Verse. 2108 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

وَمِنَ الَّيْلِ فَتَہَجَّدْ بِہٖ نَافِلَۃً لَّكَ۝۰ۤۖ عَسٰۗي اَنْ يَّبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُوْدًا۝۷۹
Wamina allayli fatahajjad bihi nafilatan laka AAasa an yabAAathaka rabbuka maqaman mahmoodan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن الليل فتهجد» فصلِّ «به» بالقرآن «نافلة لك» فريضة زائدة لك دون أمتك أو فضيلة على الصلوات المفروضة «عسى أن يبعثك» يقيمك «ربك» في الآخرة «مقاما محمودا» يحمدك فيه الأولون والآخرون وهو مقام الشفاعة في فصل القضاء، ونزل لما أمر بالهجرة.

79

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ} «من» للتبعيض. والفاء في قوله «فتهجّد» ناسقة على مضمر، أي قم فتهجد. {بِهِ} أي بالقرآن. والتَّهَجُّد من الهجود وهو من الأضداد. يقال: هجد نام، وهجد سهر؛ على الضد. قال الشاعر:شعر : ألا زارَتْ وأهلُ مِنًى هجود وليْت خيالها بمنًى يعود تفسير : آخر:شعر : ألاَ طرقتنا والرّفاق هجود فباتت بِعَلاّت النوال تجود تفسير : يعني نِياماً. وهجد وتهجد بمعنًى. وهجّدته أي أنمته، وهجدته أي أيقظته. والتهجّد التيقظ بعد رَقْدة، فصار اسما للصلاة؛ لأنه ينتبه لها. فالتهجد القيام إلى الصلاة من النوم. قال معناه الأسود وعلقمة وعبد الرحمن بن الأسود وغيرهم. وروى إسماعيل بن إسحاق القاضي من حديث الحجاج بن عمر صاحب النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: أيحسب أحدكم إذا قام من الليل كلّه أنه قد تهجد! إنما التهجد الصلاة بعد رقْدة ثم الصلاة بعد رقْدة ثم الصلاة بعد رقدة. كذلك كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: الهجود النوم. يقال: تهجد الرجل إذا سَهِر، وألقى الهجود وهو النوم. ويسمى من قام إلى الصلاة متهجدا؛ لأن المتهجد هو الذي يُلقي الهجود الذي هو النوم عن نفسه. وهذا الفعل جارٍ مجرى تحوّب وتحرّج وتأثّم وتحنّث وتقذّر وتنجّس؛ إذا ألقى ذلك عن نفسه. ومثله قوله تعالى: {أية : فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} تفسير : [الواقعة: 65] معناه تندّمون؛ أي تطرحون الفكاهة عن أنفسكم، وهي انبساط النفوس وسرورها. يقال رجل فَكِه إذا كان كثير السرور والضحك. والمعنى في الآية: ووقتا من الليل أسهرته في صلاة وقراءة. الثانية: قوله تعالى: {نَافِلَةً لَّكَ} أي كرامة لك؛ قاله مقاتل. واختلف العلماء في تخصيص النبيّ صلى الله عليه وسلم بالذكر دون أمته؛ فقيل: كانت صلاة الليل فريضة عليه لقوله: «نافلة لك» أي فريضة زائدة على الفريضة الموظفة على الأمة. قلت: وفي هذا التأويل بعدٌ لوجهين: أحدهما: تسمية الفرض بالنفل، وذلك مجاز لا حقيقة. الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خمس صلوات فرضهن الله على العبادتفسير : ، وقوله تعالى: «حديث : هن خمس وهن خمسون لا يبدّل القول لَدَيَّ» تفسير : وهذا نص، فكيف يقال افترض عليه صلاة زائدة على الخمس، هذا ما لا يصح، وإن كان قد روي عنه عليه السلام: «حديث : ثلاث عليّ فريضة ولأمتي تطوع قيام الليل والوتر والسّواك»تفسير : . وقيل: كانت صلاة الليل تطوعاً منه وكانت في الابتداء واجبة على الكل، ثم نسخ الوجوب فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة، كما قالت عائشة، على ما يأتي مبيّناً في سورة «المزمّل» إن شاء الله تعالى. وعلى هذا يكون الأمر بالتنفل على جهة الندب ويكون الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مغفور له. فهو إذا تطوّع بما ليس بواجب عليه كان ذلك زيادة في الدرجات. وغيره من الأمة تطوّعهم كفارات وتدارك لخلل يقع في الفرض؛ قال معناه مجاهد وغيره. وقيل: عطية؛ لأن العبد لا ينال من السعادة عطاء أفضل من التوفيق في العبادة. الثالثة: قوله تعالى: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} اختلف في المقام المحمود على أربعة أقوال: الأوّل: وهو أصحها ـ الشفاعة للناس يوم القيامة؛ قاله حُذيفة بن اليَمَان. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جُثاً كل أمة تتبع نبيها تقول: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقامَ المحمود. وفي صحيح مسلم عن أنس قال حدّثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض فيأتون آدم فيقولون له اشفع لذرّيتك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم عليه السلام فإنه خليل الله فيأتون إبراهيم فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله فيؤتى موسى فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى عليه السلام فإنه روح الله وكلمته فيؤتى عيسى فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم فأُوتَى فأقول أنا لها» تفسير : وذكر الحديث. وروى الترمذِيّ عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «حديث : عسى أن يبعثك ربُّك مقاماً محموداً سئل عنها قال: هي الشفاعة» تفسير : قال: هذا حديث حسن صحيح. الرابعة: إذا ثبت أن المقام المحمود هو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء عليهم السلام، حتى ينتهي الأمر إلى نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم فيشفع هذه الشفاعة لأهل الموقف ليعجّل حسابهم ويراحوا من هول موقفهم، وهي الخاصة به صلى الله عليه وسلم؛ ولأجل ذلك قال: «حديث : أنا سيد ولد آدم ولا فخر»تفسير : . قال النقاش لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث شفاعات: العامة، وشفاعة في السبق إلى الجنة، وشفاعة في أهل الكبائر. ابن عطية: والمشهور أنهما شفاعتان فقط: العامة، وشفاعة في إخراج المذنبين من النار. وهذه الشفاعة الثانية لا يتدافعها الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء. وقال القاضي أبو الفضل عِياض: شفاعات نبينا صلى الله عليه وسلم يوم القيامة خمس شفاعات: العامة. والثانية في إدخال قوم الجنة دون حساب. الثالثة في قوم من موحِّدِي أمته استوجبوا النار بذنوبهم فيشفع فيهم نبينا صلى الله عليه وسلم، ومَن شاء الله أن يشفع ويدخلون الجنة. وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعة الخوارج والمعتزلة، فمنعتها على أصولهم الفاسدة، وهي الاستحقاق العقلي المبنيّ على التحسين والتقبيح. الرابعة فيمن دخل النار من المذنبين فيخرجون بشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء والملائكة وإخوانهم المؤمنين. الخامسة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وترفيعها، وهذه لا تنكرها المعتزلة ولا تنكر شفاعة الحشر الأوّل. الخامسة: قال القاضي عِياض: وعرف بالنقل المستفيض سؤالُ السلف الصالح لشفاعة النبيّ صلى الله عليه وسلم ورغبتهم فيها، وعلى هذا لا يلتفت لقول من قال: إنه يكره أن تسأل الله أن يرزقك شفاعة النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنها لا تكون إلا للمذنبين، فإنها قد تكون كما قدّمنا لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات. ثم كل عاقل معترف بالتقصير محتاج إلى العفو غير معتدٍّ بعمله مشفق أن يكون من الهالكين، ويلزم هذا القائل ألا يدعو بالمغفرة والرحمة؛ لأنها لأصحاب الذنوب أيضاً، وهذا كله خلاف ما عرف من دعاء السلف والخلف. روى البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ الوسيلة والفضيلة وٱبعثه مقاماً محموداً الذي وعدتَه حلّت له شفاعتي يوم القيامة».تفسير : القول الثاني ـ أن المقام المحمود إعطاؤه لواء الحمد يوم القيامة. قلت: وهذا القول لا تنافر بينه وبين الأوّل؛ فإنه يكون بيده لواء الحمد ويشفع. روى الترمذي عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من نبيّ يومئذ آدمَ فمن سواه إلا تحت لوائي» تفسير : الحديث. القول الثالث ـ ما حكاه الطبري عن فرقة، منها مجاهد، أنها قالت: المقام المحمود هو أن يُجلس الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم معه على كرسيّه؛ وروت في ذلك حديثاً. وعَضَد الطبريّ جواز ذلك بشططٍ من القول، وهو لا يخرج إلا على تلطُّف في المعنى، وفيه بُعْدٌ. ولا يُنْكَر مع ذلك أن يروَى، والعلم يتأوّله. وذكر النقاش عن أبي داود السِّجسْتَانيّ أنه قال: من أنكر هذا الحديث فهو عندنا مُتَّهَم، ما زال أهل العلم يتحدّثون بهذا، من أنكر جوازه على تأويله. قال أبو عمر: ومجاهد وإن كان أحد الأئمة يتأوّل القرآن فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم: أحدهما هذا والثاني في تأويل قوله تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌإِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} تفسير : [القيامة: 22] قال: تنتظر الثواب؛ ليس من النظر. قلت: ذكر هذا في باب ٱبنُ شهاب في حديث التنزيل. وروي عن مجاهد أيضاً في هذه الآية قال: يُجلسه على العرش. وهذا تأويل غير مستحيل؛ لأن الله تعالى كان قبل خلقه الأشياء كلَّها والعرشَ قائماً بذاته، ثم خلق الأشياء من غير حاجة إليها، بل إظهاراً لقدرته وحكمته، وليُعرف وجوده وتوحيده وكمال قدرته وعلمه بكل أفعاله المحكمة، وخلق لنفسه عرشاً استوى عليه كما شاء من غير أن صار له مماساً، أو كان العرش له مكاناً. قيل: هو الآن على الصفة التي كان عليها من قبل أن يخلق المكان والزمان؛ فعلى هذا القول سواء في الجواز أقعد محمد على العرش أو على الأرض؛ لأن استواء الله تعالى على العرش ليس بمعنى الانتقال والزوال وتحويل الأحوال من القيام والقعود والحال التي تشغل العرش، بل هو مستو على عرشه كما أخبر عن نفسه بلا كَيْفٍ. وليس إقعاده محمداً على العرش موجباً له صفة الربوبية أو مُخرجاً له عن صفة العبودية، بل هو رفع لمحله وتشريف له على خلقه. وأما قوله في الإخبار: «معه» فهو بمنزلة قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} تفسير : [الأعراف: 206]، {أية : رَبِّ ٱبْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي ٱلْجَنَّةِ} تفسير : [التحريم: 11]، {أية : وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [العنكبوت: 69] ونحو ذلك. كل ذلك عائد إلى الرتبة والمنزلة والحُظْوة والدرجة الرفيعة، لا إلى المكان. الرابع: إخراجه من النار بشفاعته من يخرج؛ قاله جابر بن عبد الله. ذكره مسلم. وقد ذكرناه في (كتاب التذكرة) والله الموفق. السادسة: اختلف العلماء في كون القيام بالليل سبباً للمقام المحمود على قولين: أحدهما ـ أن البارىء تعالى يجعل ما شاء من فعله سبباً لفضله من غير معرفة بوجه الحكمة فيه، أو بمعرفة وجه الحكمة. الثاني ـ أن قيام الليل فيه الخلوة مع الباريء والمناجاة دون الناس، فأعطى الخلوة به ومناجاته في قيامه وهو المقام المحمود. ويتفاضل فيه الخلق بحسب درجاتهم، فأجلّهم فيه درجة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنه يُعْطي ما لا يُعطى أحد ويشفع ما لا يشفع أحد. و «عسى» من الله عز وجل واجبة. و «مقاماً» نصب على الظرف. أي في مقام أو إلى مقام. وذكر الطبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : المقام المحمود هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي». تفسير : فالمقام الموضع الذي يقوم فيه الإنسان للأمور الجليلة كالمقامات بين يدي الملوك.

البيضاوي

تفسير : {وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ} وبعض الليل فاترك الهجود للصلاة والضمير للـ {قُرْءانَ }. {نَافِلَةً لَّكَ } فريضة زائدة لك على الصلوات المفروضة، أو فضيلة لك لاختصاص وجوبه بك. {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } مقاماً يحمده القائم فيه وكل من عرفه، وهو مطلق في كل مكان يتضمن كرامة والمشهور أنه مقام الشفاعة. لما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي»تفسير : ولإِشعاره بأن الناس يحمدونه لقيامه فيه وما ذاك إلا مقام الشفاعة، وانتصابه على الظرف بإضمار فعله أي فيقيمك مقاماً أو بتضمين {يَبْعَثَكَ} معناه، أو الحال بمعنى أن يبعثك ذا مقام.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ } فصلِّ {بِهِ } بالقرآن {نَافِلَةً لَّكَ } فريضة زائدة لك دون أمّتك أو فضيلة على الصلوات المفروضة {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ } يقيمك {رَبَّكَ } في الآخرة {مَقَاماً مَّحْمُودًا } يحمدك فيه الأوّلون والآخرون وهو مقام الشفاعة في فصل القضاء.

ابن عبد السلام

تفسير : فَتَهَجَّدْ الهجود النوم، والتهجد السهر بعد النوم، {نَافِلَةً لَكَ} فضيلة لك ولغيرك كفارة، أو مكتوبة عليك مستحبة لغيرك "ع" أو حضضه بالترغيب فيها لحيازة فضلها لكرامته عليه {مَّحْمُوداً} الشفاعة للناس في القيامة، أو إجلاسه على العرش يوم القيامة، أو إعطاؤه لواء الحمد يومئذ.

الثعالبي

تفسير : {وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ } «مِنْ» للتبعيض، التقدير: ووقتاً مِنَ الليلِ، أيَّ: قم وقتاً، والضمير في «به» عائدٌ على هذا المقدَّر، ويحتملُ أن يعود على القرآن، و«تهجَّد» معناه: ٱطَّرِحِ الهجودَ عَنْك، «والهُجُود»: النوم، المعنى: ووقتاً من الليل ٱسْهَرْ به في صلاةٍ وقراءة، وقال علقمة وغيره: التهجُّد بعد نومة، وقال الحَجَّاج بن عمرو: إِنما التهجُّد بعد رقدة، وقال الحسن: التهجُّد ما كان بعد العشاء الآخرة. وقوله: {نَافِلَةً لَّكَ } قال ابن عباس: معناه: زيادةً لك في الفَرْضٍ، قال: وكان قيامُ الليل فرضاً على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقال مجاهدٌ: إِنما هي نافلة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مغفورٌ له،والناس يحطُّون بمثل ذلك خطاياهم، يعني: ويجبرون بها فرائضهم؛ حَسْبما ورد في الحديثِ، قال صاحب «المدخل»، وهو أبو عبد الله بن الحَاجِّ؛ وقد قالوا: إِنَّ مَنْ كان يتفلَّت منه القرآن، فليقُمْ به في الليْلَ، فإن ذلك يثبته له ببركة امتثال السُّنَّة سِيَمَا الثُّلُثُ الأخير من الليلِ؛ لما ورد في ذلك من البركَات والخَيْرَات، وفي قيامِ اللَّيْلِ من الفوائد جملةٌ، فلا ينبغي لطالب العلْم أنْ يفوته منْها شَيْءٌ. فمنها: أنه يحطُّ الذنوب؛ كما يحطُّ الريحُ العاصفُ الوَرَقَ اليابس من الشجرة. الثاني: أنه ينوِّر القلب. الثالث: أنه يحسِّن الوجه. الرابع: أنه يذهب الكسل، وينشِّط البدن. الخامس: أن موضعه تراه الملائكَة من السماء؛ كما يتراءى الكوكب الدُّرِّيُّ لنا في السماءِ، وقد روى الترمذيُّ عن أبي أمامة؛ أن رسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: « حديث : عَلْيُكُمْ بِقَيِامِ اللَّيْلِ، فإِنَّهُ مِنْ دأْبِ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلى اللَّهِ تعالى، ومَنْهَاةٌ عَنِ الآثَامِ، وتَكْفِيرٌ للسَّيِّئَاتِ، وَمَطْرَدَةٌ للِدَّاءِ عَنِ الجَسَدِ » تفسير : وروى أبو داود في «سننه» عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاصِ، قال: قَالَ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"حديث : مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آياتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغَافِلِينَ، ومَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ القَانِتِينَ، ومَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةِ، كُتِبَ مِنَ المُقَنْطِرِين"تفسير : انتهى من «المدخل». وقوله سبحانه: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا }: عِدَةٌ من اللَّه عزَّ وجلَّ لنبيِّه، وهو أمر الشَّفاعة الذي يتدافَعُه الأنبياء حتى ينتهي إِليه صلى الله عليه وسلم، والحديث بطوله في البخاريِّ ومسلمٍ. قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه»: واختلف في وَجْهِ كوْنِ قيامِ الليْلِ سَبَباً للمقامِ المْحُمودِ؛ على قَوْلين للعلماء: أحدهما: أن البارِي تعالى يجعلُ ما يشاء مِنْ فضله سبباً لفضله من غير معرفةٍ لنا بَوْجهِ الحكمة. الثاني: أنَّ قيام الليل فيه الخَلْوَة بالباري تعالى، والمناجاة معه دون الناسِ، فيعطى الخَلْوة به ومناجاتَه في القيامةِ، فيكون مقاماً محموداً، ويتفاضل فيه الخَلْق؛ بحسب درجاتهم، وأجلُّهم فيه درجة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، فيعطى من المحامدِ ما لم يعطَ أحدٌ، ويَشْفَعُ فَيُشَفَّع. انتهى. وقوله سبحانه: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ...} الآية: ظاهر الآية: والأحْسَنُ أن يكون دعا عليه السلام في أن يحسِّن اللَّه حالته في كلِّ ما يتناول من الأمور ويحاولُ من الأسفار والأعمال، وينتظر من تصرُّف المقادير في المَوْت والحياة، فهي على أتمِّ عمومٍ، معناه: ربِّ، أصْلِحْ لي وِرْدِي في كلِّ الأمور، وَصَدَري. وذهب المفسِّرون إِلى تخصيص اللفْظِ، فقال ابن عبَّاس وغيره: أدْخِلْنِي المدينة، وأخرجني من مكَّة، وقال ابن عباس أيضاً: الإِدخال بالمَوْت في القبرِ، والإِخراج: البعث، وقيل غير هذا، وما قدَّمت من العموم التَّامِّ الذي يتناول هذا كلَّه أصوبُ، «والصِّدق»؛ هنا صفة تقتضي رفْعَ المذامِّ وٱستيعابَ المَدْح، {وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَـٰناً نَّصِيرًا } قال مجاهدٌ: يعني حجَّةً تنصرني بها على الكفَّار. وقوله سبحانه: {وَقُلْ جَاءَ ٱلْحَقُّ...} الآية: قال قتادة: {ٱلْحَقُّ} القُرآن، و{ٱلْبَـٰطِلُ } الشيطان. وقالت فرقةٌ: {ٱلْحَقُّ} الإِيمان، و{ٱلْبَـٰطِلُ }: الكُفْران، وقيل غير هذا، والصواب تعميمُ اللفظ بالغايةِ المُمْكنة؛ فيكون التفسيرُ: جَاءَ الشرع بجميع ما ٱنْطَوَى فيه، وزَهَق الكُفْر بجميع ما ٱنْطَوى فيه، وهذه الآية نزَلْت بمكَّة، وكان يستشهد بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فتحِ مكَّة وقْتَ طعنه الأصنام وسقوطَها لطَعْنه إِياها بالمِخْصَرَة.

القشيري

تفسير : الليل لأحدِ أقوام: لطالبي النجاة وهم العاصون مَنْ جَنَح منهم إلى التوبة، أو لأصحاب الدرجات وهم الذين يَجِدُّون في الطاعات، ويسارعون في الخيرات، أو لأصحاب المناجاة مع المحبوب عندما يكون الناس فيما هم فيه من الغفلة والغيبة. ويقال الليل لأحد رجلين: للمطيع والعاصي: هذا في احتيال أعماله، وهذا في اعتذاره عن قبيح أفعاله. والمقام المحمود هو المخاطبة في حال الشهود، ويقال الشهود. ويقال هو الشفاعة لأهل الكبائر. ويقال هو انفراده يوم القيامة بما خُصَّ به - صلى الله عليه وسلم - بما لا يشاركه فيه أحد.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن الليل} نصب على الظرفية اى قم بعض الليل {فتهجد به} اى ازل والق الهجود وهو النوم فان صيغة التفعل تجيئ للازالة نحو تأثم اى جانب الاثم وازاله ويكون التهجد نوما من الاضداد والضمير المجرور للقرآن من حيث هو لا بقيد اضافته الى الفجر او للبعض المفهوم من قوله ومن الليل اى تهجد فى ذلك البعض على ان الباء بمعنى فى {نافله لك} النفل فى الاصل بمعنى الزيادة اى فريضة زائدة على الصلوات الخمس المفروضة خاصة بك دون الامة كما روت عائشة رضى الله عنهما "ثلاث على فريضة وهى سنة لكم الوتر والسواك وقيام الليل" او تطوعا لزيادة الدرجات بخلاف تطوع الامة فانه لتكفير الذنوب وتدارك الخلل الواقع فى فرائضهم كما قال قتادة ومجاهد ان الوجوب قد نسخ فى حقه عليه السلام كما نسخ فى حق الامة فصارت الامور المذكورة نافلة لان الله تعالى قال{نافلة لكم} ولم يقل عليك وانتصاب نافلة على المصدرية بقدير تنفل {عسى} فى اللغة للطمع والطمع والاشفاق من الله كالواجب. قال الكاشفى [شايد والبته جنين بود] {ان يبعثك ربك} من القبر فيقيمك {مقاما محمودا} عندك وعند جميع الناس وهو مقام الشفاعة العامة لاهل المحشر يغبطه به الاولون والآخرون لان كل من قصد من الانبياء للشفاعة يحيد عنها ويحيل على غيره حتى يأتوا محمدا للشفاعة فيقول انا لها ثم يشفع فيشفع فيمن كان من اهلها [صاحب فتوحات أورده كه مقام محمود مقاميست مرجع جميع مقامات ومنظر تمام اسماء الهية وآن خاصه حضرت محمد است وباب شفاعت درين مقام كشاده ميشود شعر : اى ذات تودردوكون مقصودودود نام تو محمد ومقامت محمود تفسير : والآية رد على المعتزلة المنكرين للشفاعة زعما انها تبليغ غير المستحق للثواب الى درجة المستحقين للثواب وذلك ظلم ولم يعلموا ان المستحق للثواب والعقاب من جعله الله لذلك مستحقا بفضله وعدله ولا واجب لاحد على الله بل هو يتصرف فى عباده على حكم مراده فان قالت المعتزلة رويتم عن النبى عليه السلام"حديث : شفاعتى لاهل الكبائر من امتى"تفسير : فعلى هذا المستحق للشفاعة انما هو من قتل النفس وزنى وشرب الخمر فان اصحاب الكبائر هؤلاء وهذا اغراء ظاهر لخلق الله على مخالفة اوامره. فالجواب انه ليس فيه اغراء وانما فيه ان صاحب الكبائر مع قربه من عذاب الله واستحقاقه عقوبته تستدركه شفاعتى وتنجيه عنايتى وينقذه ارحم الراحمين بحرمتى ومكانتى ففيه مدح الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه بماله عند الله تعالى من الدرجة الرفيعة والوسيلة فاذا كان حكم صاحب الكبائر هذا فكيف ظنك بصاحب الصغيرة ودعواهم بان يكون ظلما قلت أليس خلقه الله وخلق له القدرة على ارتكاب الكبائر ومكنه منها ولم يكن ذلك اغراء منه على ارتكاب الكبائر كذلك فى حق الرسول صلى الله عليه وسلم كذا فى الاسئلة المقحمة: وفى المثنوى شعر : غمركه روز رستخبز كذارم مجرمانرا اشك ريز من شفيع عاصيان باشم بجان ارهانم شان زاشكنجه كران عاصيان واهل كبائر را بجهد ارهانم ازعتاب ونقض عهد صالحان امتم خود فارغند زشفا عتهاى من روز كزند بلكه ايشانرا شفاعتها بود فت شان جون حكم نافذمى رود تفسير : ترغيب لصلاة التهجد وفى ثمان ركعات قالت عائشة رضى الله عنها ما كان يزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى رمضان ولا فى غيره على احدى عشرة ركعة يصلى اربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلى اربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلى ثلاثا. قال الشيخ عبد الرحمن البسطامى قدس سره فى ترويح القلوب اذا دخل الثلث الاخير من الليل يقوم ويتوضأ ويصلى التهجد اثنتى عشرة ركعة يقرأ فيها بما شاء واراد من حزبه وكان عليه الصلاة والسلام يصلى من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر بخمس لا يجلس الا فى آخرهن انتهى وفى الحديث "حديث : اشراف امتى حملة القرآن واصحاب الليل" شعر : دلا برخيز وطاعت كن كه طاعت به زهر كارست سعادت آنكسى دارد كه وقت صبح بيدارست خروسان درسحر كوينده قم يا ايها الغافل تو از مستى نمى دانى كسى داند كه هشيارست تفسير : وعن ابن عباس رضى الله عنهما شعر : اذا كثر الطعام فحذرونى فان القلب يفسده الطعام اذا كثر المنام فنبهونى فان العمر ينقصه المنام اذاكثر الكلام فسكتونى فان الدين يهدمه الكلام اذا كثر المشيب حرّ كونى فان الشيب يتبعه الحمام تفسير : وفى الخبر "حديث : اذا نام العبد عقد الشيطان على رأسه ثلاث عقد فان قعد وذكر الله انحلت عقدة فان توضأ انحلت عقدة اخرى وان صلى ركعتين انحلت العقد كلها فاصبح نشيطا طيب النفس والا اصبح كسلان خبيث النفس"تفسير : وليل القائم يتنور بنور عبادته كوجهه - يحكى - عن شاب عابد انه قال نمت عن وردى ليلة فرأيت كأنّ محرابى قد انشق وكأنى بجوار قد خرجن من المحراب لم ار احسن اوجها منهن واذا واحدة فيهن شوهاء اى قبيحة لم ار اقبح منها منظرا فقلت لمن انتن ولمن هذه فقلن نحن لياليك التى مضين وهذه ليلة نومك فلو مت فى ليلتك هذه لكانت هذه حظك. وكان بعض الصالحين يقوم الليل كله ويصلى صلاة الصبح بوضوء العشاء كأبى حنيفة رحمه الله ونحوه. قال بعضهم لان أرى فى بيتى شيطانا احب الى من ان ارى وسادة فانها تدعو الى النوم. وقال بعض العارفين ان الله يطلع على قلوب المستيقظين بالاسحار فيملأها نورا فترد الفوائد على قلوبهم فتستنير ثم تنتشر من قلوبهم الى قلوب الغافلين.

الطوسي

تفسير : هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى له: {ومن الليل فتهجّد} والتهجّد التيقظ بما ينفي النوم، والهجود النوم، وهو الأصل، هجد يهجد هجوداً، فهو هاجد إِذا نام، قال لبيد: شعر : قلت هجدنا فقد طال السرى تفسير : وقال الشاعر: شعر : أَلا طرقتنا والرفاق هجود فباتت بعلاَّت النوال تجود تفسير : وقال الحطيئة: شعر : أَلا طرقت هند الهنود وصحبتي بحوران حوران الجنود هجود تفسير : وقال علقمة، والاسود: التهجد يكون بعد نومة. وقال المبرّد:- التهجد عند أهل اللغة - السهر للصلاة، أَو لذكر الله، فاذا سهر للصلاة قيل تهجد، واذا أَراد النوم قال هجدت. والنافلة فعل ما فيه الفضيلة مما رغّب الله فيه، ولم يوجبه. والنافلة. الغنيمة، قال الشاعر: شعر : إِن تقوى ربنا خير نَفل وباذن الله ريثي والعجل تفسير : اي خير غنيمة. والحسن من افعال العباد على ثلاثة أقسام: واجب، وندب، ومباح. وقال الرماني: يجوز ان يكون نافلة اكثر ثواباً من فريضة إِذا كان ترك الفريضة صغير، لأن نافلة النبي صلى الله عليه وسلم أَعظم من هذه الفريضة، من فرائض غيره. وقد تكون نعمة واجبة أَعظم من نعمة واجبة، كنعم الله تعالى، لانه يستحق بها العباد من نعمة الانسان التي يستحق بها الشكر فقط. وقوله: {نافلة لك} وجه هذا الاختصاص هو أَنه أَتمّ، للترغيب لما في ذلك من صلاح أُمته في الابتداء به والدعاء الى الاستنان بسنته. وروي أنها فرضت عليه، ولم تفرض على غيره، فكانت فضيلة له، ذكره ابن عباس، فيجوز ذلك بترغيب يخصّه في شدته. وقال مجاهد: لانها فضيلة له ولغيره كفَّارة، لان الله تعالى غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهذا ايضاً من إِختصاصه بما ليس لغيره. وقوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} معناه متى فعلت ما ندبناك اليه من التهجد يبعثك الله مقاماً محموداً، وهي الشفاعة، في قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة. وقال قوم: المقام المحمود إِعطاؤه لواء الحمد. و (عسى) من الله واجبه. وقد أنشد لابن مقبل في وجوبها: شعر : ظني بهم كعسى وهم بتنوفة يتنازعون جوائز الامثال تفسير : يريد كيقين، ثم أَمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: {أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق} قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: إِدخاله المدينة حين أخرج من مكة. وقيل ادخلني فيما أَمرتني واخرجني عما نهيتني بلطف من أَلطافك. وقال الفراء: قال ذلك حين رجع من معسكره الذي أَراد أن يخرج الى الشام، حين قالوا له: ليست المدينة أَرض الانبياء، و {أخرجني مخرج صدق} يعني الى مكة. وقال أيضاً: يا محمد قل {واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً} قال الحسن وقتادة: معناه اجعل لي عزّاً امتنع به ممن يحاول صدي عن إِقامة فرائض الله في نفسه وغيره. وقال مجاهد: حجة بينة. ثم قال: {وقل جاء الحق} يعني التوحيد وخلع الانداد والعبادة لله وحده لا شريك له {وزهق الباطل} قال ابن عباس: معناه ذهب الباطل، وزهقت نفسه زهوقاً إِذا خرجت، فكأنه خرج الى الهلاك. وقيل امر بهذا الدعاء إِذا دخل في أمرٍ او خرج من امر. ثم قال تعالى وأَخبر {إن الباطل كان زهوقاً} باطلاً هالكاً لا ثبات له، وانه يضمحل ويتلاشى. وروي عن ابن مسعود أنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح مكة، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعنها بعود، ويقول: "حديث : جاء الحق وزهق الباطل إِن الباطل كان زهوقا"تفسير : وجاء الحق وما يبدي الباطل وما يعيد.

الجنابذي

تفسير : {وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ} وبعضاً من اللّيل فحذف الموصوف واقيم الصّفة مقامه لقوّة معنى البعضيّة فى من التّبعيضيّة حتّى قيل باجراء احكام الاسم الخالص على من ومجرورها بل قيل: بكون من اسماً ولفظة الفاء زائدة او بتوهّم امّا او عاطفة من قبيل عطف التّفسير على المفسّر بالفاء، والتّهجد كما يستعمل فى النّوم يستعمل فى الاستيقاظ فهو من الاضداد، ويمكن ان يكون مأخوذاً من الهجود بفتح الهاء وهو المصلّى باللّيل والمعنى بعض اللّيل فاستيقظ بذلك البعض اى فى ذلك البعض وصلّ وبالغ واجتهد فى صلاتك فى ذلك البعض، وامّا جعله من الهجود بضمّ الهاء وجعل الصّيغة للسّلب فبعيد غاية البعد {نَافِلَةً لَّكَ} عطيّة لك او صلاة نافلة لك وعلى الاوّل فهو مفعول فعلٍ محذوفٍ اى اعطينا عطيّة لك وعلى الثّانى مفعول تهجّد بناء على تضمينه معنى افعل او على تجريده عن معنى الصّلاة اى فافعل بالاستيقاظ نافلة لك، او فافعل نافلة لك على معنى التّهجّد ولام لك للاختصاص ومعنى اختصاصه به اختصاص وجوبه به وان كان استحبابه مشتركاً بينه (ص) وبين امّته، ويمكن استنباط الوجوب من الآية مع قطع النّظر عمّا ورد فى الاخبار من وجوب التّهجّد عليه (ص) لانّه عطف التّهجّد على اقامة الصّلاة لدلوك الشّمس، والامر هناك للوجوب والتّوافق يقتضى ان يكون ههنا ايضاً للوجوب، وتفصيل النّوافل وكيفيّتها ووقتها وفضيلتها موكول الى كتب الفقهاء رضوان الله عليهم {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} التّنوين للتّعظيم اى مقاماً عظيماً محموداً وهو منصوب على الظّرفيّة او على الحاليّة باعتبار انّه (ص) قام فى المقام المحمود وصار بنفسه مقاماً محموداً، والمقام المحمود هو آخر مقامامت السّالك وهو مقامه مع الحقّ فى الخلق فانّ اوّل مقاماته وهو مقامه فى الخلق مع الخلق مقام مذموم والانسان ممور بالفرار والهجرة منه وعدم الوقوف فيه، وثانى مقاماته هو مقامه فى الحقّ سالكاً منه الى الحقّ مقام تنزيهٍ وقدسٍ وليس مقاماً محموداً، وثالث مقاماته وهو مقامه فى الحقّ مع الحقّ فانياً فيه انتهاء مقام قدسه وتنزيهه ولا اسم له ولا رسم فى ذلك المقام فضلاً عن الحمد والفضل، ورابع مقاماته وهو مقامه فى الخلق مع الحقّ مقام محمود ومقام الفضل ومقام الجميع بين التّنزيه والتّشبيه والحقّ والخلق والتّوحيد والتّكثير، ولكون هذا المقام بعد الفناء اتى بلفظ البعث الدّالّ على الاحياء بعد الممات فانّ الفانى ميّت بالموت الاختيارىّ والرّاجع الى الخلق يحيى بعد فنائه وذلك المقام وان كان لكلّ نبىٍّ لكن مطلقه وعظيمه وما ينبغى ان يكون الكامل عليه كان مطلوباً منه وباعتبار ذلك المقام العظيم امره تعالى بالسّؤال بعد الامر بالنّافلة باللّيل الّتى هى عبارة عن المقام فى ذلك المقام والاّ كان اصله حاصلاً له بوجهٍ، وذلك انّ صاحب هذا المقام امّا ان يكون نظره الى الخلق غالباً او يكون نظره الى الحقّ غالباً وهذان المقامان ليسا محمودين على الاطلاق وهما نشأتا موسى (ع) وعيسى (ع)، او يكون نظره الى الحقّ ونظره الى الخلق متساويين بمعنى ان يكون النّظر الى كلٍّ كما يقتضيه من غير نقصانٍ من حقّ شيءٍ منهما وهذا هو المقام المحمود على الاطلاق وهو كان لمحمّد (ص) وكلّ ما ورد فى تفسير المقام المحمود يرجع الى ما ذكرنا، ولمّا كان ذلك المقام من اعظم المقامات ووعده الله دخوله فيه على تهجّده امره (ص) بمسئلة الدّخول فى ذلك المقام والانتظار له فقال {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي...}.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} أي: عطية من الله لك. وقال الكلبي: النافلة: الفضل. وقال بعضهم: إن صلاة الليل على النبي فريضة وهي للناس تطوّع. وقال الحسن: لم يقم النبي أقل من ثلث الليل. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شغله شيء عن صلاة الليل صلّى من النهار اثنتي عشرة ركعة. وقال بعضهم: النافلة لا تكون إلا للنبي. قوله: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} وعسى من الله واجبة. يقول: سيبعثك ربك مقاماً محموداً؛ يعني الشفاعة للخلق في الحساب بعد طول قيام وحبس على أرجلهم. قال حذيفة بن اليمان: يبعث الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد حفاة عراة كما خُلِقوا، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر حتى يلجمهم العرق، ولا تكلّم نفس إلا بإذنه. قال: فأول من يدعى محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: لبّيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، عبدك بين يديك، وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، وعلى عرشك استويت، سبحانك رب البيت. ثم يقال له: اشفع. قال: فذلك المقام المحمود الذي وعده الله. قوله: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} يعني مدخله المدينة حين هاجر إليها. أمره الله بهذا الدعاء. { وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} قال الحسن: مخرج صدق، أي: إلى قتال أهل بدر؛ وقد كان الله أعلمه أنه سيقاتل المشركين ببدر، ثم يظهره الله عليهم. وقال بعضهم: {أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ}: الجنة {وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} أخرجه الله من مكة إلى الهجرة بالمدينة. {وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً} فأظهره الله عليهم يوم بدر فقتلهم. وقال بعضهم: علم نبي الله ألا طاقة بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطاناً نصيراً. أي: لكتاب الله ولحدوده ولفرائضه ولإِقامة الدّين. وقال مجاهد: {سُلْطَاناً نَّصِيراً} أي: حجّة بَيِّنة.

اطفيش

تفسير : {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ} من معنى فى وقيل بمعنى بعض ولا منافاة فإِن من قام بعض الليل صح أن يقال قام فى الليل ويجوز إِبقاء الليل على كليته ومن بمعنى فى على أنه قيل كان قيام الليل كله واجباً عليه، ويأْتى كلام فى ذلك وذلك متعلق بتهجد والفاء صلة للتأْكيد والتهجد الخروج عن النوم وتركه كأنه قيل اترك الهجود للصلاة وهو نوم الليل كالتحرج والتاء ثم بمعنى ترك الحرج والإِثم وذلك ليشمل قياماً بعد نوم أو قبله وقال علقمة وغيره التهجد بعد نومه، وقال الحجاج ابن عمرو: التهجد بعد رقدة، وقال الحسن: إِذا قال التهجد ما كان بعد العشاء الأَخيرة. قال أبو عبيدة الهاجد النائم والهاجد المصلى بالليل. وعن المازرى التهجد الصلاة بعد الرقاد، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، ثم صلاة أخرى بعد رقدة. قال وهكذا كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والهاء فى به للقرآن المعبر به عن الصلاة بجملتها أو القرآن الواقع فى الصلاة ويكون الضمير عائداً إِلى قرآن من قوله: وقرآن الفجر بدون اعتبار لفظ الفجر ويجوز كونها عائدة إِلى وقت محذوف منعوت بقوله: من الليل أى وقتاً ثابتاً من الليل وعلى هذا يتعلق هذا الوقت المقدر بمحذوف من باب الاشتغال والباء بمعنى فى على هذا الوجه وهكذا يكون من الاشتغال بأَن نجعل من الليل بمعنى بعض الليل ونجعل الباء للتبعية والهاء لليل نجعلهما معاً فى والهاء لليل. {نَافِلَةً} حال من الهاء فى به {لَّكَ} أى عبادة زائدة فى فرائضك فهى واجبة عليك. قاله ابن عباس، ويدل له لفظ تهجد فإِنه أمر، والأَمر للوجوب ما لم يصرفه دليل عن الوجوب. روى الطبرى عن ابن عباس أنه النافلة للنبى - صلى الله عليه وسلم - خاصة لأَنه أمر بقيام الليل وكتب عليه دون أمته وإِسناده ضعيف، وقال مجاهد معناه زيادة لك خالصة لأَن تطوع غيره يكفر ما على صاحبه من ذنب ويجبر فرائضه وتطوعه - صلى الله عليه وسلم - يقع خالصاً لكونه لا ذنب عليه فإِن كل طاعة منه زيادة درجات وقيل معنى نافلة فضيلة لك باختصاص وجوبه بك. وعن عائشة أن الله افترض قيام أول الليل فى سورة المزمل فقام هو وأصحابه حولا حتى أنزل الله فى آخرها التخفيف فصار تطوعاً، رواه مسلم وروى محمد بن نصر عن ابن عباس: شاهد الحديث عائشة رضى الله عنها أن بين الإِيجاب النسخ سنة، وروى الشافعى أن آخر سورة المزمل نسخ فرض قيام الليل إِلا ما تيسر منه ثم نسخ فرض ما يتيسر بالصلوات الخمس، وروى محمد بن نصر من حديث جابر ابن عبد الله أن نسخ قيام الليل كان حين توجهوا مع أبى عبيدة بن الجراح فى جيش القبط. وفى إِسناده على بن زيد بن جذعان وهو ضعيف ووجوب قيام الليل نسخ فى حقنا وهل نسخ فى حقه - صلى الله عليه وسلم - قال أكثر الشافعية لا والصحيح نعم، ونقله الغزالى عن نص الشافعى وعن عائشة عنه - صلى الله عليه وسلم - حديث : ثلاث هن على فريضة وهى سنة لكم الوتر والسواك وقيام الليلتفسير : ، وقيل لم يفرض علينا قط كما يدل عليه ظاهر هذا الحديث فصل، قال الحسن لم يقم النبى - صلى الله عليه وسلم - حديث : أقل من ثلث الليل وذكروا أنه إِذا شغله شئ عن صلاة الليل صلى من النهار اثنتى عشرة ركعةتفسير : ، قال عبد الله ابن الحاج فى المدخل قالوا من كان يتفلت منه القرآن فليقم به فى الليل فإِنه يثبت له ببركة امتثال السنة ولا سيما الثلث الأخير من الليل، ولا ينبغى لطالب العلم أن يفوته قيام الليل فإِنه يحط الذنوب كما يحط الريح العاصف الورق اليابس من الشجر وينور القبر ويحسن الوجه أو يذهب الكسل وترى موضعه الملائكة من السماء كما ترى الكوكب الدرى، قال - صلى الله عليه وسلم - حديث : عليكم بقيام الليل فإِنه من دأب الصالحين قبلكم، وإِن قيام الليل قربة إِلى الله تعالى ومنهاة عن الآثام وتكفير للسيئات ومطردة للداء عن الجسدتفسير : ، رواه الترمذى عن أبى أمامة، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بأَلف كتب من المقنطرينتفسير : ، رواه أبو داود فى سننه عن عبد الله بن عمر وابن العاصى. حديث : قال ابن عباس: بت عند ميمونة زوج النبى - صلى الله عليه وسلم - وهى خالته فاضطجعت عرض الوسادة واضطجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهله على طولها، فنام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على طولها حتى انتصف الليل أو قبله أو بعده بقليل فاستيقظ فجعل يمسح النوم من وجهه بيده ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إِلى شن معلق فتوضأ منه فأَحسن وضوءه ثم قام يصلى فقمت وصنعت مثل ما صنع ثم ذهبت فقمت إِلى جنبه فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده اليمنى على رأْسى وأخذ بأُذنى يفتلهُ، ثم صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اثنتى عشرة ركعة، ثم أوتر ثم اضطجع حتى إِذا جاء الموعد فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبحتفسير : ، رواه الربيع عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال لى ابن عباس كذلك فافعل يا جبار وثن فى رمضان وبذلك السند حديث : عن عائشة بعد ما ساءلها جابر: ما كان - صلى الله عليه وسلم - يزيد فى رمضان على ثلاث عشرة ركعة، وقالت له: أتنام قبل أن توتر فقال يا عائشة: إِن عينى تنامان ولا ينام قلبىتفسير : . قال زيد بن خالد الجهنى: توسدت عتبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو فسطاطه لأَرى صلاته فصلى ركعتين خفيفتين ثم ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين ثم ركعتين دون اللتين قبلهما ثم ركعتين دون اللتين قبلهما ثم ركعتين دون اللتين قبلهما ثم ركعتين دون اللتين قبلهما ثم أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة، رواه أو داود، حديث : وسأَل أبو سلمة بن عبد الرحمن عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى رمضان. قالت: ما كان يزيد فى رمضان ولا فى غيره على إِحدى عشرة ركعة يصلى أربعاً لا تسأَل عن حسنهن وطولهن ثم أربعاً لا تسأل حسنهن وطولهن ثم يصلى ثلاثاً. فقلت يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتنام قبل أن توتر. فقال: يا عائشة إن عينى تنامان ولا ينام قلبىتفسير : ، رواه البخارى ومسلم، ورويا عنهما حديث : أنه يصلى بعد العشاء إِحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة ويسجد سجدتين قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية وإِذا نودى للفجر وتبين قام فصلى ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأَيمن حتى يأْتيه المؤذن للإِقامةتفسير : ، ورويا عنها أنه كان - صلى الله عليه وسلم - إِذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين، حديث : وعن عوف بن مالك الأَشجعى قمت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة فقام فقرأ سورة البقرة لا يمر بآية رحمة إِلا وقف وسأَل ولا يمر بآية عذاب إِلا وقف وتعوذ، ثم ركع بقدر قيامه، يقول فى ركوعه سبحان ذى الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم سجد بقدر قيامه وقال فى سجوده مثل ذلك ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة النساء تفسير : أخرجه أبو داود والنسائى وأخرج الترمذى عن عائشة، قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بآية من القرآن ليلة، حديث : قال الأَسود: سأَلت عائشة: كيف كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الليل. قالت: ينام أوله ويقوم آخره فيصلى ثم يرجع إِلى فراشه فإِذا أذن المؤذن وثبت فإِن كانت به حاجة اغتسل وتوضأتفسير : ، رواه البخارى ومسلم. حديث : قال أنس ما كنا نشاء أن نرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى الليل مصلياً إلا رأيناه ولا نشاء أن نراه نائما إلا رأيناهتفسير : . أخرجه النسائى وزاد غيره حديث : وكان يصوم من الشهر حتى لا تقول لا يفطر منه شيئاً ويفطر حتى نقول لا يصوم منه شيئاً حديث : وقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى انتفخت قدماه فقيل له: أتتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأَخر. قال أفلا أكون عبداً شكوراًتفسير : ، رواه البخارى ومسلم عن المغيرة بن شبعة، قال شريح بن هانئ، حديث : قالت عائشة: ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاء قط فدخل بيتى إِلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات تفسير : - رواه أبو داود وكان يقوم إِذا سمع الصارخ، رواه البخارى ومسلم من حديث عائشة وهو يصرخ فى النصف الثانى، قالت: حديث : وكان عليه الصلاة والسلام ينام أو الليل ويقوم آخره فيصلى ثم يرجع فى فراشه فإِذا أذن المؤذن وثبت فإِن كانت حاجة اغتسل وإِلا توضأ وخرجتفسير : . رواه البخارى ومسلم. وقالت أيضاً: حديث : كان عليه الصلاة والسلام ربما اغتسل فى أول الليل وربما اغتسل فى آخره وربما أوتر فى أول الليل وربما أوتر فى آخره وربما جهر بالقراءة وربما خفت خففتفسير : ، وقالت أم سلمة حديث : كان يصلى بنا ثم ينام قدر ما صلى ثم يصلى قدر ما نام ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبحتفسير : . رواه أبو داود والترمذى والنسائى، وفى رواية للنسائى مثل ذلك بالمعنى بزيادة أنه يسبح بعد العتمة، وقيل صلاة النفل التى تليها وإِن صلاته الأَخيرة تكون إِلى الصبح ومن عائشة كان عليه الصلاة والسلام إِذا هب من الليل كبر عشراً وحمد الله عشراً وقال سبحان الله وبحمده عشراً وقال سبحان الملك القدوس عشراً واستغفر عشراً وهلل عشراً ثم قال: اللهم إنى أعوذ بك من ضيق الدنيا ومن ضيق يوم القيامة عشراً ثم يفتتح الصلاة، رواه أبو داود. قال ابن القيم إِذا اختلف ابن عباس وعائشة فى شئ من أمر قيامه - صلى الله عليه وسلم - بالليل فالقول قول عائشة لأَنها أعلم الخلق بقيامه بالليل، ومن حديث حديث : بت عند خالتى ميمونة زوج النبى - صلى الله عليه وسلم - وتحدث - صلى الله عليه وسلم - معها ساعة ثم رقد فلما كان ثلث الليل الأَخير أو بعضه قعد ينظر إِلى السماء فقرأ: {إن فى خلق السمٰوات والأَرض واختلاف الليل والنهار} حتى ختم السورة ثم قام إِلى القربة فأطلق شناقها ثم صب فى الجفنة ثم توضأ وضوءاً حسناً بين الوضوءين لم يكثره، وقد أبلغ فقام فصلى فقمت فتوضأَت فقمت عن يساره فأَخذ بأذنى فأَدارنى عن يمينه فتتامت صلاته ثلاث عشرة ركعة ثم اضطجع فنام حتى نفخ وكان إِذا نام نفخ فأذنه بلال بالصلاة فصلى ولم يتوضأ وكان فى دعائه اللهم اجعل فى قلبى نوراً، وفى بصرى نوراً، وفى سمعى نوراً، وعن يمينى نوراً، وعن يسارى نوراً، وفوقى نوراً، وتحتى نوراً، وأمامى نوراً، وخلفى نوراً، واجعل لى نوراًتفسير : ، وزاد بعضهم وفى لسانى نوراً. وذكر عصبى ولحمى ودمى وشعرى وبشرى. وفى رواية حديث : فصلى ركعتين خفيفتين، قلت قرأ فيهما بأُم الكتاب فى كل ركعة ثم سلم ثم صلى إِحدى عشرة ركعة بالوتر ثم نام فأَتاه بلال فقال: الصلاة يا رسول الله. فقام فركع ركعتين ثم صلى بالناس، وفى رواية فقام فصلى ثلاثة عشرة ركعة منها ركعتا الفجر حرزت قيامه فى كل ركعة بقدر يا أيها المزملتفسير : ، وفى رواية حديث : فصلى ركعتين ركعتين حتى صلى ثمانى ركعات ثم أوتر بخمس لم يجلس فيهنتفسير : ، وفى رواية للنسائى حديث : صلى إِحدى عشرة ركعة بالوتر ثم نام ونفخ وأتاه بلالتفسير : ، الحديث. وفى أخرى له حديث : فتوضأَ واستاك وهو يقرأ: {إن فى خلق السمٰوات والأَرض} - الآية ثم صلى ركعتين فنام حتى نفخ ثم توضأ واستاك وصلى ركعتين فنام حتى نفخ ثم توضأ واستاك وصلى ركعتين ونام ثم توضأ واستاك وصلى ركعتين وأوتر بثلاث تفسير : وروى مسلم حديث : فاستيقظ فتسوك وتوضأ وهو يقول إن فى خلق السماوات والأَرض حتى ختم السورة ثم قام فصلى ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود ثم انصرف فنام حتى نفخ ثم فعل ذلك ثلاث مرات بست ركعات كل ذلك يستالك ويتوضأ ويقرأ هذه الآيات ثم أوتر بثلاثحديث : قال سعد بن هشام: يا أم المؤمنين أنبئينى عن وتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: كنا نعد له - صلى الله عليه وسلم - سواكه وطهوره فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه من الليل فيستاك ويتوضأ ويصلى تسع ركعات ولا يجلس فيهن إِلا عند الثامنة فيذكر الله تعالى ويحمد الله تعالى ويصلى على نبيه ويدعو بينهن ولا يسلم ثم يصلى التاسعة ويقعد ويحمد الله ويصلى على نبيه ثم يسلم تسليماً يسمعنا ثم يصلى ركعتينتفسير : ، وفى رواية حديث : ثم لما أسمن وأخذه اللحم أوتر بسبع وصنع فى الركعتين الأوليين مثل صنيعه فى الأَول ثم صلى ركعتين وهو جالس بعد ما سلم فتلك تسع أى نبىتفسير : ، وفى رواية له حديث : فصلى ست ركعات يخيل إِلى أنه سوى بينهن فى القراءة والركوع والسجود ثم يوتر بركعة ثم يصلى ركعتين وهو جالس ثم يضع جنبه، وقالت كان يصلى ثلاث عشرة بوتر من ذلك بخمس ولا يجلس فى شئ إلا فى آخرهاتفسير : ، رواه البخارى ومسلم وسأَلها مسروق عن صلاته - صلى الله عليه وسلم - فقالت: سبعاً وتسعاً وإِحدى عشرة سوى ركعتى الفجر، والاضطراب فى تلك الروايات عن عائشة لاختلاف الرواة واختلاف الأَوقات فيحمل لك على أوقات متعددة وأحوال مختلفة بحسب النشاط وبيان الجواز، كما نصف عليه رواية مسروق المذكور. وروى القاسم عن محمد عنها، حديث : كان - صلى الله عليه وسلم - يصلى ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وركعتا الفجر تفسير : وحمل على أن هذا غالب أحواله والحكمة قيل فى عدم الزيادة على إِحدى عشرة أن صلاة الظهر والعصر ثمانى ركعات وهن صلاة النهار والمغرب وتر النهار وهى ثلاث فذلك إحدى عشرة فناسب أن تكون صلاة الليل كصلاة النهار فى العدد جملة وتفصيلا، وأما مناسبة ثلاثة عشرة فبضم ركعتى الفجر لكونها نهارية إِلى ما بعدها فقيامه فى الليل أنواع: الأَول ست ركعات يسلم ركعتين ثم يوتر بثلاث، الثانى أنه يفتح صلاته بركعتين خفيفتين ثم يتم ورده إِحدى عشرة يسلم من كل ركعتين يوتر بركعة، الثالث ثلاث عشرة، كذلك الرابع ثمانى ركعات يسلم من كل ركعتين ثم يوتر بخمس سرداً لا يجلس إِلا فى آخرهن، الخامس تسع ركعات لا يجلس إِلا فى الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه يسلم ثم يصلى التاسعة، ويصلى ركعتين بعد ما يسلم فاعلا. السادس سبع كالتسع ثم يصلى ركعتين جالساً السابع أنه يصلى مثنى مثنى ثم يوتر بثلاث لا يفصل بينهن، الثمن من رواه النسائى حديث : عن حذيفة أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى فى رمضان فركع فقال فى ركوعه سبحان ربى العظيم مثل ما كان قائماً ثم جلس يقول ربى اغفر لى فما صلى إِلا أربع ركعات حتى جاء بلال يدعوه إِلى الغداةتفسير : ، وروى عنه أبو داود حديث : أنه رأى النبى - صلى الله عليه وسلم - يصلى من الليل فكان يقول: الله أكبر ثلاثاً، ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظم، ثم استفتح فقرأ البقرة ثم ركع فكان ركوعه نحواً من قيامه وكان يقول فى ركوعه: سبحان ربى العظيم ثم رفع رأْسه من الركوع فكان قيامه نحواً من ركوعه يقول: لربى الحمد ثم سجد فكان سجوده نحواً من قيامه وكان يقول فى سجوده: سبحان ربى الأَعلى ثم رفع رأْسه من السجود وكان يقعد فيما بين السجدتين نحواً من سجوده وكان يقول: ربى اغفر لى، فصلى أربع ركعات قرأ فيهن البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدةتفسير : ، شك شعبة وذكر البخارى ومسلم حديث : أنه كن يقول سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد وأنه لا يمر بآية تسبيح إلا سبح ولا باية سؤال إِلا سأل ولا بتعوذ إِلا تعوذتفسير : ، وزاد النسائى حديث : لا يمر بآية تخويف أو تعظيم لله عز وجل إِلا ذكره وكان أكثر صلاته قائماً حديث : قالت حفصة ما رأيته - صلى الله عليه وسلم - صلى قاعداً حتى كان قبل وفاته بعام كان يصلى فى سبحته أى نافلته قاعداًتفسير : ، رواه أحمد ومسلم والنسائى وصحح الترمذى حديث : وكان يصلى قاعداً ويركع قاعداًتفسير : ، رواه البخارى ومسلم وغيرهما من حديث عائشة بلفظ وإِذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد، وروى مسلم من حديثهاحديث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلى جالساً ويقرأ وهو جالس فإِذا بقى من قراءته قدر ما يكون ثلاثين آية أو أربعين قام وقرأ ثم ركع وسجد ثم يفعل فى الركعة الثانية مثل ذلكتفسير : ، وروى الدارقطنى عنها أنه كان يصلى متربعاً وذلك إِما لأَنه نفل وإِما لأَنه مختص بجواز التربيع وقد نهى عنه، وإِما لكونه كان جائزاً ثم نسخ، حديث : وعن عائشة كان يوتر بواحدة ثم يركع ركعتين يقرأ فيهما وهو جالس فإِذا أراد أن يركع قام فركعتفسير : ، رواه ابن ماجه، حديث : وعن أبى أمامة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلى ركعتين بعد الوتر وهو جالس يقرأ فهما إِذا زلزلت والكافرونتفسير : ، رواه أحمد وأنكر مالك هاتين الركعتين والنووى فى المجموع، وقال أحمد لا أفعل ولا أمنعه والصحيح أنه فعل ذلك بياناً بجواز الصلاة بعد الوتر ولفظه كان يصلى لا يفيد هنا دواماً ولا أكثرية وغلط من ظنهما سنة راتبة لأَنه - صلى الله عليه وسلم - ما داومها {عَسَى أن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} هذا ذكر لما قيام الليل سبب له وهو المقام المحمود. قال ابن العربى: اختلف فى وجه كون قيام الليل سبباً للمقام، فقيل إِن البارئ تعالى يجعل ما يشاء من فضله سبباً لفضله من غير معرفة لنا بوجه الحكمة، وقيل إِن قيام الليل فيه الخلو بالبارئ تعالى والمناجاة عنده دون الناس فيعطى الخلوة به ومناجاته فى القيامة ويتفاضل الخلق فى ذلك وأجلهم فيه درجة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم فيعطى من المحامد ما لم يعط أحد ويشفع فيشفع، قال فى المواهب اتفق المفسرون على أن عسى من الله وأحب، قال أهل المعانى لفظة عسى تفيد الإِطماع ومن أطمع إِنساناً فى شئ ثم حرمه كان عاراً والله تعالى أكرم من أن يطمع أحداً فى شئ ثم لا يعطيه ذا وقد اختار فى تفسير المقام المحمود فقيل إنه الشفاعة، قال الواحدى: أجمع عليه المفسرون كما حديث : قال - صلى الله عليه وسلم - فى هذه الآية هو المقام المحمود الذى أشفع فيه لأُمتىتفسير : ، قال ابن الخطيب اللفظ مشعر بذلك لأَن الإِنسان إِنما يصير محموداً إِذ حمده حامد والحمد إِنما يكون على الأَنعام فهذا المقام المحمود يجب أن يكوم مقاماً أنعم فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قوم فحمدوه على ذلك الأَنعام وذلك الإنعام لا يجوز أن يكون هو تبليغ الدين وتعليم الشرع لأَن ذلك كان حاصلا فى الحال وقوله عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً يدل على أنه يحصل للنبى - صلى الله عليه وسلم - فى ذلك المقام حمد بالغ عظيم كامل ومن المعلوم أن حمد الإِنسان على سعيه فى التخلص عن العذاب أعظم من سعيه فى زيادة من الثواب ولا حاجة به إِليها لأَن احتياج الإِنسان فى دفع الآلام العظيمة عن النفس فوق احتياجه إِلى تحصيل المنافع الزائدة التى لا حاجة إِلى تحصيلها فتحصل أن المقام المحمود هو الشفاعة لأَهل المحشر بعد مدافعتهما بين الرسل وفيها تخليص المؤمنين من الآلام والعذاب، وفى البخارى عن ابن عمر حديث : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المقام المحمود، فقال: هو الشفاعةتفسير : ، وفيه أيضاً عنه حديث : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِن الناس يصيرون يوم القيامة جثا كل أمة تتبع نبيها يقولون يا فلان اشفع لنا حتى تنتهى الشفاعة إِلىّتفسير : ، فذلك المقام المحمود ويؤيده الدعاء المشهور وابعثه مقاماً محموداً يغبطه فيه لأَولون والآخرون ونصب قوله مقاماً على الظرفية بمحذوف أى وبعثه يوم القيامة فأَقيمك مقاماً محموداً فحذف العاطف والجملة المعطوفة أو على أنه مفعول به وضمن معنى يبعثك معنى قيمك ويجوز كونه حالا أى ذا مقام، قال الطيبى نكر لأَنه أفخم وأجزل أى مقاماً محموداً بكل لسان ا. هـ، ويحمده القائم فيه وكل من عرفه، قال ابن الجوزى الأَكثر على أن المقام المحمود الشفاعة وادعة الفخر الاتفاق عليه، قال أبو هريرة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : هو المقام الذى أشفع فيه لأُمتىتفسير : ، رواه الترمذى والآية تشعر بأَن الناس يحمدونه لقيامه فيه وما ذاك إلا مقام الشفاعة وعن أنس أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: حديث : يجمع الله يوم القيامة فيهتمون لذلكتفسير : ، وفى رواية فيلهمون لذلك فيقولون لو استشفعنا إِلى ربنا فيريحنا من مكاننا فيأْتون آدم فيقولن أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده وأسكنك جنته وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شئ، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هنا لكم ويذكر خطيئته التى أصاب فيستحى من ربه منها، ولكن ائتوا نوحاً أو رسول بعثه الله إِلى الأرض. فيأْتون نوحاً فيقول: لست هنا لكم فيذكرون خطيئته التى أصاب فيستحى من ربه منها، ولكن ائتوا إِبراهيم الذى اتخذه الله خليلا فيأْتون إِبراهيم فيقول لست هنا لكم ويذكر خطيئته التى أصاب فيستحى من ربه منها، ولكن ائتوا موسى الذى كلمه الله وأعطاه التوراة فيأْتونه فيقول: لست هنا لكم ويذكر خطيئته التى أصاب فيسحتى من ربه منها، ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته فيقول: لست هنا لكم لكن ائتوا محمداً - صلى الله عليه وسلم - عبداً قد غفر له من ذنبه ما تقدم وما تأَخر، فيقول إِذ أتوه: أنا لها، أنا لها، ثم تلى - صلى الله عليه وسلم - عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً، قال أنس هذا المقام الذى وعده نبيكم محمداً - صلى الله عليه وسلم - ومثل ذلك عن الحسن ولكن فى رواية المخالفين عنهما إِثبات الرؤية وإِخراج أهل النار الموحدين بهذه الشفاعة وإزاحة بعض الشقاوة الموحدين عنها بهذه الشفاعة قبل دخولها، ويقولون إِنها لأهل الكبائر المصرين. قال الربيع بن حبيب - رحمه الله، قال جابر بن زيد، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : ليست الشفاعة لأَهل الكبائر من أُمتى تفسير : ثم حلف عند ذلك ما لأَهل الكبائر شفاعة لأَن الله قد أوعد لهم النار فى كتابه، وإِن جاء الحديث عن أنس بن مالك أن الشفاعة لأَهل الكبائر فهو والله ما أعنى القتل والزنى والسحر وما أوعد الله عليه النار، وذكر أن أنس بن مالك يقول: إِنكم لتعملون أعمالا هى أدق فى أعينكم من الشعر ما كنا نعدها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا من الكبائر، وذكر الربيع من حديث الشفاعة أن أهل الإِيمان يحبسون فى الموقف بعد ما بشروا وعند الموت وبعد ما أجابوا عند المحنة فى القبور أن الله ربهم قد غفر لهم وأخذ لهم كتبهم بإِيمانهم وابيضت وجوههم وثقلت موازينهم فأَراد الله أن يدخلهم الجنة بالشفاعة والشفاعة مخزونة لا يصل إِليها نبى ولا ملك حتى يفتحها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: والأنبياء ومن اتبعهم محبوسون الأَولون والآخرون فبينما هم كذلك فيقولون لو استشفعنا إِلى ربنا فيريحنا من هذا المقام فيقول بعضهم لبعض عليكم بآدم، فيقولون: أنت الذى خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته لو استشفعت لنا إِلى ربك فيريحنا من هذا المقام، فيقول: إِنى أكلت من الشجرة التى نهانى الله عنها، وإِنى أستحى من لقاء ربى، ولكن عليكم بنوح فإِنه أول نبى أرسله الله فيأْتون نوحاً فيقولون له لو استشفعت لنا إِلى ربك. فيقول إِنى سأَلت ربى ما ليس لى به علم، وأنا استحى من لقاء ربى ولكن عليكم بإِبراهيم خليل الرحمن فيأْتونه فيقولون له: لو استشفعت لنا إِلى ربك. فيقول إِنى استحى من لقاء ربى ولكن عليكم بموسى عليه السلام، كليم الله، فيأْتونه فيقولون له: لو استشفعت لنا إلى ربك، فيقول: إنى قتلت نفساً فأَنا أستحى من لقاء ربى ولكن عليكم بعيسى فإِنه روح الله وكلمته، فيأَتونه فيقولون لو استشفعت لنا إِلى ربك فيقول: أنا عبدت من دون الله فإِنى أستحى من لقاء ربى ولكن عليكم بمحمد عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأَخر. قال النبى - صلى الله عليه وسلم - حديث : يأْتوننى فأَمشى بين سباطين من المؤمنين فأقرع باب الجنة فيفتح لى ويقال: يا محمد شفع تشفع فأَقول: يا ربى ما بقى إِلا من حبسه القرآنتفسير : ، يعنى أوجب عليه الخلود من النار، قال أهل العلم: هو المقام المحمود الذى يحمده فيه الأَولون والآخرون حيث نجاهم الله من ذلك المقام ويحمده الأَولون بما فتح لهم من الشفاعة وكانت مخزونة لا يصل إِليها أحد حتى فتحها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشفع آدم فى وقت وقت له فى ولده ثم تشفع الأَنبياء كل نبى يشفع لأُمته ويشفع المؤمنون وكذلك شاء الله أن يدخل المؤمنين الجنة بالشفاعة حتى بلغنا أن الشهيد يشفع فى سبعين من أهل بيته إِذ كانوا مؤمنين متقين، وقد كنت أستشكل ما مر فى حديث أنس وفى رواية الربيع بن حبيب رحمه الله من أن نوحا أول الرسل مع أن آدم وشيث وإِدريس رسل قبل نوح كما ثبت عندنا وعند غيرنا ومن ذلك حديث أبى ذر الذى فى القواعد أن آدم رسول، وكذا رواه ابن حبان وصححه وفى حديث أبى ذر المذكور التصريح بإِنزال الصحف على شيث، وهو من علامات الإِرسال ومثل ذلك فى إِدريس وأجاب بعض بأَن الثلاثة أنبياء غير رسل وإِلى هذا جنح ابن بطال فى حق آدم ويرده ما ذكرناه وأجاب بعض بأَن الأَولية مقيدة بقول أهل الأَرض والثلاثة لم يرسلوا إِلى أهل الأَرض وبعض بأَن آدم كانت رسالته إِلى بنيه وهم موحدون ليعلمهم شريعته، ونوح رسالته كانت إِلى قوم كفار، ويبقى إِدريس وشيث على هذا القول. قال أبو سعيد: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -حديث : أنا سيد ولد آدم، ولا فخر يوم القيامة يفزع الناس ثلاثة فزعات فيأْتون آدم فيقولون أنت أبونا اشفع لنا إِلى ربك، فيقول: إنى أذنبت ذنباً عظيماً فاهبطت به إِلى الأَرض ولكن ائتوا نوحاً، فيقول: إِنى دعوت على أهل الأَرض فأهلكوا ولكن اذهبوا إِلى إِبراهيم فيأْتون إِبراهيم فيقول إِنى كذبت ثلاث كذبات. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما منها كذبة إِلا أحل بها عن دين الله، أى جادل، ولكن ائتوا موسى فيأْتون موسى فيقول: قد قتلت نفساً ولكن ائتوا عيسى فيأْتون عيسى: فيقول: إنى عبدت من دون الله ولكن ائتوا محمداً فيأْتوننى فأنطلق معهم فيأْخذ حلقة بباب الجنة فأقعقعها أى أحركها حركة شديدة لها صوت كأَنه قعقع، فيقولون من هذا. فيقول: محمد. فيفتحون لى ويرحبون فأَخر ساجداً فيلهمنى الله سبحانه من الثناء والحمد شيئاً عظيماً لم يلهمه غيرى، فيقال لى ارفع رأْسك سل تعط، اشفع تشفع، وقل يسمع لقولك، وهو المقام المحمود الذى قال الله عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً، تفسير : والكذبات الثلاث قوله: إِنى سقيم وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله للجبار فى زوجته: إِنها أختى وهن معاريض أشفق منهن لأَنهن بصورة الكذب، وعن أبى زرعة عن أبى هريرة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا سيد الناس يوم القيامة، هل تدرون مم ذلك يجمع الله الأَولين والآخرين فى صعيد واحد، فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعى وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون إِلى ما أنتم فيه، ألا ترون إِلى ما بلغتم، ألا تنظرون من يشفع لكم إِلى ربكم، فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم فيأْتونه فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك الجنة ألا تشفع لنا إِلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، وما بلغنا. فقال: إِن ربى غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله، وإِنه نهانى عن الشجرة فعصيت، نفسى نفسى نفسى، اذهبذوا إِلى غيرى، اذهبوا إِلى نوح. فيأْتون كل رسول من الرسل المذكورين فيقولون له كما قالوا لآدم فيقول لهم كل ما قال آدم ويذكر معصيته على حد ما مر ويرشدهم إِلى غيره ثم يسمى لهم اسم من يليه فى القصة إِلا عيسى فلم يذكر فى تلك الرواية ذنبه ويذكرون لنوح أنك أول الرسل إِلى أهل الأَرض عبد شكور، ويذكرون لإِبراهيم الخلة، ولموسى الكلام ولعيسى أنه كلمة الله وكلمه الناس فى المهد ولنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أجمعين ويذكرون أنك خاتم الأَنبياء مغفور لك ما تقدم من ذنبك وما تأَخر، فيأْتى العرش فيسجد لله تعالى ويفتح الله تبارك وتعالى عليه ما لم يفتح على أحد من المحامد وحسن الثناء، ثم يقال يا محمد ارفع رأسك سل تعط، واشفع تشفع، فأرفع رأسى فأَقول أُمتى يا رب، أُمتى يا رب، فيقال: يا محمد أدخل من أُمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأَبواب، ورأيت فى كتاب كشف علوم الآخرة من تأْليف الغزالى أن بين وقوفهم فى المحشر وإِتيانهم آدم ألف عام، وأن بين إِتيانهم رسولا وإتيانهم الآخر ألف عام، وهكذا وأنهم يذكرون لآدم أن الكافر يقول: يا رب ارحمنى ولو بالنار، إِذا دافعهم نوح إِلى من بعده تشاوروا ألف عام، وهكذا سائر الرسل المذكورين فى القصة، وأن الزحام يشتد وأن موسى يذكر لهم إنى سأَلت الله تعالى أن آخذ آل فرعون بالسنين وأن يجعله مثلا للآخرين مع أشياء صدرت منى فى المناجاة توجب الهلاك إِلا أنه ذو رحمة واسعة، ورب غفور، وأن موسى يذكر لهم أن عيسى عليه الصلاة والسلام أصح المرسلين يقيناً وأكثرهم معرفة وأشدهم زهداً وأبلغهم حكمة، وأن كل رسول يذكر لهم خصال نبى يليه فى القصة وأنهم يقولون لعيسى أنت روح الله وكلمته، أنت الذى سماك الله وجيها فى الدنيا والآخرة، وأنه يقول لهم كيف أشفع لكم عند من عبدت معه، وسميت له ابناً وسمى لى أبا، ولكن لو كان لأَحدكم كيس فيه نفقة، أيقدر أن يحل الكيس حتى يفض الخاتم. قالوا: لا. قال: فاذهبوا إِلى سيد المرسلين وخاتم النبيين - صلى الله عليه وسلم - وكثيراً ما أذاه قومه حتى هشموا جبهته وكسروا رباعيته وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً وإنه لأَحسنهم خلقاً وأكرمهم شرفاً، وهو يقول كما يقول الصديق لإِخوته: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وجعل يتلو عليهم من فضائله ما لم يسمعوه حتى امتلأت نفوسهم حرصاً على الذهاب إليه فيأْتون منبره فيقولون أتينا فلاناً وفلاناً ولا مطلب بعدك، فيقول: أنا لها وإنه يدخل العرش فيسجد سجدة طويلة يحمد الله تعالى فيها بالمحامد التى حمد الله نفسه بها يوم تم خلق السماوات والأَرض فيتحرك العرش تعظيماً له، وذكر ابن حجر إنى لم أقف لما ذكر الغزالى فى كتابه المذكور على أصل، ولقد أكثر من إِيراد أحاديث لا أصل لها فلا يعتبر بشئ منها، وفى حديث النضر بن أنس عن أبيه، حدثنى نبى الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : إِنى لقائم أنتظر أمتى إِذ جاء عيسى فقال: يا محمد هذه الأَنبياء قد جاءتك يسأَلونك أن تدعو الله ليفرق الأُمم إِلى حيث شاء لعظم ما هم فيهتفسير : ، فأَفادت هذه الرواية أن عيسى والأَنبياء يسأَلون نبينا محمد فى الشفاعة ولعلهم سائر الأنبياء مع عيسى غير المطلوبين أو معهم، وفى حديث سلمان، يأْتون محمداً فيقولون يا نبى الله أنت فتح الله بك وختم وغفر لك ما تقدم وما تأَخر وترى ما نحن فيه فقم فاشفع لنا إِلى ربنا فيقول أنا صاحبكم فيجوز الناس حتى ينتهى إِلى باب الجنة وذلك لأَن المحشر مقام خوف وإِشفاق ومقام الشافع يناسب أن يكون إِكراما، وفى رواية أنه يلهم التحميد قبل السجود وفى بعض يلهم بعده، وفى أخرى فيه ويجمع بإِثبات تلك الإِلهامات كلها، والذى عليه أصحابنا أن الذين يمشون من نبى إِلى نبى هم المسلمون يستريحوا أهل المحشر جميعاً وستظهر بعض أنه لا يلحق المسلمين هول المحشر وأنهم آمنون مطمئنون للآيات الدالة أنه لا خوف عليهم ولا حزن وأن وجوههم مسفرة ضاحكة مستضيئة والأَحاديث دالة على ذلك وأنه لا يجمع على أحد خوف الدنيا والآخرة، فمعنى قولهم فيريحنا من هذا المقام طلب الإِراحة من النظر إِلى الأَهوال وإن لم يصل إِليهم منها شئ كذا قيل، وليس كذلك عندى بل يصلهم الهول بقدر ما عملوا إِلا من استثناه ونقف فى ظل العرش وأما تلك الآيات والأَحاديث فإِنما هى بعد إِعطاء الصحف فى أيمانهم، وذكر بعضهم أن الكفار لا يطلبون الشفاعة العامة لأَن ما يذهبون إِليه من النار أعظم من هول المحشر وورد فى أحاديث رواها قومن أنهم يطلبونها وقد مر بعضها والشفاعات أقسام، الأَول الشفاعة من المحشر وهى عامة والأصل فيها هذه الأُمة وغيرهم تبع لهم بدليل أنه يقول - صلى الله عليه وسلم - فيها أمتى وهى تعم بنى آدم والجن والملائكة، وظهر فضله فيها من حيث اختصاصها به، قال بعض لو لم يكن فى ذلك إِلا الفرق بين من يقول نفسى نفسى، وبين من يقول أُمتى أُمتى لكان كافياً وفيه تفضيل الأَنبياء المذكورين فيه على من لم يذكر وقيل ليس ذلك تفضيلا بل آدم لكونه أبا الجميع ونوح لكونه الأَب الثانى، وإِبراهيم الآمر باتباع ملته، وموسى لأَنه أكثر الأَنبياء تابعاً، وعيسى لكونه أولى الناس بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ويحتمل أن يكونوا قد اختصوا بذلك لأَنهم أصحاب شرائع عمل بها من نبى ذكر أولا ومن بعده. الثانى: إِدخال قوم الجنة بغير حساب، وقد مر أنهم يدخلون الجنة من الباب الأَيمن ويشاركون غيرهم فى باقى الأَبواب. قال الغزالى: هم سبعون الفاً لا يرفع لهم ميزان ولا يأْخذون صحفاً، وإِنما هى براءة مكتوبة لا إِله إلا الله محمد رسول الله - هذه براءة فلان ابن فلان قد غفر له، وسعد سعادة لا شقاء بعدها أبداً، الثالث: رفع الدرجات لمن حوسب ومن لم يحاسب وهى مشهورة فى المذهب ولا يكاد يذكر غيرها فيه. وقد ذكرها النووى من الشافعية. الرابع: إِدخال قوم قد حوسبوا حساباً يسيراً وماتوا تائبين وسبقت لهم السعادة عند الله وقضى الله أن يكون ذلك على يد محمد - صلى الله عليه وسلم - الخامس: إِدخال أصحاب الأَعراف الجنة، أخرج الطبرانى عن ابن عباس أنه قال: السابق يدخل الجنة بغير حساب يعنى وبرحمة الله والمقتصد برحمة الله والظالم لنفسه وأصحاب الأَعراف يدخلونها بشفاعته - صلى الله عليه وسلم - وهذه الأَقسام لا بأْس بها على المذهب وزاد قومنا. سادساً: وهو إِخراج الموحدين من النار، وزاد عياض. سابعاً: هو إِخراج أبى طالب من غمرات النار إِلى ضحضاح منها يبلغ كعبية يغلى منها دماغه وزاد بعض. ثامناً: هو الشفاعة لأَهل المدينة لحديث سعد لا يثبت أحد على لوائها إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً ويجاب بأَنه داخل فى بعض ما مر وبأَنه لو فتح هذا الباب لعدت شفاعة أهل مكة وأهل الطائف، قال عبد الملك بن عباد:سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول: حديث : أول من أشفع له أهل المدينة، ثم أهل مكة، ثم أهل الطائفتفسير : . رواه البزار وآخر لمن زار قبره الشريف، وأخرى لمن أجاب المؤذن ثم صلى عليه - صلى الله عليه وسلم - وقيل المقام المحمود ما ذكره حذيفة يجمع الله الناس فى صعيد واحد فلا تكلم نفس فأَول مدعو محمد - صلى الله عليه وسلم - فيقول: لبيك وسعديك والخير بيديك والمهتدى من هديت وعبدك بين يديك ولك وإِليك ولا ملجأَ منك إِلا إِليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت، وزاد بعض وعلى عرشك استويت قيل قوله سبحانك رب البيت، وزاد الشيخ هود وغيره بعد قوله الخير بيديك والشر ليس إِليك، قال فهذا هو المراد من قوله تعالى: {عسى ربك أن يبعثك ربك مقاماً محموداً}. رواه الطبرانى وزاد الشيخ هود فى آخره أنه قيل له اشفع فذلك هو المراد من قوله تعالى: الخ.. قال الفخر: والقول بأَنه الشفاعة العامة أولى لأَن سعيه فى الشفاعة يفيد إِقدام الناس على حمده فيصير محموداً، وأما ما ذكره من الدعاء فلا يفيد إِلا الثواب أما الحمد فلا فإِن قيل له: لم لا يجوز أن يقال إِنه تعالى يحمده على هذا القول، فالجواب لأَن الحمد فى اللغة مختص بالثناء المذكور فى مقابلة الإِنعام فإن ورد لفظ الحمد فى غير هذا المعنى فجاز، وقيل إن المقام المحمود مقام تحمد عاقبته، قال الفخر: هذا أيضاً ضعيف لما ذكرناه، وقيل المقام المحمود إجلاسه - صلى الله عليه وسلم - على العرش، وقيل على الكرسى. وروى عن ابن مسعود يقعد الله تعالى محمداً - صلى الله عليه وسلم - على العرش، وعن مجاهد يجلسه معه على العرش، قال الواحدى: هذا قول رذل موحش فظيع ونص الكتاب ينادى بفساده ويدل على إِفساده أن البعث ضد الإِجلاس لكن يجاب بأَن المعنى عسى أن يبعثك ربك ويقيمك مقاماً محموداً، أو ضمن يبعث معنى يقيم كما مر ويدل على فساده أنه يلزم تحديد الله سبحانه وتعالى والمحمود محدث تعالى الله وأنه قال مقاماً ولم يقل مقعداً أو مجلساً، وهذا يجاب عنه بأَن المقام قد يطلق على موضع اللبث مطلقاً، قلت محض الفساد القاطع هو قوله معه فإِن صح ذلك فمعنى المعية كمعنى العندية فى قوله تعالى: {أية : رب ابنِ لى عندك بيتاً فى الجنة}، تفسير : وقوله سبحانه:{أية : إن الذين عند ربك}، تفسير : وقيل المقام المحمود كل ما له من الفضائل فى المحشر، واختلف فى فاعل الحمد من قوله تعالى: محمود فالأَكثر على أن المراد أهل الموقف، وقيل النبى - صلى الله عليه وسلم - أى أنه يحمد عاقبة ذلك المقام بتهجده فى الليل والأَول أرجح لحديث ابن عمر بلفظ مقاماً محموداً يحمده أهل الجمع كلهم، وقيل يحمده القائم فى ذلك المقام وكل من عرفه وهو مطلق فى كل ما يجلبه الحسد من أنواع الكرامات، واستحسنه أبو حيان ومذهبنا أن الشفاعة ليست لأَهل الكبائر لقوله تعالى: {أية : ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع}، تفسير : وقوله - صلى الله عليه وسلم - حديث : لا ينال شفاعتى ظلوم غشوم ورجل لا يراقب الله تعالى فى اليتيمتفسير : ، رواه جابر بن زيد وقوله - صلى الله عليه وسلم - حديث : لا تنال شفاعتى الغالى فى الدين، والجافى عنه، يعنى الزائد فيه والناقص منهتفسير : ، رواه جابر بن زيد، وقوله - صلى الله عليه وسلم - حديث : صنفان من أُمتى لا تنالهما شفاعتى: القدرية، والمرجئةتفسير : ، رواه جابر بن زيد - رحمه الله - وغير ذلك.

اطفيش

تفسير : {وَمِنَ اللَّيْلِ} أى فى الليل كله أو بعضه، كما قيل من للتبعيض متعلق بقوله: {فَتَهَجَّدْ} على أن الفاء صلة، أو فى جواب أما مقابلة لقوله: "أية : لدلوك الشمس" تفسير : [الإسراء: 78] وصلاة الفجر، أو بمحذوف نعت لمحذوف، أى وزماناً ثابتاً من الليل، وهذا الزمان متعلق بتهجد، وقد قال بعض: إن من التبعيضية اسم، والصحيح أن من التى للتبعيض لا تكون اسمًا فلا يرد على من يقبل اسميتها، يقول مَن يقول، إِذ لا يرد قول مجتهد بقول آخر، فلا إغراء اصطلاحياً فى ذلك، فإنه بالاسم أو بنحو عليك. والتهجد إزالة الهجود وهو النوم، كالتأثم لمجانبة الإثم، والتحرج لإزالة الحرج. أزِلْ النوم، فالتفعل هنا للسلب وأجيز أن يكون للتكليف، وهو أكثر فى التفعل، فيكون المعنى تكلف الهجود أى اليقظة، إِلا أن الهجود بمعنى اليقظة غير مسلم إِلا بمعنى إِزالة النوم، فيرجع للسلب. {بِهِ} أى بالقرآن، وهو غير قرآن الفجر على طريق الاستخدام، فإن القراءة فى صلاة الفجر غير القراءة فى الليل، ولو اتحد المقروء أو الباء بمعنى فى، والهاء لليل، أو الفاء عاطفة على محذوف، أى قم من الليل، أو اسهر فيه متهجداً، ومعنى تهجد على هذا اعبد الله، أوصل وهو مجاز على هذا لغوى. وقيل الهجود حقيقة فى النوم إلا إن أريد بالاشتراك أنه يقع بمعنى النوم لغة، والصلاة شرعاً. {نَافِلَةً لَكَ} أى فريضة زائدة لك دون أمتك، فإنها لم تفرض عليهم، أو فضيلة على الصلوات المفروضة واجبة على نسخ وجوبها عليه، وقيل: أمره بقيام الليل ندب، وقيل: وجوب لم ينسخ، وأفعاله لزيادة الثواب، وأفعال أمته لتكفير الذنوب، وقيل: وجب عليها ثم نسخ بالصلوات الخمس، وبقى عليه صلى الله عليه وسلم، والنافلة على كل حال الزيادة مصدر على وزن فاعل، كالعاقبة والعافية، وهومفعول مطلق أى تنفل به نافلة، ولك نعت نافلة، قيل: أو مفعول التهجد بمعنى صل أى فصل به نافلة. {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} اتفق المفسرون أن عسى من الله قطع، لأنه وقع للإطماع، والترك مع الإطماع عيب، تعالى الله عن العيب. قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المقام المحمود هو المقام الذى أشفع فيه لأمتى"تفسير : رواه أحمد والترمذى والبيهقى والطبرى، ويروى يشفع فيه لأهل المحشر كلهم، فيذهبون عنه إلى منازلهم فى الجنة والنار، وعلى كل حال هو مقام يحمده فيه الأولون والآخرون لاختصاصه يوم الشدة بما ليس لغيره. وجاء فى الحديث: "حديث : إِن الشمس تدنو فيبلغ العَرَق نصف الأذن فيستغيثون بآدم للشفاعة فيذكر أكله من الشجرة فيردّهم إلى نوح، فيذكر دعاه على قومه وهكذا حتى يردّهم إِبراهيم لقوله: هذا ربى، وهذا أكبر، وإِنى سقيم، وإنها أختى ويردّهم موسى لقتل القبطى، وعيسى لعبادة قومه له، فيقول سيدنا محمد: أنا لها أنا لها فيشفع ويسجد عند العرش أو تحته، أو عند باب الجنة أربع سجدات كسجدات الصلاة، فيقال له: سل تُعط واشفع تُشفّع وقل يسمع، فذلك المقام المحمود، وأَنه يرفع رأسه من السجود ويقول: يا رب أمتى، فيقال: أدخل مَن لا حساب عليهم منها من الباب الأيمن، وهم شركاء غيرهم فى سائر الأبواب ". تفسير : وروى قومنا: من أَقوال المقام المحمود أنه يجلس الله معه فى الكرسى، وهو حديث مكذوب، تعالى الله عن الجهات الست، والحلول، وأن يحويه مكان أو زمان، وذلك يستلزم أنه جسم، والجسم لا بد له من محدث، فلزم هؤلاء وصفه تعالى بالحدوث، وصفات الخلق، فلو صح الحديث لفسرناه بمجرد التعظيم، واسم الزمان والمكان الميمى لا ينصب على الظرفية إلا بعامل من لفظه ومعناه فمقاما ظرف لمحذوف أى فتقوم مقاماً محمودا أو يضمّن يبعث معناه فينصبه، وأجاز الكسائى أن يعمل فيه عامل من غير لفظه ومعناه أو ناصبه حال محذوف أى يبعثك ربك قائمًا مقامًا محموداً، وهذا أولى من تقدير ذا مقام محمود، ويجوز أن يكون مصدرا ميميا مفعولا مطلقا، أى قائمًا قيامًا محموداً.

الالوسي

تفسير : {وَمِنَ ٱلَّيْلِ} قيل أي وعليك بعض الليل. وظاهره أنه من باب الإغراء كما نقل عن الزجاج وأبـي البقاء في قوله تعالى: {أية : وقُرآنَ الفَجْرِ} تفسير : [الإسراء: 78] وتعقبه أبو حيان بأن المغرى به لا يكون حرفاً. ولا يجدي نفعاً كون (من) للبعيض لأن ذلك لا يجعلها اسماً ألا ترى إجماع النحاة على أن واو مع حرف وإن قدرت بمع. وأجيب بأنه يحتمل أن يكون القائل بذلك قائلاً باسمية {مِنْ} في مثل ذلك كما قالوا باسمية الكاف في نحو {أية : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ} تفسير : [الفيل: 5] وعن في نحو: شعر : من عن يميني تارة وشمالي تفسير : وعلى نحو من عليه. وكذا القائل بأن ذلك نصب على / الظرفية بمقدر أي وقم بعض الليل. واختار الحوفي أن (من) متعلقة بفعل دل عليه معنى الكلام أي واسهر من الليل فالفاء في قوله تعالى: {فَتَهَجَّدْ بِهِ} إما عاطفة على ذلك المقدر أو مفسرة بناء على أنه من أسلوب {أية : وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ} تفسير : [البقرة: 40] وفي «الكشف» أن الإغراء هو الظاهر هٰهنا بخلافه فيما تقدم لأن النصب على التفسير والصلات مختلفة لا يتضح كل الاتضاح، ومعنى الإغراء من السابق واللاحق تتعاضد الأدلة عليه، وفيه منع ظاهر. والتهجد على ما نقل عن الليث الاستيقاظ من النوم للصلاة ويطلق على نفس الصلاة بعد القيام من النوم ليلاً يقال: تهجد أي صلى في الليل بعد الاستيقاظ وكذا هجد وهذا يقتضي سابقية النوم في تحقق التهجد فلو لم ينم وصلى ما شاء لا يقال له تهجد، وهو المروي عن مجاهد والأسود وعلقمة وغيرهم. وقال المبرد: هو السهر للصلاة أو لذكر الله تعالى، وقيل: السهر للطاعة وظاهره عدم اشتراط سابقية النوم في تحققه، والمشهور أن ذلك يسمى قياماً وما بعد النوم يسمى تهجداً، وأغرب الحجاج بن عمرو المازني فانه روي عنه أنه قال: أيحسب أحدكم إذا قام من الليل فصلى حتى يصبح أنه قد تهجد إنما التهجد الصلاة بعد الرقاد ثم صلاة أخرى بعد رقدة ثم صلاة أخرى بعد رقدة هكذا كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنا أقول: إن تخلل النوم بين الصلوات جاء في «صحيح مسلم» من رواية حصين عن حبيب بن أبـي ثابت وهي مما استدركها الدارقطني على مسلم لاضطرابها [واختلاف الرواة] فقد قال وروي عنه على سبعة أوجه وخالف فيه الجمهور يعني الخبر الذي فيه تخلل النوم، والكثير من الروايات ليس فيه ذلك فليحفظ. واشترط أن لا تكون الصلاة إحدى الخمس فلو نام عن العشاء ثم قام فصلاها لا يسمى متهجداً ولا ضرر في كونها واجبة كأن نام عن الوتر ثم قام إليها. وفي «القاموس» ((الهُجُود النومُ كالتهجد وتَهَجَّد استيقظ كهَجَّد ضد، وقال ابن الأعرابـي: هَجَّد الرجل صلى من الليل وهَجَّد نام بالليل)). وقال أبو عبيدة: الهاجد النائم والمصلي، وفي «مجمع البيان» أنه يقال هجدته إذا أنمته، وعليه قول لبيد:شعر : قلت هجدنا فقال طال السرى تفسير : ونقل عن ابن بُزُرْخ أنه يقال: هَجَّدته إذا أيقظته ومصدر هذا التهجيد، وصرح في «القاموس» بأنه من الأضداد أيضاً. وذكر بعضهم أن المعروف في كلام العرب كون الهجود بمعنى النوم وفسر التهجد بترك الهجود أي النوم على أن التفعل للسلب كالتأثم والتحنث وهو مأخذ من فسره بالاستيقاظ، ويجوز أن يقال: إن التفعل للتكلف أي تكلف الهجود بمعنى اليقظة، ورجح هذا بأن مجيء التفعل للتكلف أكثر من مجيئه للسلب. وعورض بأن استعمال الهجود في اليقظة مختلف في ثبوته وإن ثبت فهو أقل من استعماله في النوم. والضمير المجرور في {بِهِ} للقرآن من حيث هو لا بقيد إضافته إلى الفجر. واستدل بذلك على تطويل القراءة في صلاة التهجد، وقد صرح العلماء بندب ذلك، وفي «صحيح مسلم» من حديث حذيفة «صليت وراء النبـي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة ثم مضى فقلت يصلي بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلاً إذا مر بآية تسبيح سبح» الخبر. ويجوز أن يكون للبعض المفهوم من قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلَّيْلِ} والباء للظرفية أي فتهجد في ذلك البعض. وقال ابن عطية: هو عائد على الوقت المقدر في النظم الكريم أي قم وقتاً من الليل فتهجد فيه. {نَافِلَةً لَّكَ} فريضة زائدة على الصلوات الخمس المفروضة خاصة بك دون الأمة، ولعله الوجه في تأخير ذكرها عن ذكر / صلاة الفجر مع تقدم وقتها على وقتها، واستدل به على أن ما أمر به صلى الله عليه وسلم فأمته مأمورون به أيضاً إلا أن يدل دليل على الاختصاص كما هنا، ويدل على أن المراد ما ذكر ما أخرجه ابن جرير وابن أبـي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في ذلك يعني خاصة للنبـي صلى الله عليه وسلم أمر بقيام الليل وكتب عليه لكن صحح النون أنه نسخ عنه عليه الصلاة والسلام فرضية التهجد ونقله أبو حامد من الشافعية وقالوا إنه الصحيح. وقيل الخطاب في {لَكَ} له صلى الله عليه وسلم والمراد هو وأمته على حد الخطاب في {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ} تفسير : [الإسراء: 78] فيما سبق أي فريضة زائدة على الصلوات الخمس لنفعكم ففيه دليل على فرضية التهجد عليه عليه الصلاة والسلام وعلى أمته لكن نسخ ذلك في حق الأمة وبقي في حقه عليه الصلاة والسلام بناء على ما أخرجه ابن أبـي حاتم عن الضحاك قال: نسخ قيام الليل إلا عن النبـي صلى الله عليه وسلم أو ونسخ في حقه صلى الله عليه وسلم أيضاً بناء على الصحيح، وهو خلاف الظاهر جداً. ويجوز أن يراد بالنافلة الفضيلة إما لأنه عليه الصلاة والسلام فضل على أمته بوجوبها وإن نسخ بعد أو لأنها فضيلة له صلى الله عليه وسلم وزيادة في درجاته وليست بالنسبة إليه مكفرة للذنوب وسادة للخلل الواقع في الفرائض كما أنها وسائر النوافل بالنسبة إلى الأمة كذلك لكونه عليه الصلاة والسلام قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وفرائضه وسائر تعبداته واقعة على الوجه الأكمل. وقد أخرج هذا الأخير البيهقي في «الدلائل» وابن جرير وغيرهما عن مجاهد، وابن أبـي حاتم عن قتادة، وابن المنذر عن الحسن، واستحسنه الإمام، وضعفه الطبري. وجوز ابن عطية عموم الخطاب كما سمعت آنفاً إلا أنه حمل (نافلة) على تطوعاً وليس بشيء أيضاً. وربما يختلج في بعض الأذهان بناء على ما تقدم عن أبـي البقاء في قوله تعالى: {أية : سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا} تفسير : [الإسراء: 77] من أنه بتقدير اتبع سنة كما قال سبحانه: {أية : فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام: 90] احتمال أن يكون قوله تعالى: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ} تفسير : [الإسراء: 78] الخ بياناً للاتباع المأمور به، وهو متضمن للأمر بالصلوات الخمس، وقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يصلونها على ما يدل قول جبريل عليه السلام في خبر تعليمه عليه الصلاة والسلام كيفية الصلاة بعد صلاته الخمس: «هذا وقت الأنبياء من قبلك» فإنه ظاهر في أنهم عليهم السلام كانوا يصلونها. غاية ما في الباب أنه على القول بأنها لم تجتمع لغير نبينا صلى الله عليه وسلم وهو الصحيح يحتمل أن المراد أنه وقتهم على الإجمال وإن اختص من اختص منهم بوقت، حيث ورد أن الصبح لآدم، والظهر لداود وفي رواية لإبراهيم، والعصر لسليمان وفي رواية ليونس، والمغرب ليعقوب وفي رواية لعيسى، والعشاء ليونس، وفي رواية لموسى عليهم السلام إلا أن ذلك لا يضر بل هو أنسب بالأمر باتباع سنة جميعهم. وقد استدل الإمام على أنه صلى الله عليه وسلم أفضل من سائر الأنبياء عليهم السلام بقوله تعالى: {أية : فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام: 90] من جهة أنه عليه الصلاة والسلام أمر بالاقتداء بهدي جميعهم وامتثل ذلك فكان عنده من الهدي ما عند الجميع فيكون أفضل من كل واحد منهم، وحينئذ يقال معنى كون ذلك نافلة له عليه الصلاة والسلام أنه زائد على الصلوات الخمس خاص به صلى الله عليه وسلم دون سائر الأنبياء عليهم السلام المأمور باتباع سنتهم، وهو مما لا ينبغي أن يلتفت إليه ويعول عليه بل اللائق به أن يجعل من قبيل حديث النفس وتخيلها بحراً من مسك موجه الذهب فإن فساده تأصيلاً وتفريعاً مما لا يخفى على من له أدنى مسكة وأقل اطلاع، والله تعالى العاصم من الزلل والحافظ من الخطأ والخطل. وانتصاب {نَافِلَةً} إما على المصدرية / بتقدير تنفل؛ وقدر الحوفي نفلناك أو بجعل تهجد بمعنى تنفل أو بجعل نافلة بمعنى تهجداً، فإن ذلك عبادة زائدة، وإما على الحال من الضمير الراجع إلى القرآن أي حال كونه صلاة نافلة كما قال أبو البقاء، وإما على المفعول لتجهد كما جوزه الحوفي إذا كان بمعنى صل، وجعل الضمير المجرور للبعض المفهوم، أو للوقت المقدر أي فصل فيه نافلة لك. {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ} الذي يبلغك إلى كمالك اللائق بك من بعد الموت الأكبر كما انبعثت من الموت الأصغر بالصلاة والعبادة، فالمعنى على التعليل والتهوين لمشقة قيام الليل حتى زعم بعضهم أن عسى بمعنى كي، وهو وهم بل هي كما قال أهل المعاني للإطماع، ولما كان إطماع الكريم إنساناً بشيء ثم حرمانه منه غروراً والله عز وجل أجل وأكرم من أن يغر أحداً فيطمعه في شيء ثم لا يعطيه قالوا هي للوجوب منه تعالى مجده على معنى أن المطمع به يكون ولا بد للوعد. وقيل هي على بابها للترجي لكن يصرف إلى المخاطب أي لتكن على رجاء من أن يبعثك ربك {مَقَاماً مَّحْمُودًا} وهي تامة و {أَن يَبْعَثَكَ} فاعلها و {رَبُّكَ} فاعله و {مَقَاماً} كما قال جمع منصوب على الظرفية إما على إضمار فعل الإقامة أو على تضمين الفعل المذكور ذلك أي عسى أن يبعثك فيقيمك مقاماً أي في مقام، أو يقيمك في مقام محمود باعثاً إذ لا يصح أن يعمل في مثل هذا الظرف إلا فعل فيه معنى الاستقرار خلافاً للكسائي. واستظهر في «البحر» كونه معمولاً ليبعثك، وهو مصدر من غير لفظ الفعل لأن نبعث بمعنى نقيم تقول أقيم من قبره، وبعث من قبره. وجوز أبو البقاء وغيره كونه حالاً بتقدير مضاف أي نبعثك ذا مقام، وقيل يجوز أن يكون مفعولاً به ليبعثك على تضمينه معنى نعطيك، وجوز أبو حيان أن تكون عسى ناقصة و {رَبُّكَ} الفاعل على تقدير أن ينتصب {مَقَاماً} بمحذوف لا بيبعث لئلا يلزم الفصل بين العامل والمعمول بأجنبـي. وتنكير {مَقَاماً} للتعظيم. والمراد بذلك المقام مقام الشفاعة العظمى في فصل القضاء حيث لا أحد إلا وهو تحت لوائه صلى الله عليه وسلم فقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم فيقول لست بصاحب ذلك ثم موسى فيقول كذلك ثم محمد فيشفع فيقضي الله تعالى بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة باب الجنة فيومئذ يبعثه الله تعالى مقاماً محموداً يحمده أهل الجمع كلهمتفسير : . وأخرج الترمذي وحسنه عن أبـي سعيد الخدري قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من نبـي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر فيفزع الناس ثلاث فزعات فيأتون آدم فيقولون أنت أبونا فاشفع لنا إلى ربك فيقول إني أذنبت ذنباً أهبطت منه إلى الأرض ولكن ائتوا نوحاً فيأتون نوحاً فيقول إني دعوت على أهل الأرض دعوة فأهلكوا ولكن اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقول ائتوا موسى فيقول إني قتلت نفساً ولكن ائتوا عيسى فيقول إني عبدت من دون الله تعالى ولكن ائتوا محمداً فيأتوني فأنطلق معهم فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها فيقال من هذا فأقول محمد فيفتحون لي ويقولون مرحباً فأخر ساجداً فيلهمني الله تعالى من الثناء والحمد والمجد فيقال ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع وقل يسمع لقولك فهو المقام المحمود الذي قال الله / تعالى: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا}»تفسير : . وجاء في بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام يسجد أربع سجدات أي كسجود الصلاة كما هو الظاهر تحت العرش فيجاب لما فزعوا إليه. وذكر الغزالي في «الدرة الفاخرة» أن بين إتيانهم نبياً وإتيانهم ما بعده ألف سنة ولا أصل له كما قال الحافظ ابن حجر. وقيل هو مقام الشفاعة لأمته صلى الله عليه وسلم لما أخرجه أحمد والترمذي والبيهقي في «الدلائل» عن أبـي هريرة عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن المقام المحمود في الآية فقال: «حديث : هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي»تفسير : وأجاب من ذهب إلى الأول بأنه يحتمل أن يكون المراد المقام الذي أشفع فيه أولاً لأمتي فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبـي هريرة أيضاً من حديث طويل في الشفاعة فيه فزع الناس إلى آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام واعتذار كل منهم ما عدا عيسى عليه السلام بذنب أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : فيأتوني ـ يعني الناس ـ بعد من علمت من الأنبياء عليهم السلام فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله تعالى لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربـي ثم يفتح الله تعالى عليَّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول أمتي يا رب فيقال يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب»تفسير : ومن الناس من فسره بمقام الشفاعة في موقف الحشر حيث يعترف الجميع بالعجز أعم من أن تكون عامة كالشفاعة لفصل القضاء أو خاصة كالشفاعة لبعض عصاة أمته صلى الله عليه وسلم في العفو عنهم، والاقتصار على أحد الأمرين في بعض الأخبار لنكتة اقتضاها الحال ولكل مقام مقال، وحمل هذا الشفاعة للأمة في خبر أبـي هريرة المتقدم على الشفاعة لبعض عصاتهم في الموقف قبل دخولهم النار وإلا فلو أريد الشفاعة لهم بعد الحساب ودخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار كما روي عن أبـي سعيد لم يتيسر الجمع بين الروايات إلا بأن يقال: المقام المحمود هو مقام الشفاعة أعم من أن تكون في الموقف عامة وخاصة وأن تكون بعد ذلك ويكون الاقتصار لنكتة، وقد جاء تفسيره بمقام الشفاعة مطلقاً، فقد أخرج ابن مردويه عن سعد بن أبـي وقاص قال: حديث : سئل النبـي صلى الله عليه وسلم عن المقام المحمود فقال: هو الشفاعةتفسير : وأخرج ابن جرير عن وهب عن أبـي هريرة «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المقام المحمود الشفاعة»تفسير : . وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أنه فسره بذلك. ثم الشفاعة من حيث هي وإن شاركه فيها صلى الله عليه وسلم غيره من الملائكة والأنبياء عليهم السلام وبعض المؤمنين إلا أن الشفاعة الكاملة والأنواع الفاضلة لا تثبت لغيره عليه الصلاة والسلام، وقد أوصل بعضهم الشفاعة المختصة به صلى الله عليه وسلم إلى عشر وذكره بعض شراح البخاري فليراجع. ووصف المقام بأنه محمود على ما ذكر باعتبار أن النبـي صلى الله عليه وسلم يحمد فيه على إنعامه الواصل إلى الخاص والعام من أصناف الأنام. وأخرج النسائي والحاكم وصححه وجماعة عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: «يجمع الناس في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر حفاة عراة كما خلقوا قياماً لا تكلم نفس إلا بإذنه فينادي يا محمد فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت» فهذا المقام المحمود. وأخرج الطبراني عن ابن عباس أنه قال في الآية: يجلسه فيما بينه وبين جبريل عليه السلام ويشفع لأمته فذلك المقام المحمود. / وأخرج ابن جرير عن مجاهد أنه قال: المقام المحمود أن يجلسه معه على عرشه، وأنت تعلم أن الحمد على أكثر ما في هذه الروايات مجاز عند من يقول: إنه مختص بالثناء على الإنعام، وأما عند من يقول بعدم الاختصاص فلا مجاز. وتعقب الواحدي القول بأن المقام المحمود إجلاسه صلى الله عليه وسلم معه عز وجل على العرش بعد ذكر روايته عن ابن عباس رضي الله عنهما بأنه قول رذل موحش فظيع لا يصح مثله عن ابن عباس، ونص الكتاب ينادي بفساده من وجوه: الأول أن البعث ضد الإجلاس يقال بعث الله تعالى الميت إذا أقامه من قبره وبعثت البارك والقاعد فانبعث فتفسيره به تفسير الضد بالضد، الثاني لو كان جالساً سبحانه وتعالى على العرش لكان محدوداً متناهياً فيكون محدثاً تعالى عن ذلك علواً كبيراً، الثالث أنه سبحانه قال {مَقَاماً} ولم يقل مقعداً والمقام موضع القيام لا القعود، الرابع أن الحمقى والجهال يقولون: إن أهل الجنة كلهم يجلسون معه تعالى ويسألهم عن أحوالهم الدنياوية فلا مزية له صلى الله عليه وسلم بإجلاسه معه عز وجل؛ الخامس أنه إذا قيل: بعث السلطان فلاناً يفهم منه أنه أرسله إلى قوم لإصلاح مهماتهم ولا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه انتهى. وأبو عمر لم يطلع إلا على رواية ذلك عن مجاهد فقال: إن مجاهداً وإن كان أحد الأئمة بتأويل القرآن حتى قيل: إذا جاءك التأويل عن مجاهد فحسبك إلا أن له قولين معجورين عند أهل العلم، أحدهما تأويل المقام المحمود بهذا الإجلاس، والثاني تأويل {أية : إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} تفسير : [القيامة: 23] بانتظار الثواب. وذكر النقاش عن أبـي داود السجستاني أنه قال: من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متهم فما زال أهل العلم يحدثون به، قال ابن عطية: أراد من أنكره على تأويله فهو متهم وقد يؤول قوله صلى الله عليه وسلم «يجلسني معه» على رفع محله وتشريفه على خلقه كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ} تفسير : [الأعراف: 206] وقوله سبحانه: حكاية {أية : ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتاً} تفسير : [التحريم: 11] وقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [العنكبوت: 69] إلى غير ذلك مما هو كناية عن المكانة لا عن المكان. وأنت تعلم أنه لا ينبغي لمجاهد ولا لغيره أن يفسر المقام المحمود بالإجلاس على العرش حسبما سمعت من غير أن يثبت عنده ذلك الإجلاس في خبر كخبر الديلمي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ} الخ يجلسني معه على السرير» تفسير : فإن تمسك المفسر بهذا أو نحوه لم يناظر إلا بالطعن في صحته وبعد إثبات الصحة لا مجال للمؤمن إلا التسليم، وما ذكره الواحدي لا يستلزم عدم الصحة فكم وكم من حديث نصوا على صحته ويلزم من ظاهره المحال كحديث أبـي سعيد الخدري المشتمل على رؤية المؤمنين الله عز وجل ثم إتيانه إياهم في أدنى صورة من التي رأوه فيها، وقوله تعالى لهم: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ}تفسير : [المؤمنون: 52] وقولهم نعوذ بالله تعالى منك حتى يكشف لهم عن ساق فيسجدون ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة وهو في «الصحيحين»، وحديث لقيط بن عامر المشتمل على قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تلبثون ما لبثتم ثم يتوفى نبيكم ثم تلبثون ما لبثتم ثم تبعث الصائحة ـ لعمر إلٰهك ـ لا تدع على ظهرها شيئاً إلا مات والملائكة الذين مع ربك عز وجل فأصبح ربك يطوف في الأرض وخلت عليه البلاد» تفسير : الحديث، وقد رواه أئمة السنة في كتبهم وتلقوه بالقبول وقابلوه بالتسليم والانقياد إلى ما لا يحصى من هذا القبيل، ومذاهب المحدثين وأهل الفكر من العلماء في الكلام على ذلك مما لا تخفى، ومتى أجريت هناك فلتجر هنا فالكل قريب من قريب. والصوفية يقولون: إن لله عز وجل الظهور فيما يشاء على ما يشاء وهو سبحانه في حال ظهوره باق على إطلاقه حتى عن قيد الإطلاق فإنه العزيز الحكيم ومتى ظهر جل وعلا في / صورة أجريت عليه سبحانه أحكامها من حيث الظهور فيوصف عز مجده عندهم بالجلوس ونحوه من تلك الحيثية وينحل بذلك أمور كثيرة إلا أنه مبني على ما دون إثباته خرط القتاد. ويرد على ما ذكره الواحدي في الوجه الثالث أن المقام وإن كان في الأصل بمعنى محل القيام إلا أنه شاع في مطلق المحل ويطلق على الرتبة والشرف، وعلى ما ذكره في الوجه الأول أنه ليس هناك إلا تفسير المقام المحمود بالإجلاس لا تفسير البعث بالإجلاس نعم فيه مسامحة، والمراد أن إحلاله في المحل المحمود هو إجلاسه على العرش، وهذا المعنى يتأتى بإبقاء البعث على معناه وتقدير فيقيمك بمعنى فيحلك وبتفسيره بالإقامة بمعنى الإحلال، وقد يقال: لا مسامحة والمراد من المقام الرتبة، والبعث متضمن معنى الإعطاء أي عسى يعطيك ربك رتبة محمودة وهي إجلاسه إياك على عرشه باعثاً، وما ذكره في الوجه الثاني حق لو أريد من الجلوس على العرش ظاهره إن أريد معنى آخر فلا نسلم اللازم وباب التأويل واسع، وقد أول الإجلاس معه على رفع المحل والتشريف وهو مقول بالتشكيك فمتى صح أن أهل الجنة كلهم يجلسون معه آمنا به مع إثبات المزية للرسول صلى الله عليه وسلم فاندفع ما ذكره في الوجه الرابع؛ ويرد على ما في الوجه الخامس أن الإجلاس معه لم يفهم من مجرد البعث وما ادعى أحد ذلك فكون بعث السلطان فلاناً يفهم منه أنه أرسله إلى قوم لإصلاح مهماتهم ولا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه لا يضرنا كما لا يخفى على منصف. وبالجملة كل ما قيل أو يقال لا يصغى إليه إن صح التفسير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن يبقى حينئذ أنه يلزم التعارض بين ظواهر الروايات، ومن هنا قال بعضهم: المراد بالمقام المحمود ما ينتظم كل مقام يتضمن كرامة له صلى الله عليه وسلم، والاقتصار في بعض الروايات على بعض لنكتة نحو ما مر، ووصفه بكونه محموداً إما باعتبار أنه صلى الله عليه وسلم يحمد الله تعالى عليه أبلغ الحمد أو باعتبار أن كل من يشاهده يحمده ولم يشترط أن يكون الحمد في مقابلة النعمة ويدخل في هذا كل مقام له صلى الله عليه وسلم محمود في الجنة. وكذا يدخل فيه ما جوز مفتى الصوفية سيدي شهاب الدين السهروردي أن يكون المقام المحمود وهو إعطاؤه عليه الصلاة والسلام مرتبة من العلم لم تعط لغيره من الخلق أصلاً فإنه ذكر في «رسالة له في العقائد» أن علم عوام المؤمنين يكون يوم القيامة كعلم علمائهم في الدنيا ويكون علم العلماء إذ ذاك كعلم الأنبياء عليهم ويكون علم الأنبياء كعلم نبينا صلى الله عليه وسلم ويعطي نبينا عليه الصلاة والسلام من العلم ما لم يعط أحد من العالمين ولعله المقام المحمود ولم أر ذلك لغيره عليه الرحمة والله تعالى أعلم. ثم هذا الاختلاف في المقام المحمود هنا لم يقع فيه في دعاء الأذان بل ادعى العلامة ابن حجر الهيتمي أنه فيه مقام الشفاعة العظمى لفصل القضاء اتفاقاً فتأمل في هذا المقام والله تعالى ولي الإنعام والإفهام.

ابن عاشور

تفسير : عطف على {أية : وقرآن الفجر}تفسير : [الإسراء: 78] فإنه في تقدير جملة لكونه معمولاً لفعل أقم [الإسراء: 78]. وقدم المجرور المتعلق ب تهجّدْ على متعلقه اهتماماً به وتحريضاً عليْه. وبتقديمه اكتسب معنى الشرط والجزاء فجعل متعلقه بمنزلة الجزاء فأدخلت عليه فاء الجزاء. وهذا مستعمل في الظروف والمجرورات المتقدمة على متعلقاتها، وهو استعمال فصيح. ومنه قوله تعالى: {أية : وفي ذلك فليتنافس المتنافسون}تفسير : [المطففين: 26] وقول النبي: ففيهما فَجَاهِدْ، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم}تفسير : في سورة [براءة: 7]. وجَعل الزجاج والزمخشري قوله: {ومن الليل} في معنى الإغراء بناءً على أن نصب {أية : وقرآن الفجر}تفسير : [الإسراء: 78] على الإغراء فيكون {فتهجد} تفريعاً على الإغراء تفريع مفصل على مجمل، وتكون (من) اسماً بمعنى (بعض) كالتي في قوله: {أية : من الذين هادوا يحرفون الكلم}تفسير : [النساء: 46] وهو أيضاً حسن. وضمير {به} للقرآن المذكور في قوله: {أية : وقرآن الفجر} تفسير : [الإسراء: 78] وإن كان المعاد مقيداً بكونه في الفجر والمذكورُ هنا مراداً مُطلقهُ، كقولك. عندي درهم ونصفه، أي نصف درهم لا نصف الدرهم الذي عندك. والباء للسببية. والتهجد: الصلاة في أثناء الليل، وهو اسم مشتق من الهجود، وهو النوم. فمادة التفعل فيه للإزالة مثل التحَرج والتأثم. والنافلة: الزيادة من الأمر المحبوب. واللام في {لك} متلعقة بــــ {نافلة} وهي لام العلة، أي نافلة لأجلك. وفي هذا دليل على أن الأمر بالتهجد خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم فالأمر للوجوب. وبذلك انتظم في عداد الصلوات الواجبة فبعضها واجب عليه وعلى الأمة، وبعضها واجب عليه خاصة ويعلم منه أنه مرغب فيه كما صرحت به آية سورة [المزمل: 20] {أية : إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك}تفسير : إلى قوله: {أية : ما تيسر منه}تفسير : . وفي هذا الإيجاب عليه زيادة تشريف له، ولهذا أعقب بوعد أن يبعثه الله مقاماً محموداً. فجملة {عسى أن يبعثك} تعليل لتخصيصه بإيجاب التهجد عليه، والرجاء من الله تعالى وعد. فالمعنى: ليبعثك ربك مقاماً محموداً. والمقام: محل القيام. والمراد به المكان المعدود لأمر عظيم، لأنه من شأنه أن يقوم الناس فيه ولا يجلسوا، وإلا فهو المجلس. وانتصب {مقاماً} على الظرفية لــــ {يبعثك}. ووصفُ المقام بالمحمود وصف مجازي. والمحمود من يقوم فيه، أي يحمد أثره فيه، وذلك لغنائه عن أصحاب ذلك المقام، ولذلك فسر المقام المحمود بالشفاعة العظمى. وفي «صحيح البخاري» عن ابن عمر «حديث : أن الناس يصيرون يوم القيامة جُثاً ــــ بضم الجيم وتخفيف المثلثة ــــ أي جماعات كل أمة تتبع نبيئها يقولون: يا فلان أشفع حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود»تفسير : . وفي «جامع الترمذي» عن أبي هُريرة قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا} قال: هي الشفاعةتفسير : . قال: هذا حديث حسن صحيح. وقد ورد وصف الشفاعة في صحيح البخاري مفصلاً. وذلك مقام يحمده فيه كل أهل المحشر.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْلَّيْلِ} (79) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بِقِيَامِ بَعْضِ اللَّيْلِ مُصَلِّياً، زِيَادَةً عَنِ الصَّلاَةِ المَفْرُوضَةِ (نَافِلَةً). وَقَدْ خُصَّ الرَّسُولُ بِهذا الأَمْرِ. ثُمَّ أَمَرَهُ تَعَالَى بِأَنْ يَتْلُوَ القُرآنَ فِي اللَّيْلِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَيْقِظَ مِنَ النَّوْمِ لِلصَّلاَةِ. التَّهَجُّدُ - الصَّلاةُ بَعْدَ الاسْتِيقَاظِ مِنَ النَّوْمِ. نَافِلَةً لَّكَ - فَرِيضَةً زَائِدَةً خَاصَّةً بِكَ. مَقَاماً مَّحْمُوداً - مَقَامَ الشَّفَاعَةِ العُظْمَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الهجود: هو النوم، وتهجَّد: أي أزاح النوم والهجود عن نفسه، وهذه خصوصية لرسول الله وزيادة على ما فرض على أمته، أنْ يتهجَّد لله في الليل، كما قال له ربه تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}تفسير : [المزمل: 1-4]. فهذه الخصوصية لرسول الله وإنْ كانت فَرْضاً عليه، إلا أنها ليست في قالب من حديد، بل له صلى الله عليه وسلم مساحة من الحرية في هذه العبادة، المهم أن يقوم لله تعالى جزءاً من الليل، لكن ما عِلَّة هذه الزيادة في حَقِّ رسول الله؟ العلة في قوله تعالى: {أية : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً}تفسير : [المزمل: 5]. وكأن التهجُّد ليلاً، والوقوف بين يدي الله في هذا الوقت سيعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم القوة والطاقة اللازمة للقيام بهذه المسئولية الملقاة على عاتقه، ألاَ وهي مسئولية حَمْل المنهج وتبليغه للناس. وفي الحديث الشريف "حديث : أن رسول الله كان كلما حزبه أمر قام إلى الصلاة"تفسير : ، ومعنى حَزَبه أَمْر: أي: ضاقت أسبابه عنه، ولم يَعُد له فيه منفذ، فإنْ ضاقت عليه الأسباب فليس أمامه إلا المسبِّب سبحانه يلجأ إليه ويُهْرع إلى نجدته {أية : إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً}تفسير : [المزمل: 6]. لأنك في الوقت الذي ينام فيه الناس ويخلدون إلى الراحة وتتثاقل رؤوسهم عن العبادة، تقوم بين يدي ربك مناجياً مُتضرِّعاً، فتتنزل عليك منه الرحمات والفيوضات، فَمَنْ قام من الناس في هذا الوقت واقتدى بك فَلَهُ نصيب من هذه الرحمات، وحَظٌّ من هذه الفيوضات. ومَنْ تثاقلتْ رأسه عن القيام فلا حَظَّ له. إذن: في قيام الليل قوة إيمانية وطاقة روحية، ولما كانت مهمة الرسول فوق مهمة الخَلْق كان حظّه من قيام الليل أزيد من حظهم، فأعباء الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة، والعِبْءُ الثقيل يحتاج الاتصال بالحق الأحد القيوم، حتى يستعين بلقاء ربه على قضاء مصالحه. ومن العجيب أن ينصرف المسلمون عن هذه السُّنة، ويتغافلون عنها، فإذا حزبهم أمر لا يُهْرَعون إلى الصلاة، بل يتعللون، يقول أحدهم: أنا مشغول. وهل شغل الدنيا مبرر للتهاون في هذه الفريضة؟ ومَنْ يدريك لعلك بالصلاة تُفتح لك الأبواب، وتقضى في ساعة ما لا تقضيه في عدة أيام. ونقول لهؤلاء الذين يتهاونون في الصلاة وتشغلهم الدنيا عنها، فإنْ صَلُّوا صَلُّوا قضاءً، فإن سألتَهم قالوا: المشاغل كثيرة والوقت لا يكفي، فهل إذا أراد أحدهم الذهاب لقضاء حاجته، هل سيجد وقتاً لهذا؟ إنه لا شكَّ واجدٌ الوقت لمثل هذا الأمر، حتى وإنْ تكالبتْ عليه مشاغل الدنيا، فلماذا الصلاة هي التي لا تجد لها وقتاً؟! وقوله تعالى: {نَافِلَةً لَّكَ ..} [الإسراء: 79]. النافلة هي الزيادة عما فرض على الجميع (لك) أي: خاصة بك دون غيرك، وهذا هو مقام الإحسان الذي قال الله عنه: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ}تفسير : [الذاريات: 15-16]. والمحسن هو الذي دخل مقام الإحسان، بأن يزيد على ما فرضه الله عليه، ومن جنس ما فرض؛ لذلك جاءت حيثية الإحسان: {أية : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}تفسير : [الذاريات: 17-18]. وهذا المقام ليس فرضاً عليك، فلك أن تصلي العشاء وتنام حتى صلاة الفجر، لكن إنْ أردت أن تتأسَّى برسول الله وتتشبّه به فادخُلْ في مقام الإحسان على قَدْر استطاعتك. ثم يقول تعالى: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} [الإسراء: 79]. تحدثتْ الآية في أولها عن التكليف، وهذا هو الجزاء، و{عَسَىٰ} تدل على رجاء حدوث الفعل، وفَرْق بين التمني والرجاء، التمني: أن تعلن أنك تحب شيئاً لكنه غير ممكن الحدوث أو مستحيل، ومن ذلك قول الشاعر: شعر : لَيْتَ الكَواكِبَ تَدْنُو ليِ فَأنْظِمُهَا تفسير : فالشاعر يتمنى لو أصبحت الكواكب بين يديه فينظمها قصائد مدح فيمن يمدحه، وهذا أمر مستحيل الحدوث. وقوله: شعر : أَلاَ لَيْتَ الشَّباب يعُودُ يَوْماً فَأُخبرُه بِمَا فَعَلَ المشيِبُ تفسير : أما الرجاء فهو طلب فعل ممكن الحدوث. ويقع تحت الطلب أشياء متعددة؛ فإنْ طلب المتكلم من المخاطب شيئاً غير ممكن الحدوث فهو تمنٍّ، وإن طلب شيئاً ممكن الحدوث فهو ترجٍّ، وإنْ طلب صورة الشيء لا حقيقته فهو استفهام كما تقول: أين زيد؟ وفَرْقٌ بين طلب الحقيقة وطلب الصورة. فإنْ طلبتَ حقيقة الشيء، فأمامك حالتان: إما أنْ تطلب الحقيقة على أنها تُفعل فهذا أمر، مثل: قُمْ: فإنْ طلبتها على أنها لا تفعل فهذا نهي: لا تَقُمْ. إذن: {عَسَىٰ} تدل على الرجاء، وهو يختلف باختلاف المرجو منه، فإنْ رجوت من فلان فقد يعطيك أو يخذلك، فإنْ قُلْتَ: عسى أنْ أعطيك فقد قربت الرجاء؛ لأنني أرجو من نفسي، لكن الإنسان بطبعه صاحب أغيار، ويمكن أن تطرأ عليه ظروف فلا يَفِي بما وعد. فإنْ قُلْت: عسى الله أن يعطيك، فهو أقوى الرجاء؛ لأنك رجوتَ مَنْ لا يُعجِزه شيء، ولا يتعاظمه شيء، ولا تتناوله الأغيار إذن: فالرجاء فيه مُحقَّق لاَ شَكَّ فيه. والمقام المحمود، كلمة محمود: أي الذي يقع عليه الحمد، والحمد هنا مشاع فلم يَقُلْ: محمود مِمَّنْ؟ فهو محمود مِمَّنْ يمكن أن يتأتّى منه الحمد، محمود من الكل من لَدُنْ آدم، وحتى قيام الساعة. والمراد بالمقام المحمود: هو مقام الشفاعة، حينما يقف الخَلْق في ساحة الحساب وهَوْل الموقف وشِدّته، حتى ليتمنى الناس الانصراف ولو إلى النار، ساعتها تستشفع كُلُّ أمة بنبيها، فيردّها إلى أنْ يذهبوا إلى خاتم المرسلين وسيد الأنبياء، فيقول: أنا لها، أنا لها. لذلك أمرنا صلى الله عليه وسلم أن ندعو بهذا الدعاء: "وابعثه اللهم المقام المحمود الذي وعدته" ولا شَكَّ أنه دعاء لصالحنا نحن. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} قال زيد بن علي عليهما السلام التَّهجّدُ: القَيامُ بَعدَ النَّومِ والهُجودُ: النَّومَ أيضاً. تفسير : وقوله تعالى: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} فالمَقامُ المَحمودُ: الشَّفاعةُ.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} [79] 314- أنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا خالد، [ثنا شعبة] عن أبي إسحاق، سمعه يقول: سمعت صِلة بن زُفر يقول: سمعت حذيفة يقول: حديث : يُجمع الناس في صعيد ولا تكلَّمُ نفس، فأول مدعو محمد صلى الله عليه وسلم/ ، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك والمهدي من هديت. وعبدك وابن عبدك. وبك وإليك. ولا ملجأ ولا منجَى منك إلا إليك تباركت وتعاليت.تفسير : فهذا قوله: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً}. 315- أنا العباس بن عبد الله بن العباس، قال: حدثنا سعيد بن منصور المكِّي، نا أبو الأحوص، عن آدم بن علي، قال: سمعت ابن عمر يقول/، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الناس يصيرون يوم القيامة جُثا، كلُّ أمة تتبع نبيها، يقولون/ أي فلان، اشفع لنا" تفسير : حتى تنتهي الشفاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله تبارك وتعالى المقام المحمود. 316- أنا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن سلمة بن كُهيل، قال، سمعت أبا الزَّعراء، قال: [عن] عبد الله [في قصة ذكرها، قال: ] أول شافع يوم القيامة [جبرائيل عليه السلام] روح القدس، ثم إبراهيم [خليل الرحمن] عليه السلام، [ثم موسى أو عيسى - قال أبو الزَّعراء: لا أردي أيهما.

همام الصنعاني

تفسير : 1609- عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {نَافِلَةً لَّكَ}: [الآية: 79]، قال: تطوعاً وفضيلةً لَكَ. 1610- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مَقَاماً مَّحْمُوداً}: [الآية: 79]، قال: هو الشفاعة، يشافعه الله في أمته. 1612- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوري ومعمر، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، قال: سمعتُ حذيفةَ يقول: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً}: الآية: 79]، قال: يَجْمَعُ الله الناس في صعيدٍ واحِد، حيث يسمعهم الداعي وينفذهم البَصَر، حفاة عراة سكوتاً، كما خلقوا، لا تتكلّم نفس إلا بإذنه، فنادي محمداً فيقول: لبيكَ وَسعديكَ والخير في يديكَ، والشر ليس إلْيكَ، والمهديُّ من هديت، وعبدُك بين يديك، وبِكَ وإليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركتَ ربَّنا وتعاليت، سبحانك رب البيت، قال: فذلك المقامُ المحمودُ الذي ذلك الله: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً}. 1613- عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوريّ، عن الأعمش، عن ذكوانَ، قال: بلغني أن الناس يحشرون يوم القيامة هكذا، ووضع رأسه، ووضع يده اليُمنَى عَلَى كوع اليسرى وتحنى شيئاً. 1614- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن علي بن حسين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَدَّ اللهُ الأرضَ مدَّ الأدِيمِ، حتَّى لا يكون لبشر من الناسِ إلاّ موضع قدمَيْهِ قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأكونُ أوَّل مَنْ يُدعى، وجبريل عن يمين الرحمان، والله ما رآه قلها قال، فأقول: يا رب، إن هذا أخبرني أنك أرسلته إليَّ، فيقول الله: صدق، ثم أشفع فأقول: يا رب عبادُك عَبَدُوكَ في أطراف الأرض، قال: وهو المقام المحمود ".