى: {فمن أوتي كتابه بيمينه} أي: فمن أوتي صحيفة أعماله، يومئذ، من أولئك المدعوين بيمينه؛ إظهارًا لخطر الكتاب، وتشريفًا لصاحبه، وتبشيرًا له من أول الأمر، {فأولئك يقرؤون كتابهم} المؤتى لهم. والإشارة إلى "مَن": باعتبار معناها؛ لأنها واقعة على الجمع؛ إيذانًا بأنهم حزب مجتمعون على شأنٍ جليل، وإشعارًا بأن قراءتهم لكتبهم يكون على وجه الاجتماع، لا على وجه الانفراد؛ كما في حال الدنيا. وأتى بإشارة البعيد؛ إشعارًا برفع درجاتهم، أي: أولئك المختصون بتلك الكرامة، التي يُشْعِرُ بها الإيتاء المذكور، يقرأون كتابهم {ولا يُظلمون فتيلاً}؛ ولا ينقصون من أجور أعمالهم المرسومة في صحيفتهم أدنى شيء، فإن الفتيل - وهو: قشر النواة - مَثلٌ في القلة والحقارة. ثم ذكر أهل الأخذ بالشمال فقال: {ومَن كان في هذه} الدنيا، التي فَعَل بهم ما فعل من فنون التكريم والتفضيل، {أعمى}؛ فاقد البصيرة، لا يهتدي إلى رشده، ولا يعرف ما أوليناه من نعمة التكرمة والتفضيل، فضلاً عن شكرها والقيام بحقوقها، ولا يستعمل ما أودعنا فيه؛ من العقل والقوى، فيما خلق له من العلوم والمعارف، {فهو في الآخرة أعمى} كذلك، لا يهتدي إلى ما ينجيه مما يرديه؛ لأن النجاة من العذاب والتنعم بأنواع النعم الأخروية مرتب على العمل في الدنيا، ومعرفة الحق، ومن عمي عنه في الدنيا فهو في الآخرة أشد عمى عما ينجيه، {وأضلُّ سبيلاً} عنه؛ لزوال الاستعداد الممكن لسلوك طريق النجاة. وهذا بعينه هو الذي أخذ كتابه بشماله، بدلالة ما سبق من القبيل المقابل، ولعل العدول عن التصريح به إلى ذكره بهذا العنوان؛ للإشعار بالعلة الموجبة له، فإنَّ العمى عن الحق والضلال هو السبب في الأخذ بالشمال، وهذا كقوله في الواقعة: {أية : وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ}تفسير : [الواقِعَة: 92]، بعد قوله: {أية : وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ} تفسير : [الواقِعَة: 90]. والله تعالى أعلم. الإشارة: يدعو الحق تعالى، يوم القيامة، الأمم إلى الحساب بأنبيائها ورسلها، ثم يدعوهم، ثانيًا، للكرامة بأشياخها وأئمتها التي كانت تدعوهم إلى الحق على الهَدْي المحمدي. فيقال: يا أصحاب فلان، ويا أصحاب فلان، اذهبوا إلى الجنة، لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون. وهذا في حق أهل الحق والتحقيق، الدالين على سلوك الشريعة، والتمسك بأنوار الحقيقة؛ ذوقًا وكشفًا، فكل من تبعهم وسلك منهاجهم، كان من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وهم: أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وأما من لم يكن من حزبهم، ولم يدخل تحت تربيتهم، فإن استعمل عقله وقُواه فيما يُنجيه يوم القيامة؛ كان من الذين يُؤتون كتابهم بيمينهم، ولا يظلمون فتيلاً. ومن أهمل عقله واستعمل قواه في البطالة والهوى، كان من القبيل الذي عاش في الدنيا أعمى، ويكون في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً، والعياذ بالله. ثمَّ ذكر نوعاً من هذا القبيل الذي أعمى الله بصيرته
الجنابذي
تفسير : {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} الامام من يؤتمّ به ويقتدى بسيرته ويؤتمر بامره ويتّبع اثره سواء كان حقّاً ام باطلاً، مشهوداً بالحواسّ البشريّة ام غير مشهودٍ، آمراً بحسب الظّاهر او بحسب الباطن، لسان القال او بلسان الحال، فيشمل ائمّة الحقّ والجور ممّن ترأّس فى الدّنيا او اتحل التّرأّس فى الدّين او جعلوه رئيساً من غير شعوره بذلك من السّلاطين والامراء وخلفاء الجور والكواكب والاصنام والابالسة والاهواء، وفى الاخبار اشعارٌ بالتّعميم وان كان بعض الاخبار يفسّر الامام بامام حقٍّ فى كلّ زمانٍ {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}. اعلم، انّ للّنفس الانسانيّة صفحتين سفليّة وعلويّة؛ والسّفليّة بأيدى الشّياطين والعلويّة بأيدى الملائكة، فان كان عمل العبد من جهة الايتمام بامام حقّ كان مصدره جهتها العلويّة بامداد الملائكة وكان نزول صورة ذلك العمل من تلك الجهة الى الخيال المشابه فى العالم الصّغير لعالم المثال فى العالم الكبير ثمّ منه الى المدارك الظّاهرة والقوى المحرّكة ثمّ يصعد صورة ذلك العمل من طريق المدارك الظّاهرة الى الخيال ثمّ تثبت فى الجهة الّتى صدرت عنها ثمّ لمّا كان لتلك الجهة ظلّ نورانىّ وهو الكتاب الّذى بيد كاتب الحسنات فيثبت صورة العمل كاتب الحسنات فى ذلك الكتاب وهى ثابتة فيه وفى صفحة النّفس ما لم يأت العبد بما يمحوها او يخرقها مدّخرة له الى يوم القيامة وحينئذٍ يلقاه العبد كتاباً منشوراً مثبتاً جميع ما عمله من خير، وان لم يكن عمله من جهة الايتمام بامام حقٍّ كان عمله من جهة الايتمام بامامٍ باطلٍ من الاناسىّ والابالسة والاهواء فكان مصدره الجهة السّفلية للنّفس بامدادالشّياطين وكان نزول صورة ذلك العمل من تلك الجهة الى الخيال ثمّ الى المدارك ثمّ الى القوى المحرّكة ثمّ تصعد منها الى الخيال ثمّ الى ما نزلت منه فتثبت فيه، ولمّا كان لتلك الجهة ايضاً ظلّ ظلمانىّ وهو الكتاب الّذى بيد كاتب السّيئات فيثبت صورة ذلك العمل كاتب السّيّئات فى ذلك الكتاب وهى ثابتة فيه وفى صفحة نفسه ما لم يأت ما يبدّلها او يمحوها او يغفرها مدّخرة له الى يوم القيامة وحينئذٍ يلقاه كتاباً منشوراً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الاّ احصيها، ولمّا كان هاتان الجهتان معبّرتين باليمين والشّمال وهو يلقى الكتاب العلوىّ من جهته العلويّة وكتابه السّفلىّ من جهته السّفليّة، وايضاً يرد كتابه العلوىّ الّذى هو ظلّه النّورانىّ الى ما هو ظلّ له وكتابه السّفلىّ الى ما هو ظلّ له فهو يؤتى كتابه بيمينه وشماله فمن اوتى كتابه بيمنه فيقول تبجّحاً {أية : هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ} تفسير : [الحاقة:19]، ومن اوتى كتابه بشماله فيقول تحسّراً: يا ليتنى لم اوت كتابيه {فَأُوْلَـٰئِكَ يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ} فانّهم يبصرون ولا يكونون عمياناً ولا يرون فى كتابهم ما يستحيون من قراءته {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} الفتيل المفتول الذّى فى شقّ النّواة يعنى لا ينقصون من اجورهم شيئاً.
الأعقم
تفسير : {يوم ندعوا} يوم القيامة {كل أناس بإمامهم}، قيل: إمَامَه نبيه، وقيل: إمَامَه كسب أعمالهم، وقيل: بكتابهم الذي أنزل الله عليه اليهم فيه الحلال والحرام فيقال: يا أهل التوراة يا أهل القرآن يا أهل الانجيل {فمن أوتي كتابه} يعني صحائف أعمالهم، قوله تعالى: {فأولئك يقرأون كتابهم ولا يظلمون} ولا يبخسون حقهم {فتيلاً}: هو المفتول الذي في شق النواة {ومن كان في هذه أعمى}، قيل: هذه إشارة إلى ما قد تقدم من النعم أي في هذه النعم التي عددناها، وقيل: في هذه الدنيا وأمورها، يعني من كان في هذه الدنيا أعمى عن آيات الله واعتقاده {فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً}، وقيل: من كان في هذه الدنيا ضالاً فهو في الآخرة أعمى وأضلّ سبيلاً {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره} اختلف في نزولها قيل: نزلت في قريش قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لا ندع لسلم بالحجر الأسود حتى تلم بآلهتنا، فحدث نفسه وقال: "ما علي أن ألمّ بها والله يعلم اني لها كاره" فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقيل: سألوه ذكر آلهتهم، وقيل: قالوا: كف عن شتم آلهتنا وتسفيه أحلامنا، وتطرد هؤلاء الأعْبُد حتى نجالسك، وقيل: انهم خلوا به ليلةً يكلمونه ويسألونه فما زالوا به حتى كاد يقاربهم فنزلت، وقيل: نزلت في وفد ثقيف وهم ثمانون راكباً، قالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال: لا ننحني في الصلاة، ولا يكسر أصنامنا غيرنا بأيدينا، وتمتعنا باللات سنة، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود، فأما كسرها بأيديكم فذلك لكم، وأما اطالت اللات فاني ممتعكم بها" تفسير : وقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتوضأ فما زالوا به حتى أنزل الله تعالى هذه الآية، وان كادوا قربوا وهمّوا أن يفتنوك ويضلوك عن الذي أوحينا اليك يعني القرآن، وقيل: وفد ثقيف، وقيل: طرد الفقراء {لتفتري علينا غيره} أي يصرفونك عن القرآن لتختلق علينا الكذب {وإذاً لاتخذوك خليلاً} من الخلة التي هي المودة فبين أنه لولا لطف الله لقرب من اجابتهم، {إذاً لأذقناك ضعف} حياة الدنيا وضعف عذاب الآخرة لعظم ذلك {ثم لا تجد لك علينا نصيراً} أي ناصراً ينصرك، وروي أن هذه الآية لما نزلت قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين" تفسير : {وإن كادوا ليستفزُّونك من الأرض} قيل: نزلت في أهل مكة همّوا باخراج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من مكة، وقوله: ليستفزونك ليزعجونك بعدوانهم ومكرهم من أرض مكة، {وإذاً لا يلبثون خلافك} لا يبقون بعد اخراجك {إلا قليلاً} فان الله مهلكهم، وكان كما قال: فقد أهلكوا ببدر بعد الاخراج بقليل ولم يخرجوه بل هاجر خوفاً من ربه، وقيل: من أرض العرب، وقيل: من أرض المدينة فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لما هاجر حسده اليهود وكرهوا قربه منهم فاجتمعوا اليه وقالوا: يا أبا القاسم ان الانبياء انما بعثوا بالشام وهي بلاد مقدسة، وكانت مهاجر ابراهيم، فلو خرجت إلى الشام لآمنا بك وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم، فانا مانعك منهم.... رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عازماً على الخروج إلى الشام لحرصه على دخول الناس في الاسلام، فنزلت فرجع (صلى الله عليه وآله وسلم) {سنّة من قد أرسلنا} يعني أن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين أظهرهم فسنّة الله أن يهلكوا بعذاب الاستئصال، وقيل: سنته أن يحفظ رسله ويعصمهم حتى يبلغوا رسالاته {ولا تجد لسنتنا تحويلاً} ما أراد الله أن يجري العادة لا يتهيّأ لأحد أن يغلبه من ارسال رسول واستئصال قوم.
الهواري
تفسير : قوله: { يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ}. أي: بكتابهم، أي: ما نسخت عليهم الملائكة من أعمالهم. وقال بعضهم: {بِإِمَامِهِمْ} أي: بنبيّهم قال: {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ} وقد فسّرناه قبل هذا الموضع { وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} وقد فسّرناه في سورة النساء. قوله: { وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الأَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً} قال بعضهم: من كان في هذه الدنيا أعمى، أي: عما عاين فيها من نعم الله وخلقه وعجائبه فيعلم أن له معاداً وأشباه هذا مما جعله الله تبصرة للعباد فيعلمون أن البعث حق، فهو فيما يغيب عنه من أمر الآخرة أعمى وأضل سبيلاً، أي: وأضل طريقاً. وقال الحسن: من كان في هذه الدنيا أعمى، وهو الكافر عمي عن الهدى، فهو في الآخرة أعمى في الحجة، أي: ليست له حجة. كقوله: (أية : لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى)تفسير : [طه:125]. قوله: {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ} أي: ليضلونك. وقال بعضهم: ليصدونك { عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} أي: القرآن {لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} أي: لو فعلت. وذلك أن المشركين خلوا بنبي الله عليه السلام بمكة ليلة حتى الصباح فقالوا: يا محمد، إن الذي جئت به لم يجيء به أحد من قومك، ورفقوا به، وقالوا له: كُفَّ عن شتم آلهتنا وذمّها وانظر في هذا الأمر، فإن هذا لو كان حقاً لكان فلان أَحقَّ به منك، وفلان أحق به منك. فأنزل الله: {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ...} الآية. قوله: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ} أي: بالنبوة، أي: عصمناك بها { لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لأَذَقْنَاكَ} لو فعلت { ضِعْفَ الحَيَاةِ} أي: عذاب الدنيا {وَضِعْفَ المَمَاتِ} أي: عذاب الآخرة { ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} أي: فينتصر لك بعد عقوبتنا إياك.
اطفيش
تفسير : {يَوْمَ} ومفعول لمحذوف أى اذكر يوم أو ظرف لمحذوف دل عليه لا يظلمون فتيلا أى لا يظالمون يوم والوجه الأَول أظهر ويجوز تعليقه بفضلنا وعلى هذا الوجه الأَخير يكون المراد تفصيل المؤمنين فعبر بالمجموع أو يقدر مضاف أى وفضلنا بعضهم يوم الخ بإِتيان الكتب فى الإِيمان وإِدخال الجنة وهذه فضيلة على أهل النار وعلى من لا يدخل الجنة ولا النار وعلى من يدخلها غير متلذذ ولا متأَلم بهما كالملائكة فإِن منهم خزنة النار وخزنة الجنة وخدم أهلها وذلك اليوم هو يوم القيامة. {نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ} وقرئ يدعى بالبناء للمفعول وقرئ يدعو كذلك لكن بقلب الأَلف واواً وفتح العين كما فى الذى قبله وعلى القراءتين برفع كل على النيابة ويجوز على الأَخير أن يكون الواو علامة جماعة وكل نائب وأن يكون نائباً وكل بدلا وعلى هذين الوجهين فى هذا الوجه الأَخير حذفت نون الرفع تخفيفاً لقلة المبالاة بها إِذ ليست لها علامة رفع. {بِإِمَامِهِمْ} بمن يقتدرو، به من جائر وعادل فيقال يا أتباع محمد، يا أتباع أبى لهب، يا أتباع أبى جهل، يا أتباع فرعون، وبما يقتدرون به، يا أتباع القرآن، يا أتباع الإِنجيل، يا أتباع التوراة، ونحو ذلك وقد فسر بعضهم الإِمام بالنبى والمقدم فى الدين، وابن زيد بالكتاب، والحسن وابن عباس بالدين، وبعض بكتاب الأَعمال يا أصحاب كتاب الخير، يا أصحاب كتاب الشر، وقد قرأ الحسن يوم ندعو كل أناس بكتابهم، وابن عباس فى رواية بمن يقتدرون من مضل أو هاد وبعض بمعبودهم وعن مجاهد وقتادة بنبيهم، وقيل بالقوى الحاملة لهم على عقائدهم وأفعالهم ينقطع نسب الإِنسان يومئذ ويبقى نسب العمل والديانة وقيل الإِمام جمع أم كخف وخفاف، يقال يا فلان عن فلانة إِجلالا ليس عليه السلام لأَنه لا أب له وإِظهار الشرف الحسن والحسين ليذكروا بالنبى - صلى الله عليه وسلم - بعد فاطمة، فيقال يا حسين ابن فاطمة بنت محمد، ولئلا يفتضح أولاد الزنا المؤمنون، وذكر فى الكشاف أن هذا من يدع التفاسير وعاب قليله والذى فى بعض الأَخبار أن الإِنسان يدعى يا فلان بن فلان والتفسير بكتاب الأَعمال أشد مناسبة لقوله سبحانه وتعالى. {فَمَنْ أُوْتِىَ} من المدعوين. {كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} وهو كتاب عمله. {فَأُولَئِكَ} إِشارة إِلى من باعتبار معناهَا. {يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ} الإِضافة للاستغراق أى كتبهم وإِن قلت كذلك من أوتى كتابه بشماله يقرأه قلت تتم فائدة الكلام بمحذوف أى يقرءون كتابهم فرحين مسرورين بما فيه مفتخرين به ذاكرين له ومن يؤته بشماله على عكس ذلك أو تتم بالمعنى لأَن المعنى يقرءون كتابهم قراءة تامة بينة ولا يقنع القارئ بقراءته حتى يذكره كما مر لأَهل المحشر، ويقول: هاؤم اقرأوا كتابيه بخلاف من يؤتى بشماله فيشغله الدهش والخجل والحيرة فيعجزون عن إِقامة الحروف فتكون قراءتهم كلا قراءة أو تتم فائدة الكلام بقوله: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} لأَن معناه لا ينقصون من أجورهم أدنى شئ ولا أجر لمن يؤتى كتابه بشماله فى الآخرة والفتيل ما يكون فى شق النوى وفسره بعضهم بقشرة النوى، وعلى كل حال المراد التمثيل بالقلة لا حقيقة مقدار الفتيل لأَنهم لا يظلمون فتيلا ولا أقل وفتيلا مفعول ثان لأن الظلم بمعنى النقص ويجوز تعديته لاثنين أو مفعول مطلق نائب عن الظلم أى لا يظلمون ظلماً ما، ولك أن تقول لما ذكرت قراءة السعداء كتابهم فى ذلك اللوح وأشار أن الأَشقياء يقرءونها كلا قراءة من حيث أنها قراءة خفية غير تامة الحروف وغير مفيدة للخير بقوله: {وَمَن كَانَ فِى هَذِهِ} أى فى هذه الدار وهى الدنيا. {أعْمَى} عن الحق لا يراه بقلبه شبه فساد قلبه بعمى العينين وأعمى صفة مشبهة كأَحمر وأسود وأعور وأشل، رويت عن شيخى فى قراءة التوضيح وغيره أن اسم التفضيل لا يبنى من العيوب والأَلوان. قال سيبويه لا يقال أعمى من كذا {فَهُوَ فىِ الآخِرَةِ أعْمَى} لا يدرى طريق النجاة والأَعمى لا يقرأ الكتاب هذا هو التلويح بأَن الشقى يقرأ كتابه قراءة كلا قراءة: حيث شبه بالأَعمى الذى هو فاقد إِحساس العين، وأعمى هذا أيضاً صفة مشبهة كالأَولى ومعناهما عمى، وقيل فى الثانى أنه اسم تفضيل أى أشد عمى وحيرة لأَنه قد باشر الخيبة ورأى مخايل العذاب على أن العمى عمى القلب فى الموضعين لكن الأَول صفة مشبهة على معنى أن من كان عمياً فى الدنيا من جهة دينه فهو أشد عمى فى الآخرة على أنه لا مانع من كونهما معاً اسمى تفضيل، كأَنه قيل من بالغ فى الضلال عن الحق فى الدنيا أصابه البعد عن النجاة فى الآخرة على قدر ذلك. قال الصفاقصى: قول سيبويه لا يقال أعمى من كذا إِنما هو فى عمى العين الذى لا تفاضل فيه، وأما عمى القلب فيقال ذلك لأَنه يقع فيه التفاضل كقولك أجهل وأبله، ويدل على الثانى اسم تفضيل عدم إِمالة أبى عمر ويعقوب إِياه فإِن اسم التفضيل إِتمامه بمن كانت ألفه فى حكم المتوسطة بخلاف أعمى الذى هو صفة مشبهة فإِن ألفه فى الطرف إِذ لا تقدر من بعده ولا تذكر وهى معرضة للإِمالة من حيث أنها تصير ياء فى التثنية، فإِن ذلك أخلصا فتحة الثانى ولم يميلاه وأمالا الأَول، وأمالهما جميعاً حمزة والكسائى وأبو بكر وقرأ ورش عن نافع فيهما بإِمالة خفيفة حقية بين بين وأخصل الباقون الفتح فيهما. {وَأَضَلُّ سَبِيلاً} فى الآخرة منه فى هذه الدار لزوال الاستعلال وفقد الآلة والمهلة فإِن الآخرة ليست دار عمل ولا تقبل فيها توبة. قال ابن إِسحاق وغيره المجتمع المشركون القريشيون فى مكة إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة إِلى الصباح، وقالوا له: أنت سيدنا ولكن أقبل على بعض أمرنا ونقبل على بعض أمرك. وقالوا يا محمد: إِنما جئت به لم يجئ به أحد من قومك ورفقوا به، وقالوا: كف عن شتم آلهتنا وذمها، انظر فى هذا الأَمر فإِن هذا لو كان حقاً لكان فلان أولى به منك، وفلان أحق به منك، فنزل قوله تعالى: {وَإِن} مخففة من الثقيلة {كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ} اللام للفرق بين النفى والإِثبات وكذا فى وإِن كادوا يستغفرونك {عَنِ الَّذِى أوْحَيْنَا} أى ليصرفونك عن متابعة القرآن أو الوحى الذى أوحينا {إِلَيْكَ} وكل من القرآن وسائر الوحى يتضمن التوحيد والأَحكام الشرعية {لِتَفْتَرِىَ} تكذب. {علَيْنَا غَيْرَهُ} من إِثبات الشركاء وعبادتها تعالى الله عن ذلك وهو أمرهم الذى أرادوا أن يقبل على بعضه، وقال سعيد ابن جبير ومجاهد: قالوا لا ندعك تستلم الحجر الأَسود حتى تمس أيضاً أوثاننا على معنى التشرع، فحدث نفسه ماذا على أن أفعل ذلك والله يعلم أنى لها كاره، فنزلت الآية وقيل إِنهم قالوا له: اجعل لنا آية رحمة، آية عذاب، وآية عذاب آية رحمة حتى نؤمن بك، فنزلت. وقال ابن عباس وغيره: نزلت فى شأْن ثقيف لما قالوا لا ندخل فى أمرك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب لا نعش، بالبناء للمفعول والتشديد أى لا يؤخذ منا العش ولا نحشر بإِسكان الحاء والبناء للمفعول أى لا نجمع إِلى غزوة ولا ندعى إِليها ولا نحيى بالبناء للمفعول والتشديد، أى لا نؤمر بالركوع وقيل بالسجود يعنون أن تسقط عنهم الصلاة. وروى لا نحيى فى صلاتنا أى لا نركع أو لا نسجد وكل رب لنا فهو لنا وكل رب علينا فهو موضوع عنا وإِن تمتعنا باللات سنة نعبدها وروى أن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها وإِنما نريد أن نأْخذ ما يهدى لها ونكسرها بأَيدينا رأس الحول، وتحرم وادينا وهو وج كما حرمت مكة لا يعضد شجرنا نحب أن تسمع العرب أنك قد أعطيتنا ما لم تعط غيرنا فإِذا سأَلتك العرب لم فعلت ذلك. فقل: إِن الله أمرنى به. وفى رواية وإِن خشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا فقل: الله أمرنى بذلك وسكت فطمعوا، ونزلت الآية وروى حديث : أنه لما تم كلامهم وسكت جاءوا بكتابهم وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كاتباً فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا محمد - صلى الله عليه وسلم - من كتاب وسلم لثقيف لا يعشرون ولا يحشرون، فقالوا ولا يجيبون فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال للكاتب: اكتب ولا يجيبون، والكاتب ينظر إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام عمر رضى الله عنه فسل سيفه وقال: أسعرتم قلب نبينا يا معشر ثقيف أسعر الله قلوبكم ناراً. فقالوا: لسنا نكلم لك، إِنما نكلم محمداتفسير : . فنزلت قلت سيدنا محمد رسول الله أبعد من أن يكتب لهم لا يعشرون وأشد بعداً أن يكتب لهم لا يجيبون، وإِنما الذى صح أنه قال: لا خير فى دين ركوع فيه ولا سجود، وأما تكسير أصنامكم بأيدكم فذلكم، وأما الطاغية يعنى اللات فإِنى غير ممتعكم بها. {وَإِذَاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيِلاَ} الجواب للو محذوف أى وإِذاً لو أجبتهم إِلى ما سألوك لاتخذوك خليلاً، وهذا شارة إِلى أنك خارج عن ولايتى إِذا أجبتهم إِلى سؤالهم لأَن من كان ولياً لأَعداء الله لاتباعه إِياهم فيما لا يرضى الله يكون عدواً لله سبحانه وتعالى، وهذا توقيف وتذكير من الله سبحانه وتعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بنعمة التنجية عن فتنتهم كقوله أيضاً: {وَلَوْلاَ أن ثَبَّتْنَاكَ} أى ولولا تثبيتنا إِياك على الحق الموحى إِليك وذلك عصمة. {لَقَدْ كِدتَّ} قاربت {تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ} لقوة خدعهم وحيلهم {شَيْئاً قَلِيلاً} أى ركونا قليلا فشيئاً مفعول مطلق واللام فى قوله لقد كدت إِلخ هى اللام التى تقع فى جواب أولا وجملة قد وما بعدها جواب أولا فيفيد ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يركن ولم يقارب الركون لأَن مقاربته منفية بوجود التثبيت من حيث أن لولا حرف امتناع لوجود ولكن لا أحفظ شاهداً من كلام العرب على جواز كون جواب لولا مصدرا بقد فلعل جواب لولا محذوف أى لولا أن ثبتناك لفتنوك، فيكون لام لقد لام جواب قسم محذوف أى والله لقد كدت أو لام ابتداء على قول من أثبت دخولها على قدر فى غير خبر أن، وعلى ذلك يفيد الكلام أنه قد ركن ركوناً قليلا هو مجرد سكوته ملاطفة لهم لاب سلموا أو هو مجرد تردده ما يضرنى أو مست أوثانهم، وقد علم الله أنى كاره لها لأجد سبيلا إِلى سبيلا إِلى استلام الحجر أو نحو ذلك، وقال ابن الأَنبارى لقد كادوا أن يخبروا عندك أنك ركنت وهو مع كونه تعسفاً مردود بقوله إِذاً لأَذقناك الخ لأَنه لا يعاقب لأَخبار الناس إِلا أن يقال المعنى إِذا لو صدر منك الركون لأذقناك، وقال بعض المتكلمين عاتب الله نبيه عليه السلام قبل وقوع ما يوجب العتاب ليكون بذلك أشد انتهاء ومحافظة لشرائط المحبة، وهذه غاية العناية، وقيل فى هذا الركون أنه خطرة لا يمكن دفعها ولذا قال كدت وهى تعطى أنه لم يقع ركون أصلا لأَن المقاربة التى تضمنها كدت قليلة خطرة أتتأَكد فى النفس فيكون معنى إِذاً لأَذقناك إِذا لو تأَكدت خطرتك أو لو فتنوك الخ.
اطفيش
تفسير : {يَوْمَ نَدْعُوا} اذكر يوم ندعو أو اذكر الحادث يوم ندعو، أو اذكر قراءة الكتب، أو اذكر العدل والجزاء يوم ندعو، دل على ذلك يقرءون ولا يُظلمون. {كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} نبيهم، أمة فلان، أو بمن ائتموا به، أو بمقدمهم فى الدين مثل: يا حزب جابر بن زيد، ومثل يا أصحاب عامر بن علىّ، أو بكتابهم يا أهل القرآن، أو يا أهل الإنجيل، أو يا أهل التوراة أو نحو ذلك ما عملتم فى كتابكم، أو يا أهل الكعبة، ويا أهل الصليب، فيكون فى النار، ويا عبدة البقرة. عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ينادَى: يا أمة إبراهيم، يا أمة موسى، يا أمة عيسى، يا أمة محمد، فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بأيمانهم، ثم ينادَى الأتباع: يا أتباع نمرود، يا أتباع فرعون، يا أتباع فلان، يا أتباع فلان، من رؤساء الضلال، ويدعى أيضاً من شاء الله عز وجل من الأفراد كماتدعى الجماعة" تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فحسِّنوا أسماءكم ". تفسير : وفسر بعضهم الإمام بالقوى الداعية للخير والشر، كالقوة النظرية والعملية والغضبية والشهوية، وشهوة الحياة والرياسة، والشجاعة، والصبر، والقناعة، ولا أقبل مثل هذا. وقيل: الإمام كتاب الأعمال كما قال الله عز وجل: "أية : وكل شئ أحصيناه فى إِمام مبين"تفسير : [يس: 12]. وعن أبى هريرة: "يدعى يا أهل الصلاة من بابها ويا أهل الصدقة من بابها، ويا أهل الجهاد من بابه" وهكذا كما فى الحديث بطوله، حتى قال أبو بكر: وهل يدعى أحد من هذه الأبواب كلها قال: "نعم وأرجو أن تدعى منها" كما بسط فى محله، وقيل: يا صاحب الخير ويا صاحب الشر. وعن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، رفع لكل غادر لواء يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان ابن فلان"تفسير : أخرجه البخارى ومسلم، وفيه نداؤهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، وقيل بأسماء أمهاتهم ستراً على أولاد الزنى، وعلى الآباء ورعاية حق عيسى، قيل: وإظهاراً لشرف الحسن والحسين تشريفًا بفاطمة، رضى الله عنها، لأنها بنت النبى صلى الله عليه وسلم، كما قيل: إن إمام جمع أم ولا تنصت إلى مثل هذا، ولو دعى أَولاد الزنى بآبائهم لم يعرفوا، لأنهم لم يعرفوا فى الدنيا، وأيضاً ليسوا بآبائهم شرعاً. وذكر القرطبى أنه يقال: يا حنفى يا شافعى يا قدرى يا معتزلى ونحو ذلك، وذلك الدعاء لإيتاء الكتب وللاطلاع على ما فيها، وقراءتها والجزاء، ولذلك رتب عليه بقوله: {فَمَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} من سعداء أولئك المدعوين، كما فسر بعض المتأخرين الدعاء بأنه يقال: يا صاحب كتاب الخير، ويا صاحب كتاب الشر، والمراد بكتابه كتاب عمله، والمراد الجمع، وروعى لفظ من وأفرد، وروعى المعنى فجمع فى قوله: {فَأُولئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ} فرحين بما فيه، ذاكرينه لغيرهم تبجحاً، وأما الأشقياء فيقرءونه حزانى مغتمين، ويصعب عليهم قراءته لسوء ما فيه، حتى كأنهم لا يقرءونه، أو يمتنعون منها، ثم يقرءونه أو غشيهم من اليم والخجل ما يحبسهم عن قراءتها، ثم يقرءونه، وكذلك لم تذكر قراءتهم فى قوله: "أية : وأما من أوتى كتابه بشماله فيقول يا ليتنى لم أوت كتابيه" تفسير : [الحاقة: 25] وكذلك فى سورة الانشقاق. وقد جزم بعض المتأَخرين بأنهم لا يقرءونه لذلك، وشهر فى الآثار أنهم يقرءونه حتى الأعمى يجعل له البصر فيقرأ، وليس فى عدم ذكر قراءتها نفيها. {وَلاَ يُظْلَمُونَ} لا ينقصون من ثوابهم {فَتِيلاً} شيئًا قليلاً مثل الممتد فى شق النواة، أو مثل ما يقتله الإنسان بأصبعيه من الوسخ، قيل أو مثل قميصها لأنه يقتل باستخراجه، وهو استعارة، وهو مفعول ثان ليظلم، لأن معناه ينقص، وينقص يلزم ويتعدى لواحد ولاثنين.
الالوسي
تفسير : {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ} شروع في بيان تفاوت أحوال بني آدم في الآخرة بعد بيان حالهم في الدنيا. و {يَوْمَ} مفعول به لفعل محذوف أي اذكر يوم ندعو الخ. وجوز ابن عطية وغيره أن يكون ظرفا لفعل يدل عليه {لاَ يُظْلَمُونَ} ولم يجعل ظرفاً له بناء على أن الفاء لا يعمل ما بعدها فيما قبلها ولو ظرفاً، وجوز أيضاً أن يكون مبتدأ وهو مبني لإضافته إلى غير متمكن والخبر جملة {فَمَنْ أُوتِىَ} الخ ويقدر للربط فيها فيه، وفيه أن المنقسم إلى متمكن وغير متمكن هو الاسم لا الفعل وما في حيزه هنا فعل مضارع على أن بناء أسماء الظروف المضافة إلى جملة هو أحد ركنيها بناء على مذهب الكوفيين والبصريون لا يجوزون ذلك ومع هذا هو تخريج متكلف. وجوز أيضاً كونه ظرفاً لـِ {أية : فَضَّلْنَـٰهُمْ} تفسير : [الإسراء: 70] قال: وتفضيل البشر على سائر الحيوانات يوم القيامة بين وبه قال بعض النحاة إلا أنه قال: فضلناهم بالثواب، وفيه أنه أي تفضيل للبشر ذلك اليوم والكفار منهم أخس من كل شيء إلا أن يقال: يكفي في تفضيل الجنس تفضيل بعض أفراده ألا ترى صحة الرجال أفضل من النساء مع أن من النساء من هي أفضل من بعض الرجال بمراتب، وأيضاً إذا أريد التفضيل بالثواب لا يصح إخراج الملائكة لأن جنس البشر يثابون والملائكة عليهم السلام لا يثابون كما هو مقرر في محله، ثم إنهم يشاركهم في الثواب الجن لأن مؤمنيهم يثابون كما يثاب البشر عند بعض، وقيل إن ثوابهم دون ثوابهم لأنهم لا يرون الله تعالى في الجنة عند من قال: إن الله تعالى يرى فيها فالبشر مفضلون عليهم في الثواب من هذه الجهة، وقيل ظرف {يَقْرَءونَ} أو ما دل عليه، وفيه أنهم لايقرؤن كتابهم وقت الدعوة. وأجيب بأن المراد بيوم يدعون وقت طويل وهو اليوم الآخر الذي يكون فيه ما يكون ويبقى في جعله ظرفاً للمذكور حديث الفاء. وقال الفراء: هو ظرف لنعيدكم محذوفاً، وقيل: ظرف لـِ {أية : تَسْتَجِيبُونَ} تفسير : [الإسراء: 52]، وقيل هو بدل من {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ} وقيل العامل فيه ما دل عليه قوله سبحانه {أية : مَتَىٰ هُوَ} تفسير : [الإسراء: 51] وهي أقوال في غاية الضعف، وأقرب الأقوال وأقواها ما ذكرناه أولاً. والإمام المقتدى به والمتبع عاقلاً كان أو غيره. والجار والمجرور متعلق بندعو أي ندعو كل أناس من بني آدم الذين فعلنا بهم في الدنيا ما فعلنا من التكريم وما عطف عليه بمن ائتموا به من نبـي أو مقدم في الدين أو كتاب أو دين فيقال: يا أتباع فلان يا أهل دين كذا أو كتاب كذا. وأخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآية: يدعى كل قوم / بإمام زمانهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم»تفسير : . وأخرج ابن أبـي شيبة وابن المنذر وغيرهما عن ابن عباس أنه قال: إمام هدى وإمام ضلالة. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: بإمامهم بكتاب أعمالهم فيقال: يا أصحاب كتاب الخير يا أصحاب كتاب الشر وروي ذلك عن أبـي العالية والربيع والحسن. وقرىء {بكتابهم} ولعل وجه كون ذلك إمامهم أنهم متبعون لما يحكم به من جنة أو نار، وقال الضحاك وابن زيد: هو كتابهم الذي نزل عليهم. وأخرج ابن أبـي حاتم وابن مردويه والخطيب في «تاريخه» عن أنس أنه قال: هو نبيهم الذي بعث إليهم. واختار ابن عطية كغيره عموم الإمام لما ذكر في الآثار. وقيل: المراد القوى الحاملة لهم على عقائدهم وأفعالهم كالقوة النظرية والعملية والقوة الغضبية والشهوية سواء كانت الشهوة شهوة النقود أو الضياع أو الجاه والرياسة ولاتباعهم لها دعيت إماماً، وهو مع كونه غير مأثور بعيد جداً فلا يقتدى بقائله وإن كان إماماً. وفي «الكشاف» أن من بدع التفاسير أن الإمام جمع أم كخف وخفاف وأن الناس يدعون يوم القيامة بإمهاتهم وأن الحكمة في الدعاء بهن دون الآباء رعاية حق عيسى عليه السلام وشرف الحسن والحسين ولا يفتضح أولاد الزنا، وليت شعري أيهما أبدع أصحة تفسيره أم بهاء حكمته انتهى، وهو مروي عن محمد بن كعب. ووجه عدم قبوله على ما في «الكشف» أما أولاً: فلأن إمام جمع أم غير شائع وإنما المعروف الأمهات. وأما ثانياً: فلأن رعاية حق عيسى عليه السلام في امتيازه بالدعاء بالأم فإن خلقه من غير أب كرامة له لا غض منه ليجبر بأن الناس أسوته في انتسابهم إلى الأمهات، وإظهار شرف الحسنين بدون ذلك أتم فإن أباهما خير من أمهما مع أن أهل البيت كحلقة مفرغة، وأما افتضاح أولاد الزنا فلا فضيحة إلا للأمهات وهي حاصلة دعي غيرهم بالأمهات أو بالآباء ولا ذنب لهم في ذلك حتى يترتب عليه الافتضاح انتهى. وما ذكر من عدم شيوع الجمع المذكور بيِّن، وأما الطعن في الحكمة فقد تعقب فإن حاصلها أنه لو دعي جميع الناس بآبائهم ودعي عيسى عليه السلام بأمه لربما أشعر بنقص فروعي تعظيمه عليه السلام ودعي الجميع بالأمهات وكذا روعي تعظيم الحسنين رضي الله تعالى عنهما لما أن في ذلك بيان نسبهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو نسبا إلى أبيهما كرم الله تعالى وجهه لم يفهم هذا وإن كان هو هو رضي الله تعالى عنه؛ وفي ذلك أيضاً ستر على الخلق حتى لا يفتضح أولاد الزنا فإنه لو دعي الناس بآبائهم ودعوا هم بأمهاتهم علم أنهم لا نسبة لهم إلى آباء يدعون بهم وفيه تشهير لهم ولو دعوا بآباء لم يعرفوا بهم في الدنيا وإن لم ينسبوا إليهم شرعاً كان كذلك، وعلى هذا يسقط ما في «الكشف». وعندي أن القائل بذلك لا يكاد يقول به من غير أن يتمسك بخبر لأنه خلاف ما ينساق إلى الأذهان على اختلاف مراتبها ولا تكاد تسلم حكمته عن وهن:شعر : ولا يصلح العطار ما أفسد الدهر تفسير : ولعل الخبر إن كان ليس بالصحيح ويعارضه ما قدمناه غير بعيد من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم» تفسير : والله تعالى أعلم. وما ذكر من تعلق الجار بما عنده هو الظاهر الذي ذهب إليه الجمهور، وجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف وقع حالاً أي مصحوبين بإمامهم. ثم إن الداعي إما الله عز وجل وإما الملك وهو الذي تشعر به الآثار فإسناد الفعل إليه تعالى مجاز. وقرأ مجاهد {يَدْعُو} بالياء آخر الحروف أي يدعو الله تعالى أو الملك، والحسن في رواية {يدعىٰ} بالبناء / للمفعول ورفع {كل} على النيابة عن الفاعل، وفي رواية أخرى {يدعوا} بضم الياء وفتح العين بعدها واو ورفع {كل} وخرجت على وجهين فإن الظاهر يدعون بإثبات النون التي هي علامة الرفع الأول: إن الواو ليست ضمير جمع ولا علامته وإنما هي حرف من نفس الكلمة وكانت ألفاً والأصل يدعى كما في القراءة الأخرى وقلبت الألف واواً على لغة من يقول في أفعى وهي الحية أفعو، وهذه اللغة مخصوصة بالوقف على المشهور فيكون قد أجرى هنا الوصل مجرى الوقف. ونقل عن سيبويه أن قلب الألف في الآخر واواً لغة مطلقاً، والثاني: أن الواو ضمير أو علامة كما في «يتعاقبون فيكم ملائكة» والنون محذوفة كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تؤمنوا حتى تحابوا تفسير : و حديث : كما تكونوا يولى عليكم» تفسير : في قول، وكذا في قول الشاعر:شعر : أبيت أسري وتبيتي تدلكي وجهك بالعنبر والمسك الذكي تفسير : وكأنها لكونها علامة إعراب عوملت معاملة حركته في إظهارها تارة وتقديرها أخرى، ولا فرق في كونها علامة إعراب بين أن تكون الواو ضميراً وأن تكون علامة جمع على الصحيح، والظاهر أن حذفها في مثل ما ذكر شاذ لا ضرورة وإلا فلا يصح هذا التخريج في الآية، وفي توجيه رفع {كل} على هذه القراءة الأقوال في توجيه الرفع في أمثاله وهي مشهورة في «كتب النحو». {فَمَنْ أُوتِىَ} يومئذ من أولئك المدعوين {كِتَـٰبَهُ} صحيفة أعمالهم والله سبحانه أعلم بحقيقتها {بِيَمِينِهِ} إبانة لخطر الكتاب المؤتى وتشريفاً لصاحبه وتبشيراً له من أول الأمر بما في مطاويه {فَأُوْلَٰئِكَ} إشارة إلى من باعتبار معناه وكأنه أشير بذلك إلى أنهم حزب مجتمعون على شأن جليل، وقيل فيه إشعار بأن قراءتهم لكتبهم على أوجه الاجتماع لا على وجه الانفراد كما في حال الإيتاء، وأكثر الأخبار ظاهرة في أن حال القراءة كحال الإيتاء، نعم جاء من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنه حديث : يؤتى العبد كتابه بيمينه فيقرأ سيئاته ويقرأ الناس حسناته ثم يحول الصحيفة فيحول الله تعالى حسناته فيقرؤها الناس فيقولون ما كان لهذا العبد من سيئةتفسير : . ويحتمل أن يكون كل من يؤتى كتابه بيمينه بعد أن يقرأه منفرداً يأتي أصحابه ويقول {أية : هَاؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَـٰبيَهْ} تفسير : [الحاقة: 19] فيجتمعون عليه ويقرؤنه هو أيضاً معهم تلذذاً به لكن لم نجد في ذلك أثراً ومع هذا لا يجدي نفعاً فيما أراد القائل. وفي إلحاق اسم الإشارة علامة البعد إشارة إلى رفعة درجات المشار إليهم أي أولئك المختصون بتلك الكرامة التي يشعر بها إيتاء الكتاب باليمين {يَقْرَءونَ} ولو لم يكونوا قارئين في الدنيا {كِتَـٰبَهُمْ} الذي أوتوه باليمين ليذكروا أعمالهم ويقفوا على تفاصيلها فيحاسبوا عليها. وقيل يقرؤنه تبجحاً بما سطر فيه من الحسنات المستتبعة لفنون الكرامات. والإظهار في مقام الإضمار لمزيد الاعتناء. {وَلاَ يُظْلَمُونَ} أي لا ينقصون من أجور أعمالهم المرتسمة في كتبهم بل يؤتونها مضاعفة {فَتِيلاً} أي قدر فتيل وهو القشر الذي في شق النواة سمي بذلك لأنه على هيئة الشيء المفتول، وقيل هو ما تفتله بين أصابعك من خيط أو وسخ ويضرب به المثل في الشيء الحقير. ثم إن الذي يسرع إلى الذهن أن فاعل الإيتاء الملائكة عليهم السلام يعطون السعيد بعد أن يدعى كتابه بيمينه فيقرؤه فيحاسب حساباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً. لكن أخرج العقيلي عن أنس عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الكتب كلها تحت العرش فإذا كان يوم القيامة / يبعث الله تعالى ريحاً فتطيرها إلى الأيمان والشمائل وأول خط فيها {ٱقْرَأْ كَتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 14]»تفسير : وهو ظاهر في أن فاعل الإيتاء ليس الملك إلا أن الخبر يحتاج إلى تنقير فإني لست من صحته على يقين. نعم جاء في حديث أخرجه الإمام أحمد حديث : عن عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «قلت يا رسول الله هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ قال: أما عند ثلاث فلا إلى أن قال وعند تطاير الكتب» تفسير : وهو مؤيد بظاهره الخبر السابق والله تعالى أعلم. وجاء في بعض الآثار أن أول من يؤتى كتابه بيمينه من هذه الأمة أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد وأول من يؤتى كتابه بشماله أخوه الأسود سود الله تعالى وجهه بعد أن يمد يمينه ليأخذه بها فيخلعها ملك، وسبب ذلك مذكور في السير.
ابن عاشور
تفسير : انتقال من غرض التهديد بعاجل العذاب في الدنيا الذي في قوله: {أية : ربكم الذي يزجى لكم الفلك في البحر}تفسير : [الإسراء: 66] إلى قوله: {أية : ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا} تفسير : [الإسراء: 69] إلى ذكر حال الناس في الآخرة تبشيراً وإنذاراً، فالكلام استئناف ابتدائي، والمناسبة ما علمتَ. ولا يحسن لفظ (يومَ) للتعلق بما قبله من قوله: {أية : وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً}تفسير : [الإسراء: 70] على أن يكون تخلصاً من ذكر التفضيل إلى ذكر اليوم الذي تظهر فيه فوائد التفضيل، فترجح أنه ابتداء مستأنف استئنافاً ابتدائياً، ففتحة {يوم} إما فتحة إعراب على أنه مفعول به لفعل شائع الحذف في ابتداء العبر القرآنية وهو فِعل «اذكر» فيكون {يوم} هنا اسمَ زمان مفعولاً للفعل المقدر وليس ظرفاً. والفاء في قوله: {فمن أوتي} للتفريع لأن فعْل (اذكر) المقدر يقتضي أمراً عظيماً مجملاً فوقع تفصيله بذكر الفاء وما بعدها فإن التفصيل يتفرع على الإجمال. وإما أن تكون فتحته فتحةَ بناء لإضافته اسم الزمان إلى الفعل، وهو إما في محل رفع بالابتداء، وخبره جملة {فمن أوتي كتابه بيمينه}. وزيدت الفاء في الخبر على رأي الأخفش، وقد حكى ابن هشام عن ابن بَرهان أن الفاء تزاد في الخبر عند جميع البصريين ما عدا سيبويه؛ وإما ظرف لفعل محذوف دل عليه التقسيم الذي بعده، أعني قوله: {فمن أوتي كتابه بيمينه} إلى قوله: {وأضل سبيلاً}. وتقدير المحذوف: تتفاوت الناس وتتغابَن. وبُيّن تفصيل ذلك المحذوف بالتفريع بقوله: {فمن أوتي كتابه} الخ. والإمام: ما يؤتم به، أي يُعمل على مِثل عمله أو سيرته. والمراد به هنا مبين الدين: من دين حق للأمم المؤمنة ومن دين كفر وباطل للأمم الضالة. ومعنى دعاء الناس أن يُدعى يا أمةَ فلان ويا أتباعَ فلان، مثل: يا أمة محمد، يا أمةَ موسى، يا أمة عيسى، ومثل: يا أمة زَرادشت. ويا أمةَ برْهَما، ويا أمةَ بُوذا، ومثل: يا عبدة العزى، يا عبدة بَعل، يا عبدةَ نَسْر. والباء لتعدية فعل {ندعو} لأنه يتعدى بالباء، يقال: دعوته بكنيته وتدَاعَوا بِشعارهِم. وفائدة ندائهم بمتبوعيهم التعجيلُ بالمسرة لاتباع الهُداة وبالمساءة لاتباع الغُواة، لأنهم إذا دُعوا بذلك رأوا متبوعيهم في المقامات المناسبة لهم فعلموا مصيرهم. وفرع على هذا قوله: {فمن أوتي كتابه بيمينه} تفريع التفصيل لما أجمله قوله: {ندعوا كل أناس بإمامهم}، أي ومن الناس من يُؤتى كتابه، أي كتاب أعماله بيمينه. وقوله: {فمن أوتي} عطف على مقدر يقتضيه قوله: {ندعوا كل أناس بإمامهم} أي فيؤتَوْن كتبهم، أي صحائف أعمالهم. وإيتاء الكتاب باليمين إلهام صاحبه إلى تناوله باليمين. وتلك علامة عناية بالمأخوذ، لأن اليمين يأخذ بها من يعْزم عملاً عظيماً قال تعالى: {أية : لأخذنا منه باليمين}تفسير : [الحاقة: 45]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من تصدق بصدقة من كسب طيب ــــ ولا يقبل الله إلا طيباً ــــ تلقاها الرحمان بيَمينه وكلتَا يديْه يَمين...»تفسير : الخ، وقال الشمّاخ: شعر : إذا ما رايةٌ رفعت لمجد تلقاها عَرابة باليمين تفسير : وأما أهل الشقاوة فيؤتَون كتبهم بشمائلهم، كما في آية [الحاقة: 25] {أية : وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه}تفسير : والإتيان باسم الإشارة بعد فاء جواب (أما)، للتنبيه على أنهم دون غيرهم يقرؤون كتابهم، لأن في اطلاعهم على ما فيه من فعل الخَير والجزاء عليْه مسرة لهم ونعيماً بتذكر ومعرفة ثوابه، وذلك شأن كل صحيفة تشتمل على ما يسر وعلى تذكر الأعمال الصالحة، كما يطالع المرء أخبار سلامة أحبائه وأصدقائه ورفاهة حالهم، فتوفرُ الرغبة في قراءة أمثال هذه الكتب شنشنة معروفة. وأما الفريق الآخر فسكت عن قراءة كتابهم هنا. وورد في الآية التي قبلها في هذه السورة {أية : وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً}تفسير : [الإسراء: 13-14]. والظلم مستعمل هنا بمعنى النقص كما في قوله تعالى:{أية : كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً}تفسير : [الكهف: 33]، لأن غالب الظلم يكون بانتزاع بعض ما عند المظلوم فلزمه النقصان فأطلق عليه مجازاً مرسلاً. ويفهم من هذا أن ما يعطاه من الجزاء مما يرغب الناس في ازدياده. والفتيل: شبه الخَيط تكون في شق النواة وتقدم في قوله تعالى: {أية : بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا}تفسير : في سورة [النساء: 49]، وهو مثَل للشيء الحقير التافه، أي لا ينقصون شيئاً ولو قليلاً جداً. وعطف {ومن كان في هذه أعمى} عطف القسيم على قسيمه فهو من حَيز «أما» التفصيلية، والتقدير: وأما من كان في هذه أعمى، ولما كان القسيم المعطوف عليه هم من أوتوا كتابهم باليمين علم أن المعطوف بضد ذلك يؤتى كتابه بالشمال فاستغني عن ذكر ذلك وأتي له بصلة أخرى وهي كونه أعمى حكماً آخر من أحواله الفظيعة في ذلك اليوم. والإشارة بــــ {هذه} إلى معلوم من المقام وهو الدنيا، وله نظائر في القرآن. والمراد بالعمى في الدنيا الضلالة في الدين، أطلق عليها العمى على وجه الاستعارة. والمراد بالعمى في الآخرة ما ينشأ عن العمى من الحيرة واضطراب البال، فالأعْمَى أيضاً مستعار لمشابه الأعمى بإحدى العلاقتين. ووصف {أعمى} في المرتين مراد به مجرد الوصف لا التفضيل. ولما كان وجه الشبه في أحوال الكافر في الآخرة أقوى منه في حاله في الدنيا أشير إلى شدة تلك الحالة بقوله: {وأضل سبيلاً} القائم مقام صيغة التفضيل في العمَى لكون وصف (أعمى) غير قابل لأن يصاغ بصيغة التفضيل لأنه جاء بصيغة التفضيل في حال الوصف. وعدل عن لفظ (أشد) ونحوه ما يتوسل به إلى التفضيل عند تعذر اشتقاق صيغة (أفعل) ليتأتى ذكر السبيل، لما في الضلال عن السبيل من تمثيل حال العمى وإيضاحه، لأن ضلال فاقد البصر عن الطريق في حال السير أشد وقعاً في الأضرار منه وهو قابع بمكانه، فعدل عن اللفظ الوجيز إلى التركيب المطنب لما في الإطناب من تمثيل الحال وإيضاحه وإفظاعه وهو إطناب بديع. وقد أفيد بذلك أن عماه في الدارين عمى ضلال عن السبيل الموصل. ومعنى المفاضلة راجع إلى مفاضلة إحدى حالتيه على الأخرى في الضلال وأثره لا إلى حال غيره. فالمعنى: وأضل سبيلا منه في الدنيا. ووجه كون ضلاله في الآخرة أشد أن ضلاله في الدنيا كان في مكنته أن ينجو منه بطلب ما يرشده إلى السبيل الموصل من هدي الرسول والقرآن مع كونه خلياً عن لحاق الألم به، وأما ضلاله في الآخرة فهو ضلال لا خلاصَ منه وهو مقارن للعذاب الدائم، فلا جرم كان ضلاله في الآخرة أدخل في حقيقة الضلال وماهيته.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ}. قال بعض العلماء: المراد "بإمامهم" هنا كتاب أعمالهم. ويدل لهذا قوله تعالى:{أية : وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ}تفسير : [يس:12]، وقوله:{أية : وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [الجاثية:28]. وقوله: {أية : وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ}تفسير : [الكهف:49] الآية، وقوله:{أية : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً}تفسير : [الإسراء:13] واختار هذا القول ابن كثير. لدلالة آية "يس" المذكورة عليه. وهذا القول رواية عن ابن عباس ذكرها ابن جرير وغيره، وعزاه ابن كثير لابن عباس وأبي العالية والضحاك والحسن. وعن قتادة ومجاهد: أن المراد "بـإمامهم" نبيهم. ويدل لهذا القول قوله تعالى: {أية : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}تفسير : [يونس:47]،{أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً}تفسير : وقوله:{أية : وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ}تفسير : [النحل:89] الآية، وقوله:{أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ}تفسير : [الزمر:69] الآية. قال بعض السلف: وفي هذا أكبر شرف لأصحاب الحديث. لأن إمامهم النبي صلى الله عليه وسلم. وقال بعض أهل العلم: {بِإِمَامِهِمْ} أي بكتابهم الذي أنزل على نبيهم من التشريع. وممن قال به: ابن زيد، واختاره ابن جرير. وقال بعض أهل العلم: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} أي ندعو كل قوم بمن يأتمون به. فأهل الإيمان أئمتهم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. وأهل الكفر أئمتهم سادتهم وكبراؤهم من رؤساء الكفرة. كما قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ}تفسير : [القصص:41] الآية. وهذا الأخير أظهر الأقوال عندي. والعلم عند الله تعالى. فقد رأيت أقوال العلماء في هذه الآية، وما يشهد لها من قرآن. وقوله بعد هذا: {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} من القرائن الدالة على ترجيح ما اختاره ابن كثير من أن الإمام في هذه الآية كتاب الأعمال. وذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين يؤتون كتابهم بأيمانهم يقرؤونه ولا يظلمون فتيلاً. وقد أوضح هذا في مواضع أخر، كقوله: {أية : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ}تفسير : [الحاقة:19] - إلى قوله - {أية : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ}تفسير : [الحاقة:25] وقد قدمنا هذا مستوفى في أول هذه السورة الكريمة. وقول من قال: إن المراد "بإمامهم" كمحمد بن كعب "أمهاتهم" أي يقال: يا فلان بن فلانة - قول باطل بلا شك. وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر مرفوعاً: "حديث : يرفع يوم القيامة لكل غادر لواء فيقال هذه غدرة فلان بن فلان ".
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: بإمامهم: أي الذي كانوا يقتدون به ويتبعونه في الخير أو الشر. فتيلا: أي مقدار فتيل وهو الخيط الذي يوجد وسط النواة. ومن كان في هذه أعمى: من كان في الدنيا أعمى عن حجج الله تعالى الدالة على وجوده وعلمه وقدرته، فلم يؤمن به ولم يعبده فهو في الآخرة أشد عمى وأضل سبيلاً. وإن كادوا: أي قاربوا. ليفتنونك: أي يستنزلونك عن الحق، أي يطلبون نزولك عنه. لتفتري علينا غيره: أي لتقول علينا افتراءً غير الذي أوحينا إليك. إذاً لاتخذوك خليلاً: أي لو فعلت الذي طلبوا منك فعله لاتخذوك خليلاً لهم. ضعف الحياة وضعف الممات: أي لعذبناك عذاب الدنيا مضاعفاً وعذاب الآخرة كذلك. ليستفزونك من الأرض: أي ليستخفونك من الأرض أرض مكة. لا يلبثون خلافك: أي لا يبقون خلفك أي بعدك إلا قليلاً ويهلكهم الله. سنة من قد أرسلنا من قبلك: أي لو أخرجوك لعذبناهم بعد خروجك بقليل، سنتنا في الأمم. ولا تجد لسنتنا تحويلا: أي عما جرت به في الأمم السابقة. معنى الآيات: يقول تعالى لرسوله في تقرير عقيدة البعث والجزاء، اذكر يا رسولنا {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} الذي كانوا يقتدون به ويتبعونه فيتقدم ذلك الإِمام ووراءه أتباعه وتوزع الكتب عليهم واحداً واحداً فمن أعطى كتابه بيمينه تشريفاً له وتكريماً، فأولئك الذين أكرموا بإعطائهم كتبهم بأيمانهم، يقرأون كتابهم ويحاسبون بما فيه {وَلاَ يُظْلَمُونَ} أي لا ينقصون مقدار فتيل لا تنقص حسناتهم، ولا بزيادة سيئاتهم. واذكر هذا لهم تعظهم به لعلهم يتعظون، وقوله تعالى: {وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ} أي الدنيا {أَعْمَىٰ} لا يبصر هذه الحجج والآيات والدلائل وأصر على الشرك، والتكذيب والمعاصي {فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ} أي أشد عمى {وَأَضَلُّ سَبِيلاً} فلا يرى طريق النجاة ولا يسلكه حتى يقع في جهنم. وقوله: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ} أي يصرفونك {عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} من توحيدنا والكفر بالباطل وأهله. {لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ} أي لتقول علينا غير الحق الذي أوحيناه إليك، وإذاً لو فعلت بأن وافقتهم على ما طلبوا منك، من الإغضاء على شركهم والتسامح معهم إقراراً لباطلهم، ولو مؤقتاً، {لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} لهم وكانوا أولياء لك، وذلك أن المشركين في مكة والطائف، واليهود في المدينة كانوا يحاولون جهدهم أن يستنزلوا الرسول على شيء من الحق الذي يأمر به ويدعو إليه مكراً منهم وخديعة سياسية إذ لو وافقهم على شيء لطالبوا بآخر، ولقالوا قد رجع إلينا، فهو إذاً يَتَقَوَّل، وليس بالذي يوحى إليه بدليل قبوله منا كذا وكذا وتنازله عن كذا وكذا، وقوله تعالى: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ} أي على الحق حيث عصمناك {لَقَدْ كِدتَّ} أي قاربت {تَرْكَنُ} أي تميل {إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً} بقبول بعض اقتراحاتهم {إِذاً} أي لو ملت إليهم، وقبلت منهم ولو شيئاً يسيراً {لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ}، أي لضاعفنا عليك العذاب في الدنيا والآخرة ثم لا تجد لك نصيراً ينصرك إذا نحن خذلناك وعذبناك وقوله تعالى في حادثة أخرى وهي أنهم لما فشلوا في المحاولات السلمية أرادوا استعمال القوة فقرروا إخراجه من مكة بالموت أو الحياة فأخبر تعالى رسوله بذلك إعلاماً وإنذاراً، فقال: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ} أرض مكة {لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً} أي لو فعلوا لم يلبثوا بعد إخراجك إلا زمناً قليلاً ونهلكهم كما هي سنتنا في الأمم السابقة التي أخرجت أنبياءها أو قتلتهم هذا معنى قوله تعالى: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ} أي يستخفونك {مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} اي عما جرت به في الأمم السابقة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الترغيب في الاقتداء بالصالحين ومتابعتهم والترهيب من الاقتداء بأهل الفساد ومتابعتهم. 2- عدالة الله تعالى في الموقف بإقامة الحجة على العبد وعدم ظلمه شيئاً. 3- عمى الدنيا عن الحق وشواهده سبب عمى الآخرة وموجباته من السقوط في جهنم. 4- حرمة الركون أي الميل لأهل الباطل بالتنازل عن شيء من الحق الثابت إرضاءً لهم. 5- الوعيد الشديد لمن يرضى أهل الباطل تملقاً لهم طمعاً في دنياهم فيترك الحق لأجلهم. 6- إمضاء سنن الله تعالى وعدم تخلفها بحال من الأحوال.
د. أسعد حومد
تفسير : {نَدْعُواْ} {بِإِمَامِهِمْ} {كِتَابَهُ} {كِتَابَهُمْ} {أُوْلَـٰئِكَ} {يَقْرَؤونَ} (71) - وَيَوْمَ القِيَامَةِ تُدْعَى كُلُّ أُمَّةٍ بِالشِّعَارِ الذِي تُعْرَفُ بِهِ، فَيُقَالُ: يَا أُمَّةَ عِيسَى، وَيَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ .... لِيَتَسَلَّمُوا كُتُبَ أَعْمَالِهِمْ، فَالَّذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَ أَعْمَالِهِمْ بِأَيمَانِهِمْ، وَهُمُ السُّعَداءُ، فَهؤلاءِ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ مُبْتَهِجِينَ، وَلاَ يُنْقَصُونَ مِنْ أُجُورِ أَعْمَالِهِمْ شَيْئاً. إِمَامُهُمْ - شِعَارُهُمْ أَوْ نَبِيُّهُمْ أَوْ كِتَابُ أَعْمَالِهِمْ. فَتِيلاً - خَيْطٌ رَفِيعٌ فِي نَوَاةِ التَّمْرَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: يوم القيامة، والداعي هو المنادي، والناس هم المدعوون، والنداء على الناس في هذا اليوم لا يكون بفلان بن فلان، بل ينادي القوم بإمامهم أي: برسولهم، فيقال: يا أمة محمد، يا أمة عيسى، يا أمة موسى، يا أمة إبراهيم. ثم يُفصّل هذا الإجمال، فتُنادى كل جماعة بمَنْ بلَّغهم وهداهم ودَلَّهم ليُغري الناس بنقل الفضل العلمي من أنفسهم إلى غيرهم. وقال بعضهم {بِإِمَامِهِمْ} أي: بأمهاتهم، وفي دعاء الناس بأمهاتهم في هذا الموقف تكريم لعيسى عليه السلام أولاً، وسَتْر على أولاد الإثم ثانياً، حتى لا يُفضحوا على رؤوس الأشهاد في مثل هذا الموقف. ثم يقول تعالى: {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [الإسراء: 71]. فكوْنه أخذ كتابه بيمينه، فهذه بشارة الخير وبداية السلامة، فإذا به يسارع إلى قراءته، بل ويتباهى به بين الناس قائلاً: {أية : هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ}تفسير : [الحاقة: 19] إنه مسرور بعمله الصالح الذي يحب أنْ يطلع عليه الناس، وقوله تعالى: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [الإسراء: 71]. الظلم أنْ تأخذ من خير غيرك مما ليس عندك، إذن: فعندك نقص في شيء تريد أنْ تحصل عليه ظلماً، إذن: فماذا ينقص الحق سبحانه وتعالى حتى يظلم الخَلْق؟! إن الخلق يتصفون بالظلم؛ لأن الإنسان عادةً لا يرضى بما قسم الله له؛ لذلك يشعر بالنقص فيظلم غيره، أما الله عز وجل فهو الغني عن الخَلْق، فكيف يظلمهم؟ وهم جميعاً بما يملكون هِبة منه سبحانه. ومعنى {فَتِيلاًْ} عادةً يضرب الحق سبحانه وتعالى الأمثال في القرآن بالمألوف عند العرب وفي بيئتهم، ومن مألوفات العرب التمر، وهو غذاؤهم المفضّل والعَلف لماشيتهم، ومن التمر أخذ القرآن النقير والقطمير والفتيل، وهي ثلاثة أشياء تجدها في نواة الثمرة، وقد استخدمها القرآن في تمثيل الشيء الضئيل القليل. فالنقير: هو تجويف صغير في ظهر النواة مثل النقطة. والقطمير: هو اللفافة الرقيقة الشفافة بين الثمرة والنواة. والفتيل: هو غلالة رقيقة تشبه الخيط في بطن النواة. فمعنى: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [الإسراء: 71] أي: أنه سبحانه وتعالى لا يظلم الناس أبداً، فهو سبحانه مُنزَّه عن الظلم مهما تناهى في الصِّغَر. وفي مقابل مَنْ أوتي كتابه بيمينه لم تذكر الآية مَنْ أُوتي كتابه بشماله، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ}تفسير : [الحاقة: 25] وفي آية أخرى قال: {أية : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ}تفسير : [الانشقاق: 10]. أما هنا فقال الحق سبحانه: {وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ [بِإِمَامِهِمْ]} معناهُ بِنَبيهِم وقال: بأعمَالِهِم. وقالَ: بِكَتَابِهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن حال الخلق يوم القيامة، وأنه يدعو كل أناس، ومعهم إمامهم وهاديهم إلى الرشد، وهم الرسل ونوابهم، فتعرض كل أمة، ويحضرها رسولهم الذي دعاهم، وتعرض أعمالهم على الكتاب الذي يدعو إليه الرسول، هل هي موافقة له أم لا؟ فينقسمون بهذا قسمين: { فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ } لكونه اتبع إمامه، الهادي إلى صراط مستقيم، واهتدى بكتابه، فكثرت حسناته، وقلت سيئاته { فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ } قراءة سرور وبهجة، على ما يرون فيها مما يفرحهم ويسرهم. { وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا } مما عملوه من الحسنات. { وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ } الدنيا { أَعْمَى } عن الحق فلم يقبله، ولم ينقد له، بل اتبع الضلال. { فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى } عن سلوك طريق الجنة كما لم يسلكه في الدنيا، { وَأَضَلُّ سَبِيلا } فإن الجزاء من جنس العمل، كما تدين تدان. وفي هذه الآية دليل على أن كل أمة تدعى إلى دينها وكتابها، هل عملت به أم لا؟ وأنهم لا يؤاخذون بشرع نبي لم يؤمروا باتباعه، وأن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه ومخالفته لها. وأن أهل الخير، يعطون كتبهم بأيمانهم، ويحصل لهم من الفرح والسرور شيء عظيم، وأن أهل الشر بعكس ذلك، لأنهم لا يقدرون على قراءة كتبهم، من شدة غمهم وحزنهم وثبورهم.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 527 : 29 : 27 - سفين عن جابر عن عدي عن سعيد بن جبير عن بن عباس في قوله {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} قال، إمام هدى أو إمام ضلالة. [الآية 71].
همام الصنعاني
تفسير : 1593- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ}: [الآية: 71]، قال بتبيانهم. 1594- قال معمر وقال الحسن. بكتابهم، الذي فيه أعمالهم. 1595- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً}: [الآية: 71]، قال: الذي في شق النواة. 1626- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، وابن عُيَيْنَة عن أصحابه عن أبي إسحاق، عن رجل من بني تميم، أنه قال لابن عباس ما: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً}: [الآية: 71]؟ قال: فَفَتَّ بين أصبعيه، فخرج بينهما شيء، فقال: هو هَذَا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):