Verse. 2102 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

وَاِنْ كَادُوْا لَيَفْتِنُوْنَكَ عَنِ الَّذِيْۗ اَوْحَيْنَاۗ اِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَہٗ۝۰ۤۖ وَاِذًا لَّاتَّخَذُوْكَ خَلِيْلًا۝۷۳
Wain kadoo layaftinoonaka AAani allathee awhayna ilayka litaftariya AAalayna ghayrahu waithan laittakhathooka khaleelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإن» مخففة «كادوا» قاربوا «ليفتنونك» ليستنزلون «عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا» لو فعلت ذلك «لاتخذوك خليلاً».

73

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على خلقه وأتبعها بذكر درجات الخلق في الآخرة وشرح أحوال السعداء أردفه بما يجري مجرى تحذير السعداء من الاغترار بوساوس أرباب الضلال والانخداع بكلامهم المشتمل على المكر والتلبيس فقال: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس في رواية عطاء نزلت هذه الآية في وفد ثقيف أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه شططاً، وقالوا متعنا باللات سنة وحرم وادينا كما حرمت مكة شجرها وطيرها ووحشها فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجبهم فكرروا ذلك الالتماس، وقالوا إنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم، فإن كرهت ما نقول وخشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا، فقل: الله أمرني بذلك فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وداخلهم الطمع، فصاح عليهم عمر وقال: أما ترون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمسك عن الكلام كراهية لما تذكرونه؟ فأنزل الله هذه الآية، وروى صاحب «الكشاف» أنهم جاءوا بكاتبهم فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله إلى ثقيف لا يعشرون ولا يحشرون، فقالوا ولا يجبون، فسكت رسول الله، ثم قالوا للكاتب: اكتب ولا يجبون والكاتب ينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام عمر بن الخطاب وسل سيفه، وقال: أسعرتم قلب نبينا يا معشر قريش، أسعر الله قلوبكم ناراً. فقالوا لسنا نكلمك إنما نكلم محمداً، فنزلت هذه الآية واعلم أن هذه القصة إنما وقعت بالمدينة فلهذا السبب قالوا إن هذه الآيات مدنية. وروى أن قريشاً قالوا له: اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة، حتى نؤمن بك. فنزلت هذه الآية وقال الحسن: الكفار أخذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بمكة قبل الهجرة فقالوا: كف يا محمد عن ذم آلهتنا وشتمها فلو كان ذلك حقاً كان فلان وفلان بهذا الأمر أحق منك فوقع في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكف عن شتم آلهتهم. وعلى هذا التقدير فهذه الآية مكية، وعن سعيد بن جبير أنه عليه السلام كان يستلم الحجر فتمنعه قريش ويقولون لا ندعك حتى تستلم آلهتنا فوقع في نفسه أن يفعل ذلك مع كراهية، فنزلت هذه الآية. المسألة الثانية: قال الزجاج معنى الكلام كادوا يفتنونك ودخلت إن واللام للتأكيد وإن مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، والمعنى إن الشأن (أنهم) قاربوا أن يفتنوك أي يخدعوك فاتنين (و) أصل الفتنة الاختبار يقال فتن الصائغ الذهب إذا أدخله النار وأذابه لتميز جيده من رديئه ثم استعملوه في كل من أزال الشيء عن حده وجهته فقالوا فتنه فقوله: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } أي يزيلونك ويصرفونك عن الذي أوحينا إليك يعني القرآن، والمعنى عن حكمة وذلك لأن في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن، وقوله: {لِتفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ } أي غير ما أوحينا إليك وهو قولهم: قل الله أمرني بذلك {وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً } أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك خليلاً وأظهروا للناس أنك موافق لهم على كونهم وراضٍ بشركهم ثم قال: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ } أي على الحق بعصمتنا إياك {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ } أي تميل إليهم شيئاً قليلاً وقوله: {شَيْئاً } عبارة عن المصدر أي ركوناً قليلاً، قال ابن عباس يريد حيث سكت عن جوابهم. قال قتادة لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين » تفسير : ثم توعده في ذلك أشد التوعد فقال: {إِذًا لأَذَقْنَـٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ } أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات يريد عذاب الدنيا وعذاب الآخرة والضعف عبارة عن أن يضم إلى الشيء مثله فإن الرجل إذا قال لوكيله أعط فلاناً شيئاً فأعطاه درهماً فقال أضعفه كان المعنى ضم إلى ذلك الدرهم مثله إذا عرفت هذا فنقول: إنا حسن إضمار العذاب في قوله: {ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ} لما تقدم في القرآن من وصف العذاب بالضعف في قوله: { أية : رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِى ٱلنَّارِ } تفسير : [ص: 61] وقال: { أية : لِكُلّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ } تفسير : [الأعراف: 38] وحاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك وعقدت على الركون إليه همتك لاستحققت بذلك تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة ولصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله تعالى في حق الأنبياء عليهم السلام أكثر فكانت ذنوبهم أعظم فكانت العقوبة المستحقة عليها أكثر ونظيره قوله تعالى: { أية : يٰنِسَاء ٱلنَّبِىّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } تفسير : [الأحزاب: 30] فإن قيل قال عليه السلام: « حديث : من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » تفسير : فموجب هذا الحديث أنه عليه السلام لو رضي بما قالوه لكان وزره مثل وزر كل أحد من أولئك الكفار وعلى هذا التقدير يكون عقابه زائداً على الضعف قلنا إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه إلا بالبناء على دليل الخطاب وهو حجة ضعيفة ثم قال تعالى: {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا } يعني إذا أذقناك العذاب المضاعف لم تجد أحداً يخلصك من عذابنا وعقابنا، والله أعلم. المسألة الثالثة: احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية فقالوا هذه الآية تدل على صدور الذنب العظيم عنهم من وجوه. الأول: أن الآية دلت على أنه عليه السلام قرب من أن يفتري على الله، والفرية على الله من أعظم الذنوب. والثاني: أنها تدل على أنه لولا أن الله تعالى ثبته وعصمه لقرب من أن يركن إلى دينهم ويميل إلى مذهبهم. والثالث: أنه لولا سبق جرم وجناية وإلا فلا حاجة إلى ذكر هذا الوعيد الشديد والجواب عن الأول: أن كاد معناه المقاربة فكان معنى الآية أنه قرب وقوعه في الفتنة، وهذا القدر لا يدل على الوقوع في تلك الفتنة فإنا إذا قلنا كاد الأمير أن يضرب فلاناً لا يفهم منه أنه ضربه، والجواب عن الثاني: أن كلمة لولا تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره، تقول لولا علي لهلك عمر، معناه أن وجود علي منع من حصول الهلاك لعمر، فكذلك ههنا قوله: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ } معناه أنه حصل تثبيت الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم فكان حصول ذلك التثبيت مانعاً من حصول ذلك الركون، والجواب عن الثالث: أن ذلك التهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها والدليل عليه آيات منها قوله: { أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ } تفسير : [الحاقة: 44 ـ 46] ومنها قوله: { أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } تفسير : [الزمر: 65] ومنها قوله: { أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } تفسير : [الأحزاب: 48]، والله أعلم. المسألة الرابعة: احتج أصحابنا على صحة قولهم بأنه لا عصمة عن المعاصي إلا بتوفيق الله تعالى بقوله: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَـٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً } قالوا إنه تعالى بين أنه لولا تثبيت الله تعالى له لمال إلى طريقة الكفار ولا شك أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان أقوى من غيره في قوة الدين وصفاء اليقين فلما بين الله تعالى أن بقاءه معصوماً عن الكفر والضلال لم يحصل إلا باعانة الله تعالى وإغاثته كان حصول هذا المعنى في حق غيره أولى. قالت المعتزلة: المراد بهذا التثبيت الألطاف الصارفة له عن ذلك وهي ما خطر بباله من ذكر وعده ووعيده، ومن ذكر أن كونه نبياً من عند الله تعالى يمنع من ذلك، والجواب: لا شك أن هذا التثبيت عبارة عن فعل فعله الله يمنع الرسول من الوقوع في ذلك العمل المحذور، فنقول: لو لم يوجد المقتضى للإقدام على ذلك العمل المحذور في حق الرسول لما كان إلى إيجاد هذا المانع حاجة وحيث وقعت الحاجة إلى تحصيل هذا المانع علمنا أن المقتضى قد حصل في حق الرسول صلى الله عليه وسلم وأن هذا المانع الذي فعله الله منع ذلك المقتضى من العمل وهذا لا يتم إلا إذا قلنا إن القدرة مع الداعي توجب الفعل، فإذا حصلت داعية أخرى معارضة للداعية الأولى اختل المؤثر فامتنع الفعل ونحن لا نريد إلا إثبات هذا المعنى، والله أعلم. المسألة الخامسة: قال القفال رحمه الله: قد ذكرنا في سبب نزول هذه الآية الوجوه المذكورة، ويمكن أيضاً تأويلها من غير تقييد بسبب يضاف نزولها فيه لأن من المعلوم أن المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأقصى ما يقدرون عليه، فتارة كانوا يقولون: إن عبدت آلهتنا عبدنا إلهك، فأنزل الله تعالى: { أية : قُلْ يا أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } تفسير : [الكافرون: 1، 2] وقوله: { أية : وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } تفسير : [القلم: 9] وعرضوا عليه الأموال الكثيرة والنسوان الجميلة ليترك ادعاء النبوة فأنزل الله تعالى: { أية : وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } تفسير : [طه: 131] ودعوه إلى طرد المؤمنين عن نفسه فأنزل الله تعالى قوله: { أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ } تفسير : [الأنعام: 52] فيجوز أن تكون هذه الآيات نزلت في هذا الباب وذلك أنهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه وأن يزيلوه عن منهجه، فبين تعالى أنه يثبته على الدين القويم والمنهج المستقيم، وعلى هذا الطريق فلا حاجة في تفسير هذه الآيات إلى شيء من تلك الروايات، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قال سعيد بن جبير: حديث : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود في طوافه، فمنعته قريش وقالوا: لا ندعك تستلم حتى تُلّم بآلهتنا. فحدّث نفسه وقال: «ما عليّ أن أُلِمّ بها بعد أن يَدَعُوني أستلم الحجر والله يعلم أني لها كاره» تفسير : فأبى الله تعالى ذلك وأنزل عليه هذه الآية؛ قاله مجاهد وقتادة. وقال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت في وفد ثَقيف، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه شَططاً وقالوا: متّعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يُهْدَى لها، فإذا أخذناه كسرناها وأسلمنا، وحَرّم وادينا كما حرّمت مكة، حتى تعرف العرب فضلنا عليهم، فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك فنزلت هذه الآية. وقيل: هو قول أكابر قريش للنبيّ صلى الله عليه وسلم: اطرد عنا هؤلاء السُّقاط والموالي حتى نجلس معك ونسمع منك؛ فهمّ بذلك حتى نُهِي عنه. وقال قتادة: ذكر لنا أن قريشاً خلوْا برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة إلى الصبح يكلمونه ويفخّمونه، ويسوّدونه ويقاربونه؛ فقالوا: إنك تأتي بشيء لا يأتي به أحد من الناس، وأنت سيّدُنا يا سيدنا؛ وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله من ذلك، وأنزل الله تعالى هذه الآية. ومعنى {لَيَفْتِنُونَكَ} أي يزيلونك. يقال: فتنتُ الرجل عن رأيه إذا أزلته عما كان عليه؛ قاله الهَرَوِيّ. وقيل يصرفونك، والمعنى واحد. {عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} أي حكم القرآن؛ لأن في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن. {لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ} أي لتختلق علينا غير ما أوحينا إليك، وهو قول ثقيف: وحَرّم وادينا كما حرمت مكة، شجرها وطيرها ووحشها، فإن سألتك العرب لم خصّصتهم فقل الله أمرني بذلك حتي يكون عذراً لك. {وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك خليلاً، أي والوك وصافوك؛ مأخوذ من الخلة (بالضم) وهي الصداقة لممايلته لهم. وقيل: «لاتخذوك خليلاً» أي فقيراً. مأخوذ من الخَلّة (بفتح الخاء) وهي الفقر لحاجته إليهم.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن تأييده رسوله صلوات الله عليه وسلامه، وتثبيته وعصمته وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه، بل هو وليه وحافظه وناصره ومؤيده ومظفره ومظهر دينه على من عاداه وخالفه وناوأه في مشارق الأرض ومغاربها، صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل في ثقيف وقد سألوه صلى الله عليه وسلم أن يحرّم واديهم وألحوا عليه {وإِنْ } مخففة {كَادُواْ } قاربوا {لَيَفْتِنُونَكَ } ليستنزلونك {عَنِ ٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً } لو فعلت ذلك {لآَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً }.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره} فيه قولان: أحدهما: ما روى سعيد بن جبير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستلم الحجر في طوافه فمنعته قريش وقالوا لا ندعك تستلم حتى تلم بآلهتنا فحدث نفسه وقال: "حديث : ما عليّ أن ألمَّ بها بعد أن يعدوني أستلم الحجر واللّه يعلم أني لها كاره" تفسير : فأبى الله تعالى وأنزل عليه هذه الآية، قاله مجاهد وقتادة. الثاني: ما روى ابن عباس أن ثقيفاً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أجِّلْنا سنة حتى نأخذ ما نُهدي لآلهتنا، فإذا أخذناه كسرنا آلهتنا وأسلمْنا، فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطيعهم، فأنزل الله هذه الآية. {لِتَفْتَريَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ} يحتمل وجهين: أحدهما: لتدّعي علينا غير وحينا. الثاني: لتعتدي في أوامرنا. {وإذاً لاتخذوك خليلاً} فيه وجهان: أحدهما: صديقاً، مأخوذ من الخُلة بالضم وهي الصداقة لممالأته لهم. الثاني: فقيراً، مأخوذ من الخلة بالفتح وهي الفقر لحاجته إليهم. قوله عز وجل: {إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات} فيه قولان: أحدهما: لأذقناك ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك. الثاني: لأذقناك ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة، حكاه الطبري: وفي المراد بالضِّعف ها هنا وجهان: أحدها: النصيب، ومنه قوله تعالى {أية : لكل ضِعفٌ} تفسير : [الأعراف: 38] أي نصيب. الثاني: مثلان، وذلك لأن ذنبك أعظم. وفيه وجه ثالث: أن الضعف هو العذاب يسمى ضعف لتضاعف ألمه، قاله أبان بن تغلب وأنشد قول الشاعر: شعر : لمقتل مالكٍ إذ بان مني أبيتُ الليل في ضعفٍ أليم تفسير : قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ".

ابن عبد السلام

تفسير : {وَإِن كَادُواْ} "حديث : كان الرسول صلى لله عليه وسلم يطوف فمنعوه أن يستلم الحجر حتى يُلم بآلهتهم فحدث نفسه فقال: "ما عليَّ إذ ألم بها بعد أن يدعوني أستلم الحجر والله يعلم أني كاره""تفسير : ، فأبى الله ذلك فنزلت، أو قالت ثقيف: أجلنا سنة حتى نأخذ ما يُهدى لآلهتنا فإذا أخذناه كسرنا الآلهة وأسلمنا فهم الرسول صلى الله عليه وسلم بإجابتهم فنزلت.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {خلفك} ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وأبو بكر وحماد. الآخرون {خلافك} بكسر الخاء بالألف {وننزل من} مخففاً: أبو عمرو ويعقوب الياقوت بالتشديد وياء تحتانية {وناء بجانبه} مثل "ناع": يزيد وابن ذكوان {ونأى} يفتح النون وإمالة الهمزة مثل "رمى". حمزة غير خلف والعجلي وحماد ويحيى وعباس وأبو شعيب ونصير مثله ولكن بكسر النون على غير نصير، وخلف والعجلي وخلف لنفسه. الباقون بفتحتين كرمى. الوقوف: {خليلاً} ه {قليلاً} ه لا لتعلق "إذا" {بصيراً} ه {قليلاً} ه {تحويلاً} ه {وقرآن} ه {الفجر} ط {مشهوداً} ه {نافلة لك} قف والوصل أولى لأن "عسى" وعد على التهجد {محموداً} ه {نصيراً} ه {وزهق الباطل} ط {زهوقاً} ه {للمؤمنين} ه لا لأن ما بعده من صلة "ما" {خساراً} ه {بجانبه} ج لعطف حملتي الظرف {بؤساً} ه {شاكلته} ط {سبيلاً} ه {عن الروح} ط {قليلاً} ه {وكيلاً} ه لا {من ربك} ط {كبيراً} ه {ظهيراً} ه {مثل} ز لعطف المتفقين معنى المختلفين لفظاً {كفوراً} ه. التفسير: لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على بني آدم وشرح أحوال السعداء أردفه بما يجري مجرى تحذير السعداء من الاغترار بوساوس الأشقياء. عن ابن عباس في رواية عطاء أن وفد ثقيف قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالاً نفتخر بها على العرب، لا نعشر - أي لا تؤخذ عشور أموالنا - ولا نحشر ولا نجبي في صلاتنا أي لا نسجد، وكل رباً لنا فهو لنا، وكل رباً علينا فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا باللات سنة ولا نكسرها بأيدينا عند رأس الحول، وأن تمنع من قصد وادينا وجّ فعضد شجره فإذا سألتك العرب لم فعلت ذلك؟ فقل: إن الله أمرني به وجاؤا بكتابهم فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لثقيف لا يعشرون ولا يحشرون فقالوا: ولا يجبون، فسكت رسول الله ثم قالوا للكاتب: اكتب "ولا يجبون" والكاتب ينظر إلى رسول الله. فقام عمر بن الخطاب فسل سيفه وقال: أسعرتم قلب نبينا يا معشر ثقيف أسعر الله قلوبكم ناراً. فقالوا: لسنا نكلمك إنما نكلم محمداً. وقال عمر: أما ترون رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عن الكلام كراهية لما تذكرونه فأنزل الله الآية. وهذه القصة وقعت بعد الهجرة فلهذا قال المفسرون إنها ليست بمكية. وروي أن قريشاً قالوا له اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة فنزلت. وقال الحسن: إن الكفار أخذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة فقالوا: كف يا محمد عن ذم آلهتنا وشتمها، ولو كان ذلك حقاً كان فلان وفلان بهذا الأمر أحق منك. فوقع في قلب رسول الله أن يكف عن شتم آلهتهم. وعن سعيد بن جبير أنه صلى الله عليه وسلم كان يستلم الحجر فتمنعه قريش ويقولون: لا ندعك حتى تستلم بآلهتنا فوقع في نفسه أن يفعل ذلك مع كراهية فنزلت. قال القفال: من المعلوم أن المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأقصى ما يقدرون عليه، فتارة كانوا يقولون: لو عبدت آلهتنا عبدنا آلهك فنزلت: {أية : قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون} تفسير : [الكافرون: 1 - 2] وقوله: {أية : ودّوا لو تدهن فيدهنون} تفسير : [القلم: 9] وتارة عرضوا عليه الأموال الكثيرة والنسوان الجميلة ليترك ادعاء النبوة فنزلت {أية : ولا تمدّن عينيك إلى ما متعنا} تفسير : [طه: 131] وأخرى دعوه إلى طرد المؤمنين فنزل: {أية : ولا تطرد الذين يدعون ربهم} تفسير : [الأنعام: 52] وكل ذلك دليل على أنهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه ويزيلوه عن منهجه. فلو لم يكن شيء من الروايات المذكورة موجوداً لكان للآية محمل صحيح. والمعنى وإن الشأن قاربوا أن يخدعوك فاتنين. وأصل الفتنة الاختبار ومنه فتن الصائغ الذهب ثم استعمل في كل من أزال الشيء عن حده وجهته، وذلك في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن وافتراء على الله من تبديل الوعد بالوعيد وغير ذلك {وإذا لاتخذوك} أي لو اتبعت مرادهم لاتخذوك {خليلاً} ولكنت لهم ولياً وخرجت من ولايتي {ولولا أن ثبتناك} لولا تثبيتنا وعصمتنا لك {لقد كدت تركن إليهم} لقاربت أن تميل إلى مرادهم {شيئاً قليلاً} أي ركوناً قليلاً. قال ابن عباس: يريد حيث سكت عن جوابهم. قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم:حديث : اللَّهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين. تفسير : ثم توعده في ذلك أشد الوعيد فقال: {إذا لأذقناك} أي لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركون لأذقناك {ضعف الحياة وضعف الممات} أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. والضعف عبارة عن ضم الشيء إلى مثله. وقال صاحب الكشاف: المراد عذاب الممات وهو عذاب القبر، وعذاب الحياة وهو عذاب حياة الآخرة أي عذاب النار. والعذاب يوصف بالضعف كقوله: {أية : فزده عذابا ضعفاً في النار} تفسير : [ص: 61] بمعني مضاعفاً فكان أصل الكلام عذاباَ ضعفاً في الحياة الدنيا وعذاباً ضعفاً في الممات، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ثم أضيفت الصفة كإضافة الموصوف فقيل: ضعف الحياة وضعف الممات كما لو قيل: لأذقناك أليم الحياة وأليم الممات. وقال التفسير الكبير: حاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك وعقدت على الركون إليه همك لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة، ولصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة. والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله تعالى في حق الأنبياء أكثر فكانت ذنوبهم وكذا عقوبتهم أعظم نظير {أية : يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين} تفسير : [الأحزاب: 30] ثم إن إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه لأن دليل الخطاب لا حجة فيه فقد يرتقى الضعف إلى مالا حد له كما جاء في الحديث: " حديث : من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة"تفسير : {ثم لا تجد لك علينا نصيراً} يعني لو أذقناك ذلك لم تجد أحداً يخلصك من عذابنا. واعلم أن القرب من الفتنة لا يدل على الوقوع فيها. والتهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها فلا يلزم من الآية طعن في عصمة النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه أنه لا عصمة من المعاصي إلا بتوفيق الله وتثبيته على الحق. وقالت المعتزلة: المراد بهذا التثبيت الألطاف الصارفة عن ذلك وهي ما أخطر الله بباله من ذكر وعده ووعيده كونه نبياً من عنده. وأجيب بأنه لو لم يوجد المقتضى للإقدام على ذلك الفعل المحذور لم يكن إلى إيجاد المانع حاجة، وليس ذلك المقتضي إلا القدرة مع الداعي ولا ذلك المانع إلا داعية أخرى معارضة للداعي الأول وقد أوجدها الله تعالى عقيب ذلك. ثم ذكر طرفاً آخر من مكايدهم فقال: {وإن كادوا ليستفزونك} "إن" مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة كما في الآية الأولى ومعنى {ليستفزونك} ليزعجونك كما مر في قوله: {أية : واستفزز} تفسير : [الآية: 64] والأرض إما أرض مكة، كما قال قتادة ومجاهد ويرد عليه أن "كاد" للمقاربة لا للحصول لكن الإخراج قد حصل قوله: {أية : وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك} تفسير : [محمد: 13] ويمكن أن يقال: إنهم هموا بإخراجه ولكن الله منعهم من ذلك حتى هاجر بأمر ربه، فأطلق الإخراج على إرادة الإخراج مجوزاً يؤيده قوله: {وإذا لا يلبثون} وهو معطوف على {يستفزونك} أي لا يبقون بعد إخراجك إلا زماناً قليلاً أي لو أخرجوك لاستؤصلوا لكنه لم يقع الاستئصال فدل ذلك على عدم وقوع الإخراج. ومن جوز وقوع الإخراج قال: المراد بعدم اللبث أنهم أهلكوا ببدر بعد إخراجه بقليل. واما أرض المدينة على ما روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم وقالوا: يا أبا القاسم إن الأنبياء بعثوا بالشام وهي بلاد مقدسة وكانت مهاجر إبراهيم، فلو خرجت إلى الشام لآمنا بك واتبعناك. وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم، فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم فعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أميال من المدينة أو بذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه الناس عازماً على الخروج إلى الشأم لحرصه على دخول الناس في دين الله فنزلت الآية فرجع. وعلى هذا القول تكون هذه الآية أيضاً مدنية، والخلاف في معنى الخلف كما مر في قوله: {أية : بمقعدهم خلاف رسول الله} تفسير : [التوبة: 81] وقرىء: {وإذا لا يلبثوا} بحذف النون على إعمال "إذن" فتكون الجملة برأسها معطوفة على جملة قوله: {وإن كادوا ليستفزونك}. ثم بين أن عادته تعالى جارية بأن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم فإنه يهلكهم {فقال سنة من قد أرسلنا} وهو منصوب على المصدر المؤكد أي سن الله ذلك سنة {ولا تجد لسنتنا تحويلاً} لأن الأسباب الكلية في الأزل اقتضت توزع كل من أجزاء الزمان على حادث معين بسبب معين، فتبيدل إحدى الحوادث وتحويلها إلى وقت آخر يقتضي تغيير الأسباب عن أوضاعها وهو محال عقلاً وعادة. وقال أهل النظم: لما قرر الإلهيات والمعاد والجزاء أردفها بذكر أشرف الطاعات وهي الصلاة. وأيضاً لما قال: {وإن كادوا ليستفزونك} أمره بالاشتغال بعبادته تفويضاً للأمور إلى الله وتعويلاً على فضله في دفع شر أعدائه نظيره قوله في سورة طه: {أية : فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} تفسير : [طه: 130] ذهب كثير من المفسرين كابن قتيبة وسعيد بن جبير منقولاً عن ابن عباس، أن دلوك الشمس هو غروبها. وعلى هذا لا تشمل الآية صلاتي الظهر والعصر. وأكثر الصحابة والتابعين على أن دلوك الشمس زوالها عن كبد السماء ويؤيده ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال:حديث : أتاني جبرائيل لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر. تفسير : قالوا: واشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينيه إذ ينظر إليها وهي في كبد السماء. وعلى هذا التفسير تشمل الآية جميع الصلوات الخمس. وحمل كلام الله على ما هو أكثر فائدة أولى واللام بمعنى الوقت أو للتعليل أي أدم الصلاة في هذا الوقت أو لأجل دخول هذا الوقت {إلى غسق الليل} أي ظلمته. قال الكسائي: غسق الليل غسوقاً أي أظلم، والاسم الغسق بفتح السين والتركيب يدور على السيلان ومنه يقال: غسقت العين إذا هملت وكأن الظلام انهمل على الدنيا وتراكم. وهذا عند سيبويه الشفق الأبيض، فاستدل به بعض الشافعية على أن أول وقت العشاء الآخرة يدخل بغروب الشفق الأحمر لأن المحدود إلى غاية يكون مشروعاً قبل حصول تلك الغاية. وهذا الاستدلال مبني على أن الغاية لا تدخل في ذي الغاية، وعلى أن الآية يجب أن تشمل جميع الصلوات، وللخصم المنع في المقامين. ثم إن المفسرين أجمعوا على أن المراد بقرآن الفجر هو صلاة الصبح تسمية للشيء ببعض أجزائه، ومثله تسمية الصلاة ركوعاً وسجوداً وقنوتاً. قال جار الله: إنه حجة علي ابن علية والأصم في زعمهما أن القراءة ليست بركن. قلت: أجزاء الصلاة أعم من أركانها ولهذا قسمت الفقهاء الصلاة إلى أركان وأبعاض وهيئات فلا يتم هذ الاعتراض. وفي الآية مسائل: الأولى: استدل بعض الشيعة بها على جواز الجميع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقاً. وأجيب بأن الآية مخصوصة بفعل الرسول أو بقوله: "حديث : صلوا كما رأيتموني أصلي"تفسير : ويستثنى منه عذر السفر والمطر لعدم الدليل المخصص في تلك الصورة فلزم إبقاؤها على الجواز الأصلي. الثاني: استدل بعض الشافعية بها على أن التغليس في صلاة الصبح أفضل من التنوير لوجوه منها: أنه أضاف القرآن إلى الفجر والتقدير: أقم قرآن الفجر. وظاهر الآية للوجوب فلا أقل من الندب حتى لا تكثر مخالفة الدليل. والفجر انفجار ظلمة الليل فيلزم أن تكون إقامة الفجر في أول الوقت أفضل. ومنها أنه خص الفجر بإضافة القراءة إليه فدل ذلك على أن طول القراءة في هذه الصلاة مطلوب، ولن يتم هذا المطلوب إلا إذا شرع في أدائه في أول الوقت، ومنها أنه وصف قرآن الفجر بكونه مشهوداً فقيل: أي يشهده الكثير من المصلين في العادة، أو من حقه أن يكون مشهوداً بالجماعة الكثيرة. وقال أكثر المفسرين: معناه أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح تنزل هؤلاء وتصعد هؤلاء في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار. وقيل: إنهم يجتمعون خلف الإمام تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الصبح قبل أن تعرج ملائكة الليل. فإذا فرغ الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار. ثم إن ملائكة الليل إذا صعدت قالت: يا رب إنا تركنا عبادك لك، وتقول ملائكة النهار: ربنا لقينا عبادك وهم يصلون. فيقول الله لملائكته: اشهدوا فإني قد غفرت لهم. والغرض أن المكلف إذا شرع في صلاة الصبح في آخر الظلمة الذي هو أول الفجر كانت ملائكة الليل حاضرين بعد. ثم إذا امتدت هذه الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة بالكل أو بالأكثر وحضرت ملائكة النهار، وهذا المعنى لا يحصل إذا ابتدىء بها وقت التنوير. قال أهل التحقيق: إذا شرع في صلاة الصبح في أول وقتها شاهد في أثنائها انقلاب العالم من الظلمة - التي هي نظيره الموت - إلى الضياء الذي هو نظير الحياة، فإنه يفيء عقله من هذه الحالة إلى عجيب صنع الخلاق المدبر للأنفس والآفاق، فيزداد بصيرة وإيقاناً ومعرفة وإيماناً، وتنفتح عليه أبواب المكاشفة والمشاهدة. وإذا كان هذا المعنى في الجماعة الكثيرة صارت نفوسهم كالمرايا المشرقة المتقابلة المتعاكسة أضواؤها الواقعة على كل منها، فيزداد كل منهم نورية وبهاء. فيحتمل أن يكون قوله: {مشهوداً} إشارة إلى هذه الأحوال المشاهدة. ولا ريب أنه إذا شرع في الصلاة أول انتباهه من النوم قبل أن يرد على لوح عقله وفكره النقوش الفاسدة من الأمور الدنيوية الدنية، كان أولى فإن الأنبياء ما بعثوا إلا لإزالة مثل هذه الأمراض عن النفوس. ثم حث على قيام الليل فقال: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك} قال أبو عبيدة وابن الأعرابي: هذا من الأضداد لأنه يقال: هجد الرجل إذا نام وهجد أيضاً إذا صلى من الليل، وبوسط الأزهري فقال: الهجود في الأصل هو النوم بالليل، ولكن تاء التفعل فيه لأجل التجنب به ومنه "تأثم" "وتحرج" وإذا ألقى الإثم والحرج عن نفسه. فكأن به المتهجد يدفع الهجود عن نفسه. وبوجه آخر لما كان غرض المصلي بالليل أن يطيب رقاده وهجوده بعد الموت سمي بذلك الاعتبار متهجداً. وربما يقال: سمي تهجداً لأن الأصل فيه أن يرقد ثم يصلي ثم يرقد ثم يصلي، فهو صلاة بعد رقاد كما كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولداود كما جاء في الحديث: "حديث : أفضل القيام قيام داود كان ينام ثلثه ويقوم سدسه ثم ينام ثلثه ويقوم سدسه"تفسير : قال جار الله: معنى {ومن الليل} وعليك بعض الليل {فتهجد به} وقال في التفسير الكبير: تقديره وأقم الصلاة في بعض الليل فتهجد به أي بالقرآن ومعنى نافلة زائدة كما مر في أول "الأنفال". ثم من ذهب إلى أن صلاة الليل كانت واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم. زعم أن معناها كونها فريضة له زائدة على الصلوات الخمس، أو المراد أن فرضيتها نسخت عنك فصارت تطوعاً زائدة على الفرائض. ويرد عليه أن الأمر ظاهره الوجوب فيكون بين قوله: {فتهجد} وبين قوله {نافلة} تعارض، وكذا الاعتراض على قول من يقول إن صلاة الليل لم تكن واجبة عليه. ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله: {نافلة} قرينة صارفة للوجوب إلى الندب. وعن مجاهد والسدي أن كل طاعة يأتي بها النبي سوى المكتوبة فإن تأثيرها لا يكون في كفارة الذنوب لأنه غفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر، وإنما تكون مؤثرة في زيادة الدرجات وكثرة الثواب ولا كذلك حال الأمة فكأنه قيل للنبي: إن هذه الطاعات زوائد ونوافل في حقك لا في حق غيرك، لأن غيرك يحتاج إليها في تكفير السيئات ومن تقييد التهجد بقوله: {نافلة لك} يعلم أن قوله: {أقم الصلاة} عام له ولكل أمته وإن كان ظاهره خطاباً معه. ثم وعده على إقامة الفرائض والنوافل بقوله: {عسى أن يبعثك ربك} ولا ريب أن "عسى" من الكريم أطماع واجب قال في الكشاف: انتصب {مقاماً محموداً} على الظرف أي عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاماً محموداً، أو ضمن يبعثك معنى يقيمك، أو هو حال أي يبعثك ذا مقام محمود، وقيل: إنه مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات. والأولى أن يخص ذلك بالشفاعة لأنه الحمد إنما يكون بإزاء إنعام ولا إنعام للنبي على أمته في الآخرة إلا إنعام الشفاعة، أو لا إنعام أجل منها لأن السعي في تخليص الغير من العقاب أهم من السعي في إيصال الثواب إليه، ويؤيده رواية أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي. تفسير : وأما ما روى عن حذيفة أن المقام المحمود هو أن يجمع الناس في صعيد واحد ولا تتكلم نفس، فأول مدعو محمد فيقول: لبيك وسعديك والشر ليس إليك، والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت. فليس بقوي لأن هذا القول من محمد لا يوجب حمداً له من أمته إلا أن يكون من مقامات الشفاعة فيرجع إلى الأول. وقيل: أراد مقاماً تحمد عاقبته. وروى الواحدي عن ابن مسعود أن ذلك حين يقعد محمد معه على العرش وزيف بلزوم التحيز له تعالى. قوله: {مدخل صدق} و {مخرج صدق} مصدران بمعنى الإدخال والإخراج، والإضافة إلى الصدق لأجل المبالغة نحو "حاتم الجود" أي إدخالاً يستأهل أن يسمى إدخالاً ولا يرى فيه ما يكره. قال الحسن وقتادة: نزلت حين أمر بالهجرة يريد إدخال المدينة والإخراج من مكة، وقيل: إن اليهود لما قالوا له اذهب إلى الشام فإنه مسكن الأنبياء وعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذهاب إليه فكأنه قيل له المعبود واحد في كل البلاد {وما النصر إلا من عند الله} فداوم على الصلاة وارجع إلى مقرك ومسكنك. {وقل رب أدخلني} في المدينة {مدخل صدق وأخرجني} منها إلى مكة {مخرج صدق} أي افتحها لي فعلى هذين القولين يكون الكلام عوداً إلى الواقعة المذكورة في قوله {وإن كادوا ليستفزونك} والأولى أن يقال إنه عام في كل ما يدخل فيه ويلابسه ثم يتركه من أمر ومكان. وقيل: أراد إدخاله مكة ظاهراً عليها الفتح وإخراجه منها آمناً من المشركين. وقيل: إدخاله الغار وإخراجه منه سالماً. وقيل: إدخاله فيما حمله من عظيم الأمر وهو النبوّة، وإخراجه منه مؤدياً لما كلفه من غير تفريط. وقيل: أراد رب أدخلني الصلاة وأخرجني منها مع الصدق والإخلاص والقيام بلوازم الحضور، أو أدخلني في مجاري دلائل التوحيد وأخرجني من الاشتغال بالدليل إلى ضياء معرفة المدلول. وقال صاحب الكشاف: أدخلني القبر إدخالاً مرضياً وأخرجني منه عند البعث ملقى بالكرامة. يدل على هذا التفسير ذكره على أثر ذكر البعث {واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً} حجة ظاهرة تنصرني بها جميع من خالفني أو ملكاً وعزاً ناصراً للإسلام وذويه. ثم شرفه باستجابة دعائه بقوله: {وقل جاء الحق} أي الإسلام {وزهق الباطل} اضمحل الشرك من زهقت نفسه إذا خرجت {إن الباطل كان زهوقاً} غير ثابت في كل وقت وإن اتفقت له دولة وصولة كانت كنار العرفج. عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ثلثمائة وستون صنماً لقبائل العرب. صنم كل - قوم بحيالهم - فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل. فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعاً وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة - وكان من قوارير صفر - فقال: يا علي ارم به. فحمله رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد فرمى به فكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون: ما رأينا رجلاً أسحر من محمد فلا جرم كذبهم الله وصدق نبيه بقوله: {وننزل من القرآن} "من" للبيان كقوله: {أية : من الأوثان} تفسير : [الحج: 30] أو للتبعيض أي ننزل ما هو شفاء. وهو هذا القرآن أو بعض هذا الجنس. وقيل: زائدة ولما كانت إزالة المرض مقدمة على السعي في تكميل موجبات الصحة ذكر كون القرآن شفاء من الأمراض الروحانية كالعقائد الفاسدة والأخلاق الدميمة ومن الأمراض الجسمانية أيضاً لما في قراءته من التيمن والبركة وحصول الشفاء للمرض كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله"تفسير : . ثم بين أنه رحمة للمؤمنين لما فيه من كيفية اقتناص العلوم الجليلة والأخلاق الفاضلة التي بها يصل الإنسان إلى جوار الملائكة المقرّبين بل إلى جناب رب العالمين، ولما كان قبول القابل شرطاً في ظهور الأثر من الفاعل فلا جرم {لا يزيد} القرآن {الظالمين} الذي وضعوا التكذيب مقام التصديق والشك موضع الإيقان والاطمئنان {إلا خساراً} لأن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شراً فلا يزال سماع القرآن يزيد المشركين غيظاً وحنقاً ويدعوهم ذلك إلى زيادة ارتكاب الأعمال القبيحة وهلم جراً إلى أن يدفع الله مكرهم ونكرهم. ثم ذكر قبح شيمة الإنسان الذي جبل عليه فقال: {وإذا أنعمنا على الإنسان} أي على هذا الجنس بالصحة والغنى. وعن ابن عباس أنه الوليد بن المغيرة. وفي التخصيص نظر إلا أن يكون سبب النزول {أعرض ونأى بجانبه} النأي البعد، والباء للتعدية أو للمصاحبة وهو تأكيد للإعراض، لأن الإعراض عن الشيء هو أن يوليه عرض وجهه أي ناحيته. والنأي بالجانب أن يلوي عن عطفه ويوليه ظهره، أو أراد الاستكبار لأن هذا الفعل من شأن المستكبرين. ومن قرأ {ناء} فإما من النوء بمعنى النهوض مستثقلاً. وإما مقلوب كقولهم: "راء" في رأى. {وإذا مسه الشر} من مرض أو فقر {كان يؤساً} شديد اليأس من روح الله. والحاصل أنه إن فاز بالمطلوب الدنيوي وظفر بالمقصود الدني نسي المنعم الحقيقي، وإن فاته شيء من ذلك استولى عليه الأسف حتى كاد يتلف أو يدنف، وكلتا الخصلتين مذمومة ولا مقتضى لهما إلا العجز والطيش وكل بقدر كما قال: {قل كل يعمل على شاكلته} أي كل واحد من الخلائق إنما يتيسر له أن يعمل على سيرته وطريقته التي تشاكل حاله التي جبل عليها من قولهم "طريق ذو شواكل" وهي الطرق التي تتشعب منه. {فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً} لأنه الذي خلق كل شيء ورباه وهو عالم بخاصية كل نفس وبمقتضى جوهرها المشرق، أو المظلم سواء قلنا إن النفوس مختلفة بالماهيات، أو هي متساوية الحقائق واختلاف أحوالها لاختلاف أمزجة أبدانها، كما أن الشمس تعقد الملك وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار وتسود وجهه. ولما انجر الكلام إلى ذكر الإنسان وما جبل هو عليه لزم البحث عن ماهية الروح فلذلك قال: {ويسألونك عن الروح} ذكر المفسرون في سبب نزوله أن اليهود قالوا لقريش: سلوا محمداً عن ثلاث: عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح. فإن أجاب عن الأولين وأبهم الثالثة فهو نبي لأن ذكر الروح مبهم في التوراة، وإن أجاب عن الكل أو سكت فليس بنبي. فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح إذا قال: {قل الروح من أمر ربي} أي مما استأثر الله بعلمه فندموا على سؤالهم. ومن الناس من طعن في هذه الرواية لوجوه منها: أن الروح ليس أعلى شأناً من الله تعالى، وإذا كانت معرفة الله تعالى. ممكنة بل حاصلة فما المانع من معرفة الروح: ومنها أن هذه المسألة تعرفها الفلاسفة والمتكلمون فكيف يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يقول إني لا أعرفها مع وفور علمه وكمال معرفته؟ وكيف يصح ما روي عن ابن أبي بريدة لقد مضى النبي صلى الله عليه وسلم وما يعلم الروح. ومنها أن جعل الحكاية دليلاً على النبوة غير معقول. ونحن نتقصى عن المسألة فنقول: السؤال عن الروح إما أن يكون عن حقيقته أو عن حال من أحواله ككونة متحيزاً أو غير متحيز، أو قديماً أو حادثاً أو باقياً بعد البدن أو فانياً، وعلى تقدير البقاء ما سعادته وشقاوته. وبالجملة فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة. وقوله تعالى: {وسألونك عن الروح} ليس فيه ما يدل على تعيين شيء من هذه المسائل، فالأولى أن يحمل السؤال على السؤال عن الحقيقة لأن معرفة حقيقة النبي أهم وأقدم من معرفة حال من أحواله، فيكون قوله: {قل الروح من أمر ربي} رمز إلى أن الروح جوهر بسيط مجرد حصل بمجرد الأمر وهو قوله: {أية : كن فيكون} تفسير : [يس: 82] لأن الآية دلت على أن الروح من أمر الرب. وقال في آخر سورة يس {أية : إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} تفسير : [يس:82] ينتج أن الروح إذا أراده فإنما يقول له كن فيكون، ومنه يعلم أنه شيء مغاير للأجسام المتوقعة على المادة والمدة وللأعراض الموقوفة على الأجسام، وأنه بسيط محض وإلا لتوقف على انضمام أجزائه. ولا يلزم من كون الروح كذلك كونه مشاركاً للباري تعالى في الحقيقة، فإن الاشتراك في اللوازم لا يقتضي الاشتراك في الملزومات. وليس في الآية دلالة على حدوث الروح إلا بحسب الذات، بل لمستدل أن يستدل بها على قدمه بالزمان إذا لو كان متوقفاً على الزمان لم يكن حاصلاً بمجرد الأمر والمفروض خلافه. ولما كان أمر الروح مشتبهاً على الناس كلهم أو جلهم ختم الآية بقوله: {وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً} وذلك أن الإنسان وإن كمل علمه وكثرت معرفته بحقائق الأشياء ودقائقها فإن ما علم يكون أقل ما لم يعلم، فإذا نسب معلومه إلى معلومات الله المشار إليها بقوله: {أية : ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام} تفسير : [لقمان: 27] {أية : قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي} تفسير : [الكهف: 109] كان كلا شيء فإنه لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلاً. وقال بعض المفسرين: هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة وقد تلوت: {أية : ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً} تفسير : [البقرة: 269] فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم الله، وذكر الإمام فخر الدين الرازي أن قوله: {قل الروح من أمر ربي} يدل على أن الروح حادث لأن الأمر قد جاء بمعنى الفعل. قال تعالى: {أية : وما أمر فرعون برشيد} تفسير : [هود: 97] أي فعله وقال: {أية : ولما جاء أمرنا} تفسير : [هود: 94] أي فعلنا. وإذا حصل الروح بفعل الله وتكوينه كان من المحدثات. ثم ذكر حجة أخرى على حدوث الروح مستنبطة من قوله سبحانه: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} ووجه تقريرها أن الإنسان بل روحه في مبدأ الفطرة خال عن العلوم والمعارف، ثم لا يزال يحصل له المعارف فهو دائماً في التبدل والتغير من النقصان إلى الكمال وكل متغير محدث. ومنع كلية هذه القضية عند الخصم مشهور على أن حمل وقت قلة العلم على أول الفطرة تخصيص من غير دليل، مع أن ظاهر الآية يدل على أن الإنسان وإن أوتي حظاً من العلم وافراً، فإنه قليل بالإضافة إلى علم عالم الذات. وقيل: الروح المذكور في الآية هو القرآن الذي تسبب لحياة الروح كأن القوم استعظموا أمره فسألوا إنه من جنس الشعر أو من جنس الكهانة فأجابهم الله تعالى بأنه ليس من جنس كلام البشر وإنما هو كلام ظهر بأمر الله ووحيه وتنزيله. وقيل: هو ملك في غاية العظم والشرف وهو المراد من قوله تعالى: {أية : يوم يقوم الروح والملائكة صفاً} تفسير : [النبأ: 38] ونقل عن علي عليه السلام أن له سبعين ألف وجه، ولكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله تعالى بتلك اللغات كلها ويخلق الله من كل تسبيحة ملكاً يطير مع الملائكة يوم القيامة ولم يخلق الله خلقاً أعظم من الروح غير العرش، ولو شاء الله أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع بلقمة واحدة لفعل. وأمثال هذه الروايات مسرحة إلى بقعة الإمكان ولا وجه للاعتراض عقلاً عليه. وقال الحسن وقتادة: هذا الروح جبرائيل كأنهم سألوا الرسول كيف جبرائيل في نفسه وكيف قيامه بتبليغ الوحي؟ فأمر بأن يقول الروح من أمر ربي أن نزوله بأمر الرب كقوله: {أية : ما نتنزل إلا بأمر ربك} تفسير : [مريم: 64] وقال مجاهد: الروح خلق ليسوا بالملائكة على صورة بني آدم لهم أيد وأرجل ورؤوس يأكلون كما يأكل الناس، وليسوا بالناس. وزيفت هذه الأقوال بأن صرف السؤال عن الروح الإنساني الذي تتوفر دواعي العقلاء على معرفته إلى أشياء مجهولة الوجود مستنكر. واعلم أن للعقلاء في حقيقة الإنسان اختلافات كثيرة، وإذا كان حال العلم بأقرب الأشياء إلى الإنسان وهو نفسه هكذا، فما ظنك بما هو الأبعد! ولنذكر بعض تلك المذاهب فلعل الحق يلوح في تضاعيف ذلك فنقول: العلم الضروري حاصل بوجود شيء يشير إليه كل واحد بقوله "أنا" فذلك المشار إليه إما أن يكونه جوهراً مفارقاً، أو جسماً هو هذه البنية، أو جسماً داخلاً فيها أو خارجاً عنها أو عرضاً. أما المتكلمون فالجمهور منهم ذهبوا إلى أن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس، وزيف بأن البدن دائماً في التغير والتبدل. والمشار إليه بأنا واحد من أول العمر إلى آخره، وبأن الإنسان غير غافل عن نفسه حين ما يكون ذاهلاً عن أجزاء بدنه، بأن النصوص الواردة في القرآن والخبر كقوله عز من قائل: {أية : ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتاً بل أحياء} تفسير : [البقرة: 154]، {أية : يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي} تفسير : [الفجر: 28] {أية : النار يعرضون عليها غدواً أو عشياً} تفسير : {الزمر: 46] وكقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار" "القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران" وقوله في خطبة طويلة: "حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش ويقول يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال من حله وغير حله فالهناء لغيري والتبعة عليّ فاحذر وامثل ما حل بي"تفسير : توجب مغايرة النفس للبدن، وبأن جميع فرق الدنيا من أرباب الملل والنحل يتصدقون عن موتاهم يزورونهم ويدعون لهم بالخير، وبأن الميت قد يرى في المنام فيخبر عن أمور غائبه وتكون كما أخبر، وبأن الإنسان قد يقطع عضو من أعضائه ويعلم يقيناً أنه هو الذي كان قبل ذلك، وبثبوت المسخ في حق طائفة من أهل الكتاب وليس المسخ إلا تغيير البنية مع بقاء الحقيقة، وبأن جبرائيل قد رؤي في صورة دحية، وإبليس رؤي في صورة الشيخ النجدي، فعلم أن لا عبرة بالبنية، وبأن الزاني يزني بفرجه فيضرب على ظهره، فعلم أن المتلذذ والمتألم شيء آخر سوى العضوين، وبأنا نعلم ضرورة أن العالم الفاهم للخطاب إنما هو في ناحية القلب ليس جملة البدن ولا شيئاً من الأعضاء. أما إن قيل: الإنسان جسم هو في داخل البدن. فاعلم أن أحداً من العقلاء لم يقل بأن الإنسان عبارة عن الأعضاء الكثيفة الصلبة التي غلبت عليها الأرضية كالعظم والغضروف والعصب والوتر والرباط والشحم واللحم والجلد، ولكن منهم من قال: إنه الجسم الذي غلب عليه المائية من الأخلاط الأربعة، أعني الدم بدليل أنه إذا خرج لزم الموت. ومنهم من قال: إنه الذي غلب عليه الهوائية والنارية وهو الروح الذي في القلب، أو جزء لا يتجزأ في الدماغ، ومنهم من يقول: اختلطت بهذه الأرواح القلبية والدماغية أجزاء نارية مسماة بالحرارة الغريزية وهي الإنسان. ومنهم من قال: إذا تكوّن بدن الإنسان وتم استعداده نفذت فيه أجرام سماوية نورانية لطيفة الجوهر على طبيعة ضوء الشمس غير قابلة للتبديل والتحويل ولا للتفرق والتمزق، نفوذاً يشبه نفوذ النار في الفحم والدهن في السمسم وماء الورد في الورد. وهذا النفوذ هو المراد بقوله: {أية : ونفخت فيه من روحي} تفسير : [ص: 72] ثم إذا تولد في البدن من أخلاط غليظة منعت من سريان تلك الأجسام فيها، فانفصلت لذلك عن البدن فحينئذ يعرض الموت للجوهر. وقال الإمام فخر الدين الرازي: هذا مما ذهب إليه ثابت بن قرة وغيره وهو مذهب قوي شريف يجب التأمل فيه فإنه شديد المطابقة لما في الكتب الإلهية من أحوال الحياة والموت. قلت: أما نفوذ الجوهر النوري في البدن كنفوذ الدهن في السمسم فمسلم، وأما أنه أجرام وأجسام ففيه نظر، واعلم أنه لم يذهب أحد إلى أن الإنسان جسم خارج عن البدن، ولا إلى أنه عرض حال في البدن إلا ما نقل عن الأطباء، وعن أبي الحسين البصري من المعتزلة، أن الإنسانية عبارة عن امتزاجات أجزاء العناصر بمقدار مخصوص وعلى نسبة معلومة تخص هذا الصنف. ومن شيوخ المعتزلة من قال: الإنسان عبارة عن أجزاء مخصوصة بشرط كونها موصوفة بأعراض مخصوصة هي الحياة والعلم والقدرة. ومنهم من قال: إنه يمتاز عن سائر الحيوانات بشكل جسده وهيئة أعضائه. والصحيح من المذاهب عند أكثر علماء الإسلام - كالشيخ أبي القاسم الراغب الأصفهاني والشيخ أبي حامد الغزالي، من قدماء المعتزلة معمر بن عباد السلمي، ومن الشيعة الشيخ المفيد رضي الله عنه، ومن الكرامية جماعة، ومن الفلاسفة الإلهيين كلهم - أن الروح الإنساني جوهر مجرد ليس داخل العالم الجسماني ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، ولكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف كما أن إله العالم لا تعلق له بالعالم إلا على سبيل التصرف والتدبير، ومهما انقطعت علاقته عن البدن بقي البدن معطلاً ميتاً، واستدلوا على هذا المطلوب بحجج منها ما اختاره الإمام فخر الدين الرازي وهي لو كان الإنسان جوهراً متحيزاً لكان كونه متحيزاً عن ذاته المخصوصة إذ لو كان صفة قائمة بها لزم كون الشيء الواحد متحيزاً مرتين ولزم اجتماع المثلين. وأيضاً لم يكن جعل أحدهما ذاتاً والآخر صفة أولى من العكس. وأيضاً التحيز الثاني إن كان عين الذات فهو المقصود، وإن كان صفة لزم التسلسل، وإذا كان التحيز عين ذاته لزم أنه متى عرف ذاته عرف تحيزه لكنا قد نعرف ذاتنا مع الجهل بالتحيز والامتداد في الجهات الثلاث وذلك ظاهر عند الاختبار والامتحان، وإذا كان اللازم باطلاً فالملزوم منتفٍ وعورض بأنه لو كان الإنسان جَوهراً مجرداً لكان كل من عرف ذاته عرف تجرده وليس كذلك. وأجيب بالفرق بين التحيز - وهو صفة ثبوتية - وبين التجرد وهو صفة سلبية، ومنها أن الشيء الذي يشير إليه كل واحداً بقوله: "أنا واحد" بالبديهة، ولأن الغضب مثلاً حالة نفسانية تحدث عند محاولة دفع المنافي مشروطاً بالشعور بكون الشيء منافياً. فالذي يغضب لا بد أن يكون هو بعينه مدركاً، ولأن اشتغال الإنسان بالغضب وانصبابه إليه يمنعه من الاشتغال بالشهوة والانصباب إليها. فعلمنا أنهما صفتان مختلفتان لجوهر واحد إذ لو كان لكل منهما مبدأ مستقل لم يكن اشتغال أحدهما بفعله مانعاً للآخر، وأيضاً شيئاً فقد يكون الإدراك سبباً لحصول الشهوة، وقد يكون سبباً للغضب، فعلمنا أن صاحب الإدراك بعينه هو صاحب الشهوة والغضب. وأيضاً النفس لا يمكنها أن تتحرك بالإرادة إلا عند حصول الداعي ولا معنى للداعي إلا الشعور بخير يرغب في جذبه أو بشر يرغب في دفعه، وهذا يقتضي أن المتحرك بالإرادة هو بعينه المدرك للخير والشر واللذيذ والمؤذي والنافع والضار، وهو المبصر والسامع والشام والذائق واللامس والمتخّيل والمتفكر والمشتهي والغاضب بوساطة آلات مختلفة وقوى متغايرة. وإذا ثبت ذلك فلو كانت النفس عبارة عن جملة البدن كان للكل أثر واحد، ولو كانت جزءاً من أجزاء البدن كانت قوة سارية في جميع أجزاء البدن، والوجود بخلاف الكل فحصل اليقين بأن النفس شيء مغاير لكل البدن ولكل جزء من أجزائه. ومنها أن الاستقراء يدل على أحوال النفس بالضد من أحوال الجسد لأن الجسم إذا قبل شكل التثليث مثلاً امتنع أن يقبل حينئذ شكل التربيع ولا كذلك حال النفس، فإن إدراك كل صورة يعينها على إدراك ما عداها ولذلك يزداد الإنسان فهماً وذكاء بازدياد العلوم. وأيضاً كثرة الأفكار توجب قوة للنفس وتستدعي استيلاء النفس على الدماغ وقد تصير أبدان أرباب الرياضة في غاية النحافة والهزال وتقوى نفوسهم بحيث لا يلتفتون إلى السلاطين وأصحاب الشوكة والقوة، ومما يختص بهذه الآية التي نحن في تفسيرها أن الروح لو كان جسماً منتقلاً من حالة إلى حالة لكان مساوياً للبدن في كونه متولداً من أجسام متغيرة من صفة إلى صفة، فحيث سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح كان الأنسب أن يقول: إنه جسم كان كذا ثم صار كذا وكذا كما ذكر في كيفية تولد البدن أنه كان نطفة ثم صار علقة ثم مضغة إلى آخره. والأحاديث الواردة في أن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد تؤكد ذلك الرأي الذي ادعينا من أن النفس شيء مغاير للبدن ولأجزائه والله أعلم بحقائق الأمور. قال أهل النظم: لما بين أنه ما أتاهم من العلم إلا القليل أراد يبين أنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل لقدر عليه فقال: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} قلت: في نسبة علم القرآن إلى القلة خروج من الأدب فالأولى في وجه النظم أن يقال: إنه لما كشف لهم الغطاء عن مسألة الروح، وبين أن ذلك من العلوم الإلهية التي لا نهاية لها لا من العلوم الإنسانية القليلة، وكان فيه بيان كمال علمه تعالى ونقصان علم الإنسان، أراد أن يبين غاية قدرته ونهاية ضعف الإنسان أيضاً فبين أنه قادر على ذهاب القرآن ونحوه عن الصدور والمصاحف، وسيكون ذلك في آخر الزمان كما جاء في الروايات ثم لا يجد النبي - الذي هو أكمل أنواع الإنسان - من يتوكل عليه باسترداده فضلا عن غيره {إلاَّ رحمة من ربك} استثناء متصل أي إلا أن يرحمك بربك فيرده عليك كأن رحمته تتوكل عليه بالرد، أو منقطع معناه ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به {إن فضله} بإيحاء القرآن إليك ثم إبقائه عليك أو بهذا وبسائر الخصائص والمزايا {كان عليك كبيراً} وفيه أن نعمة القرآن وبقاءه محفوظاً في الصدور مسطوراً في الدفاتر من أجلّ النعم وأشرفها، فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن شكرها والقيام بمواجبها جعلنا الله ممن يراعي حق القرآن ويعمل بمقتضاه. واحتج الكعبي بالآية على أن القرآن مخلوق لأن ما يمكن إزالته والذهاب به يستحيل أن يكون قديماً، وأجيب بأن إزالة العلم عن القلوب والذهاب بالنقوش الدالة عليه في المصاحف لا يوجب حدوث الكلام النفسي الذي هو محل النزاع. ثم دل على أن الذي أوحى إليه ليس من جنس كلام المخلوقين فقال: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن} الآية. وقد مرّ وجه إعجاز القرآن في أوائل سورة البقرة. فإن قيل: هب أنه ظهر عجز الإنسان عن معارضته فكيف يعرف عجز الجن عن معارضته، ولم لا يجوز أن يقال: إن الجن أعانوه على هذا التأليف سعياً في إضلال الخلق؟ وإخبار محمد بأنه ليس من كلام الجن يوجب الدور وليس لأحد أن يقول: إن الجن ليسوا بفصحاء، فكيف يعقل أن يكون القرآن كلامهم لأنا نقول: التحدي مع الجن إنما يحسن لو كانوا فصحاء؟ فالجواب أن عجز البشر عن معارضته يكفي في إثبات كونه معجزاً. ثم إن الصادق لذي ثبت صدقه بظهور المعجز على وفق دعواه أخبر أن الجن أيضاً عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن فسقط السؤال بالكلية. على أنه سبحانه قد أجاب عنه في آخر سورة الشعراء بقوله: {أية : هل أنبئكم على من تنزل الشياطين} تفسير : [الشعراء: 221] وسوف يجيء تفسيره إن شاء الله تعالى. قالت المعتزلة: التحدي بالقديم محال. وأجيب بمثل ما مر أن محل النزاع هو الكلام النفس لا الألفاظ التي يقع التحدي بها وبفصاحتها. ثم بين أنهم مع ظهور عجزهم بقوا مصرين على كفرهم فقال: {ولقد صرفنا} رددنا وكررنا {للناس في هذا القرآن من كل مثل} "من كل" معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه وذلك كدلائل التوحيد والنبوة والمعاد وكالقصص اللائقة وغيرها من المواعظ والنصائح. {فأبى أكثر الناس} فيه معنى النفي كأنه قيل: فلم يرضوا {إلا كفوراً} وجحوداً. قال أهل البرهان: إنما لم يذكر الناس في أوائل السورة حين قال: {أية : ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا} تفسير : [الآية: 41] لتقدم ذكرهم في السورة. وذكرهم في "الكهف" إذا لم يجر ذكرهم وذكر الناس ههنا وإن جرى ذكرهم دفعاً للالتباس، لأن ذكر الجن أيضاً قد جرى وقدم للناس على قوله: {في هذا القرآن} كما قدمه في قوله: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن} وأما في "الكهف" فعكس الترتيب لأن اليهود سألته عن قصة أصحاب الكهف وغيرها. وقد أوحاها الله تعالى إليه في القرآن فكانت العناية بالقرآن أكثر فكان تقديمه أجدر. التأويل: {وإن كادوا ليفتنونك} أي من عمى قلوبهم {ولولا أن ثبتناك} بالقول الثابت وهو قول "لا إله إلا الله" إلى أن بلغت حقيقة "لا إله إلا الله" {شيئاً قليلاً} وإنما وصفه بالقلة لأن بشريته مغلوبة وروحانيته غالبة. {ضعف الحياة وضعف الممات} أي نحيي نفسك وأذقناك عذاب حياتها واستيلائها على الروح ونميت قلبك. وأذقناك عذاب مماته وضعف روحك وبعده عن الحق. {سنة من قد أرسلنا} أي جرت عادة الله تعالى بأن يجعل لكل نبي عدواً يؤذيه ويمكر به. ثم بين طريق خلاص الأنبياء والأولياء عن ورطة الابتلاء فقال: {أقم الصلاة} أي أدّها بالقلب الحاضر نهاراً وليلاً. {إن قرآن الفجر كان مشهوداً} بشواهد الحق بل الحق مشهود له. ثم {أدخلني مدخل صدق} يعني السير في الله بالله {وأخرجني مخرج صدق} من حولي وأنانيتي {واجعل لي من لدنك} لا من لدن غيرك. وفيه أن كل ذي مقام فإنه لا يصل إلى مقام إلا بسعي يلائم الوصول إلى ذلك المقام كقوله: {أية : وسعى لها سعيها} تفسير : [الإسراء: 19]. حديث : روي أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعرض حاجة فقال صلى الله عليه وسلم: ما تريد؟ فقال: مرافقتك في الجنة. فقال صلى الله عليه وسلم: أو غير ذلك؟ فقال الرجل: بلى مرافقتك في الجنة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فأعني على نفسك بكثرة السجود تفسير : {جاء الحق} من الواردات والشواهد وتجلي صفات الجمال والجلال {وزهق الباطل} وهو كل ما خلا الله من الموجودات ومن الخواطر كقوله: شعر : ألا كل شيء ما خلا الله باطل تفسير : {وننزل من القرآن ما هو شفاء} لأن كلام الحبيب طبيب القلوب شعر : إن الأحاديث من سلمى تسليني تفسير : {قل الروح من أمر ربي} قال العارفون: لله تعالى عالمان: عالم الأمر الذي خلق لا من شيء، وعالم الخلق الذي خلق من شيء ويعبر عنهما بالآخرة والدنيا والملكوت والملك والغيب والشهادة. والمعنى والصورة والباطن والظاهر والأرواح والأجسام، وما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أول ما خلق الله جوهرة"تفسير : - وفي رواية - "حديث : درّة فنظر إليها فذابت" "حديث : أول ما خلق الله اللوح" "حديث : أول ما خلق الله روحي"تفسير : وفي رواية "حديث : نوري" "حديث : وأول ما خلق الله العقل"حديث : وأول ما خلق الله القلم" تفسير : وما قيل عن بعض السلف إن أول ما خلق الله على الإطلاق ملك كروبي. فالأسماء مختلفة والمسمى واحد وهو روح النبي صلى الله عليه وسلم. فباعتبار أنه كان درة صدف الموجودات سمي درة وجوهرة، وباعتبار نورانيته سمي نوراً، وباعتبار وفور عقله سمي عقلاً، إذ قال له أقبل إلى الدنيا رحمة للعالمين فأقبل. ثم قال له: أدبر أي ارجع إلى ربك فأدبر عن الدنيا ورجع إلى المعراج، ثم قال له: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحب إليّ منك، بك أعرف، وبك آخذ، يعني طاعة من أخذ منك الدين والشريعة، وبك أعطي أي بشفاعتك أعطي الدرجات العالية، وبك أعاقب الكافرين وبك أثبت المؤمنين. وباعتبار جريان الأمور على وفق متابعته والاقتداء به سمي قلماً، وباعتبار غلبات صفات الملائكة عليه سمي ملكاً كروبياً، ولأن كل الأرواح خلقت من روحه كان أم الأرواح وروحها فلهذا قيل له "أمي". وقد ورد في الحديث: "حديث : آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة"تفسير : ولما كان الروح خليفة الله تعالى اتصف بالأزلية دون الأبدية، ولما كان الجسد خليفة الروح فبالروح قوامه وقيامه لم يكن الجسد أزلياً ولا أبدياً إلا بتبعية الروح. ثم أخبر عن عزة القرآن وغيرة الرحمن بقوله: {ولئن شئنا لنذهبن} الآية. وفيه أنه لا يقدر على الإتيان والذهاب به إلا الله تعالى لكنه أكد هذا المعنى بقوله: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن} والمراد بالجن كل ما هو مستور عن العيون فيتناول الملائكة أيضاً. وفيه أنه لا مثل لصفاته حتى الكلام كما أنه لا مثل لذاته والله تعالى أعلم بالصواب.

ابن عادل

تفسير : لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على خلقه، وأتبعها بذكر درجاتِ الخلق في الآخرة، أردفه بما يجري مجرى تحذير الناس عن الاغترار بوساوس أرباب الضلال والانخداع بكلماتهم المشتملة على المكرِ والتَّلبِيس، فقال عزَّ وجلَّ: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ}. روى عطاءٌ عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في وفد ثقيفٍ أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصالٍ، قال: وما هُنَّ؟ قالوا: ألاَّ نَحني في الصَّلاة أيْ لا نَنْحَنِي ولا نكسر أصنامنا بأيدينا، وأن تُمتِّعنا باللاَّت سنة، من غير أن نعبدها، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا خَيْرَ في دينٍ لا رُكوعَ فيه ولا سُجودَ، وأمّا أن تَكسِرُوا أصْنامَكُم بأيْدِيكُمْ فذلك لَكُم، وأمَّا الطَّاغيةُ يعني اللاَّت فإنَّني غير ممتِّعكُمْ بهاتفسير : . وفي رواية: "حديث : وحرِّم وادينا، كما حرَّمت مكَّة شَجرهَا، وطَيْرهَا، ووَحْشهَا، فأبى ذلكَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ولَمْ يُجبْهُم، فقالوا: يا رسول الله إنَّا نُحِبُّ أنْ تَسْمعَ العربُ أنَّك أعْطَيتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ غَيْرنَا، وإنّي خَشِيتُ أن تقُول العربُ: أعْطَيتَهُم ما لَمْ تُعْطِنا، فقل: الله أمَرنِي بذلكَ، فَسكتَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فطمع القومُ في سُكوتهِ أنْ يُعْطِيَهُمْ، فَصاحَ عليهم عليٌّ وعمرُ - رضي الله عنهما - وقالوا: أما تَروْنَ أنَّ رسُول الله صلى الله عليه وسلم قَدْ أمْسَكَ عَنِ الكلامِ؛ كَراهِيَةً لما تَذْكرُونَه، فأنْزلَ الله تعالى هذه الآية ". تفسير : وقال سعيد بن جبيرٍ: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود، فمنعته قريشٌ، وقالوا: لا نَدعُكَ، حتَّى تلم بآلهتنا وتمسَّها، فحدَّث نفسه؛ ما عليَّ إذا فعلتُ ذلك، والله يعلم أنِّي لها كارهٌ، بعد أن يدعوني، حتَّى أستلمَ الحجر، فأنزل الله هذه. وروى الزمخشريُّ أنَّهم جاءُوا بكتابهم، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كِتَابٌ مِنْ محمَّد رسول الله إلى ثقيفٍ: لا يعشرون، ولا يحشرون، فسكت رسُول الله، ثم قالوا للكاتب: اكْتُبْ ولا يُجْبَون والكَاتبُ ينظرُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقامَ عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - وسلَّ سيفه، وقال: أسعرتم قَلْبَ نَبيِّنا يا ثقيفُ، أسْعَر الله قُلوبَكُمْ ناراً، فقالوا: لَسْنَا نُكلِّمُك، إنَّما نكلِّم محمداً، فنزلت الآية، وهذه القصَّة إنما وقعت بالمدينة؛ فلهذا قيل: إنَّ هذه الآيات مدنيةٌ. وروي أنَّ قريشاً قالت: اجْعَلْ آية رحمةٍ آية عذابٍ، وآية عذابٍ آية رحمة؛ حتَّى نُؤمِنَ بك، فنزلت الآية. قال القفال: ويمكن تأويل الآية من غير تقييد بسبب يضاف إلى نزولها فيه؛ لأنَّ من المعلوم أنَّ المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - بأقصى ما يقدرون عليه، فتارة كانوا يقولون: إن عبدت آلهتنا عبدنا إلهك، فأنزل الله تعالى: {أية : قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} تفسير : [الكافرون: 1، 2]. {أية : وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} تفسير : [القلم: 9]. وعرضوا عليه الأموال الكثيرة، والنِّسوان الجميلة؛ ليترك إدِّعاء النبوة، فأنزل الله - تعالى -: {أية : وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ} تفسير : [طه: 131]. ودعوه إلى طرد المؤمنين عن نفسه، فأنزل الله تعالى: {أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} تفسير : [الأنعام: 52]. ودعوه إلى طرد الذين يدعون ربَّهم، فيجوز أن تكون هذه الآيات نزلت في هذا الباب، وذلك أنَّهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه، وأن يزيلوه عن منهجه، فبيَّن الله - تعالى - أنَّه يثبته على الدِّين القويمِ، والمنهج المستقيم، وعلى هذا الطريق، فلا حاجة في تفسير هذه الآيات إلى شيءٍ من تلك الرِّوايات. قوله تعالى: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ}: "إنْ" هذه فيها لمذهبان المشهوران: مذهب البصريين: أنها مخففة، واللام فارقة بينها وبين "إن" النافية، ولهذا دخلت على فعلٍ ناسخٍ، ومذهب الكوفيين أنها بمعنى "ما" النافية، واللام بمعنى "إلاَّ" وضمِّن "يَفْتِنُونكَ" معنى "يَصْرفُونكَ" فلهذا عدِّي بـ "عَنْ" تقديره: ليصرفونك بفتنتهم، و "لِتَفْترِي" متعلق بالفتنة. قوله: {وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ} "إذَنْ" حرف جواب وجزاء؛ ولهذا تقع أداةُ الشرط موقعها، و "لاتَّخذُوكَ" جواب قسمٍ محذوفٍ، تقديره: إذن، والله لاتخذوك، وهو مستقبل في المعنى؛ لأنَّ "إذَنْ" تقتضي الاستقبال؛ إذ معناها المجازاة، وهو كقوله: {أية : وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ} تفسير : [الروم: 51] أي: ليظلنَّ، وقول الزمخشريِّ: "أي: ولو اتَّبعتَ مرادهم، لاتَّخذوكَ" تفسير معنى، لا إعرابٍ، لا يريد بذلك أنَّ "لاتَّخَذُوك" جوابٌ لـ "لو" محذوفة؛ إذ لا حاجة إليه. فصل في معنى الآية قال الزجاج: معنى الكلام: كادوا يفتنونك، ودخلت "إنْ" و "اللام" للتأكيد، و "إنْ" مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. والمعنى: الشَّأن أنَّهم قاربوا أن يفتنوك، أي: يخدعوك فاتنين، وأصل الفتنة: الاختبار. يقال: فتن الصَّائغُ الذَّهب، إذا أدخلهُ النَّار، وأذابهُ؛ ليميِّز جيِّده من رديِّه، ثم استعمل في كلِّ ما أزال الشيء عن حدِّه وجهته، فقالوا: فتنة، فقوله تعالى: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ}. أي: يزيلونك، ويصرفونك عن الذي أوحينا إليك، وهو القرآن، أي: عن حكمه؛ وذلك لأنَّ في إعطائهم ما سألوا مخالفة لحكم القرآن. وقوله: {لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ} أي غير ما أوحينا إليك، وقوله: {وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} أي لو فعلت ذلك ما أرادوا لاتخذوك خليلا، وأظهروا للناس أنك موافق لهم على كفرهم وراضٍ بشركهم، ثم قال: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ} يعني على الحق، بعصمتنا إياك {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ} أي تميل إليهم شيئاً قليلاً. قرأ العامة بفتح كاد تركن مضارع رَكِن بالكسر، وقتادة، وابن مصرف، وابن أبي إسحاق "تَرْكُن" بالضم مضارع "رَكَن" بالفتح، وهذا من التداخل، وقد تقدم تحقيقه في أواخر "هود" و "شيئاً" منصوب على المصدر، وصفته محذوفة، أي شيئاً قليلاً من الركون، أو ركوناً قليلاً. قال ابن عباس: يريد حيث سكوتك عن جوابهم. قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ". تفسير : ثم توعد في ذلك أشد التوعد، فقال: {إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَٰوةِ} أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، يريد عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف حقيقة هذا الكلام؟ قلت: أصله لأذقناك عذاب الحياة، وعذاب الممات، لأن العذاب عذابان عذاب في الممات، وهو عذاب القبر وعذاب في الحياة الآخرة، وهو عذاب النار، والضعف يوصف به نحو قوله تعالى: {أية : فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [الأعراف: 38] يعني عذاباً مضاعفاً، فكان أصل الكلام: لأذقناك عذاباً ضعفاً عذاباً ضعفاً في الحياة، وعذاباً ضعفاً في الممات ثم حذف الموصوف، فأثبت الصفة مقامه وو الضعف، ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف، فقيل: ضعف الحياة، وضعف الممات، لما تقدم في القرآن من وصف العذاب بالضعف في قوله: {أية : مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ} تفسير : [ص: 61] وحاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك، وعقدت على الركون إليه لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا وفي الآخرة، وصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة، والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله في حق الأنبياء عليهم السلام أكثر فكانت ذنوبهم أعظم، وكانت العقوبة المستحقة عليها أكثر، ونظيره قوله تعالى: {أية : يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} تفسير : [الأحزاب: 30]. فإن قيل: قال عليه السلام: "حديث : من سن سنة سيئة فعلية وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" تفسير : فموجب هذا الحديث أنه عليه السلام لو عمل بما قالوه، لكان وزره مثل وزر كل واحد من أولئك الكفار، وعلى هذا التقدير فكان عقابه زائداً على الضعف. فالجواب: إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه إلا بالبناء على دليل الخطاب، وهو دليل ضعيف، ثم قال تعالى: {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} يعني: إذا أذقناك العذاب المضاعف لم تجد أحداً يخلصك من عذابنا. فإن قيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم معصوماً، فكيف يجوز أن يقرب مما طلبوه، وما طلبوه كفر؟. قيل: كان ذلك خاطر قلب لم يكن عزماً، وقد عفا الله عز وجل عن حديث النفس. والجواب الصحيح هو أن الله تعالى قال: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ}. وقد ثبته الله، فلم يركن إليهم، وهذا مثل قوله تعالى: {أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ} تفسير : [النساء: 83] وقد تفضل فلم يتبعوا. فصل احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء - عليهم السلام - بهذه الآية، فقالوا: هذه الآية تدل على صدور الذنب العظيم منهم من وجوه: الأول: أن الآية دلت على أنه - عليه السلام - قرب من أن يفتري على الله الكذب، وذلك من أعظم الذنوب. الثاني: تدلُّ على أنَّه لولا أنَّ الله - تعالى - ثبَّته وعمه؛ لقرب من أن يركن إلى دينهم. الثالث: لولا أنَّه سبق جرمٍ وجناية، وإلاَّ فلا حاجة إلى ذكر هذا الوعيد الشَّديد. والجواب عن الأوَّل: أنَّ "كاد" معناه المقاربة، أي: أنه قرب وقوعه في الفتنة، وهذا لا يدلُّ على الوقوع في تلك الفتنة، بل يدلُّ على عدم الوقوع؛ كقولك: "كادَ الأميرُ أن يَضْربَ فُلاناً" لا يدلُّ على أنَّه ضربه. والجواب عن الثاني: أنَّ "لَوْلاَ" تفيد انتفاء الشيء؛ لثبوت غيره؛ تقول: لولا عليٌّ، لهلك عمرٌو؛ إذ وجود عليٍّ منع من حصول الهلاك لعمرو، فكذلك ها هنا. فقوله: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ}. معناه: أنَّه لولا حصل تثبيتُ الله لمحمد صلى الله عليه وسلم فكان حصول ذلك التَّثْبِيت مانعاً من حصول ذلك الرُّكون. والجواب عن الثالث: أنَّ التهديد على المعصية لا يدلُّ على الإقدام عليها؛ لقوله - تعالى - {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ} تفسير : [الحاقة: 44-46]. وقوله تعالى: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65]. وقوله: {أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} تفسير : [الأحزاب: 1]. فصل في العصمة من المعاصي إلا بتوفيق الله تعالى احتجَّ أهلُ السنة على أنه لا عصمة من المعاصي إلاَّ بتوفيقِ الله تعالى؛ بقوله تعالى: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ} الآية، فبيَّن أنَّه لولا تثبيت الله تعالى له، لمال إلى طريقةِ الكفَّار، ولا شكَّ أنَّ محمَّداً - صلوات الله وسلامه عليه - كان أقوى من غيره في قوة الدِّين، وصفاء القلب واليقين، فلما بيَّن الله تعالى له أنَّ بقاءهُ معصوماً عن الكفر والضلال، لم يحصل إلاَّ بإعانة الله تعالى وتوفيقه، كان حصول هذا المعنى في حقِّ غيره أولى. قالت المعتزلة: المراد بهذا التَّثبيتِ: الألطاف الصَّارفة عن ذلك، وهي ما أخطر الله بباله من ذكر وعده ووعيده، ومن ذكر أنَّ كونه نبيًّا من عند الله يمنع من ذلك. والجواب: لا شكَّ أنَّ التثبيت عبارة عن فعل فعلهُ الله تعالى، يمنع الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - من ذلك الوقوع في ذلك المحذور، فنقول: لم يوجد المقتضي للإقدام على ذلك العمل المحذور في حقِّ الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - لما كان لإيجاد هذا المنع حاجةٌ، وحيث وقعت الحاجة إلى تحصيل هذا المانع علمنا أنَّ ذلك المقتضي قد حصل في حقِّ الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - وأنَّ هذا المانع الذي فعله الله تعالى لمنع ذلك المقتضي من العمل، وهذا لا يتمُّ إلاَّ إذا قلنا: إنَّ القدرة مع الدَّاعي توجب الفعل، فإذا حصلت داعية أخرى معارضةٌ للداعي الأوَّل، اختلَّ المؤثِّر، فامتنع الفعل، ونحن لا نريدُ إلاَّ إثبات هذا المعنى.

البقاعي

تفسير : ولما قرر أن من ترك سبيل الرشد كان كالأعمى، ومن تبعها كان كالبصير، أتبعه دليله فقال محذراً للبصراء عن الاغترار بوساوس الأشقياء: {وإن} أي وأكثر هؤلاء أعمى، قد افتتن في نفسه بهواه مع بياننا لطريق الرشد بما أوحينا إليك من هذه الحكمة حتى صارت أوضح من الشمس وإن الأعداء {كادوا} أي قاربوا في هذه الحياة الدنيا لعماهم في أنفسهم عن عصمة الله لك بسبب عماهم عما جبلت عليه من الفطنة، وجودة الفطرة، وذكاء القريحة، وثقوب الفهم، وبعد المرمى في الوقوف على خداع المخادعين، ومكر الماكرين، لتجلي الدقائق في مرآة قلبك الصقيلة وصافي فكرتك الشفافة. ولما كانت "إن" مخففة من الثقيلة أتى باللام الفارقة بينها وبين النافية فقال تعالى: {ليفتنونك} أي ليخالطونك مخالطة تمليك إلى جهة قصدهم بكثرة خداعهم بإطماعهم لك في الموافقة لما يعلمون من ظاهر الحياة الدنيا {عن الذي أوحينا} أي بما لنا من العظمة {إليك} من الحكمة {لتفتري} أي تقطع متعمداً {علينا} على عظمتنا {غيره} من طرد من أوحينا إليك الأمر بمصابرتهم، إطماعاً منهم في إسلام من هو بحيث يرجى إسلامه إسلام الجم الغفير منهم لشرفه ونحو ذلك مما عناه الله سبحانه وهو أعلم بمراده؛ قال الرماني: وأصل الفتنة ما يطلب به خلاص الشيء مما لابسه {وإذا} أي لو ملت إليهم {لاتخذوك} أي بغاية الرغبة {خليلاً *} ومن كان خليل الكفار لم يكن خليل الله، ولكنك أبصرت رشدك فلزمت أمر الله، واستمروا على عماهم إتماماً لتفضيلنا لك على كل مخلوق، وقد تقدم قريباً ما تدور عليه مادة "فرا" وأنه السعة، وقد بقي من تقاليبها اليائي والمهموز، فمعنى فريت الأديم: شققته فاسداً أو صالحاً - لأنه يتسع بذلك، وقال القزاز: الفري مصدر فريت الأديم - إذا شققته للإصلاح، وأفريته - إذا شققته للإفساد - كأن همزته للإزالة، وحكى أبو عبيدة: فريت الشيء وأفريته: قطعته، وفرى الكذب وافتراه: اختلقه - لأنه اتساع في القول وزيادة على ما يكفي من الصدق وتجاوز للحد، وفرى المزادة: خلقها وصنعها، وقال القزاز: خرزها - لأنها تسع ما لا تسعه قبل الخرز، قال: وأصل الفري الشق - يعني: والخرز واقع في الشق، فالعلاقة المحل، وفرى الأرض: سارها وقطعها - تشبيهاً لها بالأديم، وفرى - كرضي: تحير ودهش - من التسمية باسم السبب، لأن سبب الدهش كثرة وعظم في المحسوس، وأفراه، أصلحه أو أمر بإصلاحه - لأن الإصلاح سعة بالنسبة إلى الإفساد، وأفرى فلاناً: لامه - لأنه يلزم منه الزيادة في الكلام لما يحاج به الملوم، والفرية: الجلبة - لأنها زيادة عن الكلام المعتاد، وبالكسر: الكذب، وكغنى: الأمر المختلق المصنوع أو العظيم، والواسعة من الدلاء كالفرية، والحليب ساعة تحلب - لارتفاع الرغوة، وتفرى الشيء: انشق، والعين: انبجست، وهو يفري الفرى كغنى: يأتي بالعجب في عمله. وقال القزاز: وتركت فلاناً يفري ويقد، أي حادّ في الأمر، وفلاناً يفري منذ اليوم - إذا جاء بالعجب، لأنه لا يعجب إلا ما زاد على الكفاية. والرفة: التبن - لأنه ما فضل عن الحب، والرفة: دويبة تصيد تسمى عناق الأرض - لأن حالها أوسع من حال ما لا يصيد، ذكر هذا صاحب مختصر العين في المعتل بالياء فوزنه ثبة، وساقه صاحب القاموس في الهاء وقال فيما مدلوله التبن: إنه كصرد، ثم ساقه في المعتل الواوي في ورف وقال: والرفة كثبة: التبن، فاضطرب كلامه فوجب قبول مختصر العين، لكن ذكره الإمام أبو غالب بن التباني - وهو من يخضع له - في كتابه الموعب في مقلوب رهف فقال ناسباً له إلى كتاب العين ما نصه: والرفة: التبن، قال غيره: ويقال في مثل من الأمثال: استغنت التفه عن الرفه، والتفه: عناق الأرض، وهي دويبة كالثعلب خبيثة، تصيد كل شيء، وذلك أنها لا تأكل إلا اللحم - أبو حنيفة مثله، كله انتهى بحروفه، وقال صاحب القاموس في المعتل: والتفة ذكر في ت ف ف، وقال في الهاء: والتفه كثبه: عناق الأرض، وقال في الفاء: والتفة - كقفة: دويبة كجرو الكلب أو كالفأرة، واستغنت التفة عن الرفة؛ ويخففان، يضرب للئيم إذا شبع. فلعل هذا الاختلاف لغات - والله أعلم. قال في مختصر العين: والأرفي مثل كركي: اللبن المحض الطيب - لفيضه كالغائر، جعله المختصر يائياً، والقاموس واوياً، ثم أعاده في المهموز فقال: والأرفي - كقمري: اللبن الخالص، وساق القزاز في اليائي: رافيت الرجل أرافيه مرافاة - إذا وافقته - لأن ذلك أوسع في العشرة، والريف بالكسر - الخصب، وقال في القاموس: أرض فيها زرع وخصب، والسعة في المأكل والمشرب، وما قارب الماء من أرض العرب، أو حيث الخضر والمياه والزروع، وراف البدوي: أتى الريف، والراف: الخمر - وهو لا يكون إلا عن سعة، وأرض ريفة ككيسة: خصبة، وأرافت الأرض: أخصبت. ومن المهموز: رفأ السفينة - كمنع وأرفأها: أدناها من الشط - لاتساع من فيها بالبر، وبالنسبة إليها يكون للسلب، والموضع مرفأ، ويضم، ورفأ بينهم: أصلح، وأرفأ، جنح، وامتشط ودنى وأدنى وحابى ودارأ كرافأ وإليه لجأ، وترافؤوا: توافقوا وتواطؤوا، واليرفيء كاليلمعي: راعي الغنم والظليم النافر والظبي القفوز المولى والمنتزع القلب فزعاً - كأنه شبه بالظليم في اتساع حركته وعدم ثباته، وذلك شبيه أيضاً بفوران القدر في مجاوزة الحد، ورفأت العروس ترفئة وترفيئاً - تقدم في الواوي، والرأف: الخمر والرجل الرحيم، أو الرأفة: أشد الرحمة أو أرقها، ولا شك في دخول ذلك في السعة، ورأف: موضع أو رملة - ولعلهما واسعان، والفرأ - كجبل وسحاب: حمار الوحش أو الفتيّ منه - لشدة نفاره كالقدر في فورانها، وأمر فريء كفريّ، وكل الصيد في جوف الفرا، أي كله دونه، وفرأ - محركة: جزيرة باليمن - لعله بها بكثرة، والفأر معروف، والواحدة فأرة، والجمع فئران - سمي لقفزه في جرية، ولأنه وسع من الحشرات تصرفاً بالمشي في الجدر والسقوف ونحوها، والفأرة: شجرة ونافجة المسك، قال في القاموس: أو الصواب إيراد فارة المسك في ف و ر لفوران رائحتها، أو يجوز همزها لأنها على هيئة الفأرة، وفأر كمنع: حفر وخبأ ودفن - يمكن أن يكون من السعة ومن سلبها؛ ولبن فئر - ككتف: وقعت فيه الفأرة، وأرض فئرة ومفأرة: كثيرة الفأر، وأفرت القدر بالفتح تأفر أفراً: اشتد غليانها، والإنسان: وثب وعدا، والبعير: نشط وسمن بعد الجهد كأفر كفرح فيهما، وخف في الخدمة، والذي يسعى بين يدي الإنسان ويخدمه مئفر، والأفرة - بضمتين وتشديد الراء: الجماعة - وقيدها في مختصر العين بذات الجلبة - والبلية والاختلاط، وكل ذلك واضح في الاتساع والزيادة على الكفاية، والأفرة أيضاً شدة الشر - لشدة فورانه كالقدر، وشدة الشتاء أو مطلق الشدة، ومن الصيف: أوله - لأنه يتسع به، قال في القاموس: ويفتح أولها ويحرك في الكل؛ والأرفة - بالضم: الحد بين الأرضين والعقدة - وكأن هذا سلب الاتساع، والأرفي كقمري: الماسح، وأرف على الأرض تأريفاً: جعلت لها حدود وقسمت، وتأريف الحبل: عقده، وهو مؤارفي حده إلى حدي في السكنى والمكان - والله الموفق. ولما ذكره سبحانه بما كان في ذلك من رشده صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أتبعه ببيان أنه إنما كان بعصمة الله له ليزداد شكراً، فقال تعالى: {ولولا أن ثبتناك} أي بما لنا من العظمة على ما أمرنا لما تقدم من أنا مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأنت رأس المتقين والمحسنين {لقد كدت} أي قاربت {تركن إليهم} أي الأعداء {شيئاً قليلاً *} لمحبتك في هدايتهم وحرصك على منفعتهم، وكنا عصمناك فلم تركن إليهم لا قليلاً ولا كثيراً، ولا قاربت ذلك، كما أفادته {لولا} لأنها تدخل على جملة اسمية فجملة فعلية لربط امتناع الثانية بوجود الأولى، فامتناع قرب الركون مرتبط بوجود التثبيت، وذلك لأن {لولا} لانتفاء الثاني لأجل انتفاء الأول، وهي هنا داخلة على لا النافية، فتكون لانتفاء قرب الركون لأجل انتفاء التثبيت، وانتفاء النفي وجود، فإذن التثبيت موجود، وقرب الركون منتف. ويجوز أن يكون المراد الدلالة على شدة مكرهم وتناهي خداعهم إلى حالة لا يدرك وصفها، فيكون الفعل مسنداً إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والمراد إسناده إليهم ليكون المعنى: كادوا أن يجعلوك مقارباً للركون إليهم، كما تقول لصاحبك: لقد كدت تقتل نفسك، أي فعلت ما قاربت به أن يقتلك غيرك لأجل فعلك، وهذه الآية من الأدلة الواضحة على ما خص به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الفضائل في شرف جوهره، وزكاء عنصره، ورجحان عقله، وطيب أصله، لأنها دلت على أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لو وكل إلى نفسه وما خلق الله في طبعه وجبلته من الغرائز الكاملة والأوصاف الفاضلة، ولم يتداركه بما منحه من التثبيت زيادة على ذلك حال النبوة لم يركن إليهم، وهم أشد الناس أفكاراً، وأصفاهم أفهاماً، وأعلمهم بالخداع، مع كثرة عددهم، وعظم صبرهم وجلدهم - ركوناً ما أصلاً، وإنما كان قصاراهم أن يقارب الركون شيئاً قليلاً، فسبحان من يخص من يشاء بما يشاء، وهو ذو الفضل العظيم {إذاً} أي لو قاربت الركون الموصوف إليهم {لأذقناك} أي بعظمتنا {ضعف} عذاب {الحياة وضعف} عذاب {الممات} أي ذلك العذاب مضاعفاً. وهذه المادة تدور على الوهي، ويلزمه التقوية بالضعف - بكسر الضاد أي المثل وما زاد، وكل شيء له مكاثر فهو ضعيف بدونه، ويلزم الضعف الذي هو المثل المضموم إلى مثله: القوة، فمن الوهي: الضعف والضعف بالفتح والضم، وهو خلاف القوة، وقيل: الضعف بالفتح في العقل والرأي، وبالضم في الجسد، والضعيف: الأعمى - حميرية، وأرض مضعفة للمفعول: أصابها مطر ضعيف، وضعف الشيء بالكسر: مثله - لأن كل ما له مثل فهو ضعيف، وضعفاه مثلاه. ويقال: لك ضعفه، أي مثلاه، وثلاثة أمثاله، لأن أصل الضعف زيادة غير محصورة، وضاعفت الشيء، أي ضممت إلى الشيء شيئين فصار ثلاثة، وأضعاف الكتاب: أثناء سطوره - لأنها أمثال للسطور من البياض وزيادة عليها ومن القوة التي تلزم المثل: أضعاف البدن وهي أعضاؤه - لأن غالبها مثنى، أو هي عظامه - لأنها أقوى ما فيه، ومن الضعف أيضاً مقلوبة الذي هو ضفع - إذا أحدث وضرط، وكذا مقلوبة فضع، والضفع نجو الفيل، والضفعانة: تمرة السعدانة ذات الشوك مستديرة - كأنها فلكة، فالمعنى - والله أعلم: أذقناك وهي الحياة ووهي الممات مضاعفاً أضعافاً كثيرة. ولما كانت القوة بعد هذا في غاية البعد، عبر بأداة التراخي في قوله تعالى: {ثم لا تجد لك} أي وإن كنت أعظم الخلق وأعلاهم همة {علينا نصيراً *} والآية دالة على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظيم شأن مرتكبه وارتفاع منزلته، وعلى أن أدنى مداهنة للغواة مضادة لله وخروج عن ولايته، فعلى من تلاها أن يتدبرها وأن يستشعر الخشية وعظيم التصلب في الدين. ولما بين أنهم استمالوه بالرفق حتى كادوا - لولا العصمة - أن يميلوه، دل على أنهم أخافوه بعد ذلك حتى كادوا أن يخرجوه من وطنه قبل الإذن الخاص بالهجرة فقال تعالى: {وإن} أي وإنهم {كادوا} أي الأعداء {لَيَستَنفِزُّونَكَ} أي يستخفونك بكثرة الأذى الذي من شأنه ذلك فيما جرت به العوائد {من الأرض} أي المكية التي هي الأرض كلها لأنها أمها {ليخرجوك منها} مع أن وجودك عندهم رحمة لهم، فلا أعمى منهم! وأصل الفز القطع بشدة - قاله الرماني {وإذاً} أي وإذا أخرجوك {لا يلبثون خلافك} أي بعد إخراجك لو أخرجوك {إلا قليلاً *} وسيعلمون إذا أذنا لك في النزوح كيف نصبّ عليهم العذاب بعد خروجك بقليل، برمحك الطويل، وسيفك الصقيل، وسيوف أتباعك المؤمنين، لثبوت هذا الدين، وقد حقق الله سبحانه هذا الوعيد بقتل صناديدهم في غزوة بدر في رمضان من السنة الثانية من الهجرة بعد ثمانية عشر شهراً من مهاجرته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وحرم على المشركين الذين أخرجوه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من مكة المشرفة الدخول إليها والإقامة في حريمها من جزيرة العرب، إكراماً له صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وانتقاماً ممن يعتقد شيئاً من كفر من أخرجوه؛ ورفع {يلبثون} لأن {إذاً} إذا وقعت بعد الواو والفاء جاز فيها الإلغاء، لأنها متوسطة في الكلام كما أنه لا بد من أن تلغى في آخر الكلام، وفي الآية بيان لأن الجاهل لا يزال ينصب للعالم الحبائل، ويطلب له الغوائل، فيعود ذلك عليه بالوبال، في الحال والمآل.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس قال‏:‏ إن أمية بن خلف وأبا جهل بن هشام ورجالاً من قريش، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ تعال فاستلم آلهتنا وندخل معك في دينك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه فراق قومه ويحب إسلامهم، فرقّ لهم فأنزل الله ‏{‏وإن كادوا ليفتنونك‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلى قوله‏ {‏نصيرا‏ً}‏‏. وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي، عن باذان عن جابر ابن عبد الله مثله‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال‏:‏ ‏‏" حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر فقالوا‏:‏ لا ندعك تستلمه حتى تستلم آلهتنا‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ وما عليّ لو فعلت والله يعلم مني خلافه‏؟ فأنزل الله ‏ {‏وإن كادوا ليفتنونك‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏نصيرا‏ً}‏‏ . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طاف يقول له المشركون‏:‏ استلم آلهتنا كي لا تضرك فكاد يفعل فأنزل الله ‏ {‏وإن كادوا ليفتنونك‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن جبير بن نفير رضي الله عنه، أن قريشاً أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له‏:‏ إن كنت أُرْسِلْتَ إلينا فاطرد الذين اتبعوك من سقاط الناس ومواليهم لنكون نحن أصحابك، فركن إليهم فأوحى الله إليه ‏{‏وإن كادوا ليفتنونك‏.‏‏.‏‏.‏‏} الآية‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال‏:‏ أنزل الله ‏{أية : ‏والنجم إذا هوى‏}‏ تفسير : ‏[‏النجم: 1‏] فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ‏{أية : ‏أفرأيتم اللات والعزى‏}‏ ‏تفسير : [‏النجم: 19‏]‏ فألقى عليه الشيطان كلمتين: لك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى‏.‏ فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ما بقي من السورة وسجد، فأنزل الله ‏{‏وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ فما زال مغموماً مهموماً حتى أنزل الله تعالى {أية : ‏وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ تفسير : ‏[‏الحج: 52‏]‏ الآية‏. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن ثقيفاً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أجّلْنا سنة حتى نهدي لآلهتنا، فإذا قبضنا الذي يهدى للآلهة أحرزناه ثم أسلمنا وكسرنا الآلهة‏.‏ فهم أن يؤجلهم فنزلت ‏ {‏وإن كادوا ليفتنونك‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏ضعف الحياة وضعف الممات‏}‏ يعني، ضعف عذاب الدنيا والآخرة‏. وأخرج البيهقي في كتاب عذاب القبر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏ضعف الحياة‏} ‏ قال‏:‏ هو عذاب القبر‏.‏ وأخرج البيهقي عن عطاء رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏وضعف الممات‏}‏ قال‏:‏ عذاب القبر‏.

القشيري

تفسير : ضربنا عليك سرادقاتِ العصمة، وآويناكَ في كنف الرعاية، وحفظناك عن خطر اتباعك هواك، فالزَّلَّةُ منك محال، والافتراءُ في نعتك لايجوز... ولو جَنَحْتَ لحظةً إلى الخلاف لَتَضَاعَفَتْ عليكَ تشديداتُ البلاء، لكمالِ قَدْرِك وعُلُوِّ شأنك؛ فإنَّ مَنْ كان أعلى درجةً فَذَنْبُه - لو حصل - أشدُّ تأثيراً.

اسماعيل حقي

تفسير : {وان كادوا ليفتنونك} ذكروا فى سبب نزول هذه الآية وجوها والاسلم ما فى تفسير الكواشى من ان المشركين طلبوا من النبى عليه السلام ان يجعل آية رحمة مكان آية عذاب وبالعكس ويمس آلهتهم عند استلام الحجر ويطرد الضعفاء والمساكين عنه ونحو ذلك واطمعوه فى اسلامهم قالوا فمال الى بعض ذلك فنزل وان هى المخففة من المشددة وضمير الشأن الذى هو اسمها محذوف واللام هى الفارقة بينها وبين النافية اى ان الشأن قاربوا ان يوقعوك فى الفتنة بالاستزلال ويخدعوك. قال الكاشفى [بكردانند ترا] {عن الذى اوحينا اليك} من الامر والنهى والوعد والوعيد {لتفترى علينا} اى لتختلق علينا {غيره} اى غير الذى اوحينا اليك كما تقدم {واذا} اى ولو اتبعت اهواهم وفعلت ما طلبوا منك {لا تخذوك خليلا} اى صديقا ووليا وكنت لهم وليا وخرجت من ولايتى.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {وإن}: مخففة من الثقيلة في الموضعين، واسمها: ضمير الشأن، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، أي: إن الشأن قاربوا أن يفتنوك. و {سُنَّة}: مفعول مطلق، أي: سنَّ الله ذلك سنة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإِن كادُوا} أي: كفار العرب، {ليَفتنونُك عن الذي أوحينا إِليك}؛ من أمرنا ونهينا، ووعدنا ووعيدنا، {لتفتريَ علينا غيره}؛ لتقول ما لم أقل لك، مما اقترحوا عليك. نزلت في ثقيف، إذ قالوا للنَّبي صلى الله عليه وسلم: لا نَدْخُلُ في أَمْركَ حتى تُعْطِينَا خِصَالاً نَفْتَخِرُ بها على العَرَبِ: لا نُعشَّرُ، وَلا نُحشَّرُ، وَلاَ نَحْنِي في صَلاَتِنَا، وكُلُّ رِبًا لنَا فهُو لنَا، وكلُّ رِبًا عَلَيْنَا فهو مَوْضُوعٌ، وأنْ تُمَتِّعنا باللات سَنَةً، وأن تُحَرِّمَ وَادِيَنا كما حرمت مكة، فإذا قالت العَرَبُ: لِمَ فَعَلْتَ؟ فقُل: الله أَمَرَنِي بذلك. فأبى عليهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وخيب سعيهم. فالآية، على هذا، مدنية. وقيل: في قريش، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا نُمكنك من استلام الحجر، حتى تلمّ بآلهتنا، وتمسّها بيدك. وقيل: قالوا: اقبل بعض أمرنا، نقبل بعض أمرك، والآية، حينئذ، مكية كجميع السورة. {وإِذًا لاتخذوكَ خليلاً} أي: لو فعلت ما أرادوا منك لصرت لهم وليًا وحبيبًا، ولخرجت من ولايتي، {ولولا أن ثبتناك} على ما أنت عليه من الحق؛ بعصمتنا لك، {لقد كِدتَ تركنُ إليهم شيئًا قليلاً} من الركون، الذي هو أدنى ميل، أي: لولا أن عصمناك، لقاربت أن تميل إليهم؛ لقوة خدعهم، وشدة احتيالهم. لكن عصمتنا منعتك من المقاربة. وهو صريح في أنه - عليه الصلاة والسلام - ما هَمَّ بإجابتهم، مع قوة الداعي إليها، ولا قارب ذلك. وهو دليل على أن العصمة بتوفيق الله وحفظه، قاله البيضاوي. وفيه رد على ابن عطية، حيث قال: قيل: إنه هَمَّ بموافقتهم، لكن كان ذلك خطرة، والصواب: عدم ذلك؛ لأن التثبيت والعصمة مانعٌ من ذلك. وقد أجاد القشيري في ذلك، ونصه: ضربنا عليكَ سرادقات العصمة، وآويناكَ في كنف الرعاية، وحفظناك عن خطر اتباع هواك، فالزَّلَلُ منك محال، والافتراءُ في نعتك غير موهوم، ولو جَنَحْتَ لحظةً إلى جانب الخلاف لَتَضَاعَفَتْ عليكَ شدائدُ البلاء؛ لكمالِ قَدْرِك وعُلُوِّ شأنك؛ فإنَّ كل مَنْ هو أعلى درجةً فَذَنْبُه - لو حصل - أشدُّ تأثيرًا. {ولولا أن ثبتناك...} الآية: لو وكلناك ونَفسَكَ، ورفعنا عنك ظِلَّ العصمة، لقاربت الإلمام بشيء مما لا يجوز من مخالفة أمرنا، ولكِنَّا أفردناك بالحفظ، بما لا تتقاصر عنكَ آثاره، ولا تَغْرُبُ عن ساحتك أنواره. {إِذًا لأذقناك ضِعْفَ الحياة وضَعْف الممات}، هبوط الأكابر على قدر صعودهم. هـ. {إِذًا} أي: لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركون {لأذقناك ضِعف} عذاب {الحياة} {وضِعْفَ} عذاب {الممات}، أي: مِثْلِيْ ما يُعَذِّبُ غيرك في الدنيا والآخرة؛ لأن خطأ الخطير أخطر. وكأن أصل الكلام: عذابًا ضعفًا في الحياة، وعذابًا ضعفًا في الممات، أي: مضاعفًا، ثم حذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، ثم أضيفت إضافة موصوفها. وقيل: الضعف من أسماء العذاب. وقيل: المراد بضعف الحياة: عذاب الآخرة؛ لأن حياته دائمة، وبضعف الممات: عذاب القبر. {ثم لا تجدُ لك علينا نصيرًا} يدفع عنك العذاب. {وإِن كادوا} أي: كاد أهل مكة {لَيَسْتفزُّونك}؛ ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم {من الأرض} التي أنت فيها. وهي: أرض مكة، {ليُخرِجوك منها وإِذًا لا يلبثون خِلافَكَ إِلاَّ قليلاً}؛ إلا زمنًا قليلاً. وقد كان كذلك، فإنهم أُهلكوا ببدر بعد هجرته صلى الله عليه وسلم، وقيل: نزلت في اليهود؛ فإنهم حَسَدوا مقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقالوا: الشام مقام الأنبياء، فإن كنت نبيًا فالحَقْ بها حتى نؤمن بك. فوقع ذلك في قلبه صلى الله عليه وسلم، فخرج مرحلة، فَنَزَلت، فرَجَعَ صلى الله عليه وسلم، ثم قتل منهم بني قريظة، وأجلى بني النضير بقليل، {سُنَّة مَن قد أرسلنا قَبلك من رُسلنا} أي: عادته تعالى: أن يُهلك من أُخْرِجَتْ رسلهم من بين أظهرهم، فقد سنَّ ذلك في خلقه، وأضافها إلى الرسل؛ لأنها سُنت لأجلهم. {ولا تجد لسُنَّتنا تحويلاً} أي: تغييرًا وتبديلاً. الإشارة: من شأن العارف الكامل أن يأخذ بالعزائم، ويأمر بما يقتل النفوس، ويوصل إلى حضرة القدوس، وهو كل ما يثقل على النفوس، فإن أتاه من يفتنه ويرده إلى الهوى، حفظته العناية، واكتنفته الرعاية، فيقال له: وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك؛ وحي إلهام، لتفتري علينا غيره، فتأمر بالنزول إلى الرخص والتأويلات وإذًا لاتخذوك خليلاً. ولولا أن ثبتناك؛ بالحفظ والرعاية، لقد كدت تركنُ إليهم شيئًا قليلاً، وهي: خواطر تخطر ولا تثبت. إذًا لأذقناك ضعف الحياة، وهو: الذل والحرص والطمع. وضعف الممات، وهو: السقوط عن مقام المقربين، أهل الرَّوح والريحان. وإن كادوا ليستفزونك من أرض العبودية، ليخرجوك منها إلى إظهار الحرية؛ من العز والجاه، وإذًا لا يلبثون خلافك ممن اتبعك إلا قليلاً؛ لأن من رجع إلى مباشرة الدنيا والحس قلَّ مدده، فيقل انتفاعه، فلا يتبعه إلا القليل. هذه سُنة الله في أوليائه، ولن تجد لسنة الله تحويلاً. ثمَّ أمر بمراسم الشريعة التي هي عنوان العناية

الطوسي

تفسير : قال الزجاج: معنى الكلام كادوا يفتنونك، ودخلت (ان واللام) للتوكيد ومعنى (كاد) المقاربة. وقوله {وإِن كادوا} قال الحسن: معناه قارب بأن همَّ من غير عزم. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الله وضع عن أمّتي ما حدثت به نفسها إِلا من عمل شيئاً او تكلم به"تفسير : وقيل انهم قالوا: لا ندعك تستلم الحجر حتى تلم بآلهتنا. وقال مجاهد، وقتادة: الفتنة التي كاد المشركون ان يفتنوا النبي صلى الله عليه وسلم بها الإلمام بآلهتهم ان يمسها في طوافه، لما سألوه في ذلك، ولاطفوه. وقال ابن عباس: همَّ بإِنظار ثقيف بالإسلام حتى يقبضوا ما يهدى لآلهتهم ثم يسلموا فيها. امتن الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأنه لولا انه ثبته بلطفه، وكثرة زواجره وتواتر نهيه، لقد كاد يركن اي يسكن، ويميل إِلى المشركين قليلاً، على ما يريدون يقال: ركُن يركن، وركَن يركن، ثم قال {إِذاً لأذقناك ضعف الحياة، وضعف الممات} اي لو فعلت ذلك، لاذقناك ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب المماة لعظم ذلك منه لو فعله، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك. وإِنما كان يعظم عذابه بالركون اليهم لكثرة زواجره وفساد العباد به. وقيل لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : اللهم لا تكلني إِلى نفسي طرفة عين"تفسير : روى ذلك قتادة. ومعنى الفتنة - ها هنا - الضلال، والتقدير وإِن كادوا ليفتنونك ليضلوك عن الذي اوحينا اليك، في قول الحسن وأَصل الفتنة المحنة التي يطلب بها خلاص الشيء مما لابسه، فطلبوا إِخراجه إِلى الضلالة. وقوله {لتفتري علينا غيره} اي لتكذب علينا غير ما اوحينا اليك وإِن فعلت ذلك لاتخذوك خليلاً وديداً. وقوله {ثم لا تجد لك علينا نصيراً} اي لو فعلت الركون اليهم لأذقناك ما قلناه من العذاب، ثم لا تجد لك علينا ناصراً يدفع عنك ما نريد فعله بك.

الجنابذي

تفسير : {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ} وانّهم كادوا يصرفونك بفتنتك {عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} عن المعهود الّذى اوحينا اليك وهو ولاية علىّ (ع) كما روى {لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً} من الرّكون، وقد ورد فى الاخبار انّ هذه الآية من قبيل: ايّاك اعنى واسمعى يا جارة، وورد انّها من فرية الملحدين ولو كان الخطاب له (ص) من غير كونه على طريق، ايّاك اعنى واسمعى يا جارة، ولم تكن فرية لم يكن فيها ازدراء به (ص) بل يكون صدر الآية ازدراء بالملحدين لاشعاره بانّهم بالغوا فى فتنته يعنى انّهم ما اهملوا شيئاً ممّا يفتن به ولو كان المفتون غيرك ولم يكن تثبيت من الله لفتن، وذيلها بيان امتنانٍ عليه (ص) بأنّه تعالى اثبته فى مثل هذا المقام.

فرات الكوفي

تفسير : {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره 73} قال: حدّثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام قال: نزل جبرئيل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الآية: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره} قال: تفسيرها في علي بن أبي طالب عليه السلام: ولقد أرادوا أن يردوك عن الذي أوحينا إليك في علي، ان الله أوحى إليه أن أمرهم بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام.

الالوسي

تفسير : {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ} قيل نزلت في ثقيف قالوا للنبـي صلى الله عليه وسلم: لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالاً نفتخر بها على العرب لا نعشر ولا نحشر ولا نجبي في الصلاة وكل رباً لنا فهو لنا وكل رباً علينا فهو موضوع عنا وأن تمتعنا باللات سنة وأن تحرم وادينا وجاً كما حرمت مكة فإن قالت العرب: لم فعلت ذلك؟ فقل: إن الله تعالى أمرني، وروى ذلك الثعلبـي عن ابن عباس ولم يذكر له سنداً. وقال العراقي فيه: إنا لم نجده في كتب الحديث؛ ونقله الزمخشري بزيادة، ونقل غيره أنهم طلبوا ثلاث خصال عدم التجبية في الصلاة وكسر أصنامهم بأيديهم وتمتيعهم باللات سنة من غير أن يعبدوها بل ليأخذوا ما يهدى لها فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود وأما كسر أصنامكم بأيديكم فذلك لكم / وأما الطاغية اللات فإني غير ممتعكم بها» تفسير : وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ما بالكم آذيتم رسول الله عليه الصلاة والسلام انه لا يدع الأصنام في أرض العرب فما زالوا به حتى أنزل الله تعالى الآية. وأخرج ابن أبـي إسحٰق وابن مردويه وغيرهما عنه رضي الله تعالى عنه أن أمية بن خلف وأبا جهل ورجالاً من قريش أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: تعال فتسمح بآلهتنا وندخل معك في دينك وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه فراق قومه ويحب إسلامهم فرق لهم فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى قوله سبحانه: {أية : نَصِيراً} تفسير : [الإسراء: 75]. وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبـي عن باذان عن جابر بن عبد الله مثله. وأخرج ابن أبـي حاتم عن جبير بن نفير أن قريشاً أتوا النبـي صلى الله عليه وسلم فقالوا له: إن كنت أرسلت إلينا فاطرد الذين اتبعوك من سقاط الناس ومواليهم لنكون نحن أصحابك فنزلت، وقيل: إنهم قالوا له عليه الصلاة والسلام: اجعل لنا آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة حتى نؤمن بك فنزلت. وفي ذلك روايات أخر مختلفة أيضاً وفي بعضها ما لا يصح نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يكاد يؤول وذلك يدل على الوضع، والتفسير لا يتوقف على شيء من ذلك. وأياً ما كان فضمير الجمع للكفار وهم إما ثقيف أو قريش. و {إن} مخففة من المثقلة واسمها ضمير شأن مقدر واللام هي الفارقة بين المخففة وغيرها أي إن الشأن قاربوا في ظنهم أن يوقعوك في الفتنة صار فيك: {عَنِ ٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد {لِتفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ} لتتقول علينا غير الذي أوحيناه إليك مما اقترح عليك ثقيف من تحريم وج مثلاً أو قريش من جعل آية الرحمة آية عذاب وبالعكس، وقيل: المعنى لتحل محل المفتري علينا لأنك إن اتبعت أهواءهم أوهمت أنك تفعل ذلك عن وحينا لأنك رسولنا فكنت كالمفتري. {وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} أي لو فعلت ليتخذنك صديقاً لهم، وكان المراد ليكونن بينك وبينهم مخالة وصداقة وهم أعداء الله تعالى فمخالتهم تقتضي الانقطاع عن ولايته عز وجل كما قيل:شعر : إذا صافى صديقك من تعادى فقد عاداك وانقطع الكلام تفسير : وقيل: الخليل هذا من الخلة بمعنى الحاجة أي لاتخذوك فقيراً محتاجاً إليهم وهو كما ترى.

سيد قطب

تفسير : هذا الدرس الأخير في سورة الإسراء يقوم على المحور الرئيسي للسورة. شخص الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وموقف القوم منه. والقرآن الذي جاء به وخصائص هذا القرآن. وهو يبدأ بالإشارة إلى محاولات المشركين مع الرسول ليفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه، وما هموا به من إخراجه من مكة وعصمة الله له من فتنتهم ومن استفزازهم، لما سبق في علمه تعالى من إمهالهم وعدم أخذهم بعذاب الإبادة كالأمم قبلهم. ولو اخرجوا الرسول لحاق بهم الهلاك وفق سنة الله التي لا تتبدل مع الذين يخرجون رسلهم من الأقوام. ومن ثم يؤمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يمضي في طريقه يصلي لربه ويقرأ قرآنه ويدعو الله أن يدخله مدخل صدق ويخرجه مخرج صدق ويجعل له سلطاناً نصيراً، ويعلن مجيء وزهوق الباطل. فهذا الاتصال بالله هو سلاحه الذي يعصمه من الفتنة ويكفل له النصر والسلطان. ثم بيان لوظيفة القرآن فهو شفاء ورحمة لمن يؤمنون به، وهو عذاب ونقمة على من يكذبون، فهم في عذاب منه في الدنيا ويلقون العذاب بسببه في الآخرة. وبمناسبة الرحمة والعذاب يذكر السياق شيئاً من صفة الإنسان في حالتي الرحمة والعذاب. فهو في النعمة متبطر معرض، وهو في النقمة يؤوس قنوط. ويعقب على هذا بتهديد خفي بترك كل إنسان يعمل وفق طبيعته حتى يلقى في الآخرة جزاءه. كذلك يقرر أن علم الإنسان قليل ضئيل. وذلك بمناسبة سؤالهم عن الروح. والروح غيب من غيب الله، ليس في مقدور البشر إدراكه.. والعلم المستيقن هو ما أنزله الله على رسوله. وهو من فضله عليه ولو شاء الله لذهب بهذا الفضل دون معقب، ولكنها رحمة الله وفضله على رسوله. ثم يذكر أن هذا القرآن المعجز الذي لا يستطيع الإنسان والجن أن يأتوا بمثله ولو اجتمعوا وتظاهروا، والذي صرف الله فيه دلائل الهدى ونوعها لتخاطب كل عقل وكل قلب.. هذا القرآن لم يغن كفار قريش، فراحوا يطلبون إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ خوارق مادية ساذجة كتفجير الينابيع في الأرض، أو أن يكون له بيت من زخرف؛ كما تعنتوا فطلبوا ما ليس من خصائص البشر كأن يرقى الرسول في السماء أمامهم ويأتي إليهم بكتاب مادي يقرأونه، أو يرسل عليهم قطعاً من السماء تهلكهم. وزادوا عنتاً وكفراً فطلبوا أن يأتيهم بالله والملائكة قبيلاً! وهنا يعرض السياق مشهداً من مشاهد القيامة يصور فيه عاقبتهم التي تنتظرهم جزاء هذا العنت، وجزاء تكذيبهم بالآخرة، واستنكارهم البعث وقد صاروا عظاماً ورفاتاً. ويسخر من اقتراحاتهم المتعنتة، وهم لو كانوا خزنة رحمة الله، لأدركهم الشح البشري فأمسكوا خشية نفاد الخزائن التي لا تنفد! وهم مع ذلك لا يقفون عند حد فيما يطلبون ويقترحون! وبمناسبة طلبهم الخوارق يذكرهم بالخوارق التي جاء بها موسى فكذب بها فرعون وقومه فأهلكهم الله حسب سنته في إهلاك المكذبين. فأما هذا القرآن فهو المعجزة الباقية الحقة. وقد جاء متفرقاً حسب حاجة الأمة التي جاء لتربيتها وإعدادها. والذين أوتوا العلم من قبله من مؤمني الأمم السابقة يدركون ما فيه من حق ويذعنون له ويخشعون، ويؤمنون به ويسلمون. وتنتهي السورة بتوجيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى عبادة الله وحده، وإلى تسبيحه وحمده، كما بدأت بالتسبيح والتنزيه.. {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره. وإذاً لاتخذوك خليلا. ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا. إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات، ثم لا تجد لك علينا نصيرا. وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها، وإذاً لا يلبثون خلافك إلا قليلا. سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا}.. يعدد السياق محاولات المشركين مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأولها محاولة فتنته عما أوحى الله إليه، ليفتري عليه غيره، وهو الصادق الأمين. لقد حاولوا هذه المحاولة في صور شتى.. منها مساومتهم له أن يعبدوا إلهه في مقابل أن يترك التنديد بآلهتهم وما كان عليه آباؤهم. ومنها مساومة بعضهم له أن يجعل أرضهم حراماً كالبيت العتيق الذي حرمه الله. ومنها طلب بعض الكبراء أن يجعل لهم مجلساً غير مجلس الفقراء... والنص يشير إلى هذه المحاولات ولا يفصلها، ليذكر فضل الله على الرسول في تثبيته على الحق، وعصمته من الفتنة، ولو تخلى عنه تثبيت الله وعصمته لركن إليهم فاتخذوا خليلاً. وللقي عاقبة الركون إلى فتنة المشركين، وهي مضاعفة العذاب في الحياة والممات، دون أن يجد له نصيراً منهم يعصمه من الله. هذه المحاولات التي عصم الله منها رسوله، هي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائماً. محاولة إغرائهم لينحرفوا ـ ولو قليلاً ـ عن استقامة الدعوة وصلابتها. ويرضوا بالحلول الوسط التي يغرونهم بها في مقابل مغانم كثيرة. ومن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته لأنه يرى الأمر هيناً، فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته كلية، إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق. وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة، فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب منها! ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق. وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير، وفي إغفال طرف منها ولو ضئيل، لا يملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة. لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء! والمسألة مسألة إيمان بالدعوة كلها. فالذي ينزل عن جزء منها مهما صغر، والذي يسكت عن طرف منها مهما ضؤل، لا يمكن أن يكون مؤمناً بدعوته حق الإيمان. فكل جانب من جوانب الدعوة في نظر المؤمن هو حق كالآخر. وليس فيها فاضل ومفضول. وليس فيها ضروري ونافلة. وليس فيها ما يمكن الاستغناء عنه، وهي كلٌّ متكامل يفقد خصائصه كلها حين يفقد أحد أجزائه. كالمركب يفقد خواصه كلها إذا فقد أحد عناصره! وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات. فإذا سلموا في الجزء فقدوا هيبتهم وحصانتهم، وعرف المتسلطون ان استمرار المساومة، وارتفاع السعر ينتهيان إلى تسليم الصفقة كلها! والتسليم في جانب ولو ضئيل من جوانب الدعوة لكسب أصحاب السلطان إلى صفها؛ هو هزيمة روحية بالاعتماد على أصحاب السلطان في نصرة الدعوة. والله وحده هو الذي يعتمد عيه المؤمنون بدعوتهم. ومتى دبت الهزيمة في أعماق السريرة، فلن تنقلب الهزيمة نصراً! لذلك امتن الله على رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن ثبته على ما أوحى الله، وعصمه من فتنة المشركين له، ووقاه الركون إليهم ـ ولو قليلاً ـ ورحمه من عاقبة هذا الركون، وهي عذاب الدنيا والآخرة مضاعفاً، وفقدان المعين والنصير. وعندما عجز المشركون عن استدارج الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى هذه الفتنة حاولوا استفزازه من الأرض ـ أي مكة ـ ولكن الله أوحى إليه أن يخرج هو مهاجراً، لما سبق في علمه من عدم إهلاك قريش بالإبادة. ولو أخرجوا الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنوة وقسراً لحل بهم الهلاك {وإذاً لا يلبثون خلافك إلا قليلاً} فهذه هي سنة الله النافذة: {سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا، ولا تجد لسنتنا تحويلا}. ولقد جعل الله هذه سنة جارية لا تتحول، لأن إخراج الرسل كبيرة تستحق التأديب الحاسم. وهذا الكون تصرفه سنن مطردة، لا تتحول أمام اعتبار فردي. وليست المصادفات العابرة هي السائدة في هذا الكون، إنما هي السنن المطردة الثابتة. فلما لم يرد الله أن يأخذ قريشاً بعذاب الإبادة كما أخذ المكذبين من قبل، لحكمة علوية، لم يرسل الرسول بالخوارق، ولم يقدر أن يخرجوه عنوة، بل أوحى إليه بالهجرة. ومضت سنة الله في طريقها لا تتحول.. بعد ذلك يوجه الله رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الاتصال به، واستمداد العون منه، والمضي في طريقه، يعلن انتصار الحق وزهوق الباطل: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل، وقرآن الفجر، إن قرآن الفجر كان مشهودا؛ ومن الليل فتهجد به نافلة لك، عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا، وقل ربِّ أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيرا. وقل: جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا. وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا}.. ودلوك الشمس هو ميلها إلى المغيب. والأمر هنا للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاصة. أما الصلاة المكتوبة فلها أوقاتها التي تواترت بها أحاديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتواترت بها سنته العملية. وقد فسر بعضهم دلوك الشمس بزوالها عن كبد السماء، والغسق بأول الليل، وفسر قرآن الفجر بصلاة الفجر، وأخذ من هذا أوقات الصلاة المكتوبة وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء ـ من دلوك الشمس إلى الغسق ـ ثم الفجر. وجعل التهجد وحده هو الذي اختص رسول الله بأن يكون مأموراً به، وأنه نافلة له. ونحن نميل إلى الرأي الأول. وهو أن كل ما ورد في هذه الآيات مختص بالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأن أوقات الصلاة المكتوبة ثابته بالسنة القولية والعملية. {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل}.. أقم الصلاة ما بين ميل الشمس للغروب وإقبال الليل وظلامه؛ واقرأ قرآن الفجر {إن قرآن الفجر كان مشهودا}.. ولهذين الآنين خاصيتهما وهما إدبار النهار وإقبال الليل. وإدبار الليل وإقبال النهار. ولهما وقعهما العميق في النفس، فإن مقدم الليل وزحف الظلام، كمطلع النور وانكشاف الظلمة.. كلاهما يخشع فيه القلب، وكلاهما مجال للتأمل والتفكر في نواميس الكون التي لا تفتر لحظة ولا تختل مرة. وللقرآن ـ كما للصلاة ـ إيقاعه في الحس في مطلع الفجر ونداوته، ونسماته الرخية، وهدوئه السارب، وتفتحه بالنور، ونبضه بالحركة، وتنفسه بالحياة. {ومن الليل فتهجد به نافلة لك}.. والتهجد الصلاة بعد نومة أول الليل. والضمير في {به} عائد على القرآن، لأنه روح الصلاة وقوامها. {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً}.. بهذه الصلاة وبهذا القرآن والتهجد به، وبهذه الصلة الدائمة بالله. فهذا هو الطريق المؤدي إلى المقام المحمود وإذا كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يؤمر بالصلاة والتهجد والقرآن ليبعثه ربه المقام المحمود المأذون له به، وهو المصطفى المختار، فما أحوج الآخرين إلى هذه الوسائل لينالوا المقام المأذون لهم به في درجاتهم. فهذا هو الطريق. وهذا هو زاد الطريق. {وقل: رب أدخلني مدخل صدق. وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيرا}. وهو دعاء يعلمه الله لنبيه ليدعوه به. ولتتعلم أمته كيف تدعو الله وفيم تتجه إليه. دعاء بصدق المدخل وصدق المخرج، كناية عن صدق الرحلة كلها. بدئها وختامها. أولها وآخرها وما بين الأول والآخر. وللصدق هنا قيمته بمناسبة ما حاوله المشركون من فتنته عما أنزل الله عليه ليفتري على الله غيره. وللصدق كذلك ظلاله: ظلال الثبات والاطمئنان والنظافة والإخلاص. {واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيرا} قوة وهيبة استعلي بهما على سلطان الأرض وقوة المشركين وكلمة {من لدنك} تصور القرب والاتصال بالله والاستمداد من عونه مباشرة واللجوء إلى حماه. وصاحب الدعوة لا يمكن أن يستمد السلطان إلا من الله. ولا يمكن أن يهاب إلا بسلطان الله. لا يمكن أن يستظل بحاكم أو ذي جاه فينصره ويمنعه ما لم يكن اتجاهه قبل ذلك إلى الله. والدعوة قد تغزو قلوب ذوي السلطان والجاه، فيصبحون لها جنداً وخدماً فيفلحون، ولكنها هي لا تفلح إن كانت من جند السلطان وخدمه، فهي من أمر الله، وهي أعلى من ذوي السلطان والجاه. {وقل: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا}.. بهذا السلطان المستمد من الله، أعلن مجيء الحق بقوته وصدقه وثباته، وزهوق الباطل واندحاره وجلاءه. فمن طبيعة الصدق أن يحيا ويثبت، ومن طبيعة الباطل أن يتوارى ويزهق.. {إن الباطل كان زهوقا}.. حقيقة لدنية يقررها بصيغة التوكيد. وإن بدا للنظرة الأولى أن للباطل صولة ودولة. فالباطل ينتفخ ويتنفج وينفش، لأنه باطل لا يطمئن إلى حقيقة؛ ومن ثم يحاول أن يموه على العين، وأن يبدو عظيماً كبيراً ضخماً راسخاً، ولكنه هش سريع العطب، كشعلة الهشيم ترتفع في الفضاء عالياً ثم تخبو سريعاً وتستحيل إلى رماد؛ بينما الجمرة الذاكية تدفئ وتنفع وتبقى؛ وكالزبد يطغو على الماء ولكنه يذهب جفاء ويبقى الماء. {إن الباطل كان زهوقا}.. لأنه لا يحمل عناصر البقاء في ذاته، إنما يستمد حياته الموقوته من عوامل خارجية وأسناد غير طبيعية؛ فإذا تخلخلت تلك العوامل، ووهت هذه الأسناد تهاوى وانهار. فأما الحق فمن ذاته يستمد عناصر وجوده. وقد تقف ضده الأهواء وتقف ضده الظروف ويقف ضده السلطان.. ولكن ثباته واطمئنانه يجعل له العقبى ويكفل له البقاء، لأنه من عند الله الذي جعل {الحق} من أسمائه وهو الحي الباقي الذي لا يزول. {إن الباطل كان زهوقاً}.. ومن ورائه الشيطان، ومن ورائه السلطان. ولكن وعد الله أصدق، وسلطان الله أقوى. وما من مؤمن ذاق طعم الإيمان، إلا وذاق معه حلاوة الوعد، وصدق العهد. ومن أوفى بعهده من الله؟ ومن أصدق من الله حديثأً؟ {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين}.. وفي القرآن شفاء، وفي القرآن رحمة، لمن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان، فأشرقت وتفتحت لتلقي ما في القرآن من روْح، وطمأنينة وأمان. في القرآن شفاء من الوسوسة والقلق والحيرة. فهو يصل القلب بالله، فيسكن ويطمئن ويستشعر الحماية والأمن؛ ويرضى فيستروح الرضى من الله والرضى عن الحياة؛ والقلق مرض، والحيرة نصب، والوسوسة داء. ومن ثم هو رحمة للمؤمنين. وفي القرآن شفاء من الهوى والدنس والطمع والحسد ونزغات الشيطان.. وهي من آفات القلب تصيبه بالمرض والضعف والتعب، وتدفع به إلى التحطم والبلى والانهيار. ومن ثم هو رحمة للمؤمنين. وفي القرآن شفاء من الاتجاهات المختلة في الشعور والتفكير. فهو يعصم العقل من الشطط، ويطلق له الحرية في مجالاته المثمرة، ويكفه عن إنفاق طاقته فيما لا يجدي، ويأخذه بمنهج سليم مضبوط، يجعل نشاطه منتجاً ومأموناً. ويعصمه من الشطط والزلل. كذلك هو في عالم الجسد ينفق طاقاته في اعتدال بلا كبت ولا شطط فيحفظه سليماً معافى ويدخر طاقاته للإنتاج المثمر. ومن ثم هو رحمة للمؤمنين. وفي القرآن شفاء من العلل الاجتماعية التي تخلخل بناء الجماعات، وتذهب بسلامتها وأمنها وطمأنينتها. فتعيش الجماعة في ظل نظامه الاجتماعي وعدالته الشاملة في سلامة وأمن وطمأنينة. ومن ثم هو رحمة للمؤمنين. {ولا يزيد الظالمين إلا خسارا}.. فهم لا ينتفعون بما فيه من شفاء ورحمة. وهم في غيظ وقهر من استعلاء المؤمنين به، وهم في عنادهم وكبريائهم يشتطون في الظلم والفساد، وهم في الدنيا مغلوبون من أهل هذا القرآن، فهم خاسرون. وفي الآخرة معذبون بكفرهم به ولجاجهم في الطغيان، فهم خاسرون: {ولا يزيد الظالمين إلا خسارا}.. فأما حين يترك الإنسان بلا شفاء ولا رحمة. حين يترك لنزعاته واندفاعاته فهو في حال النعمة متبطر معرض لا يشكر ولا يذكر، وهو في حال الشدة يائس من رحمة الله، تظلم في وجهه فجاج الحياة: {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه، وإذا مسه الشر كان يؤوسا}.. والنعمة تطغى وتبطر ما لم يذكر الإنسان واهبها فيحمد ويشكر، والشدة تيئس وتقنط ما لم يتصل الإنسان بالله، فيرجو ويأمل، ويطمئن إلى رحمة الله وفضله، فيتفاءل ويستبشر. ومن هنا تتجلى قيمة الإيمان وما فيه من رحمة في السراء والضراء سواء. ثم يقرر السياق أن كل فرد وكل فريق يعمل وفق طريقته واتجاهه؛ والحكم على الاتجاهات والأعمال موكول لله: {قل: كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا}.. وفي هذا التقرير تهديد خفي، بعاقبة العمل والاتجاه، ليأخذ كل حذره، ويحاول أن يسلك سبيل الهدى ويجد طريقه إلى الله. وراح بعضهم يسأل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الروح ما هو؟ والمنهج الذي سار عليه القرآن ـ وهو المنهج الأقوام ـ أن يجيب الناس عما هم في حاجة إليه، وما يستطيع إدراكهم البشري بلوغه ومعرفته؛ فلا يبدد الطاقة العقلية التي وهبها الله لهم فيما لا ينتج ولا يثمر، وفي غير مجالها الذي تملك وسائله وتحيط به. فلما سألوه عن الروح أمره الله أن يجيبهم بأن الروح من أمر الله، اختص بعلمه دون سواه: {ويسألونك عن الروح. قل: الروح من أمر ربي. وما أوتيتم من العلم إلا قليلا}.. وليس في هذا حجر على العقل البشري أن يعمل. ولكن فيه توجيهاً لهذا العقل أن يعمل في حدوده وفي مجاله الذي يدركه. فلا جدوى من الخبط في التيه، ومن إنفاق الطاقة فيما لا يملك العقل إدراكه لأنه لا يملك وسائل إدراكه. والروح غيب من غيب الله لا يدركه سواه، وسر من أسراره القدسية أودعه هذا المخلوق البشري وبعض الخلائق التي لا نعلم حقيقتها. وعلم الإنسان محدود بالقياس إلى علم الله المطلق، وأسرار هذا الوجود أوسع من أن يحيط بها العقل البشري المحدود. والإنسان لا يدبر هذا الكون فطاقاته ليست شاملة، إنما وهب منها بقدر محيطة وبقدر حاجته ليقوم بالخلافة في الأرض، ويحقق فيها ما شاء الله أن يحققه، في حدود علمه القليل. ولقد أبدع الإنسان في هذه الأرض ما أبدع؛ ولكنه وقف حسيراً أمام ذلك السر اللطيف ـ الروح ـ لا يدري ما هو، ولا كيف جاء، ولا كيف يذهب، ولا أين كان ولا أين يكون، إلا ما يخبر به العليم الخبير في التنزيل. وما جاء في التنزيل هو العلم المستيقن، لأنه من العليم الخبير. ولو شاء الله لحرم البشرية منه، وذهب بما أوحى إلى رسوله؛ ولكنها رحمة الله وفضله. {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك، ثم لا تجد لك به علينا وكيلا. إلا رحمة من ربك، إن فضله، كان عليك كبيرا}.. والله يمتن على رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهذا الفضل. فضل إنزال الوحي، واستبقاء ما أوحى به إليه؛ المنة على الناس أكبر، فهم بهذا القرآن في رحمة وهداية ونعمة، أجيالاً بعد أجيال. وكما أن الروح من الأسرار التي اختص الله بها فالقرآن من صنع الله الذي لا يملك الخلق محاكاته، ولا يملك الإنس والجن ـ وهما يمثلان الخلق الظاهر والخفي ـ ان يأتوا بمثله، ولو تظاهروا وتعانوا في هذه المحاولة: {قل: لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هـذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً}.. فهذا القرآن ليس ألفاظاً وعبارات يحاول الإنس والجن أن يحاكوها. إنما هو كسائر ما يبدعه الله يعجز المخلوقون أن يصنعوه. هو كالروح من أمر الله لا يدرك الخلق سره الشامل الكامل، وإن أدركوا بعض أوصافه وخصائصه وآثاره. والقرآن بعد ذلك منهج حياة كامل. منهج ملحوظ فيه نواميس الفطرة التي تصرف النفس البشرية في كل أطوارها وأحوالها، والتي تصرف الجماعات الإنسانية في كل ظروفها وأطوارها. ومن ثم فهو يعالج النفس المفردة، ويعالج الجماعة المتشابكة، بالقوانين الملائمة للفطرة المتغلغلة في وشائجها ودروبها ومنحنياتها الكثيرة. يعالجها علاجاً متكاملاً متناسق الخطوات في كل جانب، في الوقت الواحد، فلا يغيب عن حسابه احتمال من الاحتمالات الكثيرة ولا ملابسة من الملابسات المتعارضة في حياة الفرد وحياة الجماعة. لأن مشرع هذه القوانين هو العليم بالفطرة في كل أحوالها وملابساتها المتشابكة. أما النظم البشرية فهي متأثرة بقصور الإنسان وملابسات حياته. ومن ثم فهي تقصر عن الإحاطة بجميع الاحتمالات في الوقت الواحد؛ وقد تعالج ظاهرة فردية أو اجتماعية بدواء يؤدي بدوره إلى بروز ظاهرة أخرى تحتاج إلى علاج جديد! إن إعجاز القرآن أبعد مدى من إعجاز نظمه ومعانيه، وعجز الإنس والجن عن الإتيان بمثله هو عجز كذلك عن إبداع منهج كمنهجه يحيط بما يحيط به. {ولقد صرفنا للناس في هـذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا. وقالوا: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا؛ أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا؛ أو تسقط السماء ـ كما زعمت ـ علينا كسفاً؛ أو تأتي بالله والملائكة قبيلا؛ أو يكون لك بيت من زخرف؛ أو ترقى في السماء. ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه...}. وهكذا قصر إدراكهم عن التطلع إلى آفاق الإعجاز القرآنية، فراحوا يطلبون تلك الخوارق المادية، ويتعنتون في اقتراحاتهم الدالة على الطفولة العقلية، أو يتبجحون في حق الذات الإلهية بلا أدب ولا تحرج.. لم ينفعهم تصريف القرآن للأمثال والتنويع فيها لعرض حقائقه في أساليب شتى تناسب شتى العقول والمشاعر، وشتى الأجيال والأطوار. {فأبى أكثر الناس إلا كفورا} وعلقوا إيمانهم بالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن يفجر لهم من الأرض ينبوعاً! أو بأن تكون له جنة من نخيل وعنب يفجر الأنهار خلالها تفجيراً! أو أن يأخذهم بعذاب من السماء، فيسقطها عليهم قطعاً كما أنذرهم أن يكون ذلك يوم القيامة! أو أن يأتي بالله والملائكة قبيلاً يناصره ويدفع عنه كما يفعلون هم في قبائلهم! أو أن يكون له بيت من المعادن الثمينة. أو أن يرقى في السماء. ولا يكفي أن يعرج إليها وهم ينظرونه، بل لا بد أن يعود إليهم ومعه كتاب محبر يقرأونه! وتبدو طفولة الإدراك والتصور، كما يبدو التعنت في هذه المقترحات الساذجة. وهم يسوون بين البيت المزخرف والعروج إلى السماء! أو بين تفجير الينبوع من الأرض ومجيء الله ـ سبحانه ـ والملائكة قبيلاً! والذي يجمع في تصورهم بين هذه المقترحات كلها هو أنها خوارق. فإذا جاءهم بها نظروا في الإيمان له والتصديق به! وغفلوا عن الخارقة الباقية في القرآن، وهم يعجزون عن الإتيان بمثله في نظمه ومعناه ومنهجه، ولكنهم لا يلمسون هذا الإعجاز بحواسهم فيطلبون ما تدركه الحواس! والخارقة ليست من صنع الرسول، ولا هي من شأنه، إنما هي من أمر الله سبحانه وفق تقديره وحكمته. وليس من شأن الرسول أن يطلبها إذا لم يعطه الله إياها. فأدب الرسالة وإدراك حكمة الله في تدبيره يمنعان الرسول أن يقترح على ربه ما لم يصرح له به.. { قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولا} يقف عند حدود بشريته، ويعمل وفق تكاليف رسالته، لا يقترح على الله ولا يتزيد فيما كلفه إياه. ولقد كانت الشبهة التي عرضت للأقوام من قبل أن يأتيهم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن بعد ما جاءهم، والتي صدتهم عن الإيمان بالرسل وما معهم من الهدى، أنهم استبعدوا أن يكون الرسول بشراً؛ ولا يكون ملكاً: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا: أبعث الله بشرا رسولا؟}. وقد نشأ هذا الوهم من عدم إدراك الناس لقيمة بشريتهم وكرامتها على الله، فاستكثروا على بشر أن يكون رسولاً من عند الله. كذلك نشأ هذا الوهم من عدم إدراكهم لطبيعة الكون وطبيعة الملائكة، وأنهم ليسوا مهيئين للاستقرار في الأرض وهم في صورتهم الملائكية حتى يميزهم الناس ويستيقنوا أنهم ملائكة. {قل: لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولا}. فلو قدر الله أن الملائكة تعيش في الأرض لصاغهم في صورة آدمية، لأنها الصورة التي تتفق مع نواميس الخلق وطبيعة الأرض، كما قال في آية أخرى: {أية : ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلاً}تفسير : والله قادر على كل شيء، ولكنه خلق نواميس وبرأ مخلوقاته وفق هذه النواميس بقدرته واختياره، وقدر أن تمضي النواميس في طريقها لا تتبدل ولا تتحول، لتحقق حكمته في الخلق والتكوين ـ غير أن القوم لا يدركون! وما دامت هذه سنة الله في خلقه، فهو يأمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن ينهي معهم الجدل، وأن يكل أمره وأمرهم إلى الله يشهده عليهم، ويدع له التصرف في أمرهم، وهو الخبير البصير بالعباد جميعاً: {قل: كفى بالله شهيداً بيني وبينكم، إنه كان بعباده خبيراً بصيرا}.. وهو قول يحمل رائحة التهديد. أما عاقبته فيرسمها في مشهد من مشاهد القيامة مخيف: {ومن يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه، ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً، مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا. ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا، وقالوا: أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقاً جديدا؟ أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم؟ وجعل لهم أجلاً لا ريب فيه، فأبى الظالمون إلا كفورا}.. ولقد جعل الله للهدى وللضلال سنناً، وترك الناس لهذه السنن يسيرون وفقها، ويتعرضون لعواقبها. ومن هذه السنن أن الإنسان مهيأ للهدى والظلال، وفق ما يحاوله لنفسه من السير في طريق الهدى أو طريق الضلال. فالذي يستحق هداية الله بمحاولته واتجاهه يهديه الله؛ وهذا هو المهتدي حقاً، لأنه اتبع هدى الله. والذين يستحقون الضلال بالإعراض عن دلائل الهدى وآياته لا يعصمهم أحد من عذاب الله: {فلن تجد لهم أولياء من دونه} ويحشرهم يوم القيامة في صورة مهينة مزعجة: {على وجوهم} يتكفأون {عمياً وبكماً وصماً} مطموسين محرومين من جوارحهم التي تهديهم في هذا الزحام. جزاء ما عطلوا هذه الجوارح في الدنيا عن إدراك دلائل الهدى. و {مأواهم جهنم} في النهاية، لا تبرد ولا تفتر {كلما خبت زدناهم سعيراً}. وهي نهاية مفزعة وجزاء مخيف. ولكنهم يستحقونه بكفرهم بآيات الله: {ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا} واستنكروا البعث واستبعدوا وقوعه: {وقالوا أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً؟} والسياق يعرض هذا المشهد كأنه هو الحاضر الآن، وكأنما الدنيا التي كانوا فيها قد انطوت صفحتها وصارت ماضياً بعيداً.. وذلك على طريقة القرآن في تجسيم المشاهد وعرضها واقعة حية، تفعل فعلها في القلوب والمشاعر قبل فوات الأوان. ثم يعود ليجادلهم بالمنطق الواقعي الذي يرونه فيغفلونه. {أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم؟} فأية غرابة في البعث؛ والله خالق هذا الكون الهائل قادر على أن يخلق مثلهم، فهو قادر إذاً على أن يعيدهم أحياء. {وجعل لهم أجلاً لا ريب فيه} أنظرهم إليه، وأجلهم إلى موعده {فأبى الظالمون إلا كفورا} فكان جزاؤهم عادلاً بعد منطق الدلالات ومنطق المشاهدات، ووضوح الآيات. على أن أولئك الذين يقترحون على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ تلك المقترحات المتعنتة، من بيوت الزخرف، وجنات النخيل والأعناب، والينابيع المتفجرة.. بخلاء أشحاء حتى لو أن رحمة الله قد وكلت إليهم خزائنها لأمسكوا وبخلوا خوفاً من نفادها، ورحمة الله لا تنفد ولا تغيض: {قل: لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا}. وهي صورة بالغة للشح، فإن رحمة الله وسعت كل شيء، ولا يخشى نفادها ولا نقصها. ولكن نفوسهم لشحيحة تمنع هذه الرحمة وتبخل بها لو أنهم كانوا هم خزنتها! وعلى أية حال فإن كثرة الخوارق لا تنشئ الإيمان في القلوب الجاحدة. وها هو ذا موسى قد أوتي تسع آيات بينات ثم كذب بها فرعون وملؤه، فحل بهم الهلاك جميعاً. {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات، فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم، فقال له فرعون: إني لأظنك يا موسى مسحورا. قال: لقد علمت ما أنزل هـؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر، وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً. فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا. وقلنا من بعده لبني إسرائيل: اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا}... وهذا المثل من قصة موسى وبني إسرائيل يذكر لتناسقه مع سياق السورة وذكر المسجد الأقصى في أولها وطرف من قصة بني إسرائيل وموسى. وكذلك يعقب عليه بذكر الآخرة والمجيء بفرعون وقومه لمناسبة مشهد القيامة القريب في سياق السورة ومصير المكذبين بالبعث الذي صوره هذا المشهد. والآيات التسع المشار إليها هنا هي اليد البيضاء والعصا وما أخذ الله به فرعون وقومه من السنين ونقص الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم.. {فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم} فهم شهداء على ما كان بين موسى وفرعون: {فقال له فرعون: إني لأظنك يا موسى مسحورا}.. فكلمة الحق وتوحيد الله والدعوة إلى ترك الظلم والطغيان والإيذاء لا تصدر في عرف الطاغية إلا من مسحور لا يدري ما يقول! فما يستطيع الطغاة من أمثال فرعون أن يتصوروا هذه المعاني؛ ولا أن يرفع أحد رأسه ليتحدث عنها وهو يملك قواه العقلية! فأما موسى فهو قوي بالحق الذي أرسل به مشرقاً منيراً؛ مطمئن إلى نصرة الله له وأخذه للطغاة: {قال: لقد علمت ما أنزل هـؤلاء إلا رب السماوات والأرض. بصائر. وإني لأظنك يا فرعون مثبورا} هالكاً مدمراً، جزاء تكذيبك بآيات الله وأنت تعلم أن لا أحد غيره يملك هذه الخوارق. وإنها لواضحة مكشوفة منيرة للبصائر، حتى لكأنها البصائر تكشف الحقائق وتجلوها. عندئذ يلجأ الطاغية إلى قوته المادية، ويعزم أن يزيلهم من الأرض ويبيدهم، {فأراد أن يستفزهم من الأرض} فكذلك يفكر الطغاة في الرد على كلمة الحق. وعندئذ تحق على الطاغية كلمة الله، وتجري سنته بإهلاك الظالمين وتوريث المستضعفين الصابرين: {فأغرقناه ومن معه جميعاً. وقلنا من بعده لبني إسرائيل: اسكنوا الأرض. فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا}.. وهكذا كانت عاقبة التكذيب بالآيات. وهكذا أورث الله الأرض للذين كانوا يستضعفون، موكولين فيها إلى أعمالهم وسلوكهم ـ وقد عرفنا كيف كان مصيرهم في أول السورة ـ أما هنا فهو يكلهم هم وأعداءهم إلى جزاء الآخرة، {فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا}. ذلك مثل من الخوارق، وكيف استقبلها المكذبون، وكيف جرت سنة الله مع المكذبين. فأما هذا القرآن فقد جاء بالحق ليكون آية دائمة، ونزل مفرقاً ليقرأ على مهل في الزمن الطويل: {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل، وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيرا، وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا}.. لقد جاء هذا القرآن ليربي أمة، ويقيم لها نظاماً، فتحمله هذه الأمة إلى مشارق الأرض ومغاربها، وتعلم به البشرية هذا النظام وفق المنهج الكامل المتكامل. ومن ثم فقد جاء هذا القرآن مفرقاً وفق الحاجات الواقعية لتلك الأمة، ووفق الملابسات التي صاحبت فترة التربية الأولى. والتربية تتم في الزمن الطويل، وبالتجربة العملية في الزمن الطويل. جاء ليكون منهجاً عملياً يتحقق جزءاً جزءاً في مرحلة الإعداد، لا فقهاً نظرياً ولا فكرة تجريدية تعرض للقراءة والاستمتاع الذهني! وتلك حكمة نزوله متفرقاً، لا كتاباً كاملاً منذ اللحظة الأولى. ولقد تلقاه الجيل الأول من المسلمين على هذا المعنى. تلقوه توجيهاً يطبق في واقع الحياة كلما جاءهم منه أمر أو نهي، وكلما تلقوا منه أدباً أو فريضة. ولم يأخذوه متعة عقلية أو نفسية كما كانوا يأخذون الشعر والأدب؛ ولا تسلية وتلهية كما كانوا يأخذون القصص والأساطير فتكيفوا به في حياتهم اليومية. تكيفوا به في مشاعرهم وضمائرهم، وفي سلوكهم ونشاطهم. وفي بيوتهم ومعاشهم. فكان منهج حياتهم الذي طرحوا كل ما عداه مما ورثوه، ومما عرفوه، ومما مارسوه قبل أن يأتيهم هذا القرآن. قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن. ولقد انزل الله هذا القرآن قائماً على الحق: {وبالحق أنزلناه} فنزل ليقر الحق في الأرض ويثبته: {وبالحق نزل}.. فالحق مادته والحق غايته. ومن الحق قوامه، وبالحق اهتمامه.. الحق الأصيل الثابت في ناموس الوجود، والذي خلق الله السماوات والأرض قائمين به، متلبساً بهما، والقرآن مرتبط بناموس الوجود كله، يشير إليه ويدل عليه وهو طرف منه. فالحق سداه ولحمته، والحق مادته وغايته. والرسول مبشر ومنذر بهذا الحق الذي جاء به. وهنا يأمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ان يجبه القوم بهذا الحق، ويدع لهم أن يختاروا طريقهم. إن شاءوا آمنوا بالقرآن وإن شاءوا لم يؤمنوا. وعليهم تبعة ما يختارون لأنفسهم. ويضع أمام أنظارهم نموذجاً من تلقي الذين أوتوا العلم من قبله من اليهود والنصارى المؤمنين لهذا القرآن، لعل لهم فيه قدوة وأسوة وهم الأميون الذين لم يؤتوا علماً ولا كتاباً: {قل: آمنوا به أو لا تؤمنوا. إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً، ويقولون: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا؛ ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا}.. وهو مشهد موح يلمس الوجدان. مشهد الذين أوتوا العلم من قبله، وهم يسمعون القرآن، فيخشعون، و {يخرون للأذقان سجداً} إنهم لا يتمالكون أنفسهم، فهم لا يسجدون ولكن {يخرون للأذقان سجداً} ثم تنطق ألسنتهم بما خالج مشاعرهم من إحساس بعظمة الله وصدق وعده: {سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا}. ويغلبهم التأثر فلا تكفي الألفاظ في تصوير ما يجيش في صدورهم منه، فإذا الدموع تنطلق معبرة عن ذلك التأثر الغامر الذي لا تصوره الألفاظ: {ويخرون للأذقان يبكون}.. {ويزيدهم خشوعاً} فوق ما استقبلوه به من خشوع. إنه مشهد مصور لحالة شعورية غامرة، يرسم تأثير هذا القرآن في القلوب المتفتحة لاستقبال فيضه؛ العارفة بطبيعته وقيمته بسبب ما أوتيت من العلم قبله. والعلم المقصود هو ما أنزله الله من الكتاب قبل القرآن، فالعلم الحق هو ما جاء من عند الله. هذا المشهد الموحي للذين أوتوا العلم من قبل يعرضه السياق بعد تخيير القوم في أن يؤمنوا بهذا القرآن أولا يؤمنوا، ثم يعقب عليه بتركهم يدعون الله بما شاءوا من الأسماء ـ وقد كانوا بسبب أوهامهم الجاهلية ينكرون تسمية الله بالرحمن، ويستبعدون هذا الإسم من أسماء الله ـ فكلها اسماؤه فما شاءوا منها فليدعوه بها: {قل: ادعوا الله أو ادعوا الرحمـن. أيًّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى}. وإن هي إلا سخافات الجاهلية وأوهام الوثنية التي لا تثبت للمناقشة والتعليل. كذلك يؤمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ان يتوسط في صلاته بين الجهر والخفوت لما كانوا يقابلون به صلاته من استهزاء وإيذاء، أو من نفور وابتعاد ولعل الأمر كذلك لأن التوسط بين الجهر والخفاء أليق بالوقوف في حضرة الله: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا}.. وتختم السورة كما بدأت بحمد الله وتقرير وحدانيتة بلا ولد ولا شريك، وتنزيهه عن الحاجة إلى الولي والنصير. وهو العلي الكبير. فيلخص هذا الختام محور السورة الذي دارت عليه، والذي بدأت ثم ختمت به: {وقل: الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك. ولم يكن له ولي من الذل. وكبره تكبيراً}..

ابن عاشور

تفسير : حكاية فن من أفانين ضلالهم وعماهم في الدنيا، فالجملة عطف على جملة {أية : ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى }تفسير : [الإسراء: 72]، وهو انتقال من وصف حالهم وإبطال مقالهم في تكذيب النبي إلى ذكر حال آخر من حال معارضتهم وإعراضهم، وهي حال طَمعهم في أن يستنزلوا النبي لأن يقول قولاً فيه حسن ذكر لآلهتهم ليتنازلوا إلى مصالحته وموافقته إذا وافقهم في بعض ما سألوه. وضمائر الغيبة مراد منها كفار قريش، أي مُتولو تدبيرَ أمورهم. وغُيّر الأسلوب من خطابهم في آيات {أية : ربكم الذي يزجى لكم الفلك في البحر}تفسير : [الإسراء: 66] إلى الإقبال على خطاب النبي لتغير المقام من مقام استدلال إلى مقام امتنان. والفتْن والفتون: معاملةُ يلحق منها ضُرّ واضطراب النفس في أنواع من المعاملة يعسر دفعها، من تغلب على القوة وعلى الفِكر، وتقدم في قوله تعالى: {أية : والفتنة أشد من القتل}تفسير : في سورة [البقرة: 191]. وعدي {يفتنونك} بحرف (عَن) لتضمينه معنى فعللٍ كان الفَتن لأجله، وهو ما فيه معنى (يصرفونك). والذي أوحي إليه هو القرآن. هذا هو الوجه في تفسير الآية بما تعطيه معاني تراكيبها مع ملاحظة ما تقتضيه أدلة عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم من أن تتطرق إليه خواطر إجابة المشركين لما يطمعون. وللمفسرين بضعة محامل أخرى لهذه الآية استقصاها القرطبي، فمنها ما ليس له حظ من القبول لوهن سنده وعدم انطباقه على معاني الآية، ومنها ما هو ضعيف السند وتتحمله الآية بتكلف. ومرجع ذلك إلى أن المشركين راودوا النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يسويهم مع من يعُدّونهم منحطين عنهم من المؤمنين المستضعفين عندهم مثل: بلال، وعمار بن ياسر، وخباب، وصهيب، وأنهم وعدوا النبي إن هو فعل ذلك؛ بأن يجلسوا إليه ويستمعوا القرآن حين لا يكون فيه تنقيص آلهتهم، وأن رسول الله هم بأن يُظهر لهم بعض اللين رغبة في إقبالهم على سماع القرآن لعلهم يهتدون، فيكون المراد من {الذي أوحينا إليك} بعض الذي أوحينا إليك، وهو ما فيه فضل المؤمنين مثل قوله: {أية : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي}تفسير : الآية [الأنعام: 52]، أو ما فيه تنقيص الأصنام. وسمات التخرص وضيق العطن في معنى الآية بحاقّ ألفاظها بادية على جميع هاته الأخبار. وإذ قد ملئت بها كتب التفسير لم يكن بد من تأويل الآية بأمثل ما يناسب تلك الأخبار لئلا تكون فتنة للناظرين فنقول: إن رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في اقترابهم من الإسلام وفي تأمين المسلمين، أجالت في خاطره أن يجيبهم إلى بعض ما دعوه إليه مما يرجع إلى تخفيف الإغلاظ عليهم أو إنظارهم؛ أو أرضاء بعض أصحابه بالتخلي عن مجلسه حين يحضره صناديد المشركين وهو يعلم أنهم ينتدبون إلى ذلك لمصلحة الدين أو نحو ذلك مما فيه مصلحة لنشر الدين، وليس فيه فوات شيء على المسلمين، أي كادوا يصرفونك عن بعض ما أوحيناه إليك مما هو مخالف لما سألوه. فالموصول في قوله: {الذي أوحينا إليك} للعهد لما هو معلوم عند النبي صلى الله عليه وسلم بحسب ما سأله المشركون من مخالفته. فهذه الآية مسوقة مساق المن على النبي بعصمة الله إياه من الخطأ في الاجتهاد، ومساقَ إظهار مَلَل المشركين من أمر الدعوة الإسلامية وتخوفهم من عواقبها، وفي ذلك تثبيت للنبيء وللمؤمنين وتأييس للمشركين بأن ذلك لن يكون. وقوله: {لتفترى علينا غيره} متعلق بــــ {يفتنونك}، واللام للعلة، أي يفعلون ذلك إضماراً منهم وطمعاً في أن يفتري علينا غيره، أي غير ما أوحي إليك. وهذا طمع من المشركين أن يستدرجوا النبي من سؤال إلى آخر، فهو راجع إلى نياتهم. وليس في الكلام ما يقتضي أن النبي ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ همّ بذلك كما فهمه بعض الفسرين، إذ لام التعليل لا تقتضي أكثر من غرض فاعل الفعل المعلل ولا تقتضي غرض المفعول ولا علمه. و (إنْ) من قوله: {وإن كادوا ليفتنونك} مخففة من (إن) المشددة واسمها ضمير شأن محذوف، واللام في {ليفتنونك} هي اللام الفارقة بين (إن) المخففة من الثقيلة وبين (إنْ) النافية فلا تقتضي تأكيداً للجملة. وجملة {وإذا لاتخذوك خليلاً} عطف على جملة {وإن كادوا ليفتنونك}. و (إذاً) حرف جزاء والنُّون التي بآخرها نون كلمة وليست تنوين تمكين فتكون جزاء لفعل {يفتنونك} بما معه من المتعلقات مقحماً بين المتعاطفين لتصير واو العطف مع (إذا) مفيدة معنى فاء التفريع. ووجه عطفها بالواو دون الاقتصار على حرف الجزاء لأنه باعتبار كونه من أحوالهم التي حاوروا النبي ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ فيها وألحوا عليه فناسب أن يعطف على جملة أحوالهم. والتقدير: فلو صرفوك عن بعض ما أوحينا إليك لاتخذوك خليلاً. واللام في قوله: {لاتخذوك} اللام الموطئة للقسم لأن الكلام على تقدير الشرط، وهو لو صرفوك عن الذي أوحينا إليك لاتخذوك خليلاً. واللام في قوله: {لاتخذوك} لام جواب (لو) إذ كان فعلاً ماضياً مثبتاً. والخليل: الصديق. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : واتخذ الله إبراهيم خليلاً}تفسير : في سورة [النساء: 125].

الشنقيطي

تفسير : روي عن سعيد بن جبير أنها نزلت في المشركين من قريش، قالوا له صلى الله عليه وسلم: لا ندعك تستلم الحجر الأسود حتى تلم بآلهتنا وعن ابن عباس في رواية عطاء: أنها نزلت في وفد ثقيف، أتوا النَّبي فسألوه شططاً قالوا: متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يهدى لها، وحرم وادينا كما حرمت مكة، إلى غير ذلك من الأقوال في سبب نزولها. وعلى كل حال فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. ومعنى الآية الكريمة: أن الكفار كادوا يفتنونه أي قاربوا ذلك. ومعنى يفتنونك: يزلونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره مما لم نوحه إليك. قال بعض أهل العلم: قاربوا ذلك في ظنهم لا فيما في نفس الأمر. وقيل: معنى ذلك أنه خطر في قلبه صلى الله عليه وسلم أن يوافقهم في بعض ما أحبوا ليجرهم إلى الإسلام لشدة حرصه على إسلامهم. وبين في مواضع أخر: أنهم طلبوا منه الإتيان بغير ما أوحي إليه، وأنه امتنع أشد الامتناع وقال لهم: إنه لا يمكنه أن يأتي بشيء من تلقاء نفسه. بل يتبع ما أوحى إليه ربه، وذلك في قوله: {أية : قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}تفسير : [يونس:15]. وقوله في هذه الآية {وَإِن كَادُواْ} هي المخففة من الثقيلة، وهي هنا مهملة. واللام هي الفارقة بينها وبين إن النافية كما قال في الخلاصة: شعر : وخففت إن فقل العمل وتلزم اللام إذا ما تهمل تفسير : والغالب أنها لا تكون كذلك مع فعل إلا إن كان ناسخاً كما في هذه الآية، قال في الخلاصة. شعر : والفعل إن لم يك ناسخاً فلا تلفيه غالباً بإن ذي موصلاً تفسير : كما هو معروف في النحو.

القطان

تفسير : كدت تركن اليهم: قربت من الميل اليهم. ضعف الحياة: عذابا مضاعفا في الحياة الدنيا، وفي الآخرة. لا يلبثون: لا يبقون. خلافك: بعدك. تحويلا: تبديلا. {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً}. لقد حاول المشركون من قريش، ومن ثقيف وغيرهم ان يساوموا الرسول الكريم بان يتساهل معهم في عدم شتم آلهتهم، وبعضهم قال له ان يتمسح بالهتهم حتى يدخلوا في دينه. قد تكررت هذه المحاولات، وقاربوا ان يخدعوك، ولو انك اتبعت ما يريدون لاتخذوك صديقا، ولكنك رسولنا الامين. {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً}. وهذا نص واضح ان الرسول عليه الصلاة والسلام لم يجبهم الى اغرائهم. {إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً}. وهذا وعيد شديد للرسول، فلو قاربتَ الركون اليهم، لجمعنا عليك عذاب الدنيا وضاعفناه، وعذاب الآخرة وضاعفناه، ثم لا تجد من ينصرك ويمنع عنك العذاب. {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً}. ولقد قارب اهل مكة ان يزعجوك ويخرجوك من مكة بالقوة، ولو انهم فعلوا ذلك واخرجوك لا يبقون بعدك الا زمانا قليلا. {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً}. وهكذا مضت سنتنا مع الرسل الذين ارسلناهم قبلك.. اهلكنا اقوامهم الذين اخرجوا رسلهم. ان سنتنا في هذه الحياة لا تتبدل. وقد اُخرج الرسول عليه الصلاة والسلام من مكة، ولم يَمْضِ على اخراجه سنة ونصف حتى كانت وقعة بدر وقُتل فيها صناديد قريش واهلكهم الله. وبعض المفسرين يقول ان هذه الآية مدنية، وان اليهود هم الذين ضايقوه وهمَّ بترك المدينة، ولكن هذا بعيد. قراءات: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب وحفص: "خلافك" والباقون: "خلفك" والمعنى واحد.

د. أسعد حومد

تفسير : (73) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ تَأْيِيدِهِ لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ، وَعَنْ تَثْبِيتِهِ إِيَّاهُ، وَعِصْمَتِهِ لَهُ مِنْ شَرِّ الأَشْرَارِ، وَكَيْدِ الفُجَّارِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ المُتَوَلِّي أَمْرَهُ وَنَصْرَهُ، فَقَدْ حَاوَلَ المُشْرِكُونَ فِتْنَتَهُ عَمَّا أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ، لِيَفْتَرِيَ عَلَى اللهِ غَيْرَهُ، وَهُوَ الصَّادِقُ الأَمِينُ، فَقَدْ سَاوَمُوهُ عَلَى أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ رَبَّهُ، مُقَابِلَ أَنْ يَتْرُكَ التَّنْدِيدَ بِآلِهَتِهِمْ، وَمَا كَانَ يَعْبُدُ آباؤهُمْ. وَسَاوَمُوهُ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ لِبَعْضِ كُبَرَائِهِمْ مَجْلِساً غَيْرَ مَجْلِسِ الفُقَرَاءِ، وَلَوْ أَنَّهُ رَضِيَ مُسَايَرَتِهِمْ فِيمَا أَرَادُوا لاتَّخَذُوهُ خَلِيلاً، وَلَكَفُّوا عَنْ إِيذَائِهِ وَتَكْذِيبِهِ. لِيَفْتِنُونَكَ - لَيُوقِعُونَكَ فِي الفِتْنَةِ، وَلَيَصْرِفُونَكَ. لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ - لِتَخْتَلِقَ وَتَتَقَّولَ عَلَيْنَا.

الثعلبي

تفسير : {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ} الآية اختلفوا في سبب نزولها. فقال سعيد بن جبير: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود فمنعته قريش وقالوا: لاندعك حتّى تلم بآلهتنا فحدث نفسه وقال: ما عليَّ أن ألمَّ بها والله يعلم إني لها كاره بعد أن يدعونني أستلم الحجر فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية. قتادة: ذكر لنا أن قريشاً خلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة إلى الصباح يكلمونه ويخيرونه ويسودونه ويقارنونه وكان في قولهم أن قالوا: إنك تأتي بشيء لايأتي به أحد من الناس وأنت سيدنا فإين سيدنا فمازالوا يكلمونه حتّى كاد يقاربهم في بعض مايريدون ثمّ عصمه الله تعالى من ذلك وأنزل هذه الآية. مجاهد: مدح آلهتهم وذكرها ففرحوا. ابن [جموح]: أتوه وقالوا له: أئت آلهتنا فأمسها فذلك قوله {شَيْئاً قَلِيلاً}. ابن عبّاس: قدم وفد ثقيف على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال. قال: ماهن؟ فقالوا: لا ننحني في الصلاة ولا نكسر أصناماً بأيدينا [وتمتعنا باللات] سنة. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود وأما أن لا تكسروا أصنامكم بأيديكم فذلك لكم وأما الطاعة للات فإني غير ممتعكم بها ". تفسير : فهنا قالوا لرسول الله: فإنا نحب أن تسمع العرب أنك أعطيتنا مالم تعطه غيرنا فإن كرهت ذلك وخشيت أن تقول العرب أعطيتهم مالم تعطنا فقل الله أمرني بذلك، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم ليؤمنوا، فعرف عمر (رضي الله عنه) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لما سألوه فقال: ما لكم آذيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرق الله أكبادكم إن رسول الله لا يدع الأصنام في أرض العرب إما أن تسلموا وإما أن ترجعوا فلا حاجة لنا فيكم. فأنزل الله تعالى هذه الآية ووعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك. عطية عنه قالت ثقيف للنبي صلى الله عليه وسلم أجّلنا سنة حتّى نقبض ما تُهدي لآلهتنا فإذا قبضنا التي تُهدى لآلهتنا كسرناها وأسلمنا، فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤجلهم فأنزل الله تعالى {وَإِن كَادُواْ} وقد هموا {لَيَفْتِنُونَكَ} ليستزلونك ويصرفونك {عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ} لتختلف {عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً} لو فعلت مادعوك إليه {لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} أي قالوك وصافوك {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ} على الحق بعوننا {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ} تميل {إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً} ولو فعلت ذلك {إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ} المحتضر أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات يعني ضعفّنا لك العذاب في الدنيا والآخرة {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} ناصراً يمنعك من عذابنا. قال قتادة: فلما نزلت هذه الآيات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اللهم لاتُكلّني إلى نفسي طرفة عين ". تفسير : {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ} ليسخفونك {مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا} الآية. قال الكلبي: حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة حسدت اليهود مقامه بالمدينة وكرهوا قربه منهم فأتوا فقالوا: يا محمّد أَنبيٌ أنت؟ قال: نعم، قالوا: والله لقد علمت ما هذه بارض الأنبياء وإن أرض الأنبياء الشام، وكأنى بها إبراهيم و [الأنبياء]: فان كنت نبياً مثلهم فأت الشام وقد علمنا إنما يمنعك الخروج إليها مخافتك الروم وإن الله سيمنعك بها من الروم إن كنت رسوله وهي الأرض المقدسة وإن الأنبياء لايكونوا بهذا البلد. فعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أميال من المدينة وأربعة أميال، وفي بعض الروايات إلى ذي الحليفة، حتّى ترتاد ويجتمع عليه أصحابه [وينظر] إليه الناستفسير : . فأنزل الله عزّ وجلّ {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ} التي كنت بها وهي أرض المدينة. وروى شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن الحكم: إن اليهود أتوا نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقاً أنك نبي فالحق بالشام فإنها أرض المحشر والنشر وأرض الأنبياء فصدّق رسول الله ما قالوا وقد كان في غزوة تبوك لايريد بذلك إلاّ الشام فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آية من سورة بني إسرائيل بعدها ختمت السورة {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ} الآية وأمره بالرجوع إلى المدينة وقال: فيها خيلك وملكك وفيها مبعثك. قال مجاهد وقتادة: همَّ أهل مكة عمداً بإخراج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة ولو فعلوا ذلك لما توطنوا ولكن الله كفهم عن إخراجه حتّى أمره ولقلما لبثوا مع ذلك بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة حتّى أهلكهم الله يوم بدر. وهذا التأويل أليق بالآية لأن ماقبلها خبر من أهل مكة ولم يجد لليهود ذكر ولأن هذه السورة مكية. وقيل: هم الكفار كلهم كادوا أن يستخفوه من أرض العرب بإجتماعهم وتظاهرهم عليه فمنع الله رسوله صلى الله عليه وسلم ولم ينالوا منه ما أملوا من الظفر ولو أخرجوه من أرض العرب لم يميلوا أن يقيموا فيها على كفرهم بل أهلكوا بالعذاب فذلك قوله {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا} {وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ} أي بعدك وهي قراءة أبي عمرو وأهل الحجاز وإختاره أبو عبيد. وقرأ الباقون: خلافك وإختاره أبو حاتم إعتباراً بقوله {أية : فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 81] ومعناه أيضاً بعدك. قال الشاعر: شعر : عفت الديار خلافها فكأنما بسط الشواطب منهن حصيرا تفسير : أيّ بعدها. {إِلاَّ قَلِيلاً} حتّى تهلكوا {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا} أيّ كسنّتنا فيمن أرسلنا قبلك من رسلنا إذا يكذبهم الأُمم أهلكناهم بالعذاب ولايعذبهم مادام فيهم بين أظهرهم فإذا خرج نبيهم من بين أظهرهم عذبناهم {وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} تبديلاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذه خبيثة جديدة من خبائثهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا يحاولون جادِّين أنْ يصرفوا رسول الله عما بعثه الله به، فمرة يقولون له: دَعْ آلهتنا نتمتع بها سنة ونأخذ الغنائم من ورائها وتحرم لنا بلدنا - أي: ثقيف - كما حرمت مكة. ومرة يقولون له: لا تستلم الحجر ويمنعونه من استلامه حتى يستلم آلهتهم أولاً. ومعنى {كَادُواْ} أي قاربوا، والمقاربة غير الفعل، فالمقاربة مشروع فعل وتخطيط له، لكنه لم يحدث، إنهم قاربوا أنْ يفتنوك عن الذي أُنزِل إليك لكن لم يحدث؛ لأن محاولاتهم كانت من بعيد، فهي تحوم حول فتنتك عن الدين، كما قالوا مثلاً: نعبد إلهك سنة، و تعبد آلهتنا سنة. ومعنى: {لَيَفْتِنُونَكَ} لَيُحوّلونك ويَصْرِفونك عما أنزل الله إليك، لماذا؟ {لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ..} [الإسراء: 73] كما حكى القرآن عنهم في آية أخرى: {أية : ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ..}تفسير : [يونس: 15]. فيكون الجواب من الحق سبحانه:{أية : قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}تفسير : [يونس: 15]. وقال تعالى:{أية : قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}تفسير : [يونس: 16]. ونلاحظ في مثل هذا الموقف أن الحق سبحانه يتحمل العنت عن رسوله، وينقل المسألة من ساحة الرسول إلى ساحته تعالى، لكي لا تكون عداوة بين محمد وقومه، فالأمر ليس من عند محمد بل من عند الله، يقول تعالى: {أية : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ}تفسير : [الأنعام: 33]. فلا تحزن يا محمد، فأنت مُصَدَّق عندهم، لكن المسألة عندي أنا، وهكذا يتحمل الحق سبحانه الموقف عن رسوله حتى لا يحمل القوم ضغينة لرسول الله. ثم يقول تعالى: {وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} [الإسراء: 73]. الخليل: هو المخالّ الذي بينك وبينه حُبٌّ ومودّة، بحيث يتخلل كل منكما الآخر ويتغلغل فيه، ومنه قوله تعالى في إبراهيم: {أية : وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً}تفسير : [النساء: 125]. ومنه قول الشاعر: شعر : وَلَمَّا التقيْنَا قَرَّبَ الشَّوْقُ جَهْدَهُ خَليليْنِ ذَابَا لَوْعَةً وَعِتَابَا كأنَّ خَليِلاً فِي خِـلاَلِ خَلِيِلِه تَسَرَّبَ أثناءَ العِنَاقِ وَغَابَا تفسير : فإذا ما تقابل الخليلان ذاب كل منهما في صاحبه أو تخلَّله ودخل فيه. فالمعنى: لو أنك تنازلتَ عن المنهج الذي جاءك من الله لَصِرْتَ خليلاً لهم، كما كنت خليلاً لهم من قبل، وكانوا يحبونك ويقولون عنك "الصادق الأمين". إذن: الذي جعلهم في حالة عداء لك هو منهج الله جئتَ به، فلو تنازلتَ عنه أو تهاونت فيه فسوف يتخذونك خليلاً، فلا تكُنْ خليلاً لهم بل خليلاً لربك الذي أرسلك. ويخاطب الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم، فيقول: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يذكر تعالى منته على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وحفظه له من أعدائه الحريصين على فتنته بكل طريق، فقال: { وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا } أي: قد كادوا لك أمرًا لم يدركوه، وتحيلوا لك، على أن تفتري على الله غير الذي أنزلنا إليك، فتجيء بما يوافق أهواءهم، وتدع ما أنزل الله إليك. { وَإِذَا } لو فعلت ما يهوون { لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا } أي حبيبًا صفيًا، أعز عليهم من أحبابهم، لما جبلك الله عليه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، المحببة للقريب والبعيد، والصديق والعدو. ولكن لتعلم أنهم لم يعادوك وينابذوك العداوة، إلا للحق الذي جئت به لا لذاتك، كما قال الله تعالى {أية : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ }. تفسير : { وَ } مع هذا فـ { لَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ } على الحق، وامتننا عليك بعدم الإجابة لداعيهم، { لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا } من كثرة المعالجة، ومحبتك لهدايتهم. { إذًا } لو ركنت إليهم بما يهوون { لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات } أي لأصبناك بعذاب مضاعف ، في الحياة الدنيا والآخرة ، وذلك لكمال نعمة الله عليك ، وكمال معرفتك. { ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا } ينقذك مما يحل بك من العذاب، ولكن الله تعالى عصمك من أسباب الشر، ومن البشر فثبتك وهداك الصراط المستقيم، ولم تركن إليهم بوجه من الوجوه، فله عليك أتم نعمة وأبلغ منحة. { وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا } أي: من بغضهم لمقامك بين أظهرهم، قد كادوا أن يخرجوك من الأرض، ويجلوك منها. ولو فعلوا ذلك، لم يلبثوا بعدك فيها إلا قليلا حتى تحل بهم العقوبة، كما هي سنة الله التي لا تحول ولا تبدل في جميع الأمم، كل أمة كذبت رسولها وأخرجته، عاجلها الله بالعقوبة. ولما مكر به الذين كفروا وأخرجوه، لم يلبثوا إلا قليلا حتى أوقع الله بهم بـ " بدر " وقتل صناديدهم، وفض بيضتهم، فله الحمد. وفي هذه الآيات، دليل على شدة افتقار العبد إلى تثبيت الله إياه، وأنه ينبغي له أن لا يزال متملقًا لربه، أن يثبته على الإيمان، ساعيا في كل سبب موصل إلى ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أكمل الخلق، قال الله له: { وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا } فكيف بغيره؟" وفيها تذكير الله لرسوله منته عليه، وعصمته من الشر، فدل ذلك على أن الله يحب من عباده أن يتفطنوا لإنعامه عليهم -عند وجود أسباب الشر - بالعصمة منه، والثبات على الإيمان. وفيها: أنه بحسب علو مرتبة العبد، وتواتر النعم عليه من الله يعظم إثمه، ويتضاعف جرمه، إذا فعل ما يلام عليه، لأن الله ذكر رسوله لو فعل - وحاشاه من ذلك - بقوله: { إِذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا }. وفيها: أن الله إذا أراد إهلاك أمة، تضاعف جرمها، وعظم وكبر، فيحق عليها القول من الله فيوقع بها العقاب، كما هي سنته في الأمم إذا أخرجوا رسولهم.

همام الصنعاني

تفسير : 1597- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ}: [الآية: 73]، قال: أطافوا به ليلة فقالوا: أنت سيدنَا وابن سيدنا، فأرادوه علَى بعضِ ما يريدون، فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يُقَارِبَهُمْ في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله، قال: فذلك قوله: {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً}: [الآية: 74]، للذي أرادوا، فَهَمَّ أن يقاربهم فيه.