١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
76
Tafseer
الرازي
تفسير : في هذه الآية قولان: الأول: قال قتادة: هم أهل مكة هموا بإخراج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، ولو فعلوا ذلك ما أمهلوا، ولكن الله منعهم من إخراجه، حتى أمره الله بالخروج، ثم إنه قل لبثهم بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة حتى بعث الله عليهم القتل يوم بدر وهذا قول مجاهد. والقول الثاني: قال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم فقالوا: يا أبا القاسم إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام وهي بلاد مقدسة وكانت مسكن إبراهيم فلو خرجت إلى الشام آمنا بك واتبعناك وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم. فعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أميال من المدينة قيل بذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه الناس عازماً على الخروج إلى الشام لحرصه على دخول الناس في دين الله فنزلت هذه الآية فرجع. فالقول الأول اختيار الزجاج وهو الوجه لأن السورة مكية فإن صح القول الثاني كانت الآية مدنية، والأرض في قوله: {لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ } على القول الأول مكة وعلى القول الثاني المدينة وكثر في التنزيل ذكر الأرض والمراد منها مكان مخصوص كقوله: { أية : أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ } تفسير : [المائدة: 33] يعني من مواضعهم وقوله: { أية : فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ } تفسير : [يوسف: 80] يعني الأرض التي كان قصدها لطلب الميرة، فإن قيل قال الله تعالى: { أية : وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِى أَخْرَجَتْكَ } تفسير : [محمد: 13] يعني مكة والمراد أهلها فذكر أنهم أخرجوه وقال في هذه الآية: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا } فكيف (يمكن) الجمع بينهما على قول من قال الأرض في هذه الآية مكة؟ قلنا: إنهم هموا بإخراجه وهو عليه السلام ما خرج بسبب إخراجهم وإنما خرج بأمر الله تعالى، فزال التناقض. ثم قال تعالى: {وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلَـٰفَكَ إِلاَّ قَلِيلاً } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو عن عاصم (خلفك) بفتح الخاء وسكون اللام والباقون {خلافك} زعم الأخفش أن خلافك في معنى خلفك وروى ذلك يونس عن عيسى وهذا كقوله: { أية : بِمَقْعَدِهِمْ خِلَـٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 81] وقال الشاعر: شعر : عفت الديار خلافهم فكأنما بسط الشواطب بينهن حصير تفسير : قال صاحب «الكشاف» قرىء {لا يلبثون} وفي قراءة أبي {لا يلبثوا} على إعمال إذاً، فإن قيل: ما وجه القراءتين؟ قلنا: أما الشائعة فقد عطف فيها الفعل على الفعل وهو مرفوع لوقوعه خبر كاد والفعل في خبر كاد واقع موقع الاسم وأما قراءة أبي ففيها الجملة برأسها التي هي قوله: {إِذًا لا يلبثوا} عطف على جملة قوله: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ } ثم قال تعالى: {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا } يعني أن كل قوم أخرجوا نبيهم من ظهرانيهم فسنة الله أن يهلكهم فقوله: {سَنَةٍ } نصب على المصدر المؤكد أي سننا ذلك سنة فيمن قد أرسلنا قبلك ثم قال: {وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً } والمعنى أن ما أجرى الله تعالى به العادة لم يتهيأ لأحد أن يقلب تلك العادة وتمام الكلام في هذا الباب أن اختصاص كل حادث بوقته المعين وصفته المعينة ليس أمراً ثابتاً له لذاته وإلا لزم أن يدوم أبداً على تلك الحالة وأن لا يتميز الشيء عما يماثله في تلك الصفات بل إنما يحصل ذلك الاختصاص بتخصيص المخصص وذلك التخصيص هو أنه تعالى يريد تحصيله في ذلك الوقت ثم تتعلق قدرته بتحصيله في ذلك الوقت ثم يتعلق علمه بحصوله في ذلك الوقت ثم نقول هذه الصفات الثلاثة التي هي المؤثرة في حصول ذلك الاختصاص إن كانت حادثة افتقر حدوثها إلى تخصيص آخر ولزم التسلل وهو محال وإن كانت قديمة فالقديم يمتنع تغيره لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه ولما كان التغير على تلك الصفات المؤثرة في ذلك الاختصاص ممتنعاً كان التغير في تلك الأشياء المقدرة ممتنعاً فثبت بهذا البرهان صحة قوله تعالى: {وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً }.
القرطبي
تفسير : هذه الآية قيل إنها مدنية؛ حسبما تقدّم في أوّل السورة. قال ابن عباس: حسَدت اليهود مقام النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقالوا: إن الأنبياء إنما بعثوا بالشأم، فإن كنت نبيًّا فالحق بها؛ فإنك إن خرجت إليها صدقناك وآمنا بك؛ فوقع ذلك في قلبه لما يُحِبُّ من إسلامهم، فرحَل من المدينة على مرحلة فأنزل الله هذه الآية. وقال عبد الرحمن بن غَنْم: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما نزل تبوك نزل {وإن كَادُوا لَيَستفزونك من الأرض} بعدما ختمت السورة، وأمر بالرجوع. وقيل: إنها مكية. قال مجاهد وقتادة: نزلت في همّ أهل مكة بإخراجه، ولو أخرجوه لما أمهلوا ولكن الله أمره بالهجرة فخرج، وهذا أصح؛ لأن السورة مكية، ولأن ما قبلها خبر عن أهل مكة، ولم يجر لليهود ذكر. وقوله: {مِنَ ٱلأَرْضِ} يريد أرض مكة. كقوله:{أية : فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ} تفسير : [يوسف: 80] أي أرض مصر؛ دليله {أية : وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ} تفسير : [محمد: 13] يعني مكة. معناه: همّ أهلها بإخراجه؛ فلهذا أضاف إليها وقال: «أخرجتك». وقيل: همّ الكفار كلّهم أن يستخفّوه من أرض العرب بتظاهرهم عليه فمنعه الله، ولو أخرجوه من أرض العرب لم يُمْهَلُوا، وهو معنى قوله: {وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً}. وقرأ عطاء بن أبي رَباح «لا يُلَبَّثون» الباء مشددة. «خلفك» نافع وابن كثير وأبو بكر وأبو عمرو، ومعناه بعدك. وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائيّ «خلافك» واختاره أبو حاتم، اعتباراً بقوله: {أية : فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 81] ومعناه أيضاً بعدك؛ قال الشاعر:شعر : عَفَت الديار خلافهم فكأنما بسط الشّواطِبُ بينهن حَصِيراً تفسير : بسط البواسط؛ في الماورديّ. يقال: شطبت المرأة الجريد إذا شقته لتعمل منه الحصر. قال أبو عبيد: ثم تُلقيه الشاطبة إلى المُنَقِّية. وقيل: «خلفك» بمعنى بعدك. «وخلافك» بمعنى مخالفتك؛ ذكره ابن الأنباريّ. {إِلاَّ قَلِيلاً} فيه وجهان: أحدهما: أن المدة التي لبثوها بعده ما بين إخراجهم له إلى قتلهم يوم بدر؛ وهذا قول من ذَكر أنهم قريش. الثاني: ما بين ذلك وقتل بني قُريظة وجلاء بني النضير؛ وهذا قول من ذَكر أنهم اليهود.
البيضاوي
تفسير : {وَإِن كَادُواْ} وإن كاد أهل مكة. {لَيَسْتَفِزُّونَكَ } ليزعجوك بمعاداتهم. {مّنَ ٱلأَرْضِ} أرض مكة. {لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلَـٰفَكَ } ولو خرجت لا يبقون بعد خروجك. {إِلاَّ قَلِيلاً } إلا زماناً قليلاً، وقد كان كذلك فإنهم أهلكوا ببدر بعد هجرته بسنة. وقيل الآية: نزلت في اليهود حسدوا مقام النبي بالمدينة فقالوا: الشام مقام الأنبياء فإن كنت نبياً فالحق بها حتى نؤمن بك، فوقع ذلك في قلبه فخرج مرحلة فنزلت، فرجع ثم قتل منهم بنو قريظة وأجلي بنو النضير بقليل. وقرىء «لا يلبثوا» منصوباً بـ {إِذَا } على أنه معطوف على جملة قوله: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ } لا على خبر كاد فإن إذا لا تعمل إذا كان معتمد ما بعدها على ما قبلها وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب وحفص {خِلَـٰفَكَ } وهو لغة فيه قال الشاعر:شعر : عفت الدَّيَار خِلافَهُمْ فَكَأَنَّمَا بسط الشَّوَاطِبَ بَيْنَهُنَّ حَصِيراً تفسير : {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا} نصب على المصدر أي سن الله ذلك سنة، وهو أن يهلك كل أمة لله أخرجوا رسولهم من بين أظهرهم، فالسنة لله وإضافتها إلى الرسل لأنها من أجلهم ويدل عليه. {وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} أي تغييراً.
ابن كثير
تفسير : قيل: نزلت في اليهود إذ أشاروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسكنى الشام بلاد الأنبياء، وترك سكنى المدينة، وهذا القول ضعيف؛ لأن هذه الآية مكية، وسكنى المدينة بعد ذلك، وقيل: إنها نزلت بتبوك، وفي صحته نظر. روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم: أن اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فقالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقاً أنك نبي فالحق بالشام، فإن الشام أرض المحشر، وأرض الأنبياء، فصدق ما قالوا، فغزا تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك، أنزل الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل بعد ما ختمت السورة: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} فأمره الله بالرجوع إلى المدينة، وقال: فيها محياك ومماتك ومنها تبعث. وفي هذا الإسناد نظر، والأظهر أن هذا ليس بصحيح، فإن النبي لم يغز تبوك عن قول اليهود، وإنما غزاها امتثالاً لقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ} تفسير : [التوبة: 123] ولقوله تعالى: {أية : قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ} تفسير : [التوبة: 29] وغزاها ليقتص وينتقم ممن قتل أهل مؤتة من أصحابه، والله أعلم، ولو صح هذا لحمل عليه الحديث الذي رواه الوليد بن مسلم عن عُفَير بن مَعْدان، عن سُلَيم بن عامر عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أنزل القرآن في ثلاثة أمكنة: مكة، والمدينة، والشام» تفسير : قال الوليد: يعني بيت المقدس، وتفسير الشام بتبوك أحسن، مما قال الوليد إنه بيت المقدس، والله أعلم. وقيل: نزلت في كفار قريش، هموا بإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم، فتوعدهم الله بهذه الآية، وأنهم لو أخرجوه، لما لبثوا بعده بمكة إلا يسيراً، وكذلك وقع، فإنه لم يكن بعد هجرته من بين أظهرهم بعد ما اشتد أذاهم له إلا سنة ونصف، حتى جمعهم الله وإياه ببدر على غير ميعاد، فأمكنه منهم وسلطه عليهم وأظفره بهم، فقتل أشرافهم وسبى ذراريهم، ولهذا قال تعالى: {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا} الآية، أي: هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا وآذوهم بخروج الرسول من بين أظهرهم، يأتيهم العذاب، ولولا أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رسول الرحمة، لجاءهم من النقم في الدنيا ما لا قبل لأحد به، ولهذا قال تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}الآية.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل لما قال له اليهود: إن كنت نبياً فألحق بالشام فإنها أرض الأنبياء {وإِنْ } مخففة {كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ } أرض المدينة {لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا } لو أخرجوك {لاَّ يَلْبَثُونَ خِلَٰفَكَ } فيها {إِلاَّ قَلِيلاً } ثم يهلكون.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وإن كادوا ليستفزونَك مِنَ الأرض ليخرجوك منها} في قوله {ليستفزّونك} وجهان: أحدهما: يقتلونك، قاله الحسن. الثاني: يزعجونك باتسخفافك، قاله ابن عيسى. قال الشاعر: شعر : يُطِيعُ سَفِيهَ القوْمِ إذ يَسْتَفِزُّهُ ويعْصِي حَكِيماً شَيَّبَتْهُ الْهَزَاهِزُ تفسير : وفي قوله {ليخرجوك منها} أربعة أقاويل: أحدها: أنهم اليهود أرادوا أن يخرجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة، فقالوا: إن أرض الأنبياء هي الشام وإن هذه ليست بأرض الأنبياء، قاله سليمان التيمي. الثاني: أنهم قريش هموا بإخراج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قبل الهجرة، قاله قتادة. الثالث: أنهم أرادوا إخراجه من جزيرة العرب كلها لأنهم قد أخرجوه من مكة. الرابع: أنهم أرادوا قتله ليخرجوه من الأرض كلها، قاله الحسن. {وإذاً لا يلبثون خلافك إلا قليلاً} يعني بعدك، قال خلْفك وخلافك وقد قرئا جميعاً بمعنى بعدك، ومنه قول الشاعر: شعر : عَفَتِ الدِّيَارُ خِلاَفَها فَكَأَنَّما بَسَطَ الشَّوَاطبُ بَيْنَهُم حَصِيراً تفسير : وقيل خلفك بمعنى مخالفتك، ذكره ابن الأنباري. {إلا قليلاً} فيه وجهان: أحدهما: أن المدة التي لبثوها بعده ما بين إخراجهم له إلى قتلهم يوم بدر، وهذا قوله من ذكر أنهم قريش. الثاني: ما بين ذلك وقتل بني قريظة وجلاء بني النضير، وهذا قول من ذكر أنهم اليهود.
ابن عطية
تفسير : قال حضرمي الضمير في {كادوا} ليهود المدينة وناحيتها، كحيي بن أخطب وغيره، وذلك أنهم ذهبوا إلى المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: إن هذه الأرض ليست بأرض الأنبياء، وإنما أرض الأنبياء بالشام، ولكنك تخاف الروم، فإن كنت نبياً، فاخرج إليها فإن الله سيحميك كما حمى غيرك من الأنبياء، فنزلت الآية في ذلك، وأخبر الله عز وجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو خرج لم يلبثهم بعده {إلا قليلاً}، وحكى النقاش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بسبب قولهم، وعسكر بذي الحليفة، وأقام ينتظر أصحابه، فنزلت الآية عليه، فرجع، وهذا ضعيف لم يقع في سيرة ولا في كتاب يعتمد عليه، وذو الحليفة ليس في طريق الشام من المدينة، وقالت فرقة الضمير في {كادوا} هو لقريش، وحكى الزجاج أن "استفزازهم" هو ما كانوا أجمعوا عليه في دار الندوة من قتله، و {الأرض} على هذا عامة في الدنيا، كأنه قال {ليخرجوك} من الدنيا، وعلى سائر الأقوال هي أرض مخصوصة، إما مكة وإما المدينة، كما قال تعالى {أية : أو ينفوا من الأرض} تفسير : [المائدة: 33]. فإنما معناه من الأرض التي فيها تصرفهم وتمعسهم، وقال ابن عباس وقتادة: واستفزاز قريش هو ما كانوا ذهبوا إليه من إخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، كما ذهبوا قبل إلى حصره في الشعب، ووقع استفزازهم هذا بعد نزول الآية، وضيقوا عليه حتى خرج واتبعوه إلى الغار وغير ذلك، ونفذ عليهم الوعيد في أن لم يلبثوا خلفه {إلا قليلاً} يوم بدر، وقال مجاهد ذهبت قريش إلى هذا ولكنه لم يقع منها، لأنه لما أراد الله استبقاء قريش وأن لا يستأصلها، أذن لرسوله بالهجرة، فخرج من الأرض بإذن الله لا يقهر قريش، واستبقيت قريش ليسلم منها ومن أعقابها من أسلم، قال: ولو أخرجته قريش لعذبوا، فذهب مجاهد رحمه الله إلى أن الضمير في {يلبثون} عام في جميعهم، وفي مصحف عبد الله بن مسعود "وإذاً لا يلبثوا" بحذف النون، وإعمال {إذاً}، وسائر القراء ألغوها وأثبتوا النون، وقرأ عطاء بن أبي رباح "يُلَبّثون" بضم الياء وفتح اللام وشد الباء، وروي مثله عن يعقوب إلا أنه كسر الباء، وقرأ عطاء "بعدك إلا قليلاً"، وقرأ الجمهور "خلفك"، وقرأ ابن عامر وحمزة الكسائي وحفص عن عاصم "خلافك"، والمعنى واحد، ومنه قول الشاعر: [الكامل] شعر : عقب الرذاذ خلافها فكأنما بسط الشواطب بينهن حصيرا تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله} تفسير : [التوبة: 81]، على بعض تأويلاته أي بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه اللفظة قد لزم حذف المضاف لأن التقدير في آياتنا خلاف خروجك، وفي بيت الشاعر خلاف انبساط الشمس أو نحوه، قال أبو علي: أصابوا هذه الظروف تضاف إلى الأسماء الأعيان التي ليست أحداثاً فلم يستحبوا إضافتها إلى غير ما جرى عليه كلامهم كما أنها لما جرت منصوبة في كلامهم تركوها على حالها إذا وقعت في غير موضع النصب، كقوله تعالى: {أية : وإنا منا الصالحون ومنا دون ذلك} تفسير : [الجن: 11]، وقوله {أية : يوم القيامة يفصل بينكم} تفسير : [الممتحنة: 3]، وقوله {سنّة} نصب على المصدر، وقال الفراء نصبه على حذف الخافض، لأن المعنى كسنة، فحذفت الكاف ونصب ويلزمه على هذا أن لا يقف على قوله {قليلاً}، ومعنى الآية الإخبار أن سنة الله تعالى في الأمم الخالية وعادته أنها إذا أخرجت نبيها من بين أظهرها نالها العذاب واستأصلها الهلاك فلم تلبث بعده إلا قليلاً، وقوله {أقم الصلاة} الآية، هذه بإجماع من المفسرين إشارة إلى الصلوات المفروضة، فقال ابن عمرو وابن عباس وأبو بردة والحسن والجمهور: "دلوك الشمس" زوالها، والإشارة إلى الظهر والعصر، و {غسق الليل} أشير به إلى المغرب والعشاء، {وقرآن الفجر} أريد به صلاة الصبح، فالآية على هذا تعم جميع الصلوات وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أتاني جبريل {لدلوك الشمس} حين زالت فصلى بي الظهر"تفسير : ، وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عنده وقد طعم وزالت الشمس، فقال اخرج يا أبا بكر فهذا حين دلكت الشمس، وقال ابن مسعود وابن عباس وزيد بن أسلم: "دلوك الشمس" غروبها، والإشارة بذلك إلى المغرب، و {غسق الليل} اجتماع ظلمته، فالإشارة إلى العتمة، {وقرآن الفجر} صلاة الصبح، ولم تقع إشارة على هذا إلى الظهر والعصر، والقول الأول أصوب لعمومه الصلوات، وهما من جهة اللغة حسنان، وذلك أن الدلوك هو الميل في اللغة فأول الدلوك هو الزوال، وآخره هو الغروب، ومن وقت الزوال إلى الغروب يسمى دلوكاً، لأنها في حالة ميل، فذكر الله {الصلوات} التي في حالة "الدلوك" وعنده، فيدخل في ذلك الظهر والعصر والمغرب ويصح أن تكون المغرب داخلة في {غسق الليل}، ومن الدلوك الذي هو الميل قول الأعرابي للحسن بن أبي الحسن أيدالك الرجل امرأته يريد أيميل بها إلى المطل في دينها فقال له الحسن نعم إذا كان ملفجاً، أي عديماً، ومنه قول ذي الرمة: [الطويل] شعر : مصابيح ليست باللواتي تقودها نجوم ولا بالآفلات الدوالك تفسير : ومن ذلك قول الشاعر: [الرجز] شعر : هذا مكان قدمي رباح غدوة حتى دلكت براح تفسير : يروى براح بكسر الباء، قال أبو عبيدة الأصمعي وأبو عمرو الشيباني ومعناه براحة الناظر يستكف بها أبداً لينظر كيف ميلها وما بقي لها، وهذا نحو قول الحجاج: [الرجز] شعر : والشمس قد كادت تكون دنفاً دفعها بالراح كي تزحلقا تفسير : وذكر الطبري عن ابن مسعود أنه قال: دلكت براح يعني براح مكاناً. قال: فإن كان هذا من تفسير ابن مسعود فهو أعلم، وإن كان من كلام راوٍ فأهل الغريب أعلم بذلك، ويروى أن البيت الأول: "غدوة حتى هلكت بَراح"، بفتح الباء على وزن قطام وحذام، وهو اسم من أسماء الشمس، وغسق الليل اجتماعه وتكاثف ظلمته، وقال الشاعر: [المديد] شعر : آب هذا الليل إذ غسقا تفسير : وقال ابن عباس: {غسق الليل} بدؤه، ونصب قوله {وقرآن} بفعل مضمر تقديره واقرأ قرآن، ويصح أن ينصب عطفاً على الصلاة، أي "وأقم قرآن الفجر"، وعبر عن صلاة الصبح خاصة بـ "القرآن" لأن القرآن هو عظمها، إذ قراءتها طويلة مجهور بها، ويصح أن ينصب قوله {وقرآن} على الإغراء وقوله {إن قرآن الفجر كان مشهوداً} معناه ليشهده حفظة النهار وحفظة الليل من الملائكة حسبما ورد في الحديث المشهور من قوله عليه السلام: "حديث : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر"تفسير : ، الحديث بطوله من رواية أبي هريرة وغيره، وعلى القول بذلك مضى الجمهور، وذكر الطبري حديثاً عن ابن عسكر من طريق أبي الدرداء، في قوله {كان مشهوداً} قال محمد بن سهل بن عسكر يشهده الله وملائكته، وذكر في ذلك الحديث أن الله تعالى ينزل في آخر الليل، ونحو هذا مما ليس بالقوي، وقوله {ومن الليل} {من} للتبعيض، التقدير ووقتاً من الليل أي وقم وقتاً، والضمير في {به} عائد على هذا المقدر ويحتمل أن يعود على "القرآن" وإن كان لم يجر له ذكر مطلق كما هو الضمير مطلق، لكن جرى مضافاً إلى الفجر، و {فتهجد} معناه: فاطرح الهجود عنك، والهجود النوم، يقال هجُد يهجُد بضم الجيم هجوداً إذا نام، ومنه قول ذي الرمة: [الطويل] شعر : ألا طرقتنا والرفاق هجود فباتت بعلات النوال تجود تفسير : ومنه قول الحطيئة: [الطويل] شعر : فحياك ود ما هداك لفتية وخوص بأعلى ذي طوالة هجد تفسير : وهذا الفعل جار مجرى تحوب وتأثم وتحنث، ومثله {أية : فظلتم تفكهون} تفسير : [الواقعة: 65] معناه تندمون، أي تطرحون الفاكهة عن أنفسكم وهي انبساط النفس وسرورها، يقال رجل فكه إذا كان كثير السرور والضحك، فالمعنى وقتاً من الليل اسهر به في صلاة وقراءة، وقال الأسود وعلقمة وعبد الرحمن بن الأسود: "التهجد" بعد نومة، وقال الحجاج بن عمرو إنما "التهجد" بعد رقدة، وقال الحسن: "التهجد" ما كان بعد العشاء الآخرة، وقوله {نافلة لك} قال ابن عباس وغيره: معناه زيادة لك في الفرض، قالوا: وكان قيام الليل فرضاً على النبي صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد: وتحتمل الآية أن يكون هذا على وجه الندب في التنفل، ويكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد هو وأمته كخطابه في قوله {أقم الصلوات} الآية. وقال مجاهد: إنما هي {نافلة} للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه مغفور له والناس يحطون بمثل ذلك خطاياهم، وبين أن النبي صلى الله عليه وسلم منذ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر عام الحديبية فإنما كانت نوافله واستغفاره فضائل من العمل وقرباً أشرف من نوافل أمته، لأن هذا إما أن تجبر بها فرائصهم حسب الحديث، وإما أن تحط بها خطاياهم، وقد يتصور من لا ذنب له ينتفل فيكون تنفله فضيلة، كنصراني يسلم وصبي يحتلم، وضعف الطبري قول مجاهد. وقوله {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} عزة من الله عز وجل لرسوله، وهو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء حتى ينتهي إليه عليه السلام، والحديث بطوله في البخاري ومسلم، فلذلك اختصرناه، ولأجل ذلك الاعتمال الذي له في مرضاة جميع العالم مؤمنهم وكافرهم قال: "حديث : أنا سيد، ولد آدم ولا فخر" تفسير : . و {عسى} من الله واجبة، و {مقاماً} نصب على الظرف، ومن غريب حديث الشفاعة اقتضابه المعنى، وذلك أن صدر الحديث يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم يستنهض للشفاعة في أن يحاسب الناس وينطلقون من الموقف، فيذهب لذلك، وينص بإثر ذلك على أنه شفع في إخراج المذنبين من النار، فمعناه الاقتضاب والاختصار. لأن الشفاعة في المذنبين لم تكن إلا بعد الحساب والزوال من الموقف، ودخول قوم الجنة ودخول قوم النار، وهذه الشفاعة لا يتدافعها الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء، وذكر الطبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : المقام المحمود هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: وينبغي أن يتأول هذا على ما قلناه لأمته وغيرها، أو يقال إن كل مقام منها محمود، قال النقاش: لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث شفاعات، شفاعة العامة، وشفاعة السبق إلى الجنة، وشفاعة في أهل الكبائر، والمشهور أنهما شفاعتان فقط، وحكى الطبري عن فرقة منها مجاهد أنها قالت: "المقام المحمود" هو أن الله عز وجل يجلس محمداً معه على عرشه، وروت في ذلك حديثاً، وعضد الطبري جواز ذلك بشطط من القول، وهو لا يخرج إلا على تلطف في المعنى وفيه بعد، ولا ينكر مع ذلك أن يروى، والعلم يتأوله، وقد ذكر النقاش عن أبي داود السختياني أنه قال من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متهم ما زال أهل العلم يتحدثون بهذا. قال القاضي أبو محمد: من أنكر جوازه على تأويله.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَيَسْتَفِزُّونَكَ} يقتلونك، أو يزعجونك باستخفاف، أراد اليهود إخراجه من المدينة فقالوا: أرض الأنبياء الشام وليست هذه أرض الأنبياء، أو أرادت قريش إخراجه من مكة قبل هجرته، أو أرادوا إخراجه من جزيرة العرب كلها لأنهم قد أخرجوه من مكة {خِلافَكَ} {وخِلافك} بعد {إِلآَّ قَلِيلاً} ما بين إخراجهم له إلى أن قُتلوا ببدر إن جعلناهم قريشاً، أو ما بين ذلك وقتل بني قريظة وإجلاء بني النضير إن جعلناهم اليهود.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا...} الآية: قال الحَضْرَمِيُّ: الضمير في «كادوا» ليهود المدينة وناحيتها، ذهبوا إِلى المَكْرِ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: إِن هذه الأرضَ ليست بأرض الأنبياء، فإِن كنت نبيًّا، فٱخرجْ إِلى الشام، فإِنها أرض الأنبياء، فنزلَت الآية، وأخبر سبحانه أن رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم لو خَرَج، لم يلبثوا بعده إِلا قليلاً، وقالت فرقة: الضمير لقريشٍ، قال ابن عباس: وقد وقع ٱستفزازهم وإِخراجهم له، فلم يلبثوا خلفه إِلا قليلاً يومَ بَدَرْ. وقال مجاهد: ذهبَتْ قريش إلى هذا، ولكنه لم يقعْ منها؛ لأنه لما أراد اللَّه سبحانه استبقاء قُرَيْش، وألاَّ يستأصلها، أذِنَ لرسوله في الهجْرة، فخرج من الأرض بإِذن اللَّه، لا بَقْهر قريشٍ، واسْتُبْقِيَتْ قريشٌ؛ لِيُسِلمَ منها ومِنْ أعقابها مَنْ أسْلَم. * ت *: قال * ص *: قوله {لاَّ يَلْبَثُونَ } جوابُ قسَمٍ محذوفٍ، أي: واللَّهِ، إِن استُفْزِزْتَ، فخرجْتَ، لا يلبثون خلفك إِلا قليلاً. انتهى. وقوله سبحانه: {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا...} الآية: معنى الآية الإِخبار أن سنة اللَّه تعالى في الأمم الخالية وعادته أنها إذا أخْرجَتْ نبيَّها من بين أظهرها، نالها العذاب، وٱستأصلها، فلم تلبثْ خلفه إلا قليلاً.
ابن عادل
تفسير : قال مجاهد، وقتادة: الأرض: أرض مكة، والآية مكيَّةٌ. هَمَّ المشركون في أن يخرجوه منها، فكفَّهم الله عنه؛ حتَّ أمره بالهجرة، فخرج بنفسه، وهذا أليق بالآية؛ لأنَّ ما قبلها خبر عن أهل مكَّة، وهذا اختيار الزجاج. وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: لمَّا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حسدتهُ اليهود، وكرهوا قربه منهم، ومقامه بالمدينة، فأتوهُ، وقالوا: يا أبا القاسم، لقد علمت ما هذه بدارِ الأنبياءِ، وأنَّ أرض الأنبياء بالشَّام، وهي الأرض المقدسة، وبها كان إبراهيم والأنبياء - صلوات الله عليهم - فإن كنت نبيًّا مثلهم، فأت الشَّام، وإنما يمنعك من الخروج إليها مخافتك الروم، وإنَّ الله يمنعك من الرُّوم، إن كنت نبيًّا، فعسكر النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أميالٍ من المدينة، وقيل: بذي الحليفة؛ حتَّى يجتمع إليه أصحابه، ويراه النَّاس عازماً على الخُروج إلى الشَّام، فيدخلون في دين الله - سبحانه وتعالى - فأنزلت هذه الآية، وهذا قول الكلبيِّ، وعلى هذا، فالآية مدنية، والمراد بالأرض: أرض المدينة، وكثر في التنزيل ذكر الأرض، والمراد منها مكانٌ مخصوصٌ؛ كقوله تعالى: {أية : أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [المائدة: 33] أي: من مواضعهم. وقوله تعالى: {أية : فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ}تفسير : [يوسف: 80]. يعني: التي كان يقصدها؛ لطلب الميرة. فإن قيل: قال الله تعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ} تفسير : [محمد: 13]. يعني: "مكَّة"؟!. فالجواب: أنَّهم همُّوا بإخراجه، وهو - صلوات الله وسلامه عليه - ما خرج بسبب إخراجهم، وإنَّما خرج بأمر الله تعالى؛ فزال التَّناقضُ، والاستفزازُ: هو الإزعاج بسرعة. {وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ}: قرأ العامة برفع الفعل بعد "إذَنْ" ثابت النون، وهي مرسومةٌ في مصاحف العامة، ورفعه وعدم إعمال "إذن" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها توسَّطت بين المعطوف، والمعطوف عليه، قال الزمخشريُّ: فإن قلت: ما وجهُ القراءتين؟ قلت: أمَّا الشائعة - يعني برفع الفعل - فقد عطف فيها الفعل على الفعل، وهو مرفوع لوقوعه خبر "كاد" وخبر "كاد" واقعٌ موقع الاسم" قلت: فيكون "لا يَلْبثُونَ" عطفاً على قوله "ليَسْتفِزُّونكَ". الثاني: أنها متوسطة بين قسم محذوف وجوابه، فألغيت لذلك، والتقدير: وواللهِ، إذن لا يلبثون. الثالث: أنها متوسطة بين مبتدأ محذوف وخبره، فألغيت لذلك، والتقدير: وهم إذن لا يلبثون. وقرأ أبيٌّ بحذف النون، فنصبه بـ "إذَنْ" عند الجمهور، وبـ "أنْ" مضمرة بعدها عند غيرهم، وفي مصحف عبد الله "لا يَلبَثُوا" بحذفها، ووجه النصب: أنه لم يجعل الفعلُ معطوفاً على ما تقدَّم، ولا جواباً، ولا خبراً، قال الزمخشريُّ: وأمَّا قراءة أبيِّ، ففيها الجملة برأسها التي هي: إذن لا يلبثوا، عطجف على جملة قوله "وإنْ كادُوا ليَسْتفزُّونكَ". وقرأ عطاء "لا يُلبَّثُونَ" بضمِّ الياء، وفتح اللام والباء، مشددة مبنيًّا للمفعول، من "لبَّثَهُ" بالتشديد، وقرأها يعقوب كذلك، إلا أنه كسر الباء، جعله مبنياً للفاعل. قوله تعالى: "خِلافَكَ" قرأ الأخوان، وابن عامرٍ، وخفص: "خِلافكَ" بكسر الخاء، وألف بعد اللام، والباقون بفتح الخاءِ، وسكون اللام، والقراءتان بمعنى واحدٍ. قال الأخفش: خلافك: بمعنى: خلفك. وروى ذلك يونس عن عيسى، وهذا كقوله: {أية : بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 81]. وأنشدوا في ذلك: [الكامل] شعر : 3447- عَفتِ الدِّيارُ خِلافَهُم فكأنَّما بَسطَ الشَّواطِبُ بَينهُنَّ حَصِيرا تفسير : والمعنى: بعد خروجك، وكثر إضافة "قَبْل" و "بَعْدُ" ونحوهما إلى أسماء الأعيان؛ على حذف مضاف، فيقدَّرُ من قولك: جاء زيدٌ قبل عمرو، أي: قبل مجيئه. قوله تعالى: {إِلاَّ قَلِيلاً} يجوز أن تكون صفة لمصدر، أو لزمانٍ محذوف، أي: إلا لبثاً قليلاً، أو إلاَّ زماناً قليلاً؛ أي: حتَّى يهلكوا، فالمراد بالقليل: إمَّا مدَّة حياتهم، وإما ما بين خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة إلى حين قتلهم ببدرٍ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: كانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يسكنون الشام، فمالك والمدينة؟ فَهَمَّ أن يشخص فأنزل الله تعالى {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض} الآية. وأخرج ابن جرير عن حضرمي رضي الله عنه، أنه بلغه أن بعض اليهود قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أرض الأنبياء أرض الشام، وإن هذه ليست بأرض الأنبياء. فأنزل الله تعالى {وإن كادوا ليستفزونك...} الآية. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل وابن عساكر، عن عبد الرحمن بن غنم رضي الله عنه: "حديث : أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: "إن كنت نبياً فالْحَقْ بالشام، فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوا فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل بعد ما ختمت السورة {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ...} إلى قوله: {تحويلاً} فأمره بالرجوع إلى المدينة وقال: فيها محياك وفيها مماتك وفيها تبعث. وقال له جبريل عليه السلام: سل ربك... فإن لكل نبي مسألة. فقال: ما تأمرني أن أسأل؟ قال: {قل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً}" تفسير : فهؤلاء نزلن عليه في رجعته من تبوك. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {وإن كادوا ليستفزونك من الأرض} قال: همّ أهل مكة بإخراج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة وقد فعلوا بعد ذلك فأهلكهم الله تعالى يوم بدر، ولم يلبثوا بعده إلا قليلاً حتى أهلكهم الله يوم بدر، وكذلك كانت سنة الله تعالى في الرسل عليهم الصلاة والسلام إذا فعل بهم قومهم مثل ذلك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وإذاً لا يلبثون خلافَكَ إلا قليلاً} قال: يعني بالقليل يوم أخذهم ببدر، فكان ذلك هو القليل الذي كان كثيراً بعده. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: القليل ثمانية عشر شهراً. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه من طرق، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: دلوك الشمس: غروبها. تقول العرب: إذا غربت الشمس: دلكت الشمس. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن علي رضي الله عنه قال: دلوكها، غروبها. وأخرج ابن مردويه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} قال: لزوال الشمس . تفسير : وأخرج البزار وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي بسند ضعيف، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: {دلوك الشمس} زوالها. وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: {دلوك الشمس} زياغها بعد نصف النهار. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دلوكها، زوالها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {لدلوك الشمس} قال: إذا فاء الفيء. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتاني جبريل عليه السلام لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر إذا زالت الشمس، ثم تلا {أقم الصلاة لدلوك الشمس}. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وابن مردويه، عن مجاهد رضي الله عنه قال: كنت أقود مولاي قيس بن السائب فيقول لي: أدلكت الشمس؟ فإذا قلت نعم، صلى الظهر. وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر عند دلوك الشمس. وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: {إلى غسق الليل} قال: العشاء الآخرة. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: {غسق الليل} اجتماع الليل وظلمته. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: {غسق الليل} بدو الليل. وأخرج ابن الأنباري في الوقف، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: {إلى غسق الليل} قال: ما الغسق؟ قال: دخول الليل بظلمته. قال فيه زهير بن أبي سلمى: شعر : ظلت تجوب يداها وهي لاهبة حتى إذا جنح الإظلام في الغسق تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: {دلوك الشمس} حين تزيغ. و {غسق الليل} غروب الشمس. وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: {دلوك الشمس} إذا زالت عن بطن السماء و {غسق الليل} غروب الشمس. والله سبحانه أعلم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وقرآن الفجر} قال: صلاة الصبح. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه {وقرآن الفجر} قال: صلاة الفجر. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في قوله: {إن قرآن الفجر كان مشهوداً} قال: تشهده الملائكة والجن. وأخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً} قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار تجتمع فيها. وأخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر" تفسير : ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: اقرؤوا إن شئتم {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً}. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والطبراني، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: يتدارك الحرسان من ملائكة الله تعالى، حارس الليل وحارس النهار عند صلاة الصبح، اقرؤوا إن شئتم {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً} ثم قال: تنزل ملائكة الليل وملائكة النهار. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير والطبراني وابن مردويه، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: حديث : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن قرآن الفجر كان مشهوداً} قال: يشهده الله وملائكة الليل وملائكة النهار ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن قتادة رضي الله عنه {إن قرآن الفجر كان مشهوداً} قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار. وأخرج ابن أبي شيبة عن القاسم عن أبيه قال: دخل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه المسجد لصلاة الفجر، فإذا قوم قد أسندوا ظهورهم إلى القبلة فقال: نحّوا عن القبلة... لا تحولوا بين الملائكة وبين صلاتها، فإن هاتين الركعتين صلاة الملائكة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة، عن علقمة والأسود رضي الله عنهما قال: التهجد بعد نومة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: نسخ قيام الليل إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {نافلة لك} يعني، خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم أمر بقيام الليل وكتب عليه. وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في سننه، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ثلاث هن عليّ فرائض وهن لكم سنة: الوتر والسواك وقيام الليل ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر ومحمد بن نصر والبيهقي في الدلائل، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {نافة لك} قال: لم تكن النافلة لأحد إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، خاصة من أجل أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما عمل من عمل مع المكتوب فهو نافلة له سوى المكتوب من أجل أنه لا يعمل ذلك في كفارة الذنوب فهي نوافل له وزيادة، والناس يعملون ما سوى المكتوب في كفارة ذنوبهم فليس للناس نوافل، إنما هي للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه مثله. وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه مثله. وأخرج محمد بن نصر عن الحسن رضي الله عنه في قوله: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك} قال: لا تكون نافلة الليل إلا للنبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ومحمد بن نصر، عن قتادة رضي الله عنه {نافلة لك} قال: تطوّعاً وفضيلة لك. وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن أبي أمامة رضي الله عنه في قوله: {نافلة لك} قال: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم نافلة ولكم فضيلة. وفي لفظ إنما كانت النافلة خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج الطيالسي وابن نصر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان والخطيب في تاريخه، عن أبي أمامة رضي الله عنه أنه قال: إذا توضأ الرجل المسلم فأحسن الوضوء، فإن قعد - قعد مغفوراً له، وإن قام يصلي كانت له فضيلة. قيل له: نافلة؟ قال: إنما النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم، كيف يكون له نافلة وهو يسعى في الخطايا والذنوب!؟ ولكن فضيلة. وأخرج سعيد بن منصور والبخاري وابن جرير وابن مردويه، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثاء كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان، اشفع لنا. حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود. وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} وسئل عنه قال: هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي. وأخرج ابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : المقام المحمود، الشفاعة ". تفسير : وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} قال: مقام الشفاعة. وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المقام المحمود فقال: هو الشفاعة ". تفسير : وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن كعب بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تَلٍّ، ويكسوني ربي حلة خضراء ثم يؤذن لي أن أقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان من طريق علي بن حسين قال: أخبرني رجل من أهل العلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تمد الأرض يوم القيامة مدّ الأديم ولا يكون لبشر من بني آدم فيها إلا موضع قدمه، ثم أدعى أول الناس فأخر ساجداً، ثم يؤذن لي فأقول: يا رب، أخبرني هذا لجبريل وجبريل عن يمين الرحمن، والله ما رآه جبريل قط قبلها أنك أرسلته إلي. وجبريل عليه السلام ساكت لا يتكلم حتى يقول الرب: صدقت... ثم يؤذن لي في الشفاعة فأقول: أي رب، عبادك عبدوك في أطراف الأرض. فذلك المقام المحمود ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والبذار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه والبيهقي في البعث والخطيب في المتفق والمفترق، عن حذيفة رضي الله عنه قال: يجمع الناس في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر حفاة عراة كما خلقوا قياماً، لا تكلم نفس إلا بإذنه ينادي: يا محمد، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك والشرّ لَيْسَ إليك، والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت. فهذا المقام المحمود". وأخرج البخاري وابن جرير وابن مردويه، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم عليه السلام فيقول: لَسْتُ بصاحب ذلك، ثم موسى عليه السلام فيقول: كذلك، ثم محمد صلى الله عليه وسلم فيشفع، فيقضي الله بين الخلائق فيمشي حتى يأخذ بحلقة باب الجنة" تفسير : فيومئذ يبعثه الله مقاماً محموداً يحمده أهل الجمع كلهم. وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إني لأقوم المقام المحمود. قيل: وما المقام المحمود؟ قال: ذلك إذا جيء بكم حفاة عراة غرلاً، فيكون أول من يكسى إبراهيم عليه السلام، فيقول: اكسوا خليلي. فيؤتى بريطتين بيضاوين فيلبسهما، ثم يقعد مستقبل العرش. ثم أوتَى بكسوة فألبسها فأقوم عن يمينه مقاماً لا يقومه أحد، فيغبطني به الأولون والآخرون، ثم يفتح نهر من الكوثر إلى الحوض ". تفسير : وأخرج ابن مردويه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: ما المقام المحمود الذي ذكر لك ربك؟ قال: يحشر الله الناس يوم القيامة عراة غرلاً، كهيئتكم يوم ولدتم... هالهم الفزع الأكبر وكظمهم الكرب العظيم، وبلغ الرشح أفواههم وبلغ بهم الجهد والشدة، فأكون أول مدعى وأول معطى، ثم يدعى إبراهيم عليه السلام قد كسي ثوبين أبيضين من ثياب الجنة، ثم يؤمر فيجلس في قبل الكرسي. ثم أقوم عن يمين العرش... فما من الخلائق قائم غيري، فأتكلم فيسمعون وأشهد فيصدقون ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما، "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} قال: يجلسه على السرير ". تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ - آدم فمن سواه - إلا تحت لوائي، وأنا أوّل من تَنْشَقُّ عنه الأرض ولا فخر... فيفزع الناس ثلاث فزعات فيأتون آدم عليه السلام فيقولون: أنت أبونا فاشفع لنا إلى ربك. فيقول: إني أذنبت ذنباً أهبطت منه إلى الأرض، ولكن ائتوا نوحاً. فيأتون نوحاً فيقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة فأهلكوا، ولكن اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم فيقول: ائتوا موسى. فيأتون موسى عليه الصلاة والسلام فيقول: إني قتلت نفساً، ولكن ائتوا عيسى. فيأتون عيسى عليه السلام فيقول: إني عُبِدْتُ من دون الله، ولكن ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم. فيأتوني فأنطلق معهم فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها، فيقال: من هذا؟ فأقول: محمد. فيفتحون لي ويقولون: مرحباً. فأخرّ ساجداً فيلهمني الله عز وجل من الثناء والحمد والمجد، فيقال: ارفع رأسك... سل تُعْطَ، واشفع تُشَفّعْ، وقل يسمع لقولك. فهو المقام المحمود الذي قال الله: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد رضي الله عنه في قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} قال: يخرج الله قوماً من النار من أهل الإيمان والقبلة بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، فذلك المقام المحمود. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أنه ذكر حديث الجهنّميّين فقيل له: ما هذا الذي تحدث والله تعالى يقول: {أية : إنك من تدخل النار فقد أخزيته} تفسير : [آل عمران: 192] {أية : كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} تفسير : [السجدة: 20] فقال: هل تقرأ القرآن؟ قال: نعم. قال: فهل سمعت فيه بالمقام المحمود؟ قال: نعم. قال: فإنه مقام محمد صلى الله عليه وسلم الذي يخرج الله به من يخرج. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: يأذن الله تعالى في الشفاعة، فيقوم روح القدس جبريل عليه السلام، ثم يقوم إبراهيم خليل الله عليه الصلاة والسلام، ثم يقوم عيسى أو موسى عليهما السلام، ثم يقوم نبيكم صلى الله عليه وسلم واقفاً ليشفع، لا يشفع أحد بعده أكثر مما شفع، وهو المقام المحمود الذي قال الله: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً}. وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا سألتم الله فاسألوه أن يبعثني المقام المحمود الذي وعدني ". تفسير : وأخرج البخاري عن جابر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حَلّتْ له شفاعتي يوم القيامة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان رضي الله عنه قال: يقال له: سل تعطه - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - واشفع تشفع، وادع تجب. فيرفع رأسه فيقول: أمتي. مرتين أو ثلاثاً، فقال سلمان رضي الله عنه: يشفع في كل من في قلبه مثقال حبة حنطة من إيمان أو مثقال شعيرة من إيمان أو مثقال حبة خردل من إيمان. قال سلمان رضي الله عنه: فذلكم المقام المحمود". وأخرج الديلمي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: " حديث : قيل: يا رسول الله، ما المقام المحمود؟ قال: ذاك يوم ينزل الله تعالى عن عرشه، فيئط كما يئط الرحل الجديد من تضايقه ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} قال: يجلسه بينه وبين جبريل عليه السلام، ويشفع لأمته. فذلك المقام المحمود. وأخرج الديلمي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} قال: يجلسني معه على السرير ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم خيِّر بين أن يكون عبداً نبياً أو ملكاً نبياً، فأومأ إليه جبريل عليه السلام أن تواضع، فاختار أن يكون عبداً نبياً. فأعطى به النبي صلى الله عليه وسلم ثنتين: أنه أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع. فكان أهل العلم يرون أنه المقام المحمود. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} قال: يجلسه معه على عرشه.
القشيري
تفسير : مَنْ ظنَّ أنه يستمتع بحياته بعد مضيّ الأَعِزَّة والأكابر غَلِطَ في حسابه، وإن الحسودَ لا يسود: شعر : وفي تعبٍ مَنْ يَحْسُدُ الشمسَ ضوءَها ويجهد أن يأتي لها بضريب تفسير : والأرض كلها مِلْكٌ لنا، ونُقَلِّب أولياءَنا في ترددهم في البلاد وتطوافهم في الأقطار، تردداً على بساطنا، وتقلباً في ديارنا؛ فالبقاع لهم سواء، وأنشدوا: شعر : فَسِرْ أو أَقِمْ وَقْفٌ عليكَ محبتي مكانُكَ من قلبي عليك مصونُ
اسماعيل حقي
تفسير : {وان كادوا} اى وان الشأن قارب اهل مكة {ليستفزونك} يقال استفزه ازعجه اى ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم وينزعونك بسرعة وفسر بعضهم الاستفزاز بالاستزلال بالفارسية [بلغزانيد] {من الارض} اى الارض التى انت فيها وهى ارض مكة {ليخرجوك منها}. ان قلت أليس اخرجوه بشهادة قوله تعالى {أية : وكأين من قرية هى اشد قوة من قريتك التى اخرجتك}تفسير : وقوله عليه السلام حين خرج من مكة متوجها الى المدينة "حديث : والله انى لاخرج منك وانى لاعلم انك احب بلاد الله الى الله واكرمها على الله ولولا ان اهلك اخرجونى منك ما خرجت " تفسير : قلت لم يتحقق الاخراج بعد نزول هذه الآية ثم وقع بعده حيث هاجر عليه السلام باذن الله تعالى وكانوا قد ضيقوه قبل الهجرة ليخرج كما قال الكاشفى [اهل مكة در اخراج آنحضرت عليه الصلاة والسلام مشاورت كردند ورأى ايشان بران قرار كرفت كه دردشمنى بحد افراط نمايندكه آنحضرت بضرورت بيرون بايد رفت اين آيت نازل شد] {واذا} اى ولئن اخرجت {لا يلبثون خلافك} اى بعد اخراجك {الا قليلا} اى الازمانا قليلا وقد كان كذلك فانهم اهلكوا ببدر بعد هجرته عليه السلام.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر واهل الكوفة الا ابا بكر {خلافك}. الباقون "خلفك" فمن قرأ "خلفك" فلقوله {أية : فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها}.تفسير : وقوله {أية : بمقعدهم خلاف رسول الله}تفسير : اي لمخالفتهم إِياه، ومن قرأ {خلافك} قال بعدك وخلفك وخلافك بمعنى واحد، يقول الله تعالى {وإِن كادوا} يعني المشركين {ليستفزونك من الأرض} قال الحسن: معناه ليقتلونك، وقال غيره: الاستخفاف بالانزعاج. وقال ابو علي: همُّوا بأن يخرجوه من ارض العرب لا من مكة فقط، إِذ قد أخرجوه من مكة، وقال المعتمر ابن ابي سليمان عن ابيه: الارض التي ارادوا استزلاله منها: هي ارض المدينة، لان اليهود قالت له: هذه الارض ليست ارض الانبياء, وانما أَرض الانبياء الشام. وقال قتادة ومجاهد: هي مكة، لان قريشاً همّت بإِخراجه منها. ثم قال تعالى: انهم لو اخرجوك من هذه الارض لما لبثوا، لما اقاموا بعدك فيها إِلا قليلا. وقال ابن عباس والضحاك: المدة التي لبثوا بعده هو ما بين خروج النبي من مكة، وقتلهم يوم بدر. ومن قرأ خلافك اراد بعدك، كما قال الشاعر: شعر : عقب الرذاذ خلافها فكأنما بسط الشواطب بينهن حصيرا تفسير : الرذاذ المطر الخفيف، يصف روضة وأرضاً غبّ مطرها، وكانت حضراء وقال الحسن الاستفزاز - هاهنا - الفتل. وقوله {وإِذاً لا يلبثون} بالرفع، لان (إِذاً) وقعت بعد الواو، فجاز فيها الالغاء، لانها متوسطة في الكلام، كما انه لا بد من ان تلغى في آخر الكلام. وقوله {سنة من قد أرسلنا} انتصب {سنة} بمعنى لا يلبثون. وتقديره: لا يلبثون لعذابنا إِياهم كسنة من قبلك، إِذ فعلت اممهم مثل ذلك. ثم قال {لا تجد لسنتنا تحويلاً} اي تغييراً وانتقالاً من حالة إِلى حالة اخرى. بل هي على وتيرة واحدة. ثم امر نبيه صلى الله عليه وسلم فقال {أقم الصلاة} والمراد به أمّته معه {لدلوك الشمس} اختلفوا في الدلوك، فقال ابن عباس، وابن مسعود، وابن زيد: هو الغروب والصلاة المأمور بها - ها هنا - هي المغرب، وقال ابن عباس في رواية اخرى والحسن، ومجاهد، وقتادة: دلوكها زوالها، هوالمروي عن ابي جعفر وابي عبد الله (ع). وذلك ان الناظر اليها يدلك عينيه، لشدة شعاعها. واما عند غروبها فيدلك عينيه لقلة تبينها، والصلاة المأمور بها عند هؤلاء الظهر، وقال الراجز: شعر : هذا مقام قدمي رباح للشمس حتى دلكت براح تفسير : ورباح اسم ساقي الابل. من روى بكسر الباء اراد براحته، قال الفراء: يقال: بالراحة على العين، فينظر هل غابت الشمس بعد، قال الفراء هكذا فسروه لنا، ومن رواه بفتح الباء جعله اسماً للشمس مبنياً على (فعال) مثل قطام وحذام وقال العجاج: شعر : والشمس قد كادت تكون دنفا ادفعها بالراح كي تزحلفا تفسير : وغسق الليل ظهور ظلامه، ويقال غسقت القرحة إِذا انفجرت، فظهر ما فيها. وقال ابن عباس وقتادة: هو بدؤ الليل، قال الشاعر: شعر : إِن هذا الليل اذ غسقا تفسير : وقال الجبائي غسق الليل ظلمته، وهو وقت عشاء الآخرة. وقوله {وقرآن الفجر} قال قوم يعني قرآن الفجر في الصلاة، وذلك يدل على أن الصلاة، لا تتم إِلا بالقراءة، لأنه أمر بالقراءة وأراد بها الصلاة، لأنها لا تتم إِلا بها. وقوله: {إِن قرآن الفجر كان مشهوداً} معناه يشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار، ذهب اليه ابن عباس، وقتادة ومجاهد وابراهيم. وروي عن امير المؤمنين (ع) وأبي بن كعب أنها الصلاة الوسطى، وقال الحسن: {لدلوك الشمس} لزوالها: صلاة الظهر، وصلاة العصر الى {غسق الليل} صلاة المغرب والعشاء الآخرة، كأنه يقول من ذلك الوقت الى هذا الوقت على ما يبين لك من حال الصلوات الأربع، ثم صلاة الفجر، فأفردت بالذكر. وقال الزجاج: سمى صلاة الفجر {قرآن الفجر}، لتأكد أَمر القراءة في الصلاة، ومعنى {لدلوك الشمس} أَي عند دلوبها. واستدل قوم بهذه الآية على أَن وقت الاولى موسع الى آخر النهار، لأنه أَوجب إِقامة الصلاة من وقت دلوك الشمس الى وقت غسق الليل، وذلك يقتضي ان ما بينهما وقت. وهذا ليس بشيء، لأن من قال: إِن الدلوك هو الغروب لا دلالة فيها عليه عنده، لان من قال ذلك يقول: انه يجب إِقامة المغرب من عند المغرب الى وقت اختلاط الظلام الذي هو غروب الشفق، وما بين ذلك وقت المغرب. ومن قال: الدلوك هو الزوال يمكنه أَن يقول: المراد بالآية البيان لوجوب الصلواة الخمس على ما ذكره الحسن، لا بيان وقت صلاة واحدة، فلا دلالة له في الآية. و {مشهوداً} قيل في معناه قولان: احدهما - تشهده ملائكة الليل، والنهار. والثاني - قال الجبائي: فيه حث للمسلمين على ان يحضروا هذه الصلاة ويشهدوها للجماعة.
الجنابذي
تفسير : {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ} ليزعجوا لك استفزّه استخفّه واخرجه من داره وازعجه {مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً} اذا اخرجوك لا يمكثون بعدك الاّ قليلاً.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ} أي: قد كادوا يستفزونك من الأرض، يعني أرض مكة {لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلاَفَكَ} أي: بعدك { إِلاَّ قَلِيلاً سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً}. قال بعضهم: همَّ أهل مكة بإخراجه من مكة، ولو فعلوا ذلك ما نوظروا؛ ولكن الله كفَّهم من إخراجه حتى أمره الله بالخروج. ولَقَلَّ مع ذلك ما لبثوا بعد خروجه حتى بعث الله عليهم القتل يوم بدر. وهي في هذا التفسير: [قوله في سورة الأنفال [آية: 30] (أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ)تفسير : ، وقد فسرناه]. وقال الحسن: {لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ} أي: ليقتلوك، أي: ليخرجوك منها بالقتل. {وَإذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلاَفَكَ} أي: بعدك {إِلاَّ قَلِيلاً} حتى نستأصلهم بالعذاب فنهلكهم أجمعين لو قتلوك. {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا} أي: إنهم إذا قتلوا نبيّهم أهلكهم الله بالعذاب. {وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} أي: إن سنّة الرسل والأمم كانت قبل كذلك؛ إذا كذّبوا رسلهم وأخرجوهم لم ينظروا أن يبعث الله عليهم عذاباً. ذكروا أن عبد الله بن مسعود قال: أَشَد النّاسِ عذاباً يوم القيامة من قتل نبياً أو قتله نبي أو مصوِّر.
اطفيش
تفسير : {وَإِنْ كَادُوا} أى أهل مكة كما دل عليه قوله عز وجل: {لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ} أرض مكة بمعاداتهم. {لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا} فإن الإزعاج من الأرض، وإخراجه إنما يتصور عن أرض هو فيها، وما هو صلى الله عليه وسلم إلا فى مكة مع أهلها، والاستفزاز الإزعاج وهو غير الإخراج، بل آلة له، والمراد تأثير الإزعاج، فإنهم أزعجوه ولم يؤثر إِزعاجهم فيه، بل كاد يؤثر، أو أراد بالإزعاج ما هو فوق ما صدر منهم من الدعاء إلى الخروج، مثل إساة القول وسوء العشرة، وعزلهم فى شِعب بنى هاشم لا يطعمون ولا يسقون، ولا ينكح لأحدهم و لا منهم بعد نزول الآية، وصار سبباً لهجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. وفى رد الضمير إلى قريش تفكك الضمائر، لأن الضمائر قيل لثقيف، ولا بأس فى ذلك لوجود القرينة، وإن رددنا الضمائر قيل فى "أية : وإن كادوا ليفتنونك"تفسير : [الإسراء: 73] إِلى قريش فلا تفكيك. {وَإِذًا} أى وعلى وقوع الإزعاج لو وقع {لاَ يَلْبثُونَ} يقيمون {خِلاَفَكَ} بعدك، استعمل للزمان، وأصله المكان، وأصله خلف استفزازك، وأوضح من ذلك أن تقول خلف ما يلى الشئ من زمان أو مكان، فالمعنى خلف زمان استفزازك، كما تقول وقت كذا قبل وقت كذا أو بعده، فذلك حقيقة فى الزمان والمكان. {إِلاّ قَلِيلاً} لينًا قليلا، أو زمانًا قليلا، لكن لم يقع فما أثر فيه استفزازهم، فما أخرجوه فى هذه القصة، بل خرج وحده فلم يعجل إِهلاكهم، بل تأخر إِلى بدر، ولو فعلوا لهلكوا فى حينهم، لما يشأ الله. ويجوز أن يكون فى ذلك أمران: الأول: أنهم كادوا يستفزونه، ويخرجونه، ولم يكن وذلك فى قوله: "وإن كادوا ليستفزونك" إِلخ. والثانى: أنهم استفزوه، وأخرجوه بمعنى أنهم شددوا العداوة حتى كانت سببًا لخروجه، فخرج فكأَنهم أَخرجوه كما قال: "أية : من قريتك التى أخرجتك" تفسير : [محمد: 13] وذلك فى قوله: {وإِذًا لا يلبثون خلافك إلاَّ قليلاً} أى استفزوه وأخرجوه، فلا يلبثون إِلا قليلا فعد ما بين استفزازهم وإِخراجهم، وبين قتلهم ببدر قليلا، وهو سنة تقريباً، ويقال: ثمانية أشهر أى قربوا أن يجبروك على الخروج، ولو فعلوا لماتوا جميعاً، لكن لم يفعلوا فلم يهلكوا إذ قضى سبحانه أن يؤمن بعضهم وتخرج منه ذرية. وقيل نزلت فى اليهود حسدوه صلى الله عليه وسلم على إقامته بالمدينة، فقالوا: الحق بمقام الأنبياء الشام الأرض المقدسة بعد إبراهيم إن كنت نبيًّا فيؤمن بك، فإن خفت الروم منعهم الله عنك، وما يترتب من مدن الأنبياء، فقيل: خرج مرحلة أو ثلاثة أميال إلى ذى الحليفة روايات، وانتظر أصحابه فنزلت الآية، فرجع وقتل عن قريب قريظة، وأجلى النضير. وأرى هذا باطلا حاشاه أن يخرج من المدينة مع عزته وعزة أصحابه فيها، ودين الله لقول اليهود دون انتظار أمر الله عز وجل، وليس ذو الحليفة طريقًا إلى الشام، وزعم بعض أنه غزا تبوك مريداً للشام، ولما بلغ تبوك نزل: {وإن كادوا ليستفزونك} إلخ وأمر بالرجوع إلى المدينة ففيها محياك ومماتك، ومنها تُبعث، والأرض فى هذا القول أرض المدينة. وقيل: اهتم المشركون كلهم أن يخرجوه من أرض العرب، فالأرض أرض العرب، وقيل: إخراجه من الأرض قتله أى أجمعوا عليه فى دار الندوة، فيتبادران الأرض الدنيا.
الالوسي
تفسير : {وَإِن كَادُواْ} أي أهل مكة كما روي عن ابن عباس وقتادة وغيرهما {لَيَسْتَفِزُّونَكَ} ليزعجونك ويستخفونك بعداوتهم ومكرهم {مِنَ ٱلأَرْضِ} أي الأرض التي أنت فيها وهي أرض مكة {لِيُخْرِجُوكَ} / أي ليتسببوا إلى خروجك {مِنْهَا} وكان هذا الاستفزاز بما فعلوا من حصره صلى الله عليه وسلم في الشعب والتضييق عليه عليه الصلاة والسلام ووقع ذلك بعد نزول الآية كما في «البحر» وصار سبباً لخروجه صلى الله عليه وسلم مهاجراً. {وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ} أي إن استفزوك فخرجت لا يبقون {خِلَـٰفَكَ} أي بعدك - وبه قرأ عطاء بن رباح واستحسن أنها تفسير لا قراءة لمخالفتها سواد المصحف - وأنشدوا:شعر : عفت الديار خلافهم فكأنما بسط الشواطب بينهن حصيرا تفسير : وقرأ أهل الحجاز وأبو بكر وأبو عمرو {خلفك} بغير ألف والمعنى واحد واللفظان في الأصل من الظروف المكانية فتجوز فيهما واستعملا للزمان وقد اطرد إضافتهما كقبل وبعد إلى أسماء الأعيان على حذف مضاف يدل عليه ما قبله أي لا يلبثون خلف استفزازك وخروجك. {إِلاَّ قَلِيلاً} أي إلا زماناً قليلاً، وجوز أن يكون التقدير إلا لبثاً قليلاً والمعنيان متقاربان، واختير التقدير الأول لأن التوسع أعني إقامة الوصف مقام الموصوف بالظروف أشبه. وهذا وعيد لهم بإهلاك مجموعهم من حيث هو مجموع بعد خروجه صلى الله عليه وسلم بقليل وتحقق بإفناء البعض في بدر لا سيما وقد كانوا صناديدهم والرؤوس، وأنت تعرف أن معظم الشيء يقام مقام كله. وكان الزمان القليل على ما روى ابن أبـي حاتم عن السدي ثمانية عشر شهراً. ويجوز أن يفسر الإخراج بالإكراه على الخروج والوعيد بإهلاك كل واحد منهم أي لو أخرجوك لاستؤصلوا على بكرة أبيهم لكن لم يقع المقدم لأن الإكراه على الخروج مباشرة وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراً بأمر ربه عز وجل فلم يقع التالي وهذا هو التفسير المروي عن مجاهد قال: أرادت قريش ذلك ولم تفعل لأنه سبحانه أراد استبقاءها وعدم استئصالها ليسلم منها ومن أعقابها من يسلم فأذن لرسوله عليه الصلاة والسلام بالهجرة فخرج بإذنه لا بإخراج قريش وقهرهم، والإخراج في قوله تعالى: {أية : وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِى أَخْرَجَتْكَ} تفسير : [محمد: 13] محمول على المعنى الأول، وكذا في قول ورقة: يا ليتني كنت جذعاً إذ يخرجك قومك وقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : أو مخرجي هم» تفسير : فلم تتضمن الآية وكذا الخبر إثبات إخراج قلنا بنفيه هنا، والقول بأنه يلزم على هذا التناقض بين هذه الآية والآية السابقة بناءً على تفسير الإخراج فيها بالتسبب إلى الخروج لأن كاد تدل على مقاربته لا حصوله وهذه الآية دلت على حصوله مجاب عنه بأن قصارى ما دلت عليه الآية السابقة على التفسير الأول قرب حصول الاستفزاز منهم ليتسببوا به إلى خروجه صلى الله عليه وسلم وأنه لم يكن حاصلاً وقت نزول الآية لا أنه لا يكون حاصلاً أبداً ليناقض حصوله بعد. وحكى الزجاج أن استفزازهم ما أجمعوا عليه في دار الندوة من قتله صلى الله عليه وسلم. والمراد من الأرض وجه البسيطة مطلقاً، وقال أبو حيان: المراد بها على هذا الدنيا. وقيل ضمير {كَادُواْ} وما بعده لليهود، فقد أخرج ابن أبـي حاتم والبيهقي في «الدلائل» وابن عساكر عن عبد الرحمن بن غنم قال: إن اليهود أتوا النبـي صلى الله عليه وسلم فقالوا إن كنت نبياً فالحق بالشام فإنها أرض المحشر وأرض الأنبياء فصدق رسول الله عليه الصلاة والسلام ما قالوا فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام فلما بلغ تبوك أنزل الله تعالى: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ} إِلَى {أية : تَحْوِيلاً} تفسير : [الإسراء: 77] وأمره بالرجوع إلى المدينة وقال فيها محياك وفيها مماتك ومنها تبعث، وفي رواية أنهم قالوا: يا أبا القاسم إن الشام أرض مقدسة وهي أرض الأنبياء فلو خرجت إليها لآمنا بك وقد علمنا أنك تخاف الروم فإن كنت نبياً فاخرج إليها فإن الله تعالى سيحميك كما حمى غيرك من / الأنبياء فخرج عليه الصلاة والسلام بسبب قولهم وعسكر بذي الحليفة وأقام ينتظر أصحابه فنزلت هذه الآية فرجع صلى الله عليه وسلم ثم إنه عليه الصلاة والسلام قتل منهم بني قريظة وأجلى بني النضير بقليل. وتعقب بأنه ضعيف لم يقع في سيرة ولا كتاب يعتمد عليه، وذو الحليفة ليس في طريق الشام من المدينة. وكيفما كان يكون المراد من الأرض عليه المدينة، وقيل أرض العرب، وكأن من ذهب إلى أن هذه الآية مدنية يستند إلى ما ذكر من الروايات، وقد صرح الخفاجي بأن هذا المذهب غير مرضي والله تعالى أعلم. وقرأ عطاء {لا يلبثون} بضم الياء وفتح اللام والباء مشددة وقرأ يعقوب كذلك إلا أنه كسر الباء وقرأ أبـي {وإذاً لا يلبثوا} بحذف النون وكذا في مصحف عبد الله، وتوجيه الإثبات والحذف أن النحويين عدوا من جملة شروط عمل إذن كونها في أول الجملة فعلى قراءة الحذف تكون الجملة معطوفة على جملة {لَيَسْتَفِزُّونَكَ} وهي خبر كاد فيكون الشرط منخرماً لتوسطها حينئذٍ في الكلام لكون ما بعدها خبر كاد كالمعطوف هو عليه، وعلى قراءة الإثبات تكون الجملة معطوفة على جملة {وَإِن كَادُواْ} فيتحقق الشرط والعطف لا يضر في ذلك، ووجه أبو حيان الإهمال بأن {لاَّ يَلْبَثُونَ} جواب قسم محذوف أي والله إن استفزوك فخرجت لا يلبثون وقد توسطت إذاً بين القسم المقدر والفعل فأهملت ثم قال ويحتمل أن يكون {لاَّ يَلْبَثُونَ} خبراً لمبتدأ محذوف يدل عليه المعنى تقديره وهم إذاً لا يلبثون فتكون إذاً واقعة بين المبتدأ وخبره ولذلك ألغيت وكلا التوجيهين ليس بوجيه كما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : وإن كادوا ليفتنونك} تفسير : [الإسراء: 73] تعداداً لسيئات أعمالهم. والضمائر متحدة. والاستفزاز: الحمل على الترحل، وهو استفعال من فَزّ بمعنى بارح المكان، أي كادوا أن يسعوا أن تكون فازاً، أي خارجاً من مكة. وتقدم معنى هذا الفعل عند قوله: {أية : واستفزز من استطعت}تفسير : في هذه السورة [الإسراء:64]. والمعنى: كادوا أن يخرجوك من بلدك. وذلك بأن هَمُّوا بأن يخرجوه كرهاً ثم صرفهم الله عن ذلك ليكون خروجه بغير إكراه حين خرج مهاجراً عن غير علم منهم لأنهم ارتأوا بعد زمان أن يُبقوه بينهم حتى يقتلوه. والتعريف في {الأرض} تعريف العهد، أي من أرضك وهي مكة. وقوله: {ليخرجوك} تعليل للاستفزاز، أي استفزازاً لقصد الإخراج. والمراد بالإخراج: مفارقة المكان دون رجوع. وبهذا الاعتبار جعل علة للاستفزاز لأن الاستفزاز أعم من الإخراج. وجملة {وإذا لا يلبثون خلفك} عطف على جملة {وإن كادوا}، أو هي اعتراض في آخر الكلام، فتكون الواو للاعتراض و (إذاً) ظرفاً لقوله: {لا يلبثون} وهي (إذ) الملازمة الإضافة إلى الجملة. ويجوز أن يكون (إذاً) حرف جواب وجزاء لكلام سابق. وهي التي نونها حرف من الكلمة ولكن كثرت كتابتها بألف في صورة الاسم المنون. والأصل فيها أن يكون الفعل بعدها منصوباً بـــ (أن) مضمرة، فإذا وقعت بعد عاطف جاز رفع المضارع بعدها ونصبه. ويجوز أن تكون (إذاً) ظرفاً للزمان، وتنوينها عوض عن جملة محذوفة على قول جماعة من نحاة الكوفة، وهو غير بعيد. ألا ترى أنها إذا وقعت بعد عاطف لم ينتصب بعدها المضارع إلا نادراً لانتفاء معنى التسبب، ولأنها حينئذٍ لا يظهر فيها معنى الجواب والجزاء. والتقدير: وإذَا أخرجوك أو وإذا خرجت لا يلبثون خلفك إلا قليلاً. وقرأ الجمهور {خلفَك}. و{خلفك}أريد به بعدك. وأصل الخلف الوراء فاستعمل مجازاً في البعدية، أي لا يلبثون بعدك. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص، وخلف {خلافك} وهو لغة في خلف. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : بمقعدهم خلاف رسول الله}تفسير : [التوبة: 81]. واللبث: الاستقرار في المكان، أي لا يستقرون في مكة بل يخرجون منها فلا يرجعون. وقد خرج رسول الله بعد ذلك مهاجراً وكانوا السببَ في خروجه فكأنهم أخرجوه، كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : وأخرجوهم من حيث أخرجوكم}تفسير : في سورة [البقرة: 191]، فلم يلبث الذين تسببوا في إخراجه وألبوا عليه قومهم بعده إلا قليلاً ثم خرجوا إلى وقعة بدر فلقوا حتفهم هنالك فلم يرجعوا وحق عليهم الوعيد، وأبقى الله عامتهم ودهاءهم لضعف كيدهم فأراد الله أن يدخلوا في الإسلام بعد ذلك. وفي الآية إيماء إلى أن الرسول سيخرج من مكة وأن مخرجيه، أي المتسببين في خروجه، لا يلبثون بعده بمكة إلا قليلاً. والسنّة: العادة والسيرة التي يلتزمها صاحبها. وتقدم القول في أنها اسم جامد أو اسم مصدر عند قوله تعالى: {أية : قد خلت من قبلكم سنن}تفسير : [آل عمران: 136]، أي عادة الله في كل رسول أخرجه قومه أن لا يبقوا بعده، خرج هود من ديار عاد إلى مكة، وخرج صالح من ديار ثمود، وخرج إبراهيم ولوط وهلكت أقوامهم، فإضافة {سنة} إلى {من قد أرسلنا} لأدنى ملابسة، أي سنتنا فيهم بدليل قوله: {ولا تجد لسنتنا تحويلاً} فإضافته إلى ضمير الجلالة هي الإضافة الحقيقيّة. وانتصب {سنة} مِنْ {من قد أرسلنا} على المفعولية المطلقة. فإن كانت {سنة} اسم مصدر فهو بَدل من فعله. والتقدير: سَنَنّا ذلك لمن أرسلنا قبلك من رسلنا، أي لأجلهم. فلما عدل عن الفعل إلى المصدر أضيف المصدر إلى المتعلق بالفعل إضافة المصدر إلى مفعوله على التوسع؛ وإن كانت {سنة} اسماً جامداً فانتصابه على الحال لتأويله بمعنى اشتقاقي. وجملة {سنة من قد أرسلنا} مستأنفة استئنافاً بيانياً لبيان سبب كون لبثهم بعده قليلاً. وإنما سنّ الله هذه السنّة لرسله لأن تآمر الأقوام على إخراجهم يستدعي حِكمة الله تعالى لأنْ تتعلق إرادته بأمره إياهم بالهجرة لئلا يبقوا مرموقين بعين الغضاضة بين قومهم وأجوارهم بشبه ما كان يسمى بالخلع عند العرب. وجملة {ولا تجد لسنتنا تحويلاً} اعتراض لتكملة البيان. والمعنى: أن ذلك كائن لا محالة لأننا أجريناه على الأمم السالفة ولأن عادتنا لا تتحول. والتعبير بــــ {لا تجد} مبالغة في الانتفاء كما في قوله: {أية : ولا تجد أكثرهم شاكرين}تفسير : في سورة [الأعراف: 17]. والتحويل: تغيير الحال وهو التبديل. ومن غريب التفسير أن المراد: أن اليهود قالوا للنبيء الحَق بأرض الشام فإنها أرض الأنبياء فصدّق النبي قولهم فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام فلما بلغ تبوك أنزل الله هذه الآية، وهي رواية باطلة. وسبب غزوة تبوك معروف في كتب الحديث والسير ومن أجل هذه الرواية قال فريق: إن الآية مدنية كما تقدم في صدر السورة.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 76- ولقد حاول كفار مكة - وكادوا أن يزعجوك من أرض مكة بعداوتهم ومكرهم - ليخرجوك منها، ولو تحقق منهم ذلك لا يبقون بعد خروجك منها إلا زمناً قليلا، ثم يغلبون على أمرهم وتكون الكلمة لله. 77- وذلك كطريقنا فى الرسل قبلك من إهلاك من أخرجوا نبيهم، ولن تجد لطريقنا تبديلا. 78- أقم الصلاة المفروضة من أول زوال الشمس من وسط السماء نحو الغرب إلى ظلمة الليل، وهى صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وأقم صلاة الفجر التى تشهدها الملائكة. 79- وتيقظ من نومك فى بعض الليل فتهجد بالصلاة عبادة زائدة على الصلوات الخمس خاصة بك، رجاء أن يقيمك ربك يوم القيامة مقاماً يحمدك فيه الخلائق. 80- وقل: يا رب أدخلنى إدخالا مرضياً كريماً فى كل ما أدخل فيه من أمر أو مكان، وأخرجنى منه إخراجاً مرضياً كريماً، واجعل من فضلك قوة تنصرنى بها على أعدائى. 81- وقل منذراً قومك - المشركين -: جاء الحق من التوحيد والدين الصحيح والعدل، وذهب الباطل والشرك والدين الفاسد، إن الباطل مضمحل زائل دائماً. 82- وكيف لا يقوى الحق ونحن ننزل من القرآن ما هو شفاء لما فى الصدور من الشك والريب، وسبب رحمة لمن آمن به، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا لكفرهم به.
د. أسعد حومد
تفسير : {خِلافَكَ} (76) - وَلَمَّا يَئِسَ الكُفَّارُ مِنْ إِمْكَانِ اسْتِدْرَاجِ الرَّسْولِ صلى الله عليه وسلم إِلى الانْحِرَافِ بِالدَّعْوَةِ عَمَّا أَوْحَى اللهُ بِهِ إِلَيْهِ، أَرَادُوا أَنْ يُزْعِجُوهُ، وَيَسْتَخِفُّوهُ (يَسْتَفِزُّونَكَ)، لِيُخْرِجُوهُ مِنْ مَكَّةَ (مِنَ الأَرْضِ)، فَضَيَّقُوا عَلَيْهِ، وَعَلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَأَلْجَؤُوهُمْ إِلى الشِّعْبِ ثَلاثَ سِنِينَ. وَلكِنَّ اللهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ مُهَاجِراً، لِما سَبَقَ مِنْ عِلْمِهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَنْ يُهْلِكَ قُرَيشاً بِالإِبَادَةِ. وَلَوْ أَنَّ قُرَيْشاً أَخْرَجَتْ رَسُولَ اللهِ عَنْوَةً وَقَسْراً، لَحَلَّ بِهِمُ الهَلاَكُ (وَإِذاً لاَ يَلْبَثُونَ خِلاَفَكَ إِلاَّ قَلِيلاً). لِيَسْتَفِزُّونَكَ - لِيَسْتَخِفُّونَكَ وَيُزْعِجُونَكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهنا أيضاً يقول تعالى: {كَادُواْ} أي: قاربوا، فهم لا يجرؤون على الفعل، ولا يستطيعون، فالأمر مجرد القُرْب من الفعل، فإنهم سيحاولون إخراجك، لكنك لن تخرج إلا بأمري وتقديري. وقوله تعالى: {لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ ..} [الإسراء: 76] من استفزَّه أي: طلب منه النهوض والخِفّة إلى الفِعْل، كما تقول لولدك المتثاقل: (فِز) أي: قُمْ وانهض، والمراد: يستحثونك على الخروج {مِنَ ٱلأَرْضِ} من مكة بإيذائهم لك، وعَنَتهم معك ليحملوك على الخروج، ويُكرِّهوك في الإقامة بها. وكفار مكة يعلمون أن في خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة راحة لهم، وحتى لا يكون أُسْوة لعبيدهم ولضعاف القوم الذين أحبوه، ومالوا لاعتناق دينه والإيمان به. ثم يقول تعالى: {وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 76]. أي: لو أخرجوك من مكة فلن يلبثوا فيها بعدك إلا قليلاً، وقد حدث فعلاً، فبعد خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة بعام جاءت بدر، فقُتِل سبعون من صناديد قريش، وأُسِرَ سبعون، وبعد أن خرج الرسول من مكة لم يتمتعوا فيها بالنعيم ولا بالسيادة التي كانوا يَرجُونها بعد خروجه. ثم يقول الحق سبحانه: {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ} معناه يستَخِفّونَكَ لِيَخرُجُوكَ من المدينةِ. وأرادَ بهم اليَهودَ، لأَنَّهم قَالوا للنبي صلّى الله عليهِ وآله وسلّمَ: ما هذه البَلدة بِبلادِ الأَنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسّلامُ، وإِنّما بِلاَدُهم الشَّامُ؛ فإنْ كُنتَ نبياً فاخْرجْ إِليهَا، حَسداً منهم. تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ} معناه بَعدكَ. ويقالُ خِلافُكَ وخَلفُكَ.
الجيلاني
تفسير : {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ} أي: وإن قاربوا؛ ليحركونك ويضطرونك بالنقل والجلاء {مِنَ ٱلأَرْضِ} التي استقررتَ وتمكنتَ فيها؛ يعني: مكة {لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا} معللين بأن الأنبياء والرسل إنما بعثوا في أرض الشام وأرض المقدسة، خصوصاً أجدادك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وأولادهم وأسباطهم. صلوات الله عليهم كلهم. بُعثوا فيها، فلك أن تخرج إليها حتى نؤمن لك ونصدق برسالتك، وما ذلك إلا حليةُ وخديعةُ معك؛ ليخرجوك من مكة حتى تبقى رئاستهم معهم {وَ} لا تغتم يا أكمل الرسل ولا تحزن بالخروج منها، فإنك لو خرجت منها {إِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ} زماناً {قَلِيلاً} [الإسراء: 76] وقد جرى الأم على مقتضى وعد الله سبحانه، فإنهم بعدما هاجر صلى الله عليه وسلم ببدرٍ بعد مدةٍ يسيرةٍ. وليس إخراجك يا أكمل الرسل عن مكة، وهلاكهم بعد خروجك منها ببدع منا مستحدث، بل من سنتنا القديمة وعادتنا المستمرة إهلاكُ الأمم الذين أَخرجوا نبيهم المبعوث إليهم من بين أظهرهم عتواً وعناداً بل صار ذلك: {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا} المبعوثين إلى الأمم الما ضية؛ أ ي: من سنتنا الموضوعة فيهم بالنسبة إلى أقوامهم، فكذلك حالك مع هؤلاء المعاندين المكذبين {وَ} بعدما استمر منا هذه السُّنة السَّنية {لاَ تَجِدُ} أنت وغيرك أيضاً {لِسُنَّتِنَا} المنبعثة من كمال حكمتنا {تَحْوِيلاً} [الإسراء: 77] أي: تغييراً وتبديلاً؛ إذ لنا فيها حِكمُ ومصالحُ مخفيةُ استأثرنا بها لا اطلاع لك عليها، وإنما عليك التوجه والتقرب في جميع أوقاتك وحالاتك سيما في الأوقات المكتوبة. {أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} وأدم التوجه {لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} أي: حين زوالها من الاستواء {إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ} أي: ظلمته بغروبها إلى حيث لم يبقَ من بقية آثار ضوئها شيء أصلاً، فيسع في المحدود المذكور: الظهر والعصر والمغرب والعشاء على ما عينه الشرع لكل منها وقتاً معيناً {وَ} طوِّل {قُرْآنَ} صلاة {ٱلْفَجْرِ} وأطِلِ القيام فيها مع القراءة {إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ} الذي هو وقت الانكشاف والانجلاء الصوري، المنبئ عن الانكشاف المعنوي والانجلاء الحقيقي، الذي هو عبارةُ عن إشراق نور الوجود واضمحلال الأظلال والعكوس المشعرة بالكثرة والغيرية. لذلك {كَانَ} قراءة القرآن المبين لسرائر الوحدة الذاتية، وكيفية سريانها على صفائح المكونات فيه {مَشْهُوداً} [الإسراء: 78] لخواص عباد الله من الملائكة والثقلين، بل لجميع الحيوانات من الوحوش والطيور؛ إذ الكل في وقت الفجر متوجهون نحو الحق، مسبحون مهللون حالاً ومقالاً. {وَ} إن شئت ازيداد القرب والثواب اسهر واستيقظ قطعةً {مِنَ ٱلْلَّيْلِ} واترك النوم فيها طلباً لمرضاة الله {فَتَهَجَّدْ بِهِ} أي: صلِّ فيها صلاة التهجد يتطويل القراءة؛ لتكون {نَافِلَةً} زائدة {لَّكَ} على فرائضك مزيدةً لقربك وكرامتك {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ} ويقيمك {رَبُّكَ} بسعيك واجتهادك في تهجدك {مَقَاماً مَّحْمُوداً} [الإسراء: 79] أي: مقاماً من مقامات القرب ودرجات الوصال مسمىً بالمقام المحمود؛ لأن كل من وصل إليه يُحمد له؛ إذ لا مقام أرفع منه وأعلى منه وأعلى رتبة ومكانة. وبعدما وصلت أيها السالك الناسك إليها لم يبقَ لك درجة الاستكمال والاسترشاد، بل صرت كاملاً رشيداً وإن اُلهمت وأذنت من عنده سبحانه صرتَ مرشداً مكملاً لأهل النقصان، شفيعاً لهم عند الله بإذنه؛ لتنقذَهم من لوازم الإمكان المفضي إلى دركات النيران، وتوصلَهم إلى فضاء الجنان بتوفيق الله إياك وإياهم. {وَ} بعد وصولك لسيعك وجهدك وأنواع تهجدك، وإقامتك في خلال الليالي بتوفيق الله، وتيسيره على ما وصلت من المقامات العلية والمراتب السنية {قُل} مناجياً إلى ربك ملتجئاً نحوه طالبَ التمكن والتقرر في المقام الذي وصلت إليه بتوفيقه وتأييده: {رَّبِّ} يا من رباني بأنواع اللطف والكرم {أَدْخِلْنِي} بفضلك وجودك {مُدْخَلَ صِدْقٍ} ومنزلَ قرارٍ، وهو مقر التوحيد المسقط لأنواع الإضافات والكثرات، وخلدني فيه لا تذبذبٍ وتلوينٍ {وَأَخْرِجْنِي} عن مقتضيات أنانيتي وهويتي إلى فضاء الفناء الموصل إلى شرف البقاء واللقاء {مُخْرَجَ صِدْقٍ} بلا تلعثمٍ ونزلزلٍ {وَٱجْعَل لِّي} حين معارضة أنانيتي معي واستيلاء أمَّارتي عليَّ {مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً} أي: برهاناً قاطعاً وكشفاً صريحاً وشهوداً تاماً؛ ليكون {نَّصِيراً} [الإسراء: 80] لمن ينصرني على أعدائي، ويخلصني من أيديهم حين هجومهم عليَّ. {وَقُلْاً} بعدما تحققت وتمكنتَ في مقر الكشف والشهود: {جَآءَ ٱلْحَقُّ} الصريح الثابت، ولاح الشمس الذات {وَزَهَقَ} أي: تلاشي واضمحل {ٱلْبَاطِلُ} أي: العكوس والأظلال الهالكة الباقية على عدماتها الأصلية {إِنَّ} العدم {ٱلْبَاطِلَ} الزائل الزاهق الظاهر على صورة الحق {كَانَ زَهُوق} [الإسراء: 81] في نفسه، مضمحلاً في ذاته، باقياً علكى عدمه، وإن أُوهم وخُيِّل أنها موجوداتُ متأصلاتُ في الوجود، إلا أنها ما شُمَّ في رائحةٍ منه سوى أن أشعة التجليات الوجودية الإلهية لاحت عليها، فيتراءى ما يتراءى، فظن المحجوب بأنها موجود، {أية : مَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}تفسير : [النور: 40]. ومتى تحققت وتمكنت بمقامك المحمود وفزتَ، فزتَ من الحوض المورود {وَنُنَزِّلُ} عليك تعظيماً لشأنك وتأييداً لأمرك {مِنَ ٱلْقُرْآنِ} المبيِّن الموضِّح لمراتبك العليّة من التوحيد {مَا هُوَ شِفَآءٌ} لمرض القلوب بسموم الإمكان في مضيق الحدثان، ومحبس الملوين من الموفقين بشرف متابعتك {وَرَحْمَةٌ} نازلةُ {لِّلْمُؤْمِنِينَ} بكل المصدقين بدينك وكتابك؛ ليسترشدوا ويستكشفوا بما فيه من الرموز والإشارات قدر قابلياتهم واستعداداتهم كي يتفطنوا أو يتنبهوا بما فيه من السرائر المودعة المتعلقة بسلوك مسالك التوحيد {وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ} الخارجين عن مقتضى حدوده وأحكامه استنكاراً له واستكباراً {إَلاَّ خَسَاراً} [الإسراء: 82] ووباراً لإخسار أعظم منه، وهو إبطالهم الحكمة التي جبلهم الحق لأجلها، ألا وهي المعرفة والتوحيد، وما ينتمي إلأيها من الأعمال الصالحة والأخلاق المرضية المقبولة عند الله. ثم أخبر سبحانه عن تمايل الإنسان وتلوينه وعدم رسوخه، وتمكنه بحالٍ من الأحوال وعدم فطنته وذكائه بذاته، وكيفية افتقاره واختياره واحتياجه إلى الحق، وعدم تأمله في أمر مبدئه ومعاده، وكيفية ارتباطه بالحق في النشأة الأولى والأخرى فقال: {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا} وأعطينا من كمال فضلنا وجودنا {عَلَى ٱلإنْسَانِ} المجبولين على الكفران والنسيان ووسَّعنا له طرق معاشه {أَعْرَضَ} عنا، وانصرف عن شكرنا وعن الالتجاء والارتجاء بنا عناداً واستكباراً {وَ} صار من إفراط عتوّه إلى حيث {نَأَى} وتباعد {بِجَانِبِهِ} أي: طوى كشحه ولوى عطفه عنا، كأنه مستغنٍ في ذاته، مستقلُ في أمره، بحيث لا يخطر بباله احتياجه إلينا، ولهذا تجبر واستعلى، وبالغ في الجدال والمراء إلى أن قال: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النازعات: 24]. {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ } وأزعجه البلاء، وهجم عليه الشدة والعناء، وترادفت عليه الوقائع والمصيبات {كَانَ} من قلبة تصبره وضعف يقينه وتدبره {يَئُوساً} [الإسراء: 83] عن رَوح الله، شديد القنوط عن سعة لطفه ورحمته، والطرفان؛ أي: إفراط الاستغناء والاستكبار، وتفريط اليأس والقنوط، كلامهما مذمومان محظوران عقلاً وشرعاً. {قُلْ} يا أكمل الرسل كلاماً ناشئاً عن محض الحكمة منبئاً عن الاستقامة والعدالة مبنياً عليهما: {كُلٌّ} من المحق والمبطل، والضال والمهدي {يَعْمَلُ} ويعتدي {عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} وطريقته التي تشاكل وتشابه حاله ووقته إياها؛ إذ كل ميسر موقن من عندنا لما خلق له، سواءً كان من رشدٍ أو غي، أو ضلالةٍ أو هدايةٍ، ولا علم لكم يا بني آدم على حقيقة الأمر والحال {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ} بعلمه الحضوري {بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ} وأقوم {سَبِيلاً} [الإسراء: 84] وأوضح منهجاً وأسدّ طريقاً، فيوفقه على جهته ووجهته. ثم قال سبحانه تأييداً لحبيبه صلى الله عليه وسلم وتعليماً: {وَيَسْأَلُونَكَ} يا أكمل الرسل؛ فوق النصارى واليهود وجميع أهل الزيغ والضلال {عَنِ ٱلرُّوحِ} المتعلق بالأجساد المحيي لها ومحركها بالإدارة والاختيار، وإذا انفصل وافترق عنها مات، ولم يتحرك وانقطع الشعور والإدراك عنها؛ أي: يسألونك عن لِميَّه وكيفية تعلقه وارتباطه بالأجسام، وكيفية انفصاله عنها {قُلِ ٱلرُّوحُ} نفسه، وكيفية تعلقه بالأجسام وكيفية انفصاله عنها كلها صادرةٌ ناشئةُ {مِنْ أَمْرِ رَبِّي} أي: مما حصل بأمره الدالّ على تكوين المكونات، وهو قول: "كن" الدال على سرعة نفوذ قضائه. وأما كمية المقضي وكيفية حصوله وانفصالهن فأمرٌ استأثر الله به في غيبه، ولم يُطلع أحداً عليه لذلك قا ل: {وَمَآ أُوتِيتُم} يا بني آدم {مِّنَ ٱلْعِلْمِ} المتعلق بالورح {إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 85] وهو أنيته وتحققه دون لميته وحقيقته؛ لأن اطلاع الإنسان على الأشياء إنما هو بقدر قابليته واستعداده، وليس في وسعه وطاقته أن يعلم حقيقة الخردلة وكيفية حصولها وتكونها، فكيف حقيقة الروح، وكيفية تعلقها في البدن. غاية ما في الباب أن المكاشفين من أرباب الأذواق ينكشفون في البدن، ويتفطنون منها أن ظهور الأشياء وحياتها ومنبع نشأتها ونمائها إنما هي تلك السراية، هذا نهاية ما يمكن التكلم والتفوه عنه، وأما الاطلاع على كنهها، فأمرٌ لا يسعه مقدرة البشر. ثم قال سبحانه: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} أي: والله إن شئنا وأردنا إذاهب القرآن المرشد لقاطبة الأنام، لحككناه من المصاحف ومحوناه من الصدور والخواطر {ثُمَّ} بعد إذهابنا ومحونا {لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً} [الإسراء: 86] أي: لا تجد ظهيراً مُعيناً لك يطالبنا بمجيئه.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وفي قوله تعالى: {وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً * سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا} [الإسراء: 76-77] إشارة إلى أن من سنة الله تعالى على قانون الحكمة القديمة البالغة في تربية الربانية عن غش أوصافهم النفسانية الحيوانية. كما قال تعالى: {أية : وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} تفسير : [الأنعام: 112] ثم قال: {وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} [الإسراء: 77] أي: تبديلاً؛ لأنها مبنية على الحكمة والمصلحة والإرادة القديمة. ثم أخبر عن طريق خلاص الأنبياء والأولياء ورطة الابتلاء بقوله تعالى: {أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} [الإسراء: 78] يشير إلى إدامة الصلاة بالقرب الحاضر من دلوك الشمس وهو طول النهار {إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ} [الإسراء: 78] وهو طول الليل {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ} [الإسراء: 78] أي: إلى صلاة الفجر يريد استدامة الليل والنهار بالحضور والتناجي مع الله، وهذه صلاة أخص الخواص الذين هم في صلاتهم دائمون. ثم قال: {إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} [الإسراء: 78] يعني: من مراقب ليله ونهاره حاضراً بقلبه مع الله يكون له عند الصباح شهود الشواهد الحق، بل الحق مشهود له. ثم خص النبي صلى الله عليه وسلم من أمته وسائر الأنبياء والرسل بزيادة فضيلة ينالها في إدامة الصلاة وصرح له صلاة الليل، فقال: {وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} [الإسراء: 79] أي: زيادة لك من دون سائر الخلق هذه الفضيلة، وهي قوله: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} [الإسراء: 79] والمحمود هو الله تعالى فيشير المقام المحمود إلى قيامة بالله لا بنفسه، ولهذا عبر عن المقام المحمود بالشفاعة؛ لأن الله تعالى قال: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [البقرة: 255] أي: قائماً به ولما لم يكن دخول هذا المقام بكسب العبد كسائر المقامان وهو يتعلق بجذبة الحق فعلم النبي صلى الله عليه وسلم طريق تحصيل الجذبة على مقتضى قوله: {أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} تفسير : [غافر: 60]. بقوله: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} [الإسراء: 80] يشير إلى السير في الله بالله {وَأَخْرِجْنِي} [الإسراء: 80] من حولي وقوتي وأنانيتي {مُخْرَجَ صِدْقٍ} [الإسراء: 80] بأن يخرجني منك بك {وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ} [الإسراء: 80] أي: منك لا من غيرك {سُلْطَاناً نَّصِيراً} [الإسراء: 80] بتجلي صفات جمالك، وفي الآية دليل على أن لكل ذي مقام لا يصل إلى مقام إلا بسعي ملائم لذلك، كما قال تعالى: {أية : وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا} تفسير : [الإسراء: 19] أي: سعياً يلائم وصول درجات الجنان. وروي أن حديث : رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "أو غير ذلك" قال الرجل: "بل مرافقتك في الجنة"، فقال: النبي صلى الله عليه وسلم: "فأعني بكثرة السجود ".
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 528 : 30 : 31 - سفين قال. كان في قرآءة عبد الله {و(إذاً) لا يلبثون خلفك الا قليلاً} [الآية 76].
همام الصنعاني
تفسير : 1601- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ}: [الآية: 76]، قال: قد فعلوا بعد ذلك؛ فأهلكهم الله يَوْمَ بدر، فلم يَلْبَثوا بعْدَهُ إلاَّ قَلِيلاً حتى أهلكهم الله يوم بدر كذلك، كانت سنة الله في الرسل إذا فَعَل بهم قومُهم مثل ذَلك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):