Verse. 2113 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

قُلْ كُلٌّ يَّعْمَلُ عَلٰي شَاكِلَتِہٖ۝۰ۭ فَرَبُّكُمْ اَعْلَمُ بِمَنْ ہُوَاَہْدٰى سَبِيْلًا۝۸۴ۧ
Qul kullun yaAAmalu AAala shakilatihi farabbukum aAAlamu biman huwa ahda sabeelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل كل» منا ومنكم «يعمل على شاكلته» طريقته «فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً» طريقا فيثيبه.

84

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً}. قوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} قال ابن عباس: ناحيته. وقاله الضحاك. مجاهد: طبيعته. وعنه: حِدته. ابن زيد: على دينه. الحسن وقتادة: نيته. مقاتل: جِبِلته. الفراء: على طريقته ومذهبه الذى جُبل عليه. وقيل: قل كلٌّ يعمل على ما هو أشكل عنده وأوْلى بالصواب فى اعتقاده. وقيل: هو مأخوذ من الشكل؛ يقال: لست على شَكْلِى ولا شاكلتي. قال الشاعر: شعر : كل امرئ يشبهه فعله ما يفعل المرء فهو أهله تفسير : فالشكل هو المثل والنظير والضرب. كقوله تعالى: {أية : وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} تفسير : [ص:58]. والشكل (بكسر الشين): الهيئة. يقال: جارية حسنة الشَّكل. وهذه الأقوال كلّها متقاربة والمعنى: أن كل أحد يعمل على ما يشاكل أصله وأخلاقه التي ألِفَها، وهذا ذمُّ للكافر ومدح للمؤمن. والآية والتى قبلها نزلتا فى الوليد بن المغيرة؛ ذكره المهدوى. {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً} أى بالمؤمن والكافر وما سيحصل من كل واحد منهم. وقيل: {أَهْدَىٰ سَبِيلاً} أى أسرع قبولا. وقيل: أحسن دينا. وحكى أن الصحابة رضوان الله عليهم تذاكروا القرآن فقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه: قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر فيه آية أرجى وأحسن من قوله تبارك وتعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} فإنه لا يشاكل بالعبد إلا العصيان ولا يشاكل بالرب إلا الغفران. وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر فيه آية أرجى وأحسن من قوله تعالى: {بسم الله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ حـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِي ٱلطَّوْلِ} قدم غفران الذنوب على قبول التوبة، وفى هذا إشارة للمؤمنين. وقال عثمان بن عفان رضى الله عنه: قرأت جميع القرآن من أوله إلى آخره. فلم أر آية أحسن وأرجى من قوله تعالى: {أية : نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [الحجر:49]. وقال علىّ بن ابى طالب رضى الله عنه: قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر آية أحسن وأرجى من قوله تعالى {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [الزمر:53]. قلت: وقرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر آية أحسن وأرجى من قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} تفسير : [الأنعام:82].

المحلي و السيوطي

تفسير : { قُلْ كُلٌّ } منا ومنكم {يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ } طريقته {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً } طريقاً فيثيبه.

ابن عبد السلام

تفسير : {شَاكِلَتِهِ} حِدَتِه، أو طبيعته "ع"، أو نيته، أو دينه، أو أخلاقه.

ابو السعود

تفسير : {قُلْ كُلٌّ} أي كلُّ أحدٍ منكم وممن هو على خلافكم {يَعْمَلُ} عمله {عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} طريقتِه التي تشاكل حالَه في الهدى والضلالة أو جوهرِ روحِه وأحوالِه التابعة لمزاج بدنِه {فَرَبُّكُمْ} الذي برأكم على هذه الطبائِع المتخالفة {أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً} أي أسدُّ طريقاً وأبـينُ مِنهاجاً وقد فُسِّرت الشاكلةُ بالطبـيعة والعادةِ والدين. {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ} الظاهرُ أن السؤالَ كان عن حقيقة الروح الذي هو مدبّرُ البدنِ الإنساني ومبدأُ حياتِه، روي (أن اليهودَ قالوا لقريش: سلوه عن أصحاب الكهفِ وعن ذي القَرنين وعن الرّوح، فإن أجاب عنها جميعاً أو سكت فليس بنبـي، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبـيٌّ، فبـيّن لهم القصتين وأبْهم أمرَ الروح) وهو مُبْهمٌ في التوراة {قُلِ ٱلرُّوحُ} أُظهر في مقام الإضمارِ إظهاراً لكمال الاعتناءِ بشأنه {مِنْ أَمْرِ رَبّى} كلمةُ من بـيانيةٌ والأمرُ بمعنى الشأنِ والإضافةُ للاختصاص العِلْميِّ لا الإيجاديّ لاشتراك الكلِّ فيه وفيها من تشريف المضافِ ما لا يخفى كما في الإضافة الثانيةِ من تشريف المضافِ إليه، أي هو من جنس ما استأثر الله تعالى بعلمه من الأسرار الخفيةِ التي لا يكاد يحوم حولها عقولُ البشر. {وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} لا يمكن تعلّقُه بأمثال ذلك، روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك. قالوا: نحن مختصّون بهذا الخطابِ قال عليه الصلاة والسلام: « حديث : بل نحن وأنتم »تفسير : . فقالوا: ما أعجبَ شأنَك، ساعةً تقول: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا} وساعةً تقول هذا، فنزلت: { أية : وَلَوْ أَنَّ مَّا فِى ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ} تفسير : [لقمان: 27]، وإنما قالوا ذلك لركاكة عقولِهم فإن الحكمةَ الإنسانيةَ أن يعلم من الخير ما تسعه الطاقةُ البشريةُ بل ما نيط به المعاشُ والمعادُ وذلك ـ بالإضافة إلى ما لا نهايةَ له من معلوماته سبحانه ـ قليلٌ يُنال به خيرٌ كثيرٌ في نفسه أو بالنسبة إلى الإنسان أو هو من الإبداعيات الكائنةِ بمحض الأمرِ التكوينيِّ من غير تحصّلٍ من مادة وتولُّدٍ من أصل كأعضاء الجسدِ حتى يمكن تعريفُه ببعض مباديه، ومآلُه أنه من عالم الأمرِ لا من عالم الخَلق وليس هذا من قَبـيل قوله سبحانه: { أية : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82] فإن ذلك عبارةٌ عن سرعة التكوينِ سواءٌ كان الكائنُ من عالم الأمرِ أو من عالم الخلقِ، وفيه تنبـيهٌ على أنه مما لا يحيط بكنهه دائرةُ إدراكِ البشر وإنما الممكن هذا القدرُ الإجماليُّ المندرجُ تحت ما استُثني بقوله تعالى: {وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} أي إلا علماً قليلاً تستفيدونه من طرُق الحواسِّ فإن تعقّلَ المعارفِ النظرية إنما هو من إحساس الجزئياتِ، ولذلك قيل: من فقد حِسًّا فقد علماً، ولعل أكثر الأشياءِ لا يدركه الحسُّ ولا شيءٌ من أحواله التي يدور عليها معرفةُ ذاتِه، وأما حملُ ما ذكر على السؤال عن قِدَمه وحدوثه وجعلُ الجوابِ إخباراً بحدوثه أي كائنٌ بتكوينه حادثٌ بإحداثه بالأمر التكويني، فمع عدم ملاءمتِه لحال السائلين لا يساعده التعرّضُ لبـيان قلةِ علمِهم، فإن ما سألوا عنه مما يفي به علمُهم حينئذ وقد أُخبر عنه، وقيل: المرادُ بالروح خلقٌ عظيم رُوحاني أعظمُ من المَلَك، وقيل: جبريلُ عليه السلام، وقيل: القرآنُ، ومعنى من أمر ربـي من وحيه وكلامِه لا من كلامِ البشر.

القشيري

تفسير : كُلٌّ يترشح بمُودَعِ باطنه، فالأَسِرَّةُ تدل على السريرة، وما تُكِنُّه الضمائرُ يلوح على السرائر، فَمَنْ صفا مِنَ الكدورة جوهرهُ لا يفوح منه إلا نَشْرُ مناقبه، ومنْ طبِعَتْ على الكدورِة طينتُه فلا يشمُّ مَنْ يحوم حولَه إلا ريحَ مثالبه. ويقال حركات الظواهر تدُلُّ وتُخْبِرُ عن بواطنِ السرائر. ويقال حَبُّ (...) لا يُنْبِتُ غضَّ العود. ويقال من عُجِنَتْ بماء الشِّقْوةِ طينتُه، وطُبِعَتْ على النَكرَةِ جِبِلَّتُه لا تسمح بالتوحيد قريحتُه، ولا تنطِقُ بالتوحيد عبارتُه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} الفطرة مختلفة على اختلاف المقامات ففطرة العارفين خلقت لمقامات المعرفة وفطرة الموحدين فطرت لمقامات التوحيد وفطرة المحبين فطرت لمقامات المحبة وفطرة المتوسطين من اهل الايمان والايقان فُطِرت الفطرة المعاملات والشرايع والدين وفطرة اهل المشاهدة فُطِرت على شهود الصفات وتجلى الذات فكل من هؤلاء يعمل على العبودية لزيادة عرفان الربوبية على شاكلة فطرته فيبدو منه مزيد قرباته ومداناته ومكاشفاته ومشاهداته وكل من اسرع شوقه الى الله وفناء فى الله فهو اقرب منه قال تعالى {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً} قال ابن عطا يعمل على ما فى سره لان النبى صلى الله عليه وسلم قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له قال جعفر كل يظهر مكنون ما اودع فيه من الخير والشر قال الاستاد ما تحبه الضمائر يلوح على السرائر فمن صفا عن الكدورة جوهره لا يفوح منه الا نشر مناقبه ومن طبع على الكدورة طينته فلا يعيق بمن يحوم حوله الاريح مسالبه ويقال حب الغبيراء لا ينبت غصن العود.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل كل} من المؤمنين والكافرين {يعمل} عمله {على شاكلته} طريقته التى تشاكل حاله فى الهدى والضلالة: يعنى [هركس آن كندكه ازوسزد] شعر : هركسى آن كند كزوشايد تفسير : من قولهم طريق ذو شواكل وهى الطرق التى تشعب منه. قال فى القاموس الشاكلة الشكل والناحية والنية والطريقة والمذهب {فربكم} الذى برأكم على هذه الطبائع المختلفة {اعلم بمن هو اهدى سبيلا} اسد طريقا وابين منهاجا اى يعلم المهتدى والضال فيجازى كلا بعمله. وفى الآية اشارة الى ان الاعمال دلائل الاحوال: وفى المثنوى شعر : درزمين كنيشكر ورخودنيست ترجمان هرزمين نبت ويست تفسير : فمن وجد نفسه فى خير وطاعة وشكر فليحمد الله تعالى كثيرا ومن وجدها فى شر وفسق وكفران ويأس فليرجع قبل ان يخرج الامر من يده - روى - ان ملكا صاحب زينة واسع المملكة كثير الخزينة اتخذ ضيافة وجمع امراءه واحضر الوان الاطعمة والاشربة فلما ارادوا التناول اذا طرق رجل حلقة الباب بحيث تزلزل السرير فقال له الغلمان ما هذا الحصر وسوء الادب ايها الفقير اصبر حتى نأكل ونطعمك فقال مالى حاجة الى طعاكم وانما اريد الملك فقالوا مالك وللملك فطرق ثانيا اشد من الاول فقصدوا اليه بالسلاح فصاح صيحة وقال مكانكم انا ملك الموت جئت اقبض روح ملك دار الفناء فبطلت حواسهم وقواهم عن الحركة فاستمهل الملك فابى فتأسف وقال لعن الله المال فانه غرنى فاليوم خرجت صفر اليد وبقى نفعه للاعداء وحسابه وعذابه علىّ فانطق الله المال فقال لا تلعنى بل العن نفسك فانى كنت مسخرا لك وكنت مختارا فالآن لم تترك الظلم لاعتيادك حتى تسب البريئ والمذنب انت ففى هذه الحكاية امور. الاول ان الله تعالى انعم على هذا الملك بالملك والمال والجاه والجلال فاعرض عن شكرها ولم يقيدها به: سعدى شعر : خردمند طبعان منت شناس بدوزند نعمت بميخ سباس تفسير : والثانى انه مسه الموت فكان يؤوسا من فضل الله حيث اشتغل باللعن والسب بدل التوبة والتوجه الى الله تعالى والله تعالى يقبل توبة عبده ما لم يغرغر: سعدى شعر : طريقى بدست آر وصلحى بجوى شفيعى بر انكيز وعذرى بكوى كه يكلحظه صورت نبندد امان جون بيمانه برشد بدور زمان تفسير : والثالث انه عمل على شاكلته فجوزى الشر اذ لم يكن له استعداد لغيره.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ كُلٌّ} من الله وافراد العباد {يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} مشتملاً على نيّة هى شاكلته فانّ النّيّة شاكلة حال الانسان ومقامه وسجّيّته، او المعنى كلّ بينى عمله على نيّةٍ وفعليّةٍ من نفسه هى شاكلة حاله ومقامه. اعلم، انّ الانسان بحسب فعليّة بشريّته نوع واحد وله حدّ واحد لكنّه بحسب الباطن انواع متباينة بالقوّة ولكلّ نوع حدّ غير حدّ النّوع الآخر فاذا صار بحسب الباطن نوعاً بالفعل مثلاً اذا صار بالفعل واحداً من انواع السّباع او البهائم او الشّياطين او الانسان المشتمل على انواع الملك، فاذا اراد فعلاً من الافعال سواء كان فى صورة العبادات او المعاصى او المباحات تمثّل تلك الصّورة عند نفسه وقصد من ذلك الفعل بواسطة تمثّل تلك الصّورة كمال ما هو بالفعل هو وتلك الصّورة وذلك القصد نيّة الفعل وهو حين العمل مشتمل عليه ويبنى عليه العمل؛ مثلا الانسان المعجب بنفسه او المرائى لغيره اذا اراد الصّلاة تمثّل صورتها عنده وقصد بفعله بواسطة تلك الصّورة تزيين نفسه بما يزعمه ممدوحاً عند النّاس فيعمل الصّلاة مشتملاً على تلك النّيّة المشاكلة لما هو بالفعل هو وهو النّوع المعجب بنفسه كالطّاووس مثلاً، وبعبارة اخرى يبنى عمله على اسّ هو قدصد تزيين نفسه الّذى هو شاكلة حاله وفعليّته وهكذا، والحقّ الاوّل تعالى شأنه شاكلته اوّلاً وبالذّات صفاته الجماليّة من الرّحمة والجود والاحسان والعفو والصّفح والغفران فليس عمله على بالقصد الاوّل الاّ على تلك لكنّها قد تصير قهراً وغضباً وانتقاماً بحسب القوابل بالقصد الثّانى وبالعرض والمعنى قل لهم انّ الله يعمل على شاكلته من الرّحمة والاحسان وانتم تعملون على شاكلتكم ممّا يجعل رحمته رضاً او سخطاً {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً} يعنى ان كان كلّ يعمل على شاكلته والشّاكلة من الامور الغيبيّة الباطنة وصورة العمل لا عبرة بها فمن تختارونه بصورة العمل يمكن ان يكون غير مختارٍ بحسب الشّاكلة بل المختار من اختاره الله لانّ ربّكم اعلم بمن هو اهدى سبيلاً، فالفاء داخلة على ما قام مقام جزاء شرطٍ مقدّرٍ ولا ينافى ذلك تعميم الاية لجميع موارد صدقها كما هو شأن جميع الآيات من كون المقصود بالذّات من ذكر الخيرات عليّاً (ع) ومن ذكر الشّرور اعداءه مع تعميمها لجميع مواد صدقها بالتّبع.

اطفيش

تفسير : {قُلْ} يا محمد للمشركين. {كُلٌّ} منا ومنكم تفسير {يَعْمَلَ عَلَى شَاكِلَتِهِ} طريقته التى تشاكل أى تناسب حاله فى الهدى والضلالة وتليق بحاله أو تشاكل روحه وأحواله التابعة لمزاج بدنه، فإن كانت روحه شريفة طاهرة صدرت أفعال جميلة، وإِن كانت خبيثة صدرت أفعال خسيسة، وهكذا تختلف أفعاله فى المباح بحسب المزاج وبه تختلف الطبائع، وقد فسر بعضهم الشاكلة بالطبيعة فإِن المزاج ينشأَ عنه الطبع، والطبع له أثر فى المباح والأُمور الدينية، ألا ترى أن بعضاً ينقاد بطبعه إِلى كلام من يكلمه حتى يفهمه ويتأَمله، وبعضاً ينفر من أول ما يسمع، وفسر بعضهم الشاكلة بالعادة، وبعض بالدين وقيل الشاكلة النية، ورواه بعض أهل الأَندلس عن الحسن. {فَرَبُّكُمْ أعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهْدَى سَبِيلاً} طريقاً فنثيبه عليه أنحن أم أنتم وهذا أشد مناسبة فى تفسير الشاكلة بالطريقة.

اطفيش

تفسير : {قُلْ كُلٌّ} أى كل أحد {يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} على طريقته التى تشاكل حاله فى الهدى والضلال، أى تماثل حاله، فمن كان حاله الاهتداء، فعادته السداد دائما، أو فى الأكثر، أو الضلال، فيعكس ذلك سميت الطريق شاكلة لتلك المشاكلة أى المشابهة لحاله فى الهدى والضلال، وإن شئت فقل على طريقته التى تشبه حاله فى السعادة أو الشقاوة المكتوبة فى اللوح المحفوظ من الهدى والضلال أو تشبه حاله فى علمه وقضائه الأزلى. روى البخارى ومسلم، عن عدى بن حاتم رضى الله عنه، "حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. "ما منكم من أحد إلاَّ وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة" فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال: "اعملوا فكلكم ميسر لما خلق له، أما مَن كان من أهل السعادة فسيصير لعمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسيصير لعمل الشقاوةتفسير : ، ثم قرأ: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى} إلخ، وفسر البخارى الشاكلة بالنيَّة، وبعض بالطبيعة، وبعض بالدين، وبعض بالعادة، ومن مشهور الكلام: العادات قاهرات. وأجيز تفسير الشاكلة بالروح، وأحوالها التابعة لمزاج بدنه، فذو النفس الطاهرة يصدر منها الإيمان والإسلام، وذو النفس الخبيثة غير ذلك، والنفوس مختلفة بالماهية، واختلاف أحوالها وأفعالها، لاختلاف جواهرها وماهياتها، وقيل: متساوية بالماهية، واختلاف أفعالها لاختلاف أمزجة أبدانها، ويدل للأول أن الله جل وعلا بيَّن أن القرآن بالنسبة إلى البعض، يفيد الشفاء والرحمة، وبالنسبة إلى البعض يفيد الخسار، وأَتبعه بقوله: {قل كل يعمل على شاكلته} بمعنى أن النفوس الطاهرة يليق بها أن يظهر فيها بالقرآن آثار السعادة، والخبيثة على عكس ذلك، وبحيث بأَن القرآن يناسب القول الثانى أيضًا لأن اختلاف الأمزجة كافٍ فى ذلك. وأيضًا قد يقال: من أين اختلاف الأمزجة لم لا تكون واحدة فما تقولون؟ والصواب ما أثبته ابن مالك فى تفسير حديث: "حديث : اعملوا فكلكم ميسر" تفسير : إلخ من أن السبيل إلى معرفة ذلك التوقف، فمن عدل عنه وأجال فيه العقل ضل، لأن القدر سر ضرب دونه الستر لم ينكشف لأحد من الأنبياء، والأولياء، يعنى أن حقيقة الإنسان لا تقتضى لذاتها سعادة ولا شقاوة، وإنما هما بأمور خارجية سبق بها القضاء، فالتيسير لما خلق له على هذا التيسير إلى ما سبق القضاء، وعلى القولين السابقين التيسير إلى مقتضى جواهرها أو الأمزجة. وقد يقال: أصل الإنسان الطاعة لقوله تعالى: "أية : بلى" تفسير : [الأعراف: 172] بعد قوله عز وجل: "أية : ألست بربكم"تفسير : [الأعراف: 172] ومعصية بعوارض كصحيح البدن يمرض بالعوارض، والأنبياء والكتب، أطباء. وفى الحديث القدسى: "حديث : إنى خلقت عبادى كلهم حنفاء، وأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم"تفسير : ، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل مولود يولد على فطرة الإسلام، ثم أبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه ". تفسير : وعن الصديق رضى الله عنه: لم أر فى القرآن مثل هذه الآية، لا يشاكل بالبعد إلا المعصية ولا بالقرب إلا الغفران. وقال عمر: "أية : غافر الذنب وقابل التَّوب" تفسير : [غافر: 3] قدم الغفران على قبول التوبة، وقال عثمان: "أية : نبِّئ عبادى أنى أنا الغفور الرحيم"تفسير : [الحجر: 49] وقال علىّ: "أية : قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم"تفسير : [الزمر: 53] وقال محمد بن الحنفية: أرجَى آية عندكم أهل العراق قوله تعالى: "أية : قل يا عبادى الذين أسرفوا"تفسير : [الزمر: 53] إلخ، وعندنا أهل البيت: "أية : ولسوف يعطيك ربك فترضى"تفسير : [الضحى: 5] وقال عثمان النهدى: "أية : وآخرون اعترفوا بذنوبهم"تفسير : [التوبة: 102] وعن علىّ: "أية : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير"تفسير : [الشورى: 30] فالمصائب بكسب الأوزار، فإذا عاقبه الله فى الدنيا فالله أكرم من أن يعذبه ثانيًا، وإذا عفا عنه فى الدنيا فهو أكرم من أن يعذبه فى الآخرة. {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً} أسدّ طريقا فيثاب عليه، وأهدى اسم تفضيل من الخماسى، وهو الاهتداء على خلاف القياس، وحذف الزائد وهو همزة الوصل والتاء، أو من هدى الثلاثى اللازم بمعنى اهتدى.

الالوسي

تفسير : {قُلْ كُلٌّ} أي واحد من المؤمن والكافر والمعرض والمقبل والراجي والقانط {يَعْمَلُ} / عمله {عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} أي على مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله وما هو عليه في نفس الأمر وتشابهه في الحسن والقبح من قولهم طريق ذو شواكل أي طرق تتشعب منه وهو مأخوذ من الشكل بفتح الشين أي المثل والنظير ويقال لست من شكلي ولا شاكلتي وأما الشكل بكسر الشين فالهيئة يقال جارية حسنة الشكل أي الهيئة، وظاهر عبارة «القاموس» أن كلاً من الشكل والشكل يطلق على المثل والهيئة. وهذا التفسير مروي عن الفراء والزجاج واختاره الزمخشري وغيره لقوله تعالى: {فَرَبُّكُمْ} الذي برأكم متخالفين {أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً} أسد طريقاً وأبين منهاجاً وفسر مجاهد الشاكلة بالطبيعة على أنها من شكلت الدابة إذا قيدتها أي على طبيعته التي قيدته لأن سلطان الطبيعة على الإنسان ظاهر وهو ضابط له وقاهر. وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومثل ذلك في المأخذ تفسير بعضهم بالعادة ومن مشهور كلامهم العادات قاهرات، وكذا تفسير ابن زيد لها بالدين وكلا التفسيرين دون الأولين. ولعل الدين هنا بمعنى الحال وهو أحد معانيه. وجوز الإمام وغيره أن يكون المراد أن كل أحد يفعل على وفق ما شاكل جوهر نفسه ومقتضى روحه فإن كانت نفساً مشرقة خيرة طاهرة علوية صدرت عنه أفعال فاضلة كريمة {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ} وإن كانت نفساً كدرة نذلة خبيثة ظلمانية سفلية صدرت عنه أفعال خسيسة فاسدة {أية : وَٱلَّذِى خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا} تفسير : [الأعراف: 58] واختار أن النفوس الناطقة البشرية مختلفة الماهية ولذا اختلفت آثارها. وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى قريباً. ولا يرد أن خسة الأفعال وشرافتها إذا كانتا تابعتين لخسة النفس وشرافتها وهما أمران خلقيان لا مدخل للاختيار فيهما فعلام المدح والذم والثواب والعقاب لأنهم قالوا: إن ذلك لأمر ذاتي وهو حسن استعداد النفس في نفسها وسوء استعدادها أيضاً في نفسها ولا تثاب النفس ولا تعاقب إلا لاستعدادها في الأزل وطلبها لذلك بلسان حالها والمشهور إطلاق القول بأن ذلك غير مجعول وإنما المجعول وجوده وإبرازه على طبق ما هو عليه في نفسه فاعملوا فكل ميسر لما خلق له ومن وجد خيراً فليحمد الله تعالى ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه وقال بعض: إنه مجعول بالجعل البسيط على معنى أنه أثر الفيض الأقدس الذي هو مقتضى ذاته عز وجل بطريق الإيجاب ويجري نحو هذا في الوجهين الأولين. وقال بعض المتأخرين من فلاسفة الإسلام المتصدين للجمع برأيهم بين الشريعة؛ والفلسفة: إن ذات الإنسان بحسب الفطرة الأصلية لا تقتضي إلا الطاعة واقتضاؤها للمعصية بحسب العوارض الغريبة الجارية مجرى المرض والخروج عن الحالة الطبيعية فيكون ميلها للمعصية مثل ميل منحرف المزاج الأصلي إلى أكل الطين، وقد ثبت في الحكمة أن الطبيعة بسبب عارض غريب تحدث في جسم المريض مزاجاً خاصاً يسمى مرضاً فالمرض من الطبيعة بتوسط العارض الغريب كما أن الصحة منها، وفي الحديث القدسي: «حديث : إني خلقت عبادي كلهم حنفاء وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم»تفسير : ، وفي الأثر «حديث : كل مولود يولد على فطرة الإسلام ثم أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» تفسير : أي بواسطة الشياطين أو المراد بهم ما يعم شياطين الإنس والجن أو الشياطين كناية عن العوارض الغريبة فالخلق لو لم يحصل لهم مس من الشيطان ماعصوا ولبقوا على / فطرتهم لكن مسهم الشيطان ففسدت عليهم فطرتهم الأصلية فاقتضوا أشياء منافية لهم مضادة لجوهرهم البهي الإلٰهي من الهيئات الظلمانية ونسوا أنفسهم وما جبلوا عليهشعر : ولولا المزعجات من الليالي لما ترك القطا طيب المنام تفسير : ولذا احتاجوا إلى رسل يبلغونهم آيات الله تعالى ويسنون لهم ما يذكرهم عهد ذواتهم من نحو الصلاة والصيام والزكاة وصلة الأرحام ليعودوا إلى فطرتهم الأصلية ومقتضى ذاتهم البهية ويعتدل مزاجهم ويتقوم اعوجاجهم، ولذا قيل: الأنبياء أطباء وهم أعرف بالداء والدواء، ثم إن ذلك المرض الذي عرض لذواتهم والحالة المنافية التي قامت بهم لولا أن وجدوا من ذواتهم قبولاً لعروضهما لهم ورخصة في لحوقهما بهم لم يكونا يعرضان ولا يلحقان فإذا كان مما تقتضيه ذواتهم أن تلحقهم أمور منافية مضادة لجواهرهم فإذا لحقتهم تلك الأمور اجتمعت فيها جهتان الملاءمة والمنافاة أما كونها ملائمة فلكون ذواتهم اقتضتها، وأما كونها منافية فلأنها اقتضتها على أن تكون منافية لهم فلو لم تكن منافية لم يكن ما فرض مقتضى لها بل أمراً آخر، وانظر إلى طبيعة التي تقتضي يبوسة حافظة لأي شكل كان حتى صارت ممسكة للشكل القسري المنافي لكرويتها الطبيعية ومنعت عن العود إليها فعروض ذلك الشكل للأرضية لكونها مقسورة من وجه ومطبوعة من وجه فالإنسان عند عروض مثل هذا المنافي ملتذ متألم سعيد شقي ملتذ ولكن لذته ألمه سعيد ولكن سعادته شقاوته وهذا لعمرك أمر عجيب لكنه أوضح بنمط غريب، ومن تأمل وأنصف ظهر له أن لا ملخص لكثير من الشبهات في هذا الفصل إلا بالذهاب إلى القول بالاستعداد الأزلي وأن لكل شيء حالة في نفسه مع قطع النظر عن سائر الاعتبارات لا يفاض عليه إلا هي لئلا يلزم انقلاب العلم جهلاً وهو من أعظم المستحيلات والإثابة والتعذيب تابعان لذلك فسبحان الحكيم المالك فتثبت فكم قد زلت في هذا المقام أقدام أعلام كالأعلام نسأل الله تعالى أن ينور أفهامنا ويثبت أقدامنا ولاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم اعلم أنه روي عن أبـي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال: لم أر في القرآن أرجى من هذه الآية لا يشاكل بالعبد إلا العصيان ولا يشاكل بالرب إلا الغفران قال ذلك حين تذاكروا القرآن فقال عمر: لم أر آية أرجى من التي فيها( أية : غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ } تفسير : [غافر: 3] قدم الغفران قبل قبول التوبة، وقال عثمان: لم أر آية أرجى من {أية : نَبّىء عِبَادِى أَنّى أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}تفسير : [الحجر: 49]. وقال علي كرم الله تعالى وجهه: لم أر أرجى من {أية : يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [الزمر: 53] الآية، وقيل في الأرجى غير ذلك وسيمر عليك إن شاء الله تعالى لكن ما قاله الصديق لا يتأتى إلا على تقدير أن يراد كل أحد مطلقاً يعمل على شاكلته فافهم.

ابن عاشور

تفسير : هذا تذييل، وهو تنهية للغرض الذي ابتدىء من قوله: {أية : ربكم الذي يزجى لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله}تفسير : [الإسراء: 66] الراجع إلى التذكير بنعم الله تعالى على الناس في خلال الاستدلال على أنه المتصرف الوحيد، وإلى التحذير من عواقب كفران النعم. وإذ قد ذكر في خلال ذلك فريقان في قوله: {أية : يوم ندعوا كل أناس بإمامهم}تفسير : الآية [الإسراء: 71]، وقوله: {أية : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً}تفسير : [الإسراء: 82]. ولما في كلمة (كل) من العموم كانت الجملة تذييلاً. وتنوين {كل} تنوين عوض عن المضاف إليه، أي كل أحد مما شمله عموم قوله: {أية : ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى} تفسير : [الإسراء: 72] وقوله: {أية : ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً }تفسير : [الإسراء: 82] وقوله: {أية : وإذا أنعمنا على الإنسان} تفسير : [الإسراء: 83]. والشاكلة: الطريقة والسيرة التي اعتادها صاحبها ونشأ عليها. وأصلها شاكلة الطريق، وهي الشعبة التي تتشعب منه. قال النابغة يذكر ثوباً يشبه به بُنيات الطريق: شعر : له خُلج تهوي فُرادَى وترعوي إلى كل ذي نيرَين بادي الشواكل تفسير : وهذا أحسن ما فسر به الشاكلة هنا. وهذه الجملة في الآية تجري مجرى المثل. وفرع عليه قوله: {فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا} وهو كلام جامع لتعليم الناس بعموم علم الله، والترغيب للمؤمنين، والإنذار للمشركين مع تشكيكهم في حقية دينهم لعلهم ينظرون، كقوله: {أية : وإنا أو إياكم لعلى هدى}تفسير : الآية [سبأ: 24].

الواحدي

تفسير : {قل كلٌّ يعمل على شاكلته} على مذهبه وطريقته، فالكافر يعمل ما يشبه طريقته من الإِعراض عند الإِنعام، واليأس عند الشدَّة، والمؤمن يفعل ما يشبه طريقته من الشكر عند الرَّخاء، والصَّبر والاحتساب عند البلاء، ألا ترى أنَّه قال: {فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً} أَيْ: بالمؤمن الذي لا يُعرض عند النِّعمة ولا ييئس عند المحنة. {ويسألونك} يعني: اليهود {عن الروح} والرُّوح: ما يحيا به البدن، سألوه عن ذلك وحقيقته وكيفيَّته، وموضعه من البدن، وذلك ما لم يُخبر الله سبحانه به أحداً، ولم يُعط علمه أحداً من عبادِه، فقال: {قل الروح من أمر ربي} أَيْ: من علم ربِّي، أَيْ: إنَّكم لا تعلمونه، وقيل: من خلق ربِّي، أيْ: إنَّه مخلوقٌ له. {وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً} وكانت اليهود تدَّعي علم كلِّ شي بما في كتابهم، فقيل لهم: وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً بالإِضافة إلى علم الله تعالى. {ولئن شئنا لنذهبنَّ بالذي أوحينا إليك} لنمحونَّه من القلوب ومن الكتب حتى لا يوجد له أثر {ثم لا تجد لك به علينا وكيلاً} لا تجد مَنْ تتوكَّلُ عليه في ردِّ شيءٍ منه.

د. أسعد حومد

تفسير : (84) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ: كُلٌّ مِنّا أَنَا وَأَنْتُمْ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّاكِرِينَ وَالكَافِرِينَ يَعْمَلُ عَلَى طَرِيقَتِهِ وَحَالِهِ فِي الهُدَى وَالضَّلاَلِ (شَاكِلَتِهِ)، وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَكْثَرُ هِدَايَةً، وَأَوْضَحُ سَبِيلاً، وَاتِّبَاعاً لِلْحَقِّ، فَيُؤْتِيهِ أَجْرَهُ مَوْفُوراً، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَضَلُّ سَبِيلاً، فَيُعَاقِبُهُ. شَاكِلَتِهِ - مَذْهَبِهِ الّذِي يُشَاكِلُ حَالَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: أن كل إنسان يعمل على طريقته، وعلى طبيعته، وعلى مقدار ما تكونت به من خلايا الإيمان، أو من خلايا إيمان اختلطت بخلايا عصيان، أو بما عنده من خلايا كفر، فالناس مختلفون وليسوا على طبع واحد، فلا تحاول - إذن - أن تجعل الناس على طبع واحد. وما دام الأمر كذلك، فليعمل كل واحد على شاكلته، وحسب طبيعته، فإنْ أساء إليك إنسان سيء الطبع فلا تقابله بسوء مثله، ولتعمل أنت على شاكلتك، ولتقابله بطبع طيّب؛ لذلك يقولون: لا تُكافئ مَنْ عصى الله فيك بأكثر من أنْ تطيع الله فيه. وبذلك يستقيم الميزان في المجتمع، ولا تتفاقم فيه أسباب الخلاف. ثم يقول تعالى: {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً} [الإسراء: 84] والربُّ: المتولّي للتربية، والمتولّي للتربية لا شكّ يعلم خبايا المربَّى، ويعلم أسراره ونواياه، كما قال تعالى: {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ}تفسير : [الملك: 14]. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} [الآية: 84] قال: على حدته. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا أَبو عصام عن خليد عن قتادة قال: لقي اليهود النبي صلى الله عليه وسلم، فتعنتوه قالوا: إِن كان نبياً سيعلم. فسأَلوه عن "الروح"، وعن "أَصحاب الكهف"، وعن "ذي القرنين" فأَنزل الله، عز وجل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} [الآية: 85]. يعني: اليهود. وقص عليهم نبأَ أَصحاب الكهف وذي القرنين.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} معناهُ على نِيتهِ. وقال: عَلَى ناحِيتِهِ. وقال: عَلَى طَريقَتهِ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { قُلْ كُلٌّ } من الناس { يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ } أي: على ما يليق به من الأحوال، إن كان من الصفوة الأبرار، لم يشاكلهم إلا عملهم لرب العالمين. ومن كان من غيرهم من المخذولين، لم يناسبهم إلا العمل للمخلوقين، ولم يوافقهم إلا ما وافق أغراضهم. { فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا } فيعلم من يصلح للهداية، فيهديه ومن لا يصلح لها فيخذله ولا يهديه.