Verse. 2110 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

وَقُلْ جَاۗءَ الْحَقُّ وَزَہَقَ الْبَاطِلُ۝۰ۭ اِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَہُوْقًا۝۸۱
Waqul jaa alhaqqu wazahaqa albatilu inna albatila kana zahooqan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(وقل) عند دخولك مكة (جاء الحق) الإسلام (وزهق الباطل) بطل الكفر (إن الباطل كان زهوقا) مضمحلاً زائلاً "" وقد دخلها صلى الله عليه وسلم وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بعود في يده ويقول ذلك حتى سقطت "" رواه الشيخان.

81

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: روى البخاريّ والترمذيّ عن ابن مسعود قال: دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح وحول الكعبة ثلثمائة وستون نُصُباً، فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم يطعنها بمِخصرة في يده ـ وربما قال بعود ـ ويقول: «حديث : جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً. جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد» تفسير : لفظ الترمذيّ. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وكذا في حديث مسلم «نُصُباً». وفي رواية صنماً. قال علماؤنا: إنما كانت بهذا العدد لأنهم كانوا يعظِّمون في يوم صنماً ويخصون أعظمها بيومين. وقوله: «فجعل يطعنها بعود في يده» يقال: إنها كانت مثبتة بالرَّصاص وأنه كلما طعن منها صنماً في وجهه خرّ لقفاه، أو في قفاه خرّ لوجهه. وكان يقول: «حديث : جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً» تفسير : حكاه أبو عمر والقاضي عِياض. وقال القشيريّ: فما بقي منها صنم إلا خرّ لوجهه، ثم أَمَر بها فكسرت. الثانية: في هذه الآية دليل على كسر نُصب المشركين وجميع الأوثان إذ غُلب عليهم، ويدخل بالمعنى كسر آلة الباطل كله، وما لا يصلح إلا لمعصية الله كالطنابير والعيدان والمزامير التي لا معنى لها إلا اللهو بها عن ذكر الله تعالى. قال ابن المنذر: وفي معنى الأصنام الصُّوَرُ المتَّخَذة من المَدَر والخشب وشبهها، وكل ما يتخذه الناس مما لا منفعة فيه إلا اللهو المنهيّ عنه. ولا يجوز بيع شيء منه إلا الأصنام التي تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص، إذا غُيِّرت عما هي عليه وصارت نُقراً أو قطعاً فيجوز بيعها والشِّراء بها. قال المهلّب: وما كسر من آلات الباطل وكان في حبسها بعد كسرها منفعةٌ فصاحبها أوْلَى بها مكسورة إلا أن يرى الإمام حرقها بالنار على معنى التشديد والعقوبة في المال. وقد تقدّم حرق ابن عمر رضي الله عنه. وقد همّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بتحريق دور من تخلف عن صلاة الجماعة. وهذا أصل في العقوبة في المال مع حديث : قوله عليه السلام في الناقة التي لعنتها صاحبتها: «دعوها فإنها ملعونة» تفسير : فأزال ملكها عنها تأديباً لصاحبتها، وعقوبة لها فيما دعت عليه بما دعت به. وقد أراق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لَبَناً شِيب بماء على صاحبه. الثالثة: ما ذكرنا من تفسير الآية ينظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : والله لينزلنّ عيسى ابن مريم حكماً عادلاً فَلَيَكْسِرَنّ الصليب وَلَيَقْتُلَنّ الخنزير وَلَيَضَعنّ الجِزْية وَلَتُتْركَن القِلاصُ فلا يُسعى عليها» تفسير : الحديث. خرجه الصحيحان. ومن هذا الباب هتك النبيّ صلى الله عليه وسلم الستر الذي فيه الصور، وذلك أيضاً دليل على إفساد الصور وآلات الملاهي كما ذكرنا. وهذا كله يحظر المنع من اتخاذها ويوجب التغيير على صاحبها. إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم؛ وحسبك! وسيأتي هذا المعنى في «النمل» إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: {وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ} أي الإسلام. وقيل: القرآن؛ قاله مجاهد. وقيل: الجهاد. {وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ} قيل: الشرك. وقيل: الشيطان؛ قاله مجاهد. والصواب تعميم اللفظ بالغاية الممكنة، فيكون التفسير جاء الشرع بجميع ما انطوى فيه. «وزهق الباطل»: بطل الباطل. ومن هذا زهوق النفس وهو بطلانها. يقال: زَهقت نفسه تَزَهق زهوقاً، وأزهقتها. {إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} أي لا بقاء له، والحق الذي يثبت.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقُلْ } عند دخولك مكة {جَاءَ ٱلْحَقُّ } الإِسلام {وَزَهَقَ ٱلْبَٰطِلُ } بطل الكفر {إِنَّ ٱلْبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا } مضمحلاً زائلاً وقد دخلها صلى الله عليه وسلم وحول البيت ثلثمائة وستون صنماً فجعل يطعنها بعود في يده ويقول ذلك حتى سقطت رواه الشيخان.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْحَقُّ} القرآن {الْبَاطِلُ} الشيطان، أو الحق: الجهاد، والباطل: الشرك {زَهُوقاً} ذاهباً، ولما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم الكعبة أمر بثوب فَبُل بالماء وجعل يضرب به تلك التصاوير ويمحوها ويقول: {جَآءَ الْحَقُّ وَزَهقَ الْبَاطِلُ} الآية.

البقاعي

تفسير : ولما كان الدعاء قد لا يستجاب، قال مبشراً له بأنه ليس بين دعائه وبين استجابته إلا قوله، ومحققاً لتلك البشرى بالأمر بأن يخبر بها: {وقل} أي لأوليائك وأعدائك: {جاء الحق} وهو كل ما أمرني به ربي وأنزله إليّ {وزهق} أي اضمحل وبطل وهلك {الباطل} وهو كل ما خالفه؛ ثم علل زهوقه بقوله: {إن الباطل كان} في نفسه بجبلته وطبعه {زهوقاً *} قضاء قضاه الله تعالى من الأزل؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول {جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً}، { أية : جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد } تفسير : [سبأ: 49]. ولما كان القرآن الذي نوه به في آية {أقم الصلاة} هو السبب الأعظم في إزهاق الباطل الذي هو كالسحر خيال وتمويه، وهو الجامع لجميع ما مضى من الإلهيات والبعث وما تبع ذلك، قال عاطفاً على {ولقد كرمنا}: {وننزل} أي بعظمتنا؛ ثم بين المنزل بقوله تعالى: {من القرءان} أي الجامع الفارق الذي هو أحق الحق {ما هو شفاء} للقلوب والأبدان {ورحمة } أي إكرام وقوة {للمؤمنين} أي الراسخين في الإيمان، لإنارته لقلوبهم من صدإ الجهل، وحمله لهم على سبيل الرشد الذي هو سبب الرحمة، ولحراسته لهم من كل شيطان ومرض ومحنة إذا وقع الصدق في الاستشفاء به، هو كله كذلك وكذا جميع أبعاضه؛ قال الرازي في اللوامع: وهو أنس المحبين، وسلوة المشتاقين، وإنه النور المبين، الذي من استبصر به انكشف له من الحقائق ما كان مستوراً، وانطوى عنه من البوائق ما كان منشوراً، كما أن الباطل داء ونقمة للكافرين {و} من أعجب العجب أن هذا الشفاء {لا يزيد الظالمين} أي الراسخين في هذا الوصف، وهم الذين يضعون الشيء في غير موضعه، بإعراضهم عما يجب قبوله {إلا خساراً *} أي نقصاناً، لأنهم إذا جاءهم وقامت به الحجة عليهم، أعرضوا عنه، فكان إعراضهم ذلك زيادة في كفرانهم، كما أن قبول المؤمنين له وإقبالهم على تدبره زيادة في إيمانهم، وفي الدارمي عن قتادة قال: ما جالس القرآن أحد فقام عنه بزيادة أو نقصان - ثم قرأ هذه الآية؛ ثم عطف على هذا المقدر المعلوم تقديره ما هو أعم منه وأبين في الفتنة والاجتراء فقال تعالى: {وإذا أنعمنا} أي بما لنا من العظمة {على الإنسان} أي هذا النوع هؤلاء وغيرهم بأيّ نعمة كانت، من إنزال القرآن وغيره {أعرض} أي عن ذكر المنعم كإعراض هؤلاء عند مجيء هذه النعمة التي لا نعمة مثلها {وَنَأَى} أي تباعد تكبراً {بجانبه} بطراً وعمى عن الحقائق {وإذا مسه الشر} أي هذا النوع وإن قل {كان يئوساً *} أي شديد اليأس هلعاً وقلة ثقة بما عنده من رحمة الله إلا من حفظه الله وشرفه بالإضافة إليه فليس للشيطان عليه سلطان. ولما كان المفرد المحلى باللام يعم، كان هذا ربما اقتضى من بعض المتعنتين اعتراضاً بأن يقال: إنا نرى بعض الإنسان إذا أعطى شكر، وإذا ابتلى صبر، وكان هذا الاعتراض ساقطاً لا يعبأ به، أما أولاً فلأنه قد تقدم الجواب عنه في سورة يونس عليه السلام في قوله تعالى {أية : كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون} تفسير : [يونس: 12] بأن هذا في المسرفين دون غيرهم، وبقوله تعالى في سورة هود عليه السلام { أية : إلا الذين صبروا} تفسير : [ هود: 11] ولعله طواه في هذا المقام إشارة إلى أنه لقلة أفراده كأنه عدم، وأما ثانياً فلأن المحلى باللام سواء كان مفرداً أو جمعاً في قوة الجزئي حتى يرد ما يدل على أنه كلي، فلذلك أعرض تعالى عنه وأمره بالجواب عن القسمين المشار إليه والمنصوص عليه فقال تعالى: {قل} أي يا أشرف خلقنا! {كل} من الشاكر والكافر {يعمل على شاكلته} أي طريقته التي تشاكل روحه وتشاكل ما طبعنا عليه من خير أو شر {فربكم} أي فتسبب عن ذلك أن الذي خلقكم ودرجكم في أطوار النمو، لا غيره {أعلم} مطلقاً {بمن هو} منكم {أهدى سبيلاً *} أي أرشد وأقوم من جهة المذهب بتقواه وإحسانه، فيشكر ويصبر احتساباً فيعطيه الثواب، ومن هو أضل سبيلاً، فيحل به العقاب، لأنه يعلم ما طبعهم عليه في أصل الخلقة وغرزه فيهم من الخلائق، وغيره إنما يعلم أمور الناس في طرائقهم بالتجربة؛ وقد روى الإمام أحمد - لكن بسند منقطع - عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "حديث : إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوا، وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه فلا تصدقوا به، فإنه يصير إلى ما جبل عليه"تفسير : . هذا كله الإعراض بالفعل، وإن كان بالقوة التزمنا أنها كلية، والله أعلم بالمهتدي فيحفظه من الإعراض واليأس بالفعل هو فيه بالقوة. ولما بين سبحانه - بعد التعجيب من إنكارهم البعث - جهل الإنسان، وما هو عليه من الضلال والنسيان، إلا من فضله على أنباء نوعه كما فضل طينته على سائر الطين، وختم بآية المشاكلة التي منها مشاكلة بعض الأرواح لبعض ومشاكلتها للطباع، وبان بذلك أنه سبحانه وتعالى قادر على فعل ما يشاء عالم بكل معلوم، رجع إلى التعجب منهم بما هو من شأن الأرواح التي من شأنها التشاكل فقال تعالى عاطفاً على {وقالوا أَءِذا كنا عظاماً}: {ويسئلونك} أي تعنتاً وامتحاناً {عن الروح} الذي تقدم أنها تعاد إلى أجسادهم يوم البعث ولو كانوا حجارة أو حديداً: ما هي؟ هل هي جسم أم لا؟ وهل هي متولدة من امتزاج الطبائع التي في البدن أم امتزاجه مبتدأ؟ وهل هي قديمة أم حادثة؟ ولما كان ذلك تعنتاً، مع أنه لا يفتقر إليه في صحة اعتقاده، أمره بأن يجيبهم عنه بما يليق بحالهم بقوله تعالى: {قل الروح} أي هذا النوع الذي تصير به الأجسام حية {من أمر ربي} أضافها إلى الأمر وهو الإرادة وإن كانت من جملة خلقه، تشريفاً لها وإشارة إلى أنه لا سبب من غيره يتوسط بينها وبين أمره، بل هو يبدعها من العدم، أو يقال - وهو أحسن: إن الخلق قسمان: ما كان بتسبيب وتنمية وتطوير، وهو الذي يترجم في القرآن بالخلق، والثاني ما كان إخراجاً من العدم بلا تسبيب ولا تطوير، وهو المعبر عنه بالأمر، ومنه هذه الروح المسؤول عنها وكل روح في القرآن، وكذا ما هو للحفظ والتدبير كالأديان، والجامع لذلك القيومية كما مضى عن الحرالي عند روح القدس في البقرة، فأفادت هذه العبارة أنها محدثة، وأنها غير مطورة ولا مسببة، وهي جسم لطيف سار في البدن كماء الورد في الورد على الصحيح عند أهل السنة، وأمسك السلف عن الإمعان في الكلام على الروح أدباً، لأنهم علموا أن في عدم الجواب لسؤالهم بغير هذا إشارة إلى أن السكوت عنه أولى لهم؛ ثم أتبعه التنبيه على جهلهم لتعكيسهم في الأسئلة بتركهم الإقبال على ما لا يفهمونه بلا شك وينفعهم في الدارين من هذا الروح المعنوي وهو القرآن، وإقبالهم على ما لا يفهمونه من الروح المحسوس لقلة علمهم، ومن فهمه منهم لا يفهمه إلا بعسر عظيم، وفيه أسئلة كثيرة جداً لا برهان على أجوبتها، منها أنه متحيز أم لا؟ وأنه مغاير للنفس أم لا؟ وهل تبقى بعد الموت أم لا؟ فعلمنا به أنه إنما هو على الإجمال، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه، فإن أكثر حقائق الأشياء مجهولة، وهي موجودة. فالسكنجبين خاصيته قمع الصفراء، وحقيقة تلك الخاصية مجهولة، وهي معلومة الوجود، وليس وراء العلم بما سألوا عنه من الروح بعد فهمه من الفائدة ما لذلك الذي تركوه ولا قريب منه، فقال تعالى دالاً على حدوثه بتغيره، فإنه يكون في المبدإ جاهلاً ثم يحدث له العلم شيئاً بعد شيء، وكل متغير حادث: {وما أوتيتم} أي من أيّ مؤت كان بعد أن كنتم لا تعلمون شيئاً {من العلم} أي مطلق هذه الحقيقة، فكيف بالمشكل منها {إلا قليلاً *} ومما تجهلونه أمور ضرورية لكم، لأن تماديكم على الجهل بها سبب لهلاككم في الدارين، فمن أجهل الجهل وأضل الضلال أن تسألوا عما لا يضركم الجهل به، ويتوقف إثباته على أمور دقيقة، ومقدمات صعبة، وتتركوا ما يضركم الجهل به في الدين والدنيا، مع كونه في غاية الوضوح، لكثرة ما قام عليه من الأدلة، وله بحضرتكم من الأمثلة، والذي سألتموه منزه عن الغش والضيق، فهو ينبهكم على عبثكم نصيحة لكم ويعدل عن جوابكم عنه إلى ما ينفعكم رفقاً بكم، ولفهم هذا سكت السلف عن الخوض في أمره، والخطاب لليهود والعرب، أما العرب فواضح، وأما اليهود فإنهم وإن كانوا أهل الكتاب فذلك إشارة إلى تلاشي علمهم في جنب علم الله؛ كما ستأتي الإشارة إليه بقول الخضر لموسى عليهما الصلاة والسلام في العصفور الذي نقر من البحر نقرة أو نقرتين، فحيث ورد تعظيم على أحد وتكثره فهو بالنسبة إلى غيره من الخلق، وحيث ورد تقليله - كما في هذه الآية - فهو من حيث إضافته إلى علم الله تعالى، وهذه الآية ورد في سبب نزولها ما يظن أنه متناقض، فإنه روي في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يمشي مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المدينة، فسأله اليهود عن الروح فأوحى إليه، فلما انجلى عنه الوحي تلا عليهم - الآية. وفي السيرة الهشامية والدلائل للبيهقي وتفسير البغوي وغيره من التفاسير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قريشاً أرسلت إلى اليهود قبل الهجرة تسألهم عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنهم أهل الكتاب الأول وعندهم من علم الأنبياء ما ليس عند قريش، فأمروهم أن يسألوه عن الروح، وعن قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " حديث : أخبركم بما سألتم عنه غداً" تفسير : - ولم يستثن، فانصرفوا عنه، فمكث فيما يذكرون خمس عشرة ليلة، لا يحدث الله إليه في ذلك وحياً، حتى أرجف به أهل مكة، وحتى حزن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، وروي أيضاً أن لبث الوحي كان أربعين ليلة. وروي: اثنتي عشرة ليلة، وفي مسند أبي يعلى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل! فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه، ونزلت {ويسئلونك} - الآية. وليس ذلك وأمثاله بحمد الله بمشكل، فإنه محمول على أنه نزل للسبب الأول، فلما سئل عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثانياً لم يجب فيه بالجواب الأول، إما لرجاء أن يؤتى بأوضح منه، أو خشية أن يكون نسخ - أو نحو ذلك لأمر رآه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيعيد الله سبحانه إنزاله عليه تثبيتاً له وإعلاماً بأنه هو الجواب، وفيه مقنع، وفي تأخير الجواب في هذا الأمر برهان قاطع لقريش وكل من له أدنى لب على صدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أن هذا القرآن من عند الله، لا يقدر عليه غيره، لأنه لو كان قادراً على الإتيان بشيء منه من عند نفسه أو من عند أحد من الخلق لبذل جهده في ذلك، تنزيهاً لنفسه الشريفة، وهمته المنيفة، وعرضه الطاهر، عن مثل ما خاضوا فيه بسبب إخلاف موعدهم. ولما كانت الروح من عالم الأمر الذي هو من سر الملكوت، ضمت إلى سورة الإسراء الذي هو من أبطن سر الملكوت لاسيما بما علا به من المعراج الذي جعل لغرابته كالرؤيا {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} ولذلك فصلت عن السؤالين الآخرين، لأنهما من عالم الملك، وسيأتي بقية الكلام على هذا في سورة الكهف إن شاء الله تعالى.

السيوطي

تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ستون وثلثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول‏:‏ ‏ {‏جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً‏} ‏ ‏{أية : ‏جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد} ‏تفسير : [سبأ: 49‏]‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن المنذر، عن جابر رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"‏دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ثلثمائة وستون صنماً, فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكبت لوجهها وقال‏:‏ ‏ {‏جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً}‏"‏‏. وأخرج الطبراني في الصغير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ ‏"‏دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وعلى الكعبة ثلثمائة وستون صنماً، فشد لهم إبليس أقدامها بالرصاص، فجاء ومعه قضيب فجعل يهوي به إلى كل صنم منها فيخرّ لوجهه فيقول‏:‏ {‏جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً‏}‏ حتى مر عليها كلها‏"‏‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏إن الباطل كان زهوقا‏ً}‏ قال‏:‏ ذاهبا‏ً. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله {و‏قل جاء الحق‏} قال‏:‏ القرآن {‏وزهق الباطل‏} ‏قال‏:‏ هلك، وهو الشيطان‏.‏ وفي قوله‏:‏‏ {‏وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة‏} قال: الله تعالى جعل هذا القرآن ‏{‏شفاء ورحمة للمؤمنين‏}‏ إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه ‏ {‏ولا يزيد الظالمين إلا خسارا‏ً} لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه‏. وأخرج ابن عساكر عن أويس القرني رضي الله عنه قال‏:‏ لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، قضاء الله الذي قضى‏ {‏شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً‏}.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ} [الآية: 81]. قال فارس: الحق ما يحملك على سبيل الحقيقة والباطل ما يشتت عليك أمرك ويفرق عليك وقتك.

القشيري

تفسير : أراد بالحقِّ ها هنا الإسلام والدين، وأراد بالباطل الكفر والشِّرْك، والحقُّ المطلق هو الموجود الحق، والحق المقيد ما كان حسناً في الاعتقاد والفعل والنطق، والباطل نقيض الحق. واللَّهُ حقٌّ: على معنى أنه موجود وأنه ذو الحق وأنه مُحِقُّ الحق. ويقال الحقُّ ما كان لله، والباطل ما كان لغير الله. ويقال الحقُّ من الخواطر ما دعا إلى الله، والباطلُ ما دعا إلى غير الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقل جاء الحق} الاسلام والقرآن {وزهق الباطل} من زهق روحه اذا خرج اى ذهب وهلك الشرك والشيطان شعر : ديو بكريزد ازان قوم كه قرآن خوانند تفسير : امام قشيرى قدس سره [فرموده حق آنست كه براى خداى بود وباطل آنكه بغير او باشد صاحب تأويلات بر آنست كه حق وجود ثابت واجبست عز شانه كه ازلى وابديست وباطل وجود بشرى امكانى كه قابل زوال وفناست وجون اشعة لمعات وجود حقانى ظاهر كردد وجود موهوم ممكن درجنب آن متلاشى ومضمحل شود] شعر : همه هرجه هستند ازان كمترند كه باهستيش نام هستى برند جو سلطان عزت علم بر كشد جهان سر بجيب عدم دركشد تفسير : {ان الباطل} كائنا ما كان {كان زهوقا} اى شانه ان يكون مضمحلا غير ثابت. عن ابن مسعود رضى الله عنه انه عليه السلام دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما فجعل ينكت بمحضرة كانت بيده فى عين واحد واحد ويقول {جاء الحق وزهق الباطل} فينكب لوجه حتى القى جميعا وبقى صنم خزاعة فوق الكعبة وكان من صفر فقال (يا على ارم به) فصعد فرمى به فكسره.

الجنابذي

تفسير : {وَقُلْ} بعد مسئلتك السّلطان النّصير واجابتنا لك ونزول الولاية الكلّيّة المعبّر عنها بعد النّزول بالسّكينة تبجّحاً بما اعطيناك {جَآءَ ٱلْحَقُّ} فانّ الولاية المطلقة هى الحقّ وبحقّيّتها حقّيّة كلّ ذى حقٍّ {وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ} فانّ الباطل يزهق ويضمحلّ بمجيء الحقّ فى العالم الصّغير وفى العالم الكبير {إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} لكن بدون مجيء الحقّ يترائى حقّيّة له وبعد مجيء الحقّ يظهر انّه كان باطلاً ولم يكن له حقيقة وحقّيّة.

الهواري

تفسير : قوله: {وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ} أي: القرآن. { وَزَهَقَ البَاطِلُ} أي: إبليس {إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} والزهوق: الداحض الذاهب. قوله: { وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْءَانِ} أي: ينزل الله من القرآن { مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً} أي: كلما جاء من القرآن شيء كذبوا به فازدادوا فيه خساراً إلى خسارهم. قوله: { وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ} يعني المشرك، أعطيناه السعة والعافية. { أَعْرَضَ} عن الله وعن عبادته { وَنَئَا بِجَانِبِهِ} أي: تباعد عن الله مستغنياً عنه. وقال مجاهد: تباعد منا؛ وهو واحد. { وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ} أي: الأمراض والشدائد. {كَانَ يَئُوساً}. يقول: يئس أن يفرّج ذلك عنه لأنه ليست له نية ولا حسبة ولا رجاء. {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} أي: على ناحيته ونيّته؛ أي: المؤمن على إيمانه، والكافر على كفره { فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً} أي: فهو أعلم بأن المؤمن أهدى سبيلاً من الكافر. قوله: { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} ذكر مجاهد أن ناساً من اليهود لقوا النبي عليه الصلاة والسلام وهو على بغلته فسألوه عن الروح فأنزل الله: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} { قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}. وفي تفسير الكلبي أن المشركين بعثوا رسلاً إلى المدينة فقالوا لهم: سلوا اليهود عن محمد وصِفوا لهم نعته وقوله، ثم ائتونا فأخبرونا. فانطلقوا حتى قدموا المدينة فوجدوا بها علماء اليهود من كل أرض قد اجتمعوا فيها لعيد لهم. فسألوهم عن محمد ووصفوا لهم نعته. فقال لهم حبر من أحبار اليهود: إن هذا لنعت النبي الذي نُحدَّث أن الله باعثه في هذه الأرض. فقالت له رسل قريش: إنه فقير عائل يتيم لم يتّبعه من قومه من أهل الرأي أحد ولا من ذوي الأسنان. فضحك الحبر وقال: كذلك نجده. فقالت رسل قريش: إنه يقول قولاً عظيماً: يدعو إلى الرحمن ويقول: إن الذي باليمامة الساحر الكذاب، يعنون مسيلمة. فقالت لهم اليهود: لا تكثروا علينا. اذهبوا فاسألوا صاحبكم عن خلال ثلاث، فإن الذي باليمامة قد عجز عنهن. فأما اثنتان فإنهما لا يعلمهما إلا نبي، فإن أخبركم بهما فإنه صادق. وأما الثالثة فلا يجترىء عليها أحد. قالت لهم رسل قريش: أخبرونا بهن. فقالت لهم اليهود: سلوه عن أصحاب الكهف والرقيم، وقصوا عليهم قصتهم، واسألوه عن ذي القرنين، وحدثوهم بأمره، واسألوه عن الروح، فإن أخبركم فيه بشيء فهو كاذب. فرجعت رسل قريش إليهم فأخبروهم بذلك. فأرسلو إلى نبيّ الله فلقيهم فقالوا له: يا ابن عبد المطلب، إنا سائلوك عن خلال ثلاث، فإن أخبرتنا عنهن فأنت صادق، وإلا فلا تذكر آلهتنا بسوء. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : وما هن؟" قالوا: أخبرنا عن أصحاب الكهف، فإنا قد أخبرنا عنهم بآية بيّنة، وأخبرنا عن ذي القرنين، فإنا أخبرنا عنه بأمر بيّن. وأخبرنا عن الروح. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنظروني حتى أنظر ما يُحدِث إليَّ فيه ربّي". قالوا: فإنا ناظروك فيه ثلاثة أيام. فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً لا يأتيه جبريل. ثم أتاه جبريل. فاستبشر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا جبريل، قد رأيت ما سألني عنه قومي، ثم لم تأتني. فقال له جبريل: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} [مريم:64]. فإذا شاء ربك أرسلني إليك. ثم قال له جبريل: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}. ثم قال: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً} [الكهف:9]، فذكر قصتهم. ثم قال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِّنْهُ ذِكْراً} [الكهف:83]. فذكر قصته. ثم لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً في آخر اليوم الثالث فقالوا: ماذا أحدث لك ربك في الذي سألناك عنه، فقصّه عليهم. فعجبوا، فغلب عليهم الشيطان أن يصدقوه . تفسير : ذكروا أن ابن عباس فسّر الروح مرة واحدة ثم أمسك عن تفسيرها. وفسّرها بعض السلف مرة واحدة، ثم كفّ عن تفسيرها. وأما الحسن فقال الروح: القرآن. قال: {الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} أي: القرآن من أمر ربي {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}. وذكروا عن بعض التابعين أنه قال: الروح خلق من خلق الله لهم أيد وأرجل. وقال بعضهم: لقيت اليهود نبيُّ الله فتعنّتوه وسألوه عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين؛ فأنزل الله: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} أي: اليهود.

اطفيش

تفسير : {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ} أى قل عند دخول مكة إِذا فتحها لك جاء الحق أى دين الله. {وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} ذهب دين الشيطان من زهقت روحه إِذا خرجت وذلك التعميم أولى من قول قتادة الحق القرآن، والباطل الشيطان، وقول فرقة الحق الإيمان والباطل الكفر إلا إن أريد فى القولين العموم الذى ذكرت. {إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زهُوقاً} سريع الزوال ولو ثبت فى دولة ويفيد هذا الكلام قرب نزول عيسى بن مريم عليه السلام جداً وقرب قيام الساعة لانتشار الشرك وأعوانه فى هذا الوقت الذى نحن فيه انتشار لم يعهد فى هذه الأُمة قط حتى أنا لا نظن أنه يزول إِلا بعيسى بن مريم. قال ابن مسعود: حديث : دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة يوم الفتح وحول البيت ثلاث مائة وستون صنما، فجعل يطعنها بعود فى يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل وما يعبد تفسير : رواه البخارى ومسلم والآية نزلت بمكة قبل الهجرة أمران يستشهد بهما عند الفتح وطعن الأَصنام، وقيل نزلت الآية يوم الفتح، فقال جبريل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خذ مخصرتك وهى ما يمسكه الإِنسان بيده من عصاة وغيرها مما يختصره الإِنسان ويطلق أيضاً على السوط وألقها على كتفك واطعن بها الأَصنام، فكان يطعن بها كل صنم فى عينه بعد أن يقول: جاء الحق وزهق الباطل إِن الباطل كان زهوقاً، فيخر كل صنم على قفاه لطعن غير شديد وكانت موثقة برصاص أو نحوه حتى ألقاها كلها، أو كان كل صنم لقبيلة من العرب تحج إِليه وتنحر إِليه، ولم يبق إِلا صنم من قوارير من صفر لخزاعة فقال: يا على ارم به محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى صعد فرمى به فكسره وجعل أهل مكة يتعجبون من وقوع كل صنم على قفاه بطعن ضعيف بآلة ضعيفة، وقيل يشير إِشارة فتقع، ويقولون ما رأينا رجلا أسحر من محمد. وعن ابن عباس: شكا البيت إِلى الله عز وجل فقال: يا رب حتى متى تعبد هذه الأَصنام حولى دونك فأَوحى الله إِلى أنى سأُحدث لك نوبة جديدة فأملأك خدوداً سجداً يزفون إِليك زفيف النسور ويحنون إِليك حنين الطير إِلى بيضها لهم عجيع حولك بالتلبية فكان ذلك من حين الفتح وتلك الشكاية حقيقة عندى بأَن خلق الله فى البيت التمييز حينئذ، وقال الزمخشرى تمثيل ومن كتب وقد جاء الحق الآية فى ورقة صفراء خمس مرات ونجمها تحت السماء وعلقها على من به السحر فإنه يبطل ويذهب عنه إِن شاء الله تعالى.

الالوسي

تفسير : {وَقُلْ جَاء ٱلْحَقُّ} الإسلام والدين الثابت الراسخ. والجملة عطف على جملة {أية : قُلْ}تفسير : [الإسراء: 80] أولاً واحتمال أنها من مقول القول الأول لما فيها من الدلالة على الاستجابة في غاية البعد. {وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ} أي زال واضمحل ولم يثبت الشرك والكفر وتسويلات الشيطان من زهقت نفسه إذا خرجت من الأسف. وعن قتادة أن الحق القرآن والباطل الشيطان، وعن ابن جريج أن الأول الجهاد والثاني الشرك وعن مقاتل الحق عبادة الله تعالى والباطل عبادة الشيطان وهذا قريب مما ذكرنا. / {إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ} كائناً ما كان {كَانَ زَهُوقًا} مضمحلاً غير ثابت الآن أو فيما بعد أو مطلقاً لكونه كأن لم يكن. وصيغة فعول للمبالغة. أخرج الشيخان وجماعة عن ابن مسعود قال: حديث : دخل النبـي صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ستون وثلثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: {جَاء ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا} {جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ:49] تفسير : ، وفي رواية الطبراني في «الصغير» والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم جاء ومعه قضيب فجعل يهوي به إلى كل صنم منها فيخر لوجهه فيقول: {جَاء ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا} حتى مر عليها كلها.

ابن عاشور

تفسير : أعقب تلقينه الدعاءَ بسداد أعماله وتأييده فيها بأن لقنه هذا الإعلان المنبىء بحصول إجابة الدعوة المُلْهَمَة بإبراز وعده بظهور أمره في صورة الخبر عن شيء مضى. ولما كانت دعوة الرسول هي لإقامة الحق وإبطاللِ الباطل كان الوعد بظهور الحق وعداً بظهور أمر الرسول وفوزه على أعدائه، واستحفظه الله هذه الكلمة الجليلة إلى أن ألقاها يوم فتح مكة على مسامع من كانوا أعداءه فإنه لما دخل الكعبة ووجد فيها وحولها الأصنام جعل يشير إليها بقضيب ويقول: {جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً} فتسقط تلك الأنصاب على وجوهها. ومجيء الحق مستعمل مجازاً في إدراك الناس إياه وعملهم به وانتصار القائم به على معاضديه تشبيهاً للشيء الظاهر بالشيء الذي كان غايباً فورد جائياً. و {زهَق} اضمحل بعد وجوده. ومصدره الزُهوق والزَهَق. وزهوق الباطل مجاز في تركه أصحابه فكأنه كان مقيماً بينهم ففارقهم. والمعنى: استقر وشاع الحق الذي يدعو إليه النبي وانقضى الباطل الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عنه. وجملة {إن الباطل كان زهوقاً} تذييل للجملة التي قبله لما فيه من عموم يشمل كل باطل في كل زمان. وإذا كان هذا شأن الباطل كان الثبات والانتصار شأن الحق لأنه ضد الباطل فإذا انتفى الباطل ثبت الحق. وبهذا كانت الجملة تذييلاً لجميع ما تضمنته الجملة التي قبلها. والمعنى: ظهر الحق في هذه الأمة وانقضى الباطل فيها، وذلك شأن الباطل فيما مضى من الشرائع أنه لا ثبات له. ودل فعل {كان} على أن الزهوق شنشنة الباطل، وشأنه في كل زمان أنه يظهر ثم يضمحل، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : أكان للناس عجباً}تفسير : في صدر سورة [يونس: 2].

الشنقيطي

تفسير : الحق في لغة العرب: الثابت الذي ليس بزائل ولا مضمحل. والباطل: هو الذاهب المضمحل. والمراد بالحق في هذه الآية: هو ما في هذا القرآن العظيم والسنة النبوية من دين الإسلام. والمراد بالباطل فيها: الشرك بالله، والمعاصي المخالفة لدين الإسلام. وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الإسلام جاء ثابتاً راسخاً، وأن الشرك بالله زهق. أي ذهب واضمحل وزال. تقول العرب: زهقت نفسه: إذا خرجت وزالت من جسده. ثم بين جل وعلا أن الباطل كان زهوقاً، أي مضمحلاً غير ثابت في كل وقت. وقد بين هذا المعنى في غير هذا الموضع. وذكر أن الحق يزيل الباطل ويذهبه. كقوله: {أية : قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ}تفسير : [سبأ:48-49]، وقوله: {أية : بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}تفسير : [الأنبياء:18] الآية. وقال صاحب الدُّر المنثور في الكلام على هذه الآية الكريمة: أخرج ابن أبي شيبة، والبخاري ومسلم، والترمذي والنسائي، وابن جرير وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: دخل النَّبي صلى الله عليه وسلم مكة، وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول {جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} [الإسراء:81] {أية : قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ}تفسير : [سبأ:49]. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن المنذر عن جابر رضي الله عنه قال: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنماً. فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكبت لوجهها، وقال: {جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}. وأخرج الطبراني في الصغير، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، وعلى الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً. فشد لهم إبليس أقدامها بالرصاص. فجاء ومعه قضيب فجعل يهوي إلى كل صنم منها فيخر لوجهه فيقول: {جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} حتى مر عليها كلها. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: وفي هذه الآية دليل على كسر نصب المشركين وجميع الأوثان إذا غلب عليهم. ويدخل المعنى كسر آلة الباطل كله وما لا يصلح إلا لمعصية الله كالطنابير والعيدان والمزامير التي لا معنى لها إلا اللهو بها عن ذكر الله. قال ابن المنذر: وفي معنى الأصنام الصور المتخذة من المدر والخشب وشبهها، وكل ما يتخذه الناس مما لا منفعة فيه إلا اللهو المنهي عنه، ولا يجوز بيع شيء منه إلا الأصنام التي تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص إذا غيرت عما هي عليه وصارت نقراً أو قطعاً فيجوز بيعها والشراء بها. قال المهلب: وما كسر من الآت الباطل وكان في حبسها بعد كسرها منفعة فصاحبها أولى بها مكسورة. إلا أن يرى الإمام حرقها بالنار على معنى التشديد والعقوبة في المال. وقد تقدم حرق ابن عمر رضي الله عنه. وقد هم النَّبي صلى الله عليه وسلم بتحريق دور من تخلف عن صلاة الجماعة وهذا أصل في العقوبة في المال. حديث : مع قوله صلى الله عليه وسلم في الناقة التي لعنتها صاحبتها "دعوها فإنها ملعونة"تفسير : فأزال ملكها عنها تأديباً لصاحبتها، وعقوبة لها فيما دعت عليه بما دعت به. وقد أراق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لبناً شيب بماء على صاحبه اهـ الغرض من كلام القرطبي رحمه الله تعالى. وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : والله لينزلن عيسى ابن مريم حكماً عدلاً فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير"تفسير : الحديث - من قبيل ما ذكرنا دلالة الآية عليه والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْبَاطِلُ} {ٱلْبَاطِلَ} (81) - وَقُلْ لِلْمُشْرِكِينَ مُهَدِّداً: لَقَدْ جَاءَهُم الحَقُّ الذِي لاَ مِرْيَةَ فِيهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ. وَمَتَى جَاءَ الحَقُّ زَهَقَ البَاطِلُ وَاضْمَحَلَّ، لأَِنَّ مِنْ صِفَةِ البَاطِلِ عَدَمَ الثَّبَاتِ مَعَ الحَقِّ. وَحِينَمَا دَخَلَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ، كَانَ حَوْلَ الكَعْبَةِ (360) ثَلاثُمئةٍ وَسِتُّونَ نَصْباً، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ يَطْعَنُها بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَتْلُو: {جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}. زَهَقَ البَاطِل - زَالَ وَاضْمَحَلَّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هكذا أطلقها الحق سبحانه شعاراً مُدوّياً {جَاءَ الحَقُّ ..} وما دام قال للرسول: {قُلْ} فلا بُدَّ أن الحق قادم لا شَكَّ فيه؛ لذلك أمره بهذه الأمر الصريح ولم يُوسْوسُه له، وبعد ذلك يقولها رسول الله في عام الفتح، وعندما دخل مكة فاتحاً وحوْلَ البيت ثلاثمائة وستون صنماً فيُكبكِبُهم جميعاً، وينادي: "حديث : جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وزهق الباطل، وما يبدئ الباطل وما يعيد ". تفسير : أي: جاء الحق واندحر الباطل، ولم يَعُدْ لديْه القوة التي يُبدِئ بها أو يُعيد، فقد خَمدتْ قواه ولم يَبْقَ له صَوْلَة ولا كلمة. وقوله تعالى: {جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ..} [الإسراء: 81] يشعرنا بأن الحق أتى بنفسه؛ لأنه نسب المجيء إلى الحق كأنه أمر ذاتيّ فيه، فلم يأْتِ به أحد، وكذلك في: {وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ} [الإسراء: 81] فالباطل بطبيعته زاهق مُندحِر ضعيف لا بقاءَ له. ومن العجيب أن الحق الذي جاء على يد رسول الله في فتح مكة انتفع به حتى مَنْ لم يؤمن، ففي يوم الفتح تتجلى صورة من صور العظمة في دين الإسلام، حين يجمع رسول الله أهل مكة الذين عاندوا وتكبَّروا وأخرجوا رسول الله من أحب البلاد إليه، وها هو اليوم يدخلها منتصراً ويُوقِفهم أمامه ويقول: حديث : "ما تظنون أني فاعل بكم؟" قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" . تفسير : إذن: جاء الحق ليس لاستعباد الناس، ولكن لراحتهم ورَفْع رؤوسهم. ومن الحق الذي أظل مكة بالفتح ما يُرْوَى أن واحداً دخل على النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة وأراد إيذاءه، وحينما وضع يده على رسول الله صلى الله عليه وسلم تبدَّل حاله وقال: فوالله لقد أقبلت عليه، وما في الأرض أبغض إليَّ منه، فحين وضعت يدي عنده فوالله ما في الأرض أحب إليَّ منه، وهكذا جاء الحق وزهق الباطل. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} [الإسراء: 81]. زَهُوق صيغة مبالغة، فالباطل نفسه سريعاً ما يذهب ويندثر، ومن العَجَب أن ترى الباطل نفسه من جنود الله؛ لأن الباطل لو لم يُؤلم الناس ويُزعجهم ما تشوَّقوا للحق وما مالوا إليه، فإذا ما لدغهم الباطل واكتَووْا بناره عرفوا الحق. وقد ضرب لنا الحق سبحانه وتعالى مثلاً للحق وللباطل، فقال: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ}تفسير : [الرعد: 17]. الحق سبحانه يُمثِّل للحق وللباطل بشيء حِسّيٍّ نراه حينما ينهمر المطر على قمم الجبال، فيسيل الماء إلى الأودية بين الجبال حاملاً معه صغار الحصى والرمال والقشِّ، وهذا هو الزَّبَد الذي يطفو على صفحة الماء ولا ينتفع الناس به، وحين تهب الرياح تُنحِّي هذا الزبد جانباً، ويبقى الماء الرائق الصالح الذي ينتفع الناس به، وهذا الماء مثالٌ للحق الذي ينفع الناس، والزَّبَد مثال للباطل الذي لا خَيْر فيه. أو: يعطينا المثال في صورة أخرى: صورة الحداد أو الصائغ الذي يُوقِد النار على الذهب ليخرج منه ما علق به من شوائب. ثم يقول الحق سبحانه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ...}.

الأندلسي

تفسير : {وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ} الحق القرآن والباطل الشيطان وهذه الآية نزلت بمكة ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستشهد بها يوم فتح مكة وقت طعنه الأصنام وسقوطها لطعنه إياها بالمخصرة حسبما ذكر في السير. و{زَهُوقاً} صفة مبالغة في اضمحلاله وعدم ثبوته في وقت ما ومن في من القرآن لابتداء الغاية * وقال ابن عطية والزمخشري: من في القرآن لبيان الجنس ووافقهما أبو البقاء وقد ذكرنا أن من التي لبيان الجنس لا تتقدم على المبهم الذي تبينه وإنما تكون متأخرة عنه وشفاؤه كونه مزيلاً للريب كاشفاً عن غطاء القلب لفهم المعجزات والأمور الدالة على الله المقررة لدينه فصار لعلات القلوب كالشفاء لعلات الأجسام وخساراً للظالمين وهم الذين يضعون الشىء في غير موضعه هو بإِعراضهم عنه وعدم تدبره بخلاف المؤمن فإِنه يزداد بالنظر فيه والتدبر في معانيه إيماناً. {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ} الآية لما ذكر تعالى توزيع ما أنزل من القرآن شفاء للمؤمن وخساراً للظالم عرض بما أنعم عليه به من شرائع الإِسلام ومع ذلك أعرض عنه وبعد بجانبه اشمئزازاً له وقرىء نأي من النأي وهو البعد وقرىء: وناء نهض ومعنى يؤساً قنوطاً من أن ينعم الله عليه والظاهر أن المراد بالإِنسان هنا ليس واحداً بعينه بل المراد به الجنس ونسب تعالى الانعام لذاته والمسيس للشر ويؤس صفة مبالغة من يئس. {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} كل إذا كان غير مضاف فتارة يراعي لفظه فيفرد الضمير العائد عليه كما في قوله تعالى: {أية : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}تفسير : [الأنبياء: 33] شاكلته أي على مذهبه الذي يشاكل حاله في الهدى والضلالة من قولهم طريق ذو شواكل وهي الطرق التي تشعبت منه. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ} في الصحيح من حديث ابن مسعود أنه حديث : قال أني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرث بالمدينة وهو متكىء على عسيب فمر بنا ناس من اليهود فقالوا: سلوا عن الروح فقال بعضهم لا تسألوه فسيفتيكم بما تكرهون فأتاه نفر منهم فقالوا يا أبا القاسم ما تقول في الروح فسكت ثم ماج فأمسكت بيدي على جبهته فعرفت أنه نزل عليه الوحي فنزل عليه ويسئلونك عن الروح تفسير : الآية فعلى هذا يكون الضمير في ويسئلونك لليهود ويكون الخطاب لهم في قوله: وما أوتيتم الآية والروح على قول الجمهور هي الروح التي في الحيوان وهم اسم جنس وهذا هو الظاهر ومعنى من أمر ربي أي فعل ربي كونها بأمره وفي ذلك دلالة على حدوثها والأمر بمعنى الفعل وارد قال تعالى: {أية : وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ}تفسير : [هود: 97] أي فعل فرعون والظاهر أنهم سألوه عن ماهيتها وحقيقتها وقيل عن كيفية مداخلتها الجسد الحيواني وابتعاثها فيه وصورة ملابستها له وكلاهما مشكل لا يعلمه إلا الله * وقد رأيت كتاباً يترجم بالنفخ والتسوية لبعض الفقهاء المتصوفة يذكر فيه أن الجواب في قوله: قل الروح من أمر ربي إنما هو للعوام وأما الخواص فهم عنده يعرفون الروح وأجمع علماء الإِسلام على أن الروح مخلوقة وذهب كفرة الفلاسفة وكثير ممن ينتمي إلى الإِسلام إلى أنها قديمة واختلاف الناس في الروح بلغ إلى سبعين قولاً وكذلك اختلفوا هل الروح النفس أم شىء غيرها. {وَلَئِن شِئْنَا} اللام مؤذنة بقسم محذوف ولنذهبن جوابه. {وَكِيلاً} أي حافظاً. {إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} استثناء منقطع أي ولكن رحمة من ربك غير مذهوب به وهذا امتنان من الله تعالى ببقاء القرآن محفوظاً. {قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ} الآية لما ذكر تعالى إنعامه على نبيه بالنبوة وبإِنزال وحيه عليه وباهر قدرته ذكر ما منحه تعالى من الدليل على نبوته الباقي بقاء الدهر وهو القرآن الذي عجز العالم عن الإِتيان بمثله وأنه من أكبر النعم عليه والفضل الذي أبقي له ذكراً إلى آخر الدهر وإذا كان فصحاء اللسان الذي قيل وبلغاتهم عجزوا عن الإِتيان بسورة واحدة مثله فلأن تكونوا أنتم أعجز عن أن تأتوا بمثل جميعه ولو تعاون الثقلان عليه لا يأتون بمثله ولما كانت الجن تفعل أفعالاً مستغربة كما حكى الله عنهم في قصة سليمان عليه السلام أدرجوا مع الإِنس في التعجيز ليكون ذلك أبلغ في التعجيّز ولا يأتون جواب القسم المحذوف واللام الموطئة في لئن وهي الداخلة على الشرط كقوله تعالى: {أية : لَئِنْ أُخْرِجُواْ}تفسير : [الحشر: 12] الآية. {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} تقدم نظيره والظاهر أن المراد بالمثل هو القول الغريب السائر في الآفاق والقرآن مثل من الأمثال التي ضربها الله * قال الزمخشري: ويجوز أن تكون مؤكدة زائدة التقدير ولقد صرفنا كل مثل "انتهى" يعني فيكون مفعول صرفنا كل مثل وهذا التخريج هو على مذهب الكوفيين والأخفش لا على مذهب جمهور البصريين والظاهر أن مفعول صرفنا محذوف تقديره البينات والعبر ومن لابتداء الغاية وروي حديث : أن صناديد قريش اجتمعوا وسيروا للنبي صلى الله عليه وسلم فلما جاء إليهم جرت بينهم محاوروات في ترك دينهم وطلب منهم أن يوحدوا ويعبدوا الله فأرغبوه بالمال والرئاسة فأبى وقال: لست أطلب ذلك فاقترحوا عليه الآيات ألست التي ذكرها الله هنا تفسير : ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما تحداهم بأن يأتوا بمثل القرآن فتبين عجزهم عن ذلك وإعجازه وانضمت إليه معجزات أخر وبينات واضحة فلزمتهم الحجة وغلبوا أخذوا يتعللون باقتراح آيات فعل الحائر المبهوت المحجوج فقالوا ما حكاه الله عنهم ومعنى من الأرض أي أرض مكة. {يَنْبُوعاً} مشتق من النبع ووزنه يفعول كيعفور. {فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ} التي أصلها الينبوع ثم اقترحوا بإِيتاء جنة من نخيل وعنب وكان الغالب على بلادهم ذلك. {خِلالَهَا} أي وسط الجنة وقولهم: كما زعمت إشارة إلى قوله تعالى: {أية : إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [سبأ: 9]. {قَبِيلاً} معاينة والزخرف الزينة ويطلق على الذهب. {أَوْ تَرْقَىٰ} أي تصعد في السماء على حذف مضاف إي إلى معارج والظاهر أن السماء هنا هي المظلة وما اكتفوا بالتغيبة بالرقي في السماء حتى غيوا ذلك بأن ينزل عليهم كتاباً يقرؤنه ولما تضمن اقتراحهم ما هو مستحيل في حق الله وهو أن يأتي بالله والملائكة قبيلاً أمره تعالى بالتسبيح والتنزيه عما لا يليق به ومن أن يقترح عليه ما ذكرتم فقال: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ} أي ما كنت إلا بشراً رسولاً من الله إليكم لا مقترحاً عليه ما ذكرتم من الآيات. {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ} الآية الظاهر أن قوله وما منع الناس اخبار من الله تعالى عن السبب الضعيف الذي منعهم من الإِيمان إذ ظهر لهم المعجز وهو استبعاد أن يبعث الله رسولاً إلى الخلق واحداً منهم ولم يكن ملكاً وأن يؤمنوا في موضع نصب وإن قالوا في موضع رفع وإذ ظرف العامل فيه منع والناس كفار قريش القائلون تلك المقالات السابقة والهدى القرآن ومن جاء به وليس المراد مجرد القول بل قولهم الناشىء عن اعتقادهم والهمزة في ابعث للإِنكار ورسولاً ظاهره أنه نعت * وقوله: {قُل لَوْ كَانَ} الآية يمشون يتصرفون فيها بالمشي وليس لهم صعود إلى السماء فيسمعون من أهلها ويعلمون ما يجب علمه بل هم مقيمون في الأرض يلزمهم ما يلزم المكلفين من عبادات مخصوصة وأحكام لا يدرك تفصيلها بالعقل. {لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم} من جنسهم من يعلمهم ذلك ويلقيه إليهم ولما دعاهم صلى الله عليه وسلم إلى الإِيمان وتحدى على صدق نبوته بالمعجز الموافق لدعواه أمره تعالى أن يعلمهم بأنه تعالى هو الشهيد بينه وبينهم على تبليغه وما قام به من أعباء الرسالة وعدم قبولهم وكفرهم وما اقترحوا عليه من الآيات على سبيل العناد وأردف ذلك بما فيه تهديد وهو قوله: انه كان بعباده خبيراً بخفيات أسرارهم بصيراً مطلعاً على ما يظهر من أفعالهم وأقوالهم. {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ} إخبار من الله وليس مندرجاً تحت قل لقوله ونحشرهم ومن مفعول يهدي فهو ضمير يعود على معنى من لا على لفظها والمهتدي مطاوع لهدى يقول هداه فاهتدى كما تقول عصمته فاعتصم ومن مفعول بيضلل لهم ضمير يعود على معنى من لا على لفظها والظاهر أن قول عمياً وبكماً وصماً هو حقيقة وذلك عند قيامهم من قبورهم لم يرد الله إليهم أبصارهم وسمعهم ونطقهم فيرون النار ويسمعون زفيرها وينطقون بما حكى الله عنهم كما تقدم الكلام عليه في أوائل البقرة. و{خَبَتْ} معناه سكن لهبها. {سَعِيراً} إيقاداً ذلك إشارة إلى ذلك العشر والعذاب. {وَقَالُواْ أَءِذَا كُنَّا} تقدم الكلام عليه في أثناء السورة والرؤية رؤية القلب وهي العلم ومعنى مثلهم من الإِنس وعطف قوله: وجعل لهم على قوله: أولم يروا لأنه استفهام تضمن التقرير والمعنى قد علموا بدليل العقل كيت وكيت. {وَجَعَلَ لَهُمْ} أي للعالمين ذلك. {أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ} وهو الموت. {فَأَبَىٰ ٱلظَّالِمُونَ} وهم الواضعون الشىء غير موضعه على سبيل الاعتداء. {إِلاَّ كُفُوراً} أي جحوداً لما أتى به الصادق صلى الله عليه وسلم من توحيد الله وإفراده بالعبادة وبعثهم يوم القيامة إلى الجزاء.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن زهوق صفات البشرية عند تجلي صفات الربوبية بقوله تعالى: {وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ} [الإسراء: 81] يشير إلى كل ما يجيء من الحق تعالى من الواردات والطوالع والشواهد والأنوار وتجلي صفات الجمال وتجلي صفات الجلال. وبقوله: {وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ} [الإسراء: 81] يشير إلى كل ما يكون من الخواطر والتفكر والتعقل، والأوصاف والأخلاق والذوات، فإن في مجيء كل واحد مما من الحق زهوق واجد مما من الخلق {إِنَّ ٱلْبَاطِلَ} [الإسراء: 81] وكل ما خلا الله {كَانَ زَهُوقاً} [الإسراء: 81] زائلاً، يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أصدق ما قالته العرب قول لبيد: ألا كلَّ ما خلا الله باطلُ وكلُّ نعيمٍ لا محالة زائلُ ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بل نعيم الجنة فإنه لا يزول ". تفسير : وبقوله: {وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ} [الإسراء: 82] يشير إلى أن كلام الحبيب شفاء القلوب كما قيل: إن الأحاديث من سلمى تسليني، وإن من القرآن ما هو إيعاد بالوصلة والوصال، فهو شفاء لمعلول الهجر والفراق، وأين المدامة من ريقها؛ ولكن أعلل قلباً عليلاً، قال موسى عليه السلام وهو معلوم القرآن، وكان يرى بشفائه في الوصال، فقال: {أية : أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ} تفسير : [الأعراف: 143] فكان الله تعالى يشفيه بكلامه فقال له: {أية : إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ} تفسير : [الأعراف: 144] فإن فيه تسكين ثائرة شوقك في الحال {أية : وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 144] لا يزيد في نعمة اللقاء في المآل {أية : فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ} تفسير : [السجدة: 23]. وأما حال الحبيب نبينا صلى الله عليه وسلم فهو المحبوب المجذوب غريق ببحر الوصال، وقد شفي قيل أن يستشفى، فقيل له: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ} تفسير : [الفرقان: 45] {وَرَحْمَةٌ} [الإسراء: 82] له و {لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 8] إذا أرسله الله رحمة للعالمين {وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ} [الإسراء: 8] منكري أرباب حقائق القرآن وأسراه {إَلاَّ خَسَاراً} [الإسراء: 8] بأن يخسروا الإيمان التقليدي بالإنكار على أهل الإيمان الحقيقي، بل على أهل العناية {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ} [الإسراء: 83] بالإيمان التقليدي {أَعْرَضَ} [الإسراء: 83] عن أهل الحق وأرباب الحقائق {وَنَأَى بِجَانِبِهِ} [الإسراء: 83] تعظيماً لنفسه وتباعداً من أهل الحق مستأنفاً للاقتداء بهم. {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ} [الإسراء: 83] بشبهة في الدين من كلمات أهل الأهواء والبدع {كَانَ يَئُوساً} [الإسراء: 83] يقنط عن إيمانه بأدنى شك داخله في دينه. {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} [الإسراء: 84] وهي ما خلق عليه من درجات السعادة كالمؤمنين الموحدين قابلي كمالات الدين من حقائق القرآن والتخلق بأخلاقه، ومن دركات الشقاوة كالمنافقين المشركين منكري حقائق القرآن وأربابها {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً} [الإسراء: 84] إلى الحق الحقيقة. ثم أخبر عن الروح الذي به كل فتوح بقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] يشير إلى أن الروح من عالم الأمر، فإن الله تعالى خلق العوالم كثيرة كما جاء في الخبر بروايات مختلفة، فقال في بعض الروايات: "خلق ثلاثمائة وستين ألف عالم"، وقد مرَّ تفصيلها ولكنه جعله محصورة في عالمين اثنين وهما الخلق والأمر، كما قال تعالى: {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ} تفسير : [الأعراف: 54]، تبارك الله رب العالمين. عبَّر عن عالم الدنيا: وهو ما يدرك بالحواس الخمس الظاهرة وهي: السمع والبصر والشم والذوق واللمس بالخلق. وعبَّر عن عالم الآخرة: وهو ما يدرك بالحواس الخمس الباطنة وهي: العقل والقلب والسر والروح والخفي بالأمر. فعالم الأمر هو: الأوليات العظائم التي خلقها الله تعالى للبقاء من الروح والعقل والقلم واللوح والعرش والكرسي والجنة والنار، وسمي عالم الأمر أمراً؛ لأنه أوجده بأمر كل من لا شيء بلا واسطة شيء كقوله: {أية : خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} تفسير : [مريم: 9] ولما كان أمره قديماً، فما يكون بالأمر القديم كان باقياً، وإن كان حادثاً، وتسمى عالم الخلق خلقاً؛ لأنه أوجده بالوسائط من شيء كقوله: {أية : وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} تفسير : [الأعراف: 185] فكما أن الوسائط كانت مخلوقة من شيء مخلوق سماه خلقاً خلقه الله للفناء فتبين أن قول: {ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] إنما هو لتعريف الروح معناه إنها منه من عالم الأمر والبقاء لا من عالم الخلق والفناء، وإن قوله: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] ليس للاستبهام، كما ظن جماعة أن الله تعالى أبهم علم الروح على الخلق واستأثره لنفسه حتى قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عالماً به جل منسوب حبيب الله ونبيه صلى الله عليه وسلم من أن يكون جاهلاً بالروح مع أنه عالم بالله وقد منَّ الله عليه بقوله: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} تفسير : [النساء: 113] أحسب أن علم الروح ما لم يكن يعلمه، ألم يخبر الله أنه علَّمه ما لم يكن يعلم، فأما سكوته عن جواب سؤال الروح وتوقفه انتظاراً الموحي حين سألته اليهود فقد كان لغموضه يرى في معنى الجواب دقة لا يفهمها اليهود لبلادة طباعهم وقساوة قلوبهم وفساد عقائدهم، وقال: {أية : وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 43] وهم أرباب السلوك والسائرون إلى الله. فإنهم لما عبروا: عن النفس وصفاتها ووصلوا إلى حريم القلب عرفوا النفس بنور القلب. ولما عبروا: بالسير عن القلب وصفاته ووصلوا إلى مقام السر عرفوا علم السير للقلب، وإذا عبروا: عن السر ووصلوا إلى عالم الروح عرفوا بنور الروح السر. وإذا عبروا: عالم الروح ووصلوا إلى منزل الخفي عرفوا بشواهد الحق الروح، وإذا عبروا: عن منزل الخفي ووصلوا إلى ساحل بحر الحقيقة عرفوا بأنوار مشاهدات صفات الجمال الخفي. وإذا فنوا بسطوات تجلي صفات الجلال عن آنية الوجود ووصلوا إلى جنة بحر الحقيقة كوشفوا بهوية الحق تعالى، وإذا استغرقوا في بحر الهوية وأبقوا ببقاء الألوهية عرفوا الله بالله وحده وحين وجدوه هذا أوان إراءة ماهية كل شيء، كما هي هذا وقت {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 53] فحينئذ إذا طلع الصباح استغنى عن المصباح، وقد تحقق للعبد مقام "كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً، فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش" ففي هذه الحالة كيف يبقى بمعرفة الروح خطر عند من هذه أحواله، وهو مع هذه الرتبة العلية والمواهب السنية من لواقط سواقط جنات سنبلات يبادر بوارد النبوة ونوادر الرسالة؟! فكيف بحال سيد المرسلين وخاتم النبيين وحبيب رب العالمين وأفضل الأولين والآخرين صلوات الله عليه وآله أجمعين في معرفة الروح، وهو الذي يقول: "علمت ما كان وما سيكون" وما أنا إذا أسرع في شرع معرفة الروح بما فتح الله علي ومنحني من الفتوح، كما يشهد به الكتاب والسنة والأخبار المروية والآثار المرضية، إن شاء الله عصمني الله من الخطأ والخلل، وعفا عني الشهود الذلل بفضله وكرمه. فاعلم أن الروح الإنساني وهو أول شيء تعلقت به القدرة جوهرة نورانية ولطيفة ربانية من عالم الأمر، وعالم الأمر وهو الملكوت الذي خلق من لا شيء وعالم الخلق وهو الملك الذي خلق من شيء، كقوله: {أية : أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} تفسير : [الأعراف: 185]، فالعالم عالمان يعبر عنهما بالدنيا والآخرة، والملك والملكوت والشهادة والغيب والصورة والمعنى والخلق والأمر الظاهر والباطن والأجسام والأرواح ويراد بهما ظاهر الكون وباطنه، فثبت بالآية أن الملكوت الذي هو باطن الكون خلق من لا شيء إذ ما عداه من الملك خلق من شيء. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أول ما خلق الله جوهرة وأول ما خلق الله روحي"تفسير : ، وفي رواية: "حديث : نوري" تفسير : وقوله: "حديث : أول ما خلق الله العقل وأول ما خلق الله القلم ". تفسير : وقول بعض الكبراء من الأئمة: إن أول المخلوقات على الإطلاق ملك كروبي يسمى العقل وهو صاحب القلم القلب بدليل توجه الخطاب عليه في قوله: "حديث : أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر" تفسير : كما جاء في الحديث، ولما سواه فلما قال له: "حديث : اجر بما هو كائن إلى يوم القيامة" تفسير : وتسميته قلماً، كتسمية صاحب السيف سيفاً. وقد جاء في الخبر أن الروح ملك، قيل لخالد بن الوليد: سيف الله وهو أول لقب في الإسلام. وقول الله تعالى: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً} تفسير : [النبأ: 38] وقد جاء في الخبر أن الروح ملك يقوم صفاً والملائكة صفاً، فلا تبعد أن يكون هو الملك العظيم الذي هو أول المخلوقات، وهو روح النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: "حديث : أول ما خلق الله روحي" تفسير : ولا يحتمل أن يكون المخلوق الأول المطلق إلا واحداً؛ لأن الشيئين المغايرين لا يكون كل واحد منهما أولاً في التكوين والإيجاد على الإطلاق؛ إذ لا يخلو إما أُحدثا مصاحبين أو أُحدثا متعاقبين، فإن أُحدثا مصاحبين معاً فلا يختص أحدهما من الآخر بالأولية فلا يكون واحد منهما أولاً على الانفراد، وإن أُحدثا متعاقبين يكون المبتدأ أولاً والمتعاقب ثانياً؛ فيكون الأول واحداً منهما لا محالة ولا يجوز الخلاف في كلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الذي جاء بالصدق {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} تفسير : [النجم: 3-4] وأنه صلى الله عليه وسلم قد أثبت الأوليات فتعين لنا أن نحمل كلامه على المخلوق الأول وهو مسمى واحد له أسماء مختلفة، فبحسب كل صفة فيه سُمي باسم آخر. وقد كثرت الأسماء والمسمى واحد وهو الأصل وما سواه تبعاً له فلا ريب في أن أصل الكون كان النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: "حديث : لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك" تفسير : فهو أولى أن يكون أصلاً، وما سواه أولى أن يكون تبعاً له؛ لأنه كان بالروح بذر شجرة الموجودات، فلما بلغ أشده أربعين سنة كان بالجسم والروح ثمرة شجرة الموجودات وهي سدرة المنتهى، فكما أن الثمرة تخرج من نوع الشجرة كان خروجه إلى {أية : قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ} تفسير : [النجم: 9] ولهذا قال: "حديث : نحن الآخرون السابقون" تفسير : يعني: الآخرون بالخروج كالثمرة، والسابقون بالخلق كالبذر، فيلزم من ذلك أن يكون روحه صلى الله عليه وسلن أول شيء تعلقت به القدرة، وأن يكون هو المسمى بالأسماء المختلفة، فباعتبار أنه كان درة صدف الموجودات سُمي درة وجوهرة، كما جاء في الخبر: "حديث : أول ما خلق الله جوهرة"تفسير : ، وفي رواية: "حديث : درة فنظر إليها فذابت" تفسير : فخلق منها كذا وكذا، وباعتبار نورانيته سُمي مَلَكاً، وباعتبار أنه صاحب القلم سُمي قلماً كما ذكرناه، وإذا أمعنت النظر وجدت كل وصف بالعقل. وحكي عنه خاصية من خواص روحه صلى الله عليه وسلم وهو قوله: "حديث : أول ما خلق الله العقل فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال: أدبر فأدبر" تفسير : وهذا حال روحه صلى الله عليه وسلم إذ قال له: "حديث : أقبل" إلى الدنيا {رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] "فأقبل، ثم قال أدبر" تفسير : أي: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ} تفسير : [الفجر: 28] "فأدبر" عن الدنيا وراجع ربه ليلة المعراج، ثم قال للعقل: "حديث : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحب إلي منك" تفسير : وهذا حاله صلى الله عليه وسلم أنه كان حبيب الله، وأحب الخلق إليه، وقوله تعالى للعقل: "بك أعرف، وبك آخذ، وبك أعطي، وبك أعاقب، وبك أثيب" فهذا كله حاله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه من لم يعرف النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة لم يعرف الله ولو كان له ألف دليل على معرفة الله فمعناه: بمعرفتك أعرف أي: من عرفك بالنبوة عرفني بالربوبية. "وبك آخذ" أي: آخذ طاعة من أخذ منك ما أتيته من الدين والشريعة. "وبك أعطي" أي: بشفاعتك أعطي درجات أهل الدرجات، كما قال صلى الله عليه وسلم: "الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم". "وبك أعاقب وبك أثيب" وذلك لقوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [آل عمران: 81]. وذلك أن الله تعالى أخذ ميثاق كل نبي بعثه بأن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ويوصي أمته بالإيمان به ونصرة دينه، فمن آمن به من الأمم الماضية قبل بعثه أو بعد بعثه فهو من أهل الثواب، ومن لم يؤمن به من الأولين والآخرين فهو من أهل العقاب، ووضح فيه قوله: "حديث : بك أعاقب وبك أثيب". تفسير : فكل ما ذكرناه في معرفة الروح فهو حال النبي صلى الله عليه وسلم ومقاله؛ فكيف يظن به أنه لم يكن عارفاً بالروح، والروح هو نفسه؟! وقد قال: "حديث : من عرف نفسه فقد عرف ربه" تفسير : وذلك أن الله تعالى خلق آدم وبنيه، وجعلهم خلفاء في الأرض، كما قال: {أية : وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [النمل: 62] وهذا أحد كرامة بني آدم، ومن شرط الخلافة أن يكون المستخلف يستجمع أوصاف المستخلف بالنيابة إلا ما اختص به المنوب بالأصالة مثل القدم والأحدية والصمدية والسلامة عن كل عيب ونقصان، فالروح خليفة الله وهو مجمع صفاته الذاتية له كالحياة والقدرة، والسمع والبصر والكلام، والعلم والإرادة والبقاء، والجسد خليفة الروح وهو مجمع صفاته باجتماعهما في الروح علمنا أنه خليفة الله، وبذلك علمنا أن الجسد خليفة الروح لأما وجدنا الجسد قبل اتصال الروح به وبعد انفصاله عنه خالياً عن هذه الصفات علمنا أنه بخلافة الروح اتصف بهذه الصفات، ولو لم يكن الروح متصفاً بهذه الصفات لخلافة الحق تعالى لم يكن الجسد بها متصفاً فبقي أن الروح باقٍ أبداً، والجسد فانٍ. قلنا: وذلك لأن البقاء الأبدي من خاصية الروح فهو مختص به بالأصالة دون خليفته، كما أن الله تعالى اختص بالبقاء الأزلي والأبدي بالأصالة دون خليفته وهو الروح؛ فإنه حادث أبدي دون أزلي. ثم اعلم أن الأرواح كلها خلقت من روح النبي صلى الله عليه وسلم وأن روحه أصل الأرواح، وإنها كما كان آدم ولهذا سُمي أميًّا؛ أي: إنه أم الأرواح، فكما كان آدم عليه السلام أبا البشر فكان النبي صلى الله عليه وسلم أبا الأرواح، وإنها كما كان آدم أبا حواء وأمها وذلك أن الله تعالى لما كان روح النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : كان الله ولم يكن معه شيء" تفسير : إلا روحه، وما كان شيء آخر ينسب روحه إليه أو يضاف إليه غير الله، فلما كان روحه أول باكورة أثمرها الله تعالى بإيجاده من شجرة الوجود، وأول شيء تعلقت به القدرة وشرفه بتشريف إضافته إلى نفسه فسماه {رُّوحِي} [الحجر: 29] كما سُمي أول بيت من بيوت الله وضع للناس، وشرفه بالإضافة إلى نفسه، فقال: {بَيْتِيَ}، ثم حين أراد أن يخلق آدم سواه ونفخ فيه من روحه أي: من الروح المضاف إلى نفسه وهو روح النبي صلى الله عليه وسلم كما قال: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} تفسير : [الحجر: 29] فكان روح آدم من روح النبي - عليهما السلام - بهذا الدليل، وكذلك أرواح أولاده لقوله تعالى: {أية : ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} تفسير : [السجدة: 8-9] وقال تعالى في مريم عليها السلام: {أية : فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} تفسير : [الأنبياء: 91] فكانت النفخة لجبريل وروحها من روح النبي صلى الله عليه وسلم المضاف إلى الحضرة، وهذا أحد أسرار قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ". تفسير : ثم قوله تعالى: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 85] هذا راجع إلى اليهود الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح يعني: أنكم سألتموني وقد أجبتكم أنه {مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] ولكنكم ما تفهمون كلامي؛ لأني أخبركم عن عالم الآخرة وعن الغيب وأنتم أهل الدنيا والحس، والدنيا وعلمها قليل بالنسبة إلى الآخرة وعلمها، فإنكم عن علمها غافلون كقوله: {أية : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} تفسير : [الروم: 7]. ثم أخبر عن عزة الفراق وعزة الرحمن بقوله تعالى: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً} [الإسراء: 86] إشارة إلى أنه ليس في استعداد الإنسان ولا في مخلوق غيره أن يأتي بكلام جامع مثل كلام الله تعالى لعباده في غاية الجزالة والفصاحة، وإشارة في غاية الدقة والحذاقة، ولطائف في غاية اللطف واللطافة، وحقائق في غاية الحقية والنزاهة، وكما قال علي رضي الله عنه: "ما من آية إلا ولها أربعة معانٍ: ظاهر وباطن وحد ومطلع"، فالظاهر للتلاوة، والباطن للفهم، والحد هو أحكام الحلال والحرام، والمطلع هو مراد الله من العندية. وقال جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه: عبارة القرآن للعوام، والإشارة للخواص، واللطائف للأولياء، والحقائق للأنبياء. وقال: العبارة للسمع، والإشارة للعقل، واللطائف للمشاهدة، والحقائق للاستسلام. أي: لا سبيل للجوهر الإنساني إذا استغرق في بحر حقائقه بالخروج إلى ساحله أبد الآباد إلا أن يستسلم لحقائقه؛ لأنه لا نهاية لها، فإذا تحقق أنه ليس لمخلوق أن يأتي بكلام جامع مثل كلام الخالق وهو غير مخلوق، ولو ذهب به الله عن قلوب أنبيائه لا يجدون ناصراً ينصرهم على رده كقوله تعالى: {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً * إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} [الإسراء: 86-87] أي: ولكن الله قادر على أن يرد إليك برحمته {إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ} [الإسراء: 87] في الأزل {عَلَيْكَ كَبِيراً} [الإسراء: 87] يسعك فضله من الأزل إلى الأبد.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ} [81] 317- أنا عبيد الله بن سعيد، نا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله، قال: حديث : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم [مكة] وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعن بعود في يده، ويقول: {جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}، و {جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ: 49] . تفسير : 318- أنا أحمد بن سليمان، نا زيد بن الحُباب، نا سليمان بن المغيرة قال: وحدثني سلام بن مسكين بن ربيعة النمري، عن ابن البُناني، عن عبد الله بن رباح الأنصاري، قال: وفدنا إلى معاوية بن أبي سفيان ومعنا أبو هريرة - وذلك في شهر رمضان - فكان ابو هريرة يدعو كثيرا / إلى رحلِهِ، فقلت لأهلي: اجعلوا لنا طعاما ففعلوا، فلقيت ابا هريرة بالعشيِّ فقلت: الدعوة عندي الليلة، فقال: لقد سبقتني إليها، فقلت: أجل، قال: فجاءنا، فقال: يا معشر الأنصار، ألا أعلمكم بحديث من حديثكم؟ قال: حديث : لما فتح رسول الله صل الله عليه وسلم مكة استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم الزُّبير بن العوَّام على إحدى المُجنَّبتين، وخالد بن الوليد على الأخرى، قال: فبَصُر بي رسول الله صلى اله عليه وسلم في كَبكبة فتهف بي، قلت/ لبيك يا رسول الله، قال: "اهتف لي بالأنصار" فهتفت بهم، فطافوا برسول الله صلى الله عليه وسلم كأنهم كانوا على ميعاد، قال: "يا معشر الأنصار، إن قريشا قد جمعوا لنا، فإذا لقيتموهم فاحصدوهم حصدا، حتى تُوافوني بالصَّفا. الصَّفا ميعادكم" قال أبو هريرة: فما لقينا منهم أحداً إلا فعلنا به كذا وكذا، وجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله أبَحتَ خضراء قُريش، لا قريش بعد اليوم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أغلق بابه فو آمن، ومن دخل دار أبو سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن" ولجأت صناديد قريش وعظماؤها إلى الكعبة - يعني: دخلوا فيها - قال: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طاف بالبيت فجعل يمر بتلك الأصنام فيطعنها بسية القوس ويقول: {جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} حتى إذا فرغ وصلى جاء فأخذ بعضادتي الباب، ثم قال: "يا معشر قريش، ما تقولون؟" قالوا: نقول ابنُ أخٍ وابن عمِّ رحيمٌ كريمٌ، ثم عاد عليهم القول، قالوا: مثل ذلك. قال: "فإني أقول كما قال أخي يوسف: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92] فخرجوا، فبايعوه على الإسلام، ثم أتى الصَّفا لميعاد / الأنصار، فقام على الصَّفا على مكان يرى البيت منه، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر نصره إياه، فقالت الأنصار - وهم أسفل منه: أمَّا الرجل فقد أدركته رأفةٌ لقرابته، ورغبته في عشيرته. فجاءه الوحي بذلك. قال أبو هريرة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه الوحي لم يستطع أحد منا يرفع طرفه إليه حتى ينقضي الوحي عنه. فلما قُضيَ الوحي قال: "هيه يا معشر الأنصار، قلتم أما الرجل فأدركته رأفة قرابته، ورغبةٌ في عشيرته، والله إني لرسول الله، لقد هاجرت إلى الله ثم إليكم، المحيا محياكم، والممات مماتكم" قال أبو هريرة: فرأيت الشيوخ يبكون حتى بل الدموع لِحَاهم، ثم قالوا: معذرة إلى الله ورسوله. والله ما قلنا الذي قلنا لاَضَنّا بالله وبرسوله. قال: "فإن الله قد صدقكم ورسوله، وقبل قولكم ".

همام الصنعاني

تفسير : 1615- حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني الثوريّ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود، قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ثلثمائة وستون صنماً، فجَعَل يطعنها ويقول: {جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}: [الآية: 81]. 1616- حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني معمر، عن همام بن منبه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لكل نبيٍّ دَعْوَةٌ يدعو بها، وإني أريد أن أخبأ دَعْوتي، شفاعةً لأُمَّتِي يَوْمَ القيامَةِ ". تفسير : 1622- حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {جَآءَ ٱلْحَقُّ}: [الآية: 81]، قال: جاء القرآن. {وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ}: [الآية: 81]، قال: هلك الباطل وهو الشيطان.