١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
80
Tafseer
القرطبي
تفسير : قيل: المعنى أمتني إماتة صدق، وابعثني يوم القيامة مبعث صدق؛ ليتصل بقوله {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا}. كأنه لما وعده ذلك أمره أن يدعو ليُنْجِز له الوعد. وقيل: أدخلني في المأمور وأخرجني من المنهِيّ. وقيل: علّمه ما يدعو به في صلاته وغيرها من إخراجه من بين المشركين وإدخاله موضع الأمن؛ فأخرجه من مكة وصيره إلى المدينة. وهذا المعنى رواه الترمذي عن ابن عباس قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم بمكة ثم أمر بالهجرة فنزلت «وقل رب أدخلني مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخرجني مُخْرَج صِدقٍ واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً» قال: هذا حديث حسن صحيح. وقال الضحاك: هو خروجه من مكة ودخوله مكة يوم الفتح آمناً. أبو سهل: حين رجع من تبُوك وقد قال المنافقون: {أية : لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ} تفسير : [المنافقون: 8] يعني إدخال عز وإخراج نصر إلى مكة. وقيل: المعنى أدخلني في الأمر الذي أكرمتني به من النبوّة مدخل صدق وأخرجني منه مخرج صدق إذا أمَتَّنِي؛ قال معناه مجاهد. والمدخل والمخرج (بضم الميم) بمعنى الإدخال والإخراج؛ كقوله: {أية : أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً} تفسير : [المؤمنون: 29] أي إنزالاً لا أرى فيه ما أكره. وهي قراءة العامة. وقرأ الحسن وأبو العالية ونصر بن عاصم «مَدخل» و «مخرج» بفتح الميمين بمعنى الدخول والخروج؛ فالأوّل رباعي وهذا ثلاثي. وقال ابن عباس: أدخلني القبر مدخل صدق عند الموت وأخرجني مخرج صدق عند البعث. وقيل: أدخلني حيثما أدخلتني بالصدق وأخرجني بالصدق؛ أي لا تجعلني ممن يدخل بوجه ويخرج بوجه؛ فإن ذا الوجهين لا يكون وجيهاً عندك. وقيل: الآية عامة في كل ما يُتناول من الأمور ويحاول من الأسفار والأعمال، ويُنتظر من تصرف المقادير في الموت والحياة. فهي دعاء، ومعناه: رب أصلح لي وِرْدي وصدري في كل الأمور. وقوله: {وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً} قال الشعبيّ وعكرمة: أي حجة ثابتة. وذهب الحسن إلى أنه العز والنصر وإظهار دينه على الدين كله. قال: فوعده الله لَيَنْزِعنّ مُلك فارس والروم وغيرها فيجعله له.
البيضاوي
تفسير : {وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى } أي في القبر. {مُدْخَلَ صِدْقٍ } إِدخالاً مرضياً. {وَأَخْرِجْنِى } أي منه عند البعث. {مُخْرَجَ صِدْقٍ } إخراجاً ملقى بالكرامة. وقيل المراد إدخال المدينة والإخراج من مكة. وقيل إدخاله مكة ظاهراً عليها وإخراجه منها آمناً من المشركين. وقيل إدخاله الغار وإخراجه منه سالماً. وقيل إدخاله فيما حمله من أعباء الرسالة وإخراجه منه مؤدياً حقه. وقيل إدخاله في كل ما يلابسه من مكان أو أمر وإخراجه منه. وقرىء {مُدْخَلَ } و {مُخْرَجَ } بالفتح على معنى أدخلني فأدخل دخولاً وأخرجني فأخرج خروجاً. {وَٱجْعَل لّى مِن لَّدُنْكَ سُلْطَـٰناً نَّصِيرًا } حجة تنصرني على من خالفني أو ملكاً ينصر الإِسلام على الكفر، فاستجاب له بقوله: {أية : فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ }تفسير : [المائده: 56] {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ }تفسير : [التوبة: 33] {أية : لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأَرْضِ} تفسير : [النور: 55] {وَقُلْ جَاء ٱلْحَقُّ } الإسلام {وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ } وذهب وهلك الشرك من زهق روحه إذا خرج. {إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا } مضمحلاً غير ثابت، عن ابن مسعود رضي الله عنه (أنه عليه الصلاة والسلام دخل مكة يوم الفتح وفيها ثلثمائة وستون صنماً ينكت بمخصرته في عين كل واحد منها فيقول جاء الحق وزهق الباطل، فينكب لوجهه حتى ألقى جميعها وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة وكان من صفر فقال: يا علي ارم به فصعد فرمى به فكسره). {وَنُنَزّلُ مِنَ ٱلْقُرْءانِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ } ما هو في تقويم دينهم واستصلاح نفوسهم كالدواء الشافي للمرضى، و {مِنْ } للبيان فإن كله كذلك. وقيل إنه للتبعيض والمعنى أن منه ما يشفي من المرض كالفاتحة وآيات الشفاء. وقرأ البصريان {نُنَزّلُ } بالتخفيف. {وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا } لتكذيبهم وكفرهم به. {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَـٰنِ } بالصحة والسعة {أَعْرَضَ } عن ذكر الله. {وَنَأَى بِجَانِبِهِ } لوى عطفه وبعد بنفسه عنه كأنه مستغن مستبد بأمره، ويجوز أن يكون كناية عن الاستكبار لأنه من عادة المستكبرين، وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان هنا وفي «فصلت» {وناء} على القلب أو على أنه بمعنى نهض. {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ} من مرض أو فقر. {كَانَ يَئُوساً} شديد اليأس من روح الله. {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} قل كل أحد يعمل على طريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلالة، أو جوهر روحه وأحواله التابعة لمزاج بدنه. {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً } أسد طريقاً وأبين منهجاً، وقد فسرت الشاكلة بالطبيعة والعادة والدين.
ابن كثير
تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا جرير عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم أمر بالهجرة، فأنزل الله: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَٱجْعَل لِّى مِن لَّدُنْكَ سُلْطَـٰناً نَّصِيرًا} وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحسن البصري في تفسير هذه الآية: إن كفار أهل مكة لما ائتمروا برسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه أو يطردوه أو يوثقوه، فأراد الله قتال أهل مكة، أمره أن يخرج إلى المدينة، فهو الذي قال الله عز وجل: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ} الآية. وقال قتادة: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ} يعني: المدينة {وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ} يعني: مكة، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهذا القول هو أشهر الأقوال. وقال العوفي عن ابن عباس: {أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ} يعني: الموت {وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ} يعني: الحياة بعد الموت، وقيل غير ذلك من الأقوال، والأول أصح، وهو اختيار ابن جرير. وقوله: {وَٱجْعَل لِّى مِن لَّدُنْكَ سُلْطَـٰناً نَّصِيرًا} قال الحسن البصري في تفسيرها: وعده ربه لينزعن ملك فارس وعز فارس، وليجعلنه له، وملك الروم وعز الروم، وليجعلنه له. وقال قتادة فيها: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطاناً نصيراً لكتاب الله، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله، فإن السلطان رحمة من الله جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك، لأغار بعضهم على بعض، فأكل شديدهم ضعيفهم، قال مجاهد: {سُلْطَـٰناً نَّصِيرًا} حجة بينة، واختار ابن جرير قول الحسن وقتادة، وهو الأرجح؛ لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه، ولهذا يقول تعالى: {أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} تفسير : ـ إلى قوله ـ {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ}تفسير : الآية [الحديد: 25]. وفي الحديث «حديث : إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» تفسير : أي: ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام مالا يمتنع كثير من الناس بالقرآن وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع. وقوله: {وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ} الآية، تهديد ووعيد لكفار قريش، فإنه قد جاءهم من الله الحق الذي لا مرية فيه، ولا قبل لهم به، وهو ما بعثه الله به من القرآن والإيمان والعلم النافع، وزهق باطلهم، أي: اضمحل وهلك، فإن الباطل لا ثبات له مع الحق ولا بقاء {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}. وقال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن أبي معمر عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة، وحول البيت ستون وثلثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: «حديث : جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً. جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد» تفسير : وكذا رواه البخاري أيضاً في غير هذا الموضع، ومسلم والترمذي والنسائي كلهم من طرق عن سفيان بن عيينة به، وكذا رواه عبد الرزاق عن ابن أبي نجيح به. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زهير، حدثنا شبابة، حدثنا المغيرة، حدثنا أبو الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنماً تعبد من دون الله. فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكبت على وجوهها، وقال: «حديث : جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً».
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل لما أمر بالهجرة: {وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى } المدينة {مُدْخَلَ صِدْقٍ } إدخالاً مرضياً لا أرى فيه ما أكره {وَأَخْرِجْنِى } من مكة {مُخْرَجَ صِدْقٍ } إخراجاً لا ألتفت بقلبي إليها {وَٱجْعَل لّى مِن لَّدُنْكَ سُلْطَٰناً نَّصِيرًا } قوّة تنصرني بها على أعدائك.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وقل ربِّ أدخلني مدخل صدقٍ وأخرجني مُخرج صدق} فيه سبعة أقاويل: أحدها: أن مدخل الصدق دخوله إلى المدينة حين هاجر إليها، ومخرج صدق بخروجه من مكة حين هاجر منها، قاله قتادة وابن زيد. الثاني: أدخلني مدخل صدق إلى الجنة وأخرجني مخرج صدق من مكة إلى المدينة، قاله الحسن. الثالث: أدخلني مدخل صدق فيما أرسلتني به من النبوة، وأخرجني منه بتبليغ الرسالة مخرج صدق، وهذا قول مجاهد. الرابع: أدخلني في الإسلام مدخل صدق، وأخرجني من الدنيا مخرج صدق، قاله أبو صالح. الخامس: أدخلني مكة مدخل صدق وأخرجني منها مخرج صدق آمناً، قاله الضحاك. السادس: أدخلني في قبري مدخل صدق، وأخرجني منه مخرج صدق، قاله ابن عباس. السابع: أدخلني فيما أمرتني به من طاعتك مدخل صدق، وأخرجني مما نهيتني عنه من معاصيك مخرج صدق، قاله بعض المتأخرين. والصدق ها هنا عبارة عن الصلاح وحسن العاقبة. {واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني مُلكاً عزيزاً أقهر به العصاة، قاله قتادة. الثاني: حجة بيّنة، قاله مجاهد. الثالث: أن السلطة على الكافرين بالسيف، وعلى المنافقين بإقامة الحدود قاله الحسن. ويحتمل رابعاً: أن يجمع له بين القلوب باللين وبين قهر الأبدان بالسيف. قوله عز وجل: {وقُلْ جاء الحق وزهق الباطل} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن الحق هو القرآن، والباطل هو الشيطان، قاله قتادة. الثاني: أن الحق عبادة الله تعالى والباطل عبادة الأصنام، قاله مقاتل بن سليمان. الثالث: أن الحق الجهاد، والباطل الشرك، قاله ابن جريج. {إن الباطل كان زهوقاً} أي ذاهباً هالكاً، قال الشاعر: شعر : ولقدْ شفَى نفسي وأبْرأ سُقْمَهَا إِقدامُهُ قهْراً له لَمْ يَزْهَق تفسير : وحكى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة ورأى فيها التصاوير أمر بثوب فبُل بالماء وجعل يضرب به تلك التصاوير ويمحوها ويقول {جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً} .
ابن عطية
تفسير : ظاهر هذه الآية والأحسن فيها أن يكون دعاء في أن يحسن الله حالته في كل ما يتناول من الأمور ويحاول من الأسفار والأعمال وينتظر من تصرف المقادير في الموت والحياة، فهي على أتم عموم، معناه {ربِّ} أصلح لي وردي في كل الأمور وصدري، وذهب المفسرون إلى أنها في غرض مخصوص، ثم اختلفوا في تعيينه، فقال ابن عباس والحسن وقتادة: أراد {أدخلني} المدينة {وأخرجني} من مكة، وتقدم في هذا التأويل المتأخر في الوقوع، فإنه متقدم في القول لأن الإخراج من مكة هو المتقدم، اللهم إن مكان الدخول والقرار هو الأهم، وقال أبو صالح ومجاهد: {أدخلني} في أمر تبليغ الشرع {وأخرجني} منه بالأداء التام، وقال ابن عباس: الإدخال بالموت في القبر والإخراج البعث، وما قدمت من العموم التام الذي يتناول هذا كله، أصوب، وقرأ الجمهور "مُدخل" "ومُخرج" بضم الميم، فهو جرى على {أدخلني وأخرجني} وقرأ أبو حيوة وقتادة وحميد، "مَدخل" "ومَخرج" بفتح الميم، فليس بجار على {أدخلني} ولكن التقدير "أدخلني فأدخل مدخل"، لأنه إنما يجري على دخل، و"الصدق" هنا صفة تقتضي رفع المذام واستيعاب المدح، كما تقول رجل صدق أي جامع للمحاسن، وقوله {واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً} قال مجاهد وغيره: حجة، يريد تنصرني ببيانها على الكفار، وقال الحسن وقتادة يريد سعة ورياسة وسيفاً ينصر دين الله، فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بأمر الله إياه به رغبة في نصر الدين، فروي أن الله وعده بذلك ثم أنجزه له في حياته وتممه بعد وفاته، وقوله {وقل جاء الحق} الآية، قال قتادة: {الحق} القرآن، و {الباطل} الشيطان، وقالت فرقة: {الحق} الإيمان، {والباطل} الكفر، وقال ابن جريج: {الحق} الجهاد، {والباطل} الشرك، وقيل غير ذلك، والصواب تعميم اللفظ بالغاية الممكنة، فيكون التفسير جاء الشرع بجميع ما نطوى فيه، {وزهق} الكفر بجميع ما انطوى فيه، و {الباطل} كل ما لا تنال به غاية نافعة. وقوله {كان زهوقاً} ليست {كان} إشارة إلى زمن مضى، بل المعنى كان وهو يكون، وهذا كقولك كان الله عليماً قادراً ونحو هذا، وهذه الآية نزلت بمكة، ثم إن رسول الله كان يستشهد بها يوم فتح مكة وقت طعنه الأصنام وسقوطها لطعنه إياها بالمخصرة حسبما في السيرة لابن هشام وفي غيرها، وقرأ الجمهور "وننزل" بالنون، وقرأ مجاهد "وينزل" بالياء خفيفة، ورواها المروزي عن حفص، وقوله {من القرآن} يصح أن تكون {من} لابتداء الغاية، ويصح أن تكون لبيان الجنس كأنه قال وننزل ما فيه شفاء {من القرآن} وأنكر بعض المتأولين أن يكون {من} للتبعيض لأنه تحفظ من يلزمه أن بعضه لا شفاء فيه. قال القاضي أبو محمد: وليس يلزمه هذا بل يصح أن يكون للتبعيض بحسب أن إنزاله إنما هو مبعض، فكأنه قال {وننزل من القرآن} شيئاً شيئاً ما فيه كله {شفاء}، واستعارته الشفاء للقرآن هو بحسب إزالته للريب وكشفه غطاء القلب لفهم المعجزات والأمور الدالة على الله تعالى المقررة لشرعه، ويحتمل أن يراد بـ "الشفاء" نفعه من الأمراض بالرقى والتعويذ ونحوه، وكونه رحمته ظاهر، وقوله {ولا يزيد الظالمين إلا خساراً} معنى أنه عليهم عمى، إذ هم معرضون بحالة من لا يفهم ولا يلقن. وقوله {وإذا أنعمنا} الآية، {الإنسان} في هذه الآية لا يراد به العموم، وإنما يراد به بعضه وهم الكفرة، وهذا كما تقول عند غضب: لا خير في الأصدقاء ولا أمانة في الناس، فأنت تعم مبالغة، ومرادك البعض، وهذا بحسب ذكر الظالمين، و"الخسار" في الآية قبل فاتصل ذكر الكفرة، ويحتمل أن يكون {الإنسان} في هذه الآية عاماً للجنس، على معنى أن هذا الخلق الذميم في سجيته، فالكافر يبالغ في الإعراض والعاصي يأخذ بحظه منه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مؤمن: "حديث : فأعرض فأعرض الله عنه"تفسير : ، ومعنى {أعرض} ولانا عرضه، ونأى أي بعد، وهذه استعارة، وذلك أنه يفعل أفعال المعرض النائي في تركه الإيمان بالله وشكر نعمه عليه، وقرأ ابن عامر وحده "وناء"، ومعناه نهض أي متباعداً، هذا قول طائفة، وقالت أخرى هو قلب الهمزة بعد الألف من {نأى} بعينه وهي لغة كرأى وراء، ومن هذه اللفظة، قول الشاعر في صفة رام: [الرجز] شعر : حتى إذا ما التأمت مفاصله وناء في شق الشمال كاهله تفسير : أي نهض متوركاً على شماله، والذي عندي أن "ناء ونأى" فعلان متباينان، وناء بجانبه عبارة عن التحيز والاستبداد، ونأى عبارة عن البعد والفراق، ثم وصف الكفرة بأنهم إذا مسهم شر من مرض أو مصيبة في مال أو غير ذلك يئسوا من حيث لا يؤمنون بالله ولا يرجون تصرف أقداره، ثم قال عز وجل {قل} يا محمد {كل يعمل على شاكلته} أي على طريقته وبحسب نيته ومذهبه الذي يشبهه وهو شكله ومثل له، وهذه الآية تدل دلالة ما على أن {الإنسان} أولاً لم يرد به العموم، أي إن الكفار بهذه الصفات، والمؤمنون بخلافها، وكل منهم يعمل على ما يليق به، والرب تعالى أعلم بالمهتدي، وقال مجاهد: {على شاكلته} معناه على طبيعته، وقال أيضاً معناه على حدته، وقال ابن عباس: معناه على ناحيته، وقال قتادة: معناه على ناحيته وعلى ما ينوي، وقال ابن زيد: معناه على دينه، وأرجح هذه العبارات قول ابن عباس وقتادة وفي قوله {فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً} توعد بين .
ابن عبد السلام
تفسير : {مُدْخَلَ صِدْقٍ} دخول المدينة لما هاجر و {مُخْرَجَ صِدْقٍ} من مكة للهجرة، أو أدخلني الجنة وأخرجني من مكة إلى المدينة، أو مدخل فيما أرسلتني به من النبوة وأخرجني منه بتبليغ الرسالة مخرج صدق، أو أدخلني مكة وأخرجني منها آمناً، أو أدخلني في قبري وأخرجني منه "ع" أو أدخلني في طاعتك وأخرجني من معصيتك، أو أدخلني في الإسلام وأخرجني من الدنيا. {سُلْطَاناً} ملكاً عزيزاً أقهر به العصاة، أو حجة بينة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق} المراد منهما الإدخال والإخراج قال ابن عباس: معناه أدخلني مدخل صدق المدينة وأخرجني مخرج صدق من مكة نزلت حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة. وقيل: معناه أخرجني من مكة آمناً من المشركين، وأدخلني مكة ظاهراً عليها بالفتح، وقيل: أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة مدخل صدق، وأخرجني من الدنيا، وقد قمت بما وجب علي من حق النبوة مخرج صدق وقيل: معناه أدخلني في طاعتك مدخل صدق وأخرجني من المناهي مخرج صدق وقيل: معناه أدخلني حيثما أدخلتني بالصدق، وأخرجني بالصدق ولا تجعلني ممن يخرج بوجه ويدخل بوجه فإن ذا الوجهين لا يكون آمناً عند الله {واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً} أي حجة بينة وقيل: ملكاً قوياً تنصرني به على من عاداني وعزاً ظاهراً أقيم به دينك فوعده الله لينزعن ملك فارس والروم وغيرهما ويجعله له، وأجاب دعاءه فقال له والله يعصمك من الناس، وقال يظهره على الدين كله وقال: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض الآية. قوله تعالى {وقل جاء الحق} يعني الإسلام والقرآن {وزهق الباطل} أي الشرك والشيطان {إن الباطل كان زهوقاً} أي مضمحلاً غير ثابت، وذلك أن الباطل وإن كان له دولة وصولة في وقت من الأوقات فهو سريع الذهاب والزوال (ق). عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وكان حول البيت ثلثمائة وستون صنماً فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ـ جاء الحق، وما يبدىء الباطل وما يعيد.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} الآية. يحتمل أن يكون "مدخل" مصدراً، وأن يكون ظرف مكانٍ، وهو الظاهر، والعامة على ضمِّ الميم فيهما؛ لسبقهما بفعل رباعيٍّ، وقرأ قتادة، وأبو حيوة، وإبراهيم بن أبي عبلة، وحميدٌ بفتح الميم فيهما: إمَّا لأنهما [مصدران على حذف الزوائد؛ كـ {أية : أَنبَتَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً} تفسير : [نوح: 17]؛ وإمَّا لأنهما] منصوبان بمقدر موافق لهما، تقديره: فادخل مدخل، واخرج مخرج، وقد تقدَّم هذا مستوفًى في قراءةِ نافع في سورة النساء [الآية: 31]، وأنه قرأ كذلك في سورة الحجِّ [الآية: 59]. و "مُدخلَ صِدقٍ"، و "مُخرجَ صِدقٍ" من إضافة التبيين، وعند الكوفيين من إضافة الموصوف لصفته؛ لأنه يوصف به مبالغة. و "سلطاناً" هو المفعول الأول للجعلِ، والثاني أحدُ الجارَّين المتقدمين، والآخر متعلِّقٌ باستقراره، وقوله "نَصِيراً" يجوز أن يكون محولاً من "فاعلٍ" للمبالغة، وأن يكون بمعنى مفعول. فصل في معنى "مُدخَلَ صِدقٍ" و "مُخرَجَ صِدْقٍ" قد تقدَّم في قوله: {أية : وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [الإسراء: 76] قولان: أحدهما: أن يكون المراد منه سعي كفَّار مكَّة في إخراجه منها. والثاني: المراد منه اليهود؛ قالوا له: الأولى أن تخرج من المدينة إلى الشَّام، ثم قال: "أقم الصَّلاة" واشتغل بعبادة الله تعالى، ولا تلتفت إلى هؤلاء الجهَّال، فإنَّ الله تعالى يعينك، ثمَّ عاد بعد هذا الكلام إلى شرح تلك الواقعة من أن كفَّار مكَّة أرادوا إخراجه، فأراد الله تعالى هجرته إلى المدينة، وقال له: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ}، وهو المدينة، {وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ}، وهو مكَّة، وهذا قول ابن عبَّاس، والحسن، وقتادة. وعلى التفسير الثاني، وهو أنَّ المراد منها أن اليهود حملوه على الخروج من المدينة والذَّهاب إلى الشَّام، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ أمر بأن يرجع إليها، فلمَّا عاد إلى المدينة، قال: "ربِّ أدخلْنِي مُدخلَ صدقٍ" وهي المدينة، "وأخْرِجنِي مُخرجَ صِدقٍ" يعني: إلى مكة؛ [بالفتح]، أي: افتحها. وقال الضحاك: "أدْخلنِي مُدخلَ صِدْقٍ" ظاهراً على مكة بالفتح "وأخْرِجنِي مُخرجَ صِدْقٍ" من مكة، آمناً من المشركين. وقال مجاهد: أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة، والقيام بمهمات أداء شريعتك، "وأخْرِجْنِي" من الدنيا، وقد قمت بما وجب عليَّ من حقِّها "مُخرجَ صِدقٍ" أي: إخراجاً لا يبقى عليَّ منها تبعةٌ. وعن الحسن: "أدْخلنِي مُدخلَ صِدْقٍ" الجنة، "وأخْرِجنِي مُخرجَ صِدْقٍ" أي: إخراجاً لا يبقى عليَّ منها تبعةٌ من مكة. وقيل: أدخلني في طاعتك، وأخرجني من المناهي. وقيل: أدخلني القبر مدخل صدقٍ، وأخرجني منه مخرج صدقٍ، وقيل: أدخلني حيثُ ما أدخلتني بالصِّدق، وأخرجني بالصِّدق، أي: لا تجعلني ممَّن يدخل بوجهٍ، ويخرج بوجهٍ، فإنَّ ذا الوجهين لم يكن عند الله وجيهاً. ووصف الإدخال والإخراج بالصِّدقِ؛ لما يئول إليه الدُّخولُ والخروج من النصر، والعزِّ، ودولة الدِّين، كما وصف القدم بالصِّدق؛ فقال: {أية : أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} تفسير : [يونس: 2]. {وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً}. قال مجاهد: حجة بينة ظاهرة تنصرني بها على جميع من خالفني، وقال الحسن: ملكاً قويًّا تنصرني به على من عاداني، وعزًّا ظاهراً أقيم به دينك، وقد أجاب الله - تعالى - دعاءه، وأعلمه أنه يعصمه من النَّاس؛ فقال: {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [المائدة: 67]. وقال: {أية : أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [المجادلة: 22]. وقال: {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} تفسير : [التوبة: 33]. ولما سأل الله تعالى النُّصرة، بيَّن أنَّه أجاب دعاءه؛ فقال: {وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ}. وهو دينه وشرعه. قوله: {وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ}. وهو كل ما سواه من الأديان، والشَّرائع، قاله السديُّ. وقيل: جاء الحقُّ، أي: القرآن. وزهق الباطل، أي: ذهب الشيطان، قاله قتادة. وقيل: الحقُّ: عبادة الله تعالى، والباطل عبادة الأصنام. وعن ابن مسعودٍ: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكَّة يوم الفتح، وحول البيت ثلاثمائةٍ وستُّون صنماً، فجعل يضربها بعودٍ في يده، وجعل يقول: {جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ}. [أي: ذهب الشيطان] كان الصَّنمُ ينكبُّ على وجهه. قوله: {إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}. أي: إنَّ الباطل، وإن كان له دولةٌ، لا يبقى، بل يزول بسرعة. والزُّهوقُ: الذِّهاب، والاضمحلال؛ قال: [الكامل] شعر : 3457- ولقَدْ شَفَى نَفْسِي وأبْرَأ سُقمهَا إقْدامهُ بِمزَالةٍ لمْ يَزْهقِ تفسير : يقال: زهقت نفسي تزهقُ زهوقاً بالضمِّ، وأمَّا الزُّهوقُ، بالفتح، فمثال مبالغة؛ كقوله: [الطويل] شعر : 3458- ضَرُوبٌ بِنصْلِ السَّيْفِ سُوقَ سِمانِها ................................. تفسير : قوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ}: في "مِنْ" هذه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها لبيان الجنس، قاله الزمخشري، وابن عطيَّة، وأبو البقاء، وردَّ عليهم أبو حيان: بأنَّ التي للبيان، لا بد وأن يتقدَّمها ما تبينه، لا أن تتقدم هي عليه، وهنا قد وجد تقدُّمها عليه. الثاني: أنها للتبعيض، وأنكره الحوفي؛ قال: "لأنه يلزم ألاَّ يكون بعضه شفاء" وأجيب عنه: بأنَّ إنزاله إنَّما هو مبعضٌ، وهذا الجواب ليس بظاهرٍ، وأجاب أبو البقاء بأنَّ منه ما يشفي من المرض. وهذا يؤيده الدَّليلُ المتقدِّم، وأجاز الكسائيُّ: "ورَحْمةً" بالنصب عطفاً على ما تظاهر وهذا قد وجد بدليل رقية بعض الصحابة سيِّد الحيِّ الذي لدغ، بالفاتحة؛ فشفي. الثالث: أنها لابتداءِ الغاية، وهو واضحٌ. والجمهور على رفع "شفاءٌ ورحمةٌ" خبرين لـ "هُوَ"، والجملة صلة لـ "مَا" وزيد بن عليٍّ بنصبهما، وخرِّجت قراءته على نصبهما على الحال، والخبر حينئذ "لِلمُؤمنينَ" وقدِّمت الحال على عاملها المعنوي، كقوله تعالى: {وَالسَّمَٰوَاتُ مطويَّاتٍ} [الزمر: 67] في قراءة من نصب "مَطْويَّاتٍ"، وقول النابغة: شعر : 3459- رَهْطُ ابنِ كُوزٍ مُحقِبِي أدْرَاعهُمْ فِيهمْ ورَهْطُ رَبيعَة بْنِ حُذارِ تفسير : وقيل: منصوبان بإضمار فعلٍ، وهذا عند من يمنع تقديمها على عاملها المعنوي، وقال أبو البقاء: وأجاز الكسائي: "ورحْمَةً" بالنصب عطفاً على "مَا" فظاهر هذا أن الكسائيَّ [بقَّى] "شِفاءٌ" على رفعه، ونصب "رَحْمةً" فقط عطفاً على "ما" الموصولة؛ كأنه قيل: ونُنزِّل [من القرآن رحمة، وليس في نقله ما يؤذن بأنه تلاها قرآناً، وتقدَّم الخلاف في] "ونُنزِّلُ" تخفيفاً وتشديداً، والعامة على نون العظمة. ومجاهد "ويُنزِلُ" بياء الغيبة، أي: الله. فصل في المراد بـ "مِنْ" في الآية قال المفسِّرون: إنَّ "من" هنا للجنسِ؛ كقوله تعالى: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} تفسير : [الحج: 30]. أي: ونُنزِّل من هذا الجنس الذي هو قرآنٌ ما هو شفاءٌ، فجميع القرآن شفاء للمؤمنين، أي: بيانٌ من الضلالة والجهالة يتبيَّن به المختلف، ويتَّضح به المشكل، ويستشفى به من الشُّبهة، ويهتدى به من الحيرة، وهو شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها. واعلم أنَّ القرآن شفاء من المراض الرُّوحانيَّة، والأمراض الجسمانية. أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية؛ لأنَّ المرض الروحانيَّ قسمان: أحدهما: الاعتقادات الباطلة، وأشدُّها فساداً الاعتقادات الفاسدة في الإلهيَّات، والنبوَّات، والمعاد، والقضاءِ، والقدر؛ والقرآن كلُّه مشتملٌ على دلائل الحقِّ في هذه المطالب. والثاني: الأخلاق المذمومة؛ والقرآن مشتمل على تفاصيلها، وتعريف ما فيها من المفاسد، والإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة، وكان القرآن شفاء من الأمراض الروحانيَّة. وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية؛ فلأنَّ التبرُّك بقراءته يدفع كثيراً من الأمراض؛ ويؤيده ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : مَنْ لَمْ يَستشْفِ بالقرآنِ، فلا شَفاهُ الله تعالى ". تفسير : وما ورد في حديث الرقية بالفاتحة. ثم قال: {ولا يَزيدُ الظَّالِمِينَ إلاَّ خَسَاراً} المراد بالظالمين ها هنا: المشركون؛ لأنَّ سماع القرآن يزيدهم غضباً، وغيظاً، وحقداً، وكلَّما نزلت آيةٌ يتجدَّد تكذيبٌ؛ فتزداد خسارتهم. قال مجاهد وقتادة: لم يجالس هذا القرآن أحدٌ إلا قام عنه بزيادةٍ أو نقصان: قضاء الله الذي قضاه شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين، ولا يزيد الظَّالمين إلا خساراً. ثم إنه تعالى ذكر السَّبب الأصلي في وقوع هؤلاء الجهَّال في أودية الضَّلال، وهو حبُّ الدنيا، والرغبة في المال والجاه، واعتقادهم أن ذلك إنَّما يحصل بجدِّهم واجتهادهم، فقال: {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ}. قال ابن عباس: الإنسان ها هنا هو الوليد بن المغيرة. والأوْلى أنَّ كل إنسان من شأنه إذا فاز بمقصوده، اغترَّ وصار غافلاً عن عبادة الله - تعالى - وتمرَّد على طاعته؛ كما قال: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6، 7]. قوله تعالى: {وَنَأَى}: قرأ العامة بتقديم الهمزة على حرف العلة؛ من النَّأي، وهو البعدُ، وابن ذكوان - ونقلها أبو حيان وابن الخطيب عن ابن عامر وأبو جعفر: "نَاءَ" مثل "جَاءَ" بتقديم الألف على الهمزة، وفيها تخريجان: أحدهما: أنها من: نَاءَ، يَنُوء، أي: نَهضَ؛ قال: [الرجز] شعر : 3460- حتَّى إذا مَا التَأمَتْ مَفاصِلُه ونَاءَ في شقِّ الشِّمالِ كَاهِلُه تفسير : والثاني: أنه مقلوبٌ من "نَأى"، ووزنه "فَلعَ" كقولهم في "رَأى": "رَاءَ" إلى غير ذلك فيكونان بمعنى، ولكن متى أمكن عدم القلب، فهو أولى، وهذا الخلافُ أيضاً في حم السجدة [فصلت: 51]. وأمال الألف إمالة محضة الأخوان، وأبو بكرٍ، عن عاصمٍ، وبين بين؛ بخلاف عنه، السوسيُّ، وكذلك في فصِّلت، إلا أبا بكرٍ؛ فإنه لم يمله. وأمال فتحة النون في السورتين خلفٌ، وأبو الحارث والدُّوري عن الكسائيِّ. ثم قال: {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ}، أي: الشِّدة، والضر {كَانَ يَئُوساً} أيساً قنوطاً. وقيل: معناه: أنَّه يتضرَّع، ويدعو عند الضُّرِّ والشدَّة، فإذا تأخَّرت الإجابة، أيس، ولا ينبغي للمؤمن أن يَيْئَسَ من الإجابة، وإن تأخَّرت، فيدع الدعاء. قوله تعالى: {عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ}: متعلق بـ "يَعْمَلُ"، والشَّاكلةُ: أحسنُ ما قيل فيها ما قاله الزمخشريُّ والزجاج: أنها مذهبه الذي يشاكلُ حاله في الهدى والضلالة؛ من قولهم: "طريقٌ ذو شَواكلَ"، وهي الطرقُ التي تَشعَّبتْ منه؛ والدليل عليه قوله تعالى: {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً}، وقيل: على دينه، وقيل: خلقه، وقال ابن عباسٍ: "جانبه" وقال الحسن، وقتادة: على نيَّته. وقال الفراء: "على طَريقتهِ، والمذهب الذي جبل عليه". [وهو] من "الشَّكلِ" وهو المثل؛ يقال: لست على شكْلِي، ولا شَاكلتي، وأمَّا "الشِّكلُ" بالكسر فهو الهيئة؛ يقال: جاريةٌ حسنة الشِّكلِ، وقال امرؤ [القيس] في "الشَّكل" بالفتح: [الكامل] شعر : 3461- حَيِّ الحُمولَ بِجانبِ العَزْلِ إذْ لا يُلائِمُ شَكلُهَا شَكْلِي تفسير : أي: لا يلائم مثلها مثلي. قال ابن الخطيب: والذي يقوى عندي: أنَّ المراد من المشاكلة ما قاله الزجاج، والزمخشريُّ؛ لقوله بعد ذلك: {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً} [الإسراء: 84]. وفيه وجه آخر: وهو أنَّ المراد: أن كلَّ أحد يفعل على وفق ما يشاكله جوهر نفسه، ومقتضى روحه، فإن كانت مشرقة، ظاهرة، علوية، صدرت منه أفعالٌ فاضلةٌ، وإن كانت نفسه كدرة خبيثة [مضلَّةً ظُلمانيَّة، صدرت عنه أفعال خسيسة] فاسدةٌ. وأقول: اختلف العقلاء في أنَّ النفوس الناطقة البشريَّة، هل هي مختلفةٌ بالماهيَّة، أم لا؟. منهم من قال: إنَّها مختلفةٌ بالماهيَّة، وإنَّ اختلاف أحوالها وأفعالها لاختلاف جواهرها وماهيَّاتها. ومنهم من قال: إنَّها متساوية في الماهية، واختلاف أحوالها وأفعالها لاختلاف أمزجتها. والمختار عندي: هو القسم الأوَّل، والقرآن يشعر به؛ لأنه تعالى بيَّن في الآية المتقدمة: أنَّ القرآن بالنِّسبة إلى البعض يفيد الشِّفاء، والرحمة، وبالنِّسبة إلى الآخرين يفيد الخسار، والخزي، ثم أتبعه بقوله: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ}. ومعناه: أن اللائق بتلك النُّفوس أن يظهر فيها القرآن الخير وآثار الذكاء والكمال وبتلك النفوس الكدرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الخزي والضلال كما أن الشمس تعقد الملح وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار، وتسوِّد وجهه، وهذا الكلام لا يتم المقصود به، إلاَّ إذا كانت الأرواح والنفوس مختلفة ماهيَّاتها، فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن نورٌ على نورٍ، وبعضها كدرةٌ ظلمانيةٌ، ويظهر فيها من القرآن ضلال عل ضلالٍ، ونكالٌ على نكالٍ. قوله: "أهْدَى" يجوز أن يكون من "اهْتدَى"؛ على حذف الزوائد، وأن يكون من "هَدَى" المتعدِّي، وأن يكون من "هَدَى" القاصر، بمعنى "اهتدى". وقوله "سَبِيلاً" تمييزٌ. [والمعنى:] فربُّكم أعلم بمن هو أوضح طريقاً.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد والترمذي وصححه، وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل والضياء في المختارة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم أمر بالهجرة فأنزل الله تعالى {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً}. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {وقل رب أدخلني مدخل صدق ...} الآية. قال: أخرجه الله من مكة {مخرج صدق} وأدخله المدينة {مدخل صدق} قال: وعلم نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطاناً نصيراً لكتاب الله تعالى وحدوده وفرائضه وإقامة كتاب الله تعالى، فإن السلطان عزة من الله تعالى جعلها بين عباده، ولولا ذلك لغار بعضهم على بعض وأكل شديدهم ضعيفهم. وأخرج الخطيب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: والله لما يزع الله بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن. وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة، عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في الآية قال: جعل الله {مدخل صدق} المدينة {ومخرج صدق} مكة و {سلطاناً نصيراً} الأنصار. وأخرج الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قرأ "أدخلني مَدْخَلَ صدق وأخرجني مَخْرَجَ صدق" بفتح الميم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {أدخلني مدخل صدق} يعني، الموت {وأخرجني مخرج صدق} يعني، الحياة بعد الموت.
ابو السعود
تفسير : {وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى} أي القبرَ {مُدْخَلَ صِدْقٍ} أي إدخالاً مرضياً {وَأَخْرِجْنِى} أي منه عند البعثِ {مُخْرَجَ صِدْقٍ} أي إخراجاً مَرْضياً مَلْقيًّا بالكرامة، فهو تلقينٌ للدعاء بما وعده من البعث المقرونِ بالإقامة المعهودةِ التي لا كرامةَ فوقها، وقيل: المرادُ إدخالُ المدينةِ والإخراجُ من مكةَ، وتغيـيرُ ترتيبِ الوجودِ لكون الإدخالِ هو المقصدُ، وقيل: إدخالُه عليه السلام مكةَ ظاهراً عليها وإخراجُه منها آمناً من المشركين، وقيل: إدخالُه الغارَ وإخراجُه منه سالماً، وقيل: إدخالُه فيما حمله من أعباء الرسالةِ وإخراجُه منه مؤدياً حقَّه، وقيل: إدخالُه في كل ما يلابسه من مكان أو أمرٍ وإخراجُه منه، وقرىء مَدخل ومَخرج بالفتح على معنى أدخلني فأدخُلَ دخولاً وأخرجني فأخرُجَ خروجاً كقوله: [الطويل] شعر : وعضةُ دهرٍ يا ابنَ مروانَ لم تدَع من المال إلا مُسحَتٌ أو مجلِّفُ تفسير : أي لم تدَع فلم يبْقَ {وَٱجْعَل لّى مِن لَّدُنْكَ سُلْطَـٰناً نَّصِيرًا} حجةً تنصُرني على من يخالفني أو مُلكاً وعزاً ناصراً للإسلام مظهِراً له على الكفر، فأجيبت دعوتُه عليه السلام بقوله عز وعلا: { أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [المائدة، الآية 67] { أية : أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [المجادلة، الآية 22] أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ} تفسير : [التوبة، الآية 33] { أية : لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأَرْضِ} تفسير : [النور، الآية 55]. {وَقُلْ جَاء ٱلْحَقُّ} أي الإسلامُ والوحيُ الثابتُ الراسخ {وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ} أي ذهب وهلك الشركُ والكفرُ وتسويلاتُ الشيطان، من زهَق روحُه إذا خرج {إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ} كائناً ما كان {كَانَ زَهُوقًا} أي شأنُه أن يكون مضمحلاً غيرَ ثابتٍ وهو عِدةٌ كريمةٌ بإجابة الدعاءِ بالسلطان النصيرِ الذي لُقِّنه. عن ابن مسعود رضي الله عنه حديث : أنه عليه السلام دخل مكةَ يوم الفتح وحول البـيت ثلاثُمائةٍ وستون صنماً فجعل ينكُت بمِخْصَرة كانت بـيده في أعينها واحداً واحداً ويقول: جاء الحقُ وزهق الباطلُ فينكبّ لوجهه حتى أَلقْى جميعَها، وبقيَ صنمُ خُزاعةَ فوق الكعبة وكان من صُفْر فقال: «يا عليُّ ارمِ به» فصعِد فرمىٰ به فكسره.
التستري
تفسير : قوله: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} [80] يعني أدخلني في تبليغ الرسالة مدخل صدق، وهو أن لا يكون لي إلى أحد ميل، وإني لا أقصر في حدود التبليغ وشروطه، وأخرجني من ذلك على السلامة وطلب رضاك منه على الموافقة، {وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً}[80] أي زيّنّي بزينة جبروتك ليكون الغالب عليهم سلطان الحق لا سلطان الهوى. وسمعت سهلاً مرة أخرى يقول: {وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً}[80] لساناً ينطق عنك، ولا ينطق عن غيرك.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} [الآية: 80]. قال سهل: أدخلنى فى تبليغ الرسالة، مدخل صدق وأن لا يكون لى ميل ولا تكبر فى حدود التبليغ وشروطه، وأخرجنى من ذلك على السلامة وطلب رضاك منه والموافقة {وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً} زيّنى بزينة جبروتك ليكون الغالب سلطان الحق لا سلطان الهوى. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم الإسكندرانى يقول: سمعت أبا جعفر الملطى عن على بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد فى قوله: {أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} قال: أدخلنى فيها على حَدّ الرضا، وأخرجنى عنها وأنت عنى راضٍ. وقال أيضًا: أخرجنى من القبر إلى الوقوف بين يديك على طريق الصدق مع الصادقين. قال جعفر: طلب التولية أن يكون هو المتولى أى أدخلنى ميدان معرفتك وأخرجنى من مشاهدة الذات. قال الخراز: ما دعا الله أحدًا من العباد إلا أقام عليه الدلائل والبراهين ودل عليه، وقد قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ} الآية. قال الواسطى رحمة الله عليه: قال المعلا فى شرفه يعنى محمد صلى الله عليه وسلم: {أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} فأظهر محمد صلى الله عليه وسلم من نفسه صدق اللجأ بصدق الفاقة بين يديه، وبصدق اللجأ تَرَبَّيت السرائر. قوله تعالى: {وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً} [الآية: 80]. قال الجنيد رحمه الله: غلبةً وقهرًا على أعدائك فأجابه الله إلى ذلك فقال النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : نصرت بالرُّعب مسيرة شهر ". تفسير : قال فارس: السلطان هاهنا سلطان على نفسه يقمع هواه فيزم جمعها بشاهد الهيبة فيمسك نفسه بسلطان الوحدانية، ويُنصر على عدوه بحسن نظر الله له من معاونته وحمله على رؤية هواه. قال سهل بن عبد الله: لسانًا ينطق عنك ولا ينطق عن غيرك. سمعت منصور بن عبد الله بإسناده عن جعفر أنه قال فى هذه الآية: قوة لى فى الدين توجب لى بها الجنة.
القشيري
تفسير : أي أدخلني إدخالَ صدقٍ وأَخرجني إخراجَ صدقٍ. والصدقُ أن يكون دخولُه في الأشياء بالله لله لا لغيره، وخروجه عن الأشياء بالله صلى الله عليه وسلم لا لغيره. {وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً}: فلا ألاحظ دخولي ولا خروجي.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقل رب أدخلنى} القبر {مدخل صدق} اى ادخالا مرضيا على طهارة وطيب من السيآت {وأخرجنى} منه عند البعث {مخرج صدق} اى اخراجا مرضيا ملقى بالكرامة آمنا من السخط يدل على هذا المعنى ذكره اثر البعث. فالمدخل والمخرج مصدران بمعنى الادخال والاخراج والاضافة الى الصدق لاجل المبالغة نحو حاتم الجود اى ادخالا يستأهل ان يسمى ادخالا ولا يرى فيه ما يكره لانه فى مقابلة مدخل سوء ومخرج سوء وقيل المراد ادخال المدينة والاخراج من مكة فيكون نزولها حين امر بالهجرة ويدل عليه قوله تعالى {أية : وان كادوا ليستفزونك}تفسير : وقيل ادخاله فى كل ما يلابسه من مكان اوامر واخراجه منه ورجح الاكثرون هذا الوجه فالمعنى حيثما ادخلتنى واخرجتنى فليكن بالصدق منى ولا تجعلنى ذا وجهين فان ذا الوجهين لا يجوز ان يكون امينا {واجعل لى من لدنك} من خزائن نصرك ورحمتك {سلطانا} برهانا وقهرا {نصيرا} ينصرنى من اعداء الدين او ملكا وعزا ناصرا للاسلام مظهرا له على الكفر فاجيبت دعوته بقوله والله يعصمك من الناس فان حزب الله هم الغالبون ليظهره على الدين كله ليستخلفنهم فى الارض ووعده لينزعن ملك فارس والروم فيجعل له وعنه عليه السلام انه استعمل عتاب بن اسيد على اهل مكة وقال (انطلق فقد استعملتك على اهل الله) وكان شديدا على المريب لينا على المؤمن وقال لا والله لا اعلم متخلفا يتخلف عن الصلاة فى جماعة الا ضربت عنقه فانه لا يتخلف عن الصلاة الا منافق فقال اهل مكة يا رسول الله لقد استعملت على اهل الله عتاب بن اسد اعرابيا جافا فقال عليه السلام "حديث : انى رأيت فيما يرى النائم كأن عتاب ابن اسيد اتى باب الجنة فاخذ بحلقة الباب فقلقها قلقا شديدا حتى فتح له فدخلها"تفسير : فاعز الله الاسلام لنصرته المسلمين على من يريد ظلمهم فذلك السلطان النصير.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقل} يا محمد: {ربِّ أَدْخلني} في الأمور كلها {مُدْخلَ صدقٍ}؛ بأن أدخل فيها بك لا بنفسي، {وأَخرجني} منها {مُخرجَ صدقٍ} كذلك، مصحوبًا بالفهم عنك، والإذن منك في إدخالي وإخراجي. وقيل: أدخلني قبري مدخل صدق راضيًا مرضيًا، وأخرجني منه عند البعث مخرج صدق، أي: إخراجًا مرضيًا مُلقى بالكرامة. فيكون تلقينًا للدعاء بما وعده من البعث، المقرون بالإقامة للمقام المحمود، التي لا كرامة فوقها. وقيل: المراد: إدخال المدينة، والإخراج من مكة. وقيل: إدخاله - عليه الصلاة والسلام - مكة؛ ظاهرًا عليها، وإخراجه منها؛ آمنًا من المشركين. وقيل: إدخاله الغار، وإخراجه منه سالمًا. وقيل: إدخاله فيما حمله من أعباء الرسالة، وإخراجه منه مؤديًا حقه. وقيل: إدخاله في كل ما يلائمه من مكان أو أمر، وإخراجه منه بالحفظ والرعاية، بحيث يدخل بالله ويخرج بالله. وهو الراجح كما قدمناه. {واجعل لي من لدنك} أي: من مستبْطَن أمورك، {سُلطانًا نصيرًا} أي حجة ظاهرة، تنصرني على من يخالفني ويعاديني، أو: عزًا ناصرًا للإسلام، مظهرًا له على الكفر. فأجيبتْ دعوته - عليه الصلاة والسلام - بقوله: {أية : فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [المائدة: 56]، {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} تفسير : [التّوبَة: 33]، {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ...} تفسير : [النُّور: 55] الآية، وبقوله: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ} تفسير : [الصَّافات: 171، 172] الآية. وذلك حين يظهر الحق، ويزهق الباطل، كما قال: {وقل جاء الحق} أي: الإسلام أو الوحي، {وزهق الباطلُ}؛ ذهب، وهلك الكفر والشرك، وتسويلات الشيطان؛ {إِنَّ الباطلَ} كائنًا ما {كان زهوقًا} أي: شأنه أن يكون مضمحلاً غير ثابت. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْح، وحَوْلَ البَيْتِ ثَلاثُمِائةٍ وَسِتُّون صَنَمًا، فَجَعَل يَطْعَنُ بمخْصَرةٍ كانت بيَده في عين كُل واحد، ويقول: حديث : جاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ الباطِلُتفسير : ، فَيَنْكَبُّ لِوَجْهِهِ، حَتَّى أَلْقَى جمِيعها، وَبَقِيَ صَنَمُ خُزَاعَة فوْقَ الكَعْبَةِ، وكَانَ من صُفْرٍ، فقال: حديث : يا عَلِيُّ، ارْمِ بِهِتفسير : ؛ فصعَدَ إليه، ورَمَى به، فَكَسَرَهُ. هـ. الإشارة: إذا تمكن العارفون من شهود حضرة القدس ومحل الأنس، وصارت معشش قلوبهم؛ كان نزولهم إلى سماء الحقوق وأرض الحظوظ بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين. فلم ينزلوا إلى سماء الحقوق بسوء الأدب والغفلة، ولا إلى أرض الحظوظ بالشهوة والمتعة، بل دخلوا في ذلك بالله ولله، ومن الله وإلى الله، كما في الحكم. ثم قال: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق}؛ ليكون نظري إلى حولك وقوتك إذا أدخلتني، وانقيادي إليك إذا أخرجتني. {واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا} ينصرني ولا ينصر عليّ، ينصرني على شهود نفسي، حتى أغيب عنها وعن متعتها وهواها، ويفنيني عن دائرة حسي، حتى تتسع عليّ دائرة المعاني عندي، وأفضي إلى فضاء الشهود والعيان، فحينئذ يَزهق الباطل، وهو ما سوى الله، ويجيء الحق، وهو وجود الحق وحده، فأقول حينئذ: {وقل جاء الحق وزَهَقَ الباطل إِنَّ الباطل كان زهوقًا}، وإنما أثبته الوهم والجهل، وإلا فلا ثبوت له؛ ابتداء وانتهاء. وثبوت الوهم والجهل في القلب مرض من الأمراض وشفاؤه في التمسك بما جاء به القرآن العظيم
الجنابذي
تفسير : {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي} فى ذلك المقام وما ورد من تفسير بدخول مكّة او بدخول كلّ مُدخل او بدخول كلّ مدخل يخاف منه انّما هو لسعة وجوه القرآن وجواز تعميم الآية، ولا ينافى كون المقصود فى ذيل وعد البعث الى المقام المحمود مسئلة الدّخول فى ذلك المقام، ولمّا كان خطابه (ص) يشمل امّته نحو شمول خطاب الكلّ للاجزاء او خطاب المتبوع للتّابع كان الامّة مقصودة وكان المقصود بالنّسبة اليهم سؤال دخول مقامات السّالكين الى الله او سؤال دخول المقام المحمود الجزئىّ الّذى هو آخر مقامات السّالكين بحسب مراتبهم {مُدْخَلَ صِدْقٍ} ادخال صدقٍ او محلّ ادخال صدق، وقرئ بفتح الميم والاضافة الى الصّدق للمبالغة اى ادخالاً ثابتاً للصّدق لا يكون له الاّ شأن الصّدق، او الصّدق بمعنى الصّادق اى ادخال صادق ويكون التّعبير بالصّدق للمبالغة فيكون الاضافة ايضاً للمبالغة فانّ المعنى حينئذٍ ادخال شخصٍ لا يبقى فيه الاّ الصّدق وصدق الادخال فى مقام ان يدخل ويتمكّن فيه بحيث لا يتصوّر له الخروج وزوال ذلك المقام عنه ولذلك قيل: الخروج عن غير دخول جهلٌ يعنى الخروج من مقامٍ من غير تمكّن الدّخول فيه جهلٌ والاّ فالخروج فرع الدّخول {وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} والاخراج بالصّدق يكون بالتّمكّن فى المدخل {وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً} والتّنوين للتّفخيم والسّلطان النّصير هو الولاية المطلقة الظّاهرة فى مظاهرها الكلّيّة والجزئيّة، واصل كلّ المظاهر علىّ (ع) ببشريّته كما انّه حقيقة الولاية المطلقة بعلويّته وقد اجابه (ص) الله تعالى حيث كان علىّ (ع) معه بعلويّته سرّاً وببشريّته جهراً وهو كان بعلويّته السّكينة النّازلة عليه (ص) بصورته المثاليّة.
اطفيش
تفسير : {وقُل} يا محمد {رَّبِّ أدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ}. قال ابن عباس نزل حين أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم بالهجرة، قال المراد ادخلنى المدينة مدخل صدق لا أرى ما أكره، وأخرجنى من مكة مخرج صدق لا ألتفت إِليها بقلبى، روى عنه أدخلنى القبر بالموت مدخل صدق أى طاهراً من السيئات وأخرجنى منه بالبعث مخرج صدق أى ملقى بالكرامة مرضياً عنى، وقيل أدخلنى الجنة وأخرجنى من مكة، وقيل أدخلنى المدينة، وأخرجنى إِلى قتال بدر، وقيل أدخلنى مكة ظاهراً على أهلها بالفتح وأخرجنى منها آمناً من المشركين فيكون العطف عطف سابق على لاحق، وقيل المراد إدخاله الغار وإِخراجه منه سالماً، وقيل أدخلنى فى أمرك الذى أرسلتنى به من البنوة مدخل صدق وأخرجنى من الدنيا وافيا مبلغاً، وقيل أدخلنى فى طاعتك مدخل صدق وأخرجنى من المناهى مخرج صدق وقيل دعاء بتحسين حاله فى كل ما يتناول من الأُمور الدينية والدنيوية وكأَنه قيل رب أصلح لى وردى فى كل الأَمور وصدرى منها وهو أظهر وأحسن لعمومه، وقيل لا تجعلنى ممن يدخل بوجه ويخرج بوجه ومدخل ومخرج مصدران ميميان من إِدخال وإِخراج الرباعيين أى إِدخال صدق وإِخراج صدق واسما مكانين، أى موضع إِدخال الصدق وموضع إِخراج الصدق، وهذا ضعيف والموضعان مجازان عن الأَمر الذى يشرع فيه أو يفرغ منه أى لا تجعلنى ممن يفرغ من أمر غير صدق أى لا تدخلنى فيه فضلا عن أن أخرج منه، وقرأ بفتح الميمين على أنهما مصدران ميميان من دخل وخرج الثلاثيين أى خروجاً ودخولا ولا يخفى أيضاً ضعف المكان وهما على هذه القراءة اسما مصدرين باعتبار أدخلنى وأخرجنى أو يقدر لهما عامل ثلاثى أى رب أدخلنى فأدخل دخول صدق وأخرجنى فأخرج خروج صدق والصدق كون الشئ خالياً عن مكدر كمعصية وخيانة وكذب ومضرة، والآية لله إِلى قوله نظيراً للدخول على السلطان وإِزالة الخوف من القلب من أراد ذلك فليتطهر وليلبس ثوباً نظيفاً وليصل ركعتين ثم يتلوها فى طريقه إِلى أن يقف بين يدى السلطان فإِنه يرى منه الفضل إِن شاء الله تعالى. {وَاجْعَل لِّى مِن لَّدُنكَ} من عندك. {سُلْطَاناً} برهاناً قوياً. {نَّصِيراً} ينصرنى على من خالفنى أى تنصرنى به أو مُلكاً بضم الميم وإِسكان اللام وعزا ينصر الإِسلام على الكفر، وبالأَول قال مجاهد فوعده الله لينزعن ملك فارس والروم وغيرهما ويجعله له، وأجاب دعاءه، وقال الله يعصمك من الناس. وقال: ليظهره على الدين كله، وقال: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأَرض وقال ألا إِن حزب الله هم الغالبون، حديث : وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه استعمل عتَّاب بن أسيد على أهل مكة، وقال انطلق فقد استعملتك على أهل الله فكان شديداً على المريب ليناً على المؤمن، وقال والله لا أعلم متخلفاً يتخلف عن الصلاة فى جماعة إلا ضربت عنقه فإِنه لا يتخلف عن الصلاة إِلا منافق، فقال أهل مكة: يا رسول الله لقد استعملت على أهل دين الله عتاب بن أسيد أعرابيا جافيا، فقال - صلى الله عليه وسلم - إِنى رأيت فيما يرى النائم كأن عتاب بن أسيد أتى باب الجنة فأَخذ بحلقة الباب وقلقها قلقا لا شديداً حتى فتح الله له فدخلها فأعز الله به الإِسلام لنصرته للمسلمين على من يريد ظلمهم فذلك السلطان النصير .
اطفيش
تفسير : {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ} لما كان المقام المحمود مبنيًّا على الموت، ودخول القبر، والخروج منه، امره الله جل وعلا أن يقول يا ربى أدخلنى القبر إدخال صدق بأن أكون على رضاك، وأخرجنى منه عند البعث إخراج صدق على طبق رضاك، فألقى الكرامة، ومدخل ومخرج مصدران ميميان من أفعل لمفعولان مطلقان، ويجوز أن يكون الأول ظرفاً ميميا منه أيضاً أى موضع دخول صدق، والثانى مصدراً مفعولا مطلقا. ويجوز أن يكون ظرفاً أى بأن يسمى القبر موضع خروج صدق، أو لما كادوا يستفزونه من أرض مكة أمره الله بالهجرة، وأن يقول: رب أدخلنى المدينة إِدخال صدق، وأخرجنى من مكة إخراج صدق، أو أدخلنى الغار إِدخال صدق، وأخرجنى منه إِخراج صدق، أو هما ظرفان كما مر، أو أمره الله جل وعلا أن يقول لفتح مكة: رب أدخلنى مكة مدخل صدق بالفتح، وأخرجنى منها إلى المدينة إخراج صدق، والظرفية جائزة. وفسر بعض الصدق بالمرضى أو إخراج الصدق من مكة بالهجرة إخراجه مع أنه مخلص لله لا يلتفت قلبه إِليه، أو إخراجه منها عند الفتح السلامة من أذى المشركين، وكذا إِدخاله النار، وإخراجه منها سالمًا من أذاهم، ومما قد يكون فى الغار من السوء، على أن دخول النار بالوحى أو المراد إدخاله فى تبليغ الوحى وإخراجه بالموت، أو بانقضائه مؤدياً حقه، أو إدخاله له وإخراجه فى كل ما يحاوله من الدين، والمباح، وسائر أحواله. {وَاجْعَلْ لِى مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا} حجة قوية على من خالفنى، أو ملكاً قاهراً للكفر، أو كتاباً يحوى الحدود والأحكام، أراد إِتمام القرآن على ذلك، أو أراد التسلط بالسيف على أهل الشرك، وإِقامة الحدود على أصحابها، أو سلطاناً فى كل عصر يقيم الدين، وزعم بعض أنه فتح مكة. {نَصِيرًا} ينصرنى على من خالفنى والمشركين، وقال ودعا فى ذلك كله فاستجاب الله جل وعلا له، فإن حزب الله هم الغالبون، ليظهره على الدين كله، ليستخلفنهم فى الأرض، والله يعصمك من الناس، وملِّكه فارس والروم، ونصير صفة مبالغة أى كثير النصر، أو عظيمه، وإسناد النصر إلى السلطان مجازاً وبمعنى منصور، ويتقوى أن الدخول والخروج عند الفتح بقوله عز وجل: {وَقُلْ} عند دخول مكة بالفتح {جَاءَ الْحَقُّ} أى الإسلام، وهو شامل للقرآن والجهاد وعبادته سبحانه وتعالى {وَزَهَقَ البَاطِلُ} ذهب الكفر، استعمل لفظ المقيد وهو الذهاب المقيد بكونه ذهاب الروح فى مطلق الذهاب، واستعمل منه ذهاب الباطل، أو شبَّه ذهابه بذهاب الروح، فيبقى صاحبها ميتا لا فعل له، ورَمز إلى ذلك بلفظ الزهوق، الموضوع لذهابها. {إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} سبق القضاء بزهوقه، قال ابن مسعود رضى الله عنه: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، وحول الكعبة ثلثمائة وستون صنما، فجعل ينكت فى عين كل واحد بعصى صغيرة فى يده ويقول: {جاء الحق وزهق الباطل} فينكب لوجهه، ويروى ينكت فى وجه صنم فيقع على قفاه، وفى قفا صنم فيقع على وجهه، مع أنها مثبتة بالرصاص والحديد، وبقى صنم لخزاعة من صفر أصفر، لا تناله العصا فوق الكعبة، فقال: "حديث : يا علىّ ارم به" تفسير : فصعد فرمى به وكسره، ومن أراد البسط فعليه بقصة فتح مكة. ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم حمل عليًّا فأسقطه وقال: لو شئت لنلت السماء حين حملنى، وذلك معجزة له صلى الله عليه وسلم، ذكرها علىّ، وقد كان يريد أن يحمل النبى صلى الله عليه وسلم فلم يقدر.
الالوسي
تفسير : {وَقُلْ رَبِّ أَدْخلْني مُدْخَلَ صدْق} أي إدخالاً مرضياً جيداً لا يرى فيه ما يكره، والإضافة للمبالغة. {وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ} نظير الأول واختلف في تعيين المراد من ذلك فأخرج الزبير بن بكار عن زيد بن أسلم أن المراد إدخال المدينة والإخراج من مكة ويدل عليه على ما قيل قوله تعالى: {أية : وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ }تفسير : [الإسراء: 76] الخ. وأيد بما أخرجه أحمد والطبراني والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وجماعة عن ابن عباس قال: كان النبـي صلى الله عليه وسلم بمكة ثم أمر بالهجرة فأنزل الله تعالى عليه {وَقُل رَّبّ} الآية. وبدأ بالإدخال لأنه الأهم. / وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن ابن عباس أنه الإدخال في القبر والإخراج منه وأيد بذكره بعد البعث، وقيل إدخال مكة ظاهراً عليها بالفتح وإخراجه صلى الله عليه وسلم منها آمناً من المشركين، وقيل إخراجه من المدينة وإدخال مكة بالفتح، وقال محمد بن المنكدر: إدخاله الغار وإخراجه منه، وقيل الإدخال في الجنة والإخراج من مكة، وقيل الإدخال في الصلاة والإخراج منها، وقيل الإدخال في المأمورات والإخراج عن المنهيات وقيل الإدخال فيما حمله صلى الله عليه وسلم من أعباء النبوة وأداء الشرع وإخراجه منه مؤدياً لما كلفه من غير تفريط، وقيل الإدخال في بحار التوحيد والتنزيه والإخراج من الاشتغال بالدليل إلى معرفة المدلول والتأمل في الآثار إلى الاستغراق في معرفة الواحد القهار. وقيل وقيل والأظهر أن المراد إدخاله عليه الصلاة والسلام في كل ما يدخل فيه ويلابسه من مكان أو أمر وإخراجه منه فيكون عاماً في جميع الموارد والمصادر واستظهر ذلك أبو حيان وفي «الكشف» أنه الوجه الموافق لظاهر اللفظ والمطابق لمقتضى النظم فسابقه ولاحقه لا يختصان بمكان دون آخر، وكفاك قوله تعالى {وَٱجْعَل لّى} الخ شاهد صدق على إيثاره. وقرأ قتادة وأبو حيوة وحميد وإبراهيم بن أبـي عبلة {مدخل} وَ{مخرج} بفتح الميم فيهما قال صاحب «اللوامح»: وهما مصدران من دخل وخرج لكنهما جاءا من معنى أدخلني وأخرجني السابقين دون لفظهما ومثل ذلك {أية : أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً}تفسير : [نوح: 17] ويجوز أن يكونا اسمي مكان وانتصابهما على الظرفية. وقال غيره من المحققين: هما مصدران منصوبان على تقدير فعلين ثلاثيين إذ مصدر المزيدين مضموم الميم كما في القراءة المتوارتة أي أدخلني فأدخل مدخل صدق وأخرجني فأخرج مخرج صدق. {وَاجْعَلْ لي منْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصيراً} أي حجة تنصرني على من خالفني وهو مراد مجاهد بقوله حجة بينة، وفي رواية أخرى عنه أنه كتاب يحوي الحدود والأحكام وعن الحسن أنه أريد التسلط على الكافرين بالسيف وعلى المنافقين بإقامة الحدود، وقريب ما قيل أن المراد قهراً وعزاً تنصر به الإسلام على غيره. وزعم بعضهم أنه فتح مكة، وقيل السلطان أحد السلاطين الملوك فكأن المراد الدعاء بأن يكون في كل عصر ملك ينصر دين الله تعالى، قيل وهو ظاهر ما أخرجه البيهقي في «الدلائل» والحاكم وصححه عن قتادة قال: أخرجه الله تعالى من مكة مخرج صدق وأدخلة المدينة مدخل صدق وعلم نبـي الله أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان فسأل سلطاناً نصيراً لكتاب الله تعالى وحدوده وفرائضه فإن السلطان عزة من الله عز وجل جعلها بين أظهر عباده لولا ذلك لأغار بعضهم على بعض وأكل شديدهم ضعيفهم وفيه نظر. وفعيل على سائر الأوجه مبالغة في فاعل. وجوز أن يكون في بعضها بمعنى مفعول، والحق أن المراد من السلطان كل ما يفيده الغلبة على أعداء الله تعالى وظهور دينه جل شأنه ووصفه بنصيراً للمبالغة.
ابن عاشور
تفسير : لما أمره الله تعالى بالشكر الفعلي عطف عليْه الأمر بالشكر اللساني بأن يبتهل إلى الله بسؤال التوفيق في الخروج من مكان والدخول إلى مكان كيلا يضره أن يستفزه أعداؤه من الأرض ليخرجوه منها، مع ما فيه من المناسبة لقوله: {أية : عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً}تفسير : [الإسراء: 79]، فلما وعده بأن يقيمه مقاماً محموداً ناسب أن يسأل أن يكون ذلك حاله في كل مقام يقومه. وفي هذا التلقين إشارة إلهية إلى أن الله تعالى مُخرجه من مكة إلى مهاجَر. والظاهر أن هذه الآية نزلت قُبيل العقبة الأولى التي كانت مقدمة للهجرة إلى المدينة. والمُدخل والمُخرج بضم الميم وبفتح الحرف الثالث أصله اسم مكان الإدخال والإخراج. اختير هنا الاسم المشتق من الفعل المتعدي للإشارة إلى أن المطلوب دخول وخروج ميسران من الله تعالى وواقعان بإذنه. وذلك دعاء بكل دخول وخروج مباركيْن لتتم المناسبة بين المسؤول وبين الموعود به وهو المقام المحمود. وهذا السؤال يعم كل مكان يدخل إليه ومكان يخرج منه. والصدق: هنا الكمال وما يحمد في نوعه، لأن ما ليس بمحمود فهو كالكاذب لأنه يخلف ظن المتلبس به. وقد عمت هذه الدعوة جميع المداخل إلى ما يقدر له الدخول إليه وجميع المخارج التي يخرج منها حقيقة أو مجازاً. وعطف عليه سؤال التأييد والنصر في تلك المداخل والمخارج وغيرها من الأقطار النائية والأعمال القائم بها غيره من أتباعه وأعدائه بنصر أتباعه وخذل أعدائه. فالسلطان: اسم مصدر يطلق على السُلطة وعلى الحجة وعلى المُلك. وهو في هذا المقام كلمة جامعة؛ على طريقة استعمال المشترك في معانيه أو هو من عموم المشترك، تشمل أن يجعل له الله تأييداً وحجة وغلبة ومُلكاً عظيماً، وقد آتاه الله ذلك كله، فنصره على أعدائه، وسخر له من لم يُنوه بنهوض الحجة وظهور دلائل الصدق، ونصره بالرعب. ومنهم من فسر المدخل والمخرج بأن المخرج الإخراج إلى فتح مكة والمدخل الإدخال إلى بلد مكة فاتحاً، وجعل الآية نازلة قبيل الفتح، فبنى عليه أنها مدنية، وهو مدخول من جهات. وقد تقدم أن السورة كلها مكية على الصحيح. والنصير: مبالغة في الناصر، أي سلطاناً ينصرني. وإذ قد كان العمل القائم به النبي هو الدعوة إلى الإسلام كان نصره تأييداً له فيما هو قائم به، فصار هذا الوصف تقييداً للسلطان بأنه لم يسأل سلطاناً للاستعلاء على الناس، وإنما سأل سلطاناً لنصره فيما يطلب النصرة وهو التبليغ وبث الإسلام في الناس.
د. أسعد حومد
تفسير : {سُلْطَاناً} (80) - يُعَلِّمُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم دُعَاءً يَدْعُوهُ بِهِ هُوَ وَأُمَّتُهُ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: رَبِّ أَدْخِلْنِي فِي كُلِّ مَقَامٍ تُرِيدُ إِدْخَالِي فِيهِ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ مُدْخَلاً صَادِقاً، أَيْ يَسْتَحِقُّ الدَّاخِلُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَنْتَ صَادِقٌ فِي قَوْلِكَ وَفِعْلِكَ، وَأَخْرِجْنِي مِنْ كُلِّ مَا تُخْرِجُنِي مِنْهُ مُخْرَجَ صِدْقٍ، أَيْ يَسْتَحِقُّ الخَارِجُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَنْتَ صَادِقٌ، وَأَنْ يَجْعَلَ لَهُ سُلْطَاناً وَهَيْبَةً وَقُوَّةَ حُجَّةٍ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ، يَسْتَعْلِي بِهَا عَلَى سُلْطَانِ أَهْلِ الأَرْضِ، وَقُوَّةَ المُشْرِكِينَ، وَيَنْصُرُ بِهَا كَلِمَةَ اللهِ، وَكُتبَهُ وَحُدُودَهُ، وَفَرَائِضَهُ. فَحِينَمَا ائْتَمَرَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بِالرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فِي مَكَّةَ، أَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَيْهِ بِالخُرُوجِ إِلَى المَدِينَةِ، وَعَلَّمَ نَبِيَّهُ هذَا الدُّعَاءَ، لِيَدْعُوَهُ حِينَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ، وَحِينَ دُخُولِهِ إِلى المَدِينَةِ. مُدْخَلَ صِدْقٍ - إِدْخَالاً مُرْضِياً جَيِّداً فِي أُمُورِي. سُلْطَاناً نَصِيراً - قَهْراً وَعِزّاً تَنْصُرُ بِهِ الإِسْلاَمَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {مُدْخَلَ صِدْقٍ ..} [الإسراء: 80] أي: من حيث النظرة العامة؛ لأنك قبل أنْ تدخلَ اطلب الخروج أولاً؛ لأنك لن تدخلَ إلا بعد أنْ تخرجَ. وإنْ كان الترتيب الطبيعي أن نقول: أخرجني مُخْرَج صدق، وأدخلني مُدْخَل صدق. نقول: لا، لأن الدخول هو غاية الخروج، ولأن الخروج متروك والدخول مستقبل لك، إذن: الدخول هو الأهمّ فبدأ به. لذلك يقولون: إياك أنْ تخرجَ من أمر إلا إذا عرفتَ كيف تدخل. ومعنى مخرجَ الصدق، ومدخل الصدق، أنك لا تدخل أو تخرج بدون هدف، فإنْ خرجتَ من مكان فليكُن مخرجك مخرج صدق، يعني: مطابقاً لواقع مهمتك، وإنْ دخلتَ مكاناً فليكُنْ دخولك مدخل صدق. أي: لهدف محدد تريد تحقيقه. فإن دخلتَ محلاً مثلاً فادخل لهدف، كشراء سلعة مثلاً، فهذا دخول صِدْق، أما لو دخلتَ دون هدف أو لتؤدي خَلْق الله، فليس في هذا دخول صدق. إذن: يكون دخولك لله وخروجك لله، وهكذا خرج رسول الله من مكة ودخل المدينة، فكان خروجه لله ودخوله لله، فخرج مُخْرجَ صِدْق، ودخل مُدخَل صدق، لأنه صلى الله عليه وسلم ما خرج من مكة إلا لما آذاه قومه واضطهدوه وحاربوا دعوته حتى لم تعُدْ التربة في مكة صالحة لنمو الدعوة، وما دخل المدينة إلا لما رأى النُّصْرة والمؤازرة من أهلها. فالصدق أنْ يطابق الواقع والسلوك ما في نفسك، فلا يكُنْ لك قصور في نفسك، ولك حركة مخالفة لهذا القصد. ثم يقول تعالى: {وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً} [الإسراء: 80]. طلب النُّصْرة من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أرسله بمنهج الحق، وسوف يصطدم هذا الحق بأهل الباطل والفساد الذين يحرصون على الباطل، وينتفعون بالفساد، وهؤلاء سوف يُعَادُون الدعوة، ويُجابِهونها؛ لذلك توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ربه تعالى الذي أرسله واستعان به على مواجهة أعدائه. وقوله تعالى: {سُلْطَاناً نَّصِيراً} [الإسراء: 80] السلطان: سبق أنْ أوضحنا أنه يُراد به إما حجة تُقنع، وإما سيف يَرْدَع، وهذا واضح في قَوْل الحق تبارك وتعالى: {أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ ..}تفسير : [الحديد: 25] أي: بالآيات الواضحات، وهذه أدوات الحجة والإقناع. ثم يقول تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ..}تفسير : [الحديد: 25] وهذه أدوات القوة والردع. فالخيِّر من الناس يرتدع بقول الله وبقول الرسول ويستجيب، أما الشرير فلا تُجدي معه الحجة، بل لا بُدّ من رَدْعه بالقوة، فالأول إنْ تعرّض للحلف بالله حلف صادقاً، أما الآخر فإنْ تعرّض للحلف حلف كاذباً، ووجدها فُرْصة للنجاة، ولسان حاله يقول: أتاك الفرج. وفي الأثر: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". ثم يقول الحق سبحانه: {وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} معناه بالرّسالةِ والنُبوةِ. وقالَ: في الإِسلامِ. وقالَ: فِي جَميعِ مَا أرسلتَني من أَمرِكَ. وأَخرِجْني كَذِلكَ. تفسير : وقوله تعالى: {وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً} معناهُ حُجةٌ ثَابتَةٌ.
همام الصنعاني
تفسير : 1611- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الحسن، في قوله تعالى: {مُخْرَجَ صِدْقٍ}: [الآية: 80]، من مكة إلى المدينة، و{مُدْخَلَ صِدْقٍ}: [الآية: 80]، قال: الجنة. 1621- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مُدْخَلَ صِدْقٍ}: [الآية: 80]، قال: المدينة. حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مُدْخَلَ صِدْقٍ}:[الآية: 80] قال: المدينة، {مُخْرَجَ صِدْقٍ}: [الآية: 80]، قال: مكة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):