Verse. 2101 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

وَمَنْ كَانَ فِيْ ہٰذِہٖۗ اَعْمٰى فَہُوَفِي الْاٰخِرَۃِ اَعْمٰى وَاَضَلُّ سَبِيْلًا۝۷۲
Waman kana fee hathihi aAAma fahuwa fee alakhirati aAAma waadallu sabeelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن كان في هذه» أي الدنيا «أعمى» عن الحق «فهو في الآخرة أعمى» عن طريق النجاة وقراءة القرآن «وأضل سبيلاً» أبعد طريقا عنه. ونزل في ثقيف وقد سألوا صلى الله عليه وسلم أن يحرم واديهم وألحوا عليه.

72

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ} أي في الدنيا عن الاعتبار وإبصار الحق. {فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ} أي في أمر الآخرة {أَعْمَىٰ}. وقال عكرمة: جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسألوه عن هذه الآية فقال: اقرأوا ما قبلها «ربُّكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر ـ إلى ـ تفضيلا». قال ابن عباس: من كان في هذه النعم والآيات التي رأى أعمى فهو عن الآخرة التي لم يعاين أعمى وأضل سبيلاً. وقيل: المعنى من عمي عن النعم التي أنعم الله بها عليه في الدنيا فهو عن نعم الآخرة أعمى. وقيل: المعنى من كان في الدنيا التي أمهل فيها وفسّح له ووعد بقبول التوبة أعمى فهو في الآخرة التي لا توبة فيها أعمى. وقال الحسن: من كان في هذه الدنيا كافراً ضالاً فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً. وقيل: من كان في الدنيا أعمى عن حجج الله بعثه الله يوم القيام أعمى، كما قال: {أية : وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ}تفسير : [طه: 124] الآيات. وقال: {أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ}. تفسير : وقيل: المعنى في قوله: «فهو في الآخرة أعمى» في جميع الأقوال: أشدّ عَمًى؛ لأنه من عَمَى القلب، ولا يقال مثله في عَمَى العين. قال الخليل وسيبويه: لأنه خِلقة بمنزلة اليد والرِّجْل، فلم يقل ما أعماه كما لا يقال ما أيداه. الأخفش: لم يقل فيه ذلك لأنه على أكثر من ثلاثة أحرف، وأصله أعمى. وقد أجاز بعض النحويين ما أعماه وما أعشاه؛ لأن فعله عَمِيَ وعَشيَ. وقال الفراء: حدثني بالشأم شيخ بصرى أنه سمع العرب تقول: ما أسود شعره. قال الشاعر:شعر : ما في المعالي لكم ظل ولا ثمر وفي المخازي لكم أشباح أشياخ أما الملوك فأنت اليوم ألأمهم لؤما وأبيضهم سِرْبال طبّاخ تفسير : وأمال أبو بكر وحمزة والكسائيّ وخَلَفَ الحرفين «أعمى» و«أعمى» وفتح الباقون. وأمال أبو عمرو الأول وفتح الثاني. {وَأَضَلُّ سَبِيلاً} يعني أنه لا يجد طريقاً إلى الهداية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَن كَانَ فِى هَٰذِهِ } أي الدنيا {أَعْمَىٰ } عن الحق {فَهُوَ فِى ٱلأَخِرَةِ أَعْمَىٰ } عن طريق النجاة وقراءة القرآن {وَأَضَلُّ سَبِيلاً } أبعد طريقاً عنه.

النسفي

تفسير : {وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِ } الدنيا {أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ } كذلك {وَأَضَلُّ سَبِيلاً } من الأعمى أي أضل طريقاً، والأعمى مستعار ممن لا يدرك المبصرات لفساد حاسته لمن لا يهتدي إلى طريق النجاة، أما في الدنيا فلفقد النظر وأما في الآخرة فلأنه لا ينفعه الاهتداء إليه. وقد جوّزوا أن يكون الثاني بمعنى التفضيل بدليل عطف {وأضل} ومن ثم قرأ أبو عمرو الأول ممالاً والثاني مفخماً، لأن أفعل التفضيل تمامه بـ «من» فكانت ألفه في حكم الواقعة في وسط الكلمة فلا يقبل الإمالة وأما الأول فلم يتعلق به شيء فكانت ألفه واقعة في الطرف فقبلت الإمالة، وأمالهما حمزة وعلي وفخمهما الباقون. ولما قالت قريش اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة حتى نؤمن بك نزل {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ } «إن» مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية، والمعنى إن الشأن قاربوا أن يفتنوك أي يخدعوك فاتنين {عَنِ ٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } من أوامرنا ونواهينا ووعدنا ووعيدنا {لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ } لتتقول علينا ما لم نقل يعني ما اقترحوه من تبديل الوعد وعيداً والوعيد وعداً {وَإِذاً لآَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً } أي ولو اتبعت مرادهم لاتخذوك خليلا ولكنت لهم ولياً وخرجت من ولايتي {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ } ولولا تثبيتنا وعصمتنا {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ } لقاربت أن تميل إلى مكرهم {شَيْئًا قَلِيلاً } ركوناً، قليلاً وهذا تهييج من الله له وفضل تثبيت .

الخازن

تفسير : {ومن كان في هذه أعمى} المراد عمى القلب والبصيرة لا عمى البصر. والمعنى: ومن كان في هذه الدنيا أعمى، أي عن هذه النعم التي قد عدها في هذه الآيات {فهو في الآخرة} أي التي لم تعاين ولم تر {أعمى وأضل سبيلاً} قاله ابن عباس: وقيل معناه ومن كان في هذه الدنيا أعمى القلب عن رؤية قدرة الله وآياته ورؤية الحق فهو في الآخرة أعمى أي أشد عمى وأضل سبيلاً، أي أخطأ طريقاً. وقيل: معناه ومن كان في الدنيا كافراً ضالاً، فهو في الآخرة أعمى لأنه في الدنيا تقبل توبته، وفي الآخرة لا تقبل تبوته، قوله سبحانه وتعالى {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك} قيل في سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستلم الحجر الأسود، فمنعته قريش وقالوا: لا ندعك حتى تلم بآلهتنا وتمسها فحدث نفسه ما علي أن أفعل ذلك، والله يعلم إني لها كاره بعد أن يدعوني أستلم الحجر. وقيل طلبوا منه أن يذكر آلهتهم حتى يسلموا، ويتبعوه فحدث نفسه فأنزل الله هذه الآية. وقال ابن عباس: قد وفد ثقيف على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال. قال: وما هن؟ قالوا: لا نحبي في الصلاة أي لا ننحني و لا نكسر أصنامنا بأيدينا وأن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود، وأما أن لا تكسروا أصنامكم بأيديكم، فذلك لكم وأما الطاغية يعني اللات والعزى فإني غير ممتعكم بها تفسير : قالوا: يا رسول الله إنا نحب أن تسمع العرب أنك أعطيتنا ما لم تعط غيرها فإن خشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا فقل الله أمرني بذلك فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فطمع القوم في سكوته أن يعطيهم ذلك فأنزل الله تعالى وإن كادوا ـ أي هموا ـ ليفتنونك ـ أي ليصرفونك ـ عن الذي أوحينا إليك {لتفتري} أي لتختلق وتبتعث {علينا غيره} ما لم تقله {وإذاً} أي لو فعلت ما دعوك إليه {لاتخذوك خليلاً} أي والوك ووافوك وصافوك {ولولا أن ثبتناك} أي على الحق بعصمتنا إياك {لقد كدت تركن} أي تميل {إليهم شيئاً قليلاً} أي قربت من الفعل. فإن قلت كان النبي صلى الله عليه وسلم معصوماً فكيف يجوز أن يقرب مما طلبوه. قلت: كان ذلك خاطر قلب ولم يكن عزماً وقد عفا الله تعالى عن حديث النفس وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعد ذلك "حديث : اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين"تفسير : والجواب الصحيح هو أن الله سبحانه وتعالى قال ولولا أن ثبتناك وقد ثبته الله فلم يركن إليهم {إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات} أي لو فعلت لأذقناك عذاب الحياة وضعف عذاب الممات يعني ضعفنا لك العذاب في الدنيا والآخرة {ثم لا تجد لك علينا نصيراً} أي ناصراً يمنعك من عذابنا. قوله سبحانه وتعالى {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها} قيل: هذه الآية مدنية وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كره اليهود مقامه بالمدينة، وذلك حسداً فأتوه فقالوا: يا أبا القاسم لقد علمت ما هذه بأرض الأنبياء، وإن أرض الأنبياء الشام، وهي الأرض المقدسة وكان بها إبراهيم والأنبياء عليهم السلام، فإن كنت نبياً مثلهم فأت الشام، وإنما يمنعك من الخروج إليها مخافة الروم، وإن الله سيمنعك من الروم إن كنت رسوله فعسكر النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أميال من المدينة وفي رواية إلى ذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه، فيخرج فأنزل الله هذه الآية فالأرض هنا أرض المدينة، وقيل الأرض أرض مكة والآية مكية والمعنى: همّ المشركون أن يخرجوه منها فكفهم الله عنه حتى أمره بالخروج للهجرة فخرج بنفسه وهذا أليق بالآية لأن ما قبلها خبر عن أهل مكة والسورة مكية. وقيل: همّ المشركون كلهم وأرادوا أن يستفزوه من أرض العرب باجتماعهم وتظاهرهم عليه فمنع الله رسوله ولم ينالوا منه ما أملوه والاستفزاز الازعاج {وإذاً لا يلبثون خلافك إلا قليلاً} أي لا يبقون بعد إخراجك إلا زماناً قليلاً حتى يهلكوا.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ}: يجوز في "مَنْ" ما جاز في "مَنْ" قبلها، وأمال الأخوان وأبو بكر "أعْمَى" في الموضعين من هذه السورة، وأبو عمرو أمال الأول، دون الثاني، والباقون فتحوهما، فالإمالة؛ لكونهما من ذوات الياء، والتفخيمُ؛ لأنه الأصل، وأمَّا أبو عمرو، فأمال الأول؛ لأنه ليس أفعل تفضيلٍ، فألفه متطرفةٌ لفظاً وتقديراً، والأطرافُ محل التغيير غالباً، وأمَّا الثاني، فإنه للتفضيلِ، ولذلك عطف عليه "وأضلُّ" فألفه في حكم المتوسطة؛ لأنَّ "مِن" الجارَّة للمفضولِ، كالملفوظ بها، وهي شديدة الاتصال بأفعلِ التفضيلِ، فكأنَّ الألف وقعت حشواً، فتحصَّنتْ عن التغيير. كذا قرَّره الفارسي والزمخشري، وقد ردَّ هذا بأنهم أمالوا {أية : وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ}تفسير : [المجادلة: 7] مع التصريح بـ "مِنْ" فلأن يميلوا "أعْمَى" مقدراً معه "مِنْ" أولى وأحرى. وأمَّا "أعْمَى" في طه [الآية: 124] فأماله الأخوان، وأبو عمرو، ولم يمله أبو بكر، وإن كان يميله هنا، وكأنه جمع بين الأمرين، وهو مقيَّد باتِّباع الأثر، وقد فرَّق بعضهم: بأنَّ "أعمى" في طه من عَمَى البصر، وفي الإسراء من عمى البصيرة؛ ولذلك فسَّروه هنا بالجهل فأميل هنا، ولم يملْ هناك؛ للفرق بين المعنيين، والسؤال باقٍ؛ إذ لقائلٍ أن يقول: فَلِمَ خُصِّصَتْ هذه بالإمالةِ، ولو عكسَ الأمر، لكان الفارقُ قائماً. ونقل ابن الخطيب - رحمه الله - عن أبي عليٍّ الفارسيِّ، قال: الوجه في تصحيح قراءة أبي عمرو أنَّ المراد بالأعمى في الكلمة الأولى كونه في نفسه أعمى، وبهذا التفسير تكون هذه الكلمة تامَّة، فتقبل الإمالة، وأما في الكلمة الثانية، فالمراد من الأعمى أفعل التفضيل، وبهذا التقدير: لا تكونُ تامة؛ فلم تقبل الإمالة. فصل قال عكرمة: جاء نفرٌ من أهل اليمن إلى ابن عبَّاس، فسأله رجلٌ عن هذه الآية، فقال: اقْرَأ ما قبلها، فقرأ {أية : رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ} تفسير : [الإسراء: 66] إلى قوله {أية : تَفْضِيلاً} تفسير : [الإسراء: 70]. فقال ابن عباس: من كان أعمى في هذه النِّعمِ التي قد رأى وعاين، فهو في الآخرة التي لم يعاين ولم ير أعمى وأضلُّ سبيلاً. وعلى هذا؛ فالإشارة بقوله: "هَذهِ" إلى النِّعمِ المذكورة في الآياتِ المتقدمة. روى الضحاك عن ابن عباس: من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرة الله تعالى، وعن رؤية الحقِّ، فهو في الآخرة أعمى أشدُّ عمًى {وَأَضَلُّ سَبِيلاً}، أي: أخطأ طريقاً وعلى هذا؛ فالإشارة بـ "هذه" إلى الدنيا. وعلى هذين القولين: فالمراد من كان أعمى عن معرفة الدلائل، والنِّعمِ، فبأن يكون في الآخرة أعمى القلب عن معرفة أحوال الآخرة أولى. وقال الحسن: من كان في الدنيا ضالاً كافراً، فهو في الآخرة أعمى، وأضلُّ سبيلاً؛ لأنَّه في الدنيا؛ تقبل توبته، وفي الآخرة، لا تقبل توبته، وحمل بعضهم العمى الثاني على عمى العين والبصر، ويكون التقدير: فمن كان في هذه الدنيا أعمى القلب حشر يوم القيامة أعمى العين و البصر، كما قال تعالى: {أية : وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيٰمَةِ أَعْمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ ءَايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنسَىٰ} تفسير : [طه: 124-126]. وقال جلَّ ذكره: {أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً} تفسير : [الإسراء: 97]. وهذا العمى زيادة في عقوبتهم.

ابو السعود

تفسير : {وَمَن كَانَ} من المدعوّين المذكورين {فِى هَـٰذِهِ} الدنيا التي فُعل بهم فيها ما فعل من فنون التكريمِ والتفضيل {أَعْمَىٰ} فاقدَ البصيرة لا يهتدي إلى رُشده ولا يعرِف ما أوليناه من نعمة التكْرِمةِ والتفضيلِ فضلاً عن شكرها والقيامِ بحقوقها، ولا يستعمل ما أودعناه فيه من العقول والقُوى فيما خُلِقْن له من العلوم والمعارِف الحَقّة {فَهُوَ فِى ٱلآخِرَةِ} التي عُبّر عنها بـيومَ ندعو {أَعْمَىٰ} كذلك أي لا يهتدي إلى ما ينجيّه ولا يظفَر بما يُجديه لأن العمَى الأولَ موجبٌ للثاني، وقد جُوّز كونُ الثاني بمعنى التفضيل على أن عماه في الدنيا، ولذلك قرأ أبو عمرو الأولَ مُمالاً والثاني مفخماً {وَأَضَلُّ سَبِيلاً} أي من الأعمى لزوال الاستعدادِ المُمْكنِ وتعطلِ الآلاتِ بالكلية، وهذا بعينه هو الذي أوتي كتابَه بشماله بدِلالة حال ما سبق من الفريق القابلِ له، ولعل العدولَ عن ذكره بذلك العنوانِ مع أنه الذي يستدعيه حسنُ المقابلة حسبما هو الواقعُ في سورة الحاقة وسورةِ الانشقاق للإيذان بالعلة الموجبةِ له كما في قوله تعالى: { أية : وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذّبِينَ ٱلضَّالّينَ} تفسير : [الواقعة، الآية 92] بعد قوله تعالى: { أية : فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ} تفسير : [الواقعة، الآية 90] وللرمز إلى علة حالِ الفريقِ الأول، وقد ذكر في أحد الجانبـين المسبّبُ وفي الآخر السببُ، ودل بالمذكور في كل منهما على المتروك في الآخر تعويلاً على شهادة العقلِ كما في قوله عز وعلا: { أية : وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ} تفسير : [يونس، الآية 107]. {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ} نزلت في ثقيفٍ إذ قالوا للنبـي صلى الله عليه وسلم: لا ندخُل في أمرك حتى تعطيَنا خِصالاً نفتخر بها على العرب لا نُعشر ولا نُحشر ولا نُجبىٰ في صلاتنا، وكلُّ رِباً لنا فهو لنا وكلُّ رباً علينا فهو موضوعٌ عنا، وأن تُمتّعنا باللات سنةً وأن تحرِّم واديَنا وَجّ كما حرّمت مكة، فإذا قالت العربُ: لم فعلتَ؟ فقل: إن الله أمرني بذلك، وقيل: في قريش حيث قالوا: اجعل لنا آيةَ عذابٍ آيةَ رحمةٍ وآيةَ رحمةٍ آيةَ عذابٍ، أو قالوا: لا نُمكّنك من استلام الحجرِ حتى تُلمّ بآلهتنا، فإنْ مخففةٌ من المشددة وضميرُ الشأنِ الذي هو اسمُها محذوفٌ واللامُ هي الفارقة بـينها وبـين النافية، أي إن الشأنَ قاربوا أن يفتنوك أي يخدعوك فاتنين {عَنِ ٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} من أوامرنا ونواهينا ووعْدِنا ووعيدِنا {لِتفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ} لتتقول علينا غيرَ الذي أوحينا إليك مما اقترحَتْه ثقيفٌ أو قريشٌ حسبما نقل {وَإِذّاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} أي لو اتبعت أهواءَهم لكنتَ لهم وليًّا ولخرجتَ من ولايتي.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ}[72] أي من كان في الدنيا أعمى القلب عن أداء شكر نعم الله تعالى عليه ظاهرة وباطنة فهو في الآخرة أعمى عن رؤية المنعم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ} [الآية: 72]. قال الجنيد رحمه الله: من كان فى هذه أعمى عن مشاهدة الفضل فهو فى الآخرة أعمى عن مشاهدة الذات. وقال أيضًا: من كان فى هذه أعمى عن مشاهدة برّه فهو فى الآخرة أعمى عن رؤيته وضال عن قربه.

القشيري

تفسير : في الآخرة أعمى عن معاينته ببصيرته. في الآخرة عذابُه الفُرقة وتضاف إليها الحُرْقَة - لهذا فهو {وَأَضَلُّ سَبِيلاً}.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً} من سمع فى الدنيا ذكره ولم يره بنعت ظهور الصفات فى الآيات لن يراه بوصف كشف الذات ومن عمى عن معرفة العبودية فى الدنيا فهو فى الاخرة عمى عن معرفة الربوبية ومن عمى فى الدنيا عن معرفة الاولياء فهو فى الاخرة اعمى عن رؤية منازلهم عند الله وهناك هم اضل سبيلا لان اولياؤه فى اكناف غيبه ولا يراهم غيرهم قال الجنيد من كان فى هذه اعمى عن مشاهدة الفضل فهو فى الآخرة اعمى عن مشاهدة الذات وقال ايضا من كان فى هذه اعمى عن مشاهدة بره فهو فى الآخرة اعمى عن رؤية وصال قربه.

الجنابذي

تفسير : {وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ} المراد بالعمى عمى البصيرة عن معرفة الآخرة وطريقها لا عمى البصر فربّ اعمى عن البصر يبصر امور الآخرة بالبصيرة، وربّ بصير فى الدّنيا يعمى عن امور الآخرة ويخرج البصيرة من القوّة الى الفعل بمعرفة الامام والعمى بانكاره ويبقى قوّة البصيرة من دون حصول فعليّة البصيرة، او العمى اذا لم يكن منكراً ولا عارفاً، وهذا وان كان فى حكم الاعمى لكنّه يرجى له البصيرة فى الآخرة كما يخاف عليه العمى فيها {وَأَضَلُّ سَبِيلاً} فى الآخرة منه فى الدّنيا او ممّن ضلّ السّبيل فى الدّنيا.

اطفيش

تفسير : {وَمَنْ كَانَ فِى هذِهِ} أى فى هذه الدار الأولى، وهى الدنيا {أَعْمَى} صفة مشبهة كأحمر وأبيض، أى عمى القلب، لا يبصر رشده. {فَهُوَ فِى الآخِرَةِ أَعْمَى} كأعمى البصر، لا يجد اتفاء المضر، فهو فى الآخرة هالك مضرور بالعذاب والنار، كأعمى يمشى ولا يدرى أى مسلك هو فإنه يصادم الحائط، ويقع فى الهوة، وعلى الشوك، وبين يدى سبع، وعلى ما يكره، وهذا كقوله تعالى: "أية : وأما من أوتى كتابه بشماله"تفسير : [الحاقة: 25] فهو مقابل لقوله تعالى قبل هذا: "أية : فأما من أوتى كتابه بيمينه" تفسير : [الحاقة: 19] إلخ أو المعنى لا يجد سبيلا لنجاة، ولما أنزلت الآية قال ابن أم مكتوم - وهو أعمى - لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أأكون فى الآخرة أعمى، فأنزل الله تعالى: "أية : فإنها لا تعمى الأبصار" تفسير : [الحج: 46] إلخ. وقيل: الأعمى أعمى البصر فى الآخرة عقوبة لهم لقوله تعالى: "أية : ونحشره يوم القيامة أعمى"تفسير : [طه: 124] إلخ ونحشرهم يوم القيامة إلخ، وقيل: أعمى اسم تفضيل ولو كان من العيوب، لأنه من عيوب الباطل فلا يمتنع صوغ اسم التفضيل فيه نحو أحمق وأبله، ولذلك قيل لم يمله أبو عمر ويعقوب، لأن ألفه فى الوسط بمن التفضيلية، بخلاف ما إذا كان صفة مشبهة، فليست من التفضيلية مقدرة بعده، ولا نسلم ما قيل: إن الإمالة لا تحسن وسطاً، بل حسنت وكثرت، كما فى كتب النحو والتصريف، وعلم القراءة، وقد أمال أعمى فى موضعين حمزة والكسائى وأبو بكر، وقرأ ورش بين بين، ولو كانت المتطرفة أولى بالإمالة، لأنها تقلب فى التثنية ياء، وأيضا من التفضيلية كلمة أخرى، فلا يعتبرها ما بعدها وسطاً. {وَأَضَلُّ} فيها {سَبِيلاَ} منه فى الدنيا، لأنه فيها يمكنه الاهتداء بخلافه فى الآخرة، وممن هو أعمى وأضل فى الآخرة منه فى الدنيا، من لم يتب من ثقيف وقريش النازل فيهم قوله تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِى عَلَيْنَا غَيْرَهُ} مما لا يجوز كما طلبوه، أما ثقيف فقالوا إذا وفدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف، لا ندخل فى دينك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب، لا نعطى زكاة الحبوب، ولا تذهب بنا للقتال، ونصلى بلا ركوع ولا سجود، ونأخذ ما لنا من الربا على غيرنا، ولا نعطى ما علينا من الربا، وأن تخلينا واللات وسائر أصنامنا سنة، وإِذا تمت لم نهدمها بأنفسنا، وأن لا يقطع أحد من وادينا شجراً ولا نباتاً كالحرم، وإن قالت العرب لِمَه؟ فقل: الله أمرنى بذلك. وفى رواية من ذلك: شرطوا أن لا نصلى، وفى أخرى إِذا تمت السنة كسرنا الأصنام بأيدينا، وفى أخرى أن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها لنأخذ ما يهدى إليها، ولما قالوا: لا نركع ولا نسجد، أو لا نصلى، قال: "حديث : لا خير فى دين لا ركوع فيه ولا سجود وأما الأصنام فإنى غير ممتعكم بها، وأما كسرها بأيديكم الآن فلكم"تفسير : وسكت من غير ذلك كأنه رجا أن يبيحه الله عز وجل ليسلموا. وأما قريش فقيل: قالوا: لا نمكنك من استلام الحجر حتى تستلم آلهتنا، وروى أنا لا نؤمن حتى تطرد هؤلاء الضعفاء والموالى، الذين أسلموا، وتجعل آية رحمة آية عذاب، وآية عذاب آية رحمة، وحتى تستلم آلهتنا فقيل: سكت فطمعوا ونزل لسكوته {وإن كادوا ليفتنونك} بمعنى أن ذلك كله حرام وافتراء ومناقض للوحى لا يبيحه الله، واستلام الحجر قبل الفتح، والسورة مكية إلا ثمانى آيات هذه أولاهن وأخراهن آية "أية : سلطاناً نصيراً"تفسير : [الإسراء: 80] فلا يتم منعه من استلام الحجر بعد الفتح وإن مخففة واللام فارقة، والفتن صرفة عن الوحى. {وَإِذًَا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} لو اتبعتهم إذًا لاتخذوك خليللا، تصير بريئا من ولايتى، فحذف لو وبقى جوابه، وليس جوابًا للقسم كما قيل، لأن إجابة القسم بماض متصرف مثبت مجرد من قد، قيل: وقد عدوا قول امرئ القيس لعنه الله: شعر : حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا وما إن من حديث ولا مالى تفسير : من الشواذ أو الضرائر.

الالوسي

تفسير : {وَمَن كَانَ} من المدعوين المذكورين {فِى هَـٰذِهِ} الدنيا التي فعل بهم فيها من التكريم والتفضيل ما فعل {أَعْمَىٰ} لا يهتدي إلى طريق نجاته من النظر إلى ما أولاه مولاه جل علاه والقيام بحقوقه وشكره سبحانه بما ينبغي له عز شأنه من الايمان والعمل {فَهُوَ فِى ٱلأَخِرَةِ} التي عبر عنها بـِ {أية : يَوْمَ نَدْعُواْ} تفسير : [الإسراء: 71] {أَعْمَىٰ} لا يهتدي أيضاً إلى ما ينجيه ولا يظفر بما يجديه لأن العمى الأول موجب للثاني وهو في الموضعين مستعار من آفة البصر. وجوز أن يكون {أَعْمَىٰ} الثاني أفعل تفضيل من عمى البصيرة وهو من العيوب الباطنة التي يجوز أن يصاغ منها أفعل التفضيل كالأحمق والأبله، وبني على ذلك إمالة أبـي عمرو الأول وتفخيمه الثاني وبيان أن الألف في الأول آخر الكلمة كما ترى وتحسن الإمالة في الأواخر وهي في الثاني على تقدير كونه أفعل تفضيل كأنها في وسط الكلمة لأن أفعل المذكور غير معرف باللام ولا مضاف لا يستعمل بدون من الجارة للمفضل عليه ملفوظة أو مقدرة وهو معها في حكم الكلمة الواحدة ولا تحسن الإمالة فيها ولا تكثر كما في المتطرفة. وقد صرح بذلك أبو علي في «الحجة» فلا يرد إمالة {أية : أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ} تفسير : [المجادلة: 7] و {الكافرين} وأن حمزة والكسائي وأبا بكر يميلون (الأعمى) في الموضعين ولا حاجة إلى أن يقال: إنهم لا يرونه أفعل تفضيل أو أن الإمالة فيما يرونه كذلك للمشاكلة. وقال بعض المحققين: إنه لما أريد افتراق معنيي الأعمى في الموضعين افترق اللفظان إمالة وتفخيماً وفخم الثاني لأن ما يدل على زيادة المعنى أولى بالتفخيم مع عدم حسن الإمالة فيه حسنها في الأول، ولا يظن بأبـي علي أنه يقول بامتناع الإمالة وإنما يقول بأولوية التفخيم. وقال بعضهم: إن كان العمى فيما يكون للبصر وما يكون للبصيرة حقيقة فلا إشكال، وإن كان حقيقة في الأول وتجوز به عن الثاني ففيه إشكال إلا أن يقال: إنه ألحق بما وضع لذلك وقد منعه آخرون لأن العلة وهي الإلباس بالوصف موجودة فيه فتدبر. وقوى هذا التأويل بعطف قوله تعالى: {وَأَضَلُّ سَبِيلاً} منه في الدنيا لزوال الاستعداد وعدم إمكان تدارك ما فات، وهذا بعينه هو الذي أوتي كتابه بشماله بدلالة حال ما سبق من الفريق المقابل له، ولعل العدول إلى هذا العنوان للإيذان بالعلة الموجبة كما في قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذّبِينَ} تفسير : [الواقعة: 92] بعد قوله سبحانه: {أية : وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ}تفسير : [الواقعة: 90] وللرمز إلى علة حال الفريق الأول وفي ذلك ما هو من قبيل الاحتباك حيث ذكر في أحد الجانبين المسبب وفي الآخر السبب ودل بالمذكور في كل منهما / على المتروك في الآخر تعويلاً على شهادة العقل. وجعله ابن المنير مقابلاً للقسم الأول على معنى {أية : فَمَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ} تفسير : [الإسراء: 71] فهو الذي يتبصره ويقرؤه ومن كان في الدنيا أعمى غير متبصر في نفسه ولا ناظر في معاده فهو في الآخرة كذلك غير متبصر في كتابه بل أعمى عنه أو أشد عمى مما كان في الدنيا على اختلاف التأويلين وهو خلاف الظاهر. ويشعر أيضاً بأن من كان في الدنيا أعمى عن السلوك في طريق نجاته لا يقرأ في الآخرة كتابه وهو خلاف المصرح به في الآيات والأحاديث، نعم فرق بين القراءتين ولعل الآية تشعر بالفرق وإن لم تقرر المقابلة بما ذكر. هذا وعن أبـي مسلم تفسير {أَعْمَىٰ} الثاني بأعمى العين ولا تجوز أي من كان في الدنيا أعمى القلب فهو في الآخرة أعمى العين أي يحشر كذلك عقوبة له على ضلالته في الدنيا وهو كقوله تعالى {أية : وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ أَعْمَىٰ } تفسير : [طه: 124] الآية، وتأول {أية : فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ} تفسير : [ق: 22] بالعلم والمعرفة، وعنه أيضاً تجويز أن يكون العمى عبارة عما يلحقه من الغم المفرط كأنه قيل من كان في الدنيا ضالاً فهو في الآخرة مغموم جداً فإن من لا يرى إلا ما يسوؤه والأعمى سواء، وهذا كما يقال: فلان سخين العين وهو كما ترى. وقيل: إن (هذه) إشارة إلى النعم المذكورة قبل على معنى من كان أعمى غير متبصر في هذه النعم وقد عاينها فهو في شأن الآخرة التي لم يعاينها أعمى وأضل سبيلاً، واستند في ذلك إلى ما أخرجه الفريابـي وابن أبـي حاتم عن عكرمة قال: جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسأله رجل منهم أرأيت قوله تعالى: {وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلأَخِرَةِ أَعْمَىٰ} فقال ابن عباس: لم تصل المسألة اقرأ ما قبلها {أية : رَبُّكم ٱلَّذِى يُزْجِى لَكُمُ ٱلْفُلْكَ فِى ٱلْبَحْرِ} تفسير : [الإسراء: 66] حتى بلغ {أية : وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} تفسير : [الإسراء: 70] ثم قال: من كان أعمى عن هذه النعم التي قد رأى وعاين فهو في أمر الآخرة التي لم ير ولم يعاين أعمى وأضل سبيلاً. وفي رواية أخرى أخرجها عنه ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ في «العظمة» من طريق الضحاك أنه قال في الآية: يقول تعالى من كان في الدنيا أعمى عما رأى من قدرتي من خلق السماء والأرض والجبال والبحار والناس والدواب وأشباه هذا فهو عما وصفت له في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً يقول سبحانه أبعد حجة. وروى أبو الشيخ عن قتادة نحوه، ولا يخفى أن كلا التأويلين بعيد جداً وإن كان الثاني دون الأول في البعد ولا أظن الحبر يقول ذلك والله تعالى أعلم. ومن باب الإشارة في الآيات: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ} تفسير : [الإسراء: 23] قالت الوجودية من الصوفية: إنه تعالى سبق قضاؤه أن لا يعبد سواه فكل عابد إنما يعبد الله سبحانه من حيث يدري ومن حيث لا يدري فإنه جل شأنه الأول والآخر والظاهر والباطن والأعيان الثابتة ما شمت رائحة الوجود ولا تشمه أبداً. ومما ينسبونه إلى زين العابدين رضي الله تعالى عنه ويزعمون أنه مشير إلى مدعاهم قوله:شعر : إني لأكتم من علمي جواهره كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا وقد تقدم في هذا أبو حسن إلى الحسين وأوصى قبله الحسنا فرب جوهر علم لو أبوح به لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا ولاستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونه حسنا تفسير : / قالوا: إنه رضي الله تعالى عنه عنى بهذا الجوهر الذي لو باح به لقيل له: أنت ممن يعبد الوثن علم الوحدة إذ منه يعلم أن الوثن وكذا غيره مظهر له جل وعلا وليس في الدار غيره ديار، وقد مر عن قرب ما نقل عن الحلاج ومثله كثير للشيخ الأكبر قدس سره ولغيره عرباً وعجماً وهو عفا الله تعالى عنه قد فتح باباً في هذا المطلب لا يسد إلى أن يأتي أمر الله عز وجل وكأنه أوصي إليه بأن يبوح وينثر هاتيك الجواهر بين الأصاغر والأكابر كما أوصي إلى الحسنين بأن يكتما من ذلك ما علما وفي بعض كتبه قدس سره ما هو صريح في أنه مأمور فإن صح ذلك فهو معذور، وأنا لا أرى عذراً لمن يقفو أثره في المقال مع مباينته له في الحال فإن هذا المطلب أجل من أن يحصل لغريق الشهوات وأسير المألوفات ورهين العادات ولله تعالى در من قال:شعر : تقول نساء الحي تطمع أن ترى محاسن ليلى مت بداء المطامع وكيف ترى ليلى بعين ترى بها سواها وما طهرتها بالمدامع وتطمع منها بالحديث وقد جرى حديث سواها في خروق المسامع تفسير : ولا يخفى أنه على تأويل الصوفية هذه الآية لا يكون قوله تعالى: {أية : وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً} تفسير : [الإسراء: 23] داخلاً فيما قضى إذ لا يسعهم أن يقولوا إن كل أحد محسن بوالديه من حيث يدري ومن حيث لا، ويفهم من كلام بعض المتصوفة أن هذا إيصاء بالإحسان إلى الشيخ أيضاً، وعليه فيحتمل أن يكون تثنية الوالدين كما في قولهم: القلم أحد اللسانين {أية : وَءاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [الإسراء: 26] قيل: ذو القربى إشارة إلى الروح لأنها كانت قبل في القربة والمشاهدة ثم هبطت حيث هبطت، والمسكين إشارة إلى العقل لأنه عاجز عن تحصيل العلم بحقيقة ربه سبحانه، وابن السبيل إشارة إلى القلب لأنه يتقلب في سبل السلوك إلى ملك الملوك، وحق الروح المشاهدة، والعقل الفكر، والقلب الذكر، وقيل: الأول: إشارة إلى إخوان المعرفة الذين وصلوا معالي المقامات وحقهم ذكر ما يزيد تمكينهم، والثاني: إشارة إلى العاشقين الذين سكنهم عشق مولاهم عن طلب ما سواه وحقهم ذكر ما يزيد عشقهم، والثالث: إشارة إلى السالكين سبل الطلب الممتطين نجائب الهمة وحقهم ذكر ما يزيد رغبتهم ويهون مشقتهم {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ} تفسير : [الإسراء: 29] فيه إشارة للمشايخ كيف يكونون مع المريدين أي لا يبخل على المريد بنشر فضائل المعرفة وحقائق القربة ولا تذكر شيئاً لا يتحمله فيهلك وكن بين بين {أية : وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ} تفسير : [الإسراء: 34] الذي أخذ منكم قبل خلق الأشباح وهو أن توحدوه تعالى ولا تشركوا به شيئاً. وقال يحيـى بن معاذ: لربك عليك عهود ظاهراً وباطناً فعهد على الأسرار أن لا تشاهد سواه جل جلاله، وعهد على الروح أن لا تفارق مقام القربة، وعهد على القلب أن لا يفارق الخوف، وعهد على النفس أن لا تترك شيئاً من الفرائض، وعهد على الجوارح أن تلازم الأدب وتترك المخالفات {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ} قيل فيه إشارة للمشايخ أيضاً أن لا ينقصوا المستعدين ما يقتضيه استعدادهم من الفيوضات القلبية، وفي قوله تعالى: {أية : وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ} تفسير : [الإسراء: 35] إشارة لهم أن يعرضوا أعمال المريدين القلبية والقالبية على الشريعة فهي القسطاس المستقيم وكفتاها الحظر والإباحة {أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}تفسير : [الإسراء: 36] الآية فيه إشارة إلى بعض ما يلزم السالك من التثبت والاحتياط والكف عن الدعاوى العاطلة{أية : تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ} تفسير : [الإسراء: 44] الآية وقد علمت ما عند الصوفية في تسبيح الأشياء من أنه قالي إلا أنه لا يسمعه إلا من فاز بقرب النوافل أو من أشرق عليه شيء من أنواره / كالذين سمعوا تسبيح الحصى في مجلس سيد الكاملين صلى الله عليه وسلم، والتسبيح الحالي مما لا ينكره أحد من المسلمين، وقرره بعض الصوفية بأن لكل شيء خاصية ليست لغيره وكما لا يخصه دون ماعداه فهو يشتاقه ويطلبه إذا لم يكن حاصلاً له ويحفظه ويحبه إذا حصل فهو بإظهار خاصيته ينزه الله تعالى من الشريك وإلا لم يكن متوحداً فيها فلسان حاله يقول أوحده على ما وحدني وبطلب كماله ينزهه سبحانه عن صفات النقص كأنه يقول يا كامل كملني وبإظهار كماله كأنه يقول كملني الكامل المكمل وعلى هذا القياس، وحينئذ يقال: تسبحه السمٰوات بالكمال والتأثير والربوبية وبأنه كل يوم هو في شأن ونحو ذلك، والأرض بالخلاقية والرزاقية والرحمة إلى غير ذلك، والملائكة بالعلم والقدرة والتجرد عن المادة على القول بأنهم أرواح مجردة وهكذا {أية : وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرءانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا} تفسير : [الإسراء: 45] من الجهل وعمى القلب فلا يرون حقيقتك القدسية ولا يدركون منك إلا الصورة البشرية، وإنما خص ذلك بوقت قراءة القرآن مع أنهم في كل وقت هم أجهل الخلق به صلى الله عليه وسلم لأن في ذلك الوقت يظهر إشراق أنوار الصفات عليه عليه الصلاة والسلام فإذا كانوا محجوبين إذ ذاك كانوا في غيره من الأوقات أحجب وأحجب {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} من الغشاوات الطبيعية والهيئات البدنية {أَن يَفْقَهُوهُ} فإن القرآن كلامه تعالى وهو أحد صفاته وإذا لم يعرفوا نبيه صلى الله عليه وسلم لم يعرفوه عز وجل وإذا لم يعرفوه سبحانه لم يعرفوا صفاته تعالى فلم يعرفوا كلامه سبحانه {وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً} لرسوخ أوساخ التعلقات فيها يمنعهم عن سماع القراءة وهذا ناشىء من جهلهم بأفعاله تعالى {أية : وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى ٱلْقُرْءانِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِمْ نُفُوراً} تفسير : [الإسراء: 46] لتشتت أهوائهم وتفرق همهم في عبادة آلهتهم المتنوعة فلا تناسب الوحدة بواطنهم {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ} للقيام من القبور {فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } حامدين له تعالى مجده بلسان القال أو بلسان الحال حيث أظهر فيكم الحياة بعد الموت ونحو ذلك. {وَتَظُنونَ إِن لَّبِثْتُمْ} في القبور أو في الدنيا {أية : إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 52] لذهولكم عن ذلك الزمان أو لاستقصاركم الدنيا بالنسبة إلى الآخرة {أية : رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذّبْكُمْ} تفسير : [الإسراء: 54] فيه إشارة إلى أن المشيئة تابعة للعلم فمن علم سبحانه أهليته للرحمة شاء تعالى رحمته فرحمه ومن علم جل وعلا أهليته للعذاب شاء عذابه فعذبه، ولا يخفى ما في تقديم شق مشيئة الرحمة من تقوية الأمل {أُولَٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ} أي يدعونهم الكفار ويعبدونهم {يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} أي يطلب الأقرب منهم الوسيلة إلى الله تعالى فكيف بغير الأقرب والوسيلة في الأصل الواسطة التي يتوسل ويتقرب بها إلى الشيء وهي هنا الطاعة كما تقدم. وقيل هي كرمه تعالى القديم وإحسانه عز وجل العميم. وقيل هي الشفاعة يوم القيامة، ولما كان مقام الوسيلة بهذا المعنى خاصاً بنبينا صلى الله عليه وسلم أطلقوا الوسيلة عليه عليه الصلاة والسلام، وفسرها بذلك هنا بعض الصوفية فكل من عبد من دون الله تعالى من عيسى وعزير والملائكة عليهم السلام وسيلتهم إلى الله تعالى نبينا صلى الله عليه وسلم بل هو عليه الصلاة والسلام وسيلة سائر الموجودات والواسطة بينهم وبين الله تعالى في إفاضته سبحانه الوجود وكذا سائر ما أفيض عليهم وأحظى الخلق بوساطته الأنبياء عليهم السلام فإنهم أشعة أنواره وعكوسات آثاره وهو النور الحق والنبـي المطلق وكان نبياً وآدم بين الماء والطين وقد تلقى الأنبياء منه من وراء حجاب الأرحام والأصلاب وظهروا إذ كان محتجباً ظهور الكواكب في الليل فلما بزغت شمس النبوة / المطلقة من أفق الظهور غابوا ونسخت أحكامهم على نحو غيبوبة الكواكب وانمحاق أنوارها وأضوائها عند طلوع الشمس من تحت الحجاب منخلعة عن الجلباب {أية : وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَـٰفُونَ عَذَابَهُ} تفسير : [الإسراء: 57] لعلمهم بجماله وجلاله والرجاء والخوف جناحا من يطير إلى حضرة القدس وروضة الأنس ومن عطل أحدهما تعطل عن الطيران {أية : وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ}تفسير : [الإسراء: 64] إلى قوله سبحانه {أية : وَكَفَىٰ بِرَبّكَ وَكِيلاً} تفسير : [الإسراء: 65] فيه إشارة إلى اختلاف مراتب تمكن الشيطان من إغواء بني آدم فمن كان منهم ضعيف الاستعداد استفزه واستخفه بصوته فأغواه بوسوسة وهمس بل هاجسة ولمة، ومن كان قوي الاستعداد فإن كان خالصاً عن شوائب الغيرية أو عن شوائب الصفات النفسانية لم يتمكن من إغوائه وهذا هو المراد بقوله تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ} تفسير : [الإسراء: 65] وإن لم يكن خالصاً فإن كان منغمساً في الشواغل الحسية منهمكاً في الأمور الدنيوية شاركه في أمواله وأولاده وحرضه على إشراكهم بالله تعالى في المحبة وسول له التمتع والتكاثر والتفاخر بهم ومناه الأماني الكاذبة وزين له الآمال الفارغة، وإن لم ينغمس فإن كان عالماً بتسويلاته أجلب عليه بخيله ورجله أي مكر بأنواع الحيل وكاده بصنوف الفتن وأفتاه بأن تحصيل أنواع الحطام والملاذ من جملة مصالح المعاش وغره بعلمه وحمله على الإعجاب به وأمثال ذلك حتى أضله على علم، وإن لم يكن عالماً بل كان عابداً متنسكاً أغواه بالوعد وغره برؤية الطاعة وتزكية النفس {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ}تفسير : [الإسراء: 70] الآية قيل كرمهم تعالى بأن خلق أباهم آدم على صورة الرحمن وجعل لهم ذلك بحكم الوراثة وأن الولد سر أبيه وفضلهم على الكثير بأن جعل لهم من النعم ما يستغرق العد وجوز أن يقال: تكريمهم بأن بسط موائد الإنعام لهم وجعل من عداهم طفيلياً، وتفضيلهم بما ذكر في التكريم أولاً وفيه احتمالات أخر {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ} أي نناديهم بنسبتهم إلى من كانوا يقتدون به في الدنيا لأنه المستعلي محبتهم إياه على سائر محباتهم {فَمَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ} أي من جهة العقل الذي هو أقوى جانبيه {فَأُوْلَٰئِكَ يَقْرَءونَ كِتَـٰبَهُمْ} ويأخذون أجور أعمالهم المكتوبة فيه {أية : وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} تفسير : [الإسراء: 71] أدنى شيء حقير من ذلك {وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ} عن الاهتداء إلى الحق {فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ} أيضاً {وَأَضَلُّ سَبِيلاً} [الإسراء: 72] لبطلان الكسب هناك وهذا الذي يؤتى كتابه بشماله أي من جهة النفس التي هي أضعف جانبيه إلا أنه عبر عنه بما ذكر لما قدمنا، والله تعالى هو الهادي إلى سواء السبيل. ثم إنه عز وجل لما عدد نعمه على بني آدم ثم ذكر حالهم في الآخرة وانقسامهم إلى قسمين سعداء وأشقياء أتبع ذلك بذكر بعض مساوي بعض الأشقياء في الدنيا من المكر والخداع والتلبيس على سيد أهل السعادة المقطوع له بالعصمة صلى الله عليه وسلم وفي ذلك إشارة إلى أنهم داخلون فيمن عمي عن الاهتداء في الدنيا دخولاً أولياً فقال سبحانه وتعالى: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ}.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً} المراد بالعمى في هذه الآية الكريمة: عمى القلب لا عمى العين. ويدل لهذا قوله تعالى:{أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ}تفسير : [ الحج:46] لأن عمى العين مع إبصار القلب لا يضر، بخلاف العكس. فإن أعمى العين يتذكر فتنفعه الذكرى ببصيرة قلبه، قال تعالى: {أية : عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰ}تفسير : [عبس:1-4]. شعر : إذا بصر القلب المروءة والتقى فإن عمى العينين ليس يضير تفسير : وقال ابن عباس رضي الله عنهما لما عمي في آخر عمره - كما روي عنه من وجوه - كما ذكره ابن عبد البر وغيره: شعر : إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي لساني وقلبي منهما نور قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل وفي فمي صارم كالسيف مأثور تفسير : وقوله في هذه الآية الكريمة: {فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً} قال بعض أهل العلم: ليست الصيغة صيغة تفضيل، بل المعنى فهو في الآخرة أعمى كذلك لا يهتدي إلى نفع. وبهذا جزم الزمخشري. قال مقيدة عفا الله عنه: الذي يتبادر إلى الذهن أن لفظة "أعمى" الثانية صيغة تفضيل. أي هو أشد عمى في الآخرة. ويدل عليه قوله بعده {وَأَضَلُّ سَبِيلاً} فإنها صيغة تفضيل بلا نزاع. والمقرر في علم العربية: أن صيغتي التعجب وصيغة التفضيل لا يأتيان من فعل الوصف منه على أفعل الذي أنثاه فعلاء. كما أشار له في الخلاصة بقوله: شعر : وغير ذي وصف يضاهي أشهلا تفسير : والظاهر أن ما وجد في كلام العرب مصوغاً من صيغة تفضيل أو تعجب غير مستوف للشروط - أنه يحفظ ولا يقاس عليه. كما أشار له في الخلاصة بقوله: شعر : وبالندور احكم لغير ما ذكر ولا تقس على الذي منه أثر تفسير : ومن أمثلة ذلك قوله: شعر : ما في المعالي لكم ظل ولا ثمر وفي المخازي لكم أشباح أشياخ أما الملوك فأنت اليوم ألأمهم لؤماً وأبيضهم سربال طباخ تفسير : وقال بعض العلماء: إن قوله في هذا البيت "وأبيضهم سربال طباخ" ليس صيغة تفضيل. بل المعنى أنت وحدك الأبيض سربال طباخ من بينهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلآخِرَةِ} (72) - وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ أَعْمَى القَلْبِ، لاَ يُبْصِرُ سَبِيلَ الهُدَى وَالرَّشَادِ، وَلاَ يَتَأَمَّلُ حُجَجَ اللهِ وَآيَاتِهِ وَبَيِّنَاتِهِ، فَهُوَ كَذَلِكَ أَعْمَى فِي الآخِرَةِ لاَ يَرَى طَرِيقَ الخَيْرِ وَالنَّجَاةِ، وَيَكُونُ فِي الآخِرَةِ أَشَدَّ ضَلاَلاً مِنْهُ فِي الدُّنْيا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذا هو المقابل لمن أخذ كتابه بيمينه؛ لأنه عميتْ بصيرته في الدنيا فعمى في الآخرة، وطالما هو كذلك فلا شَكَّ أنه من أهل الشمال، فالآيات ذكرتْ مرة السبب، وذكرتْ مرة المسبّب، ليلتقي السبب والمسبب، وهو ما يعرف باسم [الاحتباك] البلاغي. فكأن الحق سبحانه قال: إن مَنْ أُوتِي كتابه بيمينه وقرأه وتباهى به لم يكُنْ أعمى في دنياه، بل كان بصيراً واعياً، فاهتدى إلى منهج الله وسار عليه، فكانت هذه نهايته وهذا جزاءه. أما مَنْ أوتي كتابه بشماله فقد كان أعمى في الدنيا عمى بصيرة لا عمى بصر؛ لأن عمى البصر حجب الأداة الباصرة عن إدراك المرائي، والكافرون في الدنيا كانوا مُبصرين للمرائي من حولهم. مُدركين لماديات الحياة، أما بصيرتهم فقد طُمِس عليها فلا ترى خيراً، ولا تهتدي إلى صلاح. وسبق أن قلنا: إن الإنسان لكي يسير في رحلة الحياة على هدى لا بُدَّ له من بصر يرى به المرائي المادية، حتى لا يصطدم بأقوى منه فيتحطم أو بأضعف منه فيحطمه، والبصر للمؤمن والكافر من عطاء الربوبية للإنسان. لكن إلى جانب البصر هناك عطاء آخر هو ثمرة من ثمار عطاء الألوهية الذي لا يكون إلا للمؤمن، ألا وهو البصيرة، بصيرة القيم التي يكتسبها الإنسان من منهج الله الذي آمن به وسار على هَدْيه. وقوله: {فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلا} [الإسراء: 72]. إنْ كان عماه في الدنيا عمى بصيرة، فَعَماه في الآخرة عمى بصر؛ لأن البصيرة مطلوبة منه في الدنيا فقط؛ لأن بها سيُعرف الخير من الشر، وعليها يترتب العمل، وليست الآخرة مجال عمل، إذن: العمى في الآخرة عمى البصر، كما قال تعالى في آية أخرى: {أية : فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ}تفسير : [طه: 123-124]. وقال عنهم في آية أخرى: {أية : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّا ..}تفسير : [الإسراء: 97]. لكن قد يقول قائل: هناك آيات أخرى تثبت لهم الرؤية في الآخرة، مثل قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ ..}تفسير : [مريم: 75]. وقوله تعالى: {أية : وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا ..}تفسير : [الكهف: 53]. وللجمع بين هذه الآيات وللتوفيق بينها نقول: للكفار يوم القيامة في مجال الرؤية البصرية حالتان: الأولى عند القيام وهَوْل المحشر يكونون عُمْياً وبُكْماً وصُمّاً لتزداد حَيْرتهم ويشتد بهم الفزع حيث هم في هذا الكرب الشديد، ولكن لا يعرف ما يحدث ولا أين المهرب، ولا يستمعون من أحد كلمة، وهكذا هم في كَرْب وحَيْرة لا يدرون شيئاً. وهذه حالة العمى البصري عندهم. أما الحالة الثانية وهي الرؤية، فتكون عندما يتجلى الحق تبارك وتعالى لأهل الموقف ويكشف الغطاء عن نفسه سبحانه، فهنا يصير الكافر حَادّ البصر، ليرى مكانه من النار. ولا بُدَّ لنا هنا أن نلحظَ أن ألفاظ اللغة قد يكون اللفظ واحداً ولكن يختلف السياق، ففي قوله تعالى: {وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً} [الإسراء: 72]. فلفظ {أَعْمَىٰ} واحد، لكن في الآخرة قال {وَأَضَلُّ سَبِيلاً} إذن: لا بُدَّ أن عمى الدنيا أقلّ من عمى الآخرة، كما تقول: هذا خير. فمقابل خير: شر. أما لو قلت: هذا خَيْر من هذا فقد فضَّلتَ الأول في الخيرية عن الثاني، إذن: كلمة خير إما أنْ تأتي وَصْفاً، وإما أن تأتي تفضيلاً. ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن القوي خَيْرٌ وأحَبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خير ". تفسير : فالمراد أن المؤمن القوي أكثر في الخيرية. إذن: فكلمة: {فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ ..} [الإسراء: 72] ليست وَصْفاً، وإنما تفضيل لعمى الآخرة على عمى الدنيا، أي أنه في الآخرة أشدّ عمىً. وقوله تعالى: {وَأَضَلُّ سَبِيلاً} [الإسراء: 72] ومعلوم أنه كان ضالاً في الدنيا، فكيف يكون أضلَّ في الآخرة؟ قالوا: لأن ضلاله في الدنيا كان يمكن تداركه بالرجوع إلى المنهج والعودة إلى الطريق السَّويّ، أما في الآخرة فضلاله لا يمكن تداركه، فقد انتهى وقت الاختيار، إذن: فضلالهُ في الآخرة أشدّ وأعظمُ من ضلاله في الدنيا. ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن بن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ} [الآية: 72] يعني: في الدنيا. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ}، يعني: عذاب الدنيا، {وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ} [الآية: 75]. يعني: عذاب الآخرة. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا / 40ظ / ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً} [الآية: 76]. قال: لو أَخرجت قريش رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعذبوا بذلك.

همام الصنعاني

تفسير : 1596- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ}: [الآية: 72]، قال: في الدنيا أعمى فيما أراه الله من آياته، من خَلْقِ السماوات والأرض والجبال والنجوم {فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ} الغائبة التي لم يرها {أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً}. 1598- حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله تعالى: {أَعْمَىٰ}: [الآية: 72]، قال: أعْمَى عن حجته في الآخرة.