١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
82
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما أطنب في شرح الإلهيات والنبوات والحشر والمعاد والبعث وإثبات القضاء والقدر ثم أتبعه بالأمر بالصلاة ونبه على ما فيها من الأسرار، وإنما ذكر كل ذلك في القرآن أتبعه ببيان كون القرآن شفاء ورحمة فقال: {وَنُنَزّلُ مِنَ ٱلْقُرْءانِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ } ولفظة {من} ها هنا ليست للتبعيض بل هي للجنس كقوله: { أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ } تفسير : [الحج: 30] والمعنى وننزل من هذا الجنس الذي هو قرآن ما هو شفاء. فجميع القرآن شفاء للمؤمنين، واعلم أن القرآن شفاء من الأمراض الروحانية، وشفاء أيضاً من الأمراض الجسمانية، أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية فظاهر، وذلك لأن الأمراض الروحانية نوعان: الاعتقادات الباطلة والأخلاق المذمومة، أما الاعتقادات الباطلة فأشدها فساداً الاعتقادات الفاسدة في الإلهيات والنبوات والمعاد والقضاء والقدر والقرآن كتاب مشتمل على دلائل المذهب الحق في هذه المطالب، وإبطال المذاهب الباطلة فيها، ولما كان أقوى الأمراض الروحانية هو الخطأ في هذه المطالب والقرآن مشتمل على الدلائل الكاشفة عما في هذه المذاهب الباطلة من العيوب الباطنة لا جرم كان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض الروحاني. وأما الأخلاق المذمومة فالقرآن مشتمل على تفصيلها وتعريف ما فيها من المفاسد والإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة الكاملة والأعمال المحمودة فكان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض فثبت أن القرآن شفاء من جميع الأمراض الروحانية، وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية فلأن التبرك بقراءته يدفع كثيراً من الأمراض. ولما اعترف الجمهور من الفلاسفة وأصحاب الطلسمات بأن لقراءة الرقي المجهولة والعزائم التي لا يفهم منها شيء آثاراً عظيمة في تحصيل المنافع ودفع المفاسد، فلأن تكون قراءة هذا القرآن العظيم المشتمل على ذكر الله وكبريائه وتعظيم الملائكة المقربين وتحقير المردة والشياطين سبباً لحصول النفع في الدين والدنيا كان أولى ويتأكد ما ذكرنا بما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله تعالى » تفسير : وأما كونه رحمة للمؤمنين فاعلم أنا بينا أن الأرواح البشرية مريضة بسبب العقائد الباطلة والأخلاق الفاسدة والقرآن قسمان بعضهما يفيد الخلاص عن شبهات الضالين وتمويهات المبطلين وهو الشفاء. وبعضهما يفيد تعليم كيفية اكتساب العلوم العالية، والأخلاق الفاضلة التي بها يصل الإنسان إلى جوار رب العالمين، والاختلاط بزمرة الملائكة المقربين وهو الرحمة، ولما كان إزالة المرض مقدمة على السعي في تكميل موجبات الصحة لا جرم بدأ الله تعالى في هذه الآية بذكر الشفاء ثم أتبعه بذكر الرحمة، واعلم أنه تعالى لما بين كون القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين بين كونه سبباً للخسار والضلال في حق الظالمين والمراد به المشركون وإنما كان كذلك لأن سماع القرآن يزيدهم غيظاً وغضباً وحقداً وحسداً وهذه الأخلاق الذميمة تدعوهم إلى الأعمال الباطلة وتزيد في تقوية تلك الأخلاق الفاسدة في جواهر نفوسهم ثم لا يزال الخلق الخبيث النفساني يحمل على الأعمال الفاسدة والإتيان بتلك الأعمال يقوي تلك الأخلاق فبهذا الطريق يصير القرآن سبباً لتزايد هؤلاء المشركين الضالين في درجات الخزي والضلال والفساد والنكال ثم إنه تعالى ذكر السبب الأصلي في وقوع هؤلا الجاهلين الضالين في أودية الضلال ومقامات الخزي والنكال وهو حب الدنيا والرغبة في المال والجاه واعتقادهم أن ذلك إنما يحصل بسبب جدهم واجتهادهم فقال: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَـٰنِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ } وفيه مباحث: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الإنسان ها هنا هو الوليد بن المغيرة وهذا بعيد، بل المراد أن نوع الإنسان من شأنه أنه إذا فاز بمقصوده ووصل إلى مطلوبه اغتر وصار غافلاً عن عبودية الله تعالى متمرداً عن طاعة الله كما قال: { أية : إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّءاهُ ٱسْتَغْنَىٰ } تفسير : [العلق: 6، 7]. البحث الثاني: قوله {أعرض} أي ولى ظهره أي عرضه إلى ناحية ونأى بجانبه أي تباعد، ومعنى النأي في اللغة البعد والإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه والنأي بالجانب أن يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره وأراد الاستكبار لأن ذلك عادة المتكبرين وفي قوله {نأى} قراءات. إحداها: وهي قراءة العامة بفتح النون والهمزة وفي حم السجدة مثله وهي اللغة الغالبة والنأي البعد يقال نأى أي بعد. وثانيها: قراءة ابن عامر ناء وله وجهان تقديم اللام على العين كقولهم راء في رأى ويجوز أن يكون من نأى بمعنى نهض. وثالثها: قراءة حمزة والكسائي بإمالة الفتحتين وذلك لأنهم أمالوا الهمزة من نأى ثم كسروا النون إتباعاً للكسرة مثل رأى. ورابعها: قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر ونصير عن الكسائي وحمزة نأى بفتح النون وكسر الهمزة على الأصل في فتح النون وإمالة الهمزة. ثم قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يؤوساً } أي إذا مسه فقر أو مرض أو نازلة من النوازل كان يؤوساً شديد اليأس من رحمة الله: { أية : وَلاَ ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } تفسير : [يوسف: 87] والحاصل أنه إن فاز بالنعمة والدولة اغتر بها فنسي ذكر الله، وإن بقي في الحرمان عن الدنيا استولى عليه الأسف والحزن ولم يتفرغ لذكر الله تعالى فهذا المسكين محروم أبداً عن ذكر الله ونظيره قوله تعالى: { أية : فَأَمَّا ٱلإِنسَـٰنُ إِذَا مَا ٱبْتَلـٰهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبّى أَكْرَمَنِ } تفسير : [الفجر: 15] إلى قوله: { أية : رَبّى أَهَانَنِ } تفسير : [الفجر: 16] وكذلك قوله: { أية : إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً } تفسير : [المعارج: 19 ـ 21] ثم قال تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ } قال الزجاج: الشاكلة الطريقة والمذهب. والدليل عليه أنه يقال هذا طريق ذو شواكل أي يتشعب منه طرق كثيرة ثم الذي يقوي عندي أن المراد من الآية ذلك قوله تعالى: {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً } وفيه وجه آخروهو أن المراد أن كل أحد يفعل على وفق ما شاكل جوهر نفسه ومقتضى روحه فإن كانت نفسه نفساً مشرقة خيرة طاهرة علوية صدرت عنه أفعال فاضلة كريمة وإن كانت نفسه نفساً كدرة نذلة خبيثة مضلة ظلمانية صدرت عنه أفعال خسيسة فاسدة، وأقول: العقلاء اختلفوا في أن النفوس الناطقة البشرية هل هي مختلفة بالماهية أم لا؟ منهم من قال: إنها مختلفة بالماهية وإن اختلاف أفعالها وأحوالها لأجل اختلاف جواهرها وماهياتها، ومنهم من قال إنها متساوية في الماهية واختلاف أفعالها لأجل اختلاف أمزجتها. والمختار عندي هو القسم الأول والقرآن مشعر بذلك، وذلك لأنه تعالى بين في الآية المتقدمة أن القرآن بالنسبة إلى البعض يفيد الشفاء والرحمة وبالنسبة إلى أقوام آخرين يفيد الخسارة والخزي ثم أتبعه بقوله: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ } ومعناه أن اللائق بتلك النفوس الطاهرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الذكاء والكمال، وبتلك النفوس الكدرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الخزي والضلال كما أن الشمس تعقد الملح وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار وتسود وجهه. وهذا الكلام إنما يتم المقصود منه إذا كانت الأرواح والنفوس مختلفة بماهياتها فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن نور على نور وبعضها كدرة ظلمانية يظهر فيها من القرآن ضلال على ضلال ونكال على نكال.
القرطبي
تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ} قرأ الجمهور بالنون. وقرأ مجاهد «ويُنْزِل» بالياء خفيفة، ورواها المروزيّ عن حفص. و «مِن» لابتداء الغاية، ويصح أن تكون لبيان الجنس؛ كأنه قال: وننزل ما فيه شفاء من القرآن. وفي الخبر. «من لم يَسْتَشْفِ بالقرآن فلا شفاه الله». وأنكر بعض المتأولين أن تكون «مِن» للتبعيض؛ لأنه يحفظ من أن يلزمه أن بعضه لا شفاء فيه. ابن عطية: وليس يلزمه هذا، بل يصح أن تكون للتبعيض بحسب أن إنزاله إنما هو مبعَّض؛ فكأنه قال: وننزل من القرآن شيئاً شفاء؛ ما فيه كله شفاء. الثانية: اختلف العلماء في كونه شفاء على قولين: أحدهما ـ أنه شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها وإزالة الرّيب، ولكشف غطاء القلب من مرض الجهل لفهم المعجزات والأمور الدالة على الله تعالى. الثاني ـ شفاء من الأمراض الظاهرة بالرُّقى والتعوّذ ونحوه. وقد روى الأئمة ـ واللفظ للدارقطنيّ ـ حديث : عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سَرِيّة ثلاثين راكباً قال: فنزلنا على قوم من العرب فسألناهم أن يُضيفونا فأبَوْا؛ قال: فُلِدغ سيد الحيّ، فأتونا فقالوا: فيكم أحد يَرْقِي من العقرب؟ في رواية ابن قَتّة: إن الملك يموت. قال: قلت أنا نعم، ولكن لا أفعل حتى تعطونا. فقالوا: فإنا نعطيكم ثلاثين شاة. قال: فقرأت عليه «الحمد لله رب العالمين» سبع مرات فبرأ. في رواية سليمان بن قتة عن أبي سعيد: فأفاق وبرأ. فبعث إلينا بالنُّزل وبعث إلينا بالشاء، فأكلنا الطعام أنا وأصحابي وأبَوْا أن يأكلوا من الغنم، حتى أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر فقال: «وما يدريك أنها رقية» قلت: يا رسول الله، شيء ألقي في رُوِعي. قال: كلوا وأطعمونا من الغنم» تفسير : خرّجه في كتاب السنن. وخرّج في (كتاب المديح) من حديث السَّرِيّ بن يحيى قال: حدثني المعتمر بن سليمان عن ليث بن أبي سليم عن الحسن عن أبي أُمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ينفع باذن الله تعالى من البرص والجنون والجذام والبطن والسُّلّ والحمُى والنّفْس أن تكتب بزعفران أو بمشق ـ يعني المَغْرة ـ أعوذ بكلمات الله التامة وأسمائه كلّها عامةً من شر السّامة والعامّة ومن شر العين اللامّة ومن شر حاسد إذا حسد ومن أبي فَروة وما ولد»تفسير : . كذا قال، ولم يقل من شر أبي قِترة. العين اللامّة: التي تصيب بسوء. تقول: أعِيذه من كل هامّة لامّة. وأما قوله: أعيذه من حادثات اللّمة فيقال: هو الدهر. ويقال الشدة. والسامة: الخاصة. يقال: كيف السامة والعامة. والسامة السم. ومن أبي فروة وما ولد. وقال: ثلاثة وثلاثون من الملائكة أتْوا ربّهم عز وجل فقالوا: وَصَبٌ بأرضنا. فقال: خذوا تربة من أرضكم فٱمسحوا نواصيَكم. أو قال: نواصيكم رقية محمد صلى الله عليه وسلم لا أفلح من كتمها أبداً أو أخذ عليها صَفَدا». ثم كتب فاتحة الكتاب وأربع آيات من أول البقرة، والآية التي فيها تصريف الرياح وآية الكرسي والآيتين اللتين بعدها، وخواتيم سورة البقرة من موضع {وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} إلى آخرها، وعشراً من أوّل «آل عمران» وعشراً من آخرها، وأوّل آية من النساء، وأوّل آية من المائدة، وأوّل آية من الأنعام، وأوّل آية من الأعراف، والآية التي في الأعراف {أية : إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} تفسير : [الأعراف: 54] حتى تختم الآية؛ والآية التي في «يونس» من موضع {أية : قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ به السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} تفسير : [يونس: 81]، والآية التي في طه {أية : وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ} تفسير : [طه: 69]، وعشرا من أوّل الصافات، و{قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}، والمعوِّذَتين. تكتب في إناء نظيف ثم تغسل ثلاث مرات بماء نظيف ثم يحثو منه الوجع ثلاث حَثَوات ثم يتوضأ منه كوضوئه للصلاة ويتوضأ قبل وضوئه للصلاة حتى يكون على طهر قبل أن يتوضأ به ثم يصب على رأسه وصدره وظهره ولا يستنجي به ثم يصلي ركعتين ثم يستشفي الله عز وجل؛ يفعل ذلك ثلاثة أيام، قدر ما يكتب في كل يوم كتاباً. في رواية: ومن شر أبي قِتْرة وما ولد. وقال: «فٱمسحوا نواصيكم» ولم يشك. وروى البخاريّ عن عائشة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يَنْفِث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوِّذات فلما ثقل كنت أنْفِث عليه بهن وأمسح بيده نفِسه لبركتها. فسألت الزهري كيف كان ينفِث؟ قال: كان يَنْفِث على يديه ثم يمسح بهما وجهه. وروى مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى قرأ على نفسه المعوِّذتين وتَفَل أو نَفَث. قال أبو بكر بن الأنباري: قال اللغويون تفسير «نفث» نفخ نفخاً ليس معه ريق. ومعنى «تَفَل» نفخ نفخاً معه ريق. قال الشاعر:شعر : فإن يَبْرأ فلم أنْفِث عليه وإن يُفْقَد فحقَّ له الفُقود تفسير : وقال ذو الرُّمَّة:شعر : ومِن جَوْف ماءٍ عَرْمَض الحَولِ فوقه متى يَحْسُ منه مائحُ القوم يَتْفُلِ تفسير : أراد ينفخ بريق. وسيأتي ما للعلماء في النفث في سورة الفلق إن شاء الله تعالى. الثالثة: روى ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره الرُّقى إلا بالمعوِّذات. قال الطبري: وهذا حديث لا يجوز الاحتجاج بمثله في الدِّين؛ إذ في نقلته من لا يُعرف. ولو كان صحيحاً لكان إما غلطاً وإما منسوخاً؛ حديث : لقوله عليه السلام في الفاتحة «ما أدراك أنها رُقية»تفسير : . وإذا جاز الرقي بالمعوذتين وهما سورتان من القرآن كانت الرقية بسائر القرآن مثلهما في الجواز إذ كله قرآن. وروي عنه عليه السلام أنه قال: «حديث : شفاء أمتي في ثلاثٍ، آية من كتاب الله أو لعقة من عسل أو شرطة من محِجم»تفسير : . وقال رجاء الغَنَوِيّ: ومن لم يستشف بالقرآن فلا شفاء له. الرابعة ــ واختلف العلماء في النَّشرة، وهي أن يكتب شيئا من أسماء الله أو من القرآن ثم يغسله بالماء ثم يسمح به المريض أو يسقيه، فأجازها سعيد بن المسيِّب. قيل له: الرجل يؤخذ عن امرأته أيُحَلّ عنه ويُنْشر؟ قال: لا بأس به، وما ينفع لم ينه عنه. ولم ير مجاهد أن تكتب آيات من القرآن ثم تغسل ثم يسقاه صاحب الفزع. وكانت عائشة تقرأ بالمعوِّذتين في إناء ثم تأمر أن يصب على المريض. وقال المازَرى أبو عبد الله: النُّشرة أمر معروف عند أهل التعزيم؛ وسُمّيت بذلك لأنها تنشر عن صاحبها أى تحُلّ. ومنعها الحسن وإبراهيم النَّخعيّ، قال النَّخعىّ: أخاف أن يصيبه بلاء؛ وكأنه ذهب إلى أنه ما محى به القرآن فهو إلى أن يعقب بلاء أقرب منه إلى أن يفيد شفاء. وقال الحسن: سألت أنَسا فقال: ذكروا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها من الشيطان. وقد روى أبو داود من حديث جابر ابن عبد الله قال؛ حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النشرة فقال:«هي من عمل الشيطان»تفسير : . قال ابن عبد البر: وهذه آثار لينة ولها وجوه محتملة، وقد قيل: إن هذا محمول على ما إذا كانت خارجة عما في كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام، وعن المداواة المعروفة. والنشرة من جنس الطب فهي غسالة شيء له فضل، فهي كوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال صلى الله عليه وسلم:«حديث : لا بأس بالرُّقى ما لم يكن فيه شرك ومن استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل».تفسير : قلت: قد ذكرنا النص في النشرة مرفوعا وأن ذلك لا يكون إلا من كتاب الله فليعتمد عليه. الخامسة ــ قال مالك: لا بأس بتعليق الكتب التي فيها أسماء الله عز وجل على أعناق المرضى على وجه التبرك بها إذا لم يرد معلقها بتعليقها مدافعة العين. وهذا معناه قبل أن ينزل به شيء من العين. وعلى هذا القول جماعة أهل العلم، لا يجوز عندهم أن يعلق على الصحيح من البهائم أو بني آدم شيء من العلائق خوف نزول العين، وكل ما يعلق بعد نزول البلاء من أسماء الله عز وجل وكتابه رجاء الفرج والبرء من الله تعالى، فهو كالرُّقى المباح الذي وردت السنة بإباحته من العين وغيرها. وقد روى عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا فزع أحدكم في نومه فليقل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وسوء عقابه ومن شر الشياطين وأن يحضرون»تفسير : . وكان عبد الله يعلمها ولده من أدرك منهم، ومن لم يدرك كتبها وعلقها عليه. فإن قيل: فقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من علق شيئا وكل إليه» تفسير : ورأى ابن مسعود على أمّ ولده تميمة مربوطة فجبَذَها جَبْذا شديدا فقطعها وقال: إن آل ابن مسعود لأغنياء عن الشرك، ثم قال: إن التمائم والرقى والتولة من الشرك. قيل: ما التِّوْلَة؟ قال: ما تحببت به لزوجها. وروى عن عقبة بن عامر الجهنى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من علق تميمة فلا أتم الله له ومن علق ودعة فلا ودع الله له قلبا»تفسير : . قال الخليل بن أحمد: التميمة قلادة فيها عوذ، والودعة خرز. وقال أبو عمر: التميمة في كلام العرب القلادة، ومعناه عند أهل العلم ما علق في الأعناق من القلائد خشية العين أو غيرها (من أنواع البلا وكأن المعنى في الحديث من يعلق خشية ما عسى) أن ينزل أو لا ينزل قبل أن ينزل، فلا أتمّ الله عليه صحته وعافيته، ومن تعلق ودعة ـ وهي مثلها في المعنى ـ فلا ودع الله له؛ أي فلا بارك الله له ما هو فيه من العافية. والله أعلم. وهذا كله تحذير مما كان أهل الجاهلية يصنعونه من تعليق التمائم والقلائد، ويظنون أنها تقيهم وتصرف عنهم البلاء، وذلك لا يصرفه إلا الله عز وجل، وهو المعافي والمبتلي، لا شريك له، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كانوا يصنعون من ذلك في جاهليتهم. وعن عائشة قالت: ما تعلق بعد نزول البلاء فليس من التمائم. وقد كره بعض أهل العلم تعليق التميمة على كل حال قبل نزول البلاء وبعده. والقول الأول أصح في الأثر والنظر إن شاء الله تعالى. وما روى عن ابن مسعود يجوز أن يريد بما كره تعليقه غير القرآن أشياء مأخوذة عن العرافين والكهان؛ إذ الاستشفاء بالقرآن معلقا وغير معلق لا يكون شركا، وقوله عليه السلام: «حديث : من علّق شيئا وكل إليه»تفسير : . فمن علّق القرآن ينبغي أن يتولاه الله ولا يكله إلى غيره. لأنه تعالى هو المرغوب إليه والمتوكل عليه في الأستشفاء بالقرآن. وسئل ابن المسيِّب عن التعويذ أيعلّق؟ قال: إذا كان في قصبة أو رقعة يحرز فلا بأس به. وهذا على أن المكتوب قرآن. وعن الضحاك أنه لم يكن يرى بأسا أن يعلّق الرجل الشيء من كتاب الله إذا وضعه عند الجماع وعند الغائط. ورخص أبو جعفر محمد بن علي في التعويذ يعلّق على الصبيان. وكان ابن سيرين لا يرى بأسا بالشيء من القرآن يعلّقه الإنسان. السادسة ــ قوله تعالى: {وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} تفريج الكروب وتطهير العيوب وتكفير الذنوب مع ما تفضل به تعالى من الثواب في تلاوته؛ كما روى الترمذي عن عبد الله ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف بل ألفٌ حرف ولامٌ حرفٌ وميمٌ حرفٌ»تفسير : . قال هذا حديث حسن صحيح غريب وقد تقدم. {وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} لتكذيبهم. قال قتادة: ما جالس أحد القرآن إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، ثم قرأ:«ونُنَزِّلُ مِنَ القُرآنِ مَا هُو شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤمِنِين} الآية ونظير هذه الآية قوله: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِىۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} تفسير : [فصلت: 44] وقيل: شفاء في الفرائض والأحكام لما فيه من البيان.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن كتابه الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد: إنه شفاء ورحمة للمؤمنين، أي: يذهب ما في القلب من أمراض؛ من شك ونفاق وشرك وزيغ وميل، فالقرآن يشفي من ذلك كله، وهو أيضاً رحمة يحصل فيها الإيمان والحكمة، وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه، فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة، وأما الكافر الظالم نفسه بذلك، فلا يزيد سماعه القرآن إلا بعداً وكفراً، والآفة من الكافر، لا من القرآن؛ كقوله تعالى: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِىۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ}تفسير : [فصلت: 44]، وقال تعالى: {أية : وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَـٰناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ } تفسير : [التوبة: 124 - 125] والآيات في ذلك كثيرة. قال قتادة في قوله: {وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}: إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه {وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} أي: لا ينتفع به، ولا يحفظه، ولا يعيه؛ فإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَنُنَزّلُ مِنَ } للبيان { مِنَ ٱلْقُرْءانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ} من الضلالة {وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ } به {وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ } الكافرين {إَلاَّ خَسَارًا } لكفرهم به.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: شفاء من الضلال، لما فيه من الهدى. الثاني: شفاء من السقم، لما فيه من البركة. الثالث: شفاء من الفرائض والأحكام، لما فيه من البيان. وتأويله الرحمة ها هنا على الوجوه الأُوَلِ الثلاثة: أحدها: أنها الهدى. الثاني: أنها البركة. الثالث: أنها البيان. {ولا يزيد الظالمين إلا خساراً} يحتمل وجهين: أحدهما: يزيدهم خساراً لزيادة تكذيبهم. الثاني: يزيدهم خساراً لزيادة ما يرد فيه من عذابهم.
النسفي
تفسير : {وَنُنَزّلُ } وبالتخفيف: أبو عمرو {مِن القرآن} «من» للتبيين {مَا هُوَ شِفَاء } من أمراض القلوب {وَرَحْمَةً } وتفريج للكروب وتطهير للعيوب وتكفير للذنوب {لِلْمُؤْمِنِينَ } وفي الحديث: «حديث : من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله»تفسير : {وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ } الكافرين {إَلاَّ خَسَارًا } ضلالاً لتكذيبهم به وكفرهم {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَـٰنِ } بالصحة والسعة {أَعْرَضَ } عن ذكر الله أو أنعمنا بالقرآن أعرض {وَنَأَى بِجَانِبِهِ } تأكيد للإعراض لأن الإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه والنأي بالجانب أي يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره، أو أراد الاستكبار لأن ذلك من عادة المستكبرين {نأى} بالأمالة: حمزة وبكسرها عليَّ {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ } الفقر والمرض أو نازلة من النوازل {كَانَ يَئُوساً} شديد اليأس من روح الله { قُلْ كُلٌّ } أي كل أحد {يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ } على مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلال {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً } أسد مذهباً وطريقة. {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى} أي من أمر يعلمه ربي، الجمهور على أنه الروح الذي في الحيوان، سألوه عن حقيقته فأخبر أنه من أمر الله أي مما استأثر بعلمه. وعن أبي هريرة: لقد مضى النبي صلى الله عليه وسلم وما يعلم الروح، وقد عجزت الأوائل عن إدراك ماهيته بعد إنفاق الأعمار الطويلة على الخوض فيه. والحكمة في ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له ليدل على أنه عن إدراك خالقه أعجز، ولذا رد ما قيل في حده أنه جسم دقيق هوائي في كل جزء من الحيوان. وقيل: هو خلق عظيم روحاني أعظم من الملك. وعن ابن عباس رضي الله عنهما هو جبريل عليه السلام:{أية : نزل به الروح الأمين على قلبك}تفسير : [الشعراء: 193] وعن الحسن: القرآن دليله: {أية : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا}تفسير : [الشورى:52] ولأن به حياة القلوب و{من أمر ربي} أي من وحيه وكلامه ليس من كلام البشر. ورُوي أن اليهود بعثت إلى قريش أن سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح، فإن أجاب عن الكل أو سكت عن الكل فليس بنبي، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي، فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة فندموا على سؤالهم. وقيل: كان السؤال عن خلق الروح يعني أهو مخلوق أم لا. وقوله: {من أمر ربي} دليل خلق الروح فكان هذا جواباً {وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } الخطاب عام فقد رُويَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك قالوا: نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه فقال: «حديث : بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلاً»تفسير : وقيل: هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة وقد تلوت {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا }تفسير : [البقرة: 269] فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم الله. فالقلة والكثرة من الأمور الإضافية، فالحكمة التي أوتيها العبد خير كثير في نفسها إلا أنها إذا أضيفت إلى علم الله تعالى فهي قليلة. ثم نبه على نعمة الوحي وعزاه بالصبر على أذى الجدال في السؤال بقوله:
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء} من في قوله تعالى من القرآن لبيان الجنس والمعنى: ننزل من هذا الجنس الذي هو القرآن ما هو شفاء أي بيان من الضلالة الجهالة، يتبين به المختلف فيه ويتضح به المشكل، ويستشفى به من الشبهة ويهتدى به من الحيرة وهو شفاء القلوب بزوال الجهل عنها. وقيل: هو شفاء للأمراض الباطنة والظاهرة، وذلك لأنها تنقسم إلى نوعين أحدهما الاعتقادات الباطلة، والثاني الأخلاق المذمومة أما الاعتقادات الباطلة فأشدها فساداً والاعتقادات الفاسدة في الذات والصفات والنبوات والقضاء والقدر والبعث بعد الموت، فالقرآن كتاب مشتمل على دلائل المذهب الحق في هذه الأشياء وإبطال المذاهب الفاسدة، لا جرم، كان القرآن شفاء لما في القلوب من هذا النوع. وأما النوع الثاني: وهو الأخلاق المذمومة فالقرآن مشتمل على التنفير منها، والإرشاد إلى الأخلاق المحمودة والأعمال الفاضلة، فثبت أن القرآن شفاء من جميع الأمراض الباطنة وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية، فلأن التبرك بقراءته يدفع كثيراً من الأمراض. يدل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في فاتحة الكتاب، "حديث : وما يدريك أنها رقية"تفسير : : {ورحمة للمؤمنين} لما كان القرآن شفاء للأمراض الباطنة والظاهرة، فهو جدير بأن يكون رحمة للمؤمنين {ولا يزيد الظالمين إلا خساراً} لأن الظالم لا ينتفع به، والمؤمن ينتفع به فكان رحمة للمؤمنين وخساراً للظالمين، وقيل: لأن كل آية تنزل يتجدد لهم تكذيب بها فيزداد خسارهم قال قتادة: لم يجالس القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان قضاه الله الذي قضى شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً. قوله سبحانه وتعالى: {وإذا أنعمنا على الإنسان} أي بالصحة والسعة {أعرض} أي عن ذكرنا ودعائنا {ونأى بجانبه} أي تباعد منا بنفسه وترك التقرب إلينا بالدعاء وقيل: معناه تكبر وتعظيم {وإذ مسه الشر} أي الشدة والضر {كان} أي يائساً قنوطاً، وقيل: معناه إنه يتضرع ويدعو عند الضر والشدة، فإذا تأخرت الإجابة يئس فلا ينبغي للمؤمن أن يدع الدعاء ولو تأخرت الإجابة. قوله عز وجل {قل كل} أي كل أحد {يعمل على شاكلته} قال ابن عباس: على ناحيته. وقيل: الشاكلة الطريقة أي على طريقته التي جبل عليها، وفيه وجه آخر وهو أن كل إنسان يعمل على حسب جوهر نفسه، فإن كانت نفسه شريفة طاهرة، صدرت عنه أفعال جميلة وأخلاق زكية طاهرة وإن كانت نفسه كدرة خبيثة صدرت عنه أفعال خبيثة فاسدة رديئة {فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً} أي أوضح طريقاً وأحسن مذهباً واتباعاً للحق.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ...} الآية: أي شفاءٌ بحسب إِزالته للرَّيْب، وكشفه غطاء القَلْب، وشفاءٌ أيضاً من الأمراض بالرقى والتعويذِ ونحوه. وقوله سبحانه: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَـٰنِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ }: يحتمل أن يكون {ٱلإِنسَـٰنِ} عامَّا للجنْسِ، فالكافرُ يبالغ في الإِعراض، والعاصي يأخذ بخطٍّ منه وَ(نَأَى) أي: بَعُد، {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ}، أي: على ما يليق به، قال ابن عباس: {عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ } معناه: على ناحيته، وقال قتادة: معناه: على ناحيته وعلى ما ينوي. وقوله سبحانه: {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً } توعُّد بيِّن.
ابو السعود
تفسير : {وَنُنَزّلُ مِنَ ٱلْقُرْءانِ} وقرىء نُنْزل من الإنزال {مَا هُوَ شِفَاء} لِما في الصدور من أدواء الرَّيْب وأسقامِ الأوهام {وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ} به العالِمين بما في تضاعيفه، أي ما هو في تقويم دينِهم واستصلاحِ نفوسِهم كالدواء الشافي للمرضىٰ، ومن بـيانيةٌ قُدِّمت على المبـيَّن اعتناءً فإن كلَّ القرآنِ كذلك، وعن النبـي عليه السلام: « حديث : مَنْ لَمْ يَسْتَشْفِ بالقرآن فلا شفاه الله » تفسير : أو تبعيضةٌ لكن لا بمعنى أن بعضَه ليس كذلك بل بمعنى إنا ننزل منه في كل نَوْبةٍ ما تستدعي الحكمةُ نزولَه حينئذ، فيقع ذلك ممن نزل عليهم بسبب موافقتِه لأحوالهم الداعيةِ إلى نزوله موقعَ الدواءِ الشافي المصادفِ لا بأنه من المرضى المحتاجين إليه بحسب الحالِ من غير تقديمٍ ولا تأخير، فكلُّ بعضٍ منه متصفٌ بالشفاء لكن لا في كل حينٍ بل عند تنزيلِه، وتحقيقُ التبعيضِ باعتبار الشفاءِ الجُسماني كما في الفاتحة وآياتِ الشفاء لا يساعده قوله سبحانه: {وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} أي لا يزيد القرآنُ كلُّه أو كلُّ بعضٍ منه الكافرين المكذبـين به الواضعين للأشياء في غير مواضعِها ـ مع كونه في نفسه شفاءً من الأسقام ـ إلا خَساراً أي هلاكاً بكفرهم وتكذيبِهم لا نقصاناً كما قيل، فإن ما بهم من داء الكفرِ والضلالِ حقيقٌ بأن يعبّر عنه بالهلاك لا بالنقصان المنبىءِ عن حصول بعضِ مبادي الأسقامِ فيهم وزيادتِهم في مراتب الهلاك من حيث أنهم كلما جددوا الكفرَ والتكذيبَ بالآيات النازلةِ تدريجاً ازدادوا بذلك هلاكاً، وفيه إيماءٌ إلى أن ما بالمؤمنين من الشُّبَه والشكوك المعتريةِ لهم في أثناء الاهتداءِ والاسترشادِ بمنزلة الأمراضِ، وما بالكفرة من الجهل العنادِ بمنزلة الموتِ والهلاك، وإسنادُ الزيادة المذكورةِ إلى القرآن مع أنهم هم المُزْدادون في ذلك بسوء صُنعِهم باعتبار كونِه سبباً لذلك، وفيه تعجيبٌ من أمره حيث يكون مداراً للشفاء والهلاك. {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَـٰنِ} بالصحة والنعمة {أَعْرَضَ} عن ذكرنا فضلاً عن القيام بموجب الشكر {وَنَأَى} تباعدَ عن طاعتنا {بِجَانِبِهِ} النأيُ بالجانب أن يَلْويَ عن الشيء عِطفَه ويُولِيَه عُرضَ وجهِه، فهو تأكيدٌ للإعراض أو عبارةٌ عن الاستكبار لأنه من ديدن المستكبرين {وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ} من فقر أو مرض أو نازلةٍ من النوازل، وفي إسناد المِساسِ إلى الشر بعد إسنادِ الإنعامِ إلى ضمير الجلالةِ إيذانٌ بأن الخيرَ مرادٌ بالذات والشرَّ ليس كذلك {كَانَ يَئُوساً} شديدَ اليأس من رَوْحنا، وهذا وصفُ للجنس باعتبار بعضِ أفرادِه ممن هو على هذه الصفةِ، ولا ينافيه قوله تعالى: { أية : وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ} تفسير : [فصلت، الآية 51] ونظائرُه، فإن ذلك شأنُ بعضٍ آخرين منهم، وقيل: أريد به الوليدُ بنُ المغيرة وقرىء (ناء) إما على القلب كما يقال: راءَ في رأي وإما على أنه بمعنى نهض.
القشيري
تفسير : القرآن شفاءٌ من داء الجهل للعلماء، وشفاءٌ من داء الشِّرْكِ للمؤمنين، وشفاءٌ من داء النكرة للعارفين، وشفاء من لواعج الشوق للمحبين، وشفاء من داء الشطط للمريدين والقاصدين، وأنشدوا: شعر : وكُتْبُكَ حَوْلِي لا تفارق مضجعي وفيها شفاءٌ للذي أنا كاتِمُ تفسير : قوله: {وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً}: الخطاب خطابٌ واحد، والكتابُ كتابٌ واحد، ولكنه لقومٍ رحمةٌ وشفاء، ولقوم سخطٌ وشقاء، قومٌ أنار بصائرهم بنور التوحيد فهو لهم شفاء، وقوم أغشي على بصائرهم بستر الجحود فهو لهم شقاء.
اسماعيل حقي
تفسير : {وننزل من القرآن ما هو شفاء} لما فى الصدور من ادواء الريب واسقام الاوهام {ورحمة للمؤمنين} به فانهم ينتفعون به ومن بيانية قدمت على المبين اعتناء فان كل القرآن فى تقويم دين المؤمنين واستصلاح نفوسهم كالدواء الشافى للمرضى {ولا يزيد الظالمين الا خسارا} اى لا يزيد القرآن الكافرين المكذبين به الواضعين للاشياء فى غير مواضعها مع كونه فى نفسه شفاء من الاسقام الا هلاكا بكفرهم وتكذيبهم. وفيه ايماء الى ان ما بالمؤمنين من الشبه والشكوك المعترية لهم فى اثناء الاهداء والاسترشاد بمنزلة الامراض وما بالكفرة من الجهل والعناد بمنزلة الموت والهلاك. وفيه تعجيب من امره حيث يكون مدارا للشفاء والهلاك كبعض المطر يكون در او سما باستعداد المحل وعدم استعداده: قال الحافظ شعر : كوهر باك ببابدكه شود قابل فيض ورنه هرسنك وكلى لؤلؤ ومرجان نشود تفسير : واعلم ان القرآن شفاء للمرض الجسمانى ايضا روى انه مرض للاستاذ ابى القاسم القشيرى قدس سره ولد مرضا شديدا بحيث ايس منا فشق ذلك على الاستاذ فرأى الحق سبحانه فى المنام فشكا اليه فقال الحق تعالى اجمع آيات الشفاء واقرأها عليه واكتبها فى اناء واجعل فيه مشروبا واسقه اياه ففعل ذلك فعوفى الولد وآيات الشفاء فى القرآن ست {أية : ويشف صدور قوم مؤمنين}*{أية : شفاء لما فى الصدور}*{أية : فيه شفاء للناس}*{أية : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين}*{أية : واذا مرضت فهو يشفين}*{أية : قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء} تفسير : قال تاج الدين السبكى رحمه الله فى طبقاته ورأيت كثيرا من المشايخ يكتبون هذه الآيات للمريض ويسقاها فى الاناء طلبا للعافية وقوله عليه السلام "من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله يشمل الاستشفاء به للمرض الجسمانى والروحانى. قال الشيخ التميمى رحمه الله فى خواص القرآن اذا كتبت الفاتحة فى اناء طاهر ومحيت بماء طاهر وغسل المريض وجهه عوفى باذن الله فاذا شرب من هذا الماء من يجد فى قلبه تقلبا او شكا او رجيفا او خفقانا يسكن باذن الله وزال عنه الماء واذا كتبت بمسك فى اناء زجاج ومحيت بماء ورد وشرب ذلك الماء البليد الذى لا يحفظ يشربه سبعة ايام زالت بلادته وحفظ ما يسمع. فعلى العاقل ان يتمسك بالقرآن ويداوى به مرضه وقد ورد (القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم اما داؤكم فذنوبكم واما دواؤكم فالاستغفار) فلا بد من معرفة المرض اولا فانه ما دام لم يعرف نوعه لا تتيسر المعالجة واهل القرآن هم الذين يعرفون ذلك فالسلوك بالوسيلة اولى.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {من}: للبيان، قدمت على المُبيّن؛ اعتناء، فالقرآن كله شفاء. وقيل: للتبعيض، والمعنى: أن منه ما يشفي من المرض الحسي، كالفاتحة وآية الشفاء، ومن المرض المعنوي، كآيات كثيرة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ونُنزِّلُ من القرآنِ ما هو شفاءٌ} لما في الصدور، ومن سقام الريب والجهل، وأدواء الأوهام والشكوك، {ورحمة للمؤمنين} به، العالِمين بما احتوى عليه من عجائب الأسرار وغرائب العلوم، المستعملين أفكارهم وقرائحهم في الغوص على درره ويواقيته، أي: وننزل ما هو تقويم دينهم واستصلاح نفوسهم، ورفع الأوهام والشكوك عنهم، كالدواء الشافي للمرض، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من لم يستشف بالقرآن لا شفاه الله"تفسير : . {ولا يزيدُ الظالمين}؛ الكافرين المكذبين، الواضعين الأشياء في غير محلها، مع كونه في نفسه شفاء من الأسقام، {إلا خسارًا}؛ إلا هلاكًا بكفرهم وتكذيبهم به. ولا يفسر الخسران هنا بالنقصان؛ فإن ما بهم من داء الكفر والضلال حقيق بأن يُعبّر عنه بالهلاك، لا بالنقصان المنبئ عن حصول بعض مبادئ الإسلام، فهم في الزيادة في مراتب الهلاك، من حيث إنهم، كلما جدّدوا الكفر والتكذيب بالآيات النازلة ازدادوا بذلك هلاكًا. وفيه إيماء إلى أن ما بالمؤمنين من الشُّبَه والشكوك المعترية لهم في أثناء الاهتداء والاسترشاد، بمنزلة الأمراض، وما بالكفرة؛ من الجهل والعناد بمنزلة الموت والهلاك، وإسناد زيادة الخسران إلى القرآن، مع أنهم هم المزدادون في ذلك بسوء صنيعهم؛ باعتبار كونه سببًا لذلك، حيث كذَّبوا به، وفيه تعجيب من أمره؛ حيث جعله مدار الشفاء والهلاك. قاله أبو السعود. الإشارة: لا يحصل الاستشفاء بالقرآن إلا بعد التصفية والتطهير للقلب، بالتخلية والتحلية، على يد شيخ كامل، عارف بأدواء النفوس، حتى يتفرغ القلب من الأغيار والأكدار، ويذهب عنه وساوس النفوس وخواطر القلوب؛ ليتفرغ لسماع القرآن والتدبر في معانيه. وأما إن كان القلب محشوًا بصور الأكوان، مصروفًا إلى الخواطر والأغيار، لا يذوق له حلاوة، ولا يدري ما يقول، فلا يهتدي لما فيه من الشفاء، إذ لا يستشفي بالقرآن إلا من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ولأجل ذلك كان من شأن شيوخ التربية أن يأمروا المريد بالذكر المجرد، حتى تُشرق عليه أنواره، وتذهب به عنه أغياره. وحينئذ يأمره بتلاوة القرآن؛ ليذوق حلاوته، فإذا كمل تطهيره، تمتع بحلاوة شهود المتكلم، فيسمعه من الحق بلا واسطة، وهو المراد بالرحمة المذكورة بعد الشفاء. والله تعالى أعلم. وإذا أدرك العبد هذه النعمة العظمى وجب عليه دوام الشكر
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى: أنه أنزل القرآن وفيه شفاء، ووجه الشفاء فيه من وجوه: أحدها - ما فيه من البيان الذي يزيل عمى الجهل وحيرة الشك. وثانيها - أنه من جهة نظمه وتأليفه يدل على انه معجز دال على صدق من ظهر على يده. وثالثها - انه يتبرك به فيدفع به كثيراً من المكاره والمضار، على ما يصح ويجوز في مقتضى الحكمة. ورابعها - ما في العبادة بتلاوته من الصلاح الذي يدعو الى امثاله بالمشاكلة التي بينه وبينه الى غير ذلك. ثم قال: {ولا يزيد الظالمين} يعني القرآن لا يزيد الظالمين بمعنى انهم لا يزدادون عنده {إلا خساراً} يعني يخسرون ثوابهم ويستحقون العقاب لكفرهم به وحرمان أنفسهم تلك المنافع التي فيه، صار كأنه يزيد هؤلاء خسراناً بدل زيادة المؤمنين تقى وايماناً. ثم قال: {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض} أي ولىّ عرضه، كأنه لم يقبل علينا بالدعاء والابتهال، وباعد عن انعامنا عليه بضروب النعم، فلا يشكرها، كما اعرض عن النعمة بالقرآن. وقوله: {ونأى بجانبه} أي بعد بنفسه عن القيام بحقوق نعم الله. وقال مجاهد: معناه تباعد منا {وإذا مسه الشر كان يئوساً} يعني اذا لحق الانسان شر وبلاء {كان يئوساً} اي قنوطاً من رحمة الله، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم قل لهم: {كلٌّ يعمل على شاكلته} أي على طريقته التي تشاكل اخلاقه. وقال مجاهد: على طبيعته. وقيل على عادته التي ألفها. والمعنى انه ينبغي للانسان ان يحذر إِلف الفساد فلا يستمر عليه، بل يرجع عنه. ثم قال: {وربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً} يعني انه عالم بمن يهتدي الى الحق ممن يسلك طريق الضلال، لا يخفى عليه شيء من أحوالهم. وأَمال حمزة والكسائي {ونأى بجانبه} بكسر النون والهمزة، وأمالوا الياء، وأمالوا النون لمجاورة الهمزة، لأنها من حروف الحلق، كما يقولون: رغيف وشعير وبعير بكسر أولهن. وقرأ ابن عامر {وناء بجانبه} من ناء ينوء، فانقلبت الواو الفاً لانفتاح ما قبلها، ومدّت الالف تمكيناً للهمزة. وقرأ ابو عامر عن عاصم وابو عمرو - في رواية عياش - "ونئي" بفتح النون وكسر الهمزة ممالاً ومثل ذلك رأى ورئي، وراء ورأه في القلب، فاذا قالوا فعلت، قالوا رأيت بلا خلاف. وانشد المبرد حاكياً عن ابي عبيد: شعر : أغلام معلل راء رؤياً فهو يهذي بما رأى في المنام
الجنابذي
تفسير : {وَنُنَزِّلُ} عطف على جاء الحقّ فيكون من جملة مقوله (ص) يعنى قل بعد مجيء الحقّ وزهوق الباطل ننزّل بصيغة الجماعة تعظيماً لشأنك فانّك بعد مجيء الحقّ تصير متّحداً مع الولاية المطلقة الّتى هى المشيّة الّتى هى كلّ الموجودات بوجهٍ او تشريكاً لنفسك مع الحقّ النّازل ان كنت ترى نفسك فى البين، او قل بلسانٍ صار لسان الله ننزّل، او هو كلام من الله وعطف باعتبار المعنى كأنّه قال: ننزّل الحقّ ونظهر زهوق الباطل وننزّل بعد ذلك {مِنَ ٱلْقُرْآنِ} من للتّبعيض والظّرف حال ممّا بعده او من ابتدائيّة والظّرف صلة لننزّل والمراد بالقرآن صورة الكتاب التّدوينىّ او مقام الجمع الّذى هو المقام المحمود {مَا هُوَ شِفَآءٌ} للابدان والارواح من كلّ آفة وداء فانّ المنزل من مقام الجمع اذا كان المنزل عليه الّذى هو الواسطة بين مقام الجمع والخلق مطهّراً من النّقص والآفة كان شفاء من كلّ داء لمن استشفى به واتّصل بالمنزّل عليه {وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً} لانّهم كالعذرة لا يزيدها كثرة اشراق الشّمس الاّ العفونة. روى فى طبّ الائمّة عن الصّادق (ع): ما اشتكى احد من المؤمنين شكايةً قطّ وقال باخلاص نيّةٍ ومسح موضع العلّة: {وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً} الاّ عوفى من تلك ايّة علّة كانت؛ ومصداق ذلك فى الآية حيث يقول: شفاء ورحمة للمؤمنين. وعنه (ع) لا بأس بالرّقية والعوذة والنّشرة اذا كانت من القرآن.
اطفيش
تفسير : {وَنُنَزِّلُ} وقرأ أبو عمرو بن عامر بإِسكان النون الثانية وتخفيف الزاى. {مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ} أى ما هو فى تقويم دينهم واصلاح نفوسهم كالدواء الشافى للمريض {وَرحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِيْنَ} نعمة لهم ينتفعون به دنيا وأخرى، ومن للبيان لأَن القرآن كله شفاء ورحمة، وقيل للتبعيض، والمعنى أن منه ما هو شفاء يرحم به من الضر كالفاتحة وآيات الشفاء للمرض ولا إِله إلا أنت سبحانك إِنى كنت من الظالمين لكل كربة وسورة يس لما قرئت له وعنه - صلى الله عليه وسلم - من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله، والقرآن شفاء لأَمراض الجسم وأمراض القلب بالاعتقاد الباطل كإِنكار البعث والقدر والأَخلاق الذميمة الصادرة وآثارها من اللسان والجوارح ويجوز كون الرحمة هى الشفاء بمعنى أن إِنزال ما هو شفاء للمؤمنين رحمة لهم إِذ لم يتركهم بلا شفاء. {وَلاَ يَزِيدُ} القرآن أو لا يزيد ما هو شفاء ورحمة وهو القرآن كله، على أن من للبيان أو لا يزيدهم بعضه الذى هو شفاء وأخرى أن لا يزيدهم البعض الآخر، فإِنه إِذا لم يزدهم ما هو منه فى غاية من الإِرشاد والصلاح حتى تأَثر فى الأَمراض الجسمية فأَولى أن لا يزيدهم البعض الآخر على أن من للتبعيض. {الظَّالِمِينَ} الكافرين. {إلاَّ خَسَاراً} لكفرهم به وكل ما سمعوا بنزول أو شئ منه أو تلاوة شئ منه كذبوا به والتكذيب به خسار فخسارهم يتجدد بتجدد النزول وتجدد السماع أو لأَن المؤمن ينتفع بالقرآن ويربح به أمر الدين والدنيا والكافر لا يربح به ولا ينتفع فذلك خساره. قال قتادة: لم يجالس القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة ونقص قضاء الله الذى قضى شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً.
اطفيش
تفسير : {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ} فى الدين {وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} دنيا وأخرى، ومن للابتداء، فكل ما جاء من القرآن إِلى سيدنا محمد، فهو شِفاء ورحمة للمؤمنين، أو للتبعيض، فكل بعض جاء منه، فهو شفاء ورحمة إِلى أن تتم أبعاضه، أو للبيان، وأنكره أبو حيان لتقدمها على المبين، وأجازها فى غير ذلك، ولم يمنع من البيانية مطلقا أو أنها للتبعيض على معنى أن بعضه للشفاء من المرض كالفاتحة، وآيات الشفاء وهن ست: "أية : ويشف صدور"تفسير : [التوبة: 14] إِلخ "أية : وشفاء لما فى الصدور" تفسير : [يونس: 57] "أية : فيه شفاء للناس"تفسير : [النحل: 69] {وننزل من القرآن} إِلخ "أية : وإذا مرضت"تفسير : [الشعراء: 80] إِلخ "أية : قل هو للذين آمنوا هدًى وشفاء" تفسير : [فصلت: 44]. أصاب ولدَ القشيرى مرض أشفى به على الهلاك، فقيل له فى المنام: اكتبهن فى إناء واجعل فيه مشروبًا واسقه يبرأ، ففعل، فبرئ بإذن الله عز وجل، والله لا يرى فى المنام ولا فى اليقظة، وكفر من قال بغير ذلك. والتحقيق فى تفسير الآية أن القرآ، شبيه بالدواء للمريض، والجهل وسوء الاعتقاد شبيه بالمرض، فهو مزيل لأمراض القلب، وهذا أولى، لأن القرآن نزل بالذات لذلك، وأما شفاء المرض فتابع إذا توسل به من قلب صفى. وتداوَى صحابى بالفاتحة، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أدراك أنها رقية وصدقة"تفسير : وأجاز له. ويجوز الاستشفاء بالقرآن تعليقًا وغسلا ومسحًا بالغسالة وشرباً، ولو بفعل الإنسان ذلك بنفسه لنفسه، كما كان صلى الله عليه وسلم يقرأ وينفث فى يديه ويمسح بهما جسده، وينزع ما علق إِذا أراد الكنيف أو الجماع أو يستره. كما ورد أنه صلى الله عليه وسلم يخفى نقش خاتمه إلى باطن كفه عند قضاء حاجة الإنسان، ولا يكتب دفعا لمرض قبل نزوله وأجازه بعض كما جاز الدعاء. ونهى صلى الله عليه وسلم عن النشرة يعنى ما تكتبه الجاهلية لا معناه، وفى الخبر: "لا شفى الله من لم يستشف من القرآن" ووجه كون القصص والأخبار شفاء لمرض القلب أنها تتضمن الثواب والعقاب فى الدنيا، وكشف الغيب، وتفيد الاتعاظ بها، والثواب بقراءتها. {وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا} لتكذيبهم به، إِذ كلما نزل شئ منه كذبوا به، فذلك زيادة خسائر وهو فساد الدين، بخلاف المؤمنين، فكلما نزل شئ منه آمنوا به، فذكر رحمة بازدياد الإيمان والثواب، وأيضا عدم انتفاع الكافر به خسار. وعن قتادة: لم يجالس القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقص، قضى الله الذى قضى {شفاء ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إِلا خساراً}. شعر : كماء صار فى الأصداف درًّا وفى ثغر الأفاعى صار سمًا تفسير : وفى ذكر الشفاء رمز إلى الاستعارة بالكناية، أو فى لفظ شفاء استعارة تصريحية.
الالوسي
تفسير : {وَنُنَزّلُ مِنَ ٱلْقُرْءانِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ} أي ما هو في تقويم دينهم واستصلاح نفوسهم كالدواء الشافي للمرضى. و {مِنْ} للبيان وقدم اهتماماً بشأنه، وأنكر أبو حيان جواز التقديم واختار هنا كون (من) لابتداء الغاية وهو إنكار غير مسموع فيفيد أن كل القرآن كذلك. وفي الخبر «من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله تعالى» أو للتبعيض ومعناه على ما في «الكشف» وننزل ما هو شفاء أي تدرج في نزوله شفاء فشفاء وليس معناه أنه منقسم إلى ما هو شفاء وليس بشفاء والمنزل الأول كما وهم الحوفي فأنكر جواز إرادة التبعيض وإنما المعنى أن ما لم ينزل بعد ليس بشفاء للمؤمنين لعدم الاطلاع وأن كل ما ينزل فهو شفاء لداء خاص يتجدد نزول الشفاء كفاء تجدد الداء. وفيه أيضاً أن هذا الوجه أوفق لمقتضى المقام ولا يخفى عليك بعده ولذا اختير في توجيه التبعيض أنه باعتبار الشفاء الجسماني وهو من خواص بعض دون بعض. ومن البعض الأول الفاتحة وفيها آثار مشهورة، وآيات الشفاء وهي ست {أية : وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [التوبة: 14] {أية : شِفَآء لِمَا فِى ٱلصُّدُورِ} تفسير : [يونس: 57] {أية : فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ}تفسير : [النحل: 69] {وَنُنَزّلُ مِنَ ٱلْقُرْءانِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ} {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ }تفسير : [الشعراء: 80] {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ هُدًى وَشِفَاء} تفسير : [فصلت: 44]. قال السبكي: وقد جربت كثيراً. وعن القشيري أنه مرض له ولد أيس من حياته فرأى الله تعالى في منامه فشكى له سبحانه ذلك فقال له: اجمع آيات الشفاء واقرأها عليه أو اكتبها في إناء واسقه فيه ما محيت به ففعل فشفاه الله تعالى. والأطباء معترفون بأن من الأمور والرقى ما يشفي بخاصية روحانية كما فصله الأندلسي في «مفرداته»، وكذا داود في المجلد الثاني من «تذكرته»، ومن ينكر لا يعبأ به. نعم اختلف العلماء في جواز نحو ما صنعه القشيري عن الرؤيا وهو نوع من النشرة وعرفوها بأنها أن يكتب شيء من أسماء الله تعالى أو من القرآن ثم يغسل بالماء ثم يمسح به المريض أو يسقاه فمنع ذلك الحسن والنخعي ومجاهد، وروى أبو داود من حديث جابر حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة فقال: هي من عمل الشيطانتفسير : . وأجاز ذلك ابن المسيب. والنشرة التي قال فيها صلى الله عليه وسلم ما قال هي النشرة التي كانت تفعل في الجاهلية وهي أنواع، منها ما يفعله أهل التعزيم في غالب الإعصار من قراءة أشياء غير معلومة المعنى ولم تثبت في السنة أو كتابتها وتعليقها أو سقيها، وقال مالك: لا بأس بتعليق الكتب التي فيها أسماء الله على أعناق المرضى على وجه التبرك بها إذا لم يرد معلقا بذلك مدافعة العين، وعنى بذلك أنه لا بأس / بالتعليق بعد نزول البلاء رجاء الفرج والبرء كالرقي التي وردت السنة بها من العين، وأما قبل النزول ففيه بأس وهو غريب، وعند ابن المسيب يجوز تعليق العوذة من كتاب الله تعالى في قصبة ونحوها وتوضع عند الجماع وعند الغائط ولم يقيد بقبل أو بعد، ورخص الباقر في العوذة تعلق على الصبيان مطلقاً، وكان ابن سيرين لا يرى بأساً بالشيء من القرآن يعلقه الإنسان كبيراً أو صغيراً مطلقاً، وهو الذي عليه الناس قديماً وحديثاً في سائر الأمصار لكن توجيه التبعيض بما ذكر لا يساعده قوله سبحانه: {وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} أي لا يزيد القرآن كله أو كل بعض منه الكافرين المكذبين به الواضعين للأشياء في غير موضعها مع كونه في نفسه شفاء لما في الصدور من أدواء الريب وأَسقام الأوهام إلا خساراً أي هلاكاً بكفرهم وتكذيبهم وزيادتهم من حيث أنهم كلما جددوا الكفر والتكذيب بالآية النازلة تدريجاً ازدادوا بذلك هلاكاً. وفسر بعضهم الخسار بالنقصان. ورجح أبو السعود الأول ((بأن ما بهم من داء الكفر والضلال حقيق بأن يعبر عنه بالهلاك لا بالنقصان المنبىء عن حصول بعض مبادىء الإسلام فيهم، وفيه كما قال إيماء إلا أن ما بالمؤمنين من الشبه والشكوك المعترية لهم في أثناء الاهتداء والاسترشاد بمنزلة الأمراض، وما بالكفرة من الجهل والعناد بمنزلة الموت والهلاك. وإسناد الزيادة المذكورة إلى القرآن مع أنهم المزدادون في ذلك لسوء صنيعهم باعتبار كونه سبباً لذلك، وفيه تعجيب من أمره من حيث كونه مداراً للشفاء والهلاك)):شعر : كماء صار في الأصداف دراً وفي ثغر الأفاعي صار سما تفسير : هذا وربما يقال: إن انقسام القرآن إلى ما هو شفاء من أدواء الريب وأسقام الوهم وإلى ما ليس كذلك مما لا ينبغي أن يكون فيه ريب لأن الشافي من أدواء الريب إنما هو الأدلة كالآيات الدالة على بطلان الشرك وثبوت الوحدانية له تعالى وكالآيات الدالة على إمكان الحشر الجسماني وليس كل آيات القرآن كذلك فإن منه ما هو أمر بصلاة وصوم وزكاة ومنه ما هو نهي عن قتل وزنى وسرقة ونحو ذلك وهو لا يشفى به أدواء الريب وأسقام الوهم وكذا آيات القصص، نعم فيما ذكر نفع غير الشفاء من تلك الأدواء فهو رحمة وحينئذ يقال في الآية حذف أي ننزل من القرآن ما هو شفاء وما هو رحمة على معنى ننزل من القرآن آيات هي شفاء وآيات هي رحمة. وفيه أن الريب غير مختص فيما يتعلق بالله عز وجل وبإمكان الحشر بل يكون أيضاً في الرسالة وصدقه صلى الله عليه وسلم في دعواها، وما من آية في القرآن إلا وهي مستقلة أو لها دخل في الشفاء من ذلك الداء لما فيها من الإعجاز وكذا ما من آية إلا وفيها نفع من جهة أخرى فكل آية رحمة كما أن كلها شفاء لكن كونه رحمة بالنسبة إلى كل واحد واحد من المؤمنين إذ كل مؤمن ينتفع به نوعاً من الانتفاع وكونه شفاء بالفعل بالنسبة إلى من عرض له شيء من أدواء الريب وإسقام الوهم وليس كل المؤمنين كذلك، والقول بأن كلاً كذلك في أول الإيمان غير مسلم ولا يحتاج إليه كما لا يخفى. والإمام عمم شفائيته وقد أحسن فقال: هو شفاء للأمراض الروحانية وهي نوعان اعتقادات باطلة وأخلاق مذمومة فلاشتماله على الدلائل الحقة الكاشفة عن المذاهب الباطلة في الإلٰهيات والنبوات والمعاد والقضاء والقدر المبينة لبطلانها يشفي عن النوع الأول من الأمراض ولاشتماله على تفاصيل الأخلاق المذمومة وتعريف / ما فيها من المفاسد والإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة والأعمال المحمودة يشفي عن النوع الآخر، والشفاء إشارة إلى التخلية والرحمة إشارة إلى التحلية ولأن الأولى أهم من الثانية قدم الشفاء على الرحمة فتأمل والله تعالى الموفق. وقرأ البصريان {نُنَزّلُ} بالنون والتخفيف. وقرأ مجاهد بالياء والتخفيف ورواها المروزي عن حفص. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {شفاء ورحمة} بنصبهما، قال أبوحيان: ((ويتخرج ذلك على أنهما حالان والخبر (للمؤمنين) والعامل في الحال ما في الجار والمجرور من الفعل، ونظير ذلك {أية : وَٱلسَّمَـٰوٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌ بِيَمِينِهِ}تفسير : [الزمر:67] في قراءة نصب {مَطْوِيَّـٰتٌ} وقول الشاعر:شعر : رهط ابن كوز محقبـي أدراعهم فيهم ورهط ربيعة بن حذار تفسير : ثم قال: وتقديم الحال على العامل فيه من الظرف لا يجوز إلا عند الأخفش، ومن منع جعله منصوباً على إضمار أعني))، وأنت تعلم أن من يجوز مجيء الحال من المبتدأ لا يحتاج إلى ذلك.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : وقل جاء الحق وزهق الباطل}تفسير : [الإسراء: 81] على ما في تلك الجملة والجمل التي سبقتها من معنى التأييد للنبيء ومن الإغاظة للمشركين ابتداء من قوله: {أية : وإن كادوا ليفتنونك عن الذين أوحينا إليك}تفسير : [الإسراء: 73]. فإنه بعد أن امتن عليه بأن أيده بالعصمة من الركون إليهم وتبشيره بالنصرة عليهم وبالخلاص من كيدهم، وبعد أن هددهم بأنهم صائرون قريباً إلى هلاك وأن دينهم صائر إلى الاضمحلال، أعلن له ولهم في هذه الآية: أن ما منه غيظهم وحنقهم، وهو القرآن الذي طمعوا أن يسألوا النبي أن يبدله بقرآن ليس فيه ذكر أصنامهم بسوء، أنه لا يزال متجدداً مستمراً، فيه شفاء للرسول وأتباعه وخسارة لأعدائه الظالمين، ولأن القرآن مصدرُ الحق ومَدحَض الباطل أعقب قولُه: {أية : جاء الحق وزهق الباطل} تفسير : [الإسراء: 81] بقوله: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة} الآية. ولهذا اختير للإخبار عن التنزيل الفعل المضارع المشتق من فَعَّلَ المضاعف للدلالة على التجديد والتكرير والتكثير، وهو وعد بأنه يستمر هذا التنزيل زمناً طويلاً. و{ما هو شفاء} مفعول {ننزل}. و{من القرآن} بيان لما في (ما) من الإبهام كالتي في قوله تعالى: {أية : فاجتنبوا الرجس من الأوثان}تفسير : [الحج: 30]، أي الرجس الذي هو الأوثان. وتقديم البيان لتحصيل غرض الاهتمام بذكر القرآن مع غرض الثناء عليه بطريق الموصولية بقوله: {ما هو شفاء ورحمة} إلخ، للدلالة على تمكن ذلك الوصف منه بحيث يعرف به. والمعنى: ننزل الشفاء والرحمة وهو القرآن. وليست (مِن) للتبعيض ولا للابتداء. والشفاء حقيقته زوال الداء، ويستعمل مجازاً في زوال ما هو نقص وضلال وعائق عن النفع من العقائد الباطلة والأعمال الفاسدة والأخلاق الذميمة تشبيهاً له ببرء السقم، كقول عنترة: شعر : ولقد شَفَى نفسي وابرأ سُقمها قيلُ الفوارس: ويْكَ عنترَ قَدّمِ تفسير : والمعنى: أن القرآن كله شفاءً ورحمة للمؤمنين ويزيد خسارة للكافرين، لأن كل آية من القرآن من أمره ونهيه ومواعظه وقصصه وأمثاله ووعده ووعيده، كل آية من ذلك مشتملة على هَديٍ وصلاحِ حالٍ للمؤمنين المتبعينَه، ومشتملة بضد ذلك على ما يزيد غيظ المستمرين على الظلم، أي الشرك، فيزدادون بالغيظ كراهية للقرآن فيزدادون بذلك خساراً بزيادة آثامهم واستمرارهم على فاسد أخلاقهم وبُعْدِ ما بينهم وبين الإيمان. وهذا كقوله: {أية : فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون} تفسير : [التوبة: 124-125]. وفي الآية دليل على أن في القرآن آيات يشتفى بها من الأدواء والآلام ورد تعيينها في الأخبار الصحيحة فشملتها الآية بطريقة استعمال المشترك في معنييه. وهذا مما بينا تأصيله في المقدمة التاسعة من مقدمات هذا التفسير. والأخبار الصحيحة في قراءة آيات معينة للاستشفاء من أدواء موصوفة بله الاستعاذة بآيات منه من الضلال كثيرة في صحيح البخاري و «جامع الترمذي» وغيرهما، وفي الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخُدْري ــــ رضي الله عنه ــــ قال: «حديث : بعثنا رسول الله في سرية ثلاثين راكباً فنزلنا على قوم من العرب فسألناهم أن يضيفونا فأبوا فلُدغ سيد الحَيّ فأتونا، فقالوا: أفيكم أحد يَرقي من العقرب؟ قال: قلت: نعم ولكن لا أفعل حتى يُعطونا، فقالوا: فإنا نعطيكم ثلاثين شاة، قال: فقرأت عليه فاتحة الكتاب سبع مرات فبرأ»تفسير : الحديث. وفيه: «حديث : حتى أتينا رسول الله فأخبرته فقال: وما يُدريكَ أنها رُقْيَة، قلت: يا رسول الله شيءٌ ألقي في روعي (أي إلهام ألهمه الله)، قال: كلوا وأطعمونا من الغنم»تفسير : . فهذا تقرير من النبي صلى الله عليه وسلم بصحة إلهام أبي سعيد ــــ رضي الله عنه ــــ.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا في أول "سورة البقرة" الآيات المبينة لهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة. كقوله: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ}تفسير : [التوبة:124-125]، وقوله: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى}تفسير : [فصلت:44] كما تقدم إيضاحه. وقوله في هذه الآية {مَا هُوَ شِفَآءٌ} يشمل كونه شفاء للقلب من أمراضه. كالشك والنفاق وغير ذلك. وكونه شفاء للأجسام إذا رقى عليها به. كما تدل له قصة الذي رقى الرجل اللديغ بالفاتحة، وهو صحيحة مشهورة. وقرأ أبو عمرو {وَنُنَزِّلُ} بإسكان النون وتخفيف الزاي. والباقون بفتح النون وتشديد الزاي. والعلم عند الله تعالى.
القطان
تفسير : {وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ...}. نأى بجانبه: استكبر. شاكلته: مذهبه وطريقته. يئوسا: شديد اليأس. أهدى سبيلا: اقوم طريقا. وننزل عليك ايها الرسول من القرآن ما هو شفاء لأدواء النفوس ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين الا خسرانا لكفرهم وعنادهم. واذا انعمنا على الانسان بالصحة والسعة بطر واستكبر وبعُدَ كأنه مستغن عنا، واذا اصابته مصيبة كان كثير اليأس والقنوط من رحمة الله. ولما ذكر حال الضالين والمهتدين ختم ببيان ان كلاً يسير على مذهبه فقال: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ.....}. قل أيها النبي: كل منا يعمل ويسير على طريقته، وعلى ما طُبع عليه من الخير والشر، وربكم أعلم من كل واحد بمن هو سائر على الطريق المستقيم. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ...}. ويسألك قومك عن حقيقة الروح، قل الروح من علم ربي الذي استأثر به، وما مُنحتم من العلم الا شيئا قليلا. قراءات: قرأ حمزة والكسائي "ونأى بجانبه" بالامالة. وقرأ ابن عامر: "وناء بجانبه" من الفعل ناء ينوء.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْقُرْآنِ} {ٱلظَّالِمِينَ} (82) - وَنُنَزِّلُ عَلَيْكَ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ مِنَ القُرْآنِ مَا يُسْتَشْفَى بِهِ مِنَ الجَهْلِ وَالضَّلاَلِ، وَمَا يُذْهِبُ مَا فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ مِنْ أَْمْرَاضِ الشَّكِّ وَالنِّفَاقِ، وَالشِّرْكِ وَالزَّيْغِ، وَيَشْفِي مِنْهَا، وَهُوَ رَحْمَةُ لِمَنْ آمَنَ بِهِ، وَعَمِلَ بَأَوَامِرِهِ، وَاجْتَنَبَ نَوَاهِيهِ. أَمَّا الكَافِرُونَ الظَّالِمُونَ أَنْفُسَهُمْ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يَزِيدُهُمْ سَمَاعُ القُرْآنِ إِلاّ بُعْداً عَنِ الإِيمَانِ وَكُفْراً، وَعُتُوّاً وَخَسَاراً، لأَِنَّهُمْ قَدْ طُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ. خَسَاراً - هَلاَكاً بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الآية تُعطينا نموذجين لتلقِّي القرآن: إنْ تلقَّاه المؤمن كان له شفاء ورحمة، وإنْ تلقّاه الظالم كان عليه خَسَار، والقرآن حَدَّدَ الظالمين لِيُبَيِّن أن ظلمهم هو سبب عدم انتفاعهم بالقرآن؛ لأن القرآن خير في ذاته وليس خساراً. وقد سبق أن أوضحنا أن الفعل قد يكون واحداً، لكن يختلف القابل للفعل، ويختلف الأثر من شخص لآخر، كما أن الماء الزلال يشربه الصحيح، فيجد له لذة وحلاوة ويشربه العليل فيجده مُرَّاً مائعاً، فالماء واحد لكن المنفعل للماء مختلف. كذلك أكل الدَّسم، فإنْ أكله الصحيح نفعه، وزاد في قوته ونشاطه، وإنْ أكله السقيم زاده سُقْماً وجَرَّ عليه علة فوق عِلّته. وقد سبق أن أوضحنا في قصة إسلام الفاروق عمر - رضي الله عنه - أنه لما تلقَّى القرآن بروح الكفر والعناد كَرهه ونَفَر منه، ولما تلقاه بروح العطف والرِّقّة واللين على أخته التي شجَّ وجهها أعجبه فآمن. إذن: سلامة الطبع أو فساده لها أثر في تلقِّي القرآن والانفعال به. وما أشبه هذه المسألة بمسألة التفاؤل والتشاؤم، فلو عندك كوب ماءٍ قد مُلِئ نصفه، فالمتفائل يُلفِت نظره النصف المملوء، في حين أن المتشائم يُلفِت نظره النصف الفارغ، فالأول يقول: نصف الكوب ممتلئ. والآخر يقول: نصف الكوب فارغ، وكلاهما صادق لكن طبعهما مختلف. وقد عالج القرآن مسألة التلقِّي هذه في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ}تفسير : [التوبة: 124-125]. فالآية واحدة، لكن الطبع المستقل مختلف، فالمؤمن يستقبلها بمَلكاتٍ سليمة، فيزداد بها إيماناً، والكافر يستقبلها بملكَات فاسدة فيزدادَ بها كفراً، إذن: المشكلة في تلقّي الحقائق واستقبالها أن تكون ملكاتُ التلقي فاسدة. ومن هنا نقول: إذا نظرتَ إلى الحق، فإياك أنْ تنظره وفي جوفك باطل تحرص عليه، لا بُدَّ أن تُخرِج ما عندك من الباطل أولاً، ثم قارن وفاضل بين الأمور. وكذلك جاءت هذه المسألة في قول الله تعالى:{أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ * وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ}تفسير : [محمد: 16-17]. وقولهم:{أية : مَاذَا قَالَ آنِفاً ..}تفسير : [محمد: 16] دليل على عدم اهتمامهم بالقرآن، وأنه شيء لا يُؤْبَهُ له. وكذلك في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ..}تفسير : [فصلت: 44]. ومثالٌ لسلامة التلقّي من حياتنا المعاصرة إرسال التلفاز مثلاً، فقد تستقبله أنت في بيتك فتجده واضحاً في حَلْقة من الحلقات أو برنامج من البرامج، فتتمتع بما شاهدت، ثم تقابل صديقاً فيشكو لك سوء الإرسال وعدم وضوح الصورة فيؤكد لك سلامة الإرسال، إلا أن العيب في جهاز الاستقبال عندك، فعليك أولاً أن تضبط جهاز الاستقبال عندك لتستقبل آيات الله الاستقبال الصحيح. إذن: قول الحق تبارك وتعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ..} [الإسراء: 82] متوقف على سلامة الطبع، وسلامة الاستقبال، والفهم عن الله تعالى. والشفاء: أن تعالج داءً موجوداً لتبرأ منه. والرحمة: أن تتخذ من أسباب الوقاية ما يضمن لك عدم معاودة المرض مرة أخرى، فالرحمة وقاية، والشفاء علاج. لكن، هل شفاء القرآن شفاءٌ معنويٌّ لأمراض القلوب وعِلَل النفوس، فيُخلِّص المسلم من القلق والحَيْرة والغَيْرة، ويجتثّ ما في نفسه من الغِلِّ والحقد، والحسد، إلى غير هذا من أمراض معنوية، أم هو شفاء للماديات، ولأمراض البدن أيضاً؟ والرأي الراجح - بل المؤكد - الذي لا شَكَّ فيه أن القرآن شفاء بالمعنى العام الشامل لهذه الكلمة، فهو شفاء للماديات كما هو شفاء للمعنويات، بدليل ما رُوِي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - وأنه خرج على رأس سرية وقد مَرُّوا بقوم، وطلبوا منهم الطعام، فأبَوْا إطعامهم، وحدث أنْ لُدِغ كبير القوم، واحتاجوا إلى مَنْ يداويه فطلبوا مَنْ يرقيه، فقالوا: لا نرقيه إلا بجُعْلٍ، وذلك لما رأوه من بُخْلهم وعدم إكرامهم لهم، على حَدِّ قوله تعالى: {أية : لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ..}تفسير : [الكهف: 77]. ولما اتفقوا معهم على جُعل من الطعام والشياه قام أحدهم برقية اللديغ بسورة الفاتحة فبرئ، فأكلوا من الطعام وتركوا الشياه إلى أنْ عادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسألوه عن حِلِّ هذا الجُعْل فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ومَنْ أدراك أنها رقية"تفسير : أي: أنها رُقْية يرقى بها المريض فيبرأ بإذن الله، ثم قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كُلوا منها، واجعلوا لي سهماً معكم ". تفسير : فشفاء أمراض البدن شيء موجود في السُّنة، وليس عجيبة من العجائب؛ لأنك حين تقرأ كلام الله فاعلم أن المتكلم بهذا الكلام هو الحق سبحانه، وهو رَبّ كل شيء ومليكه، يتصرّف في كونه بما يشاء، وبكلمة (كُنْ) يفعل ما يريد، وليس ببعيد أنْ يُؤثّر كلام الله في المريض فيشفى. ولما تناقش بعض المعترضين على هذه المسألة مع أحد العلماء، قالوا له: كيف يُشْفَى المريض بكلمة؟ هذا غير معقول، فقال العالم لصاحبه: اسكت أنت حمار!! فغضب الرجل، وهَمَّ بترك المكان وقد ثارت ثورته، فنظر إليه العالم وقال: انظر ماذا فعلتْ بك كلمة، فما بالُكَ بكلمة، المتكلّم بها الحق سبحانه وتعالى؟ ثم يقول تعالى: {وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً} [الإسراء: 82] لأنهم بظُلْمهم واستقبالهم فُيوضات السماء بملَكَات سقيمة، وأجهزة متضاربة متعارضة، فلم ينتفعوا بالقرآن، ولم يستفيدوا برحمات الله. ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : فالقرآن مشتمل على الشفاء والرحمة، وليس ذلك لكل أحد، وإنما ذلك للمؤمنين به، المصدقين بآياته، العاملين به، وأما الظالمون بعدم التصديق به أو عدم العمل به، فلا تزيدهم آياته إلا خسارًا، إذ به تقوم عليهم الحجة، فالشفاء الذي تضمنه القرآن عام لشفاء القلوب، من الشبه، والجهالة، والآراء الفاسدة، والانحراف السيئ، والقصود السيئة. فإنه مشتمل على العلم اليقيني، الذي تزول به كل شبهة وجهالة، والوعظ والتذكير، الذي يزول به كل شهوة تخالف أمر الله، ولشفاء الأبدان من آلامها وأسقامها. وأما الرحمة، فإن ما فيه من الأسباب والوسائل التي يحث عليها، متى فعلها العبد فاز بالرحمة والسعادة الأبدية، والثواب العاجل والآجل.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):