Verse. 2107 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

اَقِـمِ الصَّلٰوۃَ لِدُلُوْكِ الشَّمْسِ اِلٰى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْاٰنَ الْفَجْرِ۝۰ۭ اِنَّ قُرْاٰنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْہُوْدًا۝۷۸
Aqimi alssalata lidulooki alshshamsi ila ghasaqi allayli waqurana alfajri inna qurana alfajri kana mashhoodan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أقم الصلاة لدلوك الشمس» أي من وقت زوالها «إلى غسق الليل» إقبال ظلمته أي الظهر والعصر والمغرب والعشاء «وقرآن الفجر» صلاة الصبح «إن قرآن الفجر كان مشهودا» تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار.

78

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في النظم وجوه. الأول: أنه تعالى لما قرر أمر الالهيات والمعاد والنبوات أردفها بذكر الأمر بالطاعات بعد الإيمان وأشرف الطاعات بعد الإيمان الصلاة فلهذا السبب أمر بها. الثاني: أنه تعالى لما قال: { أية : وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ } تفسير : [الإسراء: 76] أمره تعالى بالإقبال على عبادته لكي ينصره عليهم فكأنه قيل له لا تبال بسعيهم في إخراجك من بلدتك ولا تلتفت إليهم واشتغل بعبادة الله تعالى وداوم على أداء الصلوات فإنه تعالى يدفع مكرهم وشرهم عنك ويجعل يدك فوق أيديهم ودينك غالباً على أديانهم ونظيره قوله في سورة طه: { أية : فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ ءانَاء ٱلَّيْلِ فَسَبّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ ترضى } تفسير : [طه: 130] وقال: { أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَكُنْ مّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ * وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } تفسير : [الحجر: 97 ـ 99] والوجه الثالث: في تقرير النظم أن اليهود لما قالوا له اذهب إلى الشام فإنه مسكن الأنبياء عزم صلى الله عليه وسلم على الذهاب إليه فكأنه قيل له المعبود واحد في كل البلاد وما النصرة والدولة إلا بتأييده ونصرته فداوم على الصلوات وارجع إلى مقرك ومسكنك وإذا دخلته ورجعت إليه فقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي في هذا البلد سلطاناً نصيراً في تقرير دينك وإظهار شرعك، والله أعلم. المسألة الثانية: اختلف أهل اللغة والمفسرون في معنى دلوك الشمس على قولين. أحدهما: أن دلوكها غروبها وهذا القول مروي عن جماعة من الصحابة، فنقل الواحدي في البسيط عن علي عليه السلام أنه قال: دلوك الشمس غروبها. وروى زر بن حبيش أن عبد الله بن مسعود قال: دلوك الشمس غروبها، وروى سعيد بن جبير هذا القول عن ابن عباس وهذا القول اختيار الفراء وابن قتيبة من المتأخرين. والقول الثاني: أن دلوك الشمس هو زوالها عن كبد السماء وهو اختيار الأكثرين من الصحابة والتابعين واحتج القائلون بهذا القول على صحته بوجوه. الحجة الأولى: روى الواحدي في البسيط عن جابر أنه قال: «طعم عندي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم خرجوا حين زالت الشمس فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا حين دلكت الشمس». الحجة الثانية: روى صاحب «الكشاف» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : أتاني جبريل عليه السلام لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر » تفسير : . الحجة الثالثة: قال أهل اللغة معنى الدلوك في كلام العرب الزوال ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار دالكة، وقيل لها إذا أفلت دالكة لأنها في الحالتين زائلة. هكذا قاله الأزهري وقال القفال: أصل الدلوك الميل، يقال: مالت الشمس للزوال، ويقال: مالت للغروب، إذا عرفت هذا فنقول: وجب أن يكون المراد من الدلوك ههنا الزوال عن كبد السماء وذلك لأنه تعالى علق إقامة الصلاة بالدلوك، والدلوك عبارة عن الميل والزوال، فوجب أن يقال إنه أول ما حصل الميل والزوال تعلق به هذا الحكم فلما حصل هذا المعنى حال ميلها من كبد السماء وجب أن يتعلق به وجوب الصلاة وذلك يدل على أن المراد من الدلوك في هذه الآية ميلها عن كبد السماء وهذه حجة قوية في هذا الباب استنبطتها بناء على ما اتفق عليه أهل اللغة: أن الدلوك عبارة عن الميل والزوال، والله أعلم. الحجة الرابعة: قال الأزهري الأولى حمل الدلوك على الزوال في نصف النهار، والمعنى {أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ } أي أدمها من وقت زوال الشمس إلى غسق الليل وعلى هذا التقدير فيدخل فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم قال: {أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ } فإذا حملنا الدلوك على الزوال دخلت الصلوات الخمس في هذه الآية، وإن حملناه على الغروب لم يدخل فيه إلا ثلاث صلوات وهي المغرب والعشاء والفجر وحمل كلام الله تعالى على ما يكون أكثر فائدة أولى فوجب أن يكون المراد من الدلوك الزوال، واحتج الفراء على قوله الدلوك هو الغروب بقول الشاعر: شعر : هذا مقام قدمي رباح وقفت حتى دلكت براح تفسير : وبراح اسم الشمس أي حتى غابت، واحتج ابن قتيبة بقول ذي الرمة: شعر : مصابيح ليست باللواتي يقودها نجوم ولا أفلاكهن الدوالك تفسير : واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف لأن عندنا الدلوك عبارة عن الميل والتغير وهذا المعنى حاصل في الغروب فكان الغروب نوعاً من أنواع الدلوك فكان وقوع لفظ الدلوك على الغروب لا ينافي وقوعه على الزوال كما أن وقوع لفظ الحيوان على الإنسان لا ينافي وقوعه على الفرس ومنهم من احتج أيضاً على صحة هذا القول بأن الدلوك اشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينيه عند النظر إليها وهذا إنما يصح في الوقت الذي يمكن النظر إليها ومعلوم أنها عند كونها في وسط السماء لا يمكن النظر إليها، أما عند قربها من الغروب فيمكن النظر إليها (و)عندما ينظر الإنسان إليها في ذلك الوقت يدلك عينيه، فثبت أن لفظ الدلوك مختص بالغروب. والجواب أن الحاجة إلى ذلك التبيين عند كونها في وسط السماء أتم فهذا الذي ذكرته بأن يدل على أن الدلوك عبارة عن الزوال من وسط السماء أولى، والله أعلم. المسألة الثالثة: قال الواحدي: اللام في قوله لدلوك الشمس لام الأجل والسبب وذلك لأن الصلاة إنما تجب بزوال الشمس فيجب على المصلي إقامتها لأجل دلوك الشمس. المسألة الرابعة: قوله: {إلى غسق الليل} غسق الليل سواده وظلمته قال الكسائي: غسق الليل غسوقاً، والغسق: الاسم، بفتح السين. وقال النضر بن شميل: غسق الليل دخول أوله، وأتيته حين غسق الليل، أي حين يختلط ويسد المناظر، وأصل هذا الحرف من السيلان يقال: غسقت العين تغسق. وهو هملان العين بالماء، والغاسق السائل، ومن هذا يقال لما يسيل من أهل النار: الغساق، فمعنى غسق الليل أي انصب بظلامه، وذلك أن الظلمة كأنها تنصب على العالم، وأما قول المفسرين، قال ابن جريج: قلت لعطاء: ما غسق الليل؟ قال أوله حين يدخل. وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس ما الغسق: قال دخول الليل بظلمته، وقال الأزهري: غسق الليل عند غيبوبة الشفق عند تراكم الظلمة واشتدادها، يقال: غسقت العين إذا امتلأت دمعاً، وغسقت الجراحة إذا امتلأت دماً، قال لأنا لو حملنا الغسق على هذا المعنى دخلت الصلوات الأربع فيه وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولو حملنا الغسق على ظهور أول الظلمة لم يدخل فيه إلا الظهر والمغرب فوجب أن يكون الأول أولى، واعلم أنه يتفرع على هذين القولين بحث شريف فإن فسرنا الغسق بظهور أول الظلمة كان الغسق عبارة عن أول المغرب وعلى هذا التقدير يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات وقت الزوال ووقت أول المغرب ووقت الفجر وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتاً للظهر والعصر فيكون هذا الوقت مشتركاً بين هاتين الصلاتين وأن يكون أول المغرب وقتاً للمغرب والعشاء فيكون هذا الوقت مشتركاً أيضاً بين هاتين الصلاتين فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقاً إلا أنه دل الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذر ولا يجوز فوجب أن يكون الجمع جائزاً بعذر السفر وعذر المطر وغيره، أما إن فسرنا الغسق بالظلمة المتراكمة فنقول الظلمة المتراكمة إنما تحصل عند غيبوبة الشفق الأبيض وكلمة إلى لانتهاء الغاية والحكم الممدود إلى غاية يكون مشروعاً قبل حصول تلك الغاية فوجب جواز إقامة الصلوات كلها قبل غيبوبة الشفق الأبيض وهذا إنما يصح إذا قلنا إنها تجب عند غيبوبة الشفق الأحمر، والله أعلم. المسألة الخامسة: قوله {وقرآن الفجر} أجمعوا على أن المراد منه صلاة الصبح وانتصابه بالعطف على الصلاة في قوله أقم الصلاة والتقدير أقم الصلاة وأقم قرآن الفجر وفيه فوائد. الأولى: أن هذه الآية تدل على أن الصلاة لا تتم إلا بالقراءة. الفائدة الثانية: أنه تعالى أضاف القرآن إلى الفجر والتقدير أقم قرآن الفجر فوجب أن تتعلق القراءة بحصول الفجر وفي أول طلوع الصبح قد حصل الفجر لأن الفجر سمى فجراً لانفجار ظلمة الليل عن نور الصباح وظاهر الأمر للوجوب فمقتضى هذا اللفظ وجوب إقامة صلاة الفجر من أول طلوعه إلا أنا أجمعنا على أن هذا الوجوب غير حاصل، فوجب أن يبقى الندب لأن الوجوب عبارة عن رجحان مانع من الترك فإذا منع مانع من تحقق الوجوب وجب أن يرتفع المنع من الترك وأن يبقى أصل الرجحان حتى تنقل مخالفة الدليل فثبت أن هذه الآية تقتضي أن إقامة الفجر في أول الوقت أفضل وهذا يدل على صحة مذهب الشافعي في أن التغليس أفضل من التنوير، والله أعلم. الفائدة الثالثة: أن الفقهاء بينوا أن السنة أن تكون القراءة في هذه الصلاة أطول من القراءة في سائر الصلوات فالمقصود من قوله {وقرآن الفجر} الحث على أن تطويل القراءة في هذه الصلاة مطلوب لأن التخصيص بالذكر يدل على كونه أكمل من غيره. الفائدة الرابعة: أنه وصف قرآن الفجر بكونه مشهوداً. قال الجمهور: معناه أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح خلف الإمام تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الغداة وقبل أن تعرج ملائكة الليل فإذا فرغ الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار ثم إن ملائكة الليل إذا صعدت قالت: يا رب إنا تركنا عبادك يصلون لك وتقول ملائكة النهار ربنا أتينا عبادك وهم يصلون فيقول الله تعالى للملائكة اشهدوا أني قد غفرت لهم. وأقول هذا أيضاً دليل قوي في أن التغليس أفضل من التنوير لأن الإنسان إذا شرع فيها من أول الصبح ففي ذلك الوقت الظلمة باقية فتكون ملائكة الليل حاضرين ثم إذا امتدت الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة وظهر الضوء وحضرت ملائكة النهار فبهذا الطريق تحضر في هذه الصلاة ملائكة الليل وملائكة النهار أما إذا ابتدأ بهذه الصلاة في وقت التنوير فهناك ما بقيت الظلمة فلم يبق في ذلك الوقت أحد من ملائكة الليل فلا يحصل المعنى المذكور فثبت أن قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ مَشْهُودًا } دليل قوي على أن التغليس أفضل وعندي في تفسير قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ مَشْهُودًا } احتمال آخر وذلك لأنه كلما كانت الحوادث الحادثة أعظم وأكمل كان الاستدلال بها على كمال قدرة الله تعالى أكمل فالإنسان إذا شرع في أداء صلاة الصبح من أول هذا الوقت كانت الظلمة القوية باقية في العالم، فإذا امتدت القراءة في أثناء هذا الوقت ينقلب العالم من الظلمة إلى الضوء والظلمة مناسبة للموت والعدم، والضوء مناسب للحياة والوجود. وعلى هذا التقدير فالإنسان لما قام من منامه فكأنه انتقل من الموت إلى الحياة ومن العدم إلى الوجود ثم إنه مع ذلك يشاهد في أثناء صلاته انقلاب كلية هذا العالم من الظلمة إلى الضوء ومن الموت إلى الحياة ومن السكون إلى الحركة ومن العدم إلى الوجود. وهذه الحالة حالة عجيبة تشهد العقول والأرواح بأنه لا يقدر على هذا التقليب والتحويل والتبديل إلا الخالق المدبر بالحكمة البالغة والقوة الغير المتناهية وحينئذ يستنير العقل بنور هذه المعرفة وينفتح على العقل والروح أبواب المكاشفات الروحانية الإلهية فتصير الصلاة التي هي عبارة عن أعمال الجوارح مشهوداً عليها بهذه المكاشفات الإلهية المقدسة ولذلك فكل من له ذوق سليم وطبع مستقيم إذا قام من منامه وأدى صلاة الصبح في أول الوقت واعتبر اختلاف أحوال العالم من الظلمة الحاصلة إلى النور ومن السكون إلى الحركة فإنه يجد في قلبه روحاً وراحة ومزيداً في نور المعرفة وقوة اليقين فهذا هو المراد من قوله: {إن قرآن الفجر كان مشهوداً} وظهر أن هذا الاعتبار لا يحصل إلا عند أداء صلاة الفجر على سبيل التغليس فهذا ما خطر بالبال والله أعلم بمراده. وفي الآية احتمال ثالث وهو أن يكون المراد من قوله: {إن قرآن الفجر كان مشهوداً} الترغيب في أن تؤدي هذه الصلاة بالجماعة ويكون المعنى كونه مشهوداً بالجماعة الكثيرة ومزيد التحقيق فيه أنا بينا أن تأثير هذه الصلاة في تصفية القلب وفي تنويره أكثر من تأثير سائر الصلوات فإذا حضر جمع من المسلمين في المسجد لأداء هذه العبادة استنار قلب كل واحد منهم ثم بسبب ذلك الاجتماع كأنه ينعكس نور معرفة الله تعالى ونور طاعته في ذلك الوقت من قلب كل واحد إلى قلب الآخر فتصير أرواحهم كالمرايا المشرقة المتقابلة إذا وقعت عليها أنوار الشمس فإنه ينعكس النور من كل واحدة من تلك المرايا إلى الأخرى فكذا في هذه الصورة ولهذا السبب فإن كل من له ذوق سليم وأدى هذه الصلاة في هذا الوقت بالجماعة وجد من قلبه فسحة ونوراً وراحة. الفائدة الخامسة: قوله: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً} يحتمل أن يكون السبب في كونه مشهوداً هو أن الإنسان لما نام طول الليل فصار كالغافل في هذه المدة عن مراقبة أحوال الدنيا فزالت صورة الحوادث الجسمانية عن لوح خياله وفكره وعقله وصارت هذه الألواح كألواح سطرت فيها نقوش فاسدة ثم غسلت وأزيلت تلك النقوش عنها، ففي أول وقت القيام من المنام صارت ألواح عقله وفكره وخياله مطهرة عن النقوش الفاسدة الباطلة. فإذا تسارع الإنسان في ذلك الوقت إلى عبادة الله تعالى وقراءة الكلمات الدالة على تنزيهه والإقدام على الأفعال الدالة على تعظيم الله تعالى انتقش في لوح عقله وفكره وخياله هذه النقوش الطاهرة المقدسة، ثم إن حصول هذه النقوش يمنع من استحكام النقوش الفاسدة، وهي النقوش المتولدة من الميل إلى الدنيا وشهواتها فبهذا الطريق يترشح الميل إلى معرفة الله تعالى ومحبته وطاعته ويضعف الميل إلى الدنيا وشهواتها. إذا عرفت هذا فنقول هذه الحكمة إنما تحصل إذا شرع الإنسان في الصلاة من أول قيامه من النوم عند التغليس. وذلك يدل على المقصود واعلم أن أكثر الخلق وقعوا في أمراض القلوب وهي حب الدنيا والحرص والحسد والتفاخر والتكاثر وهذه الدنيا مثل دار المرضى إذا كانت مملوءة من المرضى والأنبياء كالأطباء الحاذقين والمريض ربما قد قوي مرضه فلا يعود إلى الصحة إلا بمعالجات قوية وربما كان المريض جاهلاً فلا ينقاد للطبيب ويخالفه في أكثر الأمر، إلا أن الطبيب إذا كان مشفقاً حاذقاً فإنه يسعى في إزالة ذلك المرض بكل طريق يقدر عليه فإن لم يقدر على إزالته فإنه يسعى في تقليله وتخفيفه. إذا عرفت هذا فنقول: مرض حب الدنيا مستولٍ على الخلق ولا علاج له إلا بالدعوة إلى معرفة الله تعالى وخدمته وطاعته وهذا علاج شاق على النفوس، وقل من يقبله وينقاد له. لا جرم (أن)الأنبياء اجتهدوا في تقليل هذا المرض وحمل الخلق على الشروع في الطاعة والعبودية من أول وقت القيام من النوم مما ينفع في إزالة هذا المرض من الوجه الذي قررناه فوجب أن يكون مشروعاً، والله أعلم بأسرار كلامه. أما قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ } فاعلم أنه تعالى لما أمر بالصلوات الخمس على سبيل الرمز والإشارة أردفه بالحث على صلاة الليل وفيه مباحث: البحث الأول: التهجد عبارة عن صلاة الليل فقوله {فتهجد به} أي بالقرآن كما قال: { أية : قُمِ ٱلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً } تفسير : إلى قوله: { أية : وَرَتّلِ ٱلْقُرْءانَ تَرْتِيلاً } تفسير : [المزمل:2- 4]. البحث الثاني: قال الواحدي الهجود في اللغة النوم وهو معروف كثير في الشعر يقال: أهجدته وهجدته أي أنمته ومنه قول لبيد: شعر : هجدنا فقد طال السرى تفسير : كأنه قال: نومنا فإن السرى قد طال علينا حتى غلبنا النوم وروى أبو عبيد عن أبي عبيدة الهاجد النائم والهاجد المصلي بالليل وروى ثعلب عن ابن الأعرابي مثل هذا القول كأنه قال هجد الرجل إذا صلى من الليل وهجد إذا نام بالليل فعند هؤلاء هذا اللفظ من الأضداد وأما الأزهري فإنه توسط في تفسير هذا اللفظ وقال المعروف في كلام العرب أن الهاجد هو النائم ثم رأينا أن في الشرع يقال لمن قام من النوم إلى الصلاة إنه متهجد فوجب أن يحمل هذا على أنه سمي متهجداً لالقائه الهجود عن نفسه كما قيل للعابد متحنث لإلقائه الحنث عن نفسه وهو الإثم. ويقال فلان رجل متحرج ومتأثم ومتحوب أي يلقي الحرج والإثم والحوب عن نفسه. وأقول فيه احتمال آخر وهو أن الإنسان إنما يترك لذة النوم ويتحمل مشقة القيام إلى الصلاة ليطيب رقاده وهجوده عند الموت فلما كان غرضه من ترك هذا الهجود أن يصل إلى الهجود اللذيذ عند الموت كان هذا القيام طلباً لذلك الهجود فسمي تهجداً لهذا السبب. وفيه وجه ثالث: وهو ما روي أن الحجاج بن عمرو المازني قال: أيحسب أحدكم إذا قام من الليل فصلى حتى يصبح أنه قد تهجد إنما التهجد الصلاة بعد الرقاد ثم صلاة أخرى بعد رقدة ثم صلاة أخرى بعد رقدة هكذا كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا عرفت هذا فنقول كلما صلى الإنسان طلب هجوداً ورقاداً فلا يبعد أنه سمي تهجداً لهذا السبب. البحث الثالث: قوله: {مِنْ } في قوله: {وَمِنَ ٱلَّيْلِ } لا بد له من متعلق والفاء في قوله: {فَتَهَجَّدْ } لا بد له من معطوف عليه والتقدير قم من الليل أي في بعض الليل فتهجد به وقوله: {بِهِ } أي بالقرآن والمراد منه الصلاة المشتملة على القرآن. البحث الرابع: معنى النافلة في اللغة ما كان زيادة على الأصل ذكرناه في قوله تعالى: { أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ } تفسير : [الأنفال: 1] ومعناها أيضاً في هذه الآية الزيادة وفي تفسير كونها زيادة قولان مبنيان على أن صلاة الليل هل كانت واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم أم لا فمن الناس من قال إنها كانت واجبة عليه ثم نسخت فصارت نافلة، أي تطوعاً وزيادة على الفرائض، وذكر مجاهد والسدي في تفسير كونها (نافلة) وجهاً حسناً قالا إنه تعالى غفر للنبي صلى الله عليه وسلم ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكل طاعة يأتي بها سوى المكتوبة فإنه لا يكون تأثيرها في كفارة الذنوب ألبتة بل يكون تأثيرها في زيادة الدرجات وكثرة الثواب وكان المقصود من تلك العبادة زيادة الثواب فلهذا سميت نافلة بخلاف الأمة، فإن لهم ذنوباً محتاجة إلى الكفارات فهذه الطاعة محتاجون إليها لتكفير الذنوب والسيئات فثبت أن هذه الطاعات إنما تكون زوائد ونوافل في حق النبي صلى الله عليه وسلم لا في حق غيره فلهذا السبب قال: {نَافِلَةً لَّكَ } يعني أنها زوائد ونوافل في حقك لا في حق غيرك وتقريره ما ذكرناه. وأما الذين قالوا: إن صلاة الليل كانت واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا معنى كونها نافلة له على التخصيص أنها فريضة عليك زائدة على الصلوات الخمس خصصت بها من بين أمتك ويمكن نصرة هذا القول بأن قوله فتهجد أمر وصيغة الأمر للوجوب فوجب كون هذا التهجد واجباً فلو حملنا قوله نافلة لك على عدم الوجوب لزم التعارض وهو خلاف الأصل فوجب أن يكون معنى كونها نافلة له ما ذكرناه من كون وجوبها زائداً على وجوب الصلوات الخمس، والله أعلم. البحث الخامس: قوله: {أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءانَ ٱلْفَجْرِ } وإن كان ظاهر الأمر فيه مختصاً بالرسول صلى الله عليه وسلم إلا أنه في المعنى عام في حق الأمة والدليل عليه أنه قال ومن الليل فتهجد به نافلة لك فبين أن الأمر بالتهجد مخصوص بالرسول وهذا يدل على أن الأمر بالصلاة الخمس غير مخصوص بالرسول عليه السلام وإلا لم يكن لتقييد الأمر بالتهجد بهذا القيد فائدة أصلاً، والله أعلم. ثم قال تعالى: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } اتفق المفسرون على أن كلمة عسى من الله واجب قال أهل المعاني لأن لفظة عسى تفيد الأطماع ومن أطمع إنساناً في شيء ثم حرمه كان عاراً والله تعالى أكرم من أن يطمع أحداً في شيء ثم لا يعطيه ذلك. وقوله: {مَقَاماً مَّحْمُودًا } فيه بحثان: البحث الأول: في انتصاب قوله محموداً وجهان. الأول: أن يكون انتصابه على الحال من قوله يبعثك أي يبعثك محموداً. والثاني: أن يكون نعتاً للمقام وهو ظاهر. البحث الثاني: في تفسير المقام المحمود أقوال. الأول: أنه الشفاعة قال الواحدي أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية « حديث : هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي » تفسير : وأقول اللفظ مشعر به وذلك لأن الإنسان إنما يصير محموداً إذا حمده حامد والحمد إنما يكون على الانعام فهذا المقام المحمود يجب أن يكون مقاماً أنعم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه على قوم فحمدوه على ذلك الإنعام وذلك الإنعام لا يجوز أن يكون هو تبليغ الدين وتعليم الشرع لأن ذلك كان حاصلاً في الحال وقوله: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } تطميع وتطميع الإنسان في الشيء الذي وعده في الحال محال فوجب أن يكون ذلك الانعام الذي لأجله يصير محموداً إنعاماً سيصل منه حصل له بعد ذلك إلى الناس وما ذاك إلا شفاعته عند الله فدل هذا على أن لفظ الآية وهو قوله: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } يدل على هذا المعنى وأيضاً التنكير في قوله مقاماً محموداً يدل على أنه يحصل للنبي عليه السلام في ذلك المقام حمد بالغ عظيم كامل ومن المعلم أن حمد الإنسان على سعيه في التخليص عن العقاب أعظم من حمده في السعي في زيادة من الثواب لا حاجة به إليها لأن احتياج الإنسان إلى دفع الآلام العظيمة عن النفس فوق احتياجه إلى تحصيل المنافع الزائدة التي لا حاجة به إلى تحصيلها وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من قوله: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } هو الشفاعة في إسقاط العقاب على ما هو مذهب أهل السنة ولما ثبت أن لفظ الآية مشعر بهذا المعنى إشعاراً قوياً ثم وردت الأخبار الصحيحة في تقرير هذا المعنى وجب حل اللفظ عليه ومما يؤكد هذا الوجه الدعاء المشهور وابعثه المقام المحمود الذي وعدته يغبطه به الأولون والآخرون واتفق الناس على أن المراد منه الشفاعة. والقول الثاني: قال حذيفة، يجمع الناس في صعيد فلا تتكلم نفس فأول مدعو محمد صلى الله عليه وسلم فيقول « حديث : لبيك وسعديك والشر ليس إليك والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك لا ملجأ ولا منجاً منك إلا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت » تفسير : فهذا هو المراد من قوله: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } وأقول القول الأول أولى لأن سعيه في الشفاعة يفيده إقدام الناس على حمده فيصير محموداً وأما ذكر هذا الدعاء فلا يفيد إلا الثواب أما الحمد فلا فإن قالوا لم لا يجوز أن يقال إنه تعالى يحمده على هذا القول قلنا لأن الحمد في اللغة مختص بالثناء المذكور في مقابلة الأنعام فقط فإن ورد لفظ الحمد في غير هذا المعنى فعلى سبيل المجاز. القول الثالث: المراد مقام تحمد عاقبته وهذا أيضاً ضعيف للوجه الذي ذكرناه في القول الثاني. القول الرابع: قال الواحدي روى عن ابن مسعود أنه قال: «يقعد الله محمداً على العرش» وعن مجاهد أنه قال يجلسه معه على العرش، ثم قال الواحدي وهذا قول رذل موحش فظيع ونص الكتاب ينادي بفساد هذا التفسير ويدل عليه وجوه. الأول: أن البعث ضد الإجلاس يقال بعثت النازل والقاعد فانبعث ويقال بعث الله الميت أي أقامه من قبره فتفسير البعث بالإجلاس تفسير للضد بالضد وهو فاسد. والثاني: أنه تعالى قال مقاماً محموداً ولم يقل مقعداً والمقام موضع القيام لا موضع القعود. والثالث: لو كان تعالى جالساً على العرش بحيث يجلس عنده محمد عليه الصلاة والسلام لكان محدوداً متناهياً ومن كان كذلك فهو محدث. والرابع: يقال إن جلوسه مع الله على العرش ليس فيه كثير إعزاز لأن هؤلاء الجهال والحمقى يقولون في كل أهل الجنة إنهم يزورون الله تعالى وإنهم يجلسون معه وإنه تعالى يسألهم عن أحوالهم التي كانوا فيها في الدنيا وإذا كانت هذه الحالة حاصلة عندهم لكل المؤمنين لم يكن لتخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بها مزيد شرف ورتبة. والخامس: أنه إذا قيل السلطان بعث فلاناً فهم منه أنه أرسله إلى قوم لإصلاح مهماتهم ولا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه فثبت أن هذا القول كلام رذل ساقط لا يميل إليه إلا إنسان قليل العقل عديم الدين، والله أعلم ثم قال تعالى: {وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ } وفيه مباحث: البحث الأول: أنا ذكرنا في تفسير قوله: { أية : وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ } تفسير : [الإسراء: 76] قولين: أحدهما: المراد منه سعي كفار مكة في إخراجه منها. والثاني: المراد منه أن اليهود قالوا له الأولى لك أن تخرج من المدينة إلى الشام ثم إنه تعالى قال له: أقم الصلاة واشتغل بعبادة الله تعالى ولا تلتفت إلى هؤلاء الجهال فإنه تعالى ناصرك ومعينك ثم عاد بعد هذا الكلام إلى شرح تلك الواقعة فإن فسرنا تلك الآية أن المراد منها أن كفار مكة أرادوا إخراجه من مكة كان معنى هذه الآية أنه تعالى أمره بالهجرة إلى المدينة وقال له: {رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ } ـ وهو المدينة ـ {وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ } ـ وهو مكة. وهذا قول الحسن وقتادة وإن فسرنا تلك الآية بأن المراد منها أن اليهود حملوه على الخروج من المدينة والذهاب إلى الشام فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ثم أمره الله بأن يرجع إليها كان المراد أنه عليه الصلاة والسلام عند العود إلى المدينة قال: {رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ } وهو المدينة ـ {وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ } يعني أخرجني منها إلى مكة مخرج صدق أي افتحها لي. والقول الثاني: في تفسير هذه الآية وهو أكمل مما سبق أن المراد {وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى } ـ في الصلاة ـ {وَأَخْرِجْنِى } منها مع الصدق والإخلاص وحضور ذكرك والقيام بلوازم شكرك. والقول الثالث: وهو أكمل مما سبق أن المراد: {وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى} - في القيام بمهمات أداء دينك وشريعتك - وَأَخْرِجْنِى } منها بعد الفراغ منها إخراجاً لا يبقى علي منها تبعة ربقية. والقول الرابع: وهو أعلى مما سبق: {وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى } في بحار دلائل توحيدك وتنزيهك وقدسك ثم أخرجني من الاشتغال بالدليل إلى ضياء معرفة المدلول ومن التأمل في آثار حدوث المحدثات إلى الاستغراق في معرفة الأحد الفرد المنزه عن التكثيرات والتغيرات. والقول الخامس: أدخلني في كل ما تدخلني فيه مع الصدق في عبوديتك والاستغراق بمعرفتك وأخرجني عن كل ما تخرجني عنه مع الصدق في العبودية والمعرفة والمحبة والمقصود منه أن يكون صدق العبودية حاصلاً في كل دخول وخروج وحركة وسكون. والقول السادس: أدخلني القبر مدخل صدق وأخرجني منه مخرج صدق. البحث الثاني: مدخل بضم الميم مصدر كالإدخال يقال أدخلته مدخلاً كما قال: { أية : وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِى مُنزَلاً مُّبَارَكاً } تفسير : [المؤمنون: 29] ومعنى إضافة المدخل والمخرج إلى الصدق مدحهما كأنه سأل الله تعالى إدخالاً حسناً وإخراجاً حسناً لا يرى فيهما ما يكره ثم قال تعالى: {وَٱجْعَل لّى مِن لَّدُنْكَ سُلْطَـٰناً نَّصِيرًا } أي حجة بينة ظاهرة تنصرني بها على جميع من خالفني. وبالجملة فقد سأل الله تعالى أن يرزقه التقوية على من خالفه بالحجة وبالقهر والقدرة، وقد أجاب الله تعالى دعاءه وأعلمه بأنه يعصمه من الناس فقال: { أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [المائدة: 67] وقال: { أية : أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } تفسير : [المجادلة: 22] وقال: { أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ } تفسير : [التوبة: 33] ولما سأل الله النصرة بين الله له أنه أجاب دعاءه فقال: {وَقُلْ جَاء ٱلْحَقُّ } وهو دينه وشرعه ـ {وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ } وهو كل ما سواه من الأديان والشرائع، وزهق بطل واضمحل، وأصله من زهقت نفسه تزهق أي هلكت، وعن ابن مسعود: «حديث : أنه دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ثلاثمائة وستون صنماً فجعل يطعنها بعود في يده ويقول جاء الحق وزهق الباطل فجعل الصنم ينكب على وجهه». تفسير : وقوله: {إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا } يعني أن الباطل وإن اتفقت له دولة وصولة إلا أنها الا تبقى بل تزول على أسرع الوجوه، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} لما ذكر مكايد المشركين أمر نبيّه عليه السلام بالصبر والمحافظة على الصلاة، وفيها طلب النصر على الأعداء. ومثله {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} تفسير : [الحجر: 97]. وتقدم القول في معنى إقامة الصلاة في أول سورة البقرة. وهذه الآية بإجماع من المفسرين إشارة إلى الصلوات المفروضة. واختلف العلماء في الدُّلوك على قولين: أحدهما: أنه زوال الشمس عن كبد السماء؛ قاله عمر وابنه وأبو هريرة وابن عباس وطائفة سواهم من علماء التابعين وغيرهم. الثاني ـ أن الدلوك هو الغروب؛ قاله عليّ وابن مسعود وأبيّ بن كعب، وروي عن ابن عباس. قال الماورديّ: من جعل الدُّلوك اسما لغروبها فلأن الإنسان يدلُك عينيه براحته لتبيّنها حالة المغيب، ومن جعله اسما لزوالها فلأنه يدلك عينيه لشدة شعاعها. وقال أبو عبيد: دلوكها غروبها. ودلكَتْ براح يعني الشمس؛ أي غابت. وأنشد قُطْرب:شعر : هذا مُقامُ قَدَمَيْ رَبَاحِ ذَبّب حتى دَلكتْ بَراحِ تفسير : براح (بفتح الباء) على وزن حَزام وقطام ورقاس اسم من أسماء الشمس. ورواه الفرّاء (بكسر الباء) وهو جمع راحة وهي الكف؛ أي غابت وهو ينظر إليها وقد جعل كفّه على حاجبه. ومنه قول العَجّاج: شعر : والشمس قد كادت تكون دَنَفَا أدفعها بالراح كي تَزَحْلَفَا تفسير : قال ابن الأعرابيّ: الزُّحلوفة مكان منحدر أملس، لأنهم يتزحلفون فيه. قال: والزَّحْلفة كالدّحرجة والدفع؛ يقال: زحلفته فتَزَحْلَف. ويقال: دلكت الشمس إذا غابت. قال ذو الرُّمَّة:شعر : مصابيح ليست باللّواتي تقودها نجومٌ ولا بالآفلات الدّوالكِ تفسير : قال ابن عطية: الدلوك هو الميل ـ في اللغة ـ فأوّل الدلوك هو الزوال وآخره هو الغروب. ومن وقت الزوال إلى الغروب يسمى دلوكا، لأنها في حالة ميل. فذكر الله تعالى الصلوات التي تكون في حالة الدلوك وعنده، فيدخل في ذلك الظهر والعصر والمغرب، ويصح أن تكون المغرب داخلة في غَسَق الليل. وقد ذهب قوم إلى أن صلاة الظهر يتمادى وقتها من الزوال إلى الغروب؛ لأن الله سبحانه علق وجوبها على الدلوك، وهذا دلوك كله؛ قاله الأوزاعيّ وأبو حنيفة في تفصيل. وأشار إليه مالك والشافعيّ في حالة الضرورة. الثانية: قوله تعالى: {إِلَىٰ غَسَقِ ٱلْلَّيْلِ} روى مالك عن ابن عباس قال: دلوك الشمس ميلها، وغسق الليل اجتماع الليل وظلمته. وقال أبو عبيدة: الغسق سواد الليل. قال ابن قَيْس الرُّقَيّات:شعر : إن هذا الليل قد غَسَقَا واشتكيْتُ الهَمّ والأرَقَا تفسير : وقد قيل: غسق الليل مغيب الشفق. وقيل: إقبال ظلمته. قال زهير: شعر : ظلّت تجود يداها وهي لاهية حتى إذا جنح الإظلام والغَسق تفسير : يقال: غسق الليل غسوقا. والغَسَق اسم بفتح السين. وأصل الكلمة من السيلان؛ يقال: غَسَقت العين إذا سالت، تَغْسِق. وغَسَق الجرح غَسَقانا، أي سال منه ماء أصفر. وأغسق المؤذّن، أي أخر المغرب إلى غِسَق الليل. وحكى الفراء: غَسَق الليل وأغسق، وظَلِم وأظلم، ودجا وأدجى، وغَبَس وأغبس، وغَبِش وأغبش. وكان الربيع بن خُثيم يقول لمؤذنه في يوم غَيْم: أغسق أغسق. يقول: أخر المغرب حتى يَغسِق الليل، وهو إظلامه. الثالثة: اختلف العلماء في آخر وقت المغرب؛ فقيل: وقتها وقت واحد لا وقت لها إلا حين تحجب الشمس، وذلك بيّنٌ في إمامة جبريل؛ فإنه صلاها باليومين لوقت واحد وذلك غروب الشمس، وهو الظاهر من مذهب مالك عند أصحابه. وهو أحد قولي الشافعيّ في المشهور عنه أيضاً، وبه قال الثوري. وقال مالك في الموطأ: فإذا غاب الشفق فقد خرجْتَ من وقت المغرب ودخل وقت العشاء. وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه والحسن ابن حيّ وإسحاق وأبو ثَور وداود؛ لأن وقت الغروب إلى الشفق غسق كله. ولحديث أبي موسى، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالسائل المغرب في اليوم الثاني فأخّر حتى كان عند سقوط الشفق؛ خرجه مسلم. قالوا: وهذا أولى من أخبار إمامة جبريل؛ لأنه متأخر بالمدينة وإمامة جبريل بمكة، والمتأخر أولى من فعله وأمره؛ لأنه ناسخ لما قبله. وزعم ابن العربيّ أن هذا القول هو المشهور من مذهب مالك، وقوله في موطَّئه الذي أقرأه طول عمره وأملاه في حياته. والنكتة في هذا أن الأحكام المتعلقة بالأسماء هل تتعلق بأوائلها أو بآخرها أو يرتبط الحكم بجميعها؟ والأقوى في النظر أن يرتبط الحكم بأوائلها لئلا يكون ذكرها لغواً فإذا ارتبط بأوائلها جرى بعد ذلك النظر في تعلقه بالكلّ إلى الآخر. قلت: القول بالتّوسعة أرجح. وقد خرّج الإمام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث الأجلح بن عبد الله الكندي عن أبي الزبير عن جابر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قريباً من غروب الشمس فلم يُصَلّ المغرب حتى أتى سَرِف، وذلك تسعة أميال. وأما القول بالنسخ فليس بالبيّن وإن كان التاريخ معلوماً؛ فإن الجمع ممكن. قال علماؤنا: تُحمل أحاديث جبريل على الأفضلية في وقت المغرب، ولذلك اتفقت الأمة فيها على تعجيلها والمبادرة إليها في حين غروب الشمس. قال ابن خُوَيْزِ مَنْداد: ولا نعلم أحداً من المسلمين تأخّر بإقامة المغرب في مسجد جماعة عن وقت غروب الشمس. وأحاديث التّوسعة تبين وقت الجواز، فيرتفع التعارض ويصح الجمع، وهو أولى من الترجيح باتفاق الأصوليين؛ لأن فيه إعمال كل واحد من الدليلين، والقول بالنسخ أو الترجيح فيه إسقاط أحدهما. والله أعلم. الرابعة: قوله تعالى: {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ} انتصب «قرآن» من وجهين: أحدهما أن يكون معطوفاً على الصلاة؛ المعنى: وأقم قرآن الفجر أي صلاة الصبح؛ قاله الفراء. وقال أهل البصرة. انتصب على الإغراء؛ أي فعليك بقرآن الفجر؛ قاله الزجاج. وعبّر عنها بالقرآن خاصة دون غيرها من الصلوات؛ لأن القرآن هو أعظمها، إذ قراءتها طويلة مجهور بها حسبما هو مشهور مسطور؛ عن الزجاج أيضاً. قلت: وقد استقرّ عمل المدينة على استحباب إطالة القراءة في الصبح قدرا لا يضر بمن خلفه ـ يقرأ فيها بطوال المفصَّل، ويليها في ذلك الظهر والجمعة ـ وتخفيف القراءة في المغرب وتوسطها في العصر والعشاء. وقد قيل في العصر: إنها تخفّف كالمغرب. وأما ما ورد في صحيح مسلم وغيره من الإطالة فيما استقرّ فيه التقصير، أو من التقصير فيما استقرّت فيه الإطالة؛ كقراءته في الفجر المعوذتين ـ كما رواه النَّسائي ـ وكقراءة الأعراف والمرسلات والطور في المغرب، فمتروك بالعمل. ولإنكاره على معاذ التطويل حين أمّ قومه في العشاء فافتتح سورة البقرة. خرّجه الصحيح. وبأمره الأئمة بالتخفيف فقال: «حديث : أيها الناس إن منكم منفّرين فأيكم أمّ الناس فليخفف فإن فيهم الصغير والكبير والمريض والسقيم والضعيف وذا الحاجة»تفسير : . وقال: «حديث : فإذا صلى أحدكم وحده فليطوّل ما شاء»تفسير : . كله مسطور في صحيح الحديث. الخامسة: قوله تعالى: {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ} دليل على أن لا صلاة إلا بقراءة؛ لأنه سَمَّى الصلاة قرآناً. وقد اختلف العلماء في القراءة في الصلاة فذهب جمهورهم إلى وجوب قراءة أم القرآن للإمام والفَذّ في كل ركعة. وهو مشهور قول مالك. وعنه أيضاً أنها واجبة في جُلّ الصلاة. وهو قول إسحاق. وعنه أيضاً تجب في ركعة واحدة؛ قاله المُغِيرة وسُحْنُون. وعنه أن القراءة لا تجب في شيء من الصلاة. وهو أشدّ الروايات عنه. وحُكي عن مالك أيضاً أنها تجب في نصف الصلاة، وإليه ذهب الأوزاعيّ. وعن الأوزاعيّ أيضاً وأيوب أنها تجب على الإمام والفَذّ والمأموم على كل حال. وهو أحد قولي الشافعيّ. وقد مضى في (الفاتحة) مستوفًى. السادسة: قوله تعالى: {كَانَ مَشْهُوداً} روى الترمذيّ عن أبي هريرة حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {وقرآنَ الفجرِ إن قرآن الفَجْرِ كان مشهوداً} قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار» تفسير : هذا حديث حسن صحيح. ورواه عليّ بن مُسْهِر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وروى البخاريّ عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : فَضْلُ صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح»تفسير : . يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم «وقرآنَ الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا». ولهذا المعنى يُبَكّر بهذه الصلاة، فمن لم يبكر لم تشهد صلاته إلا إحدى الفئتين من الملائكة. ولهذا المعنى أيضاً قال مالك والشافعيّ: التغليس بالصبح أفضل. وقال أبو حنيفة: الأفضل الجمع بين التغليس والإسفار، فإن فاته ذلك فالإسفار أوْلَى من التغليس. وهذا مخالف لما كان عليه السلام يفعله من المداومة على التغليس، وأيضاً فإن فيه تفويتَ شهود ملائكة الليل. والله أعلم. السابعة: استدلّ بعض العلماء بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار» تفسير : على أن صلاة الصبح ليست من صلاة الليل ولا من صلاة النهار. قلت: وعلى هذا فلا تكون صلاة العصر أيضاً لا من صلاة الليل ولا من صلاة النهار؛ فإن في الصحيح عن النبيّ الفصيح عليه السلام فيما رواه أبو هريرة: «حديث : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر» تفسير : الحديث. ومعلوم أن صلاة العصر من النهار فكذلك تكون صلاة الفجر من الليل وليس كذلك، وإنما هي من النهار كالعصر بدليل الصيام والأيمان، وهذا واضح.

البيضاوي

تفسير : {أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} لزوالها ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام «حديث : أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر»تفسير : وقيل لغروبها وأصل التركيب للانتقال ومنه الدلك فإن الدلك لا تستقر يده، وكذا كل ما تركب من الدال واللام: كدلج ودلح ودلع ودلف ودله. وقيل الدلوك من الدلك لأن الناظر إليها يدلك عينيه ليدفع شعاعها، واللام للتأنيث مثلها في: لثلاث خلون {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} إلى ظلمته وهو وقت صلاة العشاء الأخيرة. {وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ} وصلاة الصبح، سميت قرآناً لأنه ركنها كما سميت ركوعاً وسجوداً، واستدل به على وجوب القراءة فيها ولا دليل فيه لجواز أن يكون التجوز لكونها مندوبة فيها، نعم لو فسر بالقراءة في صلاة الفجر دل الأمر بإقامتها على الوجوب فيها نصاً وفي غيرها قياساً. {إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، أو شواهد القدرة من تبدل الظلمة بالضياء والنوم الذي هو أخو الموت بالانتباه أو كثير من المصلين أو من حقه أن يشهده الجم الغفير، والآية جامعة للصلوات الخمس إن فسر الدلوك بالزوال ولصلوات الليل وحدها إن فسر بالغروب. وقيل المراد بالصلاة صلاة المغرب وقوله {لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ } بيان لمبدأ الوقت ومنتهاه، واستدل به على أن الوقت يمتد إلى غروب الشفق.

ابن كثير

تفسير : يقول تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم آمراً له بإقامة الصلوات المكتوبات في أوقاتها: {أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} قيل: لغروبها، قاله ابن مسعود ومجاهد وابن زيد. وقال هشيم عن مغيرة، عن الشعبي عن ابن عباس: دلوكها: زوالها، ورواه نافع عن ابن عمر، ورواه مالك في تفسيره عن الزهري عن ابن عمر، وقاله أبو برزة الأسلمي، وهو رواية أيضاً عن ابن مسعود ومجاهد، وبه قال الحسن والضحاك وأبو جعفر الباقر وقتادة، واختاره ابن جرير، ومما استشهد عليه ما رواه عن ابن حميد عن الحكم بن بشير: حدثنا عمرو بن قيس عن ابن أبي ليلى عن رجل عن جابر بن عبد الله قال: دعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شاء من أصحابه، فطعموا عندي، ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : اخرج يا أبا بكر فهذا حين دلكت الشمس» تفسير : ثم رواه عن سهل بن بكار عن أبي عوانة عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه، فعلى هذا تكون هذه الآية دخل فيها أوقات الصلوات الخمس فمن قوله: {لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ} وهو ظلامه، وقيل: غروب الشمس، أخذ منه الظهر والعصر والمغرب والعشاء. وقوله: {وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ} يعني: صلاة الفجر، وقد بينت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تواتراً من أفعاله وأقواله بتفاصيل هذه الأوقات على ما عليه أهل الإسلام اليوم مما تلقوه خلفاً من سلف، وقرناً بعد قرن؛ كما هو مقرر في مواضعه، ولله الحمد. {إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} قال الأعمش عن إبراهيم عن ابن مسعود، وعن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية: {وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} قال: «حديث : تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار» تفسير : وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة، وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر» تفسير : يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم {وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}. وقال الإمام أحمد: حدثنا أسباط، حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم وحدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} قال: «حديث : تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار»تفسير : . ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، ثلاثتهم عن عبيد بن أسباط بن محمد عن أبيه به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي لفظ في "الصحيحين" من طريق مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر، فيعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم، وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون» تفسير : وقال عبد الله بن مسعود: يجتمع الحرسان في صلاة الفجر، فيصعد هؤلاء ويقيم هؤلاء، وكذا قال إبراهيم النخعي ومجاهد وقتادة وغير واحد في تفسير هذه الآية. وأما الحديث الذي رواه ابن جرير ههنا من حديث الليث بن سعد عن زيادة عن محمد بن كعب القرظي عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديث النزول، وأنه تعالى يقول: «حديث : من يستغفرني أغفر له، من يسألني أعطيه، من يدعني فأستجيب له حتى يطلع الفجر» تفسير : فلذلك يقول: {وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} فيشهده الله وملائكة الليل وملائكة النهار، فإنه تفرد به زيادة، وله بهذا حديث في "سنن أبي داود". وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} أمر له بقيام الليل بعد المكتوبة، كما ورد في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: «حديث : صلاة الليل»تفسير : ، ولهذا أمر تعالى رسوله بعد المكتوبات بقيام الليل، فإن التهجد ما كان بعد نوم. قاله علقمة والأسود وإبراهيم النخعي وغير واحد، وهو المعروف في لغة العرب، وكذلك ثبتت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يتهجد بعد نومه، عن ابن عباس وعائشة وغير واحد من الصحابة رضي الله عنهم، كما هو مبسوط في موضعه، ولله الحمد والمنة. وقال الحسن البصري: هو ما كان بعد العشاء، ويحمل على ما كان بعد النوم، واختلف في معنى قوله تعالى: {نَافِلَةً لَّكَ} فقيل: معناه أنك مخصوص بوجوب ذلك وحدك، فجعلوا قيام الليل واجباً في حقه دون الأمة، رواه العوفي عن ابن عباس، وهو أحد قولي العلماء، وأحد قولي الشافعي رحمه الله، واختاره ابن جرير، وقيل: إنما جعل قيام الليل في حقه نافلة على الخصوص؛ لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وغيره من أمته إنما يكفر عنه صلواته النوافل الذنوب التي عليه. قاله مجاهد: وهو في المسند عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه. وقوله: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا} أي: افعل هذا الذي أمرتك به لنقيمك يوم القيامة مقاماً محموداً، يحمدك فيه الخلائق كلهم، وخالقهم تبارك وتعالى. قال ابن جرير: قال أكثر أهل التأويل: ذلك هو المقام الذي يقومه محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة للناس؛ ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم. (ذكر من قال ذلك) حدثنا ابن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة قال: يجمع الناس في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، حفاة عراة كما خلقوا، قياماً لا تكلم نفس إلا بإذنه، ينادي: يا محمد فيقول: «حديث : لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، وعبدك بين يديك، ومنك وإليك لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك، تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت» تفسير : فهذا المقام المحمود الذي ذكره الله عز وجل. ثم رواه عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن أبي إسحاق به، وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر والثوري، عن أبي إسحاق به، وقال ابن عباس: هذا المقام المحمود مقام الشفاعة، وكذا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد،وقاله الحسن البصري. وقال قتادة: هو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، وأول شافع، وكان أهل العلم يرون أنه المقام المحمود الذي قال الله تعالى: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا} قلت: لرسول الله صلى الله عليه وسلم تشريفات يوم القيامة لا يشركه فيها أحد، وتشريفات لا يساويه فيهاأحد، فهو أول من تنشق عنه الأرض، ويبعث راكباً إلى المحشر، وله اللواء الذي آدم فمن دونه تحت لوائه، وله الحوض الذي ليس في الموقف أكثر وارداً منه، وله الشفاعة العظمى عند الله ليأتي لفصل القضاء بين الخلائق، وذلك بعد ما تسأل الناس آدم ثم نوحاً ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى، فكل يقول: لست لها، حتى يأتوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: «حديث : أنا لها أنا لها» تفسير : كما سنذكر ذلك مفصلاً في هذا الموضع إن شاء الله تعالى. ومن ذلك أنه يشفع في أقوام قد أمر بهم إلى النار، فيردون عنها، وهو أول الأنبياء يقضي بين أمته، وأولهم إجازة على الصراط بأمته، وهو أول شفيع في الجنة كما ثبت في "صحيح مسلم". وفي حديث الصور: أن المؤمنين كلهم لا يدخلون الجنة إلا بشفاعته، وهو أول داخل إليها، وأمته قبل الأمم كلهم، ويشفع في رفع درجات أقوام لا تبلغها أعمالهم، وهو صاحب الوسيلة التي هي أعلى منزلة في الجنة، لا تليق إلا له، وإذا أذن الله تعالى في الشفاعة للعصاة، شفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، فيشفع هو في خلائق لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى، ولا يشفع أحد مثله، ولا يساويه في ذلك، وقد بسطت ذلك مستقصى في آخر كتاب "السيرة" في باب الخصائص، ولله الحمد والمنة: ولنذكر الآن الأحاديث الواردة في المقام المحمود وبالله المستعان: قال البخاري: حدثنا إسماعيل بن أبان، حدثنا أبو الأحوص عن آدم بن علي، سمعت ابن عمر قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثاء، كل أمة تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفع، يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فذلك يوم يبعثه الله مقاماً محموداً. ورواه حمزة بن عبد الله عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن جرير: حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا شعيب بن الليث، ثنا الليث عن عبيد الله بن أبي جعفر، أنه قال: سمعت حمزة بن عبد الله بن عمر يقول: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم فيقول: لست بصاحب ذلك، ثم بموسى، فيقول كذلك، ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم فيشفع بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة باب الجنة، فيومئذ يبعثه الله مقاماً محموداًتفسير : . وهكذا رواه البخاري في الزكاة عن يحيى بن بكير، وعلقمة عن عبد الله بن صالح، كلاهما عن الليث بن سعد به، وزاد. حديث : فيومئذ يبعثه الله مقاماً محموداً، يحمده أهل الجمع كلهمتفسير : . قال البخاري: حدثنا علي بن عياش، حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:حديث : من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة تفسير : انفرد به دون مسلم. (حديث أبي بن كعب) - قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر الأزدي، حدثنا زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي كعب، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا كان يوم القيامة، كنت إمام الأنبياء وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم غير فخر»تفسير : ، وأخرجه الترمذي من حديث أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل به، وقد قدمنا في حديث أبي بن كعب في قراءة القرآن على سبعة أحرف، قال صلى الله عليه وسلم في آخره: «حديث : فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي فيه الخلق، حتى إبراهيم عليه السلام».تفسير : (حديث أنس بن مالك) - قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، حدثنا قتادة عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيلهمون ذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فأراحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول لهم آدم: لست هناكم، ويذكر ذنبه الذي أصاب، فيستحيي ربه عز وجل من ذلك، ويقول: ولكن ائتوا نوحاً؛ فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحاً فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئة سؤاله ربه ما ليس له به علم، فيستحيي ربه من ذلك، ويقول: ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن، فيأتونه فيقول: لست هناكم، لكن ائتوا موسى عبداً كلمه الله وأعطاه التوارة، فيأتون موسى فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم النفس التي قتل بغير نفس، فيستحيي ربه من ذلك، ويقول: ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمته وروحه، فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمداً عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني - قال الحسن هذا الحرف - فأقوم فأمشي بين سماطين من المؤمنين - قال أنس - حتى أستأذن على ربي، فإذا رأيت ربي، وقعت له - أو خررت - ساجداً لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني - قال - ثم يقال: ارفع محمد، قل يسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة، قال: ثم أعود إليه ثانية، فإذا رأيت ربي، وقعت له أو خررت ساجداً لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: ارفع محمد قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة، قال: ثم أعود الثالثة، فإذا رأيت ربي وقعت - أو خررت - ساجداً لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع محمد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة، ثم أعود الرابعة فأقول: يا رب ما بقي إلا من حبسه القرآن»تفسير : ، فحدثنا أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : فيخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة»تفسير : ، أخرجاه من حديث سعيد به، وهكذا رواه الإمام أحمد عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بطوله. وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حرب بن ميمون أبو الخطاب الأنصاري عن النضر بن أنس، عن أنس قال: حدثني نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إني لقائم أنتظر أمتي تعبر الصراط، إذ جاءني عيسى عليه السلام فقال: هذه الأنبياء قد جاءتك يا محمد يسألون - أو قال: يجتمعون إليك - ويدعون الله أن يفرق بين جميع الأمم إلى حيث يشاء الله؛ لغم ما هم فيه، فالخلق ملجمون بالعرق، فأما المؤمن فهو عليه كالزكمة، وأما الكافر فيغشاه الموت، فقال: انتظر حتى أرجع إليك، فذهب نبي الله صلى الله عليه وسلم فقام تحت العرش، فلقي ما لم يلق ملك مصطفى، ولا نبي مرسل، فأوحى الله عز وجل إلى جبريل: أن اذهب إلى محمد، وقل له: ارفع رأسك، سل تعط، واشفع تشفع، فشفعت في أمتي أن أخرج من كل تسعة وتسعين إنساناً واحداً، فما زلت أتردد إلى ربي عز وجل، فلا أقوم منه مقاماً إلا شفعت حتى أعطاني الله عز وجل، من ذلك أن قال: يا محمد أدخل من أمتك من خلق الله عز وجل من شهد أن لا إله إلا الله يوماً واحداً مخلصاً، ومات على ذلك».تفسير : (حديث بريدة رضي الله عنه) - قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا الأسود بن عامر، أخبرنا أبو إسرائيل عن الحارث بن حصيرة، عن ابن بريدة، عن أبيه: أنه دخل على معاوية، فإذا رجل يتكلم، فقال بريدة: يا معاوية تأذن لي في الكلام؟ فقال: نعم، وهو يرى أنه يتكلم بمثل ما قال الآخر، فقال بريدة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إني لأرجو أن أشفع يوم القيامة عدد ما على الأرض من شجرة ومدرة»تفسير : ، قال: فترجوها أنت يا معاوية ولا يرجوها علي رضي الله عنه؟ (حديث ابن مسعود) - قال الإمام أحمد: حدثنا عارم بن الفضل، حدثنا سعيد بن الفضل، حدثنا سعيد بن زيد، حدثنا علي بن الحكم البناني عن عثمان، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن ابن مسعود قال: جاء ابنا مليكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالا: إن أمنا تكرم الزوج، وتعطف على الولد، قال: وذكرا الضيف، غير أنها كانت وأدت في الجاهلية، فقال: «حديث : أمكما في النار» تفسير : قال: فأدبرا والسوء يرى في وجوههما، فأمر بهما فردا، فرجعا والسرور يرى في وجوههما رجاء أن يكون قد حدث شيء، فقال: «حديث : أمي مع أمكما» تفسير : فقال رجل من المنافقين: وما يغني هذا عن أمه شيئاً، ونحن نطأ عقبيه؟ فقال رجل من الأنصار، ولم أرَ رجلاً قط أكثر سؤالاً منه: يا رسول الله هل وعدك ربك فيها أو فيهما؟ قال: فظن أنه من شيء قد سمعه، فقال: «حديث : ما شاء الله ربي وما أطمعني فيه، وإني لأقوم المقام المحمود يوم القيامة» تفسير : فقال الأنصاري: يا رسول الله وما ذاك المقام المحمود؟ قال: «حديث : ذاك إذا جيء بكم حفاة عراة غرلاً، فيكون أول من يكسى إبراهيم عليه السلام، فيقول: اكسوا خليلي، فيؤتى بريطتين بيضاوين، فيلبسهما، ثم يقعده مستقبل العرش، ثم أوتى بكسوتي، فألبسها، فأقوم عن يمينه مقاماً لا يقومه أحد، فيغبطني فيه الأولون والأخرون» تفسير : قال: «حديث : ويفتح لهم من الكوثر إلى الحوض» تفسير : فقال المنافق: إنه ما جرى ماء قط إلا على حال أو رضراض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : حاله المسك، ورضراضه اللؤلؤ» تفسير : فقال المنافق: لم أسمع كاليوم، فإنه قلما جرى ماء على حال أو رضراض إلا كان له نبت؟ فقال الأنصاري، يا رسول الله هل له نبت؟ فقال: «حديث : نعم قضبان الذهب» تفسير : قال المنافق: لم أسمع كاليوم، فإنه قلما ينبت قضيب إلا أورق وإلا كان له ثمر، وقال الأنصاري: يا رسول الله هل له ثمرة؟ قال: «حديث : نعم ألوان الجوهر، وماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، من شرب منه شربة لا يظمأ بعده، ومن حرمه لم يرو بعده»تفسير : . وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه عن أبي الزعراء، عن عبد الله قال: ثم يأذن الله عز وجل في الشفاعة فيقوم روح القدس جبريل، ثم يقوم إبراهيم خليل الله ثم يقوم عيسى أو موسى، قال أبو الزعراء: لا أدري أيهما، قال: ثم يقوم نبيكم صلى الله عليه وسلم رابعاً، فيشفع لا يشفع أحد بعده أكثر مما شفع، وهو المقام المحمود الذي قال الله عز وجل: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا}. (حديث كعب بن مالك رضي الله عنه) قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا محمد بن حرب، حدثنا الزبيدي عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يبعث الناس يوم القيامة، فأكون أنا وأمتي على تل، ويكسوني ربي عز وجل حلة خضراء، ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود».تفسير : (حديث أبي الدرداء رضي الله عنه) قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه، فأنظر إلى ما بين يدي، فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك» تفسير : فقال رجل: يا رسول الله كيف تعرف أمتك من بين الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال: «حديث : هم غر محجلون من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم تسعى من بين أيديهم ذريتهم».تفسير : (حديث أبي هريرة رضي الله عنه) قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا أبو حيان، حدثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهش منها نهشة، ثم قال: «حديث : أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون، ولا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه مما قد بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم، فيأتون آدم عليه السلام، فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبداً شكوراً، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول نوح: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله قط، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، فذكر كذباته، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى عليه السلام فيقولون: يا موسى أنت رسول الله اصطفاك الله برسالاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى إن ربي قد غضب غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد صبياً، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنباً، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيأتون محمداً صلى الله عليه وسلم فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأقوم فآتي تحت العرش، فأقع ساجداً لربي عز وجل، ثم يفتح الله علي، ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه مالم يفتحه على أحد قبلي، فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: يا رب أمتي أمتي يا رب، أمتي أمتي يا رب أمتي أمتي! فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى تفسير : ، أخرجاه في "الصحيحين". وقال مسلم رحمه الله: حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا هقل بن زياد عن الأوزاعي، حدثني أبو عمار، حدثني عبد الله بن فروخ، حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر يوم القيامة، وأول شافع وأول مشفع»تفسير : . وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن داود بن يزيد الزعافري عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا} سئل عنها فقال: «حديث : هي الشفاعة» تفسير : رواه الإمام أحمد عن وكيع ومحمد بن عبيد عن داود عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا} قال: «حديث : هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه».تفسير : وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري، عن علي بن الحسين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا كان يوم القيامة، مد الله الأرض مد الأديم، حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدميه - قال النبي صلى الله عليه وسلم - فأكون أول من يدعى، وجبريل عن يمين الرحمن تبارك وتعالى، والله ما رآه قبلها، فأقول: أي رب إن هذا أخبرني أنك أرسلته إلي، فيقول الله عز وجل: صدق، ثم أشفع فأقول: يا رب عبادك عبدوك في أطراف الأرض - قال: - فهو المقام المحمود» تفسير : وهذا حديث مرسل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ } أي من وقت زوالها {إِلىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ} إقبال ظلمته أي الظهر والعصر والمغرب والعشاء {وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ } صلاة الصبح {إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً } تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار.

الشوكاني

تفسير : لما ذكر سبحانه الإلهيات والمعاد والجزاء أردفها بذكر أشرف الطاعات، وهي الصلاة، فقال: {أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ }. وقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية المراد بها: الصلوات المفروضة. وقد اختلف العلماء في الدلوك المذكور في هذه الآية على قولين: أحدهما: أنه زوال الشمس عن كبد السماء، قاله عمر وابنه، وأبو هريرة، وأبو برزة، وابن عباس، والحسن، والشعبي، وعطاء، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وأبو جعفر الباقر، واختاره ابن جرير. والقول الثاني: أنه غروب الشمس، قاله علي، وابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وروي عن ابن عباس. قال الفراء: دلوك الشمس: من لدن زوالها إلى غروبها. قال الأزهري: معنى الدلوك في كلام العرب الزوال، ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار: دالكة، وقيل لها إذا أفلت: دالكة، لأنها في الحالتين زائلة. قال: والقول عندي أنه زوالها نصف النهار لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس، والمعنى: أقم الصلاة من وقت دلوك الشمس {إلى غسق الليل} فيدخل فيها الظهر والعصر وصلاتا غسق الليل، وهما العشاءان، ثم قال: {وقرآن الفجر} هذه خمس صلوات. وقال أبو عبيد: دلوكها غروبها، ودلكت براح: يعني الشمس أي: غابت، وأنشد قطرب على هذا قول الشاعر:شعر : هذا مقام قدمي رباح ذبَّب حتى دلكت براح تفسير : اسم من أسماء الشمس على وزن حذام وقطام، ومن ذلك قول ذي الرمة:شعر : مصابيح ليست باللواتي تقودها نجوم، ولا بالآفلات الدوالك تفسير : أي: الغوارب، وغسق الليل: اجتماع الظلمة. قال الفراء والزجاج: يقال غسق الليل وأغسق: إذا أقبل بظلامه، قال أبو عبيد: الغسق: سواد الليل. قال قيس بن الرقيات:شعر : إن هذا الليل قد غسقا واشتكيت الهمّ والأرقا تفسير : وقيل: غسق الليل: مغيب الشفق، ومنه قول زهير:شعر : طلت تجود يداها وهي لاهية حتى إذا جنح الإظلام والغسق تفسير : وأصل الكلمة من السيلان يقال: غسقت: إذا سالت. وحكى الفراء غسق الليل وأغسق، وظلم وأظلم، ودجى وأدجى، وغبش وأغبش، وقد استدل بهذه الغاية، أعني قوله: {إلى غسق الليل} من قال: إن صلاة الظهر يتمادى وقتها من الزوال إلى الغروب، روي ذلك عن الأوزاعي، وأبي حنيفة وجوّزه مالك والشافعي في حال الضرورة، وقد وردت الأحاديث الصحيحة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعيين أوقات الصلوات، فيجب حمل مجمل هذه الآية على ما بينته السنة فلا نطيل بذكر ذلك. قوله: {وقرآن الفجر} انتصاب {قرآن} لكونه معطوفاً على {الصلاة} أي: وأقم قرآن الفجر، قاله الفراء. وقال الزجاج والبصريون: انتصابه على الإغراء: أي فعليك قرآن الفجر. قال المفسرون: المراد بقرآن الفجر صلاة الصبح. قال الزجاج: وفي هذه فائدة عظيمة تدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة حتى سميت الصلاة قرآناً، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أنه "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، وفي بعض الأحاديث الخارجة من مخرج حسن "وقرآن معها"، وورد ما يدل على وجوب الفاتحة في كل ركعة، وقد حررته في مؤلفاتي تحريراً مجوّداً. ثم علّل سبحانه ذلك بقوله: {إن قرآن الفجر مشهوداً} أي: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار كما ورد ذلك في الحديث الصحيح، وبذلك قال جمهور المفسرين {وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ}: "من" للتبعيض، وانتصابه على الظرفية بمضمر، أي: قم بعض الليل فتهجد به، والضمير المجرور راجع إلى القرآن، وما قيل من أنه منتصب على الإغراء، والتقدير: عليك بعض الليل، فبعيد جداً، والتهجد مأخوذ من الهجود. قال أبو عبيدة وابن الأعرابي: هو من الأضداد، لأنه يقال: هجد الرجل: إذا نام، وهجد: إذا سهر، فمن استعماله في السهر قول الشاعر:شعر : ألا زارت وأهل منى هجود فليت خيالها بمنى يعود تفسير : يعني: منتبهين، ومن استعماله في النوم قول الآخر:شعر : ألا طرقتنا والرفاق هجود فباتت بعلات النوال تجود تفسير : يعني: نياماً. وقال الأزهري: الهجود في الأصل هو النوم بالليل، ولكن جاء التفعل فيه لأجل التجنب ومنه تأثم وتحرّج، أي: تجنب الإثم والحرج، فالمتهجد: من تجنب الهجود، فقام بالليل. وروي عن الأزهري أيضاً أنه قال: المتهجد: القائم إلى الصلاة من النوم، هكذا حكى عنه الواحدي، فقيد التهجد بالقيام من النوم، وهكذا قال مجاهد، وعلقمة، والأسود فقالوا: التهجد بعد النوم. قال الليث: تهجد إذا استيقظ للصلاة {نَافِلَةً لَّكَ } معنى النافلة في اللغة: الزيادة على الأصل، فالمعنى أنها للنبي صلى الله عليه وسلم نافلة زائدة على الفرائض، والأمر بالتهجد وإن كان ظاهره الوجوب لكن التصريح بكونه نافلة قرينة صارفة للأمر، وقيل: المراد بالنافلة هنا أنها فريضة زائدة على الفرائض الخمس في حقه صلى الله عليه وسلم، ويدفع ذلك التصريح بلفظ النافلة، وقيل: كانت صلاة الليل فريضة في حقه صلى الله عليه وسلم، ثم نسخ الوجوب فصار قيام الليل تطوعاً، وعلى هذا يحمل ما ورد في الحديث أنها عليه فريضة، ولأمته تطوع. قال الواحدي: إن صلاة الليل كانت زيادة للنبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة لرفع الدرجات، لا للكفارات، لأنه غفر له من ذنبه ما تقدّم وما تأخر، وليس لنا بنافلة لكثرة ذنوبنا، إنما نعمل لكفارتها، قال: وهو قول جميع المفسرين. والحاصل: أن الخطاب في هذه الآية وإن كان خاصاً بالنبيّ في قوله {أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ }، فالأمر له أمر لأمته، فهو شرع عام، ومن ذلك الترغيب في صلاة الليل، فإنه يعمّ جميع الأمة، والتصريح بكونه نافلة يدل على عدم الوجوب، فالتهجد من الليل مندوب إليه ومشروع لكل مكلف. ثم وعده سبحانه على إقامة الفرائض والنوافل فقال: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } قد ذكرنا في مواضع أن {عسى} من الكريم إطماع واجب الوقوع، وانتصاب {مقاماً} على الظرفية بإضمار فعل، أو بتضمين البعث معنى الإقامة، ويجوز أن يكون انتصابه على الحال أي: يبعثك ذا مقام محمود؛ ومعنى كون المقام محموداً: أنه يحمده كل من علم به. وقد اختلف في تعيين هذا المقام على أقوال: الأول أنه المقام الذي يقومه النبي صلى الله عليه وسلم للشفاعة يوم القيامة للناس ليريحهم ربهم سبحانه مما هو فيه، وهذا القول هو الذي دلت عليه الأدلة الصحيحة في تفسير الآية، وحكاه ابن جرير عن أكثر أهل التأويل، قال الواحدي: وإجماع المفسرين على أن المقام المحمود هو مقام الشفاعة. القول الثاني: أن المقام المحمود إعطاء النبيّ لواء الحمد يوم القيامة. ويمكن أن يقال: إن هذا لا ينافي القول الأوّل، إذ لا منافاة بين كونه قائماً مقام الشفاعة وبيده لواء الحمد. القول الثالث: أن المقام المحمود: هو أن الله سبحانه يجلس محمداً صلى الله عليه وسلم معه على كرسيه، حكاه ابن جرير عن فرقة منهم مجاهد، وقد ورد في ذلك حديث. وحكى النقاش عن أبي داود السجستاني أنه قال: من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متهم، ما زال أهل العلم يتحدّثون بهذا الحديث. قال ابن عبد البرّ: مجاهد وإن كان أحد الأئمة بالتأويل، فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم: أحدهما هذا، والثاني في تأويل {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ } تفسير : [القيامة: 22 ــ 23]. قال: معناه تنتظر الثواب، وليس من النظر. انتهى. وعلى كل حال فهذا القول غير منافٍ للقول الأوّل لإمكان أن يقعده الله سبحانه هذا المقعد ويشفع تلك الشفاعة. القول الرابع: أنه مطلق في كل مقام يجلب الحمد من أنواع الكرامات، ذكره صاحب الكشاف والمقتدون به في التفسير، ويجاب عنه بأن الأحاديث الصحيحة الواردة في تعيين هذا المقام المحمود متواترة، فالمصير إليها متعين، وليس في الآية عموم في اللفظ حتى يقال: الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومعنى قوله: "وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد" أنه عام في كل ما هو كذلك، ولكنه يعبر عن العام بلفظ المطلق، كما ذكره في ذبح البقرة، ولهذا قال هنا. وقيل: المراد: الشفاعة، وهي نوع واحد مما يتناوله، يعني: لفظ المقام، والفرق بين العموم البدليّ والعموم الشموليّ معروف، فلا نطيل بذكره. {وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ }. قرأ الجمهور {مدخل صدق ومخرج صدق} بضم الميمين. وقرأ الحسن، وأبو العالية، ونصر بن عاصم بفتحهما، وهما مصدران بمعنى الإدخال والإخراج، والإضافة إلى الصدق لأجل المبالغة نحو حاتم الجود أي: إدخالاً يستأهل أن يسمى إدخالاً، ولا يرى فيه ما يكره. قال الواحدي: وإضافتهما إلى الصدق مدح لهما، وكل شيء أضفته إلى الصدق فهو مدح. وقد اختلف المفسرون في معنى الآية، فقيل: نزلت حين أمر بالهجرة، يريد إدخال المدينة والإخراج من مكة واختاره ابن جرير، وقيل: المعنى: أمتني إماتة صدق، وابعثني يوم القيامة مبعث صدق، وقيل: المعنى: أدخلني فيما أمرتني به، وأخرجني مما نهيتني عنه، وقيل: إدخاله موضع الأمن وإخراجه من بين المشركين، وهو كالقول الأوّل، وقيل: المراد إدخال عزّ وإخراج نصر، وقيل: المعنى أدخلني في الأمر الذي أكرمتني به من النبوّة مدخل صدق، وأخرجني منه إذا أمتني مخرج صدق، وقيل: أدخلني القبر عند الموت مدخل صدق، وأخرجني منه عند البعث مخرج صدق، وقيل: أدخلني حيثما أدخلتني بالصدق، وأخرجني بالصدق. وقيل: الآية عامة في كل ما تتناوله من الأمور فهي دعاء، ومعناها: ربّ أصلح لي وردي في كل الأمور وصدري عنها. {وَٱجْعَل لّى مِن لَّدُنْكَ سُلْطَـٰناً نَّصِيرًا } أي: حجة ظاهرة قاهرة تنصرني بها على جميع من خالفني، وقيل: اجعل لي من لدنك ملكاً وعزاً قوّياً وكأنه صلى الله عليه وسلم علم أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلاّ بسلطان، فسأل سلطاناً نصيراً. وبه قال الحسن وقتادة واختاره ابن جرير. قال ابن كثير: وهو الأرجح لأنه لا بدّ مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه، ولهذا يقول تعالى: {أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيّنَـٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ الله من ينصره ورسله بالغيب} تفسير : [الحديد: 25] وفي الحديث: «حديث : إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»تفسير : ، أي: ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ما لا يمنع كثيراً من الناس بالقرآن، وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع. انتهى. {وَقُلْ جَاء ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ } المراد بالحق: الإسلام، وقيل: القرآن، وقيل: الجهاد ولا مانع من حمل الآية على جميع ذلك وعلى ما هو حق كائناً ما كان، والمراد بالباطل: الشرك، وقيل: الشيطان ولا يبعد أن يحمل على كل ما يقابل الحق من غير فرق بين باطل وباطل. ومعنى زهق: بطل واضمحل، ومنه زهوق النفس وهو بطلانها {إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا } أي: إن هذا شأنه فهو يبطل ولا يثبت، والحق ثابت دائماً. {وَنُنَزّلُ مِنَ ٱلْقُرْءانِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ } قرأ الجمهور {ننزل} بالنون. وقرأ أبو عمرو بالتخفيف. وقرأ مجاهد بالياء التحتية والتخفيف، ورواها المروزي عن حفص، و"من" لابتداء الغاية، ويصح أن تكون لبيان الجنس. وقيل: للتبعيض، وأنكره بعض المفسرين لاستلزامه أن بعضه لا شفاء فيه، ورده ابن عطية بأن المبعض هو إنزاله. واختلف أهل العلم في معنى كونه شفاء على القولين: الأوّل: أنه شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها وذهاب الريب وكشف الغطاء عن الأمور الدالة على الله سبحانه. القول الثاني: أنه شفاء من الأمراض الظاهرة بالرقي والتعوّذ ونحو ذلك، ولا مانع من حمل الشفاء على المعنيين من باب عموم المجاز، أو من باب حمل المشترك على معنييه. ثم ذكر سبحانه أنه رحمة للمؤمنين لما فيه من العلوم النافعة المشتملة على ما فيه صلاح الدين والدنيا، ولما في تلاوته وتدبره من الأجر العظيم الذي يكون سبباً لرحمة الله سبحانه ومغفرته ورضوانه، ومثل هذه الآية قوله تعالى: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ هُدًى وَشِفَاء وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِى ءاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } تفسير : [فصلت: 44]. ثم لما ذكر سبحانه ما في القرآن من المنفعة لعباده المؤمنين، ذكر ما فيه لمن عداهم من المضرّة عليهم فقال: {وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا } أي: ولا يزيد القرآن كله أو كل بعض منه الظالمين الذي وضعوا التكذيب موضع التصديق، والشك والارتياب موضع اليقين والاطمئنان {إَلاَّ خَسَارًا } أي: هلاكاً، لأن سماع القرآن يغيظهم ويحنقهم ويدعوهم إلى زيادة ارتكاب القبائح تمرّداً وعناداً، فعند ذلك يهلكون؛ وقيل: الخسار: النقص كقوله: {أية : فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ } تفسير : [التوبة: 125]. ثم نبّه سبحانه على فتح بعض ما جبل عليه الإنسان من الطبائع المذمومة فقال: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَـٰنِ } أي: على هذا الجنس بالنعم التي توجب الشكر كالصحة والغنى {أَعْرَضَ } عن الشكر لله والذكر له {وَنَأَى بِجَانِبِهِ } النأي: البعد، والباء للتعدية أو للمصاحبة، وهو تأكيد للإعراض، لأن الإعراض عن الشيء هو أن يوليه عرض وجهه أي: ناحيته، والنأي بالجانب: أن يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره، ولا يبعد أن يراد بالإعراض هنا: الإعراض عن الدعاء والابتهال الذي كان يفعله عند نزول البلوى والمحنة به، ويراد بالنأي بجانبه: التكبر والبعد بنفسه عن القيام بحقوق النعم. وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان وأبو جعفر (ناء) مثل باع بتأخير الهمزة على القلب، وقرأ حمزة (ناءى) بإمالة الفتحتين ووافقه الكسائي، وأمال شعبة والسوسي الهمزة فقط. وقرأ الباقون بالفتح فيهما {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ } من مرض أو فقر {كَانَ يَئُوساً } شديد اليأس من رحمة الله، والمعنى: أنه إن فاز بالمطلوب الدنيوي وظفر بالمقصود نسي المعبود، وإن فاته شيء من ذلك استولى عليه الأسف، وغلب عليه القنوط، وكلتا الخصلتين قبيحة مذمومة ولا ينافي ما في هذه الآية قوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ } تفسير : [فصلت: 51]. ونظائره، فإن ذلك شأن بعض آخر منهم غير البعض المذكور في هذه الآية، ولا يبعد أن يقال: لا منافاة بين الآيتين، فقد يكون مع شدة يأسه وكثرة قنوطه كثير الدعاء بلسانه. {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ } الشاكلة قال الفراء: الطريقة، وقيل: الناحية، وقيل: الطبيعة، وقيل: الدين، وقيل: النية، وقيل: الجبلة، وهي مأخوذة من الشكل، يقال: لست على شكلي ولا على شاكلتي، والشكل: هو المثل والنظير. والمعنى: أن كل إنسان يعمل على ما يشاكل أخلاقه التي ألفها، وهذا ذمّ للكافر ومدح للمؤمن {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً } لأنه الخالق لكم، العالم بما جبلتم عليه من الطبائع وما تباينتم فيه من الطرائق، فهو الذي يميز بين المؤمن الذي لا يعرض عند النعمة ولا ييأس عند المحنة، وبين الكافر الذي شأنه البطر للنعم والقنوط عند النقم. ثم لما انجرّ الكلام إلى ذكر الإنسان وما جبل عليه، ذكر سبحانه سؤال السائلين لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح فقال: {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ } قد اختلف الناس في الروح المسئول عنه، فقيل: هو الروح المدبر للبدن الذي تكون به حياته، وبهذا قال أكثر المفسرين. قال الفراء: الروح الذي يعيش به الإنسان لم يخبر الله سبحانه به أحداً من خلقه، ولم يعط علمه أحداً من عباده فقال: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى } أي: إنكم لا تعلمونه، وقيل: الروح المسئول عنه جبريل، وقيل: عيسى، وقيل القرآن، وقيل: ملك من الملائكة عظيم الخلق، وقيل: خلق كخلق بني آدم، وقيل: غير ذلك مما لا طائل تحته ولا فائدة في إيراده، والظاهر القول الأول، وسيأتي ذكر سبب نزول هذه الآية، وبيان السائلين لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح، ثم الظاهر أن السؤال عن حقيقة الروح، لأن معرفة حقيقة الشيء أهم وأقدم من معرفة حال من أحواله، ثم أمره سبحانه أن يجيب على السائلين له عن الروح فقال: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى } "من" بيانية، والأمر: الشأن، والإضافة للاختصاص، أي: هو من جنس ما استأثر الله بعلمه من الأشياء التي لم يعلم بها عباده، وقيل: معنى {مِنْ أَمْرِ رَبّى } من وحيه وكلامه لا من كلام البشر. وفي هذه الآية ما يزجر الخائضين في شأن الروح المتكلفين لبيان ما هيئته وإيضاح حقيقته أبلغ زجر ويردعهم أعظم ردع، وقد أطالوا المقال في هذا البحث بما لا يتم له المقام، وغالبه بل كله من الفضول الذي لا يأتي بنفع في دين ولا دنيا. وقد حكى بعض المحققين أن أقوال المختلفين في الروح بلغت إلى ثمانية عشر مائة قول، فانظر إلى هذا الفضول الفارغ والتعب العاطل عن النفع، بعد أن علموا أن الله سبحانه قد استأثر بعلمه ولم يطلع عليه أنبياءه ولا أذن لهم بالسؤال عنه ولا البحث عن حقيقته فضلاً عن أممهم المقتدين بهم، فيالله العجب حيث تبلغ أقوال أهل الفضول إلى هذا الحدّ الذي لم تبلغه ولا بعضه في غير هذه المسألة مما أذن الله بالكلام فيه، ولم يستأثر بعلمه. ثم ختم سبحانه هذه الآية بقوله سبحانه: {وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } أي: أن علمكم الذي علمكم الله، ليس إلاّ المقدار القليل بالنسبة إلى علم الخالق سبحانه، وإن أوتي حظاً من العلم وافراً، بل علم الأنبياء عليهم السلام ليس هو بالنسبة إلى علم الله سبحانه إلاّ كما يأخذ الطائر في منقاره من البحر، كما في حديث موسى والخضر عليهم السلام. وقد أخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن مسعود قال: {دلوك الشمس}: غروبها، تقول العرب إذا غربت الشمس: دلكت الشمس. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن علي قال: دلوكها: غروبها. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس، قال: {لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ }: لزوال الشمس. وأخرج البزار، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والديلمي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : دلوك الشمس زوالها»تفسير : . وضعف السيوطي إسناده. وأخرجه مالك في الموطأ، وعبد الرزاق، والفريابي، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عمر من قوله. وأخرج عبد الرزاق عنه قال: «حديث : دلوك الشمس: زياغها بعد نصف النهار»تفسير : . وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير عن ابن عباس قال: دلوكها: زوالها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عنه في قوله: {لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ } قال: إذا فاء الفيء. وأخرج ابن جرير عن أبي مسعود وعقبة بن عمرو قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر»تفسير : . وأخرج ابن جرير عن أبي برزة الأسلمي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر إذا زالت الشمس، ثم تلا {أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ }. وأخرج ابن مردويه من حديث أنس نحوه. ومما يستشهد به على أن الدلوك الزوال وسط النهار ما أخرجه ابن جرير عن جابر قال: دعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شاء من أصحابه يطعمون عندي، ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : أخرج يا أبا بكر فهذا حين دلكت الشمس"تفسير : ، وفي إسناده رجل مجهول ولكنه أخرجه عنه من طريق أخرى عن سهل بن بكار، عن أبي عوانة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنبري، عن جابر فذكر نحوه مرفوعاً. وأخرج الطبراني عن ابن مسعود في قوله: {إلى غسق الليل} قال: إلى العشاء الآخرة. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: {غَسَقِ ٱلَّيْلِ } اجتماع الليل وظلمته. وأخرج ابن جرير عنه قال: {غَسَقِ ٱلَّيْلِ }: بدّو الليل. وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة قال: دلوك الشمس: إذا زالت الشمس عن بطن السماء وغسق الليل: غروب الشمس. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {وقرآن الفجر} قال: صلاة الصبح. وأخرج أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} قال: "تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار تجتمع فيها"، وهو في الصحيحين عنه مرفوعاً بلفظ "تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر"، ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا}. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني عن ابن مسعود موقوفاً نحوه. وأخرج الحكيم الترمذي، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه عن أبي الدرداء قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن قرآن الفجر كان مشهودا} قال: "حديث : تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {نَافِلَةً لَّكَ } يعني: خاصة للنبيّ صلى الله عليه وسلم، أمر بقيام الليل وكتب عليه. وأخرج الطبراني في الأوسط، والبيهقي في سننه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ثلاث هنّ عليّ فرائض وهنّ لكم سنّة: الوتر، والسواك، وقيام الليل»تفسير : . وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي أمامة في قوله: {نَافِلَةً لَّكَ } قال: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم نافلة ولكم فضيلة، وفي لفظ: إنما كانت النافلة خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } وسئل عنه، قال: "هو المقام المحمود الذي أشفع فيه لأمتي". وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تلّ، ويكسوني ربى حلة خضراء، ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود»تفسير : . وأخرج البخاري وغيره عن ابن عمر قال: إن كل أمة يوم القيامة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان، اشفع، يا فلان، اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله مقاماً محموداً. وأخرج عنه نحوه مرفوعاً، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدّاً ثابتة في الصحيحين وغيرهما فلا نطيل بذكرها، ومن رام الاستيفاء نظر في أحاديث الشفاعة في الأمهات وغيرها. وأخرج الطبراني في قوله: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } قال: يجلسه فيما بينه وبين جبريل ويشفع لأمته، فذلك المقام المحمود. وأخرج الديلمي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً}، قال: يجلسني معه على السرير»تفسير : . وينبغي الكشف عن إسناد هذين الحديثين. وأخرج أحمد، والترمذي، وصححه، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي، والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم بمكة ثم أمر بالهجرة، فأنزل الله {وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَٱجْعَل لّى مِن لَّدُنْكَ سُلْطَـٰناً نَّصِيرًا }. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل عن قتادة في قوله: {وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى } الآية، قال: أخرجه الله من مكة مخرج صدق، وأدخله المدينة مدخل صدق. قال: وعلم نبيّ الله أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلاّ بسلطان فسأل سلطاناً نصيراً لكتاب الله وحدوده وفرائضه ولإقامة كتاب الله، فإن السلطان عزة من الله جعلها بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، وأكل شديدهم ضعيفهم. وأخرج الخطيب عن عمر بن الخطاب قال: والله لما يزع الله بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: {جَاء ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا } و {أية : جَاء ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِىء ٱلْبَـٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ }تفسير : [سبأ: 49]. وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَنَأَى بِجَانِبِهِ } قال: تباعد. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {كَانَ يَئُوساً } قال: قنوطاً، وفي قوله: {كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ } قال: على ناحيته. وأخرج هناد، وابن المنذر عن الحسن قال: على شاكلته: على نيته. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: كنت أمشي مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في خرب المدينة وهو متكىء على عسيب، فمرّ بقوم من اليهود فقال بعضهم لبعض: اسألوه عن الروح، فقال بعضهم: لا تسألوه، فقالوا: يا محمد، ما الروح؟ فما زال متكئاً على العسيب، فظننت أنه يوحى إليه، فقال: {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }. وأخرج أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن المنذر، وابن حبان، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئاً نسأل هذا الرجل، قالوا: سلوه عن الروح، فنزلت {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } قالوا: أوتينا علماً كثيراً، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً، فأنزل الله {أية : قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لّكَلِمَـٰتِ رَبّى لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً } تفسير : [الكهف: 109]. وفي الباب أحاديث وآثار.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل}. أما دلوك الشمس ففيه تأويلان: أحدهما: أنه غروبها، وأن الصلاة المأمور بها صلاة المغرب، ومنه قول ذي الرمة: شعر : مصابيح ليست باللواتي تقودها نجومٌ ولا بالآفات الدوالك تفسير : قاله ابن مسعود وابن زيد، ورواه مجاهد عن ابن عباس، وهو مذهب أبي حنيفة. الثاني: أنه زوالها، والصلاة المأمور بها صلاة الظهر، وهذا قول ابن عباس في رواية الشعبي عنه، وهو قول أبي بردة والحسن وقتادة ومجاهد، وهو مذهب الشافعي ومالك لرواية أبي بكر بن عمرو بن حزم عن ابن مسعود وعقبة بن عامر قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر" تفسير : وقال الشاعر: شعر : هذا مُقام قَدَامي رباح ذَيّبَ حتى دَلَكت بَراح تفسير : وبراح اسم الشمس، والباء التي فيه من أصل الكلمة، وذهب بعض أهل العربية إلى أن الباء التي فيها باء الجر، واسم الشمس راح. فمن جعل الدلوك اسماً لغروبها فلأن الإنسان يدلك عينيه براحته لتبينها، ومن جعله اسماً لزوالها فلأنه يدلك عينيه براحته لشدة شعاعها. وقيل إن أصل الدلوك في اللغة هو الميل، والشمس تميل عند زوالها وغروبها فلذلك انطلق على كل واحدٍ منهما. وأما {غسق الليل} ففيه تأويلان: أحدهما: أنه ظهور ظلامه، قاله الفراء وابن عيسى، ومنه قول زهير: شعر : ظَلَّت تَجُودُ يَدَاها وهِيَ لاَهِيَةٌ حتى إذا جَنَحَ الإِظْلاَمُ والغَسَقُ تفسير : الثاني: أنه دنوّ الليل وإقباله، وهوقول ابن عباس وقتادة. قال الشاعر: شعر : إن هذا الليل قد غسقا ......................................... تفسير : وفي الصلاة المأمور بها قولان: أحدهما: أنها صلاة المغرب، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك الثاني: هي صلاة العشاء الآخرة، قاله أبو جعفر الطبري. ثم قال {وقرآن الفَجْر إنّ قرآن الفجْر كان مشهوداً} في {قرآن} تأويلان: أحدهما: أقم القراءة في صلاة الفجر، وهذا قول أبي جعفر الطبري. الثاني: معناه صلاة الفجر، فسماها قرآناً لتأكيد القراءة في الصلاة، وهذا قول أبي اسحاق الزجاج. {إن قرآن الفجر كان مشهوداً} فيه قولان: أحدهما: إن من الحكمة أن تشهده بالحضور إليه في المساجد، قاله ابن بحر. الثاني: ان المراد به ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار " تفسير : وفي هذا دليل على أنها ليست من صلاة الليل ولا من صلاة النهار. قوله عز وجل: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك} أما الهجود فمن أسماء الأضداد، وينطلق على النوم وعلى السهر، وشاهد انطلاقه على السهر قول الشاعر: شعر : ألا زارت وأهْلُ مِنىً هُجُود ولَيْتَ خَيَالَهَا بِمِنىً يعُود تفسير : وشاهد انطلاقه على النوم قول الشاعر: شعر : أَلا طَرَقَتْنَا والرِّفَاقُ هُجُود فَبَاتَتْ بِعُلاَّت النّوالِ تجود تفسير : أما التهجد فهو السهر، وفيه وجهان: أحدهما: السهر بالتيقظ لما ينفي النوم، سواء كان قبل النوم أو بعده. الثاني: أنه السهر بعد النوم، قاله الأسود بن علقمة. وفي الكلام مضمر محذوف وتقديره: فتهجد بالقرآن وقيام الليل نافلة أي فضلاً وزيادة على الفرض. وفي تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بأنها نافلة له ثلاثة أوجه: أحدها: تخصيصاً له بالترغيب فيها والسبق إلى حيازة فضلها، اختصاصها بكرامته، قاله علي بن عيسى. الثاني: لأنها فضيلة له، ولغيره كفارة، قاله مجاهد. الثالث: لأنها عليه مكتوبة ولغيره مستحبة، قاله ابن عباس. {عسى أن يبعثك ربُّك مقاماً محموداً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن المقام المحمود الشفاعة للناس يوم القيامة، قاله حذيفة بن اليمان. الثاني: أنه إجلاسه على عرشه يوم القيامة، قاله مجاهد. الثالث: أنه إعطاؤه لواء الحمد يوم القيامة. ويحتمل قولاً رابعاً: أن يكون المقام المحمود شهادته على أمته بما أجابوه من تصديق أو تكذيب، كما قال تعالى {أية : وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} تفسير : [النساء: 41].

ابن عبد السلام

تفسير : {لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} غروبها يريد صلاة المغرب "ع"، أو زوالها يريد صلاة الظهر "ع" والعين تُدلك بالراحة عند الغروب لترى الشمس وعند الزوال لشدة شعاعها. {غَسَقِ الَّيْلِ} ظهور ظلامه، أو دنوه وإقباله "ع" يريد المغرب "ع"، أو العصر. {وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ} سمى الصلاة قرآناً لتأكد القراءة في الصلاة. أو أقم القراءة في صلاة الفجر {مَشْهُوداً} تشهده ملائكة الليل والنهار.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ...} الآية: إِجماع المفسِّرين على أنَّ الإِشارة هنا إلى الصلوات المفروضة، والجمهورُ أنَّ دلوك الشمس زوالُها، والإِشارةُ إِلى الظهر والعصر، و{غَسَقِ ٱلَّيْلِ }: أشير به إِلى المغرب والعشاء، و{وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ}: يريد به صلاةَ الصبح، فالآية تعم جميعَ الصلواتِ، «والدلوكُ»؛ في اللغة: هو الميلُ، فأول الدلوكِ هو الزوالُ، وآخره هو الغروبُ، قال أبو حيان: واللام في {لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ }: للظرفية بمعنى بَعْد انتهى، و {غَسَقِ ٱلَّيْلِ}: اجتماعه وتكاثُف ظلمته، وعَبَّر عن صلاة الصبْحِ خاصَّة بالقرآن، لأن القرآن هو عظمها؛ إِذ قراءتها طويلةٌ مجهورٌ بها. وقوله سبحانه: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً } معناه: يشهده حَفَظَة النهار وحَفَظَة الليل من الملائكة؛ حَسْبما ورد في الحديث الصَّحيح: « حديث : يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلاَئِكَةٌ بالنَّهَارِ؛ فَيَجْتَمِعُونَ في صَلاَةِ الصُّبْحِ وَصَلاَةِ العَصْرِ... » تفسير : الحديث بطوله، وفي «مسند البَزَّار» عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قال: " حديث : إنَّ أَفْضَلَ الصَّلَواتِ صَلاَةُ الصُّبْحِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، في جَمَاعَةَ، ومَا أَحْسِبُ شَاهِدَهَا مِنْكُمْ إِلاَّ مَغْفُور له " تفسير : انتهى من «الكوكب الدري».

ابن عادل

تفسير : في النظم وجوهٌ: أولها: أنه تعالى لمَّا قرَّر الإلهيَّات والمعاد، والنبوة، أردفها بذكر الآية بالطَّاعات، وأشرفُ الطَّاعات بعد الإيمان الصلاة، فلهذا أمر بها. وثانيها: أنه تعالى، لمَّا قال: {أية : وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [الإسراء: 76]. أمره تعالى بالإقبال على عبادته؛ لكي ينصره الله، فكأنَّه قيل: لا تبالِ بسعيهم في إخراجك من بلدك، ولا تلتفت إليهم، واشتغل بعبادة الله، والدوام على الصلاة؛ فإنه تعالى يدفع مكرهم وشرَّهم عنك، ويجعل يدك فوق أيديهم، ودينك عالياً على أديانهم. نظيره قوله تعالى: {أية : فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ ؤَانَآءِ ٱلْلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ} تفسير : [طه: 130]. وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ} تفسير : [الحجر: 97-99]. وثالثها: أنَّ اليهود، لمَّا قالوا له: اذهب إلى الشَّام، فإنه مسكن الأنبياء، وعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذَّهاب إليه، فكأنَّه قيل له: المعبودُ واحدٌ في كلِّ البلاد، وما النصر والقوَّة والدولة إلا بتأييده ونصرته، فدوام على الصَّلوات، وارجع إلى مقرِّك ومسكنك، فقل: {أية : رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} تفسير : [الإسراء: 80] "واجْعَلْ لي" في هذه البلد {أية : مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً}تفسير : [الإسراء: 80] في تقرير دينك، وإظهار شريعتك. قوله تعالى: {لِدُلُوكِ}: في هذه اللام وجهان: أحدهما: أنها بمعنى "بَعْدَ" أي: بعد دلوكِ الشمسِ، ومثله قولُ متمِّم بن نويرة: [الطويل] شعر : 3448- فَلمَّا تَفرَّقْنَا كأنِّي ومَالِكاً لطُولِ اجتِماعٍ لمْ نَبِتْ لَيْلةً مَعَا تفسير : ومثله قولهم: "كَتبْتُه لثلاثٍ خَلوْنَ". والثاني: أنها على بابها، أي: لأجل دلوك، قال الواحديُّ: "لأنَّها إنَّما تجبُ بزوالِ الشَّمسِ". والدُّلُوك: مصدر دلكتِ الشمس، وفيه ثلاثة أقوالٍ: أشهرها: أنه الزَّوالُ، وهو نصفُ النَّهار. وهو قول ابن عباس - رضي الله عنه - وابن عمر، وجابر، وعطاء، وقتادة، ومجاهدٍ، والحسنِ، وأكثر التَّابعين - رضي الله عنهم -. روى الواحديُّ في "البسيط" عن جابر - رضي الله عنه - قال: طَعِمَ عندي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم خرجوا حين زالتِ الشمس؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : هذا حين دلكت الشَّمسُ . تفسير : ورُوِيَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : أتَانِي جِبْريلُ صلوات الله عليه لدُلوكِ الشَّمسِ، حينَ زَالتِ الشَّمْسُ؛ فصّلَّى بِي الظُّهْرَ . تفسير : وقال أهل اللغة: الدُّلوكُ في كلام العرب: الزَّوال، ولذلك قيل للشمس، إذا زالت نصف النهار: دالكة، وقيل لها، إذا أفلت: دالكة؛ لأنها في الحالتين زائلة، قاله الأزهريُّ. وقال القفال: أصلُ الدُّلُوك: الميل؛ يقال: مالتِ الشمس للزَّوال، ويقال: مالت للغُروب. وإذا ثبت ذلك، وجب أن يكون المراد من الدلوك ها هنا الزَّوال عن كبد السماء، لأنَّه تعالى علَّق إقامة الصلاة بالدُّلوك، والدُّلوك عبارة عن الميل والزَّوال؛ فوجب أن يقال: إنه أوَّل ما حصل الميل والزَّوال، تعلق به هذا الحكم. وقال الأزهريُّ: الأولى حمل الدلوك على الزوال في نصف النَّهار؛ لأنَّا إذا حملناه عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلِّها؛ فدلوك الشمس يتناول صلاة الظُّهر والعصر إلى غسق الليل، ثم قال: "وقُرْآن الفَجْرِ" وعلى هذا التقدير: يتناول المغرب والعشاء، وقرآن الفجر صلاة الفجر إذا حملناه على الغروب لم يدخل فيه إلا ثلاث صلوات، وهي المغرب والعشاء والفجر، وحمل كلام الله - تعالى - على ما يكون أكثر فائدة أولى، وأيضاً، فالقائلون به أكثر. القول الثاني: أنَّ الدُّلُوك: هو الغروب، وهو قول ابن مسعود، وبه قال إبراهيم النخعيُّ، ومقاتل بن حيَّان، والضحاك والسديُّ، وهو اختيار الفراء واحتج له بقول الشاعر: [الرجز] شعر : 3449- هَذا مُقامُ قَدمَيْ رَباحِ ذبَّبَ حتَّى دَلكَتْ بِرَاحِ تفسير : أي: غربت براحِ، وهي الشمسُ، وأنشد ابن قتيبة على ذلك قول ذي الرمَّة: [الطويل] شعر : 3450- مَصابِيحُ ليسَتْ باللَّواتِي تقُودهَا نُجومٌ ولا بالآفلاتِ الدَّوالكِ تفسير : أي: الغاربات. وهذا استدلالٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ الدُّلوك عبارة عن الميل والتغيُّر، وهو حاصل في الغروب، فكان الغروب نوعاً من أنواع الدُّلوك، فكان وقوعُ لفظ الدُّلوك على الغروب لا ينافي وقوعه على الزَّوال، كما أنَّ وقوع لفظ الحيوان على الإنسان لا ينافي وقوعه على الفرس. القول الثالث: أنه من الزَّوال إلى الغروب، قال الزمخشريُّ: "واشتقاقه من الدَّلكِ؛ لأنَّ الإنسانَ يدلكُ عينه عند النَّظر إليها" وهذا يفهم أنه ليس بمصدرٍ؛ لأنه جعله مشتقًّا من المصدرِ؛ واستدلُّوا بهذا على أنَّ الدُّلُوك هو الغروب، قالوا: وهذا إنما يصحُّ في الوقت الذي يمكن النَّظر إليها، أما عند كونها في وسط السَّماء، ففي ذلك الوقت لا يمكن النَّظر إليها، فثبت أن الدلوك هو الغروب. والجواب: أنَّ الحاجة إلى ذلك التبيين عند كونها في وسط السَّماءِ أتمُّ، فالذي ذكرتم يدلُّ على أنَّ الدُّلوك عبارةٌ عن الزَّوال من وسط السَّماء؛ بطريق الأولى. وقال الراغب: "دُلوكُ الشمسِ: ميلها للغروب، وهو من قولهم: دَلكْتُ الشَّمسَ: دفعتها بالرَّاح، ومنه: دَلكتُ الشيء في الرَّاحةِ، ودلكتُ الرَّجلَ: ماطلته، والدَّلوكُ: ما دلكته من طيبٍ، والدَّليكُ: طعامٌ يتَّخذُ من زبدٍ وتمرٍ". قوله: {إِلَىٰ غَسَقِ ٱلْلَّيْلِ} في هذا الجارِّ وجهان: أحدهما: أنه متعلقٌ بـ "أقِمْ" فهي لانتهاءِ غاية الإقامة، وكذلك اللام في "لِدُلوكِ" متعلقة به أيضاً. والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من "الصَّلاة" أي: أقمها ممدودة إلى غسق الليل، قاله أبو البقاء، وفيه نظر: من حيث إنه قدَّر المتعلق كوناً مقيداً، إلا أن يريد تفسير المعنى، لا الإعراب. والغسقُ: دخول أوَّل الليل، قاله ابن شميلٍ، وأنشد: [الرجز] شعر : 3451- إنَّ هذا اللَّيلَ قد غَسقَا واشْتكيتُ الهَمَّ والأرقَا تفسير : وقيل:هو سواد الليل، وظلمتهُ، وأصله من السَّيلان: غسقتِ العينُ، أي: سال دمعُها، فكأنَّ الظُّلمَة تنصبُّ على العالم، وتسيلُ عليهم؛ قال: [البسيط] شعر : 3452- ظَلَّتْ تَجودُ يَداهَا وهي لاهِيَةٌ حتَّى إذَا هَجَمَ الإظلامُ والغَسقُ تفسير : ويقال: غَسقتِ العينُ: امتلأتْ دمعاً، وغسق الجرحُ: امتلأ دماً؛ فكأنَّ الظُّلمةَ ملأتِ الوجود. وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: الغَسقُ: بُدُوُّ اللَّيْل وقال قتادة: وقتُ صلاة المغرب. وقال مجاهدٌ: غروب الشَّمس. والغاسقُ في قوله: {أية : وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ} تفسير : [الفلق: 3] قيل: المراد به: القمر، إذا كسف، واسودَّ. قال - صلوات الله وسلامه عليه - لعائشة - رضي الله عنها - حين رأتْ كسوف القمر: "حديث : اسْتعِيذِي مِنْ شرِّ الغَاسقِ إذَا وَقبَ ". تفسير : وقيل: اللَّيل، والغساقُ، بالتخفيف، والتشديد: ما يسيلُ من صديد أهل النار، ويقال: غَسقَ اللَّيلُ، وأغسقَ، وظَلمَ، وأظْلمَ، ودَجَى، وأدْجَى، وغَبشَ، وأغْبشَ، نقله الفراءُ. فصل في معنى الغسق قال الأزهريُّ: غسق الليل عندي: غيبوبة الشفق عند تراكم الظلمة، واشتدادها، يقال: غسقتِ العين، إذا امتلأت دمعاً، وغسقت الجراحة: إذا امتلأت دماً. قال: لأنَّا إذا حملنا الشَّفق على هذا المعنى، دخلت الصَّلوات الأربعة فيه، وهي الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ولو حملنا الغسق على ظهور أوَّل الظُّلمة، لم يدخل فيه الظهر والعصر؛ فوجب أن يكون الأول أولى. واعلم أنَّه يتفرَّع على هذين الوجهين بحثٌ حسنٌ؛ فإن فسَّرنا الغسق بظهور أوَّل الظلمة، كان الغسق عبارة عن أوَّل المغرب، وعلى هذا: يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقاتٍ: وقت الزَّوال، ووقت أوَّل المغرب، ووقت الفجر، وهذا يقتضي أن يكون الزوال: وقتاً للظُّهر والعصر، فيكون هذا الوقت مشتركاً بين هاتين الصلاتين، وأن يكون أوَّل وقت المغرب وقتاً للمغرب والعشاء، فيكون هذا الوقت مشتركاً أيضاً بين هاتين الصلاتين، فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء مطلقاً، إلا أنَّه دلَّ الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذرٍ لا يجوز؛ فوجب أن يكون الجمع جائزاً مع العذر. وإذا فسَّرنا الغسق بالتراكم، فنقول: الظلمة المتراكمة، إنَّما تحصل عند غيبوبة الشَّفق الأبيض، وكلمة "إلى" لانتهاءِ الغاية، والحكم الممدود إلى غاية يكون مشروعاً قبل حصول تلك الغاية؛ فوجب إقامةُ الصلوات كلِّها قبل غيبوبة الشَّفق الأبيض، وهذا إنَّما يصحُّ إذا قلنا: إنَّها تجبُ عند غيبوبة الشَّفق الأحمر. قوله تعالى: {وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ} فيه أوجه: أحدها: أنه عطف على "الصَّلاة" أي: وأقم قرآن الفجرِ، والمراد به صلاة الصبح، عبَّر عنها ببعض أركانها. والثاني: أنه منصوبٌ على الإغراء، أي: وعليك قرآن الفجرِ، كذا قدَّره الأخفش وتبعه أبو البقاء، وأصول البصريِّين تأبى هذا؛ لأن أسماء الأفعال لا تعمل مضمرة. الثالث: انه منصوب بإضمار فعلٍ، أي: كثِّر قرآن، أو الزم قرآن الفجرِ. فصل في دلالة الآية دلَّت هذه الآية على أمور: منها: أنَّ الصلاة لا تكون إلا بقراءة؛ لقوله تعالى: {أَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ}. ومنها: أنه تعالى أضاف القرآن إلى الفجر، و التقدير: وأقم قرآن الفجرِ. ومنها: أنه علَّق القراءة بحصول الفجر، وفي أوَّل طلوع الصُّبح قد حصل الفجر؛ لأنَّ الفجر سمِّي فجراً؛ لانفجار ظلمة الليل عن نور الصَّباح، وظاهر الأمر الوجوب، فاقتضى هذا اللفظ وجوب إقامة صلاة الفجر من أوَّل طلوعه، إلاَّ أنَّ الإجماع على أنَّ هذا الوجوب غير حاصل؛ فوجب أن يبقى على النَّدب؛ لأنَّ الوجوب عبارةٌ عن رجحانٍ مانعٍ من التَّرك، فإذا منع مانع من تحقُّق الوجوب، وجب أن يرتفع المنع من التَّرك، وأن يبقى أصل الرُّجحان؛ حتَّى تنقل مخالفة الدليل؛ فثبت أنَّ هذه الآية تقتضي أنَّ إقامة الفجر في أوَّل الوقت أفضل؛ وهذا يدلُّ على أن التغليس أفضل من التَّنوير. ومنها أن القراءة تكون في هذه الصلاة أطول من القراءة في سائر الصلوات؛ لأنَّ المقصود من قوله تعالى: {وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} الحثُّ على طول القراءة في هذه الصلاة؛ لأن التخصيص بالذِّكر يدلُّ على أنه أكملُ من غيره. ومنها: قوله تعالى: {إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً}. ومعناه: أنَّ ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصُّبح خلف الإمام، تنزلُ ملائكة النَّهارعليهم، وهم في الصَّلاة؛ قبل أن تعرج ملائكة اللَّيل، وإذا فرغ الإمام من الصلاة، عرجت ملائكة الليل، ومكثت ملائكة النَّهار، ثمَّ إن ملائكة الليل إذا صعدت، قالت: يا ربِّ، إنَّا تركنا عبادك يصلُّون لك، وتقول ملائكة النَّهارِ: ربَّنا، أتينا عبادك يصلُّون لك، فيقول الله تعالى لملائكته: اشهدوا أنِّي قد غفرت لهم. وهذا يدل على أنَّ التغليس أفضل من التنوير، لأنَّ الإنسان، إذا شرع فيها من [أوَّل] الصُّبح، ففي ذلك الوقت: الظلمة باقية، فتكون ملائكة الليل حاضرين، ثمَّ إذا امتدَّت الصلاة بسبب ترتيل القراءة، وتكثيرها، زالت الظلمة، وظهر الضوء، وحضرت ملائكةُ النهار، وأمَّا إذا ابتدأ بهذه الصلاة في وقت التَّنوير، فهناك لم يبق أحدٌ من ملائكة الليل؛ فلا يحصل المعنى المذكور، فقوله جلَّ ذكره: {كَانَ مَشْهُوداً}. يدلُّ على أنَّ التغليس أفضلُ. قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ}: في "مِنْ" هذه وجهان: أحدهما: أنها متعلقة بـ "تَهجَّد" أي: تهجَّد بالقرآن بعض الليل. والثاني: أنها متعلقة بمحذوفٍ، تقديره: وقم قومة من الليل، أو: واسهر من الليل، ذكرهما الحوفيُّ، وقال الزمخشريُّ: "وعليك بعض الليل، فتهجَّد به" فإن كان أراد تفسير المعنى، فقريبٌ، وإن أراد تفسير الإعراب، فلا يصحُّ؛ لأنَّ المغرى به لا يكون حرفاً، وجعله "مِنْ" بمعنى "بعضٍ" لا يقتضي اسميَّتها؛ بدليل أنَّ واو "مَعَ" ليست اسماً بإجماع، وإن كانت بمعنى اسمٍ صريحٍ وهو "مَعَ". والضمير في "به": الظاهر: عوده على القرآن؛ من حيث هو، لا بقيد إضافته إلى الفجر. والثاني: أنها تعود على الوقت المقدر، أي: وقُم وقتاً من الليل، فتهجَّد بذلك الوقت، فتكونُ الباء بمعنى "في". قوله "نَافِلةً" فيها أوجه: أحدها: أنها مصدرٌ، أي: تنفَّل نافلة لك على الصَّلوات المفروضة. والثاني: أنها منصوبة بـ "تهجَّد" لأنه في معنى "تنفَّل" فكأنه قيل: تنفَّل نافلة، والنَّافلةُ، مصدر؛ كالعاقبة، والعافية. الثالث: أنها منصوبة على الحال، أي: صلاة نافلةٍ، قاله أبو البقاء، وتكون حالاً من الهاء في "به" إذا جعلتها عائدة على القرآن، لا على وقتٍ مقدر. الرابع: أنها منصوبة على المفعول بها، وهو ظاهر قولِ الحوفيِّ، فإنه قال: "ويجوز أن ينتصب "نَافلةً" بتهجَّد، إذا ذهبت بذلك إلى معنى: صلِّ به نافلة، أي: صلِّ نافلة لك". والتهَجُّدُ: ترك الهجود، وهو النُّومُ، "وتفَعَّل" يأتي للسَّلب، نحو: تحرَّج، وتأثَّم، وفي الحديث: "حديث : كَان يتحَنَّثُ بغارِ حراءٍ" تفسير : وفي الهجودِ خلافٌ بين أهل اللغة، فقيل: هو النَّومُ؛ قال: [الطويل] شعر : 3453- وبَرْك هُجودٍ قد أثَارتْ مَخافتِي ................. تفسير : وقال الآخر: [الطويل] شعر : 3454- ألا طَرقَتْنَا والرِّفاقُ هُجودُ ................... تفسير : وقال آخر: [الوافر] شعر : 3455- ألا زَارتْ وأهْلُ منًى هجودُ وليْتَ خَيالهَا بِمِنًى يَعودُ تفسير : فَهجودٌ: نيامٌ، جمع "هاجدٍ" كساجد، وسجُودٍ، وقيل: الهجود: مشتركٌ بين النَّائم والمصلِّي، قال ابن الأعرابي: "تهجَّد: صلَّى من الليل، وتهجد: نام" وهو قول أبي عبيدة والليث - رحمهما الله تعالى -. قال الواحديُّ: الهُجودُ في اللغة: النومُ، وهو كثيرٌ في الشِّعر. يقال: أهجدتُّه وهجدتُّه، أي: أنَمْتهُ ومنه قول لبيد [الرمل] شعر : 3456- قَالَ: هَجِّدْنَا فَقدْ طَالَ السُّرَى ........................... تفسير : كأنه قال: نوِّمنا؛ فقد طال السُّرى؛ حتى غلب علينا النَّوم، وقال الأزهري: المعروف في كلام العرب: أنَّ الهاجد هو النَّائم، ثم رأينا في الشَّرع أنَّ من قام إلى الصَّلاة من النَّوم يسمَّى هاجداً أي متهجِّداً؛ فيحمل هذا على أنَّه سمِّي متهجّداً؛ لإلقائه الهُجُود عن نفسه؛ كما ياقل للعابد: "مُتحَنِّثٌ"؛ لإلقائه الحنث عن نفسه، وروي أن الحجَّاج بن عمرٍو المازنيَّ قال: أيَحسبُ أحدكم، إذا قام من اللَّيلِ، فصلَّى حتَّى يصبح أنَّه قد تهجَّد، إنَّما التهجُّد الصلاة بعد الرقاد، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، هكذا كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم دائماً عليه. والنافلةُ في اللغة: الزيادة على الأصل، وقد تقدَّم في الأنفال، وفي تفسير كونها زيادة ها هنا قولان مبنيَّان على أنَّ صلاة الليل، هل كانت واجبة على النبيِّ صلى الله عليه وسلم أم لا؟. فقيل: إنَّها واجبة عليه؛ لقوله سبحانه وتعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ قُمِ ٱلْلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [المزمل: 1، 2] ثم نسخت، فصارت نافلة، أي: تطوُّعاً وزيادة على الفرائض. وذكر مجاهد والسدي في تفسير كونها نافلة وجهاً حسناً، قالا: إنَّ الله قد غفر للنبيِّ صلى الله عليه وسلم ما تقدَّم من ذنبه، وما تأخَّر، فكلُّ طاعةٍ يأتي بها صلى الله عليه وسلم سوى المكتوبةِ لا تؤثر في كفَّارة الذنب، بل تؤثر في زيادة الدَّرجاتِ، وكثرة الثَّواب؛ فكان المقصود من تلك العبادة زيادة الثواب، فلهذا سمِّي نافلة؛ بخلاف الأمة؛ فإنَّ لهم ذنوباً محتاجة إلى التكفير، فهذه الطاعة يحتاجون إليها؛ لتكفير السَّيئات عنهم؛ فثبت أنَّ هذه الطاعات إنَّما تكون زوائد ونوافل في حقِّ النبي صلى الله عليه وسلم لا في حقِّ غيره، فلهذا قال: "نَافلةً لكَ"، فهذا معنى يخصِّصهُ. وأمَّا من قال: إنَّ صلاة الليل كانت واجبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: معنى كونها نافلة له على التخصيص، يعني: أنَّها فريضةٌ لك، زائدة على الصَّلوات الخمس، خصِّصت بها من دون أمَّتك؛ ويدلُّ على هذا القولِ قوله تعالى: {فَتَهَجَّدْ} والأمر للوجوب، ويرد هنا قوله: {نَافِلَةً لَّكَ]، لأنَّه لو كان المراد الوجوب، لقال: "نَافِلةً عليك". واعلم أنَّ قوله تعالى: {أَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلْلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ} وإن كان ظاهر الأمر فيه مختصًّا بالرسول - صلوات الله عليه وسلامه - إلا أنَّه في المعنى عامٌّ في حقِّ الأمَّة؛ ويدلُّ عليه قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} بيَّن أن الأمر بالتهجد يختصُّ بالرسول - صلوات الله وسلامه عليه - والأمر بالصَّلوات الخمس غير مخصوصٍ بالرسول - صلوات عليه - وإلاَّ لم يكن لتقييد المر بالتهجُّد بهذا القيد فائدةٌ. قوله تعالى: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} في نصب "مقاماً" أربعة أوجه: أحدها: أنه منصوبٌ على الظرف، أي: يبعثك في مقام. الثاني: أن ينتصب بمعنى "يَبْعثكَ"؛ لأنه في معنى "يُقِيمكَ"؛ يقال: أقيم من قبره، وبعث منه، بمعنًى، فهو نحو: قعد جلوساً. الثالث: أنه منصوبٌ على الحال، أي: يبعثك ذا مقامٍ محمود. الرابع: أنه مصدر مؤكد، وناصبه مقدر، أي: فيقوم مقاماً. و "عَسَى" على الأوجه الثلاثة دون الرابع يتعيَّن فيها أن تكون التامة؛ فتكون مسندة إلى "أنْ" وما في حيِّزها؛ إذ لو كانت ناقصة على أن يكون "أنْ يَبْعثكَ" خبراً مقدَّماً، و "ربُّكَ" اسماً مؤخراً؛ لزمَ من ذلك محذورٌ: وهو الفصل بأجنبي بين صلة الموصول ومعمولها، فإنَّ "مَقاماً" على الأوجه الثلاثة الأول: منصوبٌ بـ "يَبْعثكَ"، وهو صلة لـ "أنْ"، فإذا جعلت "ربُّكَ" اسمها، كان أجنبيًّا من الصلة، فلا يفصل به، وإذا جعلته فاعلاً، لم يكن أجنبيًّا، فلا يبالي بالفصل به. وأمَّا على الوجه الرابع: فيجوز أن تكون التامة والناقصة بالتقديم والتأخير؛ لعدم المحذور؛ لأنَّ "مقاماً" معمولٌ لغير الصلة. وقوله: "محموداً" في انتصابه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على الحال من قوله: يَبْعثكَ، أي: يبعثك محموداً. والثاني: أن يكون نعتاً للمقام. فصل في معنى "عسى" من الله اتفق المفسرون على أنَّ كلمة "عَسَىٰ" من الله واجبٌ. قال أهل المعاني: لأنه لفظ يفيد الإطماع، ومن أطمع إنساناً في شيء، ثم حرمه، كان عاراً، والله تعالى أكرم من أن يطمع واحداً في شيء، ثم لا يعطيه. وفي تفسير المقام المحمود أربعة أقوالٍ: الأول: أنه الشَّفاعة. قال الواحدي: أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية: "هو المقام الذي أشفعُ لأمَّتِي فيه". قال ابن الخطيب: واللفظ مشعر به؛ لأنَّ الإنسان إنما يصير محموداً إذا حمده حامدٌ، والحمد، إنما يكون على الإنعام، فهذا المقام المحمود يجب أن يكون مقاماً أنعم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم، فحمدوه على ذلك الإنعام، وذلك الإنعام لا يجوز أن يكون تبليغ الدِّين، وتعليم الشرائع؛ لأنَّ ذلك كان حاصلاً في الحال، وقوله: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ} تطميعٌ، وتطميع الإنسان في الشيء الذي حصل له وعده محالٌ؛ فوجب أن يكون ذلك الإنعام الذي لأجله يصير محموداً إنعاماً يصل منه بعد ذلك إلى النَّاس، وما ذاك إلاَّ شفاعته عند الله تعالى. وأيضاً: التنكيرُ في قوله: {مَقَاماً مَّحْمُوداً} يدل على أنه يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المقامِ حمدٌ بالغٌ عظيمٌ كاملٌ، ومن المعلوم أنَّ حمد الإنسان على سعيه في التخليص من العذاب أعظم من حمده في السَّعي في زيادة الثَّواب؛ لأنَّه لا حاجة به إليها؛ لأنَّ حاجة الإنسان في رفع الآلام العظيمة عن النَّفس فوق احتياجه إلى تحصيل المنافع الزائدة التي لا حاجة به إلى تحصيلها، وإذا ثبت هذا، وجب أن يكون المراد من قوله تعالى: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} هو الشَّفاعة في إسقاط العقاب؛ على ما هو مذهب أهل السنة. ولمَّا ثبت أن لفظ الآية مشعرٌ بهذا المعنى إشعاراً قويًّا، ثم وردت الأخبار الصحيحة في تقرير هذا المعنى، وجب حمل اللفظ عليه، ومما يؤكِّد ذلك الدعاء المشهور عنه في إجابة المؤذِّن: "وابعثه المقام المحمود الذي وعدته". واتَّفق النَّاس على أنَّ المراد منه الشَّفاعة. والقول الثاني: قال حذيفة: يجمع الناس في صعيدٍ، فلا تتكلَّم نفسٌ، فأوَّل من يتكلَّم محمدٌ - صلوات الله وسلامه عليه - فيقول: لَبَّيكَ، وسَعْديْكَ، والشَّرُّ ليس إليك، والمهديُّ من هَديْتَ، والعَبْدُ بين يَديْكَ، وبِكَ وإلَيْكَ، لا مَنْجَى ولا مَلْجَأ مِنْكَ إلاَّ إليكَ، تَباركتَ، وتَعاليْتَ، سُبحانَكَ ربَّ البيتِ". قال: فهذا هو المراد من قوله عزَّ وجلَّ: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً}. والقول الأول أولى؛ لأنَّ سعيه في الشَّفاعة يفيد إقدام الناس على حمده، فيصير محموداً، وأمَّا ذكر هذا الدعاء، فلا يفيد إلا الثواب، أمَّا الحمد، فلا. فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال: إنَّه تعالى يحمده على هذا القول؟. فالجواب: أنَّ الحمد في اللغة: مختصٌّ بالثناءِ المذكور في مقابلة الإنعام بلفظٍ، فإن ورد لفظ "الحمد" في غير هذا المعنى، فعلى سبيل المجاز. القول الثالث: المراد مقامٌ تحمد عاقبته، وهذا ضعيفٌ؛ لما ذكرنا. القول الرابع: قال الواحديُّ - رحمه الله -: روي عن ابن عبَّاس - رضي الله عنه - أنه قال: يقعدُ الله محمداً على العرشِ، وعن مجاهد أنَّه قال: يجلسه معه على العرشِ. قال الواحدي: وهذا قولٌ رذلٌ موحشٌ فظيعٌ، ونص الكتاب يفسد هذا التفسير من وجوه: الأول: أن البعث ضدُّ الإجلاس، يقال: بعثتُ النَّاقة، وبعث الله الميت، أي: أقامه من قبره، فتفسير البعث بالإجلاس تفسير الضدِّ بالضدِّ؛ وهو فاسدٌ. والثاني: أنه تعالى، لو كان جالساً على العرشِ، بحيث يجلس عنده محمد - صلوات الله وسلامه عليه - لكان محدوداً متناهياً، ومن كان كذلك، فهو محدثٌ. الثالث: أنه تعالى قال: {مَقَاماً مَّحْمُوداً} ولم يقل: مقعداً، والمقام: موضع القيام، لا موضع القعود. الرابع: أن جلوسه مع الله على العرش ليس فيه كثير إعزازٍ؛ لأن هؤلاء الحمقاء يقولون: إنَّ أهل الجنة كلهم يجلسون معه ويرونه، وإنه تعالى يسألهم عن أحوالهم التي كانوا عليها في الدنيا، وإذا كانت هذه الحالة حاصلة عندهم لكلِّ المؤمنين، لم يكن في تخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بذلك مزيد شرفٍ ومرتبةٍ. الخامس: أنه إذا قيل: السلطان بعث فلاناً، فهم منه أنَّه أرسله لإصلاح مهماتهم، ولا يفهم أنه أجلسه مع نفسه؛ فثبت أن هذا القول كلام رذلٌ، لا يميل إليه إلاَّ قليل العقل، عديم الدِّين.

ابو السعود

تفسير : {أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} لزوالها كما ينبىء عنه قولُه عليه الصلاة والسلام: « حديث : أتاني جبريلُ عليه السلام لدُلوك الشمس حين زالت فصلّى بـي الظهرَ »تفسير : . واشتقاقُه من الدّلْك لأن من نظر إليها حينئذ يدُلك عينه، وقيل: لغروبها من دلَكَت الشمس أي غربت، وقيل: أصلُ الدلوك الميلُ فينتظم كِلا المعنيـين، واللامُ للتأقيت مِثلُها في قولك: لثلاثٍ خلَوْن {إِلَى غَسَقِ ٱلَّيْلِ} إلى اجتماع ظلمتِه وهو وقتُ صلاةِ العِشاء، وليس المرادُ إقامتَها فيما بـين الوقتين على وجه الاستمرارِ بل إقامةَ كل صلاةٍ في وقتها الذي عُيِّن لها ببـيان جبريلَ عليه السلام، كما أن أعدادَ ركعاتِ كل صلاةٍ موكولةٍ إلى بـيانه عليه السلام، ولعل الاكتفاءَ ببـيان المبدأ والمنتهىٰ في أوقات الصلواتِ من غير فصل بـينها لما أن الإنسانَ فيما بـين هذه الأوقاتِ على اليقظة فبعضُها متصلٌ ببعض بخلاف أولِ وقتِ العشاءِ والفجرِ، فإنه باشتغاله فيما بـينهما بالنوم ينقطع أحدُهما عن الآخر ولذلك فُصل وقتُ الفجر عن سائر الأوقات، وقيل: المرادُ بالصلاة صلاةُ المغرب، والتحديدُ المذكور بـيانٌ لمبدئه ومنتهاه واستُدِل به على امتداد وقتِه إلى غروب الشفق، وقوله تعالى: {وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ} أي صلاةَ الفجر نُصب عطفاً على مفعول أقم أو على الإغراء قاله الزجّاج، وإنما سُمِّيت قرآنا لأن رُكنُها كما تُسمّى ركوعاً وسجوداً واستُدل به على الركنية، ولكن لا دِلالةَ له على ذلك لجواز كونِ مدارِ التجوز كونَ القراءة مندوبةً فيها. نعم لو فُسّر بالقراءة في صلاة الفجر لدل الأمرُ بإقامتها على الوجوب فيها نصاً وفيما عداها دِلالةً، ويجوز أن يكون (وقرآنَ الفجر) حثًّا على تطويل القراءةِ في صلاة الفجر {إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ} أظهر في مقام الإضمارِ إبانةً لمزيد الاهتمامِ به {كَانَ مَشْهُودًا} يشهده ملائكةُ الليل وملائكةُ النهار أو شواهدُ القدرة من تبدُّل الضياء بالظلمة والانتباهِ بالنوم الذي هو أخو الموتِ، أو يشهده كثيرٌ من المصلين أو من حقه أن يشهَده الجمُّ الغفيرُ فالآيةُ ـ على تفسير الدُّلوك بالزوال ـ جامعةٌ للصلوات الخمس، وعلى تفسيره بالغروب لِما عدا الظهرَ والعصر. {وَمِنَ ٱلَّيْلِ} قيل: هو نصبٌ على الإغراء أي الزمْ بعضَ الليل، وقيل: لا يكون المُغْرىٰ به حرفاً ولا يجدي نفعاً كونُ معناها التبعيضَ، فإن واو مع ليست اسماً بالإجماعِ وإن كانت بمعنى الاسمِ الصريحِ بل هو منصوبٌ على الظرفية بمضمر أي قم بعضَ الليل {فَتَهَجَّدْ بِهِ} أي أزِلْ وألقِ الهجودَ أي النوم فإن صيغةَ التفعّل تجيء للإزالة كالتحرّج والتحنّث والتأثّم ونظائرِها، والضميرُ المجرورُ للقرآن من حيث هو لا بقيد إضافتِه إلى الفجر أو البعضِ المفهوم من قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلَّيْلِ}، أي تهجد في ذلك البعضِ على أن الباء بمعنى في، وقيل: منصوبٌ بتهجد أي تهجدْ بالقرآن بعضَ الليل على طريقة وإياي فارهبون {نَافِلَةً لَّكَ} فريضةً زائدةً على الصلوات الخمسِ المفروضةِ خاصةً بك دون الأمة ولعله هو الوجهُ في تأخير ذكرِها عن ذكر صلاةِ الفجر مع تقدم وقتها على وقتها أو تطوعاً، لكن لا لكونها زيادةً على الفرائض بل لكونها زيادةً له صلى الله عليه وسلم في الدرجات على ما قال مجاهد والسدي، فإنه عليه السلام مغفورٌ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيكون تطوعُه زيادةً في درجاته بخلاف من عداه من الأمة فإن تطوعَهم لتكفير ذنوبهم وتدارُكِ الخللِ الواقعِ في فرائضهم، وانتصابُها إما على المصدرية بتقدير تنفّلْ أو بجعل تهجدْ بمعناه أو بجعل نافلةً بمعنى تهجداً فإن ذلك عبادةٌ زائدةٌ، وإما على الحالية من الضمير الراجعِ إلى القرآن أي حالَ كونها صلاةً نافلةً، وإما على المفعولية لتهجّدْ إذا جُعل بمعنى صلِّ وجعل الضميرُ المجرور للبعض، أي فصلِّ في ذلك البعضِ نافلةً لك. {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ} الذي يبلّغك إلى كمالك اللائقِ بك من بعد الموت الأكبرِ كما انبعثْتَ من النوم الذي هو الموتُ الأصغرُ بالصلاة والعبادة {مَقَاماً} نُصب على الظرفية على إضمار فيقيمَك، أو تضمين البعثِ معنى الإقامة إذ لا بد من أن يكون العاملُ في مثل هذا الظرفِ فعلاً فيه معنى الاستقرارِ، ويجوز أن يكون حالاً بتقدير مضافٍ أي يبعثك ذا مَقام {مَّحْمُودًا} عندك وعند جميعِ الناس، وفيه تهوينٌ لمشقة قيامِ الليل. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : المقامُ المحمودُ هو المقامُ الذي أشفع فيه لأمتي » تفسير : وعن ابن عباس رضي الله عنهما: مقاماً يحمَدُك فيه الأولون والآخرون وتُشرف فيه على جميع الخلائق تسأل فتُعطىٰ وتشفع فتُشفّع ليس أحدٌ إلا تحت لوائِك. وعن حذيفةَ رضي الله عنه: " حديث : يُجْمَعُ الناسُ في صَعيدٍ واحد فلا تتكلم فيه نفسٌ، فَأَوَّلُ مَدْعُوَ محمدٌ صلى الله عليه وسلم فيقولُ: "لبّـيكَ وسَعْدَيْكَ والشرُّ ليسَ إليكَ والمَهْديُّ من هَدَيْتَ وعبدُكَ بـين يديك وبك وإليك لا ملجأ ولا منجا منكَ إلا إليكَ تباركتَ وتعاليتَ سبحانك ربَّ البـيت".

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} [الآية: 78]. قال بعضهم: القيام فى أوقات الأسحار مشهود من صاحبه وشاهد عليه.

القشيري

تفسير : الصلاةُ قَرْعُ باب الرزق. والصلاةُ الوقوفُ في محل المناجاة. والصلاةُ اعتكافُ القلبِ في مشاهد التقدير. ويقال هي الوقوف على بساط النجوى. وفَرَّقَ أوقات الصلاة ليكون للعبد عَوْدٌ إلى البساط في اليوم والليلة مراتٍ. {إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً}: تشهده ملائكة الليل والنهار - على لسان العلم. وأَمَّا على لسان القوم فإن قرآن الصبح - الذي هو وقت إتيانه - يُبْعِدُ منَ النومِ وكَسَلِ النفس فله هذه المزية.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلْلَّيْلِ} اذا دلكت الشمس من قهر الجبارية فسجد فى دلوكها لانوار عظمة الجبار فى تلك الساعة فامره بسجوده والقيام بين يديه موافقة للشمس فى سجودها لخالقها عند كشف عظمته فان تلك الوقت وقت خاصة لكشف العظمة وهكذا فى وقت العصر فكانها فى وقت دلوكها فى الركوع وفى وقت العصر فى السجود الى وقت غروبها فاذا غربت وجاءت غسق الليل ثم هناك غلبة سطوات العظمة فيسجد له الليل وتدور النجوم فى سجودها الى وقت الفجر فاذا طلع الفجر سجد له عمود الصبح الذى لم يكن من الليل والنهار وفى ذلك الوقت طلوع صبح الجمال والجلال وهناك يسجدون له الارواح والاجسام لغلبة روح بدسه وانسه عليها وهناك شهود الحق بوصف صفاته الا ترى كيف قال {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} الشاهد ذاته والمشهود صفاته وهذه الاوقات يدل على الاخبار بحفظ الاوقات على السرمدية وحضوب القلب فى مشاهد الغيوب قال بعضهم القيام فى بعض الاسحار مشهودة من صاحبه وشاهدة عليه وقال الاستاد الصلاة بالبدن موقتة والمواصلات بالسر والقلب مسرمدة فاذا فرغ من حفظ اوقات الليل والنهار على حبيبه بيديه المكاشفات الصفاتية حفظ ايضا وقت كشوف جلال ذاته بقوله {وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} المقصود من تهجد الليل كشف جمال ذاته للمصلين فى جوف الليل وذلك المقام المحمود وعسى ههنا مقام الرجاء ينكشف انوار جلال ذاته لقلوب العارفين العاشقين فى اجو اجواف الليل التى هناك تسكب عبراتهم وتصعق زفراتهم يرونه به لا بتمجدهم === الى مقامات الانس لكشف القدس فاذا بعثوا هنالك ينسون انفسهم ويتضرعون بين يديه فيبكون عليه ويسالون عنه رحمته الكافية الكافة قال عليه السّلام ان الله سبحانه يضحك فى وجوه المصلين فى جوف الليل قال الاستاد المقام المحمود هو المجالسة فى حال الشهود ويقال هو الشفاعة لاهل الكبائر ثم علمه دعاء الوسيلة منه اليه بقوله {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} اى ادخلنى فى بحر قدمك بنعت الفناء والتجريد عن غيرك وصدق المحبة لان هناك مدخل الصدق حيث لا يبقى منى شئ غيرك واخرجنى بحر الفناء بنعت البقاء حتى اكون نباقيا معك فى مشاهدتك فان هناك مخرج صدق حيث لا يبقى معى غيرك والبنى من انوار سلطان عزتك قميص الاستقامة حتى لا اكون فانيا فيك وهذا معنى قوله {وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً} وايضا ادخلنى مدخل صدق العبودية واخرجنى مخرج صدق الربوبية واجعل لى من لدنك قوة الاتصاف والاتحاد من سلطان كبريائك قال سهل ادخلنى فى تبليغ الرسالة مدخل صدق ان لا يكون لى ميل الى احد ولا اقصّر فى حدود التبليغ وشروط واخرجنى من ذلك على السّلامة وطلب رضاك منه والموافقة واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا زينتى بزينة جبروتك ليكون الغالب على سلطان الحق لا سلطان الهوى قال جعفر بن محمد عليهما السّلام ادخلنى فيها على حد الرضا واخرجنى عنها وانت عنى راض وقال ايضا طلب التولية ان يكون هو المتولى اى ادخلنى ميدان معرفتك واخرجنى من مشاهدة المعرفة الى مشاهدة الذات وقال الواسطى قال المُعلّى فى شرفه يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم ادخلنى مدخل صدق واخرجنى مخرج صدق فاظهر محمد صفى الله عليه وسلم من نفسه صدق اللجا بصدق الفاقة بين يديه وبصدق اللجا تزينت الاسرار وقال فارس السلطان ههنا سلطانا على نفسه بقمع هواه فيزم جميعها بشاهد الهيبة فيهلك نفسه بسلطان الوحدانية وينصر على عدوه بحسن نظر الله له فى معاونته وحمله على رؤية هوله وقال سهل لسانا ينطلق عنك ولا ينطلق عن غيرك فاجاب الله دعوته وقال وما ينطق عن الهوى قال جعفر عليه السّلام حقيقة الفاقة صدق استقامة المدخل فاقة العبودية والمخرج سعة الربوبية وقال الاستاد ادخال الصدق ان يكون دخوله فى الاشياء بالله لله لا لغيره واخراج الصدق ان يكون خروجه عن الاشياء بالله لله لا لغيره واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا حتى لا الاحظ دخولى ولا خروجى فلما استقام النبى صلى الله عليه وسلم فى جميع المعانى امره الحق ان يخبر الخلق بان الحق قد ظهر ظهورا لا شكوك فيه وارتفع الابهام والظلام {وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} الحق الحق جل وعز والباطل الكون والحق العلم والباطل الجهل والحق المعرفة والباطل النفس والهوى والحق ما بدا من نور تجلى الحق والهامه والباطل هواجس النفس ووساوس الشيطان فاذا بدأ انوار سلطان بداهة المكاشفة تتمحى اثار النفس والقاء العدو وقال فارس الحق ما يحملك على سبيل الحقيقة والباطل ما يشق عليك امرك ويفرق عليك وقتك ويقال الحق من الخواطر ما دعى الى الله والباطل ما دعى الى غير الله ومن الحق ما جاء قوله سبحانه {وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} القران خطابه مع احبابه المرضى من سقم محبته ومن داء شوقه ومن برجاء عشقه ومن اثقال معرفته وعظم توحيده فالقرآن شفاء كل مريض منه ولكل واحد منهم شفاءه من حيث داءه فخطاب التشوق شفاء شوق الشائقين وخطاب المحبة شفاء محبة المحبين وخطاب المعرفة شفاء جرح قلوب العارفين وخطاب التوحيد شفاء آلام جراحته ارواح الموحدين فيسقيهم مفرح الصفات من تسنيم عيون تجلى الذات فيصحبهم من نوته الفراق بفنون الترياق وهو رحمة للمؤمنين من حيث الظواهر لاجل المعاملات ورحمة خاصة للعارفين من حيث الحالات قال الاستاد القرآن شفاء من داء الجهل للعلماء وشفاء من داء الشك للمؤمنين وشفاء من داء النكرة للعارفين وشفاء من لواعج الاشتياق للمحبين وشفاء من داء القنوط للمريدين والقاصدين وانشدوا شعر : وكتابك حولى لا يفارق مضجعى وفيها شفاء للذى انا كاتم

اسماعيل حقي

تفسير : {اقم الصلاة} ادمها {لدلوك الشمس} اى وقت زوالها او غروبها يقال دلكت الشمس دلوكا غربت او اصفرت ومالت او زالت عن كبد السماء كما فى القاموس {الى غسق الليل} الى ظلمته وهو وقت صلاة العشاء الاخيرة والغاسق الليل اذا غاب الشفق والمراد اقامة كل صلاة فى وقتها المعين لا اقامتها فيما بين الوقتين على الاستمرار {وقرآن الفجر} اى صلاة الفجر بالنصب عطفا على مفعول اقم او على الاغراء اى الزم وسميت قرآنا لانه ركنها كما تسمى ركوعا وسجودا فالآية تدل على تفسير الدلوك بالزوال جامعة للصلوات الخمس {ان قرآن الفجر كان مشهودا} يشهده ويحضره ملائكه الليل وملائكة النهار ينزل هؤلاء ويسعد هؤلاء فهو فى آخر ديوان الليل واول ديوان النهار. يعنى [رشتكان شب اورا مشاهده ميكنند ودر آخر ديوان اعمال شب ثبت مى نمايند وملائكهُ روز اورا مى بينند وافتتاح اعمال روز ثبت ميكنند] وفى وقت الصباح ايضا شواهد القدرة من تبدل الظلمة بالضياء والنوم الذى هو اخو الموت بالانتباه

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الدلوك: الميل. واشتقاقه من الدَّلْك؛ لأن من نظر إليها حينئذ يدلك عينه. واللام للتأقيت بمعنى: عند. و {قرآن}: عطف على {الصلاة}، أو منصوب بفعل مضمر، أي: اقرأ قرآن الفجر، أو على الإغراء. يقول الحقّ جلّ جلاله: {أقم الصلاةَ لدلُوكِ} أي: عند زوال {الشمس}، وهو إشارة إلى إقامة الصلوات الخمس، فدلوك الشمس: زوالها؛ وهو إشارة إلى الظهر والعصر، وغسق الليل: ظلمته، وهو إشارة إلى المغرب والعشاء، {وقرآنَ الفجر}؛ صلاة الصبح، وإنما عبَّر عن صلاة الصبح بقرآن الفجر؛ لأن القرآن يُقرأ فيها أكثر من غيرها؛ لأنها تُصلى بسورتين طويلتين، ثم مدحها بقوله: {إِنَّ قرآن الفجر كان مشهودًا}؛ تشهده ملائكةُ الليل وملائكة النهار، أو: يشهده الجم الغفير من المصلين، أو فيه شواهد القدرة؛ من تبدل الظلمة بالضياء، والنوم، الذي هو آخو الموت، بالانتباه. ثم أمر بقيام الليل فقال: {ومن الليل} أي: بعض الليل {فتهجدْ به} أي: اترك الهجود، الذي هو النوم فيه، للصلاة بالقرآن، {نافلةً لك} أي: فريضة زائدة لك على الصلوات الخمس، أو فريضة زائدة لك؛ لاختصاص وجوبها بك، أو نافلة زائدة لك على الفرائض؛ غير واجبة. وكأنه، لما أمر بالفرائض، أمر بعدها بالنوافل. وتطوعه - عليه الصلاة والسلام -؛ لزيادة الدرجات، لا لجبر خلل أو تكفير ذنب؛ لأنه مغفور له ما تقدم وما تأخر. و "من": للتبعيض، والضمير في "به": للقرآن. والتهجد: السهر، وهو: ترك الهجود، أي: النوم. فالتفعل هنا للإزالة؛ كالتأثم والتحرج، لإزالة الإثم والحرج. ثم ذكر ثوابه في حقه - عليه الصلاة والسلام - فقال: {عسى أنْ يبعثك ربك مقامًا محمودًا} عندك وعند جميع الناس، وهي: الشفاعة العظمى. وفيه تهوين لمشقة قيام الليل. رَوى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : المَقَام المحمُود هُوَ المَقَامُ الذي أَشْفَعُ فِيهِ لأمَّتِي"تفسير : . وقال ابن عباس رضي الله عنه: مقامًا محمودًا يحمده فيه الأولون والآخرون، ويشرف فيه على جميع الخلائق، يسأل فيُعطى، ويشفع فيُشَفَّع. وعن حذيفة: يُجْمع الناس في صعيد واحد، فلا تتكلم فيه نفس إلا بإذنه، فأول مدعو محمدٌ صلى الله عليه وسلم، فيقول: "حديث : لبيك وسعديك. والشر ليس إليك، والمَهدي من هديت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت"تفسير : . ثم يأذن له في الشفاعة. والله تعالى أعلم. وقال ابن العربي المعافري في أحكامه: واخْتُلِفَ في وجه كون قيام الليل سببًا للمقام المحمود على قولين، فقيل: إن البارئ تعالى يجعل ما يشاء من فضله سببًا لفضله، من غير معرفة منا بوجه الحكمة. وقيل: إن قيام الليل فيه الخلوة به تعالى، والمناجاة معه دون الناس، فيعطي الخلوة به والمناجاة في القيامة، فيكون مقامًا محمودًا، ويتفاضل فيه الخلق بحسب درجاتهم. وأجلُّهم فيه؛ درجةً: نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فيعطى من المحامد ما لم يُعط قبل، ويُشَفَّع فيَشْفَع. هـ. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: وقد يقال: إن ذلك مرتب على قوله: {أقم الصلاة...} الآية، ولا يخص بقيام الليل، والصلاةُ، مطلقًا مفاتحةٌ للدخول على الله ومناجاةٌ له، ولذلك جاء في حديث الشفاعة افتتاحه بأن "يخر ساجدًا حامدًا، فيؤذن حينئذ بالشفاعة". ومن تواضع رفعه الله. هـ. الإشارة: قوم اعتنوا بإقامة صلاة الجوارح، وهم: الصالحون الأبرار، وقوم اعتنوا بإقامة صلاة القلوب، التي هي الصلاة الدائمة، وهم العارفون الكبار، وقوم اعتنوا بسهر الليل في الركوع والسجود، وهم العباد والزهاد والصالحون، أولو الجد والاجتهاد. وقوم اعتنوا بسهره في فكرة العيان والشهود، وهم المقربون عند الملك الودود. الأولون يُوفون أجرهم على التمام بالحور والولدان، والآخرون يُكشف لهم الحجاب ويتمتعون بالنظر على الدوام، الأولون محبون، والآخرون محبوبون، الأولون يشفعون في أقاربهم ومن تعلق بهم، والآخرون قد يشفع واحد منهم في أهل عصره. وما ذلك على الله بعزيز. ولما أمره بالقيام بوظائف العبودية أمره بالتعلق في أموره عليها

الأعقم

تفسير : {أقم الصلاة لدلوك الشمس} دلكت الشمس غربت، ويروى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر" تفسير : فان كان الدلوك للزوال فالآية جامعة للصلوات الظهر والعصر {إلى غسق الليل} الغسق: الظلمة وهو وقت صلاة العشاء، قيل: هو خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد هو وغيره، وقيل: أراد أيها الانسان أو أيها السامع لدلوك الشمس الظهر والعصر، الى غسق الليل المغرب والعشاء {وقرآن الفجر... كان مشهوداً} أي صلاة الفجر، ويعني قرآناً للتأكيد والقراءة في الصلاة، وسميت قرآناً وهي القراءة، مشهوداً تشهده ملائكة الليل والنهار ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء أو يشهده الكثير من المصلين، أو من حقه أن يكون مشهوداً بالجماعة الكثيرة، ويجوز أن يكون {وقرآن الفجر} حثاً على طول القراءة في الفجر يسمع الناس القرآن وكثرة الثواب، وروي أن ملائكة الليل قالوا: فارقنا عبادك وهم يصلون وملائكة النهار قالوا: أتينا عبادك وهم يصلون، {ومن الليل فتهجّد به} وعليك ببعض الليل، والتهجد: التيقظ ولا يكون التهجد إلا بعد نوم عند اكثر المفسرين، وقيل: التهجد صلاة بعد رقدة، وقيل: بالقرآن والصلاة {نافلةً} عبادة زائدة {لك} على الصلوات الخمس وقيل: كرامة وعطية لك، وقيل: غنيمة لك فاغتنمها {عسى} من الله واجبٌ {أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} ومعنى المقام المحمود الذي يحمده القائم فيه وهو مطلق فيما كل ما يجب الحمد من أنواع الكرامات، وقيل: المراد الشفاعة، وعن ابن عباس: مقام يحمدك فيه الأولون والآخرون وتشرف فيه على جميع الخلائق تَسأل تُعطا وتَشفع تُشفع ليس أحد إلاّ تحت لوائك، وعن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي" تفسير : وعن حذيفة: يجتمع الناس في صعيد فلا يتكلم أحد، فأول مدعو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {وقل رب ادخلني} القبر {مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق} أي أخرجني منه عند البعث، وقيل: نزلت حين أمر بالهجرة يريد ادخال المدينة والاخراج من مكة، وقيل: ادخاله مكة واخراجه منها آمناً من المشركين، وقيل: ادخاله الغار واخراجه منه سالماً، وقيل: هو عام في كل ما يدخل فيه، قوله تعالى: {سلطاناً نصيراً} قوة وغلبة فنصر بالرعب، وقيل: هو فتح مكة {وقل جاء الحق} وهو الإسلام {وزهق الباطل} وهو الشرك، وقيل: جاء الحق وهو القرآن وزهق الباطل فبطل الشيطان، والزهوق: الهلاك والبطلان وننزل من القرآن الآية من للتبيين أي كل شيء ننزل من القرآن فهو شفاء للمؤمنين يزدادون به ايماناً، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله" تفسير : ولا يزداد به الكافرون {إلا خساراً}.

الهواري

تفسير : قوله: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} أي: لزوال الشمس من كبد السماء، يعني صلاة الظهر والعصر بعدها. { إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ} أي: بدو الليل واجتماعه وظلمته؛ صلاة المغرب عند بدو الليل، وصلاة العشاء عند اجتماع الليل وظلمته إذا غاب الشفق. ذكروا عن الحسن أنه قال: إن رسول الله حين جاء بالصلوات الخمس إلى قومه، خلّى عنهم حتى إذا زالت الشمس عن بطن السماء نودي فيهم: الصلاة جامعة، ففزعوا لذلك واجتمعوا، فصلّى بهم الظهر أربع ركعات لا يعلن فيهن القراءة، جبريل بين يدي نبي الله، ونبي الله بين أيدي الناس، يقتدي الناس بنبيّهم، ويقتدي نبيّ الله بجبريل. ثم خلّى عنهم حتى إذا تصوبت الشمس وهي بيضاء نقية نودي فيهم: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، فصلى بهم العصر أربع ركعات دون صلاة الظهر، لا يعلن فيهن القراءة؛ جبريل بين يدي نبي الله، ونبي الله بين أيدي الناس، يقتدي الناس بنبيهم، ونبي الله يقتدي بجبريل. ثم خلى عنهم، حتى إذا غابت الشمس نودي فيهم: الصلاة جامعة. فاجتمعوا فصلى بهم المغرب ثلاث ركعات، يعلن في الركعتين الأوليين، ولا يعلن في الركعة الآخرة. جبريل بين يدي نبي الله، ونبي الله بين أيدي الناس. يقتدي الناس بنبيهم، ويقتدي نبي الله بجبريل. ثم خلى عنهم حتى غاب الشفق وانقضى العَشاء نودي فيهم: الصلاة جامعة. فاجتمعوا؛ فصلى بهم العشاء أربع ركعات، يعلن في الركعتين الأوليين ولا يعلن في الآخرتين؛ جبريل بين يدي نبي الله، ونبي الله بين يدي الناس. يقتدي الناس بنبيهم ويقتدي نبي الله بجبريل. ثم بات الناس ولا يدرون أيزدادون على ذلك أم لا. حتى إذا طلع الفجر نودي فيهم الصلاة جامعة. فاجتمعوا فصلى بهم الصبح ركعتين أطالهما وأعلن فيهما بالقراءة. جبريل بين يدي نبي الله، ونبي الله بين أيدي الناس. يقتدي الناس بنبيهم ويقتدي نبي الله بجبريل. ذكروا أن عبد الله بن مسعود قال: والذي لا إله غيره إن هذه الساعة لميقات هذه الصلاة، يعني المغرب، ثم قال: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} يعني غروبها. أي: زوالها حين تغيب، في قول ابن مسعود. {إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ}. أي: مجيء الليل، والصلاة فيما بينهما. وتفسير ابن عباس: [دُلُوكُهَا]: زوالها وميلها. وهذا قول العامة، يعني وقت صلاة الظهر. وقال بعضهم: لو كانت الصلاة من دلوكها إلى غسق الليل لكانت الصلاة من زوال الشمس إلى صلاة المغرب. وقول ابن عباس أعجب إلينا. وهو قول العامة. قوله: { وَقُرْءَانَ الفَجْرِ} يعني صلاة الصبح { إِنَّ قُرْءَانَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} أي: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار. يجتمعون عند صلاة الصبح وعند صلاة العصر. ذكروا أن عبدالله بن مسعود كان يقول: عند صلاة المغرب يجتمع الحرسان من ملائكة الليل وملائكة النهار.

اطفيش

تفسير : {أقِمِ الصَّلاَةَ} أى ائت بالصلاة مستقيمة تامة. {لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} أى زوالها عن وسط السماء وأصل مادة ذلك الانتقال، ومنه الدلك فى الغسل، فإِن الدالك لا تستقر يده فى موضع واحد وقد قيل إِن من الدلك لأَن الناظر إِليها يدلك عينيك ليدفع شعاعها وهكذا ما يتركب من دال ولام كدلج بالجيم أى سار أول الليل أو آخره ودلح بالحاء المهملة أى مشى بالحمل الثقيل رويداً، ودلع أى خرج لسانه من فِيهِ ودلع الشئ خرج ودلق أى مشى رويداً، ودلف الشيخ مشى وقارب الخطو ودله الإِنسان تحير وهدر واللام للتوقيت كقولك كتبته لثلاث ليال مضين، وفى معناه قول بعض أنا بمعنى بعده، وقول بمعنى عند، وذكر ابن هشام أن اللام تكون بمعنى عند ومثل له بقولهم كتبه لخمس خلون، وبمعنى بعد ومثل له بالآية، وقيل بمعنى من الابتدائية أى من وقت دلوك الشمس، وذكر إِلى بعد ذلك أنسب به ولو كانت عند وبعد يصح تغيبتهما بإِلى أيضاً، وذلك إِشارة إِلى صلاة الظهر والعصر فإِن زوال الشمس عن وسط السماء أول الظهر ثم يدخل وقت العصر بعد. {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} أى ظهور ظلمته أى إِلى وقت غسقه وهو المغرب فحينئذ تصلى صلاة المغرب ثم بعد ذلك تصلى صلاة العشاء فهذه إِشارة إلى صلاة المغرب والعشاء وذلك قول ابن عباس وقيل غسق الليل اشتداد ظلمته وهو قت العشاء فتدخل صلاة العشاء به وصلاة المغرب بكونها بين المبدأ والمنتهى فهى والعصر والظهر داخلات بما قبل الغسق وعلى القولين الآية شاملة للصلوات الخمس إِذ ذكر صلاة الفجر بعد، والمشهور من القولين هو الأَول وتفسير الدلوك بزوال الشمس هو المشهور أيضاً، وهو قول ابن مسعود وابن عمر وجابر ابن عبد الله وعطاء وقتادة ومجاهد والحسن وأكثر التابعين ذكر الحسن أنه - صلى الله عليه وسلم - لما زالت الشمس أمر مناد بالصلاة جامعة فاجتمعوا فصلوا الظهر أربعاً يسر فيهن ثم لما صارت بيضاء نقية أمر كذلك فصلوا العصر أربعا يسر فيهن، ولما غابت أمر كذلك فصلوا المغرب ثلاثاً يعلن فى الركعتين الأوليين ويسر فى الثالثة، ولما غاب الشفق أى الأَحمر أمر كذلك فصلوا أربعاً يعلن فى الركعتين الأوليين، وبات الناس لا يدرون أيزيدون أو لا حتى طلع الفجر، أمر كذلك فصلوا ركعتين يعلن فيهما وفى كل ذلك جبريل عليه السلام يصلى بالنبى - صلى الله عليه وسلم - والنبى - صلى الله عليه وسلم - يصلى بالناس وكلما صلى ذهب، رواه الشيخ هود رحمه الله، وروى النسائى وبعض أصحابنا عن جابر بن عبد الله أن جبريل أتى النبى - صلى الله عليه وسلم - يعلمه مواقيت الصلاة، فتقدم جبريل ورسول الله خلفه والناس خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى الظهر حين زالت الشمس وأتاه حين كان الظل مثل شخصه فصلوا العصر كذلك ثم حين وجبت الشمس فصلوا المغرب كذلك ثم حين غاب الشفق فصلوا العشاء كذلك، ثم حين انشق الفجر فصلى الغداة كذلك، ثم أتاه فى اليوم الثانى حين كان ظله مثل شخصه فصلوا الظهر كذلك ثم أتاه حين كان ظله مثليه فصلى العصر ثم حين غابت الشمس فصلى المغرب كذلك، ثم حين غاب الشفق فصلى العشاء كذلك ثم امتد الفجر والنجوم بادية مشتبكة فصلى الغداة ثم قال ما بين الصلاتين وقت انتهى باختصار وفى كل ذلك جبريل عليه السلام أما النبى - صلى الله عليه وسلم - والنبى أمام القوم كما أشرت إِليه بقولى كذلك. وفى رواية صلى الظهر حين زالت الشمس وكان الفئ قدر الشراك ثم العصر حين كان قدر الشراك وظل الرجل، ثم المغرب حين غابت ثم العشاء حين غاب الشفق ثم الفجر حين طلع الفجر ثم الظهر حين كان ظله مثله ثم العصر حين كان مثليه ثم المغرب حين غابت ثم العشاء إِلى ثلث الليل أو نصفه. شك أحد رواته ثم الفجر وأسفر وذلك كله بإِمامة جبريل كما رواه ابن عباس عنه - صلى الله عليه وسلم - أمنى جبريل عند البيت مرتين، صلى بى الظهر حين كان الظل قدر الشراك، والعصر حين كان ظل الشئ مثله، ثم المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائِم ثم العشاء حين غاب الشفق ثم الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم، ثم الظهر حين كان ظله مثله ثم العصر حين كان ظله مثليه ثم المغرب كأَمس ثم العشاء حين ذهب ثلث الليل ثم الصبح حين أسفر ثم التفت إِليه - صلى الله عليه وسلم - جبريل فقال: يا محمد هذا وقت الأَنبياء من قبلك. والوقت فيما بين هذين الوقتين، رواه الترمذى وقوله: صلى بى الظهر حين كان ظله مثله، أى فرغ منها حينئذ كما شرع فى العصر فى اليوم الأَول وهكذا يقول من قال لاشتراك بينهما فى وقت ويدل له حديث مسلم وقت الظهر إِذا زالت الشمس ما لم يحضر العصر وقوله فى حديث جابر ابن عبد الله فصلى الظهر حين زالت الشمس يقتضى جواز صلاة الظهر إِذا زالت الشمس وللمنتظر وجوباً ولا ندباً مصير الفئ مثل الشراك، وأما حديث ابن عباس فالمراد فيه أنه حين زالت الشمس كان الفئ قدر الشراك، وذكر ابن إِسحاق أن ذلك كان صبيحة ليلة الإِسرى نزل عليه جبريل حين زالت الشمس وفيه رد على من زعم أن بيان الأَوقات كان بعد الهجرة، وإِنما ناداهم الصلاة جامعة لأَنه لم يشرع الأَذان إِلا فى المدينة واستدل بعضهم بالحديث على جواز الإِتمام بمن يأتم بغيره وأُجيب بأَنه كان مبلغاً فقط وفيه أن المامومين لا يعلمون أنه مبلغ بل يأْتمون به، ومذهبنا عدم جواز الائتمام وعدم جواز المسمع المبلغ لأَن النبى - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك للتعلم - وصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر والشمس فى حجرة عائشة كما فى مسند الربيع عن أبى عبيدة عن جابر عن عائشة كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يصلى الظهر والعصر والشمس فى حجرتها لكن يحتمل قصر الحائط وطوله، وعن أنس، كان - صلى الله عليه وسلم - يصلى العصر والشمس مرتفعة يذهب الذاهب إِلى العوالى فيأْتيهم والشمس مرتفعة وبعض العوالى من المدينة على أربعة أميال رواه مسلم والبخارى، وذلك تعجيل قيل المراد بالشمس ضوؤها، وروى الربيع عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك كنا نصلى الظهر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يخرج الإِنسان إِلى بنى عمرو ابن عوف فيجدهم يصلون العصر، وعن رافع بن خديج كنا نصلى المغرب معه - صلى الله عليه وسلم - فينصرف أحدنا وإِنه ليبصر مواقع نبله، رواه البخارى ومسلم وذلك تعجيل، وكان - صلى الله عليه وسلم - إِذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإِذ كان البرد عجل. رواه النسائى من حديث أنس ويؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية رواه أبو داود من رواية على بن شيبان كانوا يصلون فيما بين مغيب الشفق إلى ثلث الليل الأَول وذلك فى المدينة قبل أن يفشو الإِسلام وقال لولا ضعف الضعيف وسقم السقيم لأَخرت هذه الصلاة إِلى شطر الليل، رواه أبو داود عن أبى سعيد مرسلا وفى رواية أبى هريرة لولا أن أشق على أُمتى لأَمرتهم أن يؤخروا العشاء إِلى ثلثه أو نصفه صححه الترمذى ويؤخذ من ذلك استحباب التأْخير على من قدر ولم يشق على غيره ولم يغلبه النوم، وهكذا يقول النووى تقريرا فى شرح مسلم وكثير من أهل الحديث من الشافعية وغيرهم، وقال الطحاوى يستحب إِلى الثلث وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين وللشافعى قولان تفضيل التعجيل، واختاره النووى وتفضيل التأْخير، وقال النخعى ومقاتل والضحاك والسدى: دلولك الشمس غروبها وهو رواية عن ابن مسعود روى عنه أنه قال: والذى لا إِله غيره إِن هذه الساعة لميقات هذه الصلاة يعنى المغرب وعليه فالآية غير شاملة للظهر والعصر وقيل إِن المراد بالصلاة صلاة المغرب وحدها، وإِن قوله {لدلوك الشمس} بيان لمبدأها، وقوله {إِلى غسق الليل} بيان لمنتهاه وأن ذلك دليل على امتداد وقت المغرب إِلى غروب الشفق. {وَقُرْآن الْفَجْرِ} أى وصلاة الفجر وعبر عنها بالقرآن لأَنها كلها لا تجوز إِلا بالسورة مع الفاتحة ولأَن القراءة ركن من الصلاة فسميت بها كما سميت الصلاة ركوعاً وسجوداً وتسبيحاً وخصت باسم القرآن تنبيهاً على فضل إِكثار القراءة فيها وهى أكثر الصلاة قراءة وزعم ابن علية والأَصم أن القراءة ليست ركناً فى الصلاة، والآية رد عليه إِذ المناسب لتسمية صلاة الفجر بقرآن الفجر تكون القراءة ركناً، ولكن هذا الرد يتوجه فى جانب صلاة الفجر فقط إلا إِن فسرنا قرآن الفجر بالقراءة فى صلاة الفجر أو بالمقروء فيها فيدل الأَمر بإِقامتها على وجوبها فى صلاة الفجر نصاً وفى غيرها قياساً، فإِن قرآن بالنصب معطوف على الصلاة أى أقم الصلاة لدلولك الشمس إِلى غسق الليل، وأقم قرآن الفجر وعلى ذلك فإِضافة القرآن للفجر إِما لقراءته فى الوقت الذى هو الفجر لأَن الصلاة فيها كما أضيفت سائر الصلوات لأوقاتها، وإِما على حذف مضاف أى وقرآن صلاة الفجر، وإِما على أن الفجر اسم للصلاة الواقعة فى ذلك الوقت. {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ} فيه الأَوجه السابقة. {كَانَ مَشْهُوداً} أى تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار. قال أبو هريرة سمعت البنى - صلى الله عليه وسلم - يقول: حديث : تفضل صلاة الجماعة صلاة الفرد بخمسة وعشرين جزءاً، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار فى صلاة الفجرتفسير : ، رواه البخارى، وكذا روى الربيع عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد عن أبى هريرة إلا أنه لم يذكر قوله: وتجتمع.. الخ. قال أبو هريرة: اقرأُوا إِن شئتم: إِن قرآن الفجر كان مشهوداً. قال الفجر هذا دليل على أن التغليس أى إِيقاع صلاة الفجر فى الغلس وهو الظلمة أول طلوع الفجر الصادق إِذا تم أفضل من التنوير أى من تأْخيرها إِلى أن ينتشر الضوء ويسمى إِسفار لأَن الإِنسان إِذا شرع فيها من الصبح فالظلمة باقية فيكون ملائكة الليل حاضرين ثم إِذا امتدت الصلاة بترتيل القرآن وتكثيره وظهر الضوء حضرت ملائكة النهار أما إِذا ابتدأ بها فى وقت الإِسفار فإِنه لم يبق أحد من ملائكة الليل فأول وقتها أفضل ا. هـ، وظاهره أن الإنسان قد يخلو من ملائكة الليل وملائكة النهار بأَن يطلع ملائكة الليل قبل نزول ملائكة النهار وفيه بحث، وكذا روى الربيع عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يصلى الصبح والنساء متلفعات بخمرهن ما يعرفن من الغبش والغلس، لكن يجوز أن يكون معنى قولها يصلى يفرغ من الصلاة وهو المتبادر ويجوز أن يكون معناه أنه يشرع فيها واعلم أنه يجوز أن يكون معنى قوله مشهوداً أنه يحضره كثير من المصلين أو يحضره الجماعة الكثيرة عند من يصلى بصلاته الكثيرة فيرغب فى القراءة فيكثر سماع الناس فيكثر الثواب ويجوز أن يكون معناه أنه يحضر عنده شواهد القدرة من تبدل الظلمة بالنور والنوم الذى هو أخو الموت بالانتباه الذى هو أخو البعث. قال - صلى الله عليه وسلم - حديث : أفضل الصلوات صلاة الصبح يوم الجمعة فى جماعة، وما أحسب شهدها منكم إِلا مغفوراً له .

الالوسي

تفسير : {أَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ} أي المفروضة {لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} أي لزوالها عن دائرة نصف النهار وهو المروي عن عمر بن الخطاب وابنه وابن عباس في رواية وأنس وأبـي برزة الأسلمي والحسن والشعبـي وعطاء ومجاهد، ورواه الإمامية عن أبـي جعفر وأبـي عبد الله رضي الله تعالى عنهما وخلق آخرين، وأخرج ابن جرير وإسحاق بن راهويه في «مسنده» وابن مردويه في «تفسيره» والبيهقي في «المعرفة» عن أبـي مسعود عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : أتاني جبريل عليه السلام لدلوك الشمس حين زالت فصلى بـي الظهرتفسير : وقيل لغروبها وهو المروي عندنا عن علي / كرم الله تعالى وجهه، وأخرجه ابن مردويه والطبراني والحاكم وصححه وغيرهم عن ابن مسعود وابن المنذر وغيره عن ابن مسعود، وروي عن زيد بن أسلم والنخعي والضحاك والسدي، وإليه ذهب الفراء وابن قتيبة، وأنشد لذي الرمة: شعر : مصابيح ليست باللواتي يقودها نجوم ولا بالآفلات الدوالك تفسير : وأصل مادة د ل ك تدل على الانتقال ففي الزوال انتقال من دائرة نصف النهار إلى ما يليها وفي الغروب انتقال من دائرة الأفق إلى ما تحتها وكذا في الدلك المعروف انتقال اليد من محل إلى آخر بل كل ما أوله دال ولام مع قطع النظر عن آخره يدل على ذلك كدلج بالجيم من الدلجة وهي سير الليل وكذا دلج بالدلو إذا مشى بها من رأس البئر للمصب ودلح بالحاء المهملة إذا مشى مشياً متثاقلاً ودلع بالعين المهملة إذا أخرج لسانه ودلف بالفاء إذا مشى مشية المقيد وبالقاف إذا أخرج المائع من مقره ووله إذا ذهب عقله وفيه انتقال معنوي إلى غير ذلك، وهذا المعنى يشمل كلا المعنيين السابقين وإن قيل إن الانتقال في الغروب أتم لأنه انتقال من مكان إلى مكان ومن ظهور إلى خفاء وليس في الزوال إلا الأول. وقيل إن الدلوك مصدر مزيد مأخوذ من المصدر المجرد أعني الدلك المعروف وهو أظهر في الزوال لأن من نظر إلى الشمس حينئذٍ يدلك عينه ويكون على هذا في دلوك الشمس تجوز عن دلوك ناظرها، وقد يستأنس في ترجيح القول الأول مع ما سبق بأن أول صلاة صلاها النبـي صلى الله عليه وسلم نهار ليلة الإسراء الظهر، وقد صح أن جبريل عليه السلام ابتدأ بها حين علم النبـي عليه الصلاة والسلام كيفية الصلاة في يومين. وقال المبرد: دلوك الشمس من لدن زوالها إلى غروبها فالأمر بإقامة الصلاة لدلوكها أمر بصلاتين الظهر والعصر، وعلى القولين الآخرين أمر بصلاة واحدة الظهر أو العصر. واللام للتأقيت متعلقة بأقم وهي بمعنى بعد كما في قول متمم بن نويرة يرثي أخاه:شعر : فلما تفرقنا كأني ومالكاً لطول اجتماع لم نبت ليلة معاً تفسير : ومنه كتبته لثلاث خلون من شهر كذا وتكون بمعنى عند أيضاً. وقال الواحدي: هي للتعليل لأن دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة. {إِلَىٰ غَسَقِ ٱلْلَّيْلِ} أي إلى شدة ظلمته كما قال الراغب وغيره وهو وقت العشاء. وأخرج ابن الأنباري في «الوقف» عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني ما الغسق؟ فقال: دخول الليل بظلمته وأنشد قول زهير بن أبـي سلمى:شعر : ظلت تجود يداها وهي لاهية حتى إذا جنح الإظلام والغسق تفسير : وقال النضر بن شميل: غسق الليل دخول أوله، قال الشاعر:شعر : إن هذا الليل قد غسقا واشتكيت الهم والأرقا تفسير : وهو عنده وقت المغرب، وروي ذلك عن مجاهد. وأصله من السيلان يقال غسقت العين تغسق إذا هملت بالماء كأن الظلمة تنصب على العالم، وقيل: المراد من غسق الليل ما يعم وقتي المغرب والعشاء وهو ممتد إلى الفجر كما أن المراد بدلوك الشمس ما يعم وقتي الظهر والعصر ففي الآية - بدخول الغاية تحت المغيا وبضم ما بعد - إشارة إلى أوقات الصلوات الخمس، واختاره جماعة من الشيعة واستدلوا بها على أن وقت الظهر موسع إلى غروب الشمس ووقت المغرب موسع إلى انتصاف الليل وهي أحد أدلة الجمع في الحضر بلا عذر الذي ذهبوا إليه وأيدوا ذلك بما رواه العياشي بإسناده عن عبيدة وزرارة عن أبـي عبد الله أنه قال في هذه الآية: إن الله / تعالى افترض أربع صلوات أول وقتها من زوال الشمس إلى انتصاف الليل منها صلاتان أول وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروبها إلا أن هذه قبل هذه ومنها صلاتان أول وقتهما غروب الشمس إلى انتصاف الليل ألاّ أن هذه قبل هذه وهو مرتضى المرتضى في أوقات الصلاة. والمعتمد عليه عند جمهور المفسرين أن دلوك الشمس وقت الظهر وغسق الليل وقت العشاء كما ينبـىء عنه إقحام الغسق وعدم الاكتفاء بإلى الليل. والجار والمجرور متعلق بأقم، وأجاز أبو البقاء تعلقه بمحذوف وقع حالاً من (الصلاة) أي ممدودة إلى الليل والأول أولى. وليس المراد بإقامة الصلاة فيما بين هذين الوقتين على وجه الاستمرار بل إقامة كل صلاة في وقتها الذي عين لها ببيان جبريل عليه السلام الثابت في الروايات الصحيحة التي لم يروها ـ من شهد ـ أحد من الأئمة الطاهرين بزندقتهم ونجاسة بواطنهم كما أن أعداد ركعات كل صلاة موكولة إلى بيانه عليه الصلاة والسلام. ولعل الاكتفاء ببيان المبدأ والمنتهى في أوقات الصلاة من غير فصل بينها لما أن الإنسان فيما بين هذه الأوقات على اليقظة فبعضها متصل ببعض بخلاف وقت العشاء والفجر فإنه باشتغاله فيما بينهما بالنوم عادة ينقطع أحدهما عن الآخر ولذلك فصل وقت الفجر عن سائر الأوقات. ثم إن المستدل من الشيعة بالآية لا يتم له الاستدلال بها على جواز الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وبين صلاتي المغرب والعشاء ما لم يضم إلى ذلك شيئاً من الأخبار فإنها إذا لم يضم إليها ذلك أولى بأن يستدل بها على جواز الجمع بين الأربعة جميعها لا بين الاثنتين والاثنتين ولا يخفى ما في الاستدلال بها على هذا المطلب ولذا لم يرتضه أبو جعفر منهم. نعم ما ذهبوا إليه مما يؤيده ظواهر بعض الأحاديث الصحيحة كحديث ابن عباس وهو في «صحيح مسلم» «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جمعاً بالمدينة»، وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم صلى ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً من غير خوف ولا سفر. واختلف في تأويله فمنهم من أوله بأنه جمع بعذر المطر والجمع بسبب ذلك تقديماً وتأخيراً مذهب الشافعي في القديم وتقديماً فقط في الجديد بالشرط المذكور في كتبهم، وخص مالك جواز الجمع بالمطر في المغرب والعشاء، وهذا التأويل مشهور عن جماعة من الكبار المتقدمين وهو ضعيف لما في «صحيح مسلم» عنه أيضاً «جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر»، وكون المراد ولا مطر كثير لا يرتضيه ذو إنصاف قليل والشذوذ غير مسلم. ومنهم من أوله بأنه كان في غيم فصلى صلى الله عليه وسلم الظهر ثم انكشف الغيم وبان أن أول وقت العصر دخل فصلاها، وفيه أنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر إلا أنه لا احتمال في المغرب والعشاء. ومنهم من أوله بأنه عليه الصلاة والسلام أخر الأولى إلى آخر وقتها فصلاها فيه فلما فرغ منها دخل وقت الثانية فصلاها فصارت الصورة صورة جمع، وفيه أنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل، ويرده أيضاً ما صح عن عبد الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة فجاء رجل من بني تميم فجعل لا يفتر ولا ينثني الصلاة الصلاة فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة لا أم لك رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته. ومنهم من قال: هو محمول على الجمع بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه من الأعذار وهذا قول الإمام أحمد والقاضي حسين من الشافعية، واختاره منهم الخطابـي والمتولي والروياني. وقال النووي: هو المختار في التأويل. ومذهب جماعة من الأئمة جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه / عادة وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك وحكاه الخطابـي عن القفال الشاشي الكبير من أصحاب الإمام الشافعي، وعن أبـي إسحاق المروزي، وعن جماعة من أصحاب الحديث واختاره ابن المنذر، ويؤيده ظاهر ما صح عن ابن عباس ورواه مسلم أيضاً أنه لما قال: «جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر قيل له: لم فعل ذلك؟ فقال: أراد أن لا يحرج أحداً من أمته» وهو من الحرج بمعنى المشقة فلم يعلله بمرض ولا غيره. ويعلم مما ذكرنا أن قول الترمذي في آخر «كتابه» ليس في كتابـي حديث أجمعت الأمة على ترك العمل به إلا حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، ناشىء من عدم التتبع، نعم ما قاله في الحديث الثاني صحيح فقد صرحوا بأنه حديث منسوخ دل الإجماع على نسخه. وقال ابن الهمام: إن حديث ابن عباس معارض بما في مسلم من حديث ليلة التعريس أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة أن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى» تفسير : وللبحث في ذلك مجال. ومذهب الإمام أبـي حنيفة عدم جواز جمع صلاتي الظهر والعصر في وقت إحداهما والمغرب والعشاء كذلك مطلقاً إلا بعرفات فيجمع فيها بين الظهر والعصر بسبب النسك وإلا بمزدلفة فيجمع فيها بين المغرب والعشاء بسبب ذلك أيضاً واستدل بما استدل. وفي «الصحيحين» و«سنن أبـي داود» وغيره ما لا يساعده على التخصيص. وأنت تعلم أن الاحتياط فيما ذهب إليه الإمام رضي الله تعالى عنه فالمحتاط لا يخرج صلاة الظهر مثلاً عن وقتها المتيقن الذي لا خلاف فيه إلى وقت فيه خلاف، وقد صرح غير واحد بأنه إذا وقع التعارض يقدم الأحوط وتعارض الأخبار في هذا الفصل مما لا يخفى على المتتبع. هذا وزعم بعضهم أن المراد بالصلاة المأمور بإقامتها صلاة المغرب والتحديد المذكور بيان لمبدأ وقتها ومنتهاه على أن الغاية خارجة واستدل به على امتداده إلى غروب الشفق وهو خلاف ما ذهب إليه الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه في الجديد من أنه ينقضي بمضي قدر زمن وضوء وغسل وتيمم، وطلب خفيف وإزالة خبث مغلظ يعم البدن والثوب والمحل وستر عورة واجتهاد في القبلة وأذان وإقامة وألحق بهما سائر سنن الصلاة المتقدمة كتعمم وتقمص ومشي لمحل الجماعة وأكل جائع حتى يشبع وسبع ركعات ولعل الزمان الذي يسع كل هذا يزيد على زمن ما بين غروب الشمس وغروب الشفق أي شفق كان في أكثر الأعراض. ثم لا يخفى أنه إذا كان المراد من غسق الليل وقت العشاء وفسر الغسق باجتماع الظلمة وشدتها كان ذلك مؤيداً لما في «ظاهر الرواية» عن الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه من أن أول وقت العشاء حين يغيب الشفق بمعنى البياض الذي يعقب الحمرة في الأفق الغربي لأن الظلمة لا تجتمع ولا تشتد ما لم يغب، ولا يأبى ذلك أن الأحاديث الصحيحة صريحة في أن أول وقتها حين يغيب الشفق وهو اللغة الحمرة المعلومة لأن تفسيره بالبياض قد جاء أيضاً، وروي ذلك عن أبـي بكر الصديق وعمر ومعاذ بن جبل وعائشة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ورواه عبد الرازق عن أبـي هريرة وعن عمر بن عبد العزيز، وبه قال الأوزاعي والمزني وابن المنذر والخطابـي، واختاره المبرد وثعلب، وما رواه الترمذي عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أول وقت العشاء حين يغيب الأفق» تفسير : ظاهر في كون الشفق البياض إذ لا غيبوبة للأفق إلا بسقوطه؛ نعم ذهب / صاحباه إلى أنه الحمرة وهو قول ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم، ورواه أسد بن عمرو عن الإمام أيضاً لكنه خلاف «ظاهر الرواية» عنه، والصحيح المفتى به عندنا ما جاء في «ظاهر الرواية»، وقد نص على ذلك المحقق ابن الهمام والعلامة قاسم وابن نجيم وغيرهما، وما قاله الإمام أبو المفاخر - من أن الإمام رجع إلى قولهما وقال إنه الحمرة لما ثبت عنده من حمل عامة الصحابة إياه على ذلك وعليه الفتوى وتبعه المحبوبـي وصدر الشريعة - ليس بشيء لأن الرجوع لم يثبت ودون إثباته مع نقل الكافة عن الكافة خلافه خرط القتاد، وكذا دعوى حمل عامة الصحابة خلاف المنقول كما سمعت حتى أن البيهقي لم يرو أن الشفق الحمرة إلا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. وما رواه الدارقطني عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الشفق الحمرة فإذا غاب وجبت الصلاة» تفسير : قال البيهقي والنووي فيه الصحيح أنه موقوف على ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. ومثل هذا الاختلاف الاختلاف في أول وقت العصر فقال الإمام: هو إذا صار ظل كل شيء مثليه بعد ظل الزوال وقالا: إذا صار ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال، وفتوى المحققين على قوله رحمة الله تعالى عليه بل قال ابن نجيم: إن الإفتاء بغيره لا يجوز وقد أطال الكلام في ذلك في رسالته «رفع الغشاء عن وقتي العصر والعشاء». {أَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ} عطف على مفعول {أَقِمِ} أو نصب على الإغراء كما قال الزجاج وأبو البقاء والجمهور على الأول. والمراد بقرآن الفجر صلاته كما روي عن ابن عباس ومجاهد. وسميت قرآناً أي قراءة لأنها ركنها كما سميت ركوعاً وسجوداً وهذه حجة على ابن علية والأصم في زعمهما أن القراءة ليست بركن في الصلاة قاله في «الكشاف». ورد بأن ذلك لا يدل على الركنية لجواز كون مدار التجوز كون القراءة مندوبة فيها. وفي «الكشف» أنه مدفوع بأن العلاقة المعتبرة في إطلاق غير الصلاة وإرادة الصلاة هي علاقة الكل والجزء بدليل النظائر وهٰهنا إذ ورد تجوزاً فحمله على معلوم النظير من الاستقراء واجب على أن الندبية لا تصلح علاقة معتبرة إلا بالتكلف، وجعل سبح بمعنى صلى لأن التسبيح بمعنى التنزيه البالغ والمصلي مسبح قولاً بقراءة الفاتحة بل بالتكبير الواجب بالاتفاق وفعلاً أيضاً بالركوع والسجود مثلاً الدالين على كمال التعظيم والتبجيل فهو الركن كله لا لأن التسبيح بمعنى قول سبحان الله ليقال تجوز عن الصلاة بما هو مندوب فيها. وتعقب بأن الاكتفاء بعلاقة الندبية التي يقول بها الأصم وابن علية لا تكلف فيه فإن القرآن جزء من الصلاة الكاملة فيكون ذلك كالنظائر بلا ضرر ولا ضير، وبأن مذهبهما في التكبير غير معلوم فدعوى الاتفاق غير مسلمة منه ولو كان كما ذكره لكان الوجوب كافياً في علاقة أخرى وهي اللزوم وفيه بحث. وأبقى الجصاص القرآن على حقيقته وقال: ((في الآية دلالة على وجوب القراءة في صلاة الفجر لأن التقدير فيها وأقم قرآن الفجر والأمر للوجوب ولا قراءة في ذلك الوقت واجبة إلا في الصلاة وزَعْمُ أن كون المعنى صلوا الفجر غلط من وجهين الأول أنه صرف عن الحقيقة بغير دليل، والثاني أن {أية : فَتَهَجَّدْ بِهِ} تفسير : [الإسراء: 79] فيما بعد يأباه إذ لا معنى للتهجد بصلاة الفجر، وفيه أن الدليل قائم وهو {أَقِمِ} لاشتهار {أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ} دون أقم القراءة وضمير {بِهِ} فيما بعد يجوز أن يرجع إلى القرآن)) بمعناه الحقيقي استخداماً وهو أكثر من أن يحصى ثم متى دلت الآية على وجوب القراءة في صلاة الفجر نصاً كان ثبوت وجوبها في غيرها من الصلاة قياساً. وذكر / بعضهم أن في التعبير عن صلاة الفجر بخصوصها بما ذكر إشارة إلى أنه يطلب فيها من تطويل القراءة ما لم يطلب في غيرها وهو حسن. وقال الإمام: إن في الآية دلالة على أنه يسن التغليس في صلاة الفجر لأنه أضيف فيها القرآن إلى الفجر على معنى أقم قرآن الفجر والأمر للوجوب والفجر أول طلوع الصبح لانفجار ظلمة الليل عن نور الصباح حينئذٍ ولذلك سمي الفجر فجراً فيقتضي ذلك وجوب إقامة صلاة الفجر أول الطلوع وحيث أجمع على عدم وجوب ذلك بقي الندب لأن الوجوب عبارة عن رجحان مانع الترك فإذا منع مانع من تحقق الوجوب كالإجماع هنا وجب أن يرتفع المنع من الترك وأن يبقى أصل الرجحان حتى تقل مخالفة الدليل. وأنت تعلم ما للعلماء من الخلاف في الباقي بعد رفع الوجوب، وما ذكر قول في المسألة لكنه لا يفيد المطلوب لأن صلاة الفجر اسم للصلاة المخصوصة سواء وقعت بغلس أم أسفار، والأخبار الصحيحة تدل على سنية الإسفار بها كخبر الترمذي وهو كما قال: حسن صحيح «حديث : أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر» تفسير : وحمله على تبين الفجر حتى لا يكون شك في طلوعه ليس بشيء إذ ما لم يتبين لا يحكم بجواز الصلاة فضلاً عن إصابة الأجر المفاد بآخر الخبر ولو حمل أعظم فيه على عظيم ورد أن المناسب في التعليل فإنه لا تصح الصلاة بدونه على أنه على ما فيه ينفيه رواية الطحاوي «أسفروا بالفجر فكلما أسفرتم فهو أعظم الأجر أو لأجوركم» أو كما قال، وروي بسنده الصحيح عن إبراهيم قال: ما اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء ما اجتمعوا على التنوير، ومحال نظراً إلى علو شأنهم أن يجتمعوا على خلاف ما فارقهم عليه حبيبهم رسول الله عليه الصلاة والسلام. وفي «الصحيحين» عن ابن مسعود «وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لميقاتها إلا صلاتين صلاة المغرب والعشاء بجمع وصلى الفجر يومئذٍ قبل ميقاتها» مع أنه كان بعد الفجر كما يفيده لفظ البخاري فيكون المراد قبل ميقاتها الذي اعتاد الأداء فيه، والظاهر أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يعتاد التغليس إلا أنه فعله يومئذٍ ليمتد الوقوف. ونحن نقول بسنيته بفجر جمع لهذا الحديث. وخبر عائشة رضي الله تعالى عنها «كان صلى الله عليه وسلم يصلي الصبح بغلس فتشهد معه نساء متلفعات بمروطهن ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس» حمل الغلس فيه بعض أصحابنا على غلس داخل المسجد، ويأباه قولها: ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس إذ لا يمكن حمل هذا الغلس المانع من معرفتهن في طريق رجوعهن إلى بيوتهن على غلس داخل المسجد، وكون المراد ما يعرفهن أحد في داخل المسجد من الغلس خلاف الظاهر على تقدير جعل الجملة حالاً من ضمير يرجعن. والظاهر ما أشرنا إليه، وكذا جعل الجملة حالاً من نساء أو صفة لها كأنه قيل فتشهد معه نساء متلفعات بمروطهن ما يعرفهن أحد من الغلس ثم يرجعن إلى بيوتهن. وقيل كان ذلك في يوم غيم، ويبعده كان فإنها شائعة الاستعمال فيما كان يداوم عليه عليه الصلاة والسلام، وقيل هو منسوخ كما يدل عليه اجتماع الصحابة على التنوير، ويبعد ذلك أن النسخ يقتضي سابقية وجود المنسوخ، وقول ابن مسعود: ما رأيت الخ يفيد أن لا سابقية له. وقال بعضهم: ترجح في الأخبار المتعارضة هنا رواية الرجال خصوصاً مثل ابن مسعود فإن الحال أكشف لهم في صلاة الجماعة فتأمل. وذكر الطحاوي أن الذي ينبغي الدخول في الفجر وقت التغليس والخروج وقت الإسفار، وهو قول الإمام أبـي حنيفة وصاحبيه وهو خلاف ما يذكره الأصحاب عنهم من البدء والختم في الإسفار وهو الذي / يفيده حديث الترمذي وغيره والله تعالى أعلم. ثم إن صلاة الفجر وإن كانت إحدى الصلوات الخمس التي فرضت ليلة الإسراء عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أمته ودلت هذه الآية على وجوب إقامتها كذلك إلا أنه عليه الصلاة والسلام لم يصلها صبح تلك الليلة لعدم العلم بكيفيتها حينئذٍ وإنما علم الكيفية بعد. وقد قدمنا قريباً أن البداءة وقعت في صلاة الظهر إشارة إلى أن دينه عليه الصلاة والسلام سيظهر على الأديان ظهورها على بقية الصلوات، ونوه سبحانه هنا بشأن صلاة الفجر بقوله عز وجل: {إِنَّ قُرْءانَ ٱلْفَجْرِ} حيث لم يقل سبحانه إنه {كَانَ مَشْهُودًا} أخرج أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي والحاكم وصححاه وجماعة عن أبـي هريرة عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال في تفسير ذلك: «تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار» وفي الصحيحين عنه رضي الله عنه أنه قال: «قال النبـي صلى الله عليه وسلم حديث : تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر ثم قال أبو هريرة: «اقرأوا إن شئتم {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً}»تفسير : . والمراد بهؤلاء الملائكة الكتبة والحفظة فتنزل ملائكة النهار وتصعد ملائكة الليل وتلتقي الطائفتان في ذلك الوقت، وكذا تلتقي الطائفتان وأمر النزول والصعود على العكس وقت العصر كما جاء في الآثار، وهذا مما يعكر على الإمام في زعمه أن هذا أيضاً دليل قوي على أن التغليس أفضل من التنوير لأن الإنسان إذا شرع في الصلاة من أول الصبح يكون ملائكة الليل حاضرين لبقاء الظلمة فإذا امتدت الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة وظهر الضوء وحضر ملائكة النهار فإنه يلزمه على هذا البيان الذي لا يروج إلا على الصبيان القول بأن تأخير صلاة العصر إلى أن يزول الضوء وتظهر الظلمة وهو لا يقول به بل لا يقول به أحد. وهل الطائفة التي تشهد اليوم مثلاً تشهد غداً أو كل يوم تشهد طائفة أخرى لم تشهد قبل ولا تشهد بعد؟ فيه خلاف، وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى فيما يتعلق بذلك. وقيل يشهد الكثير من المصلين في العادة، وقيل من حقه أن تشهده الجماعة الكثيرة، وقيل تشهده وتحضر فيه شواهد القدرة من تبدل الضياء بالظلمة والانتباه بالنوم الذي هو أخو الموت، وهو احتمال أبداه الإمام وبسط الكلام فيه، ثم قال: وهذا هو المراد من قوله تعالى: {إِنَّ قُرْءانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } ثم ذكر احتمال كون المراد مشهوداً بالجماعة الكثيرة وبسط الكلام أيضاً في تحقيقه، وأنت تعلم أنه لا وجه للحصر المدلول عليه بقوله: وهذا هو المراد ثم إبداء ذلك الاحتمال على أنه بعدما صح تفسير النبـي صلى الله عليه وسلم له بما سمعت لا ينبغي أن يقال في غيره هذا هو المراد. ولا يخفى ما في هذه الجملة من الترغيب والحث على الاعتناء بأمر صلاة الفجر لأن العبد في ذلك الوقت مشيع كراماً ومتلقى كراماً فينبغي أن يكون على أحسن حال يتحدث به الراحل ويرتاح له النازل.

ابن عاشور

تفسير : كان شَرْع الصلوات الخمس للأمة ليلة الإسراء، كما ثبت في الحديث الصحيح، ولكنه كان غير مثبت في التشريع المتواتر إنما أبلغه النبي أصحابه فيوشك أن لا يعلمه غيرهم ممن يأتي من المسلمين. وأيضاً فقد عينت الآية أوقاتاً للصلوات بعد تقرر فرضها، فلذلك جاءت هذه الآية في هذه السورة التي نزلت عقب حادث الإسراء جمعاً للتشريع الذي شرع للأمة أيامئذٍ المبتدأ بقوله تعالى: {أية : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه}تفسير : الآيات [الإسراء: 23]. فالجملة استئناف ابتدائي. ومناسبة موقعها عقب ما قبلها أن الله لما امتن على النبي بالعصمة وبالنصر ذكره بشكر النعمة بأن أمره بأعظم عبادة يَعبده بها، وبالزيادة منها طلباً لازدياد النعمة عليه، كما دل عليْه قوله في آخر الآية {أية : عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً }تفسير : [الإسراء: 79]. فالخطاب بالأمر للنبيء، ولكن قد تقرر من اصطلاح القرآن أن خطاب النبي بتشريعٍ تدخُل فيه أمته إلا إذا دل دليل على اختصاصه بذلك الحكم، وقد عَلم المسلمون ذلك وشاع بينهم بحيث ما كانوا يسألون عن اختصاص حكم إلا في مقام الاحتمال القوي، كمن سأله: ألنا هذه أمْ للأبد؟ فقال: بل للأبد. والإقامة: مجاز في المواظبة والإدامة. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ويقيمون الصلاة}تفسير : في أول سورة [البقرة: 3]. واللام في {لدلوك الشمس} لام التوقيت، وهي بمعنى (عند). والدلوك: من أحوال الشمس، فوَرد بمعنى زوال الشمس عن وسط قوس فَرْضيّ في طريق مسيرها اليومي. وورد بمعنى: مَيل الشمس عن مقدار ثلاثة أرباع القوس وهو وقت العصر، وورد بمعنى غروبها، فصار لفظ الدلوك مشتركاً في المعاني الثلاثة. والغسق: الظلمة، وهي انقطاع بقايا شعاع الشمس حين يماثل سواد أفق الغروب سواد بقية الأفق وهو وقت غيبوبة الشفق، وذلك وقت العشاء، ويسمى العتمة، أي الظلمة. وقد جمعت الآية أوقاتاً أربعة، فالدلوك يجمع ثلاثة أوقات باستعمال المشترك في معانيه، والقرينة واضحة. وفهم من حرف (إلى) الذي للانتهاء أن في تلك الأوقات صلوات لأن الغاية كانت لفعل {أقم الصلاة} فالغاية تقتضي تكرر إقامة الصلاة. وليس المراد غاية لصلاة واحدة جعل وقتها متسعاً، لأن هذا فَهْم ينبو عنه ما تدل عليه اللام في قوله: {لدلوك الشمس} من وجوب إقامة الصلاة عند الوقت المذكور لأنه الواجب أو الأكمل. وقد زاد عمل النبي صلى الله عليه وسلم بياناً للآية. وأما مقدار الاتساع فيعرف من أدلة أخرى وفيه خلاف بين الفقهاء. فكلمة «دلوك» لا تعادلها كلمة أخرى. وقد ثبت في حديث أبي مسعود الأنصاري في «الموطأ»: أن أول الوقت هو المقصود. وثبت في حديث عطاء بن يسار مرسلاً في «الموطأ» وموصولاً عن أنس بن مالك عند ابن عبد البر وغيره: أن للصبح وقتاً له ابتداء ونهاية. وهو أيضاً ثابت لكل صلاة بآثار كثيرة عَدا المغرب فقد سكت عنها الأثر. فترددت أنظار الفقهاء فيها بين وقوف عند المروي وبين قياس وقتها على أوقات غيرها، وهذا الثاني أرجح، لأن امتداد وقت الصلاة توسعة على المصلي وهي تناسب تيسير الدين. وجُعل الغسق نهاية للأوقات، فعلم أن المراد أول الغسق كما هو الشأن المتعارف في الغاية بحرف (إلى) فعلم أن ابتداء الغسق وقت صلاة، وهذا جمع بديع. ثم عطف {قرآن الفجر} على {الصلاة}. والتقدير: وأقم قرآن الفجر، أي الصلاة به. كذا قدر القراء وجمهور المفسرين ليُعلم أن لكل صلاة من تلك الصلوات قرآناً كقوله: {أية : فاقرءوا ما تيسر من القرآن}تفسير : [المزمّل: 20]، أي صَلُّوا به نافلة الليل. وخص ذكر ذلك بصلاة الفجر دون غيرها لأنها يجهر بالقرآن في جميع ركوعها، ولأن سنتها أن يقرأ بسور من طوال المفصل فاستماع القرآن للمأمومين أكثر فيها وقراءته للإمام والفذ أكثر أيضاً. ويجوز أن يكون عطف {وقرآن الفجر} عطفَ جملة والكلام على الإغراء، والتقدير: والزَمْ قرآنَ الفجر، قاله الزجاج. فيعلم أن قراءة القرآن في كل صلاة حتم. وهذا مجمل في كيفية الصلوات. ومقادير ما تشتمل عليه من القرآن بينته السنّة المتواترة والعرف في معرفة أوقات النهار والليل. وجملة {إن قرآن الفجر كان مشهوداً} استئناف بياني لوجه تخصيص صلاة الصبح باسم القرآن بأن صلاة الفجر مشهودة، أي محضورة. وفُسِّر ذلك بأنها تحضرها ملائكة الليل وملائكة النهار، كما ورد في الحديث: «حديث : وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح»تفسير : . وذلك زيادة في فضلها وبركتها. وأيضاً فهي يحضرها أكثر المصلين لأن وقتها وقت النشاط وبعدها ينتظر الناس طلوع الشمس ليخرجوا إلى أعمالهم فيكثر سماع القرآن حينئذٍ.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} الآية. قد بينا " في سورة النساء": أن هذه الآية الكريمة من الآيات التي أشارت لأوقات الصلاة. لأن قوله {لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} أي لزوالها على التحقيق، فيتناول وقت الظهر والعصر. بدليل الغاية في قوله {إِلَىٰ غَسَقِ ٱلْلَّيْلِ} أي ظلامه، وذلك يشمل وقت المغرب والعشاء. وقوله {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ} أي صلاة الصبح، كما تقدم إيضاحه وأشرنا للآيات المشيرة لأوقات الصلوات. كقوله: {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ}تفسير : [هود:114] الآية، وقوله: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ}تفسير : [الروم:17] الآية. وأتممنا بيان ذلك من السنة في الكلام على قوله: {أية : إِنَّ ٱلصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً}تفسير : [النساء:103] فراجعه هناك إن شئت. والعلم عند الله تعالى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لدلوك الشمس: أي زوالها من كبد السماء ودحوضها إلى جهة الغرب. إلى غسق الليل: أي إلى ظلمة الليل، إذ الغسق الظلمة. وقرآن الفجر: صلاة الصبح. كان مشهوداً: تشهده الملائكة، ملائكة الليل وملائكة النهار. فتهجد به: أي بالقرآن. نافلة: أي زائدة عن الغرض وهي التهجد بالليل. مقاماً محموداً: هو الشفاعة العظمى يوم القيامة حيث يحمده الأولون والآخرون. أدخلني مدخل صدق: أي المدينة، إدخالاً مرضياً لا أرى فيه مكروهاً. وأخرجني مخرج صدق: أي من مكة إخراجاً لا ألتفت بقلبي إليها. وقل جاء الحق وزهق الباطل: أي عند دخولك مكة فاتحاً لها بإذن الله تعالى. زهق الباطل: أي ذهب واضمحل. أعرض ونأ بجانبه: أعرض عن الشكر فلم يشكر، ونأ بجانبه: أي ثنى عطفه متبختراً في كبرياء. على شاكلته: أي طريقته ومذهبه الذي يشاكل حاله في الهدى والضلال. معنى الآيات: بعد ذلك العرض الهائل لتلك الأحداث الجسام أمر تعالى رسوله بإقام الصلاة فإنها مأمن الخائفين، ومنار السالكين، ومعراج الأرواح إلى ساحة الأفراح فقال: {أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} أي لأول دلوكها وهو ميلها من كبد السماء إلى الغرب وهو وقت الزوال ودخول وقت الظهر، وقوله {إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ} أي إلى ظلمته، ودخلت صلاة العصر فيما بين دلوك الشمس وغسق الليل، ودخلت صلاة المغرب وصلاة العشاء في غسق الليل الذي هو ظلمته، وقوله: {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ} أي صلاة الصبح وهذه هي الصلوات الخمس المفروضة على أمة الإِسلام، النبي وأتباعه سواء وقوله {إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} يعني محضوراً، تحضره ملائكة النهار لتنصرف ملائكة الليل، لحديث الصحيح "حديث : يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار... "تفسير : وقوله {وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} أي صلاة زائدة على الفرائض الخمس وهي قيام الليل، وهو واجب عليه صلى الله عليه وسلم بهذه الآية، وعلى أمته مندوب إليه، مرغوب فيه. وقوله: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} عسى من الله تعالى تفيد الوجوب، ولذا فقد أخبر تعالى رسوله مبشراً إياه بأن يقيمه يوم القيامة {مَقَاماً مَّحْمُوداً} يحمده عليه الأولون والآخرون. وهو الشفاعة العظمى حيث يتخلى عنها آدم فمن دونه.. حتى تنتهي إليه صلى الله عليه وسلم فيقول: أنالها، أنالها، ويأذن له ربه فيشفع للخليقة في فضل القضاء، ليدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وتستريح الخليقة من عناء الموقف وطوله وصعوبته. وقوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ}. هذه بشارة أخرى أن الله تعالى أذن لرسوله بالهجرة من تلقاء نفسه لا بإخراج قومه وهو كاره. فقال له: قل في دعائك ربي أدخلني المدينة دار هجرتي {مُدْخَلَ صِدْقٍ} بحيث لا أرى فيها مكروهاً، وأخرجني من مكة يوم تخرجني {مُخْرَجَ صِدْقٍ} غير ملتفت إليها بقلبي شوقاً وحنيناً إليها. {وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً} أي وسلني أن أجعل لك من لدني سلطاناً نصيراً لك على من بغاك بسوء، وكادك بمكر وخديعة، وحاول منعك من إقامة دينك، ودعوتك إلى ربك، وقوله تعالى: {وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ} هذه بشارة أخرى بأن الله تعالى سيفتح له مكة، ويدخلها ظافراً منتصراً وهو يكسر الأصنام حول الكعبة وكانت ثلاثمائة وستين صنماً! ويقول جاء الحق وزهق الباطل أي ذهب الكفر واضمحل. {إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}. لا بقاء له ولا ثبات إذا صاول الحق، ووقف في وجهه، وجائز أن يكون المراد بالحق، القرآن وبالباطل الكذب والافتراء، وجائز أن يكون الحق الإِسلام والباطل الكفر والشرك وأعم من ذلك، أن الحق هو كل ما هو طاعة الله عز وجل، والباطل كل طاعة للشيطان من الشرك والظلم وسائر المعاصي. وقوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} أي وننزل عليك يا رسولنا محمد من القرآن ما هو شفاء أي ما يستشفى به من مرض الجهل والضلال والشك والوساوس ورحمة للمؤمنين دون الكافرين، لأن المؤمنين يعملون به فيرحمهم الله تعالى بعملهم بكتابة، وأما الكافرون، فلا رحمة لهم فيه، لأنهم مكذبون به تاركون للعمل بما فيه. وقوله {وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً} أي ولا يزيد القرآن الظالمين وهم المشركون المعاندون الذين أصروا على الباطل عناداً ومكابرة، هؤلاء لا يزيدهم ما ينزل من القرآن ويسمعونه إلا خساراً لازدياد كفرهم وظلمهم وعنادهم. وقوله تعالى: {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَئُوساً} يخبر الله تعالى عن الإِنسان الكافر المحروم من نور الإِيمان وهداية الإِسلام أنه إذا أنعم عليه بنعمة النجاة من الهلاك وقد أشرف عليه بغرق أو مرض أو جوع أو نحوه، أعرض عن ذكر الله ودعائه كما كان يدعوه في حال الشدة، ونأى بجانبه أي بعد عنا فلا يلتفت إلينا بقلبه، وذهب في خيلائه وكبريائه وقوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَئُوساً} أي قنوطاً. هذا هو الكافر، ذو ظلمة النفس لكفره وعصيانه، إذا مسه الشر من جوع أو مرض أو خوف أحاط به كان يؤوساً أي كثير اليأس والقنوط تامهما، لعدم إيمانه بالله ورحمته وقدرته على إنجائه وخلاصه. وقوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً} أي قل يا رسولنا للمشركين، كل منا ومنكم يعمل عل طريقته ومذهبه بحسب حاله هداية وضلالاً. والله تعالى ربكم أعلم بمن هو أهدى منا ومنكم سبيلاً. ويجزي الكل بحسب عمله وسلوكه. وهذه كلمة مفاصلة قاطعة، للنزاع الناجم عن كون كل يدعي أنه على الحق وأن دينه أصوب، وطريقته أمثل وسبيله أجدى وأنفع. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب إقامة الصلاة وبيان أوقاتها المحددة لها. 2- الترغيب في النوافل، وخاصة التهجد أي "نافلة الليل". 3- تقرير الشفاعة العظمى للنبي صلى الله عليه وسلم. 4- ضعف الباطل وسرعة تلاشيه إذا صاوله الحق ووقف في وجهه. 5- القرآن شفاء لأمراض القلوب عامة ورحمة بالمؤمنين خاصة. 6- بيان طبع المرء الكافر وبيان حال الضعف الملازم له. 7- تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كيف يتخلصون من الجدال الفارغ والحوار غير المثمر.

القطان

تفسير : دلوك الشمس: زوالها عن منتصف السماء في النهار. غسق الليل: شدة الظلمة. قرآن الفجر: صلاة الصبح. التهجد: صلاة الليل. نافلة لك: صلاة زائدة عن الفريضة. مقاما محمودا: مقاما عاليا يحمده الناس. زهق: زال واضمحل. {أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلْلَّيْلِ}. الصلاة لب العبادة، فحافظ عليها وأدّها على احسن وجه، من زوال الشمس من وسط السماء الى ظلمة الليل، وهذا الوقت يشمل الصلوات الاربع: الظهر والعصر والمغرب والعشاء. {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً}. وصلاة الصبح فان الملائكة تشهدها. وقد بينت السنة من اقوال الرسول الكريم وافعاله تفاصيل هذه الاوقات وكيفية ادائها واقامتها. {وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً}. وصلّ من الليل صلاة زائدة عن الفريضة بقدر ما تستطيع. وبهذه الصلاة، وبهذه الصلة الدائمة بالله. يقيمك ربك يوم القيامة في مقام سام يحمدك فيه الخلائق. وفي هذا تعليم لنا أن نتعبد ونقوم بالليل، فاذا كان الرسول الكريم مأموراً بذلك فنحن أولى واحوج. {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً}. وقل رب أدخلني فيما حملته من اعباء الرسالة ادخالاً مُرضيا، واخرجني مخرجاً حسنا مرضيّا (وهذا دعاء يعلمه الله لنبيه ليدعو به، ولتتعلم أمته كيف تدعو الله وفيم تتجه اليه) واجعل لي قوةً أعلي بها دينك ورسالتك التي حمّلتني اياها. {وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}. وقل جاء الحق بالاسلام، وذهب الباطل واضمحل، ان الباطل مضمحل زائل دائما. روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: حديث : دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها بعودٍ في يده ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد ".

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلصَّلاَةَ} { ٱلْلَّيْلِ} {قُرْآنَ} (78) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِإِقَامَةِ الصَّلاَةِ المَفْرُوضَةِ، وَأَدَائِهَا عَلَى الوَجْهِ الصَّحِيحِ الأَكْمَلِ، مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ (عِنْدَ مُنْتَصَفِ النَّهَارِ - دُلُوكهَا)، إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ، وَحُلُولِ الظَّلاَمِ، وَبِذلِكَ تَدْخُلُ الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ: الظُّهْرُ وَالعَصْرُ وَالمَغْرِبُ وَالعشَاءُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى صَلاَةَ الفَجْرِ، وَأَثْنَى عَلَيْهَا لِمَا لَهَا مِنَ الفَضْلِ، وَشُهُودِ المَلاَئِكَةَ لَهَا. (وَمَوَاقِيتُ الصَّلاةِ حُدِّدَتْ بِفِعْلِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم). دُلُوكُ الشَّمْسِ - زَوَالُها عَنْ دَائِرَةِ نِصْفِ النَّهَارِ. الغَسَقُ - اشْتِدَادُ الظُّلْمَةِ. قُرْآنَ الفَجْرِ - صَلاَةَ الصُّبْحِ.

الثعلبي

تفسير : {أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} قال إبراهيم النخعي ومقاتل بن حيان والسدي ويمان وابن زيد: دلوكها غروبها. قال الشاعر: شعر : هذا مقام قدمي رياح غدوة حتّى هلكت براح تفسير : أي غربت الشمس، وبراح إسم للشمس مثل قطام وجذام ورفاش. ويروى، براح بكسر الباء يعني إن الناظر يضع كفه على حاجبه من شعاعها لينظر ما بقى من غبارها، ويقال ذلك للشمس إذا غاب. قال ذو الرمة: شعر : مصابيح ليست باللواتي يقودها نجوم لا بالأفلات الدوالك تفسير : ودليل هذا التأويل حديث عبد الله بن مسعود إنه كان إذا غرب الشمس صلى المغرب وأفطر إن كان صائماً ويحلف بالله الذي لا إله إلاّ هو أن هذه الساعة لميقات هذه الصلاة وهي التي قال الله {أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ}. وقال ابن عمرة وابن عبّاس وجابر بن عبد الله وأبو العالية وعطاء وقتادة ومجاهد والحسن ومقاتل وجعفر بن محمّد وعبيد بن حجر: دلوكها زوالها، وبه قال الشافعي(رضي الله عنه)، يدل عليه حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أتاني جبرئيل لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر ". تفسير : وقال أبو برزة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر إذا زالت الشمس ثمّ تلا هذه الآية {أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ}. حديث : قال جابر بن عبد الله: دعوت النبي صلى الله عليه وسلم ومن شاء من أصحابه فطعموا عندي ثمّ خرجوا حين زالت الشمس فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "أخرج يا أبا بكر فهذا حين دلكت الشمس" . تفسير : وعلى هذا التأويل يكون الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها، فدلوك الشمس صلاة الظهر والعصر، وغسق الليل صلاتا العشاء، وتصديق هذا التفسير إن جبرئيل (عليه السلام) حين علم رسول الله صلى الله عليه وسلم كيفية الصلاة إنما بدأ بصلاة الظهر. وروى محمّد بن عمار عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : جاءني جبرئيل صلى الله عليه وسلم فصلى صلاة الظهر حين زاغت الشمس ثمّ جاءني فصلى العصر حين كان ظل كل شيء مثله، ثمّ صلى بي المغرب حين غربت الشمس ثمّ صلى بي العشاء حين غاب الشفق ثمّ جاءني فصلى بي الصبح حين طلع الفجر، ثمّ جاءني في الغد فصلى بي الظهر حين كان ظل كلّ شيء مثله ثمّ صلى بي العصر حين كان ظل كلّ شيء مثليه ثمّ صلى بي المغرب حين غربت الشمس ثمّ صلى بي العشاء حين ذهب ثلث الليل ثمّ صلى بي الصبح حين أسفر ثمّ قال: هذه صلاة النبيين من قبلك فالزمهم ". تفسير : عطاء بن أبي رياح عن جابر قال: أن جبرئيل أتى النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه مواقيت الصلاة فتقدم جبرئيل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر حين زالت الشمس وآتاه حين كان الظل مثل شخصه فصنع كما صنع فتقدم جبرئيل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى العصر. ثمّ أتاه حين وجبت فصلى المغرب وقد تقدم جبرئيل ورسول الله خلفه والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى المغرب ثمّ أتاه حين غاب الشفق فتقدم جبرئيل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى العشاء ثمّ أتاه جبرئيل حين انشق الفجر فتقدم جبرئيل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الغداة ثمّ أتاه اليوم الثاني حين كان ظل الرجل مثل شخصه فصنع مثل ما صنع بالأمس صلى الظهر. ثمّ أتاه حين كان ظل الرجل منّا مثل شخصيه فصنع كما صنع بالأمس فصلى العصر. ثمّ أتاه حين وجبت الشمس فصنع كما صنع بالأمس فصلى المغرب متمنياً ثمّ تمنا ثمّ قمنا فأتاه فصنع كما صنع بالأمس صلى العشاء. ثمّ ابتدأ الفجر وأصبح والنجوم بادية مشتبكة فصنع كما صنع بالأمس فصلى الغداة ثمّ قال: ما بين هاتين الصلاتين وقت. وعن نافع بن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عبّاس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أتاني جبرئيل عند باب الكعبة مرتين فصلى الظهر حين كان الفيء مثل الشراك ثمّ صلى العصر حين كان كل شيء بقدر ظله ثمّ صلى المغرب حين أفطر الصائم ثمّ صلى العشاء حين غاب الشفق ثمّ صلى الصبح حين حرم الطعام والشراب على الصائم ثمّ صلى الظهر في المرة الأخيرة حين كان كل شيء بقدر ظله لوقت العصر بالأمس، ثمّ صلى العصر حين كان ظل شيء مثليه ثمّ صلى المغرب للوقت الأول لم يؤخرها ثمّ صلى العشاء الأخيرة حين ذهب ثلث الليل ثمّ صلى الصبح حين أسفره ثمّ التفت فقال: يا محمّد هذا وقت الأنبياء من قبلك، الوقت فيما بين هذين الوقتين ". تفسير : {إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ} إقباله بظلامه. قال ابن عبّاس: بدو الليل. قتادة: صلاة المغرب. مجاهد: غروب الشمس. أبو عبيدة: سواده. ابن قيس الرقيات: شعر : إن هذا الليل قد غسقا فأشتكيت الهم والأرقا تفسير : وقيل: غسق يغسق غسوقاً. {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ} أيّ صلاة الفجر فسمى الصلاة قرآنا لأنها لا تجوز إلاّ بقرآن، وقيل: يعني قرآن الفجر ما يقرأ به في صلاة الفجر. وإنتصاب القرآن من وجهين: أحدهما: أنه عطف على الصلاة أي أقم قرآن الفجر، قاله الفراء، وقال أهل البصرة: على [الاغراء] أي وعليك بقرآن الفجر. وقال بعضهم: إجتماعه وبيانه وحينئذ يكون مجاز أقم الصلاة لدلوك الشمس بقرآن الفجر. {إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} يشهد ملائكة الليل وملائكة النهار ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار، وفي هذه الآية دليل واضح على تعلق وجوب الصلاة بأول الوقت فإستحباب التغليس بصلاة الفجر. الزهوي عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح ". تفسير : قال: يقول أبو هريرة: إقرأوا إن شئتم (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا). {وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ} أي قم بعد نومك وصل. قال المفسرون: لا يكون التهجد إلاّ بعد النوم يقال: تهجد إذا سهر، وهجد إذا نام. وقال بعض أهل اللغة: يقال تهجد إذا نام وتهجد إذا سهر وهو من الاضداد. روى حميد بن عبد الرحمن بن عوف: عن رجل من الأنصار إنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وقال: لأنظرنّ كيف يصلي النبي صلى الله عليه وسلم قال: فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمّ إستيقظ فرفع رأسه إلى السماء فتلا أربع آيات من سورة آل عمران: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ} تفسير : [الآية: 190] ثمّ أهوى بيده إلى القربة وأخذ مسواكاً فأستّن به ثمّ توضأ ثمّ صلى ثمّ نام ثمّ إستيقظ، فصنع كصنيعه أول مرة، ويزعمون أنه التهجد الذي أمره الله تعالى. {نَافِلَةً لَّكَ} قال ابن عبّاس: خاصة لك، مقاتل بن حيان: كرامة وعطاء لك. ابن عبّاس: فريضتك. وقال: أُمر النبي صلى الله عليه وسلم بقيام الليل خاصة وكتبت عليه، ويكون معنى النافلة على هذا القول فريضة فرضها الله عليك فضلاً عن الفرائض التي فرضها الله علينا زيادة. وقال قتادة: تطوعاً وفضيلة. وقال بعض العلماء: كانت صلاة الليل فرضها عليه في الابتداء ثمّ رخص له في تركها فصارت نافلة. وقال مجاهد: والنافلة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة من أجل أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما عمل من عمل سوى المكتوبة فهو نافلة لك من أجل أنه لا يعمل ذلك كفارة لذنوبهم، فهي نوافل له وزيادة للناس يعملون ويصلون ماسوى المكتوبة لذنوبهم في كفارتها فليست للناس نوافل. {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً}. قال أهل التأويل: عسى ولعلّ من الله جزاء لأنه لايدع أن يفعل لعباده ما أطمعهم فيه من الجزاء على طاعاتهم لأنه ليس من صفته الغرور، ولو أن رجلاً قال لآخر: اهدني والزمني لعلي أن أنفعك فلزمه ولم ينفعه مع إطماعه فيه ووعده لكان عاراً له وتعالى الله عن ذلك، وأما المقام المحمود فالمقام الذي يشفع فيه لأُمته يحمده فيه الأولون والآخرون. عاصم بن أبي النجود عن زيد عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لو كنت متخذاً خليلاً لأتخذت ابن أبي قحافة خليلاً ولكن صاحبكم خليل الله ثمّ قرأ {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} " . تفسير : وعن حذيفة بن اليمان قال: يُجمع الناس في صعيد واحد فلا تكلم نفس فتكون أول من يدعو محمّداً صلى الله عليه وسلم فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك والمهدي من هديت وبك وعبدك بين يديك وبك وإليك لا ملجأ ولا منجاً منك إلاّ اليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت فذلك قوله تعالى {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً}. قتادة عن مأمون بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : "يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيلهمون فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فأراحنا من مكاننا هذا فيأتون آدم (عليه السلام) فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله عزّ وجلّ بيده وأسجد لك ملائكته وعلّمك أسماء كل شيء فإشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من هذا المكان فيقول لهم لست هناك، ويذكر ذنبه الذي أصابه فيستحي ربَه من ذلك ولكن أئتوا نوحاً فإنه أول الرسل بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحاً فيقول لست هناك ويذكر خطيئته وسؤاله ربه هلاك قومه فيستحي ولكن أئتوا إبراهيم خليل الرحمن فيأتون إبراهيم (عليه السلام) فيقول: لست هناك ولكن أئتوا موسى عبداً كلمه الله وأعطاه التوراة فيأتون موسى (عليه السلام) فيقول: لست هناك، ويذكر لهم النفس التي قتل بغير نفس فيستحي من ذلك فيقول أئتوا عيسى عبد الله ورسوله هو كلمة الله وروحه فيأتون عيسى (عليه السلام) فيقول لست هناك ولكن أئتوا محمّداً عبداً غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتونني فأقوم وأمشي بين سماطين من المؤمنين حتّى أستأذن على ربي فيؤذن لي فإذا رأيت ربي خررت ساجداً لربي فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثمّ يقول: إرفعك رأسك ثم يقول: قلْ يسمع وسّل تعط واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه ثمّ أشفع فيحدّ لي حداً فأدخلهم الجنة، ثمّ أعود إليه الثانية فإذا رأيت ربي وقعتَ أو خررتَ ساجداً لربي فيدعني ماشاء الله أن يدعني، ثمّ قال: إرفع يا محمّد رأسك قل يسمع وسل تعطه وإشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمد بتحميد يعلمنيه ثمّ أشفع فيحدّ لي حداً فأدخلهم الجنة. ثمّ أعود إليه الثالثة فإذا رأيت ربي وقعتا وخررت ساجداً لربي فيدعني ماشاء الله أن يدعني، ثمّ يقال إرفع يا محمّد رأسك قل تسمع وسل تعطه وإشفع فشفع فأرفع رأسي فأحمده تحميد يعلمنيه ثمّ أشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة ثمّ أعود إليه الرابعة، وأقول يارب مابقي إلاّ من حبسه القرآن . تفسير : قال أنس بن مالك: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وكان في قلبه من الخير مايزن شعيرة ثمّ يخرج من النار من قال لا إله إلاّ الله وكان في قلبه من الخير مايزن ذرة ". تفسير : وروى أبو عاصم محمّد بن أبي أيوب الثقفي عن يزيد بن صهيب قال: كنت قد شغلني رأي من رأى الخوارج وكنت رجلاً شاباً، قال: فخرجنا في عصابة ذوي عدد يزيد أن يحج ثمّ يخرج على الناس فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إلى سارية وإذا هو قد ذكر الجهنميين فقلت له: يا صاحب رسول الله ما هذا الذي تحدث والله عزّ وجلّ يقول: {أية : إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} تفسير : [آل عمران: 192] و{أية : كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا} تفسير : [السجدة: 20]. فقال لي: تقرأ القرآن؟ قلت: نعم فقال: فهل سمعت مقام محمّد المحمود الذي يبعثه الله فيه؟ قلت: نعم، قال: فإنه مقام محمّد صلى الله عليه وسلم المحمود الذي يخرج الله به من يخرج من النار. ثمّ نعت وضع الصراط ومرور الناس عليه قال: وأخاف أن لا أكون حفظت ذلك غير أنه قد زعم أن قوماً يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها، قال: فيخرجون كأنهم عيدان السماسم فيدخلون نهراً من أنهار الجنة فيغتسلون فيه فيخرجون كأنهم القراطيس. قال: فرجعنا وقلنا أيرون كهذا الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله ماخرج منا غير رجل واحد. الزهري عن علي بن حسين قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا كان يوم القيامة مدَّ الأرض مدّ الأديم [بالعكاظي] حتّى لايكون لبشر من الناس إلاّ موضع قدميه". قال النبي صلى الله عليه وسلم "فأكون أنا أول من يدعى وجبرئيل عن يمين الرحمن والله ما رآه قبلها، وأقول: يارب إن هذا أخبرني أنك أرسلته إليَّ فيقول الله تعالى: صدق، ثمّ أشفع فأقول يارب عبادك عبدوك في أطراف الأرض قال: وهو المقام المحمود ". تفسير : وروى سفيان عن سلمة بن سهيل عن أبي الزعراء قال: قال عبد الله: يكون أول شافع يوم القيامة روح القدس جبرئيل ثمّ إبراهيم ثمّ موسى ثمّ عيسى ثمّ يقوم نبيكم صلى الله عليه وسلم رابعاً فلا يشفع أحد بعده فيما يشفع فيه وهو المقام المحمود. سعيد بن عروبة عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن بالبراق قال لجبرائيل: والذي بعثك بالحق لايركبني حتّى يضمن لي الشفاعة. تفسير : عبد الله بن إدريس عن عبد الله عن نافع عن ابن عمرو قال: حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً}. قال: يدنيني فيقعدني معه على العرش . تفسير : ابن فنجويه: أجلسني معه على سريره. أبو أُسامة عن داود بن يزيد [الأزدي] عن أبيه عن أبي هريرة حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} قال: "الشفاعة" . تفسير : عاصم عن أبي وائل عن عبد الله قال: إن الله تعالى إتخذ إبراهيم خليلاً وإن صاحبكم خليل الله وأكرم الخلق على الله ثمّ قرأ {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} قال: يقعده على العرش. وروى سعيد الجروي عن سيف السدوي عن عبد الله بن سلام قال: إذا كان يوم القيامة يؤتي نبيكم صلى الله عليه وسلم فيقعد بين يدي الرب عزّ وجلّ على الكرسي. وروى ليث عن مجاهد في قوله عزّ وجلّ {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} قال: يجلسه على العرش. قال الأستاذ الإمام أبو القاسم الثعلبي: هذا تأويل غير مستحيل لأن الله تعالى كان قبل خلقه الأشياء قائماً بذاته ثمّ خلق الأشياء من غير حاجة له إليها، بل إظهاراً لقدرته وحكمته ليعرف وجوده وحده وكمال علمه وقدرته بظهور أفعاله المتقنة بالحكمة، وخلق لنفسه عرشاً إستوى عليه كما يشاء من غير أن صار له مما شاء أو كان له العرش مكان بل هو الآن على الصفة التي كان عليها قبل أن خلق المكان والزمان، فعلى هذا القول سواء أقعد محمداً صلى الله عليه وسلم على العرش أو على الأرض لأن إستواء الله على العرش ليس بمعنى الاستقبال والزوال أو تحول الأحوال من القيام والقعود أو الحال الذي يشغل العرش، بل هو مستو على عرشه كما أخبر عن نفسه بلا كيف، وليس إقعاده محمّداً صلى الله عليه وسلم على العرش موجباً له صفة الربوبية أو مخرجاً إياه من صفة العبودية بل هو رفع لمحله وإظهار لشرفه وتفضيل له على غيره من خلقه، وأما قولهم: في الأخبار معه، فهو شابه قوله تعالى {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} تفسير : [الأعراف: 206] و {أية : رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ} تفسير : [التحريم: 11] ونحوهما من الآيات، كل ذلك راجع إلى الرتبة والمنزلة لا إلى المكان والجهة والله أعلم. {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ } قرأه العامّة: بضم الميمين على معنى الإدخال والاخراج. وقرأ الحسن: بفتحهما على معنى الدخول والخروج. وإختلف المفسرون في تأويلها. فقال ابن عبّاس والحسن وقتادة {أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} المدينة {وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} من مكة نزلت حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة فروى أبو حمزة الثمالي عن جعفر بن محمّد عن محمّد بن المنكدر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : حين دخل الغار {رَّبِّ أَدْخِلْنِي} يعني الغار {مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي} من الغار {مُخْرَجَ صِدْقٍ} إلى المدينة ". تفسير : وقال الضحاك: {وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} من مكة آمناً من المشركين {أَدْخِلْنِي} مكة {مُدْخَلَ صِدْقٍ} ظاهراً عليها بالفتح. عطية عن ابن عبّاس {أَدْخِلْنِي} القبر {مُدْخَلَ صِدْقٍ} عند الموت {وَأَخْرِجْنِي} من القبر {مُخْرَجَ صِدْقٍ} عند البعث. الكلبي {أَدْخِلْنِي} المدينة {مُدْخَلَ صِدْقٍ} حين أدخلها بعد أن قصد الشام {وَأَخْرِجْنِي} منها إلى مكة افتحها لي. مجاهد {أَدْخِلْنِي} في أمرك الذي أدخلتني به من النبوة {مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي} منه {مُخْرَجَ صِدْقٍ} . قتادة عن الحسن: {أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} في طاعتك {وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ} بالصدق أي سالماً غير مقصر فيها. وقيل: معناه {أَدْخِلْنِي} حيث ما أدخلتني بالصدق {وَأَخْرِجْنِي} بالصدق أي لتجعلني ممن أدخل بوجه وأخرج بوجه فإن ذا الوجهين لا يكون أميناً عند الله. {وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً} مجاهد: حجة بينة. قال الحسن: يعني ملكاً قوياً ينصرني به على من والاني وعزّاً ظاهراً أُقيم به دينك، قال: فوعده الله تعالى لينزعن ملك فارس والروم وعزتهما فيجعله له. قتادة: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلاّ بسلطان فسأل سلطاناً نصيراً بكتاب الله وحدوده، وفرائضه وإقامة دينه وإن السلطان رحمة من الله جعلها من أظهر عباده لايقدر بعضهم على بعض وأكل شديدهم ضعيفهم. وقيل: هو فتح مكة. وروى موسى بن إسماعيل عن حماد عن الكلبي في قوله {وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيرا} قال: سلطانه النصير. عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية: إستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل مكة [قال له: ] إنطلق فقد إستعملتك على أهل الله يعني مكة فكان شديداً على [المنافقين] ليّناً للمؤمنين. قال: لا والله لا أعلم متخلفاً ينطلق عن الصلاة في جماعة إلاّ ضربت عنقه فإنه لا يتخلف عنها إلاّ منافق. فقال أهل مكة: يا رسول الله تستعمل على آل الله عتاب بن أسيد إعرابياً حافياً؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إني رأيت فيما يرى النائم، كأن عتاب بن أسيد أتى باب الجنة فأخذ بحلقه الباب ففلقها لا شديداً حتّى فتح له فدخلها فأعز الله به الاسلام لنصرته المؤمنين على من يريد ظلمهم فذلك السلطان النصير ". تفسير : {وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ} يعني أتى {وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ} أي ذهب الشيطان وهلكه، قاله قتادة. وقال السدي: الحقّ الاسلام، والباطل الشرك. وقيل: الحق دين الرحمن والباطل الأوثان. وقال ابن جريح: الحق الجهاد والقتال. {إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} ذاهباً. يقال: زهقت نفسه إذا خرجت وزهق السهم إذا جاوز الفرض فإستمر على جهته. قال ابن مسعود وابن عبّاس: لما إفتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وجد حول البيت ثلثمائة وستين صنماً، صنم كل قوم بحيالهم ومعه مخصرة فجعل يأتي الصنم فيطعن في عينه أو في بطنه ثمّ يقول {جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} بجعل الصنم ينكب لوجهه وجعل أهل مكة يتعجبون، ويقولون فيما بينهم ما رأينا رجلاً أسحر من محمّد. {وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} أي بيان من الضلالة والجهالة بيّن للمؤمن ما يختلف فيه ويشكل عليه، فيشفي به من الشبهة ويهدي به من الحيرة وإذا فعل ذلك رحمه الله، فهو شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها كما يشفي المريض إذا زالت العلل عنه. قتادة: إذا سمعه المؤمن إنتفع به وحفظه ووعاه. {وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً} لأنه لاينتفع به ولا يحفظهُ ولا يعيه. وقال همام: سمعت قتادة يقول: ما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان ثمّ قرأ هذه الآية. وروت ساكنة بنت الجرود قالت: سمعت رجاء الغنوي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مَن لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله ". تفسير : {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ أَعْرَضَ} عن ذكرنا {وَنَأَى بِجَانِبِهِ} وتباعدنا بنفسه. وقال عطاء: تعظم وتكبر. وإختلف القراء في هذا الحديث، فقرأ أبو عمر وعاصم ونافع وحمزة في بعض الروايات عنهم: بفتح النون وكسر الهمزة على الامالة. وقرأ الكسائي وخلف وحمزة في سائر الروايات: بكسرهما، اتبعوا الكسرة. وقرأ أكثرهم: بفتحهما على التفخيم وهي اللغة العالية. وقرأ أبو جعفر وعامر: بالنون ولها وجهان: أحدهما: مقلوبة من نأي كما يقال رأى ورأ، والثاني: إنها من النوء وهو النهوض والقيام ويقال أيضاً للوقوع الجلوس نوء وهو من الاضداد. {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ} الشدة والضر { كَانَ يَئُوساً} قنوطاً {قُلْ} يا محمّد {كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ}. قال ابن عبّاس: على ناحيته. مجاهد: عى حدته. الحسن وقتادة: على نيته. ابن زيد: على دينه. مقاتل: على [جدلته]. الفراء: على طريقته التي جبل عليها. أبو عبيدة والقتيبي: على خليقته وطبيعته. وهو من الشكل، يقال: لست على شكلي وشاكلتي، وقيل: على سبيله الذي إختاره لنفسه، وقيل: على اشتباهه من حولهم، أشكل عليّ الأمر أي إشتبه، وكل هذه الأقاويل متقاربة. يقول العرب: طريق ذو شواكل إذا ينشعب الطرق [منه]، ومجاز الآية: كل يعمل ما يشبهه، كما قيل في المثل السائر: كل إمرىء يشبه فعله ما فعل المروء فهو أهله. {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فالصلاة هي الفريضة الثابتة المتكررة التي لا تسقط عن المسلم بأي حال، وفيها إعلانُ ولاء للإيمان بالله كل يوم خمس مرات، وهي أيضاً تنتظم كل أركان الإسلام؛ لأنك في الصلاة تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فبدل أنْ كنتَ تقولها مرة واحدة ها أنت تقولها عدة مرات في كل صلاة، وهذا هو الركن الأول. كما أنها تشتمل على الصوم؛ لأنك تصوم في أثناء الصلاة فتمتنع عن شهوتَيْ البطن والفرج، وكذلك عن أيِّ فعل غير أفعال الصلاة، وعن الكلام في غير ألفاظ الصلاة. إذن: في الصلاة صيام بالمعنى الأوسع للصوم. وفي الصلاة زكاة؛ لأن المال الذي تكتسبه وتُزكِّيه ناتج عن الحركة، والحركة فرع الوقت، وفي الصلاة تُضحّي بالوقت نفسه، فكأن الزكاة في الصلاة أبلغ. وكذلك في الصلاة حج؛ لأنك تتوجّه فيها إلى كعبة الله، وتستحضرها في ذِهْنك وأمام ناظريْكَ. لذلك استحقت الصلاة أن تكون عماد الدين، مَنْ أقامها فقد أقام الدين، ومَنْ هدمها فقد هدم الدين، ومن هنا جاءت الصلاة في أول هذه الأحكام، فقال تعالى: {أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ..} [الإسراء: 78] أي: أدِّها أداءً كاملاً في أوقاتها. والصلاة لها مَيْزة عن كل أركان الإسلام؛ لأن كل تكليفات الإسلام جاءت بواسطة الوحي لرسول الله إلا الصلاة، فقد فُرِضَتْ بالمباشرة مما يدلُّ على أهميتها، وقد مثَّلنَا لذلك - ولله المثل الأعلى - بالرئيس الذي يتصل بمرؤوسه تليفونياً ليأمره بشيء، فإذا كان هذا الشيء من الأهمية بمكان استدعاه إليه وأفهمه ما يريد. وهكذا كانت الصلاة، فقد فُرِضَتْ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أمته بالمباشرة لما لها من أهمية بين فراض الدين، ثم تولى جبريل عليه السلام تعليم رسول الله الصلاة، وعَلَّمها رسول الله للناس، وقال: "حديث : صَلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي ". تفسير : وقوله تعالى: {لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ..} [الإسراء: 78]. الحق سبحانه يريد أن يُبيِّن لنا مواقيت الصلاة. و(الدلوك) معناه: الزوال من حركة إلى حركة، ومنها قولنا: فلان (المدلكاتي) أي: الذي يتولّى عملية التدليك، وتتحرك يده من مكان لمكان. والمراد بدلوك الشمس: مَيْلها عن وسط السماء إلى ناحية الغرب، والإنسان يرى الأفق الواسع إذا نظر إلى السماء، فيراها على شكل قوس ممتدّ وعلى حَسْب نظره وقوته يرى الأفق، فإنْ كان نظره قوياً رأى الأُفُقْ واسعاً، وإنْ كان نظره ضعيفاً رأى الأفق ضيّقاً؛ لذلك يقولون لقليل التفكير: ضيِّق الأفق. وأنت حين تقف في مكانك وتنظر إلى السماء تراها على شكل نصف دائرة، وأنت مركزها، وساعةَ أنْ ترى الشمس عمودية عليك، فهذا وقت الزوال، فإذا ما انحرفتْ الشمس ناحية المغرب يُقَال: دلكت الشمس. أي: مالت ناحية المغرب، وهذا هو وقت الظهر. والمتأمل في فَرْض الصلاة على رسول الله يجد أن الظُّهْر هو أول وقت صَلاَّه رسول الله؛ لأن الصلاة فُرِضَتْ عليه في السماء في رحلة المعراج، وكانت بليل، فلما عاد صلى الله عليه وسلم كان يستقبل الظهر، فكانت هي الصلاة الأولى. ثم يقول تعالى: {إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ ..} [الإسراء: 78] أي: أقِم الصلاة عند دُلوك الشمس إلى متى؟ إلى غَسَق الليل أي: ظُلْمته، وفي الفترة من دُلوك الشمس إلى ظُلمة الليل تقع صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولا يبقى إلى صلاة الصبح، فقال عنها سبحانه وتعالى: {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} [الإسراء: 78] ونتساءل هنا: لماذا ذكر قرآن الفجر ولم يَقُلْ صلاة؟ قالوا: لأن القرآن في هذا الوقت حيث سكون الكون وصفاء النفوس، فتتلقى القرآن نديّاً طريّاً وتستقبله استقبالاً واعياً قبل أن تنشغل بأمور الحياة {إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} [الإسراء: 78]. أي: تشهده الملائكة. إذن: المشهودية لها دَخْل في العبادة، فإذا كانت مشهودية مَنْ لا تكليف عليه في الصلاة جعلها الله حيثية، فكيف بمشهودية مَنْ كُلِّف بالصلاة؟ والحق سبحانه وتعالى جعل في صلاة الجماعة استطراقاً للعبودية، ففي صلاة الجماعة يستوي كل الخَلْق حيث يخلعون وجاهتهم، ويخلعون أقدارهم على أبواب المسجد، كما يخلعون أحذيتهم، فالرئيس بجانب المرؤوس والوزير بجانب الخفير. لذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يُوطِّن الإنسان لنفسه مكاناً في المسجد، يجلس فيه باستمرار؛ لأن الأصل أنْ يجلس المصلي حيث ينتهي به المجلس، فيجلس الناس بأولوية الحضور كل حَسْب مكانه ومبادرته للصلاة، فلا يتخطى الرقاب، ولا يُفرق بين اثنين. ونرى بعض المصلين يسارع إلى الصفِّ الأول مثلاً، ويضع سجادته ليحجزَ بها مكاناً، ثم ينصرف لحَاجته، فإذا ما تأخر عن الصلاة أتى ليتخطّى رقاب الناس ليصل إلى مكانه، فإذا بالناس يضيِقون من هذا التصرُّف، ويُنحُّون سجادته جانباً ويجلسون مكانها، إنه تصرُّف لا يليق ببيوت الله التي تُسوِّي بين خَلْق الله جميعاً، وتحقق استطراق العبودية لله، فأنت اليوم بجوار فلان، وغداً بجوار آخر، الجميع خاضع لله راكع وساجد، فليس لأحد أن يتعالى على أحد. ونرى كذلك استطراق العبودية واضحاً في مناسك الحج، حيث يأتي أحد العظماء والوجهاء فتراه عند الملتزم خاضعاً ذليلاً باكياً متضرعاً، وهو مَنْ هو في دُنْيا الناس. إذن: فوقت الفجر وقت مبارك مشهود، تشهده ملائكة الليل، وهم غير مُكلَّفين بالصلاة، فالأفضل من مَشْهدية الملائكة مَشْهدية المصلِّين الذين كلَّفهم الله بالصلاة، وجعلهم ينتفعون بها. ومن هنا كانت صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة، كما جاء في الحديث النبوي الشريف. ويجب أن نلتفت إلى أن الحق سبحانه ربط الصلوات الخمس بالوقت، وبآية كونية تدلُّ عليه هي الشمس، فكيف العمل إذا غابت، أو حُجِبَتْ عنَّا بغيْم أو نحوه؟ إذن: على الإنسان المؤمن أن يجتهد ويُعمِلَ تفكيره في إيجاد شيء يضبط به وقته، وفعلاً تفتقتْ القرائح عن آلات ضبط الوقت الموجودة الآن، والتي تُيسِّر كثيراً على الناس؛ لذلك كانت الطموحات الإنسانية لأشياء تخدم الدين وتوضح معالمه أمراً واجباً على علماء المسلمين، على اعتبار أن مَا لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ} [الآية: 78]. قال: يعني غروب الشمس، صلاة المغرب. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا أَبو معشر عن محمد بن كعب القرظي في قوله: {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} [الآية: 78]. يعني: صلاة الفجر. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد مثله. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} يقول: فيما أَرسلتني به من أَمرك. {وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} فيما أَرسلتني به من أَمرك أَيضاً، {وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً} [الآية: 80]. يعني: حجة بينة. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} [الآية: 83]. يقول: تباعد منا. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} [الآية: 79]. قال: المقام المحمود: شفاعة محمد، صلى الله عليه وسلم. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: دلوكها: زيغها حين تزيغ [الآية: 78].

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} مَعْنَاهُ غُرُوبُها. وقال: زَوالُهَا {غَسَقِ ٱلَّيلِ} حِينَ غَرَبتْ الشَّمسُ. وقَالَ: العَشاءُ الآخرُ. وقالَ: صَلاةُ العَصرِ. تفسير : وقوله تعالى: {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلام. فقرآن الفَجرِ: مَا يُقرأ بهِ صَلاَة الفَجرِ. ومشهودٌ: تَحضُرُهُ مَلائِكةُ الليلِ ومَلائكةُ النَّهارِ. فإِذَا انصرفوا صَعدتْ مَلائكةُ الليلِ، وبَقيتْ مَلائكةُ النَّهارِ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بإقامة الصلاة تامة، ظاهرًا وباطنًا، في أوقاتها. { لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } أي: ميلانها إلى الأفق الغربي بعد الزوال، فيدخل في ذلك صلاة الظهر وصلاة العصر. { إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ } أي: ظلمته، فدخل في ذلك صلاة المغرب وصلاة العشاء. { وَقُرْآنَ الْفَجْرِ } أي: صلاة الفجر، وسميت قرآنا، لمشروعية إطالة القرآن فيها أطول من غيرها، ولفضل القراءة فيها حيث شهدها الله، وملائكة الليل وملائكة والنهار. ففي هذه الآية، ذكر الأوقات الخمسة، للصلوات المكتوبات، وأن الصلوات الموقعة فيه فرائض لتخصيصها بالأمر. وفيها: أن الوقت شرط لصحة الصلاة، وأنه سبب لوجوبها، لأن الله أمر بإقامتها لهذه الأوقات. وأن الظهر والعصر يجمعان، والمغرب والعشاء كذلك، للعذر، لأن الله جمع وقتهما جميعًا. وفيه: فضيلة صلاة الفجر، وفضيلة إطالة القراءة فيها، وأن القراءة فيها، ركن لأن العبادة إذا سميت ببعض أجزائها، دل على فرضية ذلك. وقوله: { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ } أي: صل به في سائر أوقاته. { نَافِلَةً لَكَ } أي: لتكون صلاة الليل زيادة لك في علو القدر، ورفع الدرجات، بخلاف غيرك، فإنها تكون كفارة لسيئاته. ويحتمل أن يكون المعنى: أن الصلوات الخمس فرض عليك وعلى المؤمنين، بخلاف صلاة الليل، فإنها فرض عليك بالخصوص، ولكرامتك على الله، أن جعل وظيفتك أكثر من غيرك، وليكثر ثوابك، وتنال بذلك المقام المحمود، وهو المقام الذي يحمده فيه الأولون والآخرون، مقام الشفاعة العظمى، حين يتشفع الخلائق بآدم، ثم بنوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، وكلهم يعتذر ويتأخر عنها، حتى يستشفعوا بسيد ولد آدم، ليرحمهم الله من هول الموقف وكربه، فيشفع عند ربه فيشفعه، ويقيمه مقامًا يغبطه به الأولون والآخرون، وتكون له المنة على جميع الخلق. وقوله: { وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ } أي: اجعل مداخلي ومخارجي كلها في طاعتك وعلى مرضاتك، وذلك لتضمنها الإخلاص وموافقتها الأمر. { وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا } أي: حجة ظاهرة، وبرهانًا قاطعًا على جميع ما آتيه وما أذره. وهذا أعلى حالة ينزلها الله العبد، أن تكون أحواله كلها خيرًا ومقربة له إلى ربه، وأن يكون له -على كل حالة من أحواله- دليلا ظاهرًا، وذلك متضمن للعلم النافع، والعمل الصالح، للعلم بالمسائل والدلائل. وقوله: { وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ } والحق هو ما أوحاه الله إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فأمره الله أن يقول ويعلن، قد جاء الحق الذي لا يقوم له شيء، وزهق الباطل أي: اضمحل وتلاشى. { إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا } أي: هذا وصف الباطل، ولكنه قد يكون له صولة وروجان إذا لم يقابله الحق فعند مجيء الحق يضمحل الباطل، فلا يبقى له حراك. ولهذا لا يروج الباطل إلا في الأزمان والأمكنة الخالية من العلم بآيات الله وبيناته.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} [78] 313- أنا عُبيد بن أسباط بن محمد، نا أبي، نا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} قال: "حديث : يشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار ".

همام الصنعاني

تفسير : 1602- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ...}: [الآية: 78]، قال: دلوكها حين تزيغ عن بطن السماء، و{غَسَقِ ٱلَّيلِ} صلاة المغرب، {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ}: [الآية: 78]، صلاة الفجر، قال قتادة وأما قوله: {كَانَ مَشْهُوداً}: [الآية: 78]، فيقول: ملائكة الليل والنهار يشهدون تلك الصلاة. 1603- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزّهري، عن سالم، عن [ابن عمر] في قوله تعالى: {لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ}: [الآية: 78]، قال: دلوكها زيغها بعد نصف النَّهارِ، وهو وقت الظهر. 1604- عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، وعن إسماعيل بن شَرْوَس، عن عكرمة قال: دلوكها غروبها. 1605- عبد الرزاق، قال أخبرني ابن جريج قال: قلت لعطاء ما دلوكها؟ قال: مَيْلُهَا، قال: قلت: فما غسقُ الليل؟ قال: أولُه حين يدخل. 1606- حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني الثوريُّ، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله أنه قال حين غربت الشمس، دلكت براح يعني: براح مكَاناً. 1607- حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عَبَّاس، قال: دلوكها غروبها. 1608- دثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، في قوله تعالى: {لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ...}: [الآية: 78]، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن ابن لبيبة، قال: جئت أبا هريرة، وهو في المسجد الحرام جالس، قال عبد الله: صِفهُ لي؟ قال: كان رَجُلاً آدَمَ، ذَا طمرين، بعيد ما بين المنكبين، أقشع الثنيتين، يعني أفرق، فقلت: أخبرني عن أمْرٍ، الأمور له تَتَبعٌ عن صلاتنا التي لا بُدَّ لنا مِنْهَا، قال: مِمَّنْ أنْتَ؟ قلت: من قوم شَمَّروا بطاعتهم، واشتملوا بها، قال: ممَّن؟ قلت: من ثقِيف، قال: فأين أنت من عمرو بن أوس؟ قال، قلت: رأيت مكان عَمْروا، ولكني جئتك لأسْألكَ قال: أتقرأ من القرآن شيئاً؟ قال: قلت نعم، قال: اقرأ، قال: فقرأت فاتِحَة القرآن، قال: فقال: هذه السَّبع المثاني التي يقول الله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ}تفسير : : [الحجر: 87]، قال: ثم قال: أتقرأ سورة المائدة؟ قال: قلت: نعم، قال: فقرأ عَليَّ آيةَ الْوُضُوءِ، فقرأتها عليه، قال، فقال: ما أراك إلا وقد عملت وضوء الصلاة، أما سمعت الله يقول: {أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ}: [الاية: 78]، أتدري ما دلوكها؟ قال، قلت: إذَا زالَتْ الشمس عن بطن السَّماء أو عن كبد السَّماءِ، بعد نصف النَّهارِ، قال: نعم. قال: فَصَلِّ حنيئذٍ الظهر، ثم صلِّ العصر، والشمس بَيْضَاء تَجد لها مَسّاً. قال: هَلْ تدرِي ما غَسَقُ اللَّيْلِ؟ قال: قلت نعم، غروب الشمس، قال: نعم، قال: فاحدِرها في أثَرِهَا ثم احدِرها في أثرها، وصلِّ صلاة العِشَاء، إذَا ذَهَبَ الشّفَقُ، وادْلأمَّ اللَّيْلُ مِنْ هُنَا فَصلِّ - وأشار إلى المشرق - فيما بينك وبين ثلث الليل، وما عجلتَ بعد ذهاب بياض الأفق - فهو أفْضَلُ، وصلِّ صلاة الفجر إذا طلع الفجرُ، أتعرفُ الفجر؟ قال، قلت: نعم، قال: ليس كلّ الناس تعرفه، قال: قلنا: إذا اصطفق الأفقان بالبياض. قال: نعم، فَصَلِّها جينئذٍ إلى الشرق، وقال في حديثه: وإيّاك والحبوة والإقعاء وتحفِّظ من السَّهْوِ، حتَّى تفرغ من المكتوبة، قال، قلت: فأخبرني عن صلاة الوسطى؟ قا ل: أما سمعت الله يقول: {أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ}: [الآية: 78]، قال: {أية : وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ}تفسير : : [النور: 58]، فَذَكَر الصلوات كلها ثم قال: {أية : حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ}تفسير : : [البقرة: 238]، ألا وهي العصر، ألا وهي العصر. 1647- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال، قال: {لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} غروبها {إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ} المغرب {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ} صَلاة الفجر. وقَوْلُهُ: {كَانَ مَشْهُوداً}: [الآية: 78]، تجتمع فيه ملائكة اللَّيْل، وملائكة النَّهارِ في صَلاَة الفجر، ثم يَصْعَدُونَ، فَيقولُونَ نقص فلان من صلاته الربع، ونقص فلان الشطر، ويقُولُونَ زادَ فلانٌ كذا وكذا. 1648- حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني بكار، قال: سمِعْتُ وَهَب بن مُنَبِّهْ يحدث أنَّ بختنصَّر مُسِخَ أسَداً فكان مَلِك السِّباع، ثم مُسِخَ نِسْراً فكان ملك الطير، ثم مُسِخَ ثَوْراً فكان ملك الدواب ثم قال: وهُوَ في ذَلِك يعْقِلُ عَقْلَ الإنْسَانِ، وكانَ ملكه قائماً يُدَبَّر له، قال: ثم ردَّ اللهُ روحهُ فَدَعا الناس إلى توحيدِ الله، وقال: إن كل إلَه باطِل إلاَّ إلَه السَّماء، قال: فقيل لوهب بن منبه أمؤمن مات، وجدت أهلَ الكتاب قد اختلفوا فيه، فقَالَ بَعْضُهُم: قد آمن قبل أن يَمُوتَ، وقال بَعْضُهُمْ: قَتَلَ الأنبياءَ وحَرَقَ الكُتُبَ، وخرَّب بيت المقدس، فلم تُقْبَل التّوْبَة.