Verse. 2114 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

وَيَسْــــَٔـلُوْنَكَ عَنِ الرُّوْحِ۝۰ۭ قُلِ الرُّوْحُ مِنْ اَمْرِ رَبِّيْ وَمَاۗ اُوْتِيْتُمْ مِّنَ الْعِلْمِ اِلَّا قَلِيْلًا۝۸۵
Wayasaloonaka AAani alrroohi quli alrroohu min amri rabbee wama ooteetum mina alAAilmi illa qaleelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويسألونك» أي اليهود «عن الروح» الذي يحيا به البدن «قل» لهم «الروح من أمر ربي» أي علمه لا تعلمونه «وما أويتم من العلم إلا قليلاً» بالنسبة إلى علمه تعالى.

85

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ختم الآية المتقدمة بقوله: { أية : كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ } تفسير : وذكرنا أن المراد منه مشاكلة الأرواح للأفعال الصادرة عنها وجب البحث ها هنا عن ماهية الروح وحقيقته فلذلك سألوا عن الروح وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: للمفسرين في الروح المذكورة في هذه الآية أقوال أظهرها أن المراد منه الروح الذي هو سبب الحياة، روى أن اليهود قالوا لقريش اسألوا محمداً عن ثلاث فإن أخبركم باثنتين وأمسك عن الثالثة فهو نبي: اسألوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الثلاثة فقال عليه السلام: غداً أخبركم ولم يقل إن شاء الله فانقطع عنه الوحي أربعين يوماً ثم نزل الوحي بعده: { أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الكهف: 23، 24] ثم فسر لهم قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين وأبهم قصة الروح ونزل فيه قوله تعالى: {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى } وبين أن عقول الخلق قاصرة عن معرفة حقيقة الروح فقال: {وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } ومن الناس من طعن في هذه الرواية من وجوه. أولها: أن الروح ليس أعظم شأناً ولا أعلى مكاناً من الله تعالى فإذا كانت معرفة الله تعالى ممكنة بل حاصلة فأي مانع يمنع من معرفة الروح. وثانيها: أن اليهود قالوا: إن أجاب عن قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين ولم يجب عن الروح فهو نبي وهذا كلام بعيد عن العقل لأن قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين ليست إلا حكاية من الحكايات وذكر الحكاية يمتنع أن يكون دليلاً على النبوة وأيضاً فالحكاية التي يذكرها إما أن تعتبر قبل العلم بنبوته أو بعد العلم بنبوته فإن كان قبل العلم بنبوته كذبوه فيها وإن كان بعد العلم بنبوته فحينئذ صارت نبوته معلومة قبل ذلك فلا فائدة في ذكر هذه الحكاية. وأما عدم الجواب عن حقيقة الروح فهذا يبعد جعله دليلاً على صحة النبوة. وثالثها: أن مسألة الروح يعرفها أصاغر الفلاسفة وأراذل المتكلمين فلو قال الرسول صلى الله عليه وسلم إني لا أعرفها لأورث ذلك ما يوجب التحقير والتنفير فإن الجهل بمثل هذه المسألة يفيد تحقير أي إنسان كان فكيف الرسول الذي هو أعلم العلماء وأفضل الفضلاء. ورابعها: أنه تعالى قال في حقه: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْءانَ } تفسير : [الرحمن: 1، 2] { أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً } تفسير : [النساء: 113] وقال: { أية : وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْماً } تفسير : [طه: 114] وقال في صفة القرآن: { أية : وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } تفسير : [الأنعام: 59]، وكان عليه السلام يقول: « حديث : أرنا الأشياء كما هي » تفسير : فمن كان هذا حاله وصفته كيف يليق به أن يقول أنا لا أعرف هذه المسألة مع أنها من المسائل المشهورة المذكورة بين جمهور الخلق بل المختار عندنا أنهم سألوه عن الروح وأنه صلى الله عليه وسلم أجاب عنه على أحسن الوجوه وتقريره أن المذكور في الآية أنهم سألوه عن الروح والسؤال عن الروح يقع على وجوه كثيرة. أحدها: أن يقال ماهية الروح أهو متحيز أو حال في المتحيز أو موجود غير متحيز ولا حال في التحيز. وثانيها؛ أن يقال الروح قديمة أو حادثة. وثالثها: أن يقال الأرواح هل تبقى بعد موت الأجسام أو تفنى. ورابعها: أن يقال ما حقيقة سعادة الأرواح وشقاوتها وبالجملة فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة، وقوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ } ليس فيه ما يدل على أنهم عن هذه المسائل سألوا أو عن غيرها إلا أنه تعالى ذكر له في الجواب عن هذا السؤال قوله: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى } وهذا الجواب لا يليق إلا بمسألتين من المسائل التي ذكرناها إحداهما السؤال عن ماهية الروح والثانية عن قدمها وحدوثها. أما البحث الأول: فهم قالوا ما حقيقة الروح وماهيته؟ أهو عبارة عن أجسام موجودة في داخل هذا البدن متولدة من امتزاج الطبائع والأخلاط، أو عبارة عن نفس هذا المزاج والتركيب أو هو عبارة عن عرض آخر قائم بهذه الأجسام، أو هو عبارة عن موجود يغاير هذه الأجسام والأعراض؟ فأجاب الله عنه بأنه موجود مغاير لهذه الأجسام ولهذه الأعراض وذلك لأن هذه الأجسام أشياء تحدث من امتزاج الأخلاط والعناصر، وأما الروح فإنه ليس كذلك بل هو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث قوله: { أية : كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [آل عمران: 47] فقالوا لم كان شيئاً مغايراً لهذه الأجسام ولهذه الأعراض فأجاب الله عنه بأنه موجود يحدث بأمر الله وتكوينه وتأثيره في إفادة الحياة لهذا الجسد ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه فإن أكثر حقائق الأشياء وماهياتها مجهولة. فإنا نعلم أن السكنجبين له خاصية تقتضي قطع الصفراء فأما إذا أردنا أن نعرف ماهية تلك الخاصية وحقيقتها المخصوصة فذاك غير معلوم فثبت أن أكثر الماهيات والحقائق مجهولة ولم يلزم من كونها مجهولة نفيها فكذلك ها هنا وهذا هو المراد من قوله: {وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }. وأما المبحث الثاني: فهو أن لفظ الأمر قد جاء بمعنى الفعل قال تعالى: { أية : وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } تفسير : [هود: 97] وقال: { أية : فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } تفسير : [هود: 66] أي فعلنا فقوله: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى } أي من فعل ربي وهذا الجواب يدل على أنهم سألوه أن الروح قديمة أو حادثة فقال بل هي حادثة وإنما حصلت بفعل الله وتكوينه وإيجاده ثم احتج على حدوث الروح بقوله: {وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } يعني أن الأرواح في مبدأ الفطرة تكون خالية عن العلوم والمعارف ثم يحصل فيها العلوم والمعارف فهي لا تزال تكون في التغيير من حال إلى حال وفي التبديل من نقصان إلى كمال والتغيير والتبديل من أمارات الحدوث فقوله: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى } يدل على أنهم سألوه أن الروح هل هي حادثة فأجاب بأنها حادثة واقعة بتخليق الله وتكوينه وهو المراد من قوله: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى } ثم استدل على حدوث الأرواح بتغيرها من حال إلى حال وهو المراد من قوله: {وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } فهذا ما نقوله في هذا الباب، والله أعلم. المسألة الثانية: في ذكر سائر الأقوال المقولة في نفس الروح المذكورة في هذه الآية. اعلم أن الناس ذكروا أقوالاً أخرى سوى ما تقدم ذكره، فالقول الأول: أن المراد من هذا الروح هو القرآن قالوا وذلك لأن الله تعالى سمى القرآن في كثير من الآيات روحاً واللائق بالروح المسؤول عنه في هذا الموضع ليس إلا القرآن فلا بد من تقرير مقامين. المقام الأول: تسمية الله القرآن بالروح يدل عليه قوله تعالى: { أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا } تفسير : [الشورى: 52] وقوله: { أية : يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ } تفسير : [النحل: 2] وأيضاً السبب في تسمية القرآن بالروح أن بالقرآن تحصل حياة الأرواح والعقول لأن به تحصل معرفة الله تعالى ومعرفة ملائكته ومعرفة كتبه ورسله والأرواح إنما تحيا بهذه المعارف وتمام تقرير هذا الموضع ذكرناه في تفسير قوله: { أية : يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ } تفسير : [النحل: 2]، وأما بيان المقام الثاني وهو أن الروح اللائق بهذا الموضع هو القرآن لأنه تقدمه قوله: { أية : وَنُنَزّلُ مِنَ ٱلْقُرْءانِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الإسراء: 82] والذي تأخر عنه قوله: { أية : وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } تفسير : [الإسراء: 86] إلى قوله: { أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } تفسير : [الإسراء: 88] فلما كان قبل هذه الآية في وصف القرآن وما بعدها كذلك وجب أيضاً أن يكون المراد من هذا الروح القرآن حتى تكون آيات القرآن كلها متناسبة متناسقة وذلك لأن القوم استعظموا أمر القرآن فسألوا أنه من جنس الشعر أو من جنس الكهانة فأجابهم الله تعالى بأنه ليس من جنس كلام البشر وإنما هو كلام ظهر بأمر الله ووحيه وتنزيله فقال: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى } أي القرآن ظهر بأمر ربي وليس من جنس كلام البشر. والقول الثاني: أن الروح المسؤول عنه في هذه الآية ملك من ملائكة السموات وهو أعظمهم قدراً وقوة وهو المراد من قوله تعالى: { أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً } تفسير : [النبأ: 38] ونقلوا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: هو ملك له سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله تعالى بتلك اللغات كلها ويخلق الله من كل تسبيحة ملكاً يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة قالوا ولم يخلق الله تعالى خلقاً أعظم من الروح غير العرش ولو شاء أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع ومن فيهن بلقمة واحدة لفعل، ولقائل أن يقول هذا القول ضعيف وبيانه من وجوه. الأول: أن هذا التفصيل لما عرفه علي، فالنبي أولى أن يكون قد عرفه فلم لم يخبرهم به، وأيضاً أن علياً ما كان ينزل عليه الوحي، فهذا التفصيل ما عرفه إلا من النبي صلى الله عليه وسلم فلم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الشرح والبيان لعلي ولم يذكره لغيره. الثاني: أن ذلك الملك إن كان حيواناً واحداً وعاقلاً واحداً لم يكن في تكثير تلك اللغات فائدة وإن كان المتكلم بكل واحدة من تلك اللغات حيواناً آخر لم يكن ذلك ملكاً واحداً بل يكون ذلك مجموع ملائكة. والثالث: أن هذا شيء مجهول الوجود فكيف يسأل عنه، أما الروح الذي هو سبب الحياة فهو شيء تتوفر دواعي العقلاء على معرفته فصرف هذا السؤال إليه أولى. والقول الرابع: وهو قول الحسن وقتادة أن هذا الروح جبريل والدليل عليه أنه تعالى سمى جبريل بالروح في قوله: { أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : [الشعراء: 193، 194] وفي قوله: { أية : فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا } تفسير : [مريم: 17] ويؤكد هذا أنه تعالى قال: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى } (في جبريل) وقال (حكاية عن) جبريل: { أية : وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } تفسير : [مريم: 64] فسألوا الرسول كيف جبريل في نفسه وكيف قيامه بتبليغ الوحي إليه. والقول الخامس: قال مجاهد: الروح خلق ليسوا من الملائكة على صورة بني آدم يأكلون ولهم أيد وأرجل ورؤوس وقال أبو صالح يشبهون الناس وليسوا بالناس ولم أجد في القرآن ولا في الأخبار الصحيحة شيئاً يمكن التمسك به في إثبات هذا القول وأيضاً فهذا شيء مجهول فيبعد صرف هذا السؤال إليه فحاصل ما ذكرناه في تفسير الروح المذكور في هذه الآية هذه الأقوال الخمسة، والله أعلم بالصواب. المسألة الثالثة: في شرح مذاهب الناس في حقيقة الإنسان، اعلم أن العلم الضروري حاصل بأن ها هنا شيئاً إليه يشير الإنسان بقوله أنا وإذا قال الإنسان علمت وفهمت وأبصرت وسمعت وذقت وشممت ولمست وغضبت فالمشار إليه لكل أحد بقوله أنا إما أن يكون جسماً أو عرضاً أو مجموع الجسم والعرض أو شيئاً مغايراً للجسم والعرض أو من ذلك الشيء الثالث فهذا ضبط معقول. أما القسم الأول: وهو أن يقال إن الإنسان جسم فذلك الجسم إما أن يكون هو هذه البنية أو جسماً داخلاً في هذه البنية أو جسماً خارجاً عنها، أما القائلون بأن الإنسان عبارة عن هذه البنية المحسوسة وعن هذا الجسم المحسوس فهم جمهور المتكلمين وهؤلاء يقولون الإنسان لا يحتاج تعريفه إلى ذكر حد أو رسم بل الواجب أن يقال الإنسان هو الجسم المبني بهذه البنية المحسوسة واعلم أن هذا القول عندنا باطل وتقريره أنهم قالوا: الإنسان هو هذا الجسم المحسوس، فإذا أبطلنا كون الإنسان عبارة عن هذا الجسم وأبطلنا كون الإنسان محسوساً فقد بطل كلامهم بالكلية والذي يدل على أنه لا يمكن أن يكون الإنسان عبارة (عن) هذا الجسم وجوه. الحجة الأولى: أن العلم البديهي حاصل بأن أجزاء هذه الجثة متبدلة بالزيادة والنقصان تارة بحسب النمو والذبول وتارة بحسب السمن والهزال والعلم الضروري حاصل بأن المتبدل المتغير مغاير للثابت الباقي ويحصل من مجموع هذه المقدمات الثلاثة العلم القطعي بأن الإنسان ليس عبارة عن مجموع هذه الجثة. الحجة الثانية: أن الإنسان حال ما يكون مشتغل الفكر متوجه الهمة نحو أمر معين مخصوص فإنه في تلك الحالة غير غافل عن نفسه المعينة بدليل أنه في تلك الحالة قد يقول غضبت واشتهيت وسمعت كلامك وأبصرت وجهك، وتاء الضمير كناية عن نفسه فهو في تلك الحالة عالم بنفسه المخصوصة وغافل عن جملة بدنه وعن كل واحد من أعضائه وأبعاضه و (يكون) المعلوم غير معلوم، فالإنسان يجب أن يكون مغايراً لجملة هذا البدن ولكل واحد من أعضائه وأبعاضه. الحجة الثالثة: أن كل أحد يحكم عقله بإضافة كل واحد من هذه الأعضاء إلى نفسه فيقول رأسي وعيني ويدي ورجلي ولساني وقلبي والمضاف غير المضاف إليه فوجب أن يكون الشيء الذي هو الإنسان مغايراً لجملة هذا البدن ولكل واحد من هذه الأعضاء. فإن قالوا: قد يقول نفسي وذاتي فيضيف النفس والذات إلى نفسه فيلزم أن يكون الشيء وذاته مغايرة لنفسه وهو محال قلنا قد يراد به هذا البدن المخصوص وقد يراد بنفس الشيء وذاته الحقيقة المخصوصة التي يشير إليها كل أحد بقوله أنا فإذا قال نفسي وذاتي فإن كان المراد البدن فعندنا أنه مغاير لجوهر الإنسان، أما إذا أريد بالنفس والذات المخصوصة المشار إليها بقوله: أنا فلا نسلم أن الإنسان يمكنه أن يضيف ذلك الشيء إلى نفسه بقوله إنساني وذلك لأن عين الإنسان ذاته فكيف يضيفه مرة أخرى إلى ذاته. الحجة الرابعة؛ أن كل دليل على أن الإنسان يمتنع أن يكون جسماً فهو أيضاً يدل على أنه يمتنع أن يكون عبارة عن هذا الجسم وسيأتي تقرير تلك الدلائل. الحجة الخامسة: أن الإنسان قد يكون حياً حال ما يكون البدن ميتاً فوجب كون الإنسان مغايراً لهذا البدن والدليل على صحة ما ذكرناه قوله تعالى: { أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } تفسير : [آل عمران: 169] فهذا النص صريح في أن أولئك المقتولين أحياء والحس يدل على أن هذا الجسد ميت. الحجة السادسة: أن قوله تعالى: { أية : ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً } تفسير : [غافر: 46] وقوله: { أية : أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً } تفسير : [نوح: 25] يدل على أن الإنسان يحيا بعد الموت وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : أنبياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار » تفسير : وكذلك قوله عليه السلام « حديث : القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار » تفسير : وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : من مات فقد قامت قيامته » تفسير : كل هذه النصوص تدل على أن الإنسان يبقى بعد موت الجسد، وبديهة العقل والفطرة شاهدان بأن هذا الجسد ميت. ولو جوزنا كونه حياً جاز مثله في جميع الجمادات، وذلك عين السفسطة. وإذا ثبت أن الإنسان شيء وكان الجسد ميتاً لزم أن الإنسان شيء غير هذا الجسد. الحجة السابعة: قوله عليه السلام في خطبة طويلة له «حديث : حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش، ويقول يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال من حله وغير حله فالغنى لغيري والتبعة علي فاحذروا مثل ما حل بي»تفسير : وجه الاستدلال أن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بأن حال ما يكون الجسد محمولاً على النعش بقي هناك شيء ينادي ويقول يا أهلي ويا ولدي جمعت المال من حله وغير حله ومعلوم أن الذي كان الأهل أهلاً له وكان جامعاً للمال من الحرام والحلال والذي بقي في رقبته الوبال ليس إلا ذلك الإنسان فهذا تصريح بأن في الوقت الذي كان فيه الجسد ميتاً محمولاً كان ذلك الإنسان حياً باقياً فاهماً وذلك تصريح بأن الإنسان شيء مغاير لهذا الجسد ولهذا الهيكل. الحجة الثامنة: قوله تعالى: { أية : يأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِى إِلَىٰ رَبّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً } تفسير : [الفجر: 27، 28] والخطاب بقوله {ارجعي} إنما هو متوجه عليها حال الموت فدل هذا على أن الشيء الذي يرجع إلى الله بعد موت الجسد يكون حياً راضياً عن الله ويكون راضياً عنه الله والذي يكون راضياً ليس إلا الإنسان فهذا يدل على أن الإنسان بقي حياً بعد موت الجسد والحي غير الميت فالإنسان مغاير لهذا الجسد. الحجة التاسعة: قوله تعالى: { أية : حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ * ثُمَّ رُدُّواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقّ } تفسير : [الأنعام: 61، 62] أثبت كونهم مردودين إلى الله الذي هو مولاهم حال كون الجسد ميتاً فوجب أن يكون ذلك المردود إلى الله مغايراً لذلك الجسد الميت. الحجة العاشرة: نرى جميع فرق الدنيا من الهند والروم والعرب والعجم وجميع أرباب الملل والنحل من اليهود والنصارى والمجوس والمسلمين وسائر فرق العالم وطوائفهم يتصدقون عن موتاهم ويدعون لهم بالخير ويذهبون إلى زياراتهم، ولولا أنهم بعد موت الجسد بقوا أحياء لكان التصدق عنهم عبثاً، والدعاء لهم عبثاً، ولكان الذهاب إلى زيارتهم عبثاً، فالإطباق على هذه الصدقة وعلى هذا الدعاء وعلى هذه الزيارة يدل على أن فطرتهم الأصلية السليمة شاهدة بأن الإنسان شيء غير هذا الجسد وأن ذلك الشيء لا يموت، بل (الذي) يموت هذا الجسد. الحجة الحادية عشرة: أن كثيراً من الناس يرى أباه أو ابنه بعد موته في المنام ويقول له اذهب إلى الموضع الفلاني فإن فيه ذهباً دفنته لك وقد يراه فيوصيه بقضاء دين عنه ثم عند اليقظة إذا فتش كان كما رآه في النوم من غير تفاوت، ولولا أن الإنسان يبقى بعد الموت لما كان كذلك، ولما دل هذا الدليل على أن الإنسان يبقى بعد الموت ودل الحس على أن الجسد ميت كان الإنسان مغايراً لهذا الجسد الميت. الحجة الثانية عشرة: أن الإنسان إذا ضاع عضو من أعضائه مثل أن تقطع يداه أو رجلاه أو تقلع عيناه أو تقطع أذناه إلى غيرها من الأعضاء فإن ذلك الإنسان يجد من قلبه وعقله أنه هو عين ذلك الإنسان ولم يقع في عين ذلك الإنسان تفاوت حتى أنه يقول أنا ذلك الإنسان الذي كنت موجوداً قبل ذلك إلا أنه يقول إنهم قطعوا يدي ورجلي، وذلك برهان يقيني على أن ذلك الإنسان شيء مغاير لهذه الأعضاء والأبعاض وذلك يبطل قول من يقول الإنسان عبارة عن هذه البنية المخصوصة. الحجة الثالثة عشرة: أن القرآن والأحاديث يدلان على أن جماعة من اليهود قد مسخهم الله وجعلهم في صورة القردة والخنازير فنقول: إن ذلك الإنسان هل بقي حال ذلك المسخ أو لم يبق؟ فإن لم يبق كان هذا إماتة لذلك الإنسان وخلقاً لذلك الخنزير وليس هذا من المسخ في شيء. وإن قلنا إن ذلك الإنسان بقي حال حصول ذلك المسخ فنقول على ذلك التقدير: ذلك الإنسان باق وتلك البنية وذلك الهيكل غير باق، فوجب أن يكون ذلك الإنسان شيئاً مغايراً لتلك البنية. الحجة الرابعة عشرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى جبريل عليه الصلاة والسلام في صورة دحية الكلبي وكان يرى إبليس في صورة الشيخ النجدي فها هنا بنية الإنسان وهيكله وشكله حاصل مع أن حقيقة الإنسان غير حاصلة وهذا يدل على أن الإنسان ليس عبارة عن هذه البنية، وهذا الهيكل. والفرق بين هذه الحجة والتي قبلها أنه حصلت صورة هذه البنية مع عدم هذه البنية وهذا الهيكل. الحجة الخامسة عشرة: أن الزاني يزني بفرجه فيضرب على ظهره فوجب أن يكون الإنسان شيئاً آخر سوى الفرج وسوى الظهر، ويقال إن ذلك الشيء يستعمل الفرج في عمل والظهر في عمل آخر، فيكون المتلذذ والمتألم هو ذلك الشيء إلا أنه تحصل تلك اللذة بواسطة ذلك العضو ويتألم بواسطة الضرب على هذا العضو. الحجة السادسة عشرة: أني إذا تكلمت مع زيد وقلت له افعل كذا أو لا تفعل كذا فالمخاطب بهذا الخطاب والمأمور والمنهي ليس هو جبهة زيد ولا حدقته ولا أنفه ولا فمه ولا شيئاً من أعضائه بعينه، فوجب أن يكون المأمور والمنهي والمخاطب شيئاً مغايراً لهذه الأعضاء، وذلك يدل على أن ذلك المأمور والمنهي غير هذا الجسد فإن قالوا لم لا يجوز أن يقال المأمور والمنهي جملة هذا البدن لا شيء من أعضائه وأبعاضه؟ قلنا بوجه التكليف على الجملة إنما يصح لو كانت الجملة فاهمة عالمة فنقول لو كانت الجملة فاهمة عالمة فإما أن يقوم بمجموع البدن علم واحد أو يقوم بكل واحد من أجزاء البدن علم على حدة، والأول يقتضي قيام العرض بالمحال الكثيرة وهو محال، والثاني يقتضي أن يكون كل واحد من أجزاء البدن عالماً فاهماً مدركاً على سبيل الاستقلال، وقد بينا أن العلم الضروري حاصل بأن الجزء المعين من البدن ليس عالماً فاهماً مدركاً بالاستقلال فسقط هذا السؤال. الحجة السابعة عشرة: أن الإنسان يجب أن يكون عالماً، والعلم لا يحصل إلا في القلب فيلزم أن يكون الإنسان عبارة عن الشيء الموجود في القلب وإذا ثبت هذا بطل القول بأن الإنسان عبارة عن هذا الهيكل، وهذه الجثة إنما قلنا إن الإنسان يجب أن يكون عالماً لأنه فاعل مختار، والفاعل المختار هو الذي يفعل بواسطة القلب والاختيار وهما مشروطان بالعلم لأن ما لا يكون مقصوداً امتنع القصد إلى تكوينه فثبت أن الإنسان يجب أن يكون عالماً بالأشياء وإنما قلنا إن العلم لا يوجد إلا في القلب للبرهان والقرآن. أما البرهان فلأنا نجد العلم الضروري بأنا نجد علومنا من ناحية القلب، وأما القرآن فآيات نحو قوله تعالى: { أية : لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا } تفسير : [الأعراف: 179] وقوله: { أية : كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلإيمَـٰنَ } تفسير : [المجادلة: 22] وقوله: { أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : [الشعراء: 193، 194] وإذا ثبت أن الإنسان يجب أن يكون عالماً، وثبت أن العلم ليس إلا في القلب هو هذا الجسد وهذا الهيكل. وأما البحث الثاني: وهو بيان أن الإنسان غير محسوس وهو أن حقيقة الإنسان شيء مغاير للسطح واللون وكل ما هو مرئي فهو إما السطح وإما اللون وهما مقدمتان قطعيتان وينتج هذا القياس أن حقيقة الإنسان غير مرئية ولا محسوسة وهذا برهان يقيني. المسألة الرابعة: في شرح مذاهب القائلين بأن الإنسان جسم موجود في داخل البدن اعلم أن الأجسام الموجودة في هذا العالم السفلي إما أن تكون أحد العناصر الأربعة أو ما يكون متولداً من امتزاجها، ويمتنع أن يحصل في البدن الإنساني جسم عنصري خالص بل لا بد وأن يكون الحاصل جسماً متولداً من امتزاجات هذه الأربعة فنقول: أما الجسم الذي تغلب عليه الأرضية فهو الأعضاء الصلبة الكثيفة كالعظم والغضروف والعصب والوتر والرباط والشحم واللحم والجلد ولم يقل أحد من العقلاء الذين قالوا: الإنسان شيء مغاير لهذا الجسد بأنه عبارة عن عضو معين من هذه الأعضاء وذلك لأن هذه الأعضاء كثيفة ثقيلة ظلمانية فلا جرم لم يقل أحد من العقلاء بأن الإنسان عبارة عن أحد هذه الأعضاء، وأما الجسم الذي تغلب عليه المائية فهو الأخلاط الأربعة ولم يقل أحد في شيء منها إنه الإنسان إلا في الدم فإن منهم من قال إنه هو الروح بدليل أنه إذا خرج لزم الموت، أما الجسم الذي تغلب عليه الهوائية والنارية فهو الأرواح وهي نوعان. أحدهما: أجسام هوائية مخلوطة بالحرارة الغريزية متولدة إما في القلب أو في الدماغ وقالوا إنها هي الروح وإنها هي الإنسان ثم اختلفوا فمنهم من يقول الإنسان هو الروح الذي في القلب، ومنهم من يقول إنه جزء لا يتجزأ في الدماغ، ومنهم من يقول الروح عبارة عن أجزاء نارية مختلطة بهذه الأرواح القلبية والدماغية وتلك الأجزاء النارية وهي المسماة بالحرارة الغريزية وهي الإنسان، ومن الناس من يقول الروح عبارة عن أجسام نورانية سماوية لطيفة، والجوهر على طبيعة ضوء الشمس وهي لا تقبل التحلل والتبدل ولا التفرق ولا التمزق فإذا تكون البدن وتم استعداده وهو المراد بقوله: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } نفذت تلك الأجسام الشريفة السماوية الإلهية في داخل أعضاء البدن نفاذ النار في الفحم ونفاذ دهن السمسم في السمسم، ونفاذ ماء الورد في جسم الورد، ونفاذ تلك الأجسام السماوية في جوهر البدن هو المراد بقوله: { أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } تفسير : [ص: 72] ثم إن البدن ما دام يبقى سليماً قابلاً لنفاذ تلك الأجسام الشريفة بقي حياً، فإذا تولدت في البدن أخلاط غليظة منعت تلك الأخلاط الغليظة من سريان تلك الأجسام الشريفة فيها فانفصلت عن هذا البدن فحينئذ يعرض الموت، فهذا مذهب قوي شريف يجب التأمل فيه فإنه شديد المطابقة لما ورد في الكتب الإلهية من أحوال الحياة والموت، فهذا تفصيل مذاهب القائلين بأن الإنسان جسم موجود في داخل البدن، وأما أن الإنسان جسم موجود خارج البدن فلا أعرف أحداً ذهب إلى هذا القول. أما القسم الثاني: وهو أن يقال الإنسان عرض حال في البدن، فهذا لا يقول به عاقل لأن من المعلوم بالضرورة أن الإنسان جوهر لأنه موصوف بالعلم والقدرة والتدبر والتصرف، ومن كان كذلك كان جوهراً والجوهر لا يكون عرضاً بل الذي يمكن أن يقول به كل عاقل هو أن الإنسان يشترط أن يكون موصوفاً بأعراض مخصوصة، وعلى هذا التقدير فللناس فيه أقوال. القول الأول: أن العناصر الأربعة إذا امتزجت وانكسرت سورة كل واحدة منها بسورة الآخر حصلت كيفية معتدلة هي المزاج: ومراتب هذا المزاج غير متناهية فبعضها هي الإنسانية وبعضها هي الفرسية، فالإنسانية عبارة عن أجسام موصوفة متولدة عن امتزاجات أجزاء العناصر بمقدار مخصوص، هذا قول جمهور الأطباء ومنكري بقاء النفس وقول أبي الحسين البصري من المعتزلة. والقول الثاني: أن الإنسان عبارة عن أجسام مخصوصة بشرط كونها موصوفة بصفة الحياة والعلم والقدرة والحياة عرض قائم بالجسم وهؤلاء أنكروا الروح والنفس وقالوا ليس ها هنا إلا أجسام مؤتلفة موصوفة بهذه الأعراض المخصوصة وهي الحياة والعلم والقدرة، وهذا مذهب أكثر شيوخ المعتزلة. والقول الثالث: أن الإنسان عبارة عن أجسام موصوفة بالحياة والعلم والقدرة والإنسان إنما يمتاز عن سائر الحيوانات بشكل جسده وهيئة أعضائه وأجزائه إلا أن هذا مشكل فإن الملائكة قد يتشبهون بصور الناس فها هنا صورة الإنسان حاصلة مع عدم الإنسانية وفي صورة المسخ معنى الإنسانية حاصل مع أن هذه الصورة غير حاصلة فقد بطل اعتبار هذا الشكل في حصول معنى الإنسانية طرداً وعكساً. أما القسم الثالث: وهو أن يقال الإنسان موجود ليس بجسم ولا جسمانية فهو قول أكثر الإلهيين من الفلاسفة القائلين ببقاء النفس المثبتين للنفس معاداً روحانياً وثواباً وعقاباً وحساباً روحانياً وذهب إليه جماعة عظيمة من علماء المسلمين مثل الشيخ أبي القاسم الراغب الأصفهاني والشيخ أبي حامد الغزالي رحمهما الله، ومن قدماء المعتزلة معمر بن عباد السلمي، ومن الشيعة الملقب عندهم بالشيخ المفيد، ومن الكرامية جماعة، واعلم أن القائلين بإثبات النفس فريقان، الأول: وهم المحققون منهم من قال الإنسان عبارة عن هذا الجوهر المخصوص، وهذا البدن وعلى هذا التقدير فالإنسان غير موجود في داخل العالم ولا في خارجه وغير متصل في داخل العالم ولا في خارجه وغير متصل بالعالم ولا منفصل عنه، ولكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف كما أن إله العالم لا تعلق له بالعالم إلا على سبيل التصرف والتدبير. والفريق الثاني: الذين قالوا النفس إذا تعلقت بالبدن اتحدت بالبدن فصارت النفس عين البدن، والبدن عين النفس ومجموعهما عند الاتحاد هو الإنسان فإذا جاء وقت الموت بطل هذا الاتحاد وبقيت النفس وفسد البدن فهذه جملة مذاهب الناس في الإنسان وكان ثابت بن قرة يثبت النفس ويقول إنها متعلقة بأجسام سماوية نورانية لطيفة غير قابلة للكون والفساد التفرق والتمزق وأن تلك الأجسام تكون سارية في البدن وما دام يبقى ذلك السريان بقيت النفس مدبرة للبدن فإذا انفصلت تلك الأجسام اللطيفة عن جوهر البدن انقطع تعلق النفس عن البدن. المسألة الخامسة: في دلائل مثبتي النفس من ناحية العقل احتج القوم بوجوه كثيرة بعضها قوي وبعضها ضعيف والوجوه القوية بعضها قطعية وبعضها إقناعية فلنذكر الوجوه القطعية. الحجة الأولى: لا شك أن الإنسان جوهر فإما أن يكون جوهراً متحيزاً أو غير متحيز والأول باطل فتعين الثاني والذي يدل على أنه يمتنع أن يكون جوهراً متحيزاً أنه لو كان كذلك لكان كونه متحيزاً غير تلك الذات ولو كان كذلك لكان كل ما علم الإنسان ذاته المخصوصة وجب أن يعلم كونه متحيزاً بمقدار مخصوص وليس الأمر كذلك فوجب أن لا يكون الإنسان جوهراً متحيزاً فنفتقر في تقرير هذا الدليل إلى مقدمات ثلاثة. المقدمة الأولى: لو كان الإنسان جوهراً متحيزاً لكان كونه متحيزاً عين ذاته المخصوصة والدليل عليه أنه لو كان تحيزه صفة قائمة لكان ذلك المحل من حيث هو مع قطع النظر عن هذه الصفة. إما أن يكون متحيزاً أو لا يكون والقسمان باطلان فبطل القول بكون التحيز صفة قائمة بالمحل إنما قلنا إنه يمتنع أن يكون محل التحيز لأنه يلزم كون الشيء الواحد متحيزاً مرتين ولأنه يلزم اجتماع المثلين ولأنه ليس جعل أحدهما ذاتاً والآخر صفة أولى من العكس ولأن التحيز الثاني إن كان عين الذات فهو المقصود وإن كان صفة لزم التسلسل وهو محال وإنما قلنا إنه يمتنع أن يكون محل التحيز غير متحيز لأن حقيقة التحيز هو الذهاب في الجهات والامتداد فيها، والشيء الذي لا يكون متحيزاً لم يكن له اختصاص بالجهات وحصوله فيها ليس بمتحيز محال، فثبت بهذا أنه لو كان الإنسان جوهراً متحيزاً لكان تحيزه غير ذاته المخصوصة. المقدمة الثانية: لو كان تحيز ذاته المخصوصة عين ذاته المخصوصة لكان متى عرف ذاته المخصوصة فقد عرف كونها متحيزة، والدليل عليه أنه لو صارت ذاته المخصوصة معلومة وصار تحيزه مجهولاً لزم اجتماع النفي والإثبات في الشيء الواحد وهو محال. المقدمة الثالثة: أنا قد نعرف ذاتنا حال كوننا جاهلين بالتحيز والامتداد في الجهات الثلاثة وذلك ظاهر عند الاختبار والامتحان فإن الإنسان حال كونه مشتغلاً بشيء من المهمات مثل أن يقول لعبده لم فعلت كذا ولم خالفت أمري وإني أبالغ في تأديبك وضربك فعندما يقول لم خالفت أمري يكون عالماً بذاته المخصوصة إذ لو لم يعلم ذاته المخصوصة لامتنع أن يعلم أن ذلك الإنسان خالفه ولامتنع أن يخبر عن نفسه بأنه على عزم أن يؤدبه ويضربه ففي هذه الحالة يعلم ذاته المخصوصة مع أنه في تلك الحالة لا يخطر بباله حقيقة التحيز والامتداد في الجهات والحصول في الحيز فثبت بما ذكرنا أنه لو كان ذات الإنسان جوهراً متحيزاً لكان تحيزه عن عين المخصوصة ولو كان كذلك لكان كل ما علم ذاته المخصوصة فقد علم التحيز وثبت أنه ليس كذلك فيلزم أن يقال ذات الإنسان ليس جوهراً متحيزاً وذلك هو المطلوب، فإن قالوا هذا معارض بأنه لو كان جوهراً مجرداً لكان كل من عرف ذات نفسه عرف كونه جوهراً مجرداً وليس الأمر كذلك قلنا الفرق ظاهر لأن كونه مجرداً معناه أنه ليس بمتحيز ولا حالاً في المتحيز وهذا السلب ليس عين تلك الذات المخصوصة لأن السلب ليس عين الثبوت، وإذا كان كذلك لم يبعد أن تكون تلك الذات المخصوصة معلومة وأن لا يكون ذلك السلب معلوماً بخلاف كونه متحيزاً فأنا قد دللنا على أن تقدير كون الإنسان جوهراً متحيزاً يكون تحيزه عين ذاته المخصوصة وعلى هذا التقدير يمتنع أن تكون ذاته معلومة ويكون تحيزه مجهولاً فظهر الفرق. الحجة الثانية: النفس واحدة ومتى كانت واحدة وجب أن تكون مغايرة لهذا البدن ولكل واحد من أجزائه فهذه الحجة مبنية على مقدمات، المقدمة الأولى: هي قولنا النفس واحدة ولنا ها هنا مقامان تارة ندعي العلم البديهي فيه وأخرى نقيم البرهان على صحته، أما المقام الأول: وهو إدعاء البديهية فنقول المراد من النفس هو الشيء الذي يشير إليه كل أحد بقوله أنا وكل أحد يعلم بالضرورة أنه إذا أشار إلى ذاته المخصوصة بقوله أنا كان ذلك المشار إليه واحداً غير متعدد فإن قيل لم لا يجوز أن يكون المشار إليه لكل أحد بقوله أنا وإن كان واحداً إلا أن ذلك الواحد يكون مركباً من أشياء كثيرة قلنا إنه لا حاجة لنا في هذا المقام إلى دفع هذه السؤال بل نقول المشار إليه بقول أنا معلوم بالضرورة أنه شيء واحد فأما أن ذلك الواحد هل هو واحد مركب من أشياء كثيرة أو هو واحد في نفسه واحد في حقيقته فهذا لا حاجة إليه في هذا المقام. أما المقام الثاني: وهو مقام الاستدلال فالذي يدل على وحدة النفس وجوه. الحجة الأولى: أن الغضب حالة نفسانية تحدث عند إرادة دفع المنافر والشهوة حالة نفسانية تحدث عند طلب الملايم مشروطاً بالشعور بكون الشيء ملايماً ومنافراً فالقوة الغضبية التي هي قوة دافعة للمنافر إن لم يكن لها شعور بكونه منافراً امتنع انبعاثها لدفع ذلك المنافر على سبيل القصد والاختيار لأن القصد إلى الجذب تارة وإلى الدفع أخرى مشروط بالشعور بالشيء فالشيء المحكوم عليه بكونه دافعاً للمنافر على سبيل الاختيار لا بد وأن يكون له شعور بكونه منافراً فالذي يغضب لا بد وأن يكون هو بعينه مدركاً فثبت بهذا البرهان اليقيني مباينة حاصلة في ذوات متباينة. الحجة الثانية: أنا إذا فرضنا جوهرين مستقلين يكون كل واحد منهما مستقلاً بفعله الخاص امتنع أن يصير اشتغال أحدهما بفعله الخاص مانعاً للآخر من اشتغاله بفعله الخاص به. وإذا ثبت هذا فنقول لو كان محل الإدراك والفكر جوهراً ومحل الغضب جوهراً آخر ومحل الشهوة جوهراً ثالثاً وجب أن لا يكون اشتغال القوة الغضبية بفعلها مانعاً للقوة الشهوانية من الاشتغال بفعلها ولا بالعكس لكن الثاني باطل فإن اشتغال الإنسان بالشهوة وانصبابه إليها يمنعه من الاشتغال بالغضب وانصبابه إليه وبالعكس فعلمنا أن هذه الأمور الثلاثة ليست مباديء مستقلة بل هي صفات مختلفة بجوهر واحد فلا جرم كان اشتغال ذلك الجوهر بأحد هذه الأفعال عائقاً له عن الاشتغال بالفعل الآخر. الحجة الثالثة: أنا إذا أدركنا أشياء فقد يكون الإدراك سبباً لحصول الشهوة وقد يصير سبباً لحصول الغضب فلو كان الجوهر المدرك مغايراً للذي يغضب والذي يشتهي فحين أدرك الجوهر المدرك لم يحصل عند الجوهر المشتهى من ذلك الإدراك أثر ولا خبر فوجب أن لا يترتب على ذلك الإدراك لا حصول الشهوة ولا حصول الغضب وحيث حصل هذا الترتيب والاستلزام علمنا أن صاحب الإدراك بعينه هو صاحب الشهوة بعينها وصاحب الغضب بعينه. الحجة الرابعة: أن حقيقة الحيوان أنه جسم ذو نفس حساسة متحركة بالإرادة فالنفس لا يمكنها أن تتحرك بالإدارة إلا عند حصول الداعي ولا معنى للداعي إلا الشعور بخير يرغب في جذبه أو بشر يرغب في دفعه وهذا يقتضي أن يكون المتحرك بالإرادة هو بعينه مدركاً للخير والشر والملذ والمؤذي والنافع والضار فثبت بما ذكرنا أن النفس الإنسانية شيء واحد وثبت أن ذلك الشيء هو المبصر والسامع والشام والذائق واللامس والمتخيل والمتفكر والمتذكر والمشتهي والغاضب وهو الموصوف بجميع الإدراكات وهو الموصوف بجميع الأفعال الاختيارية والحركات الإرادية، وأما المقدمة الثانية: في بيان أنه لما كانت النفس شيئاً واحداً وجب أن لا تكون النفس في هذا البدن ولا شيئاً من أجزائه فنقول أما بيان أنه متى كان الأمر كذلك امتنع كون النفس عبارة عن جملة هذا البدن وكذا القوة السامعة وكذا سائر القوى كالتخيل والتذكر والتفكر والعلم بأن هذه القوى غير سارية في جملة أجزاء البدن علم بديهي بل هو من أقوى العلوم البديهية، وأما بيان أنه يمتنع أن تكون النفس جزءاً من أجزاء هذا البدن فإنا نعلم بالضرورة أنه ليس في البدن جزء واحد وهو بعينه موصوف بالأبصار والسماع والفكر والذكر بل الذي يتبادر إلى الخاطر أن الأبصار مخصوص بالعين لا بسائر الأعضاء والسماع مخصوص بالأذن لا بسائر الأعضاء والصوت مخصوص بالحلق لا بسائر الأعضاء. وكذلك القول في سائر الإدراكات وسائر الأفعال فأما أن يقال إنه حصل في البدن جزء واحد موصوف بكل هذه الإدراكات وبكل هذه الأفعال فالعلم الضروري حاصل بأنه ليس الأمر كذلك فثبت بما ذكرنا أن النفس الإنسانية شيء واحد موصوف بجملة هذه الإدراكات وبجملة هذه الأفعال وثبت بالبديهية أن جملة البدن ليست كذلك وثبت أيضاً أن شيئاً من أجزاء البدن ليس كذلك فحينئذ يحصل اليقين بأن النفس شيء مغاير لهذا البدن ولكل واحد من أجزائه وهو المطلوب. ولنقرر هذا البرهان بعبارة أخرى فنقول: إنا نعلم بالضرورة أنا إذا أبصرنا شيئاً عرفناه وإذا عرفناه اشتهيناه وإذا اشتهيناه حركنا أبداننا إلى القرب منه فوجب القطع بأن الذي أبصر هو الذي عرف وأن الذي عرف هو الذي اشتهى وأن الذي اشتهى هو الذي حرك إلى القرب منه فيلزم القطع بأن المبصر لذلك الشيء والعارف به والمشتهي والمتحرك إلى القرب منه شيء واحد إذ لو كان المبصر شيئاً والعارف شيئاً ثانياً والمشتهي شيئاً ثالثاً والمتحرك شيئاً رابعاً لكان الذي أبصر لم يعرف، والذي عرف لم يشته والذي اشتهى لم يتحرك، ومن المعلوم أن كون الشيء مبصراً لشيء لا يقتضي صيرورة شيء آخر عالماً بذلك الشيء وكذلك القول في سائر المراتب وأيضاً فإنا نعلم بالضرورة أن الرائي للمرئيات لما كان رآها فقد عرفها ولما عرفها فقد اشتهاها ولما اشتهاها طلبها وحرك الأعضاء إلى القرب منها ونعلم أيضاً بالضرورة أن الموصوف بهذه الرؤية وبهذا العلم وبهذ الشهوة وبهذا التحرك هو لا غيره وأيضاً العقلاء قالوا الحيوان لا بد أن يكون حساساً متحركاً بالإرادة فإنه إن لم يحس بشيء لم يشعر بكونه ملائماً أو بكونه منافراً وإذا لم يشعر بذلك امتنع كونه مريداً للجذب أو الدفع فثبت أن الشيء الذي يكون متحركاً بالإرادة فإنه بعينه يجب أن يكون حساساً فثبت أن المدرك لجميع المدركات يدرك بجميع أصناف الإدراكات وأن المباشر لجميع التحريكات الاختيارية شيء واحد وأيضاً فلأنا إذا تكلمنا بكلام نقصد منه تفهيم الغير (عقلنا) معاني تلك الكلمات ثم لما عقلناها أردنا تعريف غيرنا تلك المعاني ولما حصلت هذه الإرادة في قلوبنا حاولنا إدخال تلك الحروف والأصوات في الوجود لنتوسل بها إلى تعريف غيرنا تلك المعاني. إذ ثبت هذا فنقول: إن كان محمل العلم والإرادة ومحل تلك الحروف والأصوات جسماً واحداً لزم أن يقال إن محل العلوم والإرادات هو الحنجرة واللهاة واللسان، ومعلوم أنه ليس كذلك، وإن قلنا محل العلوم والإرادات هو القلب لزم أيضاً أن يكون محل الصوت هو القلب وذلك أيضاً باطل بالضرورة، وإن قلنا محل الكلام هو الحنجرة واللهاة واللسان، ومحل العلوم والإرادات هو القلب، ومحل القدرة هو الأعصاب والأوتار والعضلات، كنا قد وزعنا هذه الأمور على هذه الأعضاء المختلفة لكنا أبطلنا ذلك. وبينا أن المدرك لجميع المدركات والمحرك لجميع الأعضاء بكل أنواع التحريكات يجب أن يكون شيئاً واحداً، فلم يبق إلا أن يقال في الإدراك والقدرة على التحريك (أنه) شيء سوى هذا البدن وسوى أجزاء هذا البدن وأن هذه الأعضاء جارية مجرى الآلات والأدوات فكما أن الإنسان يعقل أفعالاً مختلفة بواسطة آلات محتلفة فكذلك النفس تبصر بالعين وتسمع بالأذن وتتفكر بالدماغ وتعقل بالقلب، فهذه الأعضاء آلات النفس وأدوات لها، والنفس جوهر مغاير لها مفارق عنها بالذات متعلق بها تعلق التصرف والتدبير وهذا البرهان برهان شريف يقيني في ثبوت هذا المطلوب، والله أعلم. المقدمة الثالثة: لو كان الإنسان عبارة عن هذا الجسد لكان إما أن يقوم بكل واحد من الأجزاء حياة وعلم وقدرة على حدة، وإما أن يقوم بمجموع الأجزاء حياة وعلم وقدرة، والقسمان باطلان فبطل القول بكون الإنسان عبارة عن هذا الجسد، وأما بطلان القسم الأول فلأنه يقتضي كون كل واحد من أجزاء الجسد حياً عالماً قادراً على سبيل الاستقلال فوجب أن لا يكون الإنسان الواحد حيواناً واحداً بل أحياء عالمين قادرين وحينئذ لا يبقى فرق بين الإنسان الواحد وبين أشخاص كثيرين من الناس وربط بعضهم بالبعض بالتسلسل لكنا نعلم بالضرورة فساد هذا الكلام لأني أجد ذاتي ذاتاً واحدة لا حيوانات كثيرين، وأيضاً فبتقدير أن يكون كل واحد من أجزاء هذا الجسد حيواناً واحداً على حدة فحينئذ لا يكون لكل واحد منهما خبر عن حال صاحبه فلا يمتنع أن يريد هذا أن يتحرك إلى هذا الجانب ويريد الجزء الآن أن يتحرك إلى الجانب الآخر فحينئذ يقع التدافع بين أجزاء بدن الإنسان الواحد كما يقع بين شخصين. وفساد ذلك معلوم بالبديهة، وأما بطلان القسم الثاني فلأنه يقتضي قيام الصفة الواحدة بالمحال الكثيرة، وذلك معلوم البطلان بالضرورة ولأنه لو جاز حلول الصفة الواحدة في المحال الكثيرة لم يبعد أيضاً حصول الجسم الواحد في الأحياز الكثيرة ولأن بتقدير أن تحصل الصفة الواحدة في المحال المتعددة فحينئذ يكون كل واحد من تلك الأجزاء حياً عاقلاً عالماً فيتجرد الأمر إلى كون هذه الجثة الواحدة أناساً كثيرين، ولما ظهر فساد القسمين ثبت أن الإنسان ليس هو هذه الجثة. فإن قالوا: لم لا يجوز أن تقوم الحياة الواحدة بالجزء الواحد، ثم إن تلك الحياة تقتضي صيرورة جملة الأجزاء أحياء قلنا هذا باطل لأنه لا معنى للحياة إلا الحيية، ولا معنى للعلم إلا العالمية، وبتقدير أن نساعد على أن الحياة معنى يوجب الحيية والعلم معنى يوجب العالمية إلا أنا نقول إن حصل في مجموع جثة مجموع حياة واحدة وعالمية واحدة فقد حصلت الصفة الواحدة في المحال الكثيرة وهو محال، وإن حصل في كل جزء وجثة حياة على حدة وعالمية على حدة عاد ما ذكرنا من كون الإنسان الواحد أناساً كثيرين وهو محال. المقدمة الرابعة: أنا لما تأملنا في أحوال النفس رأينا أحوالها بالضد من أحوال الجسم، وذلك يدل على أن النفس ليست جسماً، وتقرير هذه المنافاة من وجوه. الأول: أن كل جسم حصلت فيه صورة فإنه لا يقبل صورة أخرى من جنس الصورة الأولى إلا بعد زوال الصورة الأولى زوالاً تاماً مثاله: أن الشمع إذا حصل فيه شكل التثليث امتنع أن يحصل فيه شكل التربيع والتدوير إلا بعد زوال الشكل الأول عنه، نعم إنا وجدنا الحال في تصور النفس بصور المعقولات بالضد من ذلك فإن النفس التي لم تقبل صورة عقلية ألبتة يبعد قبولها شيئاً من الصور العقلية فإذا قبلت صورة واحدة صار قبولها للصورة الثانية أسهل، ثم إن النفس لا تزال تقبل صورة بعد صورة من غير أن تضعف ألبتة بل كلما كان قبولها للصور أكثر صار قبولها للصور الآتية بعد ذلك أسهل وأسرع، ولهذا السبب يزداد الإنسان فهماً وإدراكاً كلما ازداد تخرجاً وارتباطاً في العلوم فثبت أن قبول النفس للصور العقلية على خلاف قبول الجسم للصورة وذلك يوهم أن النفس ليست بجسم. والثاني: أن المواظبة على الأفكار الدقيقة لها أثر في النفس وأثر في البدن، أما أثرها في النفس فهو تأثيرها في إخراج النفس من القوة إلى الفعل في التعقلات والإدراكات وكلما كانت الأفكار أكثر كان حصول هذه الأحوال أكمل وذلك غاية كمالها ونهاية شرفها وجلالتها، وأما أثرها في البدن فهو أنها توجب استيلاء اليبس على البدن واستيلاء الذبول عليه، وهذه الحالة لو استمرت لانتقلت إلى الماليخوليا وسوق الموت فثبت بما ذكرنا أن هذه الأفكار توجب حياة النفس وشرفها وتوجب نقصان البدن وموته فلو كانت النفس هي البدن لصار الشيء الواحد سبباً لكماله ونقصانه معاً ولحياته وموته معاً، وأنه محال. والثالث: أنا إذا شاهدنا أنه ربما كان بدن الإنسان ضعيفاً نحيفاً، فإذا لاح له نور من الأنوار القدسية وتجلى له سر من أسرار عالم الغيب حصل لذلك الإنسان جراءة عظيمة وسلطنة قوية. ولم يعبأ بحضور أكابر السلاطين ولم يقم لهم وزناً ولولا أن النفس شيء سوى البدن لما كان الأمر كذلك. الرابع: أن أصحاب الرياضات والمجاهدات كلما أمعنوا في قهر القوى البدنية وتجويع الجسد قويت قواهم الروحانية وأشرقت أسرارهم بالمعارف الإلهية وكلما أمعن الإنسان في الأكل والشرب وقضاء الشهوة الجسدانية صار كالبهيمة وبقي محروماً عن آثار النطق والعقل والمعرفة ولولا أن النفس غير البدن لما كان الأمر كذلك.الخامس: أنا نرى أن النفس تفعل أفاعيلها بآلات بدنية فإنها تبصر بالعين وتسمع بالأذن وتأخذ باليد وتمشي بالرجل، أما إذا آل الأمر إلى العقل والإدراك فإنها مستقلة بذاتها في هذا الفعل من غير إعانة شيء من الآلات ولذلك فإن الإنسان لا يمكنه أن يبصر شيئاً إذا أغمض عينيه وأن لا يسمع صوتاً إذا سد أذنيه. كما لا يمكنه ألبتة أن يزيل عن قلبه العلم بما كان عالماً به فعلمنا أن النفس غنية بذاتها في العلوم والمعارف عن شيء من الآلات البدنية، فهذه الوجوه الخمسة أمارات قوية في أن النفس ليست بجسم، وفي المسألة الأولى كثير من دلائل المتقدمين ذكرناها في كتبنا الحكمية فلا فائدة في الإعادة. المسألة السادسة: في إثبات أن النفس ليست بجسم من الدلائل السمعية. الحجة الأولى: قوله تعالى: { أية : وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَـٰهُمْ أَنفُسَهُمْ } تفسير : [الحشر: 19] ومعلوم أن أحداً من العقلاء لا ينسى هذا الهيكل المشاهد فدل ذلك على أن النفس التي ينساها الإنسان عند فرط الجهل شيء آخر غير هذا البدن. الحجة الثانية: قوله تعالى: { أية : أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } تفسير : [الأنعام: 93] وهذا صريح أن النفس غير البدن وقد استقصينا في تفسير هذه فليرجع إليه. الحجة الثالثة: أنه تعالى ذكر مراتب الخلقة الجسمانية فقال: { أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ } تفسير : [المؤمنون: 12، 13] إلى قوله: { أية : فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْماً } تفسير : [المؤمنون: 14] ولا شك أن جميع هذه المراتب اختلافات واقعة في الأحوال الجسمانية ثم إنه تعالى لما أراد أن يذكر نفخ الروح قال: { أية : ثم أنشأناه خلقاً آخر } تفسير : [المؤمنون:14] وهذا تصريح بأن ما يتعلق بالروح جنس مغاير لما سبق ذكره من التغيرات الواقعة في الأحوال الجسمانية وذلك يدل على أن الروح شيء مغاير للبدن فإن قالوا هذه الآية حجة عليكم لأنه تعالى قال: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ }تفسير : [المؤمنون:12] وكلمة من للتبعيض وهذا يدل على أن الإنسان بعض من أبعاض الطين قلنا كلمة من أصلها لابتداء الغاية كقولك خرجت من البصرة إلى الكوفة فقوله تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ } يقتضي أن يكون ابتداء تخليق الإنسان حاصلاً من هذه السلالة ونحن نقول بموجبه لأنه تعالى يسوي المزاج أولاً ثم ينفخ فيه الروح فيكون ابتداء تخليقه من السلالة. الحجة الرابعة: قوله: { أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } تفسير : [الحجر: 29] ميز تعالى بين البشرية وبين نفخ الروح فالتسوية عبارة عن تخليق الأبعاض والأعضاء وتعديل المزاج والأشباح فلما ميز نفخ الروح عن تسوية الأعضاء ثم أضاف الروح إلى نفسه بقوله: {مِن رُّوحِى } دل ذلك على أن جوهر الروح معنى مغاير لجوهر الجسد. الحجة الخامسة: قوله تعالى: { أية : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } تفسير : [الشمس: 7، 8] وهذه الآية صريحة في وجود شيء موصوف بالإدراك والتحريك حقاً لأن الإلهام عبارة عن الإدراك، وأما الفجور والتقوى فهو فعل وهذه الآية صريحة في أن الإنسان شيء واحد وهو موصوف أيضاً بالإدراك والتحريك وموصوف أيضاً بفعل الفجور تارة وفعل التقوى تارة أخرى ومعلوم أن جملة البدن غير موصوف بهذين الوصفين فلا بد من إثبات جوهر آخر يكون موصوفاً بكل هذه الأمور. الحجة السادسة: قوله تعالى: { أية : إنا خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعاً بَصِيراً } تفسير : [الإنسان: 2] فهذا تصريح بأن الإنسان شيء واحد وذلك الشيء هو المبتلي بالتكاليف الإلهية والأمور الربانية وهو الموصوف بالسمع والبصر ومجموع البدن ليس كذلك وليس عضواً من أعضاء البدن كذلك فالنفس شيء مغاير لجملة البدن ومغاير لأجزاء البدن وهو موصوف بكل هذه الصفات. واعلم أن الأحاديث الواردة في صفة الأرواح قبل تعلقها بالأجساد وبعد انفصالها من الأجساد كثيرة وكل ذلك يدل على أن النفس شيء غير هذا الجسد، والعجب ممن يقرأ هذه الآيات الكثيرة ويروي هذه الأخبار الكثيرة ثم يقول توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان يعرف الروح وهذا من العجائب، والله أعلم. المسألة السابعة: في دلالة الآية التي نحن في تفسيرها على صحة ما ذكرناه أن الروح لو كان جسماً منتقلاً من حالة إلى حالة ومن صفة إلى صفة لكان مساوياً للبدن في كونه متولداً من أجسام اتصفت بصفات مخصوصة بعد أن كانت موصوفة بصفات أخرى فإذا سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح وجب أن يبين أنه جسم كان كذا ثم صار كذا حتى صار روحاً مثل ما ذكر في كيفية تولد البدن أنه كان نطفة ثم علقة، ثم مضغة فلما لم يقل ذلك بل قال إنه: {مِنَ أَمَرِ رَبّي } بمعنى أنه لا يحدث ولا يدخل في الوجود إلا لأجل أن الله تعالى قال له: { أية : كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [البقرة: 117] دل ذلك على أنه جوهر ليس من جنس الأجسام بل هو جوهر قدسي مجرد واعلم أن أكثر العارفين المكاشفين من أصحاب الرياضيات وأرباب المكاشفات والمشاهدات مصرون على هذا القول جازمون بهذا المذهب قال الواسطي: خلق الله الأرواح من بين الجمال والبهاء فلولا أنه سترها لسجد لها كل كافر، وأما بيان أن تعلقه الأول بالقلب ثم بواسطته يصل تأثيره إلى جملة الأعضاء فقد شرحناه في تفسير قوله تعالى: { أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ } تفسير : [الشعراء: 193، 194] واحتج المنكرون بوجوه. الأول: لو كانت مساوية لذات الله في كونه ليس بجسم ولا عرض لكانت مساوية له في تمام الماهية وذلك محال. الثاني: قوله تعالى: { أية : قُتِلَ ٱلإِنسَـٰنُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَىّ شَىْء خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ } تفسير : [عبس: 17 ـ 22] وهذا تصريح بأن الإنسان شيء مخلوق من النطفة، وأنه يموت ويدخل القبر ثم إنه تعالى يخرجه من القبر، ولو لم يكن الإنسان عبارة عن هذه الجثة لم تكن الأحوال المذكورة في هذه الآية صحيحة. الثالث: قوله: { أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 169] إلى قوله: { أية : يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ } تفسير : [آل عمران: 170] وهذا يدل على أن الروح جسم لأن الأرزاق والفرح من صفات الأجسام. الجواب عن الأول: أن المساواة في أنه ليس بمتحيز ولا حال في المتحيز مساواة في صفة سلبية والمساواة في الصفة السلبية لا توجب المماثلة واعلم أن جماعة من الجهال يظنون أنه لما كان الروح موجوداً ليس بمتحيز ولا حال في المتحيز وجب أن يكون مثلاً للإله أو جزءاً للإله وذلك جهل فاحش وغلط قبيح وتحقيقه ما ذكرناه من أن المساواة في السلوب لو أوجبت المماثلة لوجب القول باستواء كل المختلفات وأن كل ماهيتين مختلفتين فلا بد أن يشتركا في سلب كل ما عداهما، فلتكن هذه الدقيقة معلومة فإنها مغلطة عظيمة للجهال، والجواب عن الثاني: أنه لما كان الإنسان في العرف والظاهر عبارة عن هذه الجثة أطلق عليه اسم الإنسان في العرف، والجواب عن الثالث: أن الرزق المذكور في الآية محمول على ما يقوي حالهم ويكمل كمالهم وهو معرفة الله ومحبته بل نقول هذا من أدل الدلائل على صحة قولنا لأن أبدانهم قد بليت تحت التراب والله تعالى يقول إن أرواحهم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش وهذا يدل على أن الروح غير البدن وليكن هذا آخر كلامنا في هذا الباب ولنرجع إلى علم التفسير ثم قال تعالى: {وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } وعلى قولنا قد ذكرنا فيه احتمالين، أما المفسرون فقالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك قالوا نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلاً » تفسير : فقالوا ما أعجب شأنك يا محمد ساعة تقول: {أية : ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً } تفسير : [البقرة:269] وساعة تقول هذا. فنزل قوله: { أية : وَلَوْ أَنَّ مَّا فِى ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } تفسير : [لقمان: 27] إلى آخره وما ذكروه ليس بلازم لأن الشيء قد يكون قليلاً بالنسبة إلى شيء كثيراً بالنسبة إلى شيء آخر فالعلوم الحاصلة عند الناس قليلة جداً بالنسبة إلى علم الله وبالنسبة إلى حقائق الأشياء ولكنها كثيرة بالنسبة إلى الشهوات الجسمانية واللذات الجسدانية.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } روى البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله قال: بينا أنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في حرث وهو متّكىء على عسيب إذ مرّ اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح. فقال: ما رابكم إليه؟ وقال بعضهم: لا يستقبلكم بشيء تكرهونه. فقالوا: سلوه. فسألوه عن الروح فأمسك النبيّ صلى الله عليه وسلم فلم يردّ عليهم شيئاً؛ فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال: «حديث : ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً»تفسير : لفظ البخاري. وفي مسلم: فأسكت النبيّ صلى الله عليه وسلم. وفيه: وما أوتوا. وقد اختلف الناس في الروح المسؤول عنه، أيّ الروح هو؟ فقيل: هو جبريل؛ قاله قتادة. قال: وكان ابن عباس يكتمه. وقيل هو عيسى. وقيل: القرآن، على ما يأتي بيانه في آخر الشورى. وقال عليّ بن أبي طالب: هو مَلَك من الملائكة له سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ألف لسان، في كل لسان سبعون ألف لغة، يسبح الله تعالى بكل تلك اللغات، يخلق الله تعالى من كل تسبيحة مَلَكا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة. ذكره الطبريّ. قال ابن عطية: وما أظن القول يصحّ عن عليّ رضي الله عنه. قلت: أسند البيهقي أخبرنا أبو زكريا عن أبي إسحاق أخبرنا أبو الحسن الطرائفي حدّثنا عثمان بن سعيد حدّثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: «ويسألونك عن الروح» يقول: الروح مَلَك. وبإسناده عن معاوية بن صالح حدّثني أبو هِران (بكسر الهاء) يزيد بن سمرة عمن حدّثه عن عليّ بن أبي طالب أنه قال في قوله تعالى: «ويسئلونك عن الروح» قال: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه... الحديث بلفظه ومعناه. وروى عطاء عن ابن عباس قال: الروح ملك له أحد عشر ألف جناح وألف وجه، يسبح الله إلى يوم القيامة، ذكره النحاس. وعنه: جند من جنود الله لهم أيد وأرجل يأكلون الطعام؛ ذكره الغزْنَويّ. وقال الخطابي: وقال بعضهم، هو ملك من الملائكة بصفة وضعوها من عظم الخلقة. وذهب أكثر أهل التأويل إلى أنهم سألوه عن الروح الذي يكون به حياة الجسد. وقال أهل النظر منهم: إنما سألوه عن كيفية الروح ومسلكه في بدن الإنسان، وكيف امتزاجه بالجسم واتصال الحياة به، وهذا شيء لا يعلمه إلا الله عز وجل. وقال أبو صالح: الروح خلق كخلق بني آدم وليسوا ببني آدم، لهم أيد وأرجل. والصحيح الإبهام لقوله: «قل الروح من أمر ربي» دليلٌ على خَلْقِ الروحِ أي هو أمر عظيم وشأن كبير من أمر الله تعالى، مبهماً له وتاركاً تفصيله، ليعرف الإنسان على القطع عجزه عن علم حقيقة نفسه مع العلم بوجودها. وإذا كان الإنسان في معرفة نفسه هكذا كان بعجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى. وحكمة ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له، دلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز. قوله تعالى: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} اختلف فيمن خوطب بذلك؛ فقالت فرقة: السائلون فقط. وقال قوم: المراد اليهود بجملتهم. وعلى هذا هي قراءة ابن مسعود «وما أوتوا» ورواها عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقالت فرقة: المراد العالم كله. وهو الصحيح، وعليه قراءة الجمهور «وما أوتيتم». وقد قالت اليهود للنبيّ صلى الله عليه وسلم: كيف لم نؤت من العلم إلا قليلاً وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً؟ فعارضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلم الله فغلبوا. وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله في بعض الأحاديثِ: «كُلاًّ» يعني أن المراد بـ«ـما أوتيتم» جميع العالم. وذلك أن يهود قالت له: نحن عنيت أم قومك. فقال: «كُلاًّ». وفي هذا المعنى نزلت: {أية : وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ} تفسير : [لقمان: 27]. حكى ذلك الطبريّ رحمه الله! وقد قيل: إن السائلين عن الروح هم قريش، قالت لهم اليهود: سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فإن أخبركم عن اثنين وأمسك عن واحدة فهو نبيّ؛ فأخبرهم خبر أصحاب الكهف وخبر ذي القرنين على ما يأتي. وقال في الروح: «قل الروح من أمر ربي» أي من الأمر الذي لا يعلمه إلا الله. ذكره المهدويّ وغيره من المفسرين عن ابن عباس.

البيضاوي

تفسير : {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ} الذي يحيا به بدن الإنسان ويدبره. {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى } من الإبداعيات الكائنة بـ {كُنَّ } من غير مادة وتولد من أصل كأعضاء جسده، أو وجد بأمره وحدث بتكوينه على أن السؤال عن قدمه وحدوثه. وقيل مما استأثر الله بعلمه. لما روي: أن اليهود قالوا لقريش سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح، فإن أجاب عنها أو سكت فليس بنبي، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي، فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة. وقيل الروح جبريل وقيل خلق أعظم من الملك وقيل القرآن، ومن أمر ربي معناه من وحيه. {وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } تستفيدونه بتوسط حواسكم، فإن اكتساب العقل للمعارف النظرية. إنما هو من الضروريات المستفادة من إحساس الجزئيات، ولذلك قيل من فقد حساً فقد فقد علماً. ولعل أكثر الأشياء لا يدركه الحس ولا شيئاً من أحواله المعروفة لذاته، وهو إشارة إلى أن الروح مما لا يمكن معرفة ذاته إلا بعوارض تميزه عما يلتبس به، فلذلك اقتصر على هذا الجواب كما اقتصر موسى في جواب: وما رب العالمين بذكر بعض صفاته. روي: أنه عليه الصلاة والسلام لما قال لهم ذلك قالوا: أنحن مختصون بهذا الخطاب؟ فقال: بل نحن وأنتم، فقالوا: ما أعجب شأنك ساعة تقول {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا }تفسير : [البقرة: 269] وساعة تقول هذا فنزلت {أية : وَلَوْ أَنَّ مَّا فِى ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } تفسير : [لقمان: 27] وما قالوا لسوء فهمهم لأن الحكمة الإنسانية أن يعلم من الخير والحق ما تسعه القوة البشرية بل ما ينتظم به معاشه ومعاده، وهو بالإضافة إلى معلومات الله التي لا نهاية لها قليل ينال به خير الدارين وهو بالإضافة إليه كثيراً.

ابن كثير

تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة، عن عبد الله هو ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرث في المدينة، وهو متوكىء على عسيب، فمر بقوم من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه. قال: فسألوه عن الروح، فقالوا: يا محمد ما الروح؟ فما زال متوكئاً على العسيب، قال: فظننت أنه يوحى إليه، فقال: {وَيَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} قال: فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم: لا تسألوه. وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث الأعمش به. ولفظ البخاري عند تفسيره هذه الآية عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: بينا أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث، وهو متوكىء على عسيب، إذ مر اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقال: ما رابكم إليه، وقال بعضهم: لا يستقبلنكم بشيء تكرهونه. فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئاً، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال: {وَيَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى} الآية، وهذا السياق يقتضي فيما يظهر بادي الرأي أن هذه الآية مدنية، وأنه نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة، مع أن السورة كلها مكية. وقد يجاب عن هذا بأنه قد تكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية، كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك، أو نزل عليه الوحي بأن يجيبهم عما سألوه بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهي هذه الآية: {وَيَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ} ومما يدل على نزول هذه الآية بمكة ما قال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا يحيى بن زكريا عن داود عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه، فنزلت: {وَيَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} قالوا: أوتينا علماً كثيراً، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً، قال: وأنزل الله {أية : قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَـٰتِ رَبِّى لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ} تفسير : الآية [الكهف: 109]. وقد روى ابن جرير عن محمد بن المثنى عن عبد الأعلى، عن داود عن عكرمة قال: سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح، فأنزل الله: {وَيَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ} الآية، فقالوا: تزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلاً، وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا} تفسير : [البقرة: 269] قال: فنزلت: {وَلَوْ أَنَّمَا فِى ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} الآية، قال: ما أوتيتم من علم، فنجاكم الله به من النار، فهو كثير طيب، وهو في علم الله قليل. وقال محمد بن إسحاق عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار قال: نزلت بمكة: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أتاه أحبار يهود، وقالوا: يا محمد ألم يبلغنا عنك أنك تقول: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} أفعنيتنا أم عنيت قومك؟ فقال: «حديث : كلاً قد عنيت» تفسير : فقالوا: إنك تتلو أنا أوتينا التوراة، وفيها تبيان كل شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : هي في علم الله قليل، وقد آتاكم الله ما إن عملتم به انتفعتم» تفسير : وأنزل الله: {أية : وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } تفسير : [لقمان: 27]. وقد اختلف المفسرون في المراد بالروح ههنا على أقوال: (أحدها) أن المراد أرواح بني آدم. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {وَيَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ} الآية، وذلك أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا عن الروح، وكيف تعذب الروح التي في الجسد، وإنما الروح من الله، ولم يكن نزل عليه فيه شيء، فلم يُحِرْ إليهم شيئاً، فأتاه جبريل فقال له: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقالوا: من جاءك بهذا؟ قال: جاءني به جبريل من عند الله، فقالوا له: والله ما قاله لك إلا عدونا، فأنزل الله: {أية : قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} تفسير : [البقرة: 97] وقيل: المراد بالروح ههنا جبريل، قاله قتادة، قال: وكان ابن عباس يكتمه، وقيل: المراد به ههنا ملك عظيم بقدر المخلوقات كلها. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: {وَيَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ} يقول: الروح ملك. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله بن عرس المصري، حدثنا وهب بن روق بن هبيرة، حدثنا بشر بن بكر، حدثنا الأوزاعي، حدثنا عطاء عن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن لله ملكاً لو قيل له التقم السموات السبع والأرضين بلقمة واحدة لفعل، تسبيحه سبحانك حيث كنت» تفسير : وهذا حديث غريب بل منكر. وقال أبو جعفر بن جرير رحمه الله: حدثني علي، حدثني عبد الله، حدثني أبو مروان يزيد بن سمرة صاحب قيسارية عمن حدثه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه قال في قوله: {وَيَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ} قال: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه منها سبعون ألف لسان، لكل لسان منها سبعون ألف لغة، يسبح الله تعالى بتلك اللغات كلها، يخلق الله من كل تسبيحة ملكاً يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة، وهذا أثر غريب عجيب، والله أعلم. وقال السهيلي: روي عن علي أنه قال: هو ملك له مائة ألف رأس، لكل رأس مائة ألف وجه، في كل وجه مائة ألف فم، في كل فم مائة ألف لسان، يسبح الله تعالى بلغات مختلفة. قال السهيلي: وقيل المراد بذلك طائفة من الملائكة على صور بني آدم، وقيل: طائفة يرون الملائكة ولا تراهم، فهم للملائكة كالملائكة لبني آدم. وقوله: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى} أي: من شأنه، ومما استأثر بعلمه دونكم، ولهذا قال: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} أي: وما أطلعكم من علمه إلا على القليل، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء تبارك وتعالى، والمعنى أن علمكم في علم الله قليل، وهذا الذي تسألون عنه أمر الروح مما استأثر به تعالى، ولم يطلعكم عليه، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى، وسيأتي إن شاء الله في قصة موسى والخضر أن الخضر نظر إلى عصفور وقع على حافة السفينة، فنقر في البحر نقرة، أي: شرب منه بمنقاره، فقال: يا موسى ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر، أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا قال تعالى: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} وقال السهيلي: قال بعض الناس: لم يجبهم عما سألوا؛ لأنهم سألوا على وجه التعنت، وقيل: أجابهم. وعول السهيلي على أن المراد بقوله: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى} أي: من شرعه، أي: فادخلوا فيه، وقد علمتم ذلك؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة هذا من طبع ولا فلسفة، وإنما ينال من جهة الشرع، وفي هذا المسلك الذي طرقه وسلكه نظر، والله أعلم. ثم ذكر السهيلي الخلاف بين العلماء في أن الروح هي النفس أو غيرها، وقرر أنها ذات لطيفة كالهواء، سارية في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر، وقرر أن الروح التي ينفخها الملك في الجنين هي النفس بشرط اتصالها بالبدن واكتسابها بسببه صفات مدح أو ذم، فهي إما نفس مطمئنة أو أمارة بالسوء، كما أن الماء هو حياة الشجر، ثم يكسب بسبب اختلاطه معها اسماً خاصاً، فإذا اتصل بالعنبة وعصر منها صار إما مصطاراً أو خمراً، ولا يقال له ماء حينئذ إلا على سبيل المجاز، وكذا لا يقال للنفس روح إلا على هذا النحو، وكذا لا يقال للروح نفس إلا باعتبار ما تؤول إليه، فحاصل ما نقول: إن الروح هي أصل النفس ومادتها، والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن، فهي هي من وجه، لا من كل وجه، وهذا معنى حسن، والله أعلم. قلت: وقد تكلم الناس في ماهية الروح وأحكامها، وصنفوا في ذلك كتباً، ومن أحسن من تكلم على ذلك الحافظ ابن منده في كتاب سمعناه في: الروح.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَيَسْئَلُونَكَ } أي اليهود {عَنِ ٱلرُّوحِ } الذي يحيا به البدن {قُلْ } لهم {ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى } أي عِلْمه لا تعلمونه {وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } بالنسبة إلى علمه تعالى.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} فيها خمسة أقاويل: أحدها: أنه جبريل عليه السلام، قاله ابن عباس. كما قال تعالى {أية : نزل به الروح الأمين} تفسير : [الشعراء: 193]. الثاني: ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله تعالى بجميع ذلك، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. الثالث: أنه القرآن، قاله الحسن، كما قال تعالى {أية : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} تفسير : [الشورى: 52] فيكون معناه أن القرآن من أمر الله تعالى ووحيه الذي أنزل عليّ وليس هو مني. الرابع: أنه عيسى ابن مريم هو من أمر الله تعالى وليس كما ادعته النصارى أنه ابن الله، ولا كما افترته اليهود أنه لغير رشدة. الخامس: أنه روح الحيوان، وهي مشتقة من الريح. قال قتادة سأله عنها قوم من اليهود وقيل في كتابهم أنه إن أجاب عن الروح فليس بنبيّ فقال الله تعالى {قل الروح من أمر ربي} فلم يجبهم عنها فاحتمل ذلك ستة أوجه: أحدها: تحقيقاً لشيء إن كان في كتابهم. الثاني: أنهم قصدوا بذلك الإعنات كما قصدوا اقتراح الآيات. الثالث: لأنه قد يتوصل إلى معرفته بالعقل دون السمع. الرابع: لئلا يكون ذلك ذريعة إلى سؤال ما لا يعني. الخامس: قاله بعض المتكلمين، أنه لو أجابهم عنها ووصفها؛ بأنها جسم رقيق تقوم معه الحياة، لخرج من شكل كلام النبوة، وحصل في شكل كلام الفلاسفة. فقال {من أمر ربي} أي هو القادر عليه. السادس: أن المقصود من سؤالهم عن الروح أن يتبين لهم أنه محدث أو قديم، فأجابهم بأنه محدث لأنه قال: {من أمر ربي} أي من فعله وخلقه، كما قال تعالى {إنما أمرنا لشيء}. فعلى هذا الوجه يكون جواباً لما سألوه، ولا يكون على الوجوه المتقدمة جواباً. {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} فيه وجهان: أحدهما: إلا قليلاً من معلومات الله. الثاني: إلا قليلاً بحسب ما تدعو الحاجة إليه حالاً فحالاً. وفيمن أريد بقوله تعالى: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} قولان: أحدهما: أنهم اليهود خاصة، قاله قتادة. الثاني: النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الخلق.

ابن عطية

تفسير : الضمير في {يسألونك} قيل هو لليهود وإن الآية مدنية، وروى عبد الله بن مسعود، أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمر على حرث بالمدينة، ويروى على خرب، وإذا فيه جماعة من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فإن أجاب فيه عرفتم أنه ليس بنبي، وذلك أنه كان عندهم في التوراة أن الروح مما انفرد الله بعلمه، ولا يطلع عليه أحداً من عباده، قال ابن مسعود: وقال بعضهم: لا تسألوه لئلا يأتي فيه بشيء تكرهونه يعني والله أعلم من أنه لا يفسره فتقوى الحجة عليهم في نبوته، قال فسألوه فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئاً على عسيب، فظننت أنه يوحى إليه، ثم تلا عليهم الآية، وقيل الآية مكية والضمير لقريش، وذلك أنهم قالوا: نسأل عن محمد أهل الكتاب من اليهود، فأرسلوا إليهم إلى المدينة النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، فقال اليهود لهما: جرباه بثلاث مسائل، سلوه عن أهل الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح، فإن فسر الثلاثة فهو كذاب، وإن سكت عن الروح فهو نبي، فسألته قريش عن الروح، فيروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم "حديث : غداً أخبركم به"تفسير : ، ولم يقل إن شاء الله، فاستمسك الوحي عليه خمسة عشر يوماً، معاتبة على وعده لهم دون استثناء، ثم نزلت هذه الآية، واختلف الناس في {الروح} المسؤول عنه أي روح هو؟ فقالت فرقة هي الجمهور: وقع السؤال عن الروح التي في الأشخاص الحيوانية ما هي؟ فـ {الروح} اسم جنس على هذا، وهذا هو الصواب، وهو المشكل الذي لا تفسير له، وقال قتادة {الروح} المسؤول عنه جبريل، قال وكان ابن عباس يكتمه، وقالت فرقة عيسى ابن مريم، وقال علي بن أبي طالب: "ملك له سبعون ألف وجه في كل وجه سبعون ألف لسان لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله سبحانه بكل تلك اللغات يخلق من كل تسبيحة ملك يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة"، ذكره الطبري، وما أظن هذا القول يصح عن علي، وقالت فرقة {الروح} القرآن، وهذه كلها أقوال مفسرة، والأول أظهرها وأصوبها، وقوله {من أمر ربي} يحتمل تأويلين: أحدهما: أن يكون "الأمر" اسم جنس للأمور أي للروح من جملة أمور الله التي استأثر بعلمها، فهي إضافة خلق إلى خالق، والثاني أن يكون مصدراً من أمر يأمر أي الروح مما أمره أمراً بالكون فكان. وقرأ ابن مسعود والأعمش "وما أوتوا"، ورواها ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ الجمهور "وما أوتيتم"، واختلف فيمن خوطب بذلك، فقالت فرقة: السائلون فقط، ترجم الطبري بذلك ثم أدخل تحت الترجمة عن قتادة أنهم اليهود، وقال قوم: المراد اليهود بجملتهم، وعلى هذا هي قراءة ابن مسعود، وقالت فرقة: العالم كله، وهذا هو الصحيح لأن قول الله له {قل الروح} إنما هو أمر بالقول لجميع العالم إذ كذلك هي أقواله كلها وعلى ذلك تمت الآية من مخاطبة الكل، ويحتمل أيضاً أن تكون مخاطبة من الله للنبي ولجميع الناس ويتصف ما عند جميع الناس من العلم بالقلة بإضافته إلى علم الله عز وجل الذي هو بهذه الأمور التي عندنا من علمها طرف يسير جداً، كما قال الخضر عليه السلام لموسى عليه السلام، "ما نقص علمي وعلمك وعلم الخلائق من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من البحر"، وأراد الخضر علم الله تعالى بهذه الموجودات التي عند البشر من علمها طرف يسير نسبة إلى ما يخفى عليهم نسبة النقطة إلى البحر، وأما علم الله على الإطلاق فغير متناه، ويحتمل أن يكون التجوز في قول الخضر كما نقص هذا العصفور، أي إما لا ينقص علمنا شيئاً من علم الله تعالى على الإطلاق ثم مثل بنقرة العصفور في عدم النقص، إذ نقصه غير محسوس، فكأنه معدوم، فهذا احتمال، ولكن فيه نظر، وقد قالت اليهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف لم نؤت من العلم إلا قليلاً؟ وقد أوتينا التوراة، وهي الحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، فعارضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلم الله، فغلبوا، وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله في بعض الأحاديث "كلاًّ" يعني أن المراد بـ {أوتيتم} جميع العالم، وذلك أن يهود قالت له: نحن عنيت أو قومك؟ فقال "كلاًّ"، وفي هذا المعنى نزلت {أية : ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام} تفسير : [لقمان: 27]، حكى ذلك الطبري رحمه الله، وقوله تعالى: {ولئن شئنا} الآية فيها شدة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهي عتاب على قوله غداً أعلمكم، فأمر بأن يقول إن الروح من أمر ربه فيذعن بالتسليم لله في أنه يعلم بما شاء، ويمسك عن عباده ما شاء، ثم قيل له {وما أوتيتم} أنت يا محمد وجميع الخلائق {من العلم إلا قليلاً}، فالله يعلم من علمه بما شاء ويدع ما شاء، ولئن شاء لذهب بالوحي الذي أتاك، ثم لا ناصر لك منه، أي فليس بعظيم أن لا تجيء بتفسير في الروح الذي أردت أن تفسره للناس ووعدتهم بذلك، وروى ابن مسعود أنه ستخرج ريح حمراء من قبل الشام فتزيل القرآن من المصاحف ومن الصدور وتذهب به، ثم يتلو هذه الآية. أراد ابن مسعود بتلاوة الآية أن يبدي أن الأمر جائز الوقوع ليظهر مصداق خبره من كتاب الله تعالى. و"الوكيل" القائم بالأمر في الانتصار أو المخاصمة ونحو ذلك من وجود النفع، وقوله {إلا رحمة} استثناء منقطع، أي لكن رحمة من ربك تمسك ذلك عليك، وهذا الاستثناء المنقطع يخصص تخصيصاً ما، وليس كالمتصل لأن المتصل يخصص من الجنس أو الجملة، والمنقطع يخصص أجنبياً من ذلك، ولا ينكر وقوع المنقطع في القرآن إلا أعجمي، وقد حكي ذلك عن ابن خويز منداد، ثم عدد عليه عز وجل كبر فضله في اختصاصه بالنبوة وحمايته من المشركين إلى غير ذلك مما لا يحصى. وقوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن} الآية، سبب هذه الآية أن جماعة من قريش قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد جئتنا بآية غريبة غير هذا القرآن، فإنا نقدر على المجيء بمثل هذا، فنزلت هذه الآية المصرحة بالتعجيز، المعلمة بأن جميع الخلائق لو تعاونوا إنساً وجناً على ذلك لم يقدروا عليه، والعجز في معارضة القرآن إنما وقع في النظم والرصف لمعانيه، وعلة ذلك الإحاطة التي لا يتصف بها إلا الله عز وجل، والبشر مقصر ضرورة بالجهل والنسيان والغفلة وأنواع النقص، فإذا نظم كلمة خفي عنه للعلل التي ذكرنا أليق الكلام بها في المعنى، وقد ذكرت هذه المسألة في صدر هذا الديوان، وقوله {لا يأتون بمثله} في موضع رفع، و {لا} متلقية قسماً، واللام في قوله {لئن} مؤذنه غير لازمة قد تحذف أحياناً، وقد تجيء هذه اللام مؤكدة فقط، ويجيء الفعل المنفي مجزوماً، وهذا اعتماد على الشرط ومنه قول الأعمش: [البسيط] شعر : لئن منيت بنا عن غر معركة لا تلفنا عن دماء القوم ننتقل تفسير : و"الظهير" المعين، ومنه قوله عز وجل {أية : وإن تظاهرا عليه} تفسير : [التحريم: 4] الآية: وفهمت العرب بخلوص فهمها في ميز الكلام ودربتها به ما لا نفهمه نحن، ولا كل من خالطته حضارة، ففهموا العجز عنه ضرورة ومشاهدة، وعلمه الناس بعدهم استدلالاً ونظراً، ولكل حصل علم قطعي، لكن ليس في مرتبة واحدة، وهذا كما علمت الصحابة شرع النبي وأعماله مشاهدة علم ضرورة وعلمنا نحن المتواتر من ذلك بنقل التواتر، فحصل للجميع القطع، لكن في مرتبتين، وفهم إعجاز القرآن أرباب الفصاحة الذين لهم غرائب في ميز الكلام، ألا ترى إلى فهم الفرزدق شعر جرير في شعر ذي الرمة في قوله: يُعد الناسبون إلى تميم. الأبيات كلها، وألا ترى قصة جرير في نوادره مع الفرزدق: في قول الفرزدق: على م تلفتين، وفي قوله: تلفت أنها تحت ابن قين. وألا ترى إلى قول الأعرابي: عز فحكم فقطع، وألا ترى إلى استدلال الآخر على البعث بقوله {أية : حتى زرتم المقابر} تفسير : [التكاثر: 2] فقال إن الزيارة تقتضي الانصراف ومنه علم بشار بقول أبي عمرو بن العلاء في شعر الأعشى: وأنكرتني وما كان الذي نكرت، ومنه قول الأعرابي للأصمعي: من أحوج الكريم إلى أن يقسم؟ ومن فهمهم أنهم ببدائههم يأتون بكلمة منثورة تفضل المنقح من الشعر، وأمثلة ذلك محفوظة، ومن ذلك أجوبتهم المسكتة إلى غير ذلك من براعتهم في الفصاحة، وكونهم فيها النهاية، كما كان السحر في زمن موسى، والطب في زمن عيسى، فهم مع هذه الأفهام أقروا بالعجز، ولجأ المحاد منهم إلى السيف، ورضي بالقتل والسبا وكشف الحرم، وهو كان يجد المندوحة عن ذلك بالمعارضة، وكذلك التحدي بالعشر السور، والتحدي بالسورة إنما وقع كله على حد واحد في النظم خاصة، وقيد العشر بالافتراء لأنهم ذكروا أن القرآن مفترى، فدعاهم بعقب ذكر ذلك إلى الإتيان بعشر سور مفتريات، ولم يذكر الافتراء في السورة لأنه لم يجر عنهم ذكر ذلك قبل، بل قال {أية : إن كنتم في ريب} تفسير : [البقرة: 23] على أنه قد جاء ذكر السورة مع ذكرهم الافتراء في سورة هود وقد اختلف الناس في هذا الموضع فقيل دعوا إلى السورة المماثلة في النظم والغيوب وغير ذلك من الأوصاف، وكان ذلك من تكليف ما لا يطاق، فلما عسر عليهم خفق بالدعوة إلى المفتريات، وقيل غير هذا مما ينحل عند تحصيله.

ابن عبد السلام

تفسير : {الرُّوحِ} جبريل عليه السلام "ع"، أو ملك له سبعون ألف وجه بكل وجه سبعون ألف لسان، يسبح الله ـ تعالى ـ بجميع ذلك قاله علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ، أو القرآن "ح" {أية : رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى: 52]، أو روح الحيوان، سأله عنها قوم من اليهود إذ كان في كتابهم أنه إن أجاب عن الروح فليس بنبي {قَلِيلاً} في معلومات الله، أو قليلاً بحسب ما تدعو إليه الحاجة حالاً فحالاً.

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} (ق) عن عبد الله بن مسعود قال: بينما أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوكأ على عسيب معه فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح. وقال بعضهم: لا تسألوه يسمعكم ما تكرهون فقاموا إليه، وفي رواية، فقام إليه رجل منهم فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟ فسكت وفي رواية، فقالوا حدثنا عن الروح، فقام ساعة ينتظر الوحي، وعرفت أنه يوحى إليه فتأخرت حتى صعد الوحي قال: ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر بي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً. فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم لا تسألوه. وفي رواية, وما أتوا من العلم إلا قليلاً. قال الأعمش هكذا في قراءتنا. العسيب: جريد النخل وسعفه. وقال ابن عباس: إن قريشاً اجتمعوا وقالوا إن محمداً نشأ فينا بالأمانة والصدق وما اتهمناه بكذب قط، وقد ادعى ما ادعى فابعثوا نفراً إلى اليهود بالمدينة واسألوهم عنه فإنهم أهل كتاب، فبعثوا جماعة إليهم فقالت اليهود سلوه عن ثلاثة أشياء فإن أجاب عن كلها، أو لم يجب عن شيء منها فليس بنبي وإن أجاب عن اثنتين ولم يجب عن واحد فهو نبي فسألوه عن فتية فقدوا في الزمن الأول ما كان شأنهم، فإنه كان لهم حديث عجيب، وعن رجل بلغ مشرق الأرض ومغربها ما خبره وعن الروح قال فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخبركم بما سألتم غداً، ولم يقل إن شاء الله فلبث الوحي. قال مجاهد: اثني عشر يوماً وقيل: خمسة عشر يوماً وقيل أربعين يوماً وأهل مكة يقولون: قد وعدنا محمداً غداً وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيء، حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكث الوحي وشق عليه ما يقوله أهل مكة ثم نزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى: {أية : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله}تفسير : [الكهف: 23-24] ونزل في الفتية {أية : أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً}تفسير : [الكهف: 9] نزل فيم بلغ المشرق والمغرب، قوله {أية : ويسألونك عن ذي القرنين}تفسير : [الكهف: 83] ونزل في الروح {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} واختلفوا في الذي وقع السؤال عنه، فروي عن ابن عباس أنه جبريل وعن علي أنه ملك له سبعون ألف وجه في كل وجه سبعون ألف لسان لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله تعالى بكلها. وقال مجاهد: خلق على صورة بني آدم، لهم أيد وأرجل ورؤوس ليسوا بملائكة ولا ناس يأكلون الطعام. وقال سعيد بن جبير لم يخلق الله خلقاً أعظم من الروح غير العرش لو شاء أن يبتلع السموات والأرض ومن فيها بلقمة واحدة لفعل ذلك صورة خلقه على صورة الملائكة، وصورة وجهه على صورة وجه الآدميين، يقوم يوم القيامة على يمين العرش، وهو أقرب الخلق إلى الله تعالى اليوم عند الحجب السبعين وأقرب الخلق إلى الله يوم القيامة وهو ممن يشفع لأهل التوحيد، ولولا أن بينه وبين الملائكة ستراً من نور لاحترق أهل السموات من نوره. وقيل: الروح هو القرآن لأن الله سماه روحاً ولأن به حياة القلوب. وقيل: هو الروح المركب في الخلق الذي به يحيى الإنسان وهو أصح الأقوال. وتكلم قوم في ما هية الروح فقال بعضهم: هو الدم ألا ترى أن الإنسان إذا مات لا يفوت منه شيء إلا الدم. وقال قوم: هو نفس الحيوان بدليل أنه يموت باحتباس النفس. وقال قوم: هو عرض. وقال قوم: هو جسم لطيف يحيا به الإنسان. وقيل: الروح معنى اجتمع فيه النور الطيب والعلم والعلو والبقاء، ألا ترى أنه إذا كان موجوداً يكون الإنسان موصوفاً بجميع هذه الصفات إذا خرج منه ذهب الكل. وأقاويل الحكماء والصوفية في ما هية الروح كثيرة، وليس هذا موضع استقصائها وأولى الأقاويل أن يوكل علمه إلى الله عز وجل هو قول أهل السنة قال عبد الله بن بريدة: إن الله لم يطلع على الروح ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً بدليل قوله: قل الروح من أمر ربي أي من علم ربي الذي استؤثر به {وما أوتيتم من العلم} من علم ربي {إلا قليلاً} أي في جنب علم الله عز وجل الخطاب عام. وقيل: هو خطاب لليهود فإنهم كانوا يقولون: أوتينا التوراة وفيها العلم الكثير، فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم الله. وقيل إن القلة والكثرة تدوران مع الإضافة فوصف الشيء بالقلة مضافاً إلى ما فوقه، وبالكثرة مضافاً إلى ما تحته وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم علم معنى الروح ولكن لم يخبر به لأن ترك الإخبار به كان علماً لنبوته. والقول الأصح هو أن الله عز وجل استأثر بعلم الروح. قوله عز وجل {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} ومعناه أنا كما منعنا علم الروح عنك وعن غيرك، إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من الصدور والمصاحف، فلم نترك له أثراً وبقيت كما كنت ما تدري ما الكتاب {ثم لا تجد لك به علينا وكيلاً} معناه لا تجد بعد الذهاب به من يتوكل علينا باسترداده عليك، وإعادته محفوظاً مستوراً {إلا رحمة من ربك} معناه إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك, وقيل هو على الاستثناء المنقطع. معناه لكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به، وهذا امتنان من الله تعالى ببقاء القرآن محفوظاً، فإن قلت كيف يذهب بالقرآن وهو كلام الله عز وجل؟ قلت: المراد منه محو ما في المصاحف وإذهاب ما في الصدور وقال عبد الله بن مسعود: "اقرؤوا القرآن قبل أن يرفع فإنه لا تقوم الساعة حتى يرفع" قيل: هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الناس قال: يسرى عليه ليلاً فيرفع ما في صدورهم فيصبحون لا يحفظون شيئاً، ولا يجدون مما في المصاحف شيئاً ثم يفيضون في الشعر وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال "لا تقوم الساعة حتى يرفع القرآن من حيث نزل. له دوي حول العرش كدوي النحل، فيقول الرب: ما لك؟ فيقول: يارب أُتلى ولا يُعمل بي" {إن فضله كان عليك كبيراً} أي بسبب بقاء العلم والقرآن عليك وجعلك سيد ولد آدم، وختم النبيين بك وإعطائك المقام المحمود. قوله سبحانه وتعالى {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} أي لا يقدرون على ذلك {ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً} أي عوناً. نزلت حين قال المشركون: لو نشاء لقلنا مثل هذا فكذبهم الله عز وجل، فالقرآن معجز في النظم والتأليف والإخبار عن الغيوب، وهو كلام في أعلى طبقات البلاغة لا يشبه كلام الخلق لأنه كلام الخالق وهو غير مخلوق ولو كان مخلوقاً لأتوا بمثله.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ } روى ابن مسعود أن اليهود قال بعضُهم لبعْض: سَلُوا محمداً عن الرُّوحِ فإِن أجاب فيه، عرفْتم أنه ليس بنبي. قال * ع *: وذلك أنه كان عندهم في التوراة؛ أَن الروح ممَّا انفرد اللَّه بعلْمه، ولا يَطَّلع عليه أحَدٌ من عباده، فسألوه، فنزلَتِ الآية. وقيل: إن الآية مكِّية، والسائلون هم قريشٌ، بإِشارة اليهودِ، واختلف الناس في الرُّوح المسؤول عَنْه، أيُّ رُوحٍ هو؟ فقال الجمهُور: وقع السؤال عن الأرواحِ التي في الأشخاصِ الحيوانيَّة ما هي، فالرُّوح: اسم جنسٍ على هذا، وهذا هو الصوابُ، وهو المُشِكْل الذي لا تَفْسِيرَ له. وقوله سبحانه: {مِنْ أَمْرِ رَبِّي} يحتملُ أن يريد أنَّ الرُّوح مِنْ جملة أمور اللَّه التي استأثر سبحانه بعلْمها، وهي إِضافةُ خَلْقٍ إِلى خَالِقٍ، قال ابنُ رَاشِدٍ في «مرقبته»: أخبرني شيخي شهابُ الدِّينِ القَرِافِيُّ عن ابْنِ دَقِيقِ العِيد؛ أنَهَ رأى كتاباً لبعض الحكماءِ في حقيقة النفْسِ، وفيه ثَلاَثُمِائَةِ قولٍ، قال رحمه اللَّه: وكثرُة الخلافِ تؤذنُ بكثرة الجهالاتِ، ثم علماءُ الإِسلام اختلفوا في جوازِ الخَوْضِ فيها على قولَيْن، ولكلٍّ حُجَجٌ يطُولُ بنا سَرْدُها، ثم القائلون بالجوازِ اختلفوا، هَلْ هي عَرَضٌ أو جوهرٌ، أو ليستْ بجوهرٍ ولا عرضٍ، ولا توصَفُ بأنها داخلُ الجسمِ ولا خارجُه، وإِليه ميل الإِمام أبي حامد وغيره، والذي عليه المحقِّقون من المتأخِّرين أنها جسْمٌ نورانيٌّ شفَّافٌ سارٍ في الجسْمِ سَرَيانَ النارِ في الفَحْم؛ والدليلُ على أنها في الجسْم قوله تعالى: { أية : فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ } تفسير : [الواقعة:83] فلو لم تكن في الجِسْمِ، لما قال ذلك، وقد أخبرني الفقيهُ الخطيبُ أبو محمد البرجيني رحمه الله عن الشيخ الصَّالح أبي الطاهر الرَّكْرَاكِيِّ رحمه الله قال: حَضَرْتُ عند وَلِيٍّ من الأولياء حين النَّزْعِ، فشاهدتُّ نَفْسَهُ قد خَرَجَتْ من مواضع من جَسَده، ثم تشكَّلت على رأْسِه بشَكْله وصُورَته، ثم صَعِدت إِلى السماء، وصَعِدت نفْسي معها، فلما انتهينا إلى السماء الدنيا، شاهَدتُّ باباً ورجْلَ مَلَكٍ ممدودةً عليه، فأزال ذلك المَلَكُ رِجْله، وقال لنفْسِ ذلك الوليِّ: اصْعَدِي، فَصَعِدَتْ، فأرادَتْ نفْسي أنْ تَصْعَدَ معها، فقال لها: ارْجِعي، فقد بقي لك وقْتٌ، قال: فرجعت فشاهدت الناسَ دائرين على جسْمي، وقائلٌ يقولُ: ماتَ، وآخر يقول: لم يَمُتْ، فدخلَتْ من أنْفي، أو قال: مِنْ عَيْني، وقَمْتُ. انتهى. * ت *: وهذه الحكايةُ صحيحةٌ، ورجال إِسنادها ثقاتٌ معروفون بالفَضْل، فابنَ راشِدٍ هو شارِحُ ابنِ الحاجِبِ الفَرْعِيِّ، والبرجينيُّ معروفٌ عند أهْل إِفريقيَّةَ وأبو الطاهر من أكابر الأولياء معطَّم عند أهل تُونُسَ، مزاره وقبره بالزلاج معروفٌ زرته رحمه الله، وقرأ الجمهور: «وما أوتيتم»، واختلف فيمَنْ خوطب بذلك، فقالت فرقة: السَّائِلُونَ فقَطْ، وقالت فرقة: العالم كلُّه، وقد نص على ذلك صلى الله عليه وسلم؛ على ما حكاه الطبريُّ. وقوله: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ...} الآية: المعنى وما أوتيتم أنْت يا محمَّد، وجميعُ الخلائق من العلْم إِلا قليلاً، فاللَّه يُعلِّم مَنْ علَّمه بما شاء، ويَدَعُ ما شاء، ولو شاء لذهب بالوحْيِ الذي آتاك، وقوله {إِلاَّ رَحْمَةً } استثناءٌ منقطعٌ، أي: لكنْ رحمةً من ربِّك تمسكُ عليك قال الداووديُّ: وما روي عن ابن مسعود من أنه سَيُنْزَعُ القرآنُ من الصدور، وتُرْفَعُ المصاحف لا يَصِحُّ وإِنما قال سبحانه: {وَلَئِن شِئْنَا} فلم يشأ سبحانه، وفي الحديثِ عنه صلى الله عليه وسلم: « حديث : لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ ظَاهِرُونَ » تفسير : قال البخاريُّ: وهم أهل العِلْم، ولا يكون العلْمُ مع فَقْد القرآن. انتهى كلامُ الداووديِّ، وهو حَسَن جدًّا، وقد جاء في الصحيح ما هو أبْيَنُ من هذا، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْتَزِعُ العِلْمَ انْتِزَاعاً ولَكِنْ يَقْبضِ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ... » تفسير : الحديث.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ} الآية. رُويَ أن اليهود قالوا لقريشٍ: اسألوا محمداً عن ثلاثةِ أشياء، فإن أجاب عن كلِّها، أو لم يجب عن شيءٍ، فليس بنبيٍّ، وإن أجاب عن اثنين، وأمسك عن الثَّالِث، فهو نبيٌّ؛ فاسألوا عن فتيةٍ فقدوا في الزَّمنِ الأوَّل، فما كان أمرهم؛ فإنهم كان لهم حديثٌ عجيبٌ؟ وعن رجلٍ بلغ مشرق الشَّمسِ، ومغربها، ما خبره؟ وعن الرُّوحِ؛ فسألوه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : غداً أخبركم" تفسير : ولم يقل: إن شَاءَ الله، فانقطع عنه الوحي. قال مجاهدٌ: اثنتي عشرة ليلة، وقيل: خمسة عشر يوماً، وقال عكرمة: أربعين يوماً، وأهل مكَّة يقولون: وعدنا محمد غداً، وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيءٍ، حتَّى حزن النبي صلى الله عليه وسلم من مكث الوحي، وشقَّ عليه ما يقول أهل مكَّة، ثم نزل الوحي بقوله: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الكهف: 23، 24]. ونزل في الفتية: {أية : أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً} تفسير : [الكهف: 9]. ونزل فيمن بلغ المشرق والمغرب: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ} تفسير : [الكهف: 83]. ونزل في الرُّوح: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}. قال ابن الخطيب: ومن النَّاس من [طعن] في هذه الرواية؛ من وجوه: أولها: قالوا: ليس الروح أعظم شأناً، ولا أعلى درجة من الله تعالى، فإن كانت معرفة الله تعالى حاصلة ممكنة، فأي مانعٍ يمنع من معرفة الروح؟!. وثانيها: أن اليهود قالوا: إن أجاب عن قصَّة أهل الكهف، وقصَّة ذي القرنين، ولم يجب عن الروح، فهو نبيٌّ، وهذا كلامٌ بعيد عن العقلاء؛ لأن قصَّة أصحاب الكهف، وقصَّة ذي القرنين ليست إلا حكاية، والحكاية لا تكون دليلاً على النبوة. وأيضاً: فالحكاية التي يذكرها: إما أن تعتبر قبل العلم بنبوته، أو بعد العلم بنبوته. فإن كانت قبل العلم بنبوته، كذَّبوه فيها، وإن كانت بعد العلم بنبوته، فحينئذٍ: نبوَّتهُ معلومة؛ فلا فائدة في ذكر هذه الحكاية وأما عدم الجواب عن حقيقةِ الروح، فهذا يبعد جعله دليلاً على صحَّة النبوة. وثالثها: أنَّ مسألة الروح يعرفها أصاغر الفلاسفة، وأراذل المتكلِّمين، فلو قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنِّي لا أعرفُها" تفسير : لأورث ذلك ما يوجبُ التَّحقيرَ، والتَّنفيرَ؛ فإنَّ الجهل بمثل هذه المسألة يفيد تحقير أيِّ إنسانٍ كان، فكيف الرسول الذي هو أعلم العلماءِ، وأفضل الفضلاء؟!. ورابعها: أنه تعالى قال في حقِّه {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ} تفسير : [الرحمن: 1، 2]. وقال: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ} تفسير : [النساء: 113]. وقال: {أية : وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} تفسير : [طه: 114]. وقال في [حقِّه، أي القرآن، وصفته]: {أية : وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأنعام: 59]. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : أرني الأشياء كما هي . تفسير : فمن هذا حاله وصفته، أيليق به أن يقول: أنا لا أعرف هذه المسألة، مع أنَّها من المسائل المشهورة المذكورة عند جمهور الخلق؟!. بل المختار عندنا: أنَّهم سألوه عن الروح، وأنه - صلوات الله عليه - أجابهم على أحسن الوجوه، وتقريره أن المذكور في الآية، أنهم سألوه عن الروح، والسؤال عن الروح يقع على وجوه كثيرة. أولها: أن يقال: ماهية الروح، هل هي متحيِّز أو حالٌّ في المتحيِّز. وثانيها: أن يقال: الروح قديمة، أو حادثة؟. وثالثها: أن يقال: الروح، هل تبقى بعد الأجسام، أو تفنى؟. ورابعها: أن يقال: ما حقيقة سعادة الأرواح، وشقاوتها؟. وبالجملة: فالمباحثُ المتعلقة بالروح كثيرة. وقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ} ليس فيه ما يدلُّ على أنَّهم سألوه عن أيِّ المسائل، إلا أنه تعالى ذكر في الجواب عن هذا السؤال: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} وهذا الجواب لا يليقُ إلا بمسألتين من هذه المسائل التي ذكرناها: إحداهما: السؤال عن ماهية الروح. والأخرى: عن قدمها، أو حدوثها. أما البحث الأول: فهم قالوا: ما حقيقة الروح وماهيته؟! أهو أجسامٌ موجودة داخلة في البدنِ مولدةٌ من امتزاجِ الطبائع والأخلاط؟ أو هو عبارة عن نفس هذا المزاجِ والتركيب؟ أو هو عبارة عن عرض قائم بهذه الأجسام؟ أو هو عبارة عن موجودٍ يغاير هذه الأجسام، والأعراض؟ فأجاب الله عنه بأنَّه موجودٌ مغايرٌ لهذه الأجسام، ولهذه الأعراض؛ وذلك لأن لهذه الأجسام، ولهذه الأعراض أشياء تحدثُ عن امتزاجِ الأخلاط والعناصر. وأمَّا الروح، فإنه ليس كذلك، بل هو جوهرٌ، بسيطٌ، مجردٌ، لا يحدث إلا بمحدثٍ يقول له: "كن فيكون"، فأجاب الله عنه بأنه موجود محدث بأمر الله وتكوينه، وتأثيره في إفادة الحياة بهذا الجسدِ، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه؛ فإنَّ أكثر حقائقِ الأشياءِ، وماهيَّاتها مجهولة؛ فإنَّا نعلم أنَّ السكنجبين له خاصيةٌ في قطع الصفراء؛ فأمَّا إذا أردنا أن نعرف ماهيَّة تلك الخاصِّيَّة، وحقيقتها المخصوصة، فذلك غير معلوم؛ فثبت أنَّ أكثر الحقائق مجهولةٌ، ولم يلزم من كونها مجهولة بعينها عدمُ العلم بخاصِّيَّتها، فكذا ها هنا؛ وهذا المراد بقوله: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}. وأما البحثُ الثاني: فهو أنَّ لفظ الأمرِ قد جاء بمعنى الفعل؛ قال تعالى: {أية : وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} تفسير : [هود: 97]. وقال تعالى: {أية : فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا} تفسير : [هود: 82] أي: فعلنا. فقوله تعالى: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}. أي: من فعل ربِّي. وهذا الجواب يدلُّ على أنَّهم سألوه عن الروح، قديمة أو حادثة، فقال: بل حادثةٌ، وإنما حصلت بفعل الله وتكوينه. ثم احتجَّ على حدوثِ الرُّوحِ بقوله: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}. ثم استدلَّ بحدوثِ الأرواح بتغيُّرها من حال إلى حالٍ، وهو المراد بقوله: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}. وأما أقوال المفسِّرين في الروح المذكورة ها هنا: فقيل: الروح: القرآن؛ لأن الله تعالى سمَّى القرآن في هذه الآية، وفي كثيرٍ من الآيات روحًا؛ قال تعالى: {أية : أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى: 52]. {أية : يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} تفسير : [النحل: 2]. ولأنَّ القرآن تحصل به حياة الأرواح والعقول؛ لأنَّ به تحصل معرفة الله تعالى، ومعرفة ملائكته، وكتبه، ورسله، والأرواح إنَّما يحصلُ إحياؤها بهذه المعارف، وتقدم قوله: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الإسراء: 82]. وقال بعده: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الإسراء: 86]. إلى قوله: {قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} [الإسراء: 88]. فلما كان ما قبل هذه الآية في وصف القرآن، وما بعدها كذلك، وجب أن يكون المراد بالروح القرآن؛ حتَّى تكون آيات القرآن كلها متناسبة؛ لأن القوم استعظموا أمر القرآن، فسألوا: هل هو من جنس الشِّعر، أو من جنس الكهانة؟ فأجابهم الله تعالى بأنه ليس من جنس كلام البشر، وإنما هو كلامٌ ظهر بأمر الله، ووحيه، وتنزيله، فقال: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}، أي: القرآن إنما ظهر بأمر الله ربِّي، وليس من جنس كلامِ البشر. ورُوِيَ عن ابن عباس: أنه جبريل، وهو قول الحسن وقتادة؛ لقوله تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ} تفسير : [الشعراء: 193، 194]؛ وقوله: {أية : فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا} تفسير : [مريم: 17]. ويؤكده: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}. وقال جبريل: {أية : وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} تفسير : [مريم: 64]. فسالوا الرسول صلى الله عليه وسلم: كيف جبريل في نفسه؟ وكيف يأتيه؟ وكيف يبلغ الوحي إليه؟. وقال مجاهد: الرُّوحُ: خلق ليسوا من الملائكة، على صور بني آدم يأكلون، ولهم أيدٍ، وأرجلٌ، ورءوسٌ. وقال أبو صالحٍ: يشبهون الناس، وليسوا من النَّاس. فصل قال ابن الخطيب: ولم أجِدْ في القرآن، ولا في الأخبار الصحيحة شيئاً يمكنُ التمسُّك به بهذا القول. ورُوِيَ عن عليٍّ: أنَّه ملكٌ له سبعون ألف وجهٍ، لكلِّ وجهٍ سبعون ألف لسانٍ، لكلِّ لسانٍ سبعون ألف لغةٍ، يسبِّح الله تعالى بتلك اللغات، ويخلق الله تعالى من كلِّ تسبيحةٍ ملكاً يطير مع الملائكة، قالوا: ولم يخلق الله خلقاً أعظم من الروحِ غير العرشِ، ولو شاء أن يبتلع السَّموات السَّبع، والأرضين السبع، وما فيها بلقمةٍ واحدةٍ لفعله، صورة خلقه على صورة الملائكة، وصورة وجهه على صورة الآدميين، يقوم يوم القيامة عن يمين العرش، وهو أقرب الخلق إلى الله عزَّ وجلَّ اليوم عند الحجب السَّبعين، ويقرب إلى الله يوم القيامة، وهو يشفع لأهل التوحيد، ولولا أنَّ بينه وبين الملائكة ستراً من نورٍ، لاحترق أهل السموات من نوره. فصل في ضعف هذا القول قال ابن الخطيب: ولقائلٍ أن يقول: هذا القول ضعيفٌ؛ لوجوهٍ: الأول: أنَّ هذا التفصيل، إذا عرفه عليٌّ، فالنبي أولى بأن يعرفه، ويخبر به، وأيضاً: فإنَّ الوحي لم يكن ينزل على عليٍّ؛ فهذا التفصيل ما عرفه إلا من النبي صلى الله عليه وسلم؛ فَلِمَ ذكر النبي هذا الشَّرح لعليٍّ، ولم يذكره لغيره؟!. الثاني: أنَّ ذلك الملك، إن كان حيواناً واحداً، وعاقلاً واحداً، فلا فائدة في تكثير تلك اللغات، وإن كان المتكلِّم بكلِّ لغةٍ ملكاً؛ فهذا مجموعُ ملائكة. الثالث: أنَّ هذا شيء مجهول الوجود، فكيف يسال عنه؟ أما الروح الذي هو سبب الحياة، فهو شيء تتوفَّر دواعي العقلاء على معرفته؛ فصرف هذا السؤال إليه أولى. وقيل: الرُّوحُ: عيسى؛ فإنَّه روح الله، وكلمته، والمعنى: أنَّه ليس كما يقوله اليهود، ولا كما يقوله النصارى. وقال قومٌ: هو الرُّوحُ المركَّب في الخلق الذي يحيا به الإنسان، وهو الأصحُّ. واختلفوا فيه؛ فقال بعضهم: هو الدم؛ ألا ترى [أنَّ الإنسان]، إذا مات لا يفوتُ منه إلا الدمُ. وقال قومٌ: هو نفس الحيوان؛ بدليل أنَّه يموت باحتباس النفس. وقال قومٌ: هو عرضٌ. وقال قومٌ: هو جسم لطيف. وقال بعضهم: الروح معنى اجتمع فيه النُّور، والطِّيب، والعلوُّ، والعلم، والبقاء؛ ألا ترى أنه إذا كان موجوداً، يكون الإنسان موصوفاً بهذه الصفات [جميعها]، وإذا خرج ذهب الكلُّ؟!. فصل في شرح مذاهب القائلين بأنَّ الإنسان جسم موجود، روح في داخل البدن. قال ابن الخطيب: اعلم أن الأجسام الموجودة في هذا العالم السفليِّ: إما أن تكون أحد العناصر الأربعة، أو ما يكون متولِّداً من امتزاجها، ويمتنع أن يحصل في البدنِ الإنسانيِّ جسمٌ عنصريٌّ خالصٌ، بل لا بدَّ وأن يكون الحاصل جسماً متولِّداً من امتزاجات هذه الأربعة. فنقول: أمَّا الجسم الذي تغلب عليه الأرضية: فهو الأعضاء الصُّلبة الكثيفة؛ كالعظم، و العروق، والغُضروف، والعصب، والوتر، والرِّباطاتِ لهذا الجسم، واللَّحم والجلد، ولم يقل أحد من العقلاء الذين قالوا: إنَّ الإنسان بمعنى: روح مغاير لهذا الجسد، بأنَّه عبارة عن عضوٍ معيَّن من هذه الأعضاء؛ وذلك لأنَّ هذه الأعضاء ثقيلة، كثيفة، ظلمانيَّة، لم يقل أحد من العقلاء بأنَّ الإنسان عبارةٌ عن أحد هذه الأعضاء. وأما الجسم الذي تغلب عليه المائية؛ فهو الأخلاط الأربعة ولم يُقَلْ في شيءٍ منها: إنَّه الإنسان إلاَّ في الدَّم؛ فإنَّ فيهم من قال: هو الرُّوح؛ بدليل أنَّه، إذا خرج، لزم الموت. وأمَّا الجسم الذي تغلب عليه الهوائية، والنارية؛ فهو الأرواح: وهي نوعان: أجسامٌ هوائية مخلوطة بالحرارةِ الغريزيّة، متولِّدة: إمَّا في القلب، أو في الدِّماغ، وقالوا: إنما هي الروح الإنسانيُّ، ثمَّ اختلفوا. فمنهم من يقول: هو الرُّوح الذي في القلب. ومنهم من يقول: إنَّه جزءٌ لا يتجزَّأ في الدِّماغ. ومنهم من يقول: الرُّوحُ عبارة عن أجزاءٍ ناريَّة مختلطة بهذه الأرواح القلبيَّة، والدِّماغيَّة، وتلك الأجزاء النارية: هي المسمَّاة بالحرارة الغريزيَّة، وهي الإنسان. ومن النَّاس من يقول: الروح عبارةٌ عن أجسام نورانيَّةٍ، سماويةٍ، لطيفة الجوهر، على طبيعة ضوءِ الشَّمس، وهي لا تقبلُ التحلُّل، والتبدُّل، ولا التفرُّق، والتمزُّق؛ وهو المراد بقوله: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} تفسير : [الحجر: 29] نفذت تلك الأجسام الشَّريفة السماوية الإلهيَّة في داخل أعضاء البدنِ نفاذ النَّار في الفحم، ونفاذ دهن السِّمسم في السِّمسم، ونفاذ دهن الورد في جسمِ الورد؛ وهو المراد من قوله: {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} تفسير : [الحجر: 29]. ثم إنَّ البدن ما دام سليماً، قابلاً لنفاذ تلك الأجسام الشريفة، بقي حيًّا، فإذا تولَّد في البدنِ أخلاطٌ غليظةٌ، منعت من سريان تلك الأجسام الشريفة فيها، فانفصلت عن هذا البدن؛ فحينئذ: يعرض الموت. قال: فأمَّا أنَّ الإنسان جنسٌ موجودٌ خارج البدن، فلا أعرف أحداً ذهب إلى هذا القول. فصل في الاحتجاج على أن الروح ليست بجسم ولا عرض احتجَّ ابن الخطيب لمسمَّى الروح بأنها ليست بجسمٍ، ولا عرضٍ، وأنها غير البدن؛ بوجوه كثيرة عقليَّة ونقليَّة. قال ابن الخطيب: منها أنَّ العلم البديهيَّ حاصل بأن أجزاء هذه الجثَّة متبدلة بالزِّيادةِ والنُّقصانِ، والمتبدل مغاير للثَّابت. ومنها: أنَّ الإنسان حال كونه مشتغلاً بفكره في شيءٍ معيَّن، فإنه في تلك الحالة يكونُ غافلاً عن جميع أجزاء بدنه، وغير غافل عن نفسه؛ فوجب أن يكون الإنسان مغايراً لبدنه. ومنها: قول الإنسان: رأسي، وبدني، وعيني، ويضيف كل عضو إلى نفسه، والمضاف غير المضاف إليه. فإن قيل: قد يقول: نفسي وذاتي فيضيف الذات والنفس إلى [نفسه]؛ فيلزم أن يكون الشيء وذاته مغايرة لنفسه، وهو محالٌ، قلنا: قد يريد بنفس الشيء وذاته الحقيقة المخصوصة التي يشير إليها كلُّ أحدٍ بقوله: أنا فلانٌ، فإذا قال: نفسي، وذاتي، كان المراد البدن، وهو مغاير للإنسان، أمَّا إذا أريد بالنَّفس والذَّات الحقيقة المخصوصة المشار إليها بقوله: أنا فلانٌ، ثم إنَّ الإنسان يكنه أن يضيف ذلك إلى نفسه بقوله: إنَّه لي. ومنها: أنَّ الإنسان قد يكون حيًّا، حال موت البدن؛ لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ} تفسير : [آل عمران: 169]. والحِسُّ يرى الجسد ميِّتاً. وقال تعالى: {أية : ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً} تفسير : [غافر: 46]. وقال - عليه الصلاة والسلام -: حديث : ["أنبياء الله لا يموتون"] . تفسير : وقال - عليه السلام -: "حديث : إذَا حُمِلَ الميِّتُ على نعشِه، [رفرف] روحه فوق النَّعشِ، ويقول: يا أهْلِي، ويَا ولَدِي ". تفسير : وقال تعالى: {أية : يَٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} تفسير : [الفجر، 27، 28]. ومنها: أن الإنسان، إذا قطعت يداه ورجلاه، لم ينقص من عقله، وفهمه شيء. ومنها: الذين مسخهم الله قردة وخنازير؛ فإن لم يكن ذلك الإنسان حيًّا، وإلاَّ لكان ذلك المسخُ إماتة لذلك الإنسان، وخلقاً لذلك الخنزير. ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى جبريل في صورة دحية، ويرى إبليس في صورة الشَّيخِ النجديِّ. ومنها: العضو، وهذا يدل على أن الإنسان شيء غير الجسد، وأنَّ الزَّاني يزني بفرجه؛ فيضرب على ظهره؛ فيلزم أن يكون الإنسانُ شيئاً آخر، سوى الفرج، وسوى الظَّهر، وهو شيء يستعمل الظهر في عمل، والفرج في عمل؛ فيكون المتلذذ المتألم هو ذلك الشيء بواسطة ذلك العضو، وكل هذا يدل على أن الإنسان شيء غير الجسد. ثم قال: واحتج المنكر بثلاثة أوجه: الأول: لو كانت مساوية لذات الله في كونه ليس بجسم ولا عرض لكانت مساوية له في تمام الماهية، وذلك محال. الثاني: قوله تعالى: {أية : قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ} تفسير : [عبس: 17-22]. وهذا تصريحٌ بأنَّ الإنسان شيء مخلوق من النُّطفة، وأنه يموت، ويدخل القبر، ثم إنَّه تعالى يخرجه من القبر، ولو لم يكن الإنسان عبارة عن هذه الجثَّة، وإلاَّ لم تكن الأحوال المذكورة في هذه الآية صحيحة. الثالث: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً} تفسير : [آل عمران: 169] إلى قوله: {أية : فَرِحِينَ} تفسير : [آل عمران: 170]. وهذا يدلُّ على أنَّ الروح جسم؛ لأنّ الارتزاق والفرح من صفات الأجسام. والجواب عن الأوَّل: أنَّ المساواة في أنَّه ليس بمتحيِّز، ولا حالٍّ في المتحيِّز مساواةٌ في صفةٍ سلبيةٍ، والمساواة في الصِّفة السلبيَّة لا توجبُ المماثلة. واعلم: أنَّ جماعة من الجهَّال يظنُّون أنَّه لما كان الروح موجوداً ليس بمتحيِّز، ولا حالٍّ في المتحيز، وجب أن يكون مثلاً للإله، أو جزءاً له، وذلك جهلٌ فاحشٌ، وغلطٌ قبيحٌ. وتحقيق القول: ما ذكرناه من أنَّ المساواة في السُّلوب، لو أوجبت المماثلة، لوجب القول باستواءِ كلِّ المخالفات؛ فإنَّ كل ماهيتَّينِ مختلفتين، لا بدَّ وأن يشتركا في سلب ما عداهما عنهما، فليتفكر في هذه الدقيقة؛ فإنَّها مغلطةٌ عظيمةٌ للجهَّال. والجوابُ عن الثاني: أنه لمَّا كان الاتِّصافُ في العرف والظَّاهر عبارة عن هذه الجثَّة أطلق عليه اسم الإنسان. وأيضاً: لقائل أن يقول: هَبْ أنَّا نجعلُ اسم الإنسان عبارة عن هذه الجثَّة، إلاَّ أنَّا قد دلَّلنا أنَّ محلَّ العلم والقدرة ليس هو الجثَّة. والجواب عن الثالث: أنَّ الرِّزْقَ المذكور في الآية محمولٌ على ما يقوِّي حالهم ويكمل كمالهم، وهو معرفةُ الله ومحبَّته. بل نقول: هذا من أدلِّ الدلائلِ على صحَّة قولنا؛ لأنَّ أبدانهم قد بليت في التُّراب، والله يقول: "حديث : إنَّ أرواحهم تأوي في قناديل معلقة تحت العرش" تفسير : وهذا يدلُّ على أنَّ الروح غير البدن. قوله: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}. أي: في جنب علم الله تعالى. قال المفسِّرون: هذا "حديث : خطابٌ لليهود، وذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا قال لهم ذلك، قالوا: نحن مختصُّون بهذا الخطاب، أم أنت معنا؟ فقال - عليه الصلاة والسلام -: بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلاً"، فقالوا ما أعجب شأنك، يا محمد؛ ساعة تقول: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} [البقرة: 269]. وساعة تقول هذا، فنزل قوله: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ} تفسير : [لقمان: 27]. وما ذكروه ليس بلازمٍ؛ لأنَّ الشيء قد يكون قليلاً بالنِّسبة إلى شيءٍ، كثيراً بالنِّسبة إلى شيءٍ آخر، فالعلوم التي عند الناس قليلة بالنِّسبة إلى علم الله تعالى، وبالنسبة إلى حقائق الأشياء، ولكنَّها كثيرة بالنسبة إلى الشَّهوات الجسمانيَّة، واللذَّات الجسدانية. وقيل: هذا خطابٌ للنبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم معنى الرُّوح، ولم يخبرْ به أحداً؛ لأنَّ ترك إخباره كان علماً لنُبوَّتهِ، وقد تقدَّم الكلام على ذلك، قال البغوي: الأصحُّ: أن الله تعالى استأثر بعلمه. قوله: {مِّنَ ٱلْعِلْمِ}: متعلق بـ "أوتيتم"، ولا يجوز تعلُّقه بمحذوفٍ على أنه حال من "قَلِيلاً"؛ لأنَّه لو تأخَّر، لكان صفة؛ لأنَّ ما في حيِّز "إلاَّ" لا يتقدَّم عليها. وقرأ عبد الله، والأعمش "ومَا أوتُوا" بضمير الغيبة. قوله تعالى: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} الآية. لما ذكر أنَّه ما آتاهم من العلم إلاَّ قليلاً، قال ها هنا: إنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل، لقدر عليه، وذلك بأن يمحو حفظه من القلوب، وكتابته من الكتب، والمراد بالذي أوحينا إليك القرآن. واحتجَّ الكعبي بهذه الآية الكريمة بأنَّ القرآن مخلوقٌ؛ فقال: الذي يقدر على إزالته والذَّهاب به يستحيل أن يكون قديماً، بل يجب أن يكون محدثاً. وأجيب بأن يكون المراد بهذا الإذهاب إزالة العلم به عن القلوب، وإزالة النَّقش الدَّال عليه من المصحف؛ وذلك لا يوجبُ كون ذلك المصكوكِ المدلول محدثاً. فصل في كيفية رفع القرآن آخر الزمان قال عبد الله بن مسعود: اقرءوا القرآن قبل أن يرفع؛ فإنَّه لا تقوم الساعة حتَّى يرفع، قيل: هذه المصاحف ترفع، فكيف بما في صدور النَّاس؟ قال: يسري عليه ليلاً، فيرفع ما في صدورهم، فيصبحون لا يحفظون شيئاً، ولا يجدون في المصاحف شيئاً، ثم يفيضون في الشِّعر. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: لا تقوم السَّاعة حتَّى يرفع القرآن من حيثُ نزل، لهُ دويٌّ حول العرشِ، كدويِّ النَّحلِ؛ فيقول الربُّ: ما لك؟ فيقول: يا ربِّ، أتلى، ولا يعمل بي. ثم قال: {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً} أي: لا تجدُ من تتوكَّل عليه في ردِّ شيءٍ منه. قوله تعالى: {إِلاَّ رَحْمَةً}: قيل: استثناء متصل؛ لأنها تندرج في قوله "وَكِيلاً" والمعنى: إلاَّ أن يرحمك ربُّك؛ فيردَّه عليك. وقيل: إنه استثناء منقطع، فتتقدر بـ "لَكِنْ" عند البصريين، و "بَلْ" عند الكوفيين. والمعنى: إلا رحمة من ربِّك؛ إذ كل رحمة من ربِّك تركته غير مذهوب به، أي: لكن لا يشاء ذلك رحمة من ربِّك، وهذا امتنانٌ من الله؛ وهو نوعان: الأول: تسهيل ذلك العلم عليه. والثاني: إبقاء حفظه عليه. قوله "مِنْ ربِّكَ" يجوز أن يتعلق بـ "رَحْمةً" وأن يتعلق بمحذوفٍ، صفة لها. ثم قال: {إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً}. بسبب إبقاء العلم والقرآنِ عليك، وقيل: بسببِ أنَّه جعلك سيِّد ولد آدم، وختم بك النَّبيِّين، وأعطاك المقَام المحمود، فلما كان كذلك، لا جرم أنعم عليك بإبقاء العلم والقرآن عليك. قوله: {قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ} الآيات، وقد تقدَّم الكلام على مثلِ هذه الآية. فصل قال بعضهم: هب أنَّه ظهر عجز الإنسانِ عن معارضته؛ فكيف عرفتُم عجز الجنِّ؟ وأيضاً: فلم لا يجوز أن يقال: إن هذا الكلام نظم الجنِّ، ألقوهُ على محمد صلى الله عليه وسلم وخصُّوه به على سبيل السَّعي في إضلال الخلق؟ فعلى هذا: إنَّما تعرفون صدق محمد صلى الله عليه وسلم إذا عرفتم أنَّ محمَّداً صادق في قوله: إنَّه ليس من كلام الجنِّ، بل من كلامِ الله تعالى؛ وحينئذٍ: يلزم الدور، وليس لأحدٍ أن يقول: كيف يعقل أن يكون هذا من قول الجنِّ؛ لأنا نقول: إنَّ هذه الآية دلَّت على وقوعِ التحدِّي من الجنِّ، وإنما يحسن وقوعُ هذا التحدِّي، لو كانوا فصحاء بلغاء، ومتى كان الأمرُ كذلك، كان الاحتمال المذكور قائماً. فالجواب عن الأوَّل: بأنَّ عجز البشر عن معارضته يكون في إثبات كونه معجزاً. وعن الثاني: أنَّ ذلك، لو وقع، لوجب في حكمة الله: أن يظهر ذلك التَّلبيسُ، وحيث لم يظهر ذلك، دلَّ على عدمه، وعلى أنَّ الله تعالى أجاب عن هذه الأسئلةِ بالأجوبة الشَّافية في آخر سورة الشعراء؛ في قوله: {أية : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} تفسير : [الشعراء: 221-222] وسيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى -. قالت المعتزلة: هذه الآية تدلُّ على أنَّ القرآن مخلوقٌ؛ لأنَّ التحدِّي بالقديم محالٌ، وقد تقدَّمت هذه الآية في سورة البقرة. قوله: {لاَ يَأْتُونَ}: فيه وجهان: أظهرهما: أنه جوابٌ للقسمِ الموطَّأ له باللام. والثاني: أنه جواب الشرط، واعتذروا به عن رفعه بأنَّ الشرط ماضٍ؛ فهو كقوله: [البسيط] شعر : 3462- وإنْ أتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألةٍ يَقولُ لا غَائبٌ مَالِي ولا حَرِمُ تفسير : واستشهدوا عليه بقول الأعشى: [البسيط] شعر : 3463- لَئِنْ مُنِيتَ بِنَا عَنْ غِبِّ مَعْركةٍ لا تُلْفِنَا مِنْ دِمَاءِ القَوْمِ نَنْتَفِلُ تفسير : فأجاب الشرط مع تقدُّمِ لامِ التوطئة، وهو دليلٌ للفراء، ومن تبعه على ذلك، وفيه ردٌّ على البصريِّين، حيث يحتِّمون جواب القسمِ عند عدمِ تقدم ذي خبرٍ. وأجاب بعضهم أنَّ اللام في البيت ليست للتوطئةِ، بل مزيدةٌ؛ وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا دليل عليه، وقال الزمخشريُّ: "لولا اللام الموطِّئةُ؛ لجاز أن يكون جواباً للشرط؛ كقوله: [البسيط] شعر : 3464-...................... يَقُولُ لا غَائِبٌ............ تفسير : لأنَّ الشرط وقع ماضياً". وناقشه أبو حيَّان: بأنَّ هذا ليس مذهب سيبويه، ولا الكوفيين والمبرِّد؛ لأنَّ مذهب سيبويه في مثله: أن النية به التقديم، ومذهب الكوفيين، والمبرِّد: أنه على حذف الفاء، وهذا مذهب ثالثٌ، قال به بعضُ الناس. قوله: "ولَوْ كَانَ" جملةٌ حاليةٌ، وتقدَّم تحقيق هذا، وأنه كقوله - عليه السلام -: "أعطُوا السَّائل، ولو جَاء على فَرسٍ"، و "لبَعْضٍ" متعلقٌ بـ "ظَهِيراً". فصل في معنى الآية والمعنى: لو كان بعضهم لبعض عوناً، ومظاهراً، نزلت حين قال الكفَّار: ولو شئنا لقلنا مثل هذا، فكذَّبهم الله - عز وجلَّ - فالقرآن معجزٌ في النَّظم، والتَّأليف، والإخبار عن الغيوب، وهو كلام في أعلى طبقات البلاغة، لا يشبه كلام الخلق؛ لأنَّه غير مخلوقٍ، ولو كان مخلوقاً، لأتوا بمثله.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏ويسألونك عن الروح‏}‏ قال‏:‏ يهود يسألونه‏. وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن حبان وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في خرب المدينة وهو متكئ على عسيب، فمر بقوم من اليهود فقال بعضهم لبعض‏:‏ سلوه عن الروح‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ لا تسألوه‏.‏ فسألوه فقالوا‏:‏ يا محمد، ما الروح‏؟‏ فما زال يتوكأ على العسيب، وظننت أنه يوحى إليه فأنزل الله ‏{‏ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً}‏‏. وأخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن المنذر وابن حبان وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه، وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قالت قريش لليهود‏:‏ أعطونا شيئاً نسأل هذا الرجل، فقالوا‏:‏ سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت ‏ {‏ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا‏ً}‏ قالوا‏:‏ أوتينا علماً كثيراً‏:‏ أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً‏.‏ فأنزل الله تعالى ‏{أية : ‏قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا‏ً}‏ ‏تفسير : [الكهف: 109‏].‏ وأخرج ابن مردويه من طريق العوفي، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أخبرنا، ما الروح‏؟‏ وكيف تعذب الروح التي في الجسد‏؟‏ وإنما الروح من الله ولم يكن نزل عليه فيه شيء فلم يجر إليهم شيئاً، فأتاه جبريل عليه السلام فقال له‏:‏ ‏{‏قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا‏ً}‏ فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقالوا‏:‏ من جاءك بهذا‏؟‏ قال‏:‏ جبريل‏.‏ قالوا‏:‏ والله ما قاله لك إلا عدوّ لنا‏.‏ فأنزل الله تعالى {‏قل من كان عدوّا لجبريل ‏.‏‏.‏‏.} [البقرة : 97‏]‏ الآية‏ ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد، وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏ويسألونك عن الروح‏} ‏ قال‏:‏ هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه منها سبعون ألف لسان‏.‏‏.‏‏.‏ لكل لسان منها سبعون ألف لغة، يسبح الله تعالى بتلك اللغات كلها، يخلق الله تعالى من كل تسبيحة ملكاً يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏ويسألونك عن الروح‏}‏ قال‏:‏ هو ملك واحد له عشرة آلاف جناح، جناحان منهما ما بين المشرق والمغرب له ألف وجه، لكل وجه لسان وعينان وشفتان يسبحان الله تعالى إلى يوم القيامة‏. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ الروح أمر من أمر الله، وخلق من خلق الله وصورهم على صور بني آدم، وما ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد من الروح‏.‏ ثم تلا {أية : يوم يقوم الروح والملائكة صفاً} ‏تفسير : [‏النبأ: 38‏]‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن عكرمة رضي الله عنه قال‏:‏ سئل ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏‏ {‏ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي‏}‏ لا تنال هذه المنزلة، فلا تزيدوا عليها‏.‏ قولوا كما قال الله وعلّم نبيه صلى الله عليه وسلم ‏{‏وما أوتيتم من العلم إلا قليلا‏ً}‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عبد الله بن بريدة رضي الله عنه قال‏:‏ لقد قبض النبي صلى الله عليه وسلم وما يعلم الروح‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن زياد، أنه بلغه أن رجلين اختلفا في هذه الآية ‏{‏وما أوتيتم من العلم إلا قليلا‏ً} ‏ فقال أحدهما‏:‏ إنما أريد بها أهل الكتاب وقال الآخر‏:‏ بل إنه محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ فانطلق أحدهما إلى ابن مسعود رضي الله عنه فسأله فقال‏:‏ ألست تقرأ سورة البقرة‏؟‏ فقال‏:‏ بلى‏.‏ فقال‏:‏ وأي العلم ليس في سورة البقرة‏؟‏ إنما أريد بها أهل الكتاب‏. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏ويسألونك عن الروح‏} قال‏:‏ {‏الروح‏}‏ ملك‏. وأخرج ابن عساكر، عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن أم الحكم الثقفي رضي الله عنه قال‏:‏ بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض سكك المدينة، إذ عرض له اليهود فقالوا‏:‏ يا محمد، ما الروح‏؟‏ وبيده عسيب نخل فاعتمد عليه - ورفع راسه إلى السماء - ثم قال‏:‏ ‏ {‏ويسألونك عن الروح .‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ إلى قوله‏:‏‏ {‏قليلا‏ً} ‏ قال ابن عساكر‏:‏ عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أم الحكم الثقفي قيل إن له صحبة‏. وأخرج ابن الأنباري في كتاب الأضداد، عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ {‏الروح‏} خلق مع الملائكة لا يراهم الملائكة، كما لا ترون أنتم الملائكة‏.‏ ‏{‏الروح‏}‏ حرف استأثر الله تعالى بعلمه ولم يطلع عليه أحداً من خلقه‏.‏ وهو قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي‏}‏‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن سلمان رضي الله عنه قال‏:‏ الإنس والجن عشرة أجزاء‏:‏ فالانس جزء، والجن تسعة أجزاء‏.‏ والملائكة والجن عشرة أجزاء‏:‏ فالجن من ذلك جزء، والملائكة تسعة‏.‏ والملائكة والروح عشرة أجزاء‏:‏ فالملائكة من ذلك جزء، والروح تسعة أجزاء‏.‏ والروح والكروبيون عشرة أجزاء‏:‏ فالروح من ذلك جزء، والكروبيون تسعة أجزاء‏. وأخرج ابن إسحق وابن جرير، عن عطاء بن يسار قال‏:‏ نزلت بمكة ‏ {‏وما أوتيتم من العلم إلا قليلا‏ً}‏ ‏ حديث : فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أتاه أحبار اليهود فقالوا‏:‏ ‏‏يا محمد، ألم يبلغنا أنك تقول‏:‏ ‏ {‏وما أوتيتم من العلم إلا قليلا‏ً}‏ أفعنيتنا أم قومك‏؟‏ قال‏: كلاًّ قد عنيت‏. قالوا‏:‏ فإنك تتلو أنا أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: هي في علم الله قليل، وقد آتاكم الله ما عملتم به انتفعتم‏‏ تفسير : . فأنزل الله ‏{أية : ‏ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام‏ .‏‏.‏‏.‏‏}‏ تفسير : [لقمان: 27] إلى قوله‏:‏ ‏{أية : إن الله سميع بصير‏}‏ ‏تفسير : [‏لقمان: 28‏]‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏ {‏وما أوتيتم من العلم‏} ‏ قال‏:‏ يا محمد، والناس أجمعون‏. وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله‏:‏ {‏وما أوتيتم من العلم إلا قليلا‏ً}‏ يعني اليهود‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الآية: 85]. قال بعضهم: الروح شعاع الحقيقة يختلف آثارها فى الأجساد. قال بعضهم: الروح عبادة، والقائم بالأشياء هو الحق. وقيل: إن الأرواح نعيمها فى التجلى وعذابها فى الاستتار. قال بعضهم: الروح لطيفة يرى من الله عز وجلّ إلى أماكن معروفة لا يعبر عنه بأكثر من وجود بإيجاد غيره. قال الواسطى رحمه الله: الروح يمرّ بشىء من الأحوال من محبة وخَوف، ورجاء، وصدق، والمعرفة أنفت هذه المعانى كلها والأحوال للعقول والنفوس فقال: لما خلق الله عز وجل أرواح الأكابر ردها بمعرفته لها فأسقط عنها معرفتها به، وأبرأ إليها علمه بها فأسقط عنها ما علمت منه، فمعرفتها. معرفة الحق إياها، وعلمها علم الحق بها، وتصورها مراده إياها على محابها. قيل: مباسطة الألطاف تنسى الأرواح، ومباشرة الأرواح تظهر عليها الألطاف. وقيل فى قوله: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} قال: قارن العلم بالروح لرقة لطافته بحملها لأنها وفى علمه. وتمكن معه بحمله فتفضل بأن جذبها إلى علمه وبلغ منها الحقيقة وليس الكل يعطونها كذى فهى ناطقة بعلم ما علمه فيها ومنها فهى يتزايد جذبها إليه وذلك حين يستولى عليها علمه بها، ونظره إليها فهى به تجول وبه معه تمور. وقيل: الروح لم تخرج من الكون لأنها لو خرجت من الكون لكان عليها الذُّل، فقيل: من أى شىء خرجت؟ قال: من بين جماله، وقدس جلاله بملاحظة الإشارة غشاها بجماله، وردّها بحسنه واشتملها بسلامهِ، وحياها بكلامه فهى متقة من ذُلّ الكون. وسُئل أبو سعيد الحداد عن الروح مخلوقة هى، قال: نعم فلولا ذلك لما أقرت بالربوبية حين قال: "بَلى" والروح هى التى أوقفت على البدن اسم الحياة، والروح ثبت العقل، وبالروح قامت الحجة ولو لم يكن الروح لكان متعطلاً يعنى العقل ولا حجة له ولا عليه. وقال ابن عطاء فى قوله: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} إن الله ستر الروح على جميع خلقه، وستر صفة صفات نفسه، وستر ما يبدو منه، وستر ما يعامل به الخلق عند معاينته إلا أن العلماء اتفقت أنها لطيفة وأنها خلقت قبل الأجسام واختصاصها من بين المخلوقات بكونها فى يد ربها حين قال لآدم: اختر إحدى يدى فزاده اختصاص الأخذ لطفًا وتقريبًا من ذات مالكها فبين به الخلق والأصل أنها مخلوقه لكنها ألطف المخلوقات، وهى أصفى الجواهر وأنورها بها تُرى المغيبات وبها يكون الكشف لأهل الحقائق، وإذا حجبت الروح عن ملاقات النفس دعات الستر أساءت الجوارح الأدب فى أوقاتها كذلك صارت الروح بين تحلى واستتار، ونازع وقابض وهى على قرب محلها من ربها وقت أخذها. وسُئل الواسطى رحمه الله عن الأرواح أين كان مكانها حين أظهرها؟ قال: إن الأرواح خلقها وقبضها قبل الأجساد فأين كانت ترى؟ صار ما غاب عيانًا، لأن الدنيا والآخرة عند الأرواح سواء، وسُئل لأى علة كان محمد صلى الله عليه وسلم أحكم الخلق؟ قال: لأنه خلق روحه أولاً. فوقع له صحبة التمكين والاستقرار، ألا ترى يقول: "حديث : كُنْتُ نبيًا وآدم بين الروح والجسد"تفسير : . أى لم يكن روحًا ولا جسدًا. وقيل: معرفة الأشباح عقوله بها زمن عظيم ما وزد عليها والأرواح لا تهواها شىء ولا يستعظم كونًا ولا تكوننًا لأنها مأخوذة بشاهد الحق يجحد كل وارد يرد عليها من المستترات. وقيل: الأرواح معتقة من رق الكون أظهر فيها من خفايا المخبات المصونات والمكونات بأعجب أعجوبة وسلم عليها كفاحًا وكانوا سالمين فى أزليته منه فى إظهار ديموميته سالمين منه فى أخرياته استحقوا اسم السلام بذلك. قال بعضهم: نوَّر بالأرواح الأجساد ورفق بها وزينها بنعيم مشاهدة الأرواح وملاقاتها. ومباشرتها على حسن الأدب فإذا حجب الروح عن ملاقاة الجسد أساءت الجوارح فى أوقاتها الأدب. وقال أبو سعيد القرشى: الروح روحان: روح الممات، وروح الحياة فإذا اجتمعا عقل الجسم فروح الممات الذى إذا خرج من الجسد يصير الحىّ ميتًا، وروح الحياة ما به مجارى الأنفاس وقوة الأكل والشرب وغيرها. وقال الواسطى رحمه الله: الأرواح فى ثلاثة أشياء: أرواح الأجلّة الأنبياء غذاها بلطائف خطابها تجدهم يسامون من كل ما يفتخر به الخلق من أنواع الطاعات أو التزين بالعبودية وأرواح الصديقين والصالحين عذابها بملاحظاته تزداد على الأوقات نورًا وتبصرة، وأرواح العامة تأخذ غذاء من كل مأكول ومشروب. وقال بعض البغداديين: الروح عبادة، والقائم بالأشياء الحق لا غير، فسُئل عن غيره القائم بالأشياء. قال: قامت الأشياء بتوليه وحفظه. وأنشد بعضهم: شعر : تراعى الروح مطلعها فتعلو عن الأبراج تسرى كالنجوم تفسير : كذلك قالوا: محادثات الحق للسرائر تطغى كدورات الأشباح.

القشيري

تفسير : أرادوا أن يجادلوه ويُغَلِّطُوه فَأَمَرَه أن ينطق بلفظٍ يُفْصِحُ عن أقسام الروح؛ لأَنَّ ما يُطْلَقُ عليه لفظُ {ٱلرُّوحِ} يدخل تحت قوله تعالى: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}. ويقال إن روح العبد لطيفة أودعها الله سبحانه في القالب، وجعلها محل الأحوال اللطيفة والأخلاق المحمودة، (وكما يصح أن يكون البَصَرُ محلَّ الرؤية والأذنُ محلَّ السمع.. إلى آخره، والبصير والسامع إنما هو الجملة - وهو الإنسان - فكذلك محل الأوصاف الحميدة الروح، ومحل الأوصاف المذمومة النَّفْس، والحكُم أو الاسمُ راجعٌ إلى الجملة). وفي الجملة الروح مخلوقة، والحق أجرى العادة بأن يخلق الحياة للعبد ما دام الروح في جسده. والروح لطيفة تقررت للكافة طهارتها ولطافتها، وهي مخلوقة قبل الأجساد بألوفٍ من السنين. وقيل إنه أدركها التكليف، وإن لها صفاء التسبيح، وصفاء المواصلات، والتعريف من الحق. {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}: لأن أحداً لم يشاهد الروح ببصره.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ} ان الله سبحانه ابهم علم الروح فى ظاهر رسوم العلم وبينها لاهل المكاشفة من الانبياء والاولياء بانه اراهم الروح باوصافها فى المكاشفة وذلك سرّه عندهم وهم يكتمونه لقلة ادراك افهام الخلق ولا يعلمون ماهية وجودها وكيفية خلقها قط لان الله قال {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} ولا يطلع على ماهيتها الا صانعها وكيف يعلم الخلق ماهيتها وهى كانت معدومة كونَّها الحق سبحانه بعد ان ظهر صفاته وذاته بنعت التجلى والكشف عيانا بلا حجاب العدم فاوجد الرّوح بقدرته القائمة و ارادته الازلية حين شاهد الصفات الذات وشاهد الذات الصفات وشاهد كل صفة كل صفة وشاهد الصفات الفعل وشاهد الفعل العدم فباشر الموجود المعدوم فظهر الروح من تحت مباشرة القدم العدم موجودة بوجود الذات والصفات وشهودها بنعت الظهور كاملة جامعة متخلقة بخلق الحق متصفة بصفاته فبلغت الى محل يحيى بفيض مباشرة فعله جميع الكون ففى كل موضع يقع عكسه يحيى بحياة تامة كاملة لا موت فيها ومن خاصتها انها تميل الى كل حسن ومستحسن وكل صوت طيب وكل رائحة طيبة لحسن جوهرها وروح وجودها ظاهرها غيب الله وباطنها سر الله مصورة بصورة آدم وخلق الله آدم على صورتها فاذا اراد الله خلق ادم احضر روحه فصور صورته بصورة الرّوح لذلك قال عليه السّلام خلق الله ادم على صورته لذلك قال على صورته لان الرّوح مؤنثة سماعية قال ابن عباس الروح خلوص خلق الله صورهم على صورة بنى آدم وما نزل من السّماء تلك الا ومعه واحد من الروح وقال ابو صالح الروح كهيئة الانسان وليسوا بانسان قال مجاهد الروح على صورة نبى آدم لهم ايد وارجل ورؤس ياكلون وليسوا بملائكة وما ذكرنا فهو من اقل قليل القليل الذى قال سبحانه {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} قال بعضهم الرّوح شعاع الحقيقة يختلف آثارها فى الاجساد وقال بعضهم الروح لطيفة تسرى من الله عز وجل الى اماكن معروفة لا يعبّر عنه باكثر من موجودها بايجاد غيره وقال الواسطى لما خلق الله ارواح الاكابر رداها بمعرفته بهاء فاسقط عنها معرفتها به واسدى اليه علمه بها فاسقط عنها ما علمت منه فمعرفتها معرفة الحق اياها وعلمها علم الحق بها فصوره بودّه اياها على محابها قيل الروح لم يخرج من الكون لانها لو اخرجت من الكون لكان عليها الذل فقيل من اى شئ اخرجت من بين جماله وقدس جلاله بملاحظة الاشارة وغشاها بجماله ورداها بحسنه واستملها بسلامه وحياها بكلامه فهى معتقة من ذل كن وسئل ابو سعيد الخراز عن الروح مخلوقة هى قال نعم ولولا ذاك لما اقرت بالربوبية حين قالت بلى والروح هى التى اوقعت على البدن اسم الحياة وبالروح ثبت العقل وبالروح قامت الحجة ولو لم يكن الروح كان العقل متعطلا لا حجة عليه ولا له سئل الواسطى عن الارواح اين كان مكانها حين اظهرها فقال ان الارواح خلقها وقبضها قبل الاجساد اين كانت ترى صارما عاين عيانا لان الدنيا والآخرة عند الارواح سواء.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويسألونك} [آورده اندكه كفار عرب نضر بن حارث وابى بن خلف وعقبة بن ابى معيط را بمدينه فرستادند تا از يهود يثرب استفسار حال حضرت بيغمبر عليه السلام نمايند جون با ايشان ملاقات كرده احوال باز كفتند يهود متعجب شد كفتند اى صناديد عرب ما دانسته ايم كه زمان ظهور بيغمبرى نزديكست وازسخنان شما رائحه احوال آن نبى استشمام ميتوان كرد شما بجهت آز مايش ازوبر سيد كه طواف مشرق ومغرب كه كرده واحوال جوانان كه درزمان بيشين كم شدند جوكنه است وروح جيست اكرهرسه سؤال راجواب دهد ياهيج كدام را جواب ندهد بدانيدكه او بيغمبر نيست واكر دورا جوا دهد وازروح هيج نكويد بيغمبر است ايشان بمكة آمده مجلس ساختند وازان حضرت سؤال كردند آن دوسؤال را جوا بداد ودر قصه روح اين آيت نازل شد] {ويسألونك} اى اليهود {عن الروح} الذى هو روح البدن الانسانى ومبدأ حياته سألوه عن حقيقته فاجيبوا بقوله {قل الروح من امر ربى} اى من جنس ما استأثر الله بعلمه من الاسرار الخفية التى لا يكاد يحوم حولها عقول البشر فالامر واحد الامور بمعنى الشأن والاضافة للاختصاص العلمى لا الايجادى لاشتراك الكل فيه كذا فى الارشاد. وقال البيضاوى من الابداعيات الكائنة بكن من غير مادة وتولد من اصل كاعضاء جسده انتهى. اعلم ان ما تعلق به الايجاد ودخل تحت الوجود فاما ان يكون حصوله ووجوده لا من مادة ولا فى مدة فهو المبدعات كالمجردات فهى موجودة من كل وجه بالفعل وليس لها حالة منتظرة الوجود وهى مظاهر للاسماء التى بحركة بعضها يتقدر الزمان واما من مادة وفى مدة فهى المسميات بالمحدثات وهى العناصر والمركبات منها واما فى مدة لا من مادة فقيل لا وجود لهذا القسم لان كل ما يتحصل فى مدة لا بد وان يكون من مادة الاعلى قول من ذهب بحدوث النفس الناطقة عند حدوث البدن وهذه الاقسام الباقية مظاهر الاسماء المتغيرة الاحكام على الوجه الذى اطلع عليه اهل الله ذكره دواود القيصرى قدس سره. قال حضرت شيخى وسندى روح الله روحه الظاهر فى شرح تفسير الفاتحة للشيخ صدر الدين القنوى قدس سره الخلق عالم العين والكون والحدوث روحا وجسما والامر عالم العلم والالة والوجوب وعالم الخلق تابع لعالم الامر اذ هو اصله ومبدأ قل الروح من امر ربى انتهى وسيجيئ غير هذا {وما اوتيتم} ايها المؤمنون والكافرون كما فى تفسير الكواشى {من العلم الا قليلا} لا يمكن تعلقه بامثال ذلك اى الا علما قليلا تستفيدونه من طرق الحواس فان اكتساب العقل للمعارف النظرية انما هو من الضروريات المستفادة من احساس الجزئيات ولذلك قيل من فقد حسا فقد علما ولعل اكثر الاشياء لا يدركه الحسن ولا شيئا من احوال المعرفة لذاته وهو اشارة الى ان الروح مما لم يمكن معرفة ذاته الا بعوارض تميزه عما يلتبس به. قال فى بحر العلوم الخطاب فى {وما اوتيتم} عام ويؤيده ما روى حديث : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك قالوا انحن مختصون بهذا الخطاب ام انت معنا فيه فقال "بل نحن وانتم لم نؤت من العلم الا قليلا" فقالوا ما اعجب شأنك ساعة تقول ومن يؤت الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا وساعة تقول هذا فنزلت {ولو ان ما فى الارض من شجرة اقلام والبحر يمده من بعده سبعة ابحر ما نفذت كلمات الله} تفسير : ما قالوه باطل مردود فان علم الحادث فى جنب علم القديم قليل اذ علم العباد متناه وعلم الله لا نهاية له والمتناهى بالنسبة الى غير المتناهى كقطرة بالاضافة الى بحر عظيم لا غاية له. قال بعض الكبار علم الاولياء من علم الانبياء بمنزلة قطرة من سبعة ابحر وعلم الانبياء من علم نبينا محمد عليه السلام بهذه المثابة وعلم نبينا من علم الحق سبحانه بهذه المنزلة فالعلم الذى اوتيه العباد وان كان كثيرا فى نفسه لكنه قليل بالنسبة الى علم الحق تعالى [شيخ ابومدين مغربى قدس سره فرمودكه اين اندكى كه خدى تعالى داده است از علمنه ازان ماست بلكه عاريتست نزيدك ما وبسيارى آن برسيده ايم بس على الدوام جاهلانيم وجاهل رادعوى دانش نرسد] قال المولى الجامى شعر : سبحانك لا علم لنا الا ما علمت والهمت لنا الهاما تفسير : قال فى الكواشى اختلفوا فى الروح وماهيته ولم يأت احد منهم على دعواه بدليل قطعى غير انه شئ بمفارقته يموت الانسان وبملازمته له يبقى انتهى. يقول الفقير الروح سلطانى وحيوانى والاول من عالم الامر ويقال له المفارق ايضا لمفارقته عن البدن وتعلقه به تعلق التدبير والتصرف وهو لا يفنى بخراب هذا البدن وانما يفنى تصرفه فى اعضاء البدن ومحل تعينه هو القلب الصنوبرى والقلب من عالم الملكوت والثانى من عالم الخلق ويقال له القلب والعقل والنفس ايضا وهو سار فى جميع اعضاء البدن الا ان سلطانه قوى فى الدم فهو اقوى مظاهره ومحل تعينه هو الدماغ وهو انما حدث بعد تعلق الروح السلطانى بهذا الهيكل المحسوس فهو من انعكاس انوار الروح السلطانى وهو مبدأ الافعال والحركات فان الحياة امر مغيب مستور فى الحى لا يعلم الا بآثاره كالحس والحركة والعلم والارداة وغيرها ولولا هذا الروح ما صدر من الانسان ما صدر من الآثار المختلفة لانه بمنزلة الصفة من الذات فكما ان الافعال الالهية تبتنى على اجتماع الذات بالصفة كذلك الافعال الانسانية تتفرع من اجتماع الروح السلطانى بالورح الحيوانى وكما ان الصفات الالهية الكمالية كانت فى باطن غيب الذات الاحدية قبل وجود هذه الافعال والآثار كذلك هذا الروح الحيوانى كان بالقوة فى باطن الروح السلطانى قبل تعلقه بهذا البدن فاذا عرفت هذا وقفت على معنى قوله عليه السلام "حديث : اولياء الله لا يموتون بل ينقلون من دار الى دار"تفسير : لان الانتقال كالانسلاخ حال الفناء التام. وللروح خمسة احوال. حالة العدم قال الله تعالى {أية : هل اتى على الانسان}تفسير : الآية. وحالة الوجود فى عالم الارواح قال الله تعالى "حديث : خلقت الارواح قبل الاجساد بالفى سنة"تفسير : . وحالة التعلق قال {أية : ونفخت فيه من روحى}تفسير : . وحالة المفارقة قال {أية : كل نفس ذائقة الموت}تفسير : .وحالة الاعادة قال {أية : سنعيدها سيرتها الاولى}تفسير : . اما فائدة حالة العدم فلحصول المعرفة بحدوث نفسه وقدم صانعه. وما فائدة حالة الوجود فى عالم الارواح فلمعرفة الله بالصفات الذاتية من القادرية والحياتية والعالمية والموجودة والسميعة والبصرية والمتكلمية والمريدية. واما فائدة تعلقه بالجسد فالاكتساب كمال المعرفة فى عالم الغيب والشهادة من الجزئيات والكليات. واما فائدة نفخ الروح فى البدن فلحصول المعرفة بالصفات الفعلية. من الرزاقية والتوابية والغفارية والرحمانية والرحيمية والمنعمية والمحسنية والوهابية. واما فائدة حالة المفارقة فلدفع الخبائث التى حصلت للروح بصحبة الاجسام ولشرب الذوق فى مقام العندية. واما فائدة حالة الاعادة فلحصول النعمات الاخروية. وفى التأويلات النجمية ان الله تعالى خلق العوالم الكثيرة ففى بعض الروايات خلق ثلاثمائة وستين الف عالم ولكنه جعلها محصورة فى عالمين اثنين وهما الخلق والامر كما قال تعالى {أية : الا له الخلق والامر}تفسير : فعبر عن عالم الدنيا وما يدرك بالحواس الخمس الظاهرة وهى السمع والبصر والشم والذوق واللمس بالخلق وعبر عن عالم الآخرة وهو ما يدرك بالحواس الخمس الباطنة وهى العقل والقلب السر والروح والخفى بالامر فعالم الامر هو الاوليات العظائم التى خلقها الله تعالى للبقاء من الروح والعقل والقلم واللوح والعرش والكرسى والجنة والنار ويسمى عالم الامر امرا لانه اوجده بامركن من لا شئ بلا واسطة شئ كقوله {أية : خلقتك من قبل ولم تك شيئا}تفسير : ولما كان امره قديما فما كوّن بالامر القديم وان كان حادثا كان باقيا وسمى عالم الخلق خلقا لانه اوجده بالوسائط من شئ كقوله {أية : وما خلق الله من شئ}تفسير : فلما ان الوسائط كانت مخلوقة من شئ مخلوق سماه خلقا خلقه الله للفناء فتبين ان قوله {أية : قل الروح من امر ربى}تفسير : انما هو لتعريف الروح معناه انه من عالم الامر والبقاء لا من عالم الخلق والفناء وانه ليس للاستبهام كما ظن جماعة ان الله تعالى ابهم علم الروح على الخلق واستأثره لنفسه حتى قالوا ان النبى عليه السلام لم يكن علاما به جل منصب حبيب الله عن ان يكون جاهلا بالروح مع انه عالم بالله وقد من الله عليه بقوله {أية : وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما}تفسير : احسبوا ان علم الروح مما لم يكن يعلمه الم يخبر ان الله علمه ما لم يكن يعلم فاما سكوته عن جواب سؤال الروح وتوقفه انتظار للوحى حين سألته اليهود فقد كان لغموض يرى فى معنى الجواب ودقة لا تفهمهما اليهود لبلادة طباعهم وقساوة قلوبهم وفساد عقائدهم فانه وما يعقلها الا العالمون وهم ارباب السلوك والسائرون الى الله فانهم لما عبروا عن النفس وصفاتها ووصلوا الى حريم القلب عرفوا النفس بنور القلب ولما عبروا بالسر عن القلب وصفاته ووصلوا الى مقام السر عرفوا بعلم السر القلب واذا عبروا عن السر ووصلوا الى عالم الروح عرفوا بنور الروح السر واذا عبروا عن عالم الروح ووصلوا الى منزل الخفى عرفوا بشواهد الحق الروح واذا عبروا عن منزلة الخفى ووصلوا الى ساحل بحر الحقيقة عرفوا بانوار صفات مشاهدات الجميل الخفى واذا فنوا بسطوات تجلى صفات الجلال عن انانية الوجود ووصلوا الى الجنة بحر الحقيقة كوشفوا بهوية الحق تعالى واذا استغرقوا فى بحر الهوية وابقوا ببقاء الالهية عرفوا الله بالله فاذا كان هذا حال الولى فكيف حال من يقول علمت ما كان وما سيكون. واعلم ان الروح الانسانى وهو اول شئ تعلقت به القدرة جوهرة نورانية ولطيفة ربانية من عالم الامر وعالم الامر هو الملكوت الذى خلق من لا شئ وعالم الخلق هو الملك الذى خلق من شئ كقوله تعالى {أية : أولم ينظروا فى ملكوت السموات والارض}تفسير : وما خلق الله من شئ والعالم عالمان يعبر عنهما بالدنيا والآخرة والملك والملكوت والشهادة والغيب والصورة والمعنى والخلق والامر والظاهر والباطن والاجسام والارواح ويراد بهما ظاهر الكون وباطنه فثبت بالآية ان الملكوت الذى هو باطن الكون خلق من لا شئ اذ ما عداه من الملك خلق من شئ واما قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : اول ما خلق الله جوهرة. واول ما خلق الله روحى. واول ما خلق الله العقل. واول ما خلق الله القلم " تفسير : وقول بعض الكبراء من الائمة ان اول المخلوقات على الاطلاق ملك كروبى يسمى العقل وهو صاحب القلم وتسميته قلما كتسمية صاحب السيف سيفا كما قيل لخالد بن وليد رضى الله عنه سيف الله وهو اول لقب فى الاسلام وقول الله تعالى {أية : يوم يقوم الروح والملائكة صفا}تفسير : وقد جاء فى الخبر (ان الروح ملك يقوم صفا) فلا يبعد ان يكون هذا الملك العظيم الذى هو اول المخلوقات هو الروح النبوى فان المخلوق الاول مسمى واحد وله اسماء مختلقة فبحسب كل صفة فيه سمى باسم آخر ولا ريب ان اصل الكون كان النبى عليه السلام لقوله "حديث : لولاك لما خلقت الكون"تفسير : فهو اولى ان يكون اصلا وما سواه اولى ان يكون تبعا له لانه كان بالروح بذر شجرة الموجودات فلما بلغ اشده وبلغ اربعين سنة كان بالجسم والروح ثمرة شجرةالموجودات وهى سدرة المنتهى كما ان الثمرة تخرج من فرع الشجرة كان خروجه الى قاب قوسين او ادنى ولهذا قال "حديث : نحن الآخرون السابقون"تفسير : يعنى الآخرون بالخروج كالثمرة والسابقون بالخلق كالبذر فيلزم من ذلك ان يكون روحه صلى الله عليه وسلم اول شئ تعلقت به القدرة وان يكون هو المسمى بالاسماء المختلفة فباعتبار انه كان درة صدف الموجودات سمى درة وجوهرة كما جاء فى الخبر (اول ما خلق الله جوهرة) وفى رواية (درة فنظر اليها فذابت فخلق منها كذا وكذا) وباعتبار نورانيته سمى نورا وباعتبار وفور عقله سمى عقلا وباعتبار غلبات الصفات الملكية عليه سمى ملكا وباعتبار انه صاحب القلم سمى قلما وكيف يظن به عليه السلام انه لم يكن عارفا بالروح والروح هو نفسه وقد قال "حديث : من عرف نفسه فقد عرف ربه"تفسير : والارواح كلها خلقت من روح النبى صلى الله عليه وسلم وان روحها اصل الارواح ولهذا سمى اميا اى انه ام الارواح فكما كان آدم عليه السلام ابا البشر كان النبى عليه السلام ابا الارواح وامها كما كان آدم ابا وحوا امها وذلك ان الله تعالى لما خلق روح النبى عليه السلام كان الله ولم يكن معه شئ الا روحه وما كان شئ آخر حتى ينسب روحه اليه او يضاف اليه غير الله فلما كان روحه اول باكورة اثمرها الله تعالى بايجاده من شجرة الوجود واول شئ تعلقت به القدرة شرفه بتشريف اضافته الى نفسه تعالى فسماه روحى كماسمى اول بيت من بيوت الله وضع للناس وشرفه بالاضافة الى نفسه فقال له بيتى ثم حين اراد ان يخلق آدم سواه ونفخ فيه من روحه اى من الروح المضافة الى نفسه وهو روح النبى صلى الله عليه وسلم كما قال "حديث : فاذا سويته ونفخت فيه من روحى"تفسير : فكان روح آدم من روح النبى عليه السلام بهذا الدليل وكذلك ارواح اولاده لقوله تعالى {أية : ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه}تفسير : وقال فى عيسى ابن مريم عليه السلام {أية : ونفخنا فيه من روحنا}تفسير : فكانت النفخة لجبريل وروحها من روح النبى عليه السلام المضاف الى الحضرة وهذا احد اسرار قوله "حديث : آدم ومن دونه تحت لوائى يوم القيامة"تفسير : ثم قوله تعالى {أية : وما اوتيتم من العلم الا قليلا}تفسير : راجع الى اليهود الذين سألوا النبى عليه السلام عن الروح يعنى انكم سألتمونى وقد اجبتكم انه من امر ربى ولكنكم ما تفقهون كلامى لانى اخبركم عن عالم الآخرة وعن الغيب وانتم اهل الدنيا والحسن وعلمها قليل بالنسبة الى الآخرة وعلمها فانكم عن علمها غافلون كقوله تعالى {أية : يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون}تفسير : انتهى ما فى التأويلات باختصار.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ويسألونك عن الروح} أي: عن حقيقة الروح، الذي هو مدبر البدن الإنساني، ومبدأ حياته. رُوي أن اليهود قالوا لقريش: سلوه عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح، فإن أجاب عنها كلها أو سكت فليس بنبي، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي. فبيَّن لهم القصتين وأبهم أمر الروح، وهو مبهم في التوراة، فقال: {قل الروح من أمر ربي}، أظهر في مقام الإضمار؛ إظهارًا لكمال الاعتناء بشرفه، أي: هو من جنس ما استأثر الله بعلمه من الأسرار الخفية، التي لا يكاد يحوم حولها عقولُ البشر. {وما أُوتيتم من العلم إِلا قليلاً} لا يمكن تعلقه بأمثال هذه الأسرار. رُوِيَ أنه صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك، قالوا: نحن مختصون بهذا الخطاب، قال عليه الصلاة والسلام: "بل نحن وأنتم". فقالوا: ما أعجب شأنك، ساعة تقول: {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}تفسير : [البَقَرَة: 269]، وتارة تقول هذا، فنزلت: {أية : قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي} تفسير : [الكهف: 109] الآية. {أية : وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ...} تفسير : [لقمان: 27] الآية. وهذا من ركاكة عقولهم؛ فإن من الحكمة الإنسانية أن يعلم من الخير ما تسعه الطاقة البشرية، بل ما نيط به المعاش والمعاد، وذلك بالإضافة إلى ما لا نهاية له من متعلقات علمه سبحانه، قليل ينال به خير: كثير في نفسه. وقال ابن حجر: أخرج الطبراني عن ابن عباس أنهم قالوا: أخبرنا عن الروح، وكيف تُعذب الروح في الجسد، وإنما الروح من الله؟. هـ. قلت: يُجاب بأنها لما برزت لعالم الشهادة لحقتها العبودية، وأحاطت به القهرية. وقال القشيري: أرادوا أن يُغالطُوه فيما به يجيب، فأمَرَه أن ينطق بأمرٍ يُفْصِحُ عن أقسامِ الروح، لأنَّ ما يُطْلَقُ عليه لفظ "الروح" يدخل تحت قوله: {قل الروح من أمر ربي}، ثم قال: وفي الجملة: الروح مخلوقة، والحق أجرى العادة بأن يخلق الحياة للعبد، ما دام الروح في جسده، والروح لطيفة تَقرب للكثافة في طهارتها ولطافتها. وهي مخلوقة قبل الأجساد بألوفٍ من السنين. وقيل: إن أدركها التكليف، كان للروح صفاء التسبيح، ضياء المواصلة، ويُمن التعريف بالحق. هـ. وقيل: المراد بالروح خلق عظيم روحاني من أعظم الملائكة، وقيل جبريل عليه السلام، وقيل: القرآن. ومعنى {من أمر ربي}؛ من وحيه وكلامه، لا من كلام البشر. والله تعالى أعلم بمراده. الإشارة: قد أكثر الناسُ الكلام في شأن الروح، فرأى بعضهم أن الإمساك عنها أولى؛ لأن الرسول - عليه الصلاة والسلام - لم يجب عنها. وبيَّن الحق تعالى أنها من أمر الله وسر من أسراره. ورأى بعضهم أن النهي لم يرد عن الخوض فيها صريحًا، فتكلم على قدر فهمه. فقال بعضهم: حقيقة الروح: جسم لطيف مشتبك بالبدن اشتباك الماء بالعود الأرطب، وقال صاحب (الرموز في فتح الكنوز) على حديث: "حديث : من عرف نفسه فقد عرف ربّه"تفسير : . قد ظهر لي من سر هذا الحديث ما يجب كشفه ويستحسن وصفه، وهو: أن الله، سبحانه، وضع هذا الروح في هذه الجثة الجثمانية، لطيفة لاهوتية، في كثيفة ناسوتية، دالة على وحدانيته تعالى وربانيته، ووجه الاستدلال من عشرة أوجه: الأول: أن هذا الهيكل الإنساني لَمَّا كان مفتقرًا إلى محرك ومدبر، وهذا الروح هو الذي يدبره ويحركه، علمنا أن هذا العالم لا بد له من محرك ومدبر. الثاني: لَمَّا كان مدبر الجسد واحدًا؛ علمنا أن مدبر هذا العالم واحد لا شريك له في تدبيره وتقديره. قال تعالى {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء: 22]، الثالث: لَمَّا كان لا يتحرك هذا الجسم إلا بتحريك الروح وإرادته؛ علمنا أنه لا يتحرك بخير أو شر إلا بتحريك الله وقدرته وإرادته. الرابع: لَمَّا كان لا يتحرك في الجسد شيء إلا بعلم الروح وشعورها، لا يخفي على الروح من حركة الجسد شيء، علمنا أنه تعالى لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. الخامس: لَمَّا كان هذا الجسد لم يكن فيه شيء أقرب إلى الروح من شيء؛ علمنا أنه تعالى قريب إلى كل شيء، ليس شيء أقرب إليه من شيء، ولا شيء أبعد إليه من شيء، لا بمعنى قرب المسافة؛ لأنه منزه عن ذلك. السادس: لَمَّا كان الروح موجودًا قبل الجسد، ويكون موجودًا بعد عدمه؛ علمنا أنه تعالى موجود قبل خلقه، ويكون موجودًا بعد عدمهم، ما زال، ولا يزال، وتقدس عن الزوال. السابع: لَمَّا كان الروح في الجسد لا تعرف له كيفية؛ علمنا أنه تعالى مقدس عن الكيفية. الثامن: لَمَّا كان الروح في الجسد لا تعرف له كيفية ولا أينية، بل الروح موجود في سائر الجسد، ما خلا منه شيء في الجسد. كذلك الحق سبحانه موجود في كل مكان، وتنزه عن المكان والزمان التاسع: لَمَّا كان الروح في الجسد لا يحس ولا يجس ولا يُمس، علمنا أنه تعالى منزه عن الحس والجس والمس. العاشر: لَمَّا كان الروح في الجسد لا يُدرك بالبصر، ولا يمثل بالصور، علمنا أنه تعالى لا تُدركه الأبصار، ولا يمثل بالصور والآثار، ولا يشبه بالشموس والأقمار، {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}تفسير : [الشورى: 11]. هـ. وحديث: "حديث : من عرف نفسه..."تفسير : الخ، قال النووي: غير ثابت، وقال السمعاني: هو من كلام يحيى بن معاذ الرازي. والله تعالى أعلم. وسئل أبو سعيد الخراز عن الروح، أمخلوقة هي؟ قال: نعم. ولولا ذلك لما أقرت بالربوبية حتى قالت: "بلى". قلت: لما انفصلت عن الأصل كستها أردية العبودية، فأقرت بالربوبية. وقال الورتجبي: الروح: شعاع الحقيقة، يختلف آثارها في الأجساد. قال: ومن خاصيتها أنها تميل إلى كل حسن ومستحسن، وكل صوت طيب، وكل رائحة طيبة؛ لحسن جوهرها وروح وجودها، ظاهرها غيب الله، وباطنها سر الله، مصورة بصورة آدم. فإذا أراد الله خلق آدمي أحضر روحه، فصور صورته بصورة الروح؛ فلذلك قال عليه الصلاة والسلام؛ إشارة وإبهامًا: "حديث : خلق الله آدم على صورته"تفسير : . هـ. قلت: يعني: أن إظهار الروح من بحر الجبروت، في التجلي الأول، كان على صورة آدم، ثم خلق آدم على صورة الروح الأعظم، وهو التجلي الأول من بحر المعاني، فكانت أول التجليات من ذات الرحمن، فقال في حديث آخر: "حديث : إن الله خلق آدم على صورة الرحمن"تفسير : . والله تعالى أعلم. وقيل: الصوت الطيب روحاني، ولتشاكله مع الروح، صار يهيج الروح ويحثها للرجوع لأصلها، إذا كان صاحبها له ذوق سليم، يسمع من صوت طيب كريم. سمع أبو يزيد نغمة، فقال: أجد النغم نداء منه تعالى. وقيل: إن الروح لم تدخل في جسد آدم إلا بالسماع، فصارت لا تخرج من سجنه إلا بالسماع. والله تعالى أعلم. ثمَّ بين قوله {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {يسألونك عن الروح} يا محمد. واختلفوا في الروح الذي سألوا عنه. فقال ابن عباس: هو جبرائيل. وروي عن علي (ع) أَن الروح ملك من الملائكة له سبعون الف وجه في كل وجه سبعون الف لسان يسبح الله بجميع ذلك. وقيل: هو روح الحيوان، وهو الاظهر في الكلام. وقال قتادة: الذي سأله عن ذلك قوم من اليهود. وقيل: الروح هو القرآن، ذكره الحسن، لقوله: {أية : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا}تفسير : واختاره البلخي، وقوى ذلك بقوله بعدها: {ولئن شئنا لنذهبنّ بالذي أَوحينا إليك} يعني القرآن، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم قل لهم {الروح من أَمر ربي} فعلى قول من قال: انهم سألوا عن القرآن أو عن جبرائيل او الملك أو روح الحيوان، فقد أَجاب عنه لانه قال: {من أمر ربي} أي من خلق ربي وفعله. وعلى قول: من قال انهم سألوه عن ماهية الانسان، لم يجب، وانما عدل عن جوابهم، لانهم وجدوا في كتابهم انه إِن أجاب عن الروح، فليس بنبيّ، فاراد صلى الله عليه وسلم ان يصدق نبوته بموافقة امتناعه من الجواب، لما في كتابهم. ويقوي ذلك قوله: {وما أوتيتم من العلم إِلا قليلاً} اي لم أُعط من العلم الا شيئاً يسيراً، والاكثر لا اعلمه، لان معلومات الله تعالى لا نهاية لها. والروح من الامور المتروكة التي لا يصلح النص عليها، لانه ينافي الحكمة، لما فيه من الاستفساد. وانما اعلم ما نص لي عليه مما يقتضي المصلحة، وهو قليل من كثير. وقيل ايضاً انهم لم يجابوا عن الروح، لان المصلحة اقتضت ان يحالوا على ما في عقولهم من الدلالة عليه، لما في ذلك من الرياضة على استخراج الفائدة، وان ما طريقه السمع، فقد اتى به، وما طريقه العقل، فانما يأتي به مؤكداً لما في العقل لضرب من التأكيد، ولما فيه من المصلحة. والروح جسم رقيق هوائي على بنية حيوانية في كل جزء منه حياة، ذكره الرماني. وقال: كل حيوان، فهو روح وبدن الا أن فيهم من الاغلب عليه الروح، وفيهم من الاغلب عليه البدن. ثم قال: {ولئن شئنا لنذهبنّ بالذي أوحينا إليك} ومعناه اني اقدر ان آخذ ما أعطيك، كما منعته من غيرك، لكني دبرتك بالرحمة لك، فأعطيتك ما تحتاج اليه ومنعتك ما لا تحتاج اليه والى النص عليه. وان توهّم قوم أنه مما يحتاج اليه، فتدبر أنت بتدبير ربك وارض بما اختاره لك، ولو فعلنا ذلك لم تجد لك علينا وكيلاً يستوفي ذلك منا. وقال قوم: معنى {ولئن شئنا لنذهبنّ} اي لنمحونّ - هنا - القرآن من صدرك وصدر أمّتك. وقوله: {إلا رحمة من ربك} اعطاك ما اعطاك من العلوم ومنعك ما منعك منها {إن فضل الله كان} فيما مضى وفيما يستقبل {عليك كبيراً} عظيماً، فقابله بالشكر.

الجنابذي

تفسير : {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ} اى الرّوح الّتى بها الحياة الانسانيّة فانّ الرّوح تطلق على البخار المتكوّن فى القلب المنتشر فى البدن بواسطة الشّرائين وتسمّى روحاً حيوانيّةً، وعلى البخار المتصاعد من القلب الى الدّماغ فتعتدل ببرودته وتسمّى روحاً نفسانيّةً، وعلى الّتى بها حياة الحيوان وتسمّى نفساً حيوانيّةً، وعلى الّتى بها حياة الانسان وتسمّى نفساً ناطقة وهذه هى مراد السّائلين لانّها المدركة لهم بالآثار دون سابقتها فانّها مختفية تحت شعاع نفس الانسان، وتطلق على طبقة من الملائكة وتسمّى فى لسان الاشراق بارباب الانواع وفى لسان الشّرع بالصّفات صفّاً، وعلى ملك اعظم من جميع الملائكة وله بعدد كلّ انسان وجه وهو ربّ نوع الانسان وله الرّياسة والاحاطة على جميع الانواع واربابها وهو مع كلّ افراد الانسان وليسوا معه، وما ورد فى بيان الرّوح انّها ملك اعظم من جبرئيل وميكائيل وكان مع محمّدٍ (ص) ثمّ مع الائمّة (ع) اشارة الى هذا المعنى ومعنى كونه مع محمّدٍ (ص) دون سائر الانبياء انّ معيّته مع محمّدٍ (ص) كان بمعيّة محمّدٍ (ص) معه والاّ فهو مع كلّ افراد الانسان بل مع كلّ ذرّات العالم ونفخت فيه من روحى اشارة الى تلك، فانّ الرّوح المنفوخة فى آدم (ع) ظلّ تلك الرّوح، ولمّا كانت الرّوح المسؤل عنها امراً مجرّداً معقولاً لا يدركه الاّ ذوو العقول وكان السّائلون اهل الحسّ لا يتجاوز ادراكهم المحسوسات امره (ص) بالاجمال فى الجواب فقال {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} اى ناشئة من امر ربّى من غير سبق استعداد مادّة حتّى تكون محسوسة فتدركونها بالحواسّ الظّاهرة او الباطنة او من عالم امره ولا يصل ادراككم اليه ولذلك قال {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} منكم او قليلاً من العلم وهو العلم بالمحسوس من آثارها وليس لكم علم عالم الامر ولفظة ما نافية او استفهاميّة انكاريّة.

اطفيش

تفسير : {وَيَسْأَلُونَكَ عِنِ الرُّوحِ} أى يسأَلك قريش عن الروح المركب فى الحيوان من الإِنسان وغيره الذى به يحيا ما هو. {قُلِ} لهم {الرُّوحُ مِنْ أمْرِ رَبِّى} مما وجد الله بقوله كن من غير مادة وتولد من أصل كأَعضاء الجسد فإِنها تولدت من نطفة والنطفة تولدت من متولد بواسطة مأْكول ومشروب إِلى آدم المتولد من تراب، والمعنى: قل الروح وجد بأَمر ربى وحدث بتكوينه لكن هذا على أنهم سأَلون هل الروح قديم أو حادث؟ أو المعنى قل الروح من أمور الله التى اختص بعلمها. {وَمَا أُوتِيتُم} وقرأ الأَعمش وما أوتوا الخ، وفى قراءة الجمهور التفات. {مِّنَ الْعِلْمِ} علم الدين وعلم الدنيا. {إِلاَّ قَلِيلاً} بالنسبة إِلى علم الله فإِن قريشاً قد علمت بعضاً كعلمهم بوجود الله وبأَنه الرازق وعلمهم بأُمور المعيشة، وأشار بهذا إِلى أن الروح مما لا يمكن معرفة ذاته إلا بعوارض تميزه عما يلتبس به فلذلك اقتصر على هذا الجواب كما اقتصر موسى على قوله رب السماوات والأَرض وما بينهما إن كنتم موقنين، فى جواب قول فرعون وما رب العالمين. والقليل الذى أوتيتموه إِنما هو بواسطة حواسكم فإِن العلم النظرى إِنما يستفاد من الضروريات المستفاد من إِحساس الجزئيات ومن فقد حساً فقد علماً، وأكثر الأَشياء لا تدركه الحاسة بذاته بل بواسطة القياس والتمثيل وغيرهما. حديث : قال الكلبى بعث المشركون رسولا إِلى المدينة يسأَلون اليهود عن نعت النبى الذى حل مبعثه، فوجدوا بها علماء اليهود من كل أرض قد اجتمعوا فيها لعيد لهم فسأَلوهم عن محمد ووصفوه لهم. فقال: لهم حبر من أحبار اليهود: إِن هذا نعت النبى الذى يبعثه الله فى هذه الأَرض فقال له رسل قريش: إِنه فقير يتيم لم يتبعه من قومه من أهل الرأى ولا ذوى الشأَن أحد، فضحك الحبر، قال كذلك نجده. قالت له رسل قريش: فإِنه يقول قولا عظيماً، يدعو إِلى الرحمن الذى باليمامة الساحر الكاذب، يعنون مسيلمة، فقالت لهم اليهود، لا تكثروا علينا اذهبوا فاسأَلوا صاحبكم عن خلال ثلاث فإِن الذى باليمامة قد عجز عنهن فأَما اثنتان فإِنهما لا يعلمهما إلا نبى، وأما الثالثة فلا يجترئ عليها أحد فإِن أخبركم عن الاثنتين دونها فهو صادق. فقالت رسل قريش: أخبرونا بهن. فقالت اليهود: اسأَلوه عن أصحاب الكهف والرقيم فقصوا عليهم قصتهم واسأَلوه عن ذى القرنين وحدثوهم بأَمره، واسأَلوه عن الروح إِن أخبركم بشئ فيه فكاذب، فرجعت رسل قريش إِليهم فأَخبروهم بذلك، فأَرسلوا إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلقيهم فقالوا يا ابن عبد المطلب نسأَلك عن خلال ثلاث فإِن وافقت بالجواب فصادق وإلا فلا تذكر آلهتنا بسوء، فقال - صلى الله عليه وسلم - ما هن. قالوا: أخبرنا عن أصحاب الكهف فإِنا قد أخبرنا عنهم بآية بينة، وأخبرنا عن ذى القرنين فإِنه قد أخبرنا عنه بآية بينة، وأخبرنا عن الروح. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنظرونى حتى أنظر ماذا يحدث إِلى فيه ربى. قالوا: فإِنا ناظروك فيه ثلاثة أيام، فمكث عنه جبريل لا يأْتيه، ثم أتاه فاستبشر - صلى الله عليه وسلم - وقال: يا جبريل قد رأيت ما سأَلونى عليه، ثم لم تأْتنى. فقال له: وما تنزل إلا بأَمر ربك إِلى وما كان ربك نسياً ثم قال: ويسأَلونك عن الروح. قل الروح من أمر ربى وما أُوتيتم من العلم إلا قليلا، ثم قال: أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا .. إِلى آخر قصتهم. ثم قال: ويسألونك عن ذى القرنين.. إِلى آخر قصته. ثم لقى قريشاً فى آخر اليوم الثالث فقالوا: ماذا أحدث إِليك ربك فى الذى سأَلناك عنه. فقص عليهم، فعجبوا وغلب عليهم الشيطان أن يصدقوهتفسير : . وعن ابن عباس حديث : أن قريشاً اجتمعوا وقالوا: إِن محمداً نشأ فينا بالأَمانة والصدق وما اتهمناه بكذب قط وقد ادعى ما ادعى فابعثوا نفراً إِلى اليهود بالمدينة اسأَلوهم عنه فإِنهم أهل كتاب، فبعثوا جماعة إِليهم، فقالت اليهود اسأَلوه عن ثلاثة فإِن أجاب عن كلها أو لم يجب عن شئ منها فليس بنبى وإن أجاب عن اثنين ولم يجب عن واحدة فهو نبى، اسأَلوه عن فتية فقدوا فى الزمان الأَول ما كان شأَنهم، فإِنه كان لهم حديث عجيب، وعن رجل بلغ شرق الأَرض وغربها ما خبره وعن الروح، وسأَلوا النبى - صلى الله عليه سلم - فقال: أخبركم بما سأَلتم غداً، فلبث الوحى اثنى عشر يوماً فى ما قال مجاهد، وقيل: خمسة عشر، وقيل: أربعين، فقال أهل مكة: وعدنا محمد غداً، وحزن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لذلك ثم نزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى: {ولا تقولن لشئ إِنى فاعل ذلك غداً إِلا أن يشاء الله}. ونزل {أم حسبت أن أصحاب الكهف...} إِلى آخره. ونزل {ويسأَلونك عن ذى القرنين}. الخ.. {ويسأَلونك عن الروح} ... إِلى آخرهتفسير : . والآية مكية، وقال ابن مسعود: الآية مكية والسائلون اليهود، أى ويسأَلك اليهود عن الروح، قال ابن مسعود: بينما أنا أمشى مع النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو يتوكأ على عسيب أى جريد النخل، فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: اسأَلوه عن الورح. وقال بعض: لا تسأَلوا لئلا يسمعكم ما تكرهون، فقاموا إِليه. وفى رواية قام إِليه رجل، فقالوا أو قال: يا أبا القاسم ما الروح. فسكت. وفى رواية حدثنا عن الروح، فقام ساعة ينتظر وعرفت أنه يوحى إِليه، فتأَخرت حتى صعد الوحى فقال لهم: ويسأَلونك عن الروح، قل الروح من أمر ربى، وما أوتيتم من العلم إِلا قليلا. فقال بعض لبعض: قد قلنا لكم لا تسأَلوه، وكان عندهم فى التوراة أن الروح مما انفرد الله سبحانه بعلمه ولا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبى مرسل. قال عبد الله بن بريدة: إِن الله لم يطلع على الروح ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً بدليل قوله تعالى: {قل الروح من أمر ربى} أى من العلم الذى استأثر به الله تعالى: وهو الصحيح. وقيل إِن النبى قد علم به ولكن لم يخبرهم به لأَن ترك الإِخبار علامة لنبوته، وقيل إِن ابن عباس وبعض السلف فسروه مرة واحدة ثم كفوا عن تفسيره. وقال ابن دقيق العيد: رأيت كتاباً لبعض الحكماء فى حقيقة النفس فيه ثلاثمائة قول، قال القرافى: كثرة الخلاف تؤذن بكثرة الجهالات، واختلف علماء الإِسلام فى جواز الخوض فيه على قولين واختلف المجيزون هل هو عرض أو جوهر أو ليس جوهراً ولا عرضاً وليس يوصف بأَنه داخل الجسم ولا خارجه، وبه قال الغزالى: وقال قوم من المتأَخرين إِنها جسم نورانى شفاف سار فى الجسم سريان الماء فى العود أو سريان النار فى الفحم ويدل على أنها فى الجسم قوله عز وجل: {أية : فلولا إِذا بلغت الحلقوم}. تفسير : قال الخطيب أبو محمد البرجينى، قال أبو الطاهر الركزكى: حضرت عند ولى من الأَولياء عند النزع فشاهدت نفسه قد خرجت من مواضع من جسده ثم تشكلت على رأسه بشكله وصورته ثم صعدت إِلى السماء وصعدت نفسى معها، فلما انتهينا إِلى السماء الدنيا شاهدت باباً ورجل ملك ممدودة عليه فأَزال الملك رِجْلُهُ وقال لنفس ذلك الولى اصعدى فصعدت فأرادت نفسى أن تصعد معها، فقال لها: ارجعى فقد بقى لك وقت، فرجعت فشاهدت النفس دائرة على جسمى، وقائل يقول مات، وآخر يقول لم يمت، فدخلت من أنفى، أو قال: يقول من عينى وقمت، ذكر ذلك الثعالبى سماعاً من البرجيسى، أما الثعالبى فمن الجزاء جزيرة مرغنة والبرجينى معروف عند أهل أفريقية، وأبو الطاهر معظم عند أهل تونس يزار قبره بالزلاج، وقيل الروح معنى اجتمع فيه النور والطيب والعلم والعلق والبقاء لوجود ذلك فى حياة الإِنسان وفقده فى موته، وأولى الأَقاويل أن يوكل علمه إِلى الله جل وعلا، وهو قولنا معشر الأباضية وقول المالكية والشافعية والحنفية والحنبلية، وقيل الروح المسئول عنه هو جبريل، وهى رواية عن ابن عباس، وقال على إنه ملك له سبعون ألف وجه فى كل وجه سبعون لسانا يسبح الله تعالى بكلها، وقال مجاهد: خلق على صورة بنى آدم لهم يد وأرجل ورءوس ليسوا بملائكة ولا ناس يأْكلون الطعام، وقال سعيد بن جبير خلق لم يخلق الله سبحانه خلقاً أعظم منه غير العرش لو شاء أن يبتلع السماوات والأَرضين ومن فيها بلقمة لفعل، ذلك على صورة الملائكة ووجهه كوجه الإِنسان وهو على يمين العرش يوم القيامة يشفع لأَهل التوحيد، ولولا أن بينه وبين الملائكة ستراً لاحترق أهل السماوات من نوره، وقال الحسن: الروح هو القرآن لأَنه سماه الله تعالى جل وعلا روحاً، ولأَن به حياة القلب، والصحيح أنه الروح المركب فى الحيوان والخطاب فى قراءة الجمهور عام، وقيل لليهود وكانوا يقولون: أوتينا التوراة وفيها العلم الكثير. فقيل لهم: إِن علم التوراة قليل فى جنب علم الله تعالى. روى أنه لما قال لهم: وما أوتيتم من العلم إلا قليلا، قالوا: نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه. قال: نحن وأنتم، رواه الطبرى. وقالوا ما أعجب شأْنك ساعة تقول: ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً، وساعة تقول هذا، فنزل قوله تعالى: {أية : ولو أنما فى الأَرض من شجرة أقلام} ...تفسير : الآية، وذلك جهل منهم لأَن القلة والكثرة أمران إِضافيان فالحكمة التى أُوتيها العبد خير كثير فى نفسه ولو كانت تقل بالنسبة إِلى علم الله.

اطفيش

تفسير : {وَيَسْأَلُونَكَ} أى اليهود، عند ابن مسعود رضى الله عنه، والدليل معرفته صلى الله عليه وسلم بالسائلين، ولو لم يتقدم ذكر اليهود قريبًا أو قريش بتعليم اليهود عند ابن عباس رضى الله عنهما، إذ قالوا لقريش تعنتًا: اسألوا عن الروح، ويناسب الأول قوله عز وجل: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} لأن المتصفين بالعلم اليهود لا قريش، قال ابن مسعود رضى الله عنه: بينما أنا أمشى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتوكأ على عسيب، فمر بنفر من اليهود فقال بعض لبعض: اسألوه عن الروح، وقال بعض: لا لئلا يجئ بما تكرهونه، وقال بعض: اسألوه فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟ فسكت، فقلت: يوحى إِليه فقمت فلما انجلى عنه قال: {ويسألونك عن الروح قل الروح} الآية، فقال بعضهم: قد قلنا لكم لا تسألوه. وهذا فى المدينة. وقال ابن عباس رضى الله عنهما: اجتمع قريش أى فى مكة، وقالوا: إن محمداً أنشأ فينا بالأمانة والصدق، وما اتهمناه بكذب قط، فابعثوا نفراً إلى اليهود بالمدينة، واسألوهم عنه، فإنهم أهل كتاب؛ فبعثوا جماعة، منهم النضر بن الحارث، وعقبة بن أبى معيط، وهما أكبر الجماعة، فاقتصر بعضهم عليهما، أو هما المراد بالجماعة، فقال اليهود: اسألوه عن فتية فُقِدُوا فى الزمان الأول، ما كان أمرهم؟ ولهم حديث عجيب؟ وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها ما خبره؟ وعن الروح فإن أجاب عن ذلك كله أو لم يجب عن شئ، فليس نبيًّا، وإن أجاب عن اثنين فقط فهو نبى. فسألوه صلى الله عليه وسلم، فأخبرهم بأصحاب الكهف وذى القرنين بعد ما رجعوا إليه فى مكة، وسألوه فذلك سؤال وقع فى مكة، ووقع بعد الهجرة، والذى تلبث الوحى فيه هو سؤالهم بمكة، كما روى أنهم سالوه فقال: أخبركم غداً، ولم يقل إن شاء الله، فلبث عنه الوحى اثنى عشر يومًا، وقيل: خمسة عشر، وقيل: أربعين يومًا فقالوا: وعدنا أن يخبرنا غداً فلم يخبرنا، وحزن صلى الله عليه وسلم، وشق عليه ذلك، ثم نزل قوله تعالى: "أية : ولا تقولن لشئ إِنى فاعل ذلك غداً إِلاَّ أن يشاء الله" تفسير : [الكهف: 23 - 24] ونزل فى الفتية: "أية : أم حسبت أن أصحاب الكهف" تفسير : [الكهف: 9] إلخ وفى ذى القرنين قوله تعالى: "أية : ويسأَلونك عن ذى القرنين" تفسير : [الكهف: 83] إلخ. ونزل: "ويسألونك" {عَنِ الرُّوحِ} ولم يخبره بالروح، وكانت مبهمة فى التوراة فنقول: وقع السؤال فى مكة وفى المدينة، وابن عباس، رواه له الصحابة بحسب ما وقع فى مكة، ومعنى سؤالهم عن الروح أنهم سألوه عن حقيقتها أو محلها من الحيوان، أو أ قديمة أم حارثة، أمجردة أم حالّة فى متحيز، أتبقى بعد الموت أم تفنى، والظاهر السؤال عن حقيقتها، وزعم بعض أن الروح المسئول عنها ملك هو صف، والملائكة كلهم صف، وبعض أنه جنس من الملائكة على صورة ابن آدم، لا ينزل ملَك إِلا ومعه واحد منهم. وعن مجاهد: لا تراهم الملائكة كما لا ترى الملائكة. وعن سلمان: الجن تسعة أجزاء، والإنس جزء عاشر والملائكة تسعة، والجن جزء. والروح تسعة، والملائكة جزء والكروبيون تسعة، والروح جزء وقيل الروح المسئول عنه جبريل كما قال الله عز وجل: "أية : نزل به الروح الأمين" تفسير : [الشعراء: 193] وقيل: القرآن، كما قال عز وجل: "أية : وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا"تفسير : [الشورى: 52] {قُلِ الرُّوحُ مِنْ} تبعيضية أو بيانية {أَمْرِ رَبِّى} أجبْهم بعارض من عوارضها، إذ لم يعرفه الله بحقيقتها، وذاتيتها، إذ لم يجعل الله علمًا بذلك لأحد، كما أجاب موسى عليه السلام من قال: "أية : وما رب العالمين" تفسير : [الشعراء: 23] ولم يقل: قل هى من أمر ربى، إظهاراً لكمال الاعتبار فى شأنها، وفى قوله: {من أمر ربى} أنها حادثة مخلوقة لله عز وجل، يقول: كن، وهو أمره ومعناه توجه الإرادة إلى وجودها، أو خلق الله له لفظ كن حيث شاء إلا أول المخلوقات، فيتقدمه مخلوق وهو لفظ كن على هذا بلا محل، ولا ناطق به، والصحيح فى أمره وقول كن توجه الإرادة على الاستعارة التمثيلية وأمر ربى قوله: كن ضد النهى. ويجوز أن يكون أمر ربى بمعنى شأنه، فيكون بمعنى أمر من أمور الله، والصحيح أن الأرواح حادثة يخلقها الله إذا دخل الجنين فى الشهر الخامس، وقيل: الأرواح مخلوقة قبل الأجسام كلها، كما قيل أول المخلوقات روح سيدنا محمد ونوره، ومن قال الأرواح قديمة أشرك، والقول بأنها خلقت قبل الأجساد خطأ عند بعض المحققين، فيستثنى روحه صلى الله عليه وسلم. وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ينفخ فى الجنين الروح"تفسير : لا ينص على عدم سبقها، لجواز أن الملك يأتى بها من خارج فينفخ بها، وقيل: نكر الله الروح فى التوراة، وأبهمه عنهم وهو جبريل، وقيل خلق أعظم من الملائكة، وقيل الوحى، وقد علم ذلك كله، لكن لم يعلم صلى الله عليه وسلم أن ذلك هو المراد فى التوراة، أو علم فلم يخبرهم ليطابق قولهم: إنه يجيب عن اثنين ويسكت عن واحد، أو يسألوه صلى الله عليه وسلم كيف جبريل فى نفسه، وكيف قيامه فى تبلغ الوحى فقال: {قل الروح من أمر ربى} أى من عالم الأمر أو وجوده بأمره جل وعلا، أو تكوينه أو ينزل، أو يبلغ بأمره كما قال: "أية : وما نتنزل إلاَّ بأمر ربك"تفسير : [مريم: 64] وقد سمى روحًا فى قوله عز وجل: "أية : نزل به الروح الأمين على قلبك" تفسير : [الشعراء: 193 - 194] وقوله: "أية : فأرسلنا إليها روحنا" تفسير : [مريم: 17] ومن أن الروح ملك أعظم الملائكة، وهو أى جبريل المراد فى قوله تعالى: "أية : يوم يقوم الروح والملائكة صفًا" تفسير : [النبأ: 38] وأنه المراد فى السؤال. قال علىّ: له سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة، يسبح الله بها، ويخلق الله بكل تسبيحة ملكاً، ولا خلق أعظم منه غير العرش والسماوات والأرض، وهو فى صورة الملائكة ووجه الإنسان، وهو عن يمين العرش يوم القيامة، يشفع لأهل التوحيد لولا ستر من نور بينه وبين الملائكة لاحترقوا من نوره. وعن ابن عباس: الروح جند الله، لهم أيد وأرجل، وقيل: عيسى ويتجه تفسير الروح بالقرآن يتقدمه فى قوله عز وجل: "أية : وننزل من القرآن"تفسير : [الإسراء: 82] إلخ وتأخره فى قوله: "أية : ولئن شئنا لنذهبن بالذى" تفسير : [الإسراء: 86] إلى قوله "أية : ظهيراً"تفسير : [الإسراء: 88] سألوه عنه فقال: إنه ليس من كلام الخلق، بل من أمر ربى وقد سماه روحا فى قوله عز وجل: "أية : أوحينا إليك روحا"تفسير : [الشورى: 52] وقوله: "أية : يُنَزِّلُ الملائكة بالروح"تفسير : [النحل: 2] وكل من القرآن وجبريل للقلب كالروح للجسد. ومن جملة ما أمر بقوله تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} لتستفيدوه بسمعكم وأبصاركم، وسؤالكم وحواسكم، ومنها الحواس الباطنة المدركة للوجدانيات، ومن فقد حسًّا فقد علما، ولا يليق بكم معرفة الروح، والخطاب للناس مطلقا، وقيل: لليهود، قالوا: أوتينا التوراة وفيها العلم الكثير يدل للأول أنه لما قال لهم: {وما أوتيتم} إلخ قالوا: أنحن مختصون بهذا الخطاب فقال: بل نحن وأنتم، فقالوا: ما أعجب شأنك ساعة تقول: "أية : ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً"تفسير : [البقرة: 269] وساعة تقول هذا، فنزل: "أية : ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام"تفسير : [لقمان: 27] إلخ، فإن معلومات الله لا تتناهى.

الالوسي

تفسير : {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ} الظاهر عند المنصف أن السؤال كان عن حقيقة الروح الذي هو مدار البدن الإنساني ومبدأ حياته لأن ذلك من أدق الأمور التي لا يسع أحداً إنكارها ويشرئب كل إلى معرفتها وتتوفر دواعي العقلاء إليها وتكل الأذهان عنها ولا تكاد تعلم إلا بوحي. وزعم ابن القيم أن المسؤول عنه الروح / الذي أخبر الله تعالى عنه في كتابه أنه يقوم يوم القيامة مع الملائكة عليهم السلام قال لأنهم إنما يسألونه عليه الصلاة والسلام عن أمر لا يعرف إلا بالوحي وذلك هو الروح الذي عند الله تعالى لا يعلمه الناس، وأما أرواح بني آدم فليست من الغيب إلى آخر ما قال وقد أطال. وفي «البحور الزاخرة» إن هذا هو الذي عليه أكثر السلف بل كلهم، والحق ما ذكرنا وهو الذي عليه الجمهور كما نص عليه في «البحر» وغيره. نعم ما زعمه ابن القيم مروي عن بعض السلف فقد أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن ابن عباس أنه قال: الروح خلق من خلق الله تعالى وصورهم على صورة بني آدم وما ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد من الروح ثم تلا: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ} تفسير : [النبأ: 38]. وأخرج أبو الشيخ وغيره من طريق عطاء عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال في الروح المسؤول عنه: هو ملك واحد له عشرة آلاف جناح جناحات منها ما بين المشرق والمغرب له ألف وجه لكل وجه لسان وعينان وشفتان يسبح الله تعالى بذلك إلى يوم القيامة. وأخرج هو وغيره أيضاً عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال فيه: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه لكل وجه منها سبعون ألف لسان لكل لسان منها سبعون ألف لغة يسبح الله تعالى بتلك اللغات كلها يخلق الله تعالى من كل تسبيحة ملكاً يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة. وتعقب هذا بأنه لا يصح عن علي كرم الله تعالى وجهه وطعن الإمام في ذلك بما طعن. وأخرج ابن الأنباري في كتاب «الأضداد» عن مجاهد أنه قال: الروح خلق من الملائكة عليهم السلام لا يراهم الملائكة كما لا ترون أنتم الملائكة. وأخرج أبو الشيخ عن سلمان أنه قال: الإنس والجن عشرة أجزاء فالإنس جزء والجن تسعة أجزاء والملائكة والجن عشرة أجزاء فالجن من ذلك جزء والملائكة تسعة والملائكة والروح عشرة أجزاء فالملائكة من ذلك جزء والروح تسعة أجزاء والروح والكروبيون عشرة أجزاء فالروح من ذلك جزء والكروبيون تسعة أجزاء، وقال الحسن وقتادة: الروح هو جبرائيل عليه السلام وقد سمي روحاً في قوله تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ} تفسير : [الشعراء: 193-194] والسؤال عن كيفية نزوله وإلقائه الوحي إليه عليه الصلاة والسلام. وقال بعضهم هو القرآن وقد سمي روحاً في قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى: 52] وقيل غير ذلك. وزعم بعضهم أن السؤال عن حدوث الروح بالمعنى الأول وقدمه وليس بشيء كما ستسمعه إن شاء الله تعالى. وضمير يسألون لليهود فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كنت أمشي مع النبـي صلى الله عليه وسلم في خرب المدينة وهو متكىء على عسيب فمر بقوم من اليهود فقال بعضهم لبعض سلوه عن الروح وقال بعضهم: لا تسألوه فسألوه فقالوا: يا محمد ما الروح؟ فما زال متوكئاً على العسيب فظننت أنه يوحى إليه فلما نزل الوحي قال {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ} الآية، وقال بعضم: لقريش لما أخرج أحمد والنسائي والترمذي والحاكم وصححاه وابن حبان وجماعة عن ابن عباس قال قالت قريش لليهود أعطونا شيئاً نسأل هذا الرجل فقالوا سلوه عن الروح فسألوه فنزلت {وَيَسْـئَلُونَكَ} الخ. وفي السير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن قريشاً بعثت النضر بن الحرث وعقبة بن أبـي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة وقالوا لهم سلوهم محمداً فإنهم أهل كتاب عندهم من العلم ما ليس عندنا فخرجا حتى قدما المدينة فسألوهم فقالوا سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فإن أجاب عنها أو سكت / فليس بنبـي وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبـي فجاؤا وسألوه فبين لهم صلى الله عليه وسلم القضيتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة. والآية على هذا وما قبله مكية وعلى خبر «الصحيحين» مدنية؛ وجمع بعضهم بين ذلك بأن الآية نزلت مرتين فتدبر. وأياً ما كان فوجه تعقيب ما تقدم بها إن فسر الروح بالقرآن ظاهر ملائم لقوله تعالى: {أية : وَنُنَزّلُ مِنَ ٱلْقُرْءانِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ }تفسير : [الإسراء: 82] ولما بعده من الامتنان عليه وعلى متبعيه بحفظه في الصدور والبقاء وكذلك إن فسر بجبرائيل عليه السلام، وأما على قول الجمهور فقد ورد معترضاً دلالة على خسار الظالمين وضلالهم وأنهم مشتغلون عن تدبر الكتاب والانتفاع به إلى التعنت بسؤال ما اقتضت الحكمة سد طريق معرفته، ويقال نحو هذا على القول المروي عن بعض السلف. {قُلِ ٱلرُّوحُ} أظهر في مقام الإضمار إظهاراً لكمال الاعتناء {مِنْ أَمْرِ رَبّى} كلمة {مِنْ} تبعيضية، وقيل: بيانية والأمر واحد الأمور بمعنى الشأن والإضافة للاختصاص العلمي لا الإيجادي إذ ما من شيء إلا وهو مضاف إليه عز وجل بهذا المعنى، وفيها من تشريف المضاف ما لا يخفى كما في الإضافة الثانية من تشريف المضاف إليه أي هي من جنس ما استأثر الله تعالى بعلمه من الأسرار الخفية التي لا تكاد تدركها عيون عقول البشر. {وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} لا يمكن تعلقه بأمثال ذلك، وهذا على ما قيل ترك للبيان ونهي لهم عن السؤال. أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت هذه الآية بمكة فلما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه أحبار يهود فقالوا: يا محمد ألم يبلغنا عنك أنك تقول: {وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} أفعنيتنا أم قومك قال: كلا قد عنيت قالوا: فإنك تتلو أنا أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي في علم الله تعالى قليل وقد آتاكم الله تعالى ما إن عملتم به انتفعتم فأنزل الله تعالى {أية : وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ}تفسير : [لقمان: 27] إلى قوله سبحانه: أية : إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}تفسير : [لقمان: 28] وكأنه صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن المراد في الآية {أية : تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ}تفسير : [النحل: 89] من الأمور الدينية ولا شك أنها أقل قليل بالنسبة إلى معلومات الله تعالى التي لا نهاية لها، وبهذا يرد على القائل بالعموم الحقيقي. وفي رواية النسائي وابن حبان والترمذي والحاكم وصححاها أن اليهود قالوا حين نزلت الآية: أوتينا علماً كثيراً أوتينا التوراة ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً فأنزل الله تعالى: {أية : قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ}تفسير : [الكهف: 109] الآية، ولا يخفى أن هذا أيضاً لا يلزم منه التناقض لأن الكثرة والقلة من الأمور الإضافية فالشيء يكون قليلاً بالنسبة إلى ما فوقه وكثيراً بالنسبة إلى ما تحته فما في التوراة قليل بالنسبة إلى ما في علم الله تعالى شأنه كثير بالنسبة إلى أمر آخر. وفي رواية أخرجها ابن مردويه عن عكرمة أنه صلى الله عليه وسلم لما قال ذلك قال اليهود: نحن مختصون بهذا الخطاب فقال: بل نحن وأنتم فقالوا: ما أعجب شأنك ساعة تقول:{أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } تفسير : [البقرة: 269] وساعة تقول: هذا فنزل {أية : وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ}تفسير : [لقمان: 27] الخ، ولا يلزم منه التناقض أيضاً على نحو ما تقدم بأن يقال الحكمة الإنسانية أن يعلم من الخير ما تسعه القوة البشرية بل ما ينتظم به أمر المعاش والمعاد وهو قليل بالنسبة إلى معلوماته تعالى كثير بالنسبة إلى غيرها. وإلى تعميم الخطاب بحيث يشمل الناس أجمعين ذهب ابن جريج كما أخرجه عنه ابن جرير وابن المنذر لكن يعكر على القول بالعموم ظاهر / قراءة ابن مسعود والأعمش {وما أوتوا} فإنه يقتضي الاختصاص بالسائلين، والحديث الأخير الذي هو نص فيه قال العراقي: إنه غير صحيح، والحديث الأول الله تعالى أعلم بحاله. وقال غير واحد: معنى كون الروح من أمره تعالى أنه من الإبداعيات الكائنة بالأمر التكويني من غير تحصل من مادة وتولد من أصل كالجسد الإنساني فالمراد من الأمر واحد الأوامر أعني (كن) والسؤال عن الحقيقة والجواب إجمالي، ومآله أن الروح من عالم الأرض مبدعة من غير مادة لا من عالم الخلق وهو من الأسلوب الحكيم كجواب موسى عليه السلام سؤال فرعون إياه {أية : وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 23] إشارة إلى أن كنه حقيقته مما لا يحيط به دائرة إدراك البشر وإنما الذي يعلم هذا المقدار الإجمالي المندرج تحت ما استثنى بقوله تعالى:{وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱالْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} أي إلا علماً قليلاً تستفيدونه من طرق الحواس فإن تعقل المعارف النظرية إنما هو في الأكثر من إحساس الجزئيات ولذلك قيل: من فقد حساً فقد فقد علماً، ولعل أكثر الأشياء لا يدركه الحس لكونه غير محسوس أو محسوساً منع من إحساسه مانع كالغيبة مثلا وكذا لا يدرك شيئاً من عرضياته ليرسمه بها فضلاً عن أن ينتقل منها الفكر إلى الذاتيات ليقف على الحقيقة. وظاهر كلام بعضهم أن الوقوف على كنه الروح غير ممكن فلا فرق عنده بين الجوابين. وفرق الخفاجي بأن بيان كنه الروح ممكن بخلاف كنه الذات الأقدس. وفي «الكشف» أن سبيل معرفة الروح إزالة الغشاء عن أبصار القلوب باجتلاء كحل الجواهر من كلام علام الغيوب فهو عند المكتحلين أجلى جلي وعند المشتغلين أخفى خفي. ويشكل على هذا ما أخرجه ابن أبـي حاتم عن عبد الله بن بريدة قال: لقد قبض النبـي صلى الله عليه وسلم وما يعلم الروح، ولعل عبد الله هذا يزعم أنها يمتنع العلم بها وإلا فلم يقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى علم كل شيء يمكن العلم به كما يدل عليه ما أخرجه الإمام أحمد. والترمذي وقال: حديث صحيح وسئل البخاري عنه فقال: حديث حسن صحيح عن معاذ رضي الله تعالى عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال:"حديث : إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربـي عز وجل في أحسن صورة فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب قال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى قلت لا أدري رب فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري وتجلى لي كل شيء وعرفت» تفسير : الحديث و (رأيت) يعلم في الخبر السابق في بعض الكتب مضبوطاً بالبناء للمفعول والروح مضبوطاً بالرفع والاشكال على ذلك أوهن إلا أنه خلاف الظاهر. ويفهم من كلام بعض متأخري الصوفية أنه يمتنع الوقوف على حقيقة الروح بل ذكر هذا البعض أن حقيقة جميع الأشياء لا يوقف عليها وهو مبني على ما لا يخفى عليك ورده أو قبوله مفوض إليك. ثم إن لي في هذا الوجه وقفة فإن الظاهر أن إطلاق عالم الأمر على الكائن من غير تحصل من مادة وتولد من أصل وإطلاق عالم الخلق على خلافه محض اصطلاح لا يعرف للعرب ولا يعرفونه، وفي الاستدلال عليه بقوله تعالى: {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ}تفسير : [الأعراف: 54] ما لا يخفى على منصف. هذا وذكر الإمام ((أن السؤال عن الروح يقع على وجوه كثيرة وليس في قوله تعالى: {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ} ما يدل على وجه منها إلا أن الجواب المذكور لا يليق إلا بوجهين منها الأول كونه سؤالاً عن الماهية؛ والثاني كونه سؤالاً عن القدم والحدوث، وحاصل الجواب على الأول أنها جوهر بسيط مجرد محدث بأمر الله تعالى وتكوينه وتأثيره إفادة الحياة للجسد ولا يلزم من عدم العلم / بحقيقته المخصوصة [نفيه] فإن أكثر حقائق الأشياء [و] ماهياتها مجهولة ولم يلزم من كونها مجهولة نفيها ويشير إليه {وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} ومبنى هذا أيضاً الفرق بين عالم الأمر وعالم الخلق وقد سمعت ما فيه، وحاصل الجواب على الثاني أنه حادث حصل بفعل الله تعالى وتكوينه وإيجاده، وجعل قوله تعالى: {وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} احتجاجاً على الحدوث بمعنى أن الأرواح في مبدأ الفطرة تكون خالية عن العلوم والمعارف ثم يحصل فيها ذلك فلا تزال في تغير من حال إلى حال وهو من أمارات الحدوث)) وأنت تعلم أن حمل السؤال على ما ذكر وجعل الجواب إخباراً بالحدوث مع عدم ملاءمته لحال السائلين لا يساعده التعرض لبيان قلة علمهم فإن ما سألوا عنه مما يفي به علمهم حينئذٍ وقد أخبر عنه وجعل ذلك احتجاجاً على الحدوث من أعجب الحوادث كما لا يخفى على ذي روح والله تعالى أعلم. وهٰهنا أبحاث لا بأس بإيرادها: البحث الأول: في شرح مذاهب الناس في حقيقة الإنسان، وظاهر كلام الإمام أن الاختلاف في حقيقته عين الاختلاف في حقيقة الروح، وفي القلب من ذلك ما فيه فذهب جمهور المتكلمين إلى أنه عبارة عن هذه البنية المحسوسة والهيكل المجسم المحسوس وهو الذي يشير إليه الإنسان بقوله أنا، وأبطل ذلك الإمام بسبع عشرة حجة نقلية وعقلية لكن للبحث في بعضها مجال، منها ما تقدم من أن أجزاء البنية متغيرة زيادة ونقصاناً وذبولاً ونمواً والعلم الضروري قاض بأن الإنسان من حيث هو أمر باق من أول العمر إلى آخره وغير الباقي غير الباقي، ومنها أن الإنسان قد يعتريه ما يشغله عن الالتفات إلى أجزاء بنيته كلاً وبعضاً ولا يغفل عن نفسه المعينة بدليل أنه يقول مع ذلك الشاغل فعلت وتركت مثلاً وغير المعلوم غير المعلوم. ومنها أنه قد توجد البنية المخصوصة وحقيقة الإنسان غير حاصلة فإن جبريل عليه السلام كثيراً ما رؤي في صورة دحية الكلبـي وإبليس عليه اللعنة رؤي في صورة شيخ نجدي وقد تنتفي البنية مع بقاء حقيقة الإنسان فإن الممسوخ مثلاً قرداً باقية حقيقته مع انتفاء البنية المخصوصة وإلا لم يتحقق مسخ بل إماتة لذلك الإنسان وخلق قرد، ومنها أنه جاء في الخبر أن الميت إذا حمل على النعش رفرف روحه فوق النعش ويقول: يا أهلي، ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بـي جمعت المال من حله ومن غير حله ثم تركته لغيري فالهناء له والتبعة عليَّ فاحذروا مثل ما حل بـي فصرح صلى الله عليه وسلم بأن هناك شيئاً ينادي غير المحمول كان الأهل أهلاً له وكان الجامع للمال من الحلال والحرام وليس ذلك إلا الإنسان إلى غير ذلك مما ذكره في «تفسيره». وقيل إن الإنسان هو الروح الذي في القلب، وقيل: إنه جزء لا يتجزأ في الدماغ، وقيل: إنه أجزاء نارية مختلطة بالأرواح القلبية والدماغية وهي المسماة بالحرارة الغريزية، وقيل: هو الدم الحال في البدن، وقيل وقيل إلى نحو ألف قول والمعول عليه عند المحققين قولان: الأول أن الإنسان عبارة عن جسم نوراني علوي حي متحرك مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس سار فيه سريان الماء في الورد والدهن في الزيتون والنار في الفحم لا يقبل التحلل والتبدل والتفرق والتمزق مفيد للجسم المحسوس الحياة وتوابعها ما دام صالحاً لقبول الفيض لعدم حدوث ما يمنع من السريان كالأخلاط الغليظة ومتى حدث ذلك حصل الموت لانقطاع السريان والروح عبارة عن ذلك الجسم واستحسن هذا الإمام فقال هو مذهب قوي وقول شريف يجب التأمل فيه فإنه شديد المطابقة لما ورد في الكتب الإلٰهية من أحوال الحياة والموت، وقال ابن القيم في كتابه «الروح»: إنه الصواب ولا يصح غيره وعليه دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة وذكر له مائة دليل وخمسة أدلة فليراجع. / الثاني أنه ليس بجسم ولا جسماني وهو الروح وليس بداخل العالم ولا خارجه ولا متصل به، ولا منفصل عنه ولكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف وهو قول أكثر الإلٰهيين من الفلاسفة. وذهب إليه جماعة عظيمة من المسلمين منهم الشيخ أبو القاسم الراغب الأصفهاني وحجة الإسلام أبو حامد الغزالي ومن المعتزلة معمر بن عباد السلمي ومن الشيعة الشيخ المفيد ومن الكرامية جماعة ومن أهل المكاشفة والرياضة أكثرهم وقد قدمنا لك الأدلة على ذلك، ومن أراد الإحاطة بذلك فليرجع إلى كتب الشيخين أبـي علي وشهاب الدين المقتول وإلى كتب الإمام الرازي كـ «المباحث المشرقية» وغيره، وللشيخ الرئيس رسالة مفردة في ذلك سماها بـ «الحجج الغر» أحكمها وأتقنها ما يبتني على تعقل النفس لذاتها وابن القيم زيف حججه في «كتابه» وهو كتاب مفيد جداً يهب للروح روحاً ويورث للصدر شرحاً، واستدل الإمام على ذلك في «تفسيره» بالآية المذكورة فقال: إن الروح لو كان جسماً منتقلاً من حالة إلى حالة ومن صفة إلى صفة لكان مساوياً للبدن في كونه متولداً من أجسام اتصفت بصفات مخصوصة بعد أن كانت موصوفة بصفات أخر فإذا سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وجب أن يبين أنه جسم كان كذا ثم صار كذا وكذا حتى صار روحاً مثل ما ذكر في كيفية تولد البدن أنه كان نطفة ثم علقة ثم مضغة فلما لم يقل ذلك وقال: هو من أمر ربـي بمعنى أنه لا يحدث ولا يدخل في الوجود إلا لأجل أن الله تعالى قال له كن فيكون دل ذلك على أنه جوهر ليس من جنس الأجسام بل هو جوهر قدسي مجرد، ولا يخفى أن ذلك من الإقناعيات الخطابية وهي كثيرة في هذا الباب، منها قوله تعالى:{أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى} تفسير : [الحجر: 29] وقوله سبحانه: {أية : وَكَلِمَتُهُ أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ} تفسير : [النساء: 171] فإن هذه الإضافة مما تنبه على شرف الجوهر الإنسي وكونه عرياً عن الملابس الحسية، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : أنا النذير العريان»تفسير : ففيه إلى تجرد الروح عن علائق الأَجرام، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن" تفسير : وفي رواية «على صورته»، وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : أبيت عند ربـي يطعمني ويسقيني» تفسير : ففي ذلك إيذان بشرف الروح وقربه من ربه قرباً بالذات والصفات مجرداً عن علائق الأَجرام وعوائق الأجسام إلى غير ذلك مما لا يحصى وهو على هذا المنوال وللبحث فيه مجال أي مجال. وكان ثابت بن قرة يقول: إن الروح متعلق بأجسام سماوية نورانية لطيفة غير قابلة للكون والفساد والتفرق والتمزق وتلك الأجسام سارية في البدن وهي ما دامت سارية كان الروح مدبراً للبدن وإذا انفصلت عنه انقطع التعلق، وهو قول ملفق وأنا لا أستبعده. البحث الثاني في اختلاف الناس في حدوث الروح وقدمه: أجمع المسلمون على أنه حادث حدوثاً زمانياً كسائر أجزاء العالم إلا أنهم اختلفوا في أنه هل هو حادث قبل البدن أم بعده؟ فذهب طائفة إلى الحدوث قبل منهم محمد بن نصر المروزي وأبو محمد بن حزم الظاهري وحكاه إجماعاً وقد افترى، واستدل لذلك بما في «الصحيحين» من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف»تفسير : قال ابن الجوزي في «تبصرته»: قال أبو سليمان الخطابـي معنى هذا الحديث الإخبار عن كون الأرواح مخلوقة قبل الأجساد، وزعم ابن حزم أنها في برزخ وهو منقطع العناصر فإذا استعد جسد لشيء منها هبط إليه وأنها تعود إلى ذلك البرزخ بعد الوفاة ولا دليل لهذا من كتاب أو سنة. وبعضهم استدل على ذلك بخبر «خلق الله تعالى الأرواح قبل الأجساد بألفي عام»، وتعقبه ابن القيم بأنه لا يصح إسناده، وذهب آخرون منهم حجة الإسلام الغزالي إلى الحدوث بعد، ومن أدلة ذلك كما قال ابن القيم / الحديث الصحيح «حديث : إن خلق ابن آدم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً دماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح»تفسير : ووجه الاستدلال أن الروح لو كان مخلوقاً قبل لقيل، ثم يرسل إليه الملك بالروح فيدخله فيه، وصرح في «روضة المحبين و نزهة المشتاقين» باختيار هذا القول فقال إن القول بأن الأرواح خلقت قبل الأجساد قول فاسد وخطأ صريح، والقول الصحيح الذي دل عليه الشرع والعقل أنها مخلوقة مع الأجساد وأن الملك ينفخ الروح أي يحدثه بالنفخ في الجسد إذا مضى على النطفة أربعة أشهر ودخلت في الخامس، ومن قال إنها مخلوقة قبل فقد غلط، وأقبح منه قول من قال إنها قديمة انتهى، وفيه تأمل، ويوافق مذهب الحدوث قوله تعالى: {أية : ثم أنشأناه خلقاً آخر} تفسير : [المؤمنون: 14] فليفهم. وذهب أفلاطون ومن تقدمه من الفلاسفة إلى قدم الروح وذهب المعلم الأول إلى حدوثها مع حدوث البدن المستعد له كما ذهب إليه بعض الإسلاميين، وقد تقدم الكلام في استدلال كل جرحاً وتعديلاً. ويقال هنا: إن المعلم الأول قائل كغيره من الفلاسفة بتجرد الروح المسماة بالنفس الناطقة عندهم عن المادة فكيف يسعه القول بحدوثها مع قولهم كل حادث زماني يحتاج إلى مادة؟ وأجيب بأن المادة هٰهنا أعم من المحل والمتعلق به والبدن مادة للنفس بهذا المعنى، وأنت تعلم أن استعداد الشيء للشيء لا يكون إلا فيما إذا كان ذلك مقترناً به لا مبايناً عنه فالأولى أن يقال: إن البدن الإنساني لما استدعى لمزاجه الخاص صورة مدبرة له متصرفة فيه أي أمراً موصوفاً بهذه الصفة من حيث هو كذلك وجب على مقتضى جود الواهب الفياض وجود أمر يكون مبدأ للتدابير الإنسية والأفاعيل البشرية ومثل هذا الأمر لا يمكن إلا أن يكون ذاتاً مدركة للكليات مجردة في ذاتها فلا محالة قد فاض عليه حقيقة النفس لا من حيث إن البدن استدعاها بل من حيث عدم انفكاكها عما استدعاه فالبدن استدعى باستعداده الخاص أمراً مادياً وجود المبدأ الفياض أفاد جوهراً قدسياً وكما أن الشيء الواحد قد يكون على ما قرروه جوهراً وعرضاً باعتبارين كذلك يكون أمر واحد مجرداً ومادياً باعتبارين فالنفس الإنسانية مجردة ذاتاً مادية فعلاً فهي من حيث الفعل من التدبير والتحريك مسبوقة باستعداد البدن مقترنة به وأما من حيث الذات والحقيقة فمنشأ وجودها وجود المبدأ الواهب لا غير فلا يسبقها من تلك الحيثية استعداد البدن ولا يلزمها الاقتران في وجودها به ولا يلحقها شيء من مثالب الماديات إلا بالعرض. ويمكن تأويل ما نقل عن أفلاطون في باب قدم النفس إلى هذا بوجه لطيف كذا قاله بعض صدور المتأخرين فتأمله. البحث الثالث: اختلف الناس في الروح والنفس هل هما شيء واحد أم شيئان؟ فحكى ابن زيد عن أكثر العلماء أنهما شيء واحد فقد صح في الأخبار إطلاق كل منهما على الآخر وما أخرجه البزار بسند صحيح عن أبـي هريرة رفعه «حديث : إن المؤمن ينزل به الموت ويعاين ما يعاين يود لو خرجت نفسه والله تعالى يحب لقاءه وأن المؤمن تصعد روحه إلى السماء فتأتيه أرواح المؤمنين فيستخبرونه عن معارفه من أهل الدنيا»تفسير : الحديث ظاهر في ذلك. وقال ابن حبيب: هما شيئان فالروح هو النفس المتردد في الإنسان والنفس أمر غير ذلك لها يدان ورجلان ورأس وعينان وهي التي تلتذ وتتألم وتفرح وتحزن وإنها هي التي تتوفى في المنام وتخرج وتسرح وترى الرؤيا ويبقى الجسد دونها بالروح فقط لا يلتذ ولا يفرح حتى تعود، واحتج بقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ }تفسير : [الزمر: 42] الآية. وحكى ابن منده عن بعضهم أن النفس طينية نارية والروح نورية روحانية، وعن آخر أن / النفس ناسوتية والروح لاهوتية، وذكر أن أهل الأثر على المغايرة وأن قوام النفس بالروح والنفس صورة العبد والهوى والشهوة والبلاء معجون فيها ولا عدو أعدى لابن آدم من نفسه لا تريد إلا الدنيا ولا تحب إلا إياها، والروح تدعو إلى الآخرة وتؤثرها. وظاهر كلام بعض محققي الصوفية القول بالمغايرة ففي «منتهى المدارك» للمحقق الفرغاني أن النفس المضافة إلى الإنسان عبارة عن بخار ضبابـي منبعث من باطن القلب الصنوبري حامل لقوة الحياة متجنس بأثر الروح الروحانية المرادة بقوله تعالى: {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } تفسير : [الحجر: 29] الثابت تعينها في عالم الأرواح وأثرها واصل إلى هذا البخار الحامل للحياة فالنفس إذن أمر مجتمع من البخار ووصف الحياة وأثر الروح الروحانية وهذه النفس بحكم تجنسها بأثر الروح الروحانية متعينة لتدبير البدن الإنساني قابلة لمعالي الأمور وسفاسفها كما قال سبحانه وتعالى: {أية : فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } تفسير : [الشمس: 8] والروح الروحانية أمر لا يكتنه والحق أنهما قد يتحدان إطلاقاً وقد يتغايران، وابن القيم اعتمد ما عليه الأكثرون من الاتحاد ذاتاً، وذكر غير واحد أنه هو الذي عليه الصوفية بيد أنهم قالوا: إن النفس هي الأصل في الإنسان فإذا صقلت بالرياضة وأنواع الذكر والفكر صارت روحاً ثم قد تترقى إلى أن تصير سراً من أسرار الله تعالى. وتفصيل الكلام حينئذٍ في هذا المقام أن للنفس مراتب تترقى فيها، الأولى: تهذيب الظاهر باستعمال النواميس الإلٰهية من القيام والصيام وغيرهما، الثانية: تهذيب الباطن عن الملكات الردية والأخلاق الدنية، الثالثة: تحلي النفس بالصور القدسية، الرابعة: فناؤها عن ذاتها وملاحظتها جلال رب العالمين جل جلاله، ويقال في كيفية الترقي في هذه المراتب أن الإنسان أول ما يولد فهو كباقي الحيوانات لا يعرف إلا الأكل والشرب ثم بالتدريج يظهر له باقي صفات النفس من الشهوة والغضب والحرص والحسد وغير ذلك من الهيآت التي هي نتائج الاحتجاب والبعد من معدن الجود والصفات الكمالية ثم إذا تيقظ من سنة الغفلة وقام من نوم الجهل وبان له أن وراء هذه اللذات البهيمية لذات أخر وفوق هذه المراتب مراتب أخر كمالية يتوب عن اشتغاله بالمنهيات الشرعية وينيب إلى الله تعالى بالتوجه إليه فيشرع في ترك الفضول الدنيوية طلباً للكمالات الأخروية ويعزم عزماً تاماً ويتوجه إلى السلوك إلى ملك الملوك من مقام نفسه فيهاجر منه ويقع في الغربة ويا طوبـى للغرباء وإن قيل: إنما الغربة للأحرار ذبح ثم إذا دخل في الطريق يزهد عن كل ما يعوقه عن مقصوده ويصده عن معبوده فيتصف بالورع والتقوى والزهد الحقيقي ثم يحاسب نفسه دائماً في أقواله وأفعاله ويتهمها في كل ما تأمر به وإن كان عبادة فإنها مجبولة على حب الشهوات ومطبوعة على الدسائس الخفيات فلا ينبغي أن يأمنها ويكون على ثقة منها. يحكى عن بعض الأكابر أن نفسه لم تزل تأمره بالجهاد وتحثه عليه فاستغرب ذلك ثم فطن أنها تريد أن تستريح من نصب القيام والصيام بالموت فلم يجبها إلى ذلك فإذا خلص منها وصفا وقته وطاب عيشه بما يجده في طريق المحبوب يتنور باطنه ويظهر له لوامع أنوار الغيب وينفتح له باب الملكوت وتلوح منه لوائح مرة بعد أخرى فيشاهد أموراً غيبية في صور مثالية فإذا ذاق شيئاً منها يرغب في العزلة والخلوة والذكر والمواظبة على الطهارة والعبادة والمراقبة والمحاسبة ويعرض عن الملاذ الحسية كلها ويفرغ القلب عن محبتها فيتوجه باطنه إلى الحق تعالى بالكلية فيظهر له الوجد والسكر والشوق والعشق والهيمان ويجعله فانياً عن نفسه غافلاً عنها فيشاهد الحقائق السرية والأنوار الغيبية فيتحقق بالمشاهدة والمعاينة والمكاشفة ويظهر له أنوار / حقيقية تارة وتختفي أخرى حتى يتمكن ويتخلص من التلوين وينزل عليه السكينة الروحية والطمأنينة الإلٰهية ويصير ورود هذه البوارق والأحوال له ملكة فيدخل في عوالم الجبروت ويشاهد العقول المجردة والأنوار القاهرة من الملائكة المقربين والمهيمين ويتحقق بأنوارهم فيظهر له أنوار سلطان الأحدية وسواطع العظمة والكبرياء الإلٰهية فتجعله هباءاً منثوراً ويندك حينئذٍ جبال إنيته فيخر لله تعالى خروراً ويتلاشى في التعين الذاتي ويضمحل وجوده في الوجود الإلٰهي وهذا مقام الفناء والمحو وهو غاية السفر الأول للسالكين فإن بقي في الفناء والمحو ولم يجيء إلى البقاء والصحو صار مستغرقاً في عين الجمع محجوباً بالحق عن الخلق لا يزيغ بصره عن مشاهدة جماله عز شأنه وأنوار ذاته وجلاله فاضمحلت الكثرة في شهوده واحتجب التفصيل عن وجوده وذلك هو الفوز العظيم، وفوق ذلك مرتبة يرجع فيها إلى الصحو بعد المحو وينظر إلى التفصيل في عين الجمع ويسع صدره الحق والخلق فيشاهد الحق في كل شيء ويرى كل شيء بالحق على وجه لا يوجب التكثر والتجسم وهو طور وراء طور العقل، ووقع في عبارة بعضهم أنه قد يصير العارف متخلقاً بأخلاق الله تعالى بالحقيقة لا بمعنى صيرورة صفاته تعالى عرضاً قائماً بالنفس فإن هذا مما لا يتصور أبداً، والقول به خروج عن الشريعة والطريقة والحقيقة بل بمعنى علاقة أخرى أتم من علاقتها مع الصفات الكونية البدنية وغيرها لا تعلم حقيقتها، ولعل مرادهم بالمرتبة التي تترقى إليها النفس فتكون سراً من أسرار الله تعالى هي هذه المرتبة والاطلاع عليها يحتاج إلى سلوك طريقة الأبرار ولا يتم بمجرد الأنظار والأفكار والله تعالى الموفق للسلوك والمتفضل بالغنى على الصعلوك. البحث الرابع: اختلف الناس في الروح هل تموت أم لا؟ فذهبت طائفة إلى أنها تموت لأنها نفس وكل نفس ذائقة الموت وقد دل الكتاب على أنه لا يبقى إلا الله تعالى وحده وهو يستدعي هلاك الأرواح كغيرها من المخلوقات وإذا كانت الملائكة عليهم السلام يموتون فالأرواح البشرية أولى، وأيضاً أخبر سبحانه عن أهل النار أنهم يقولون {أية : أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ}تفسير : [غافر: 11] ولا تحقق الإماتتان إلا بإماتة البدن مرة وإماتة الروح أخرى. وقالت طائفة: إنها لا تموت للأحاديث الدالة على نعيمها وعذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله تعالى إلى الجسد، وإن قلنا بموتها لزم انقطاع النعيم والعذاب، والصواب أن يقال: موت الروح هو مفارقتها الجسد فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت وإن أريد أنها تعدم وتضمحل فهي لا تموت بل تبقى مفارقة ما شاء الله تعالى ثم تعود إلى الجسد وتبقى معه في نعيم أو عذاب أبد الآبدين ودهر الداهرين وهي مستثناة ممن يصعق عند النفخ في الصور على أن الصعق لا يلزم منه الموت والهلاك ليس مختصاً بالعدم بل يتحقق بخروج الشيء عن حد الانتفاع به ونحو ذلك، وما ذكر في تفسير الإماتتين غير مسلم، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام فيه. وإلى أنها لا تموت بموت البدن ذهبت الفلاسفة أيضاً، واحتج الشيخ عليه بأن قال: قد ثبت أن النفس يجب حدوثها عند حدوث البدن فلا يخلو إما أن يكونا معاً في الوجود أو لأحدهما تقدم على الآخر فإن كانا معاً فلا يخلو إما أن يكونا معاً في الماهية أولا في الماهية والأول باطل وإلا لكانت النفس والبدن متضايفين لكنهما جوهران هذا خلف وإن كانت المعية في الوجود فقط من غير أن يكون لأحدهما حاجة في ذلك الوجود إلى الآخر فعدم كل واحد منهما يوجب عدم تلك المعية أما ما لا يوجب عدم الآخر وأما إن كان لأحدهما حاجة في الوجود إلى الآخر فلا يخلو إما أن يكون المقدم هو النفس أو البدن فإن كان المقدم في الوجود هو النفس فذلك التقدم إما أن يكون زمانياً أو ذاتياً والأول باطل لما ثبت أن / النفس ليست موجودة قبل البدن، وأما الثاني فباطل أيضاً لأن كل موجود يكون وجوده معلول شيء كان عدمه معلول عدم ذلك الشيء إذ لو انعدم ذلك المعلول مع بقاء العلة لم تكن تلك العلة كافية في إيجابها فلا تكون العلة علة بل جزء من العلة هذا خلف فإذاً لو كان البدن معلولاً لامتنع عدم البدن إلا لعدم النفس، والتالي بطلان البدن قد ينعدم لأسباب أخر مثل سوء المزاج أو سوء التركيب أو تفرق الاتصال فبطل أن تكون النفس علة للبدن، وباطل أيضاً أن يكون البدن علة للنفس لأن العلل كما عرف أربع ومحال أن يكون البدن علة فاعلية للنفس فإنه لا يخلو إما أن يكون علة فاعلية لوجود النفس بمجرد جسميته أو لأمر زائد على جسميته والأول باطل وإلا لكان كل جسم كذلك، والثاني باطل أما أولاً فلما ثبت أن الصور المادية إنما تفعل بواسطة الوضع وكل ما لا يفعل إلا بواسطة الوضع استحال أن يفعل أفعالاً مجردة عن الحيز والوضع، وأما ثانياً فلأن الصور المادية أضعف من المجرد القائم بنفسه والأضعف لا يكون سبباً للأقوى ومحال أن يكون البدن علة قابلية لما ثبت أن النفس مجردة مستغنية عن المادة، ومحال أن يكون علة صورية للنفس أو تمامية فإن الأمر أولى أن يكون بالعكس فإذاً ليس بين البدن والنفس علاقة واجبة الثبوت أصلاً فلا يكون عدم أحدهما علة لعدم الآخر. فإن قيل: ألستم جعلتم البدن علة لحدوث النفس؟ فنقول: قد بين أن الفاعل إذا كان منزهاً عن التغير ثم صدر عنه الفعل بعد أن كان غير صادر فلا بد وأن يكون لأجل أن شرط الحدوث قد حصل في ذلك الوقت دون ما قبله ثم إن ذلك الشرط لما كان شرطاً للحدوث فقط وكان غنياً في وجوده عن ذلك الشيء استحال أن يكون عدم ذلك الشرط مؤثراً في عدم ذلك الشيء، ثم لما اتفق أن كان ذلك الشرط مستعداً لأن يكون آلة للنفس في تحصيل الكمالات والنفس لذاتها مشتاقة إلى الكمال لا جرم حصل للنفس شوق طبيعي إلى التصرف في ذلك البدن والتدبير فيه على الوجه الأصلح ومثل ذلك لا يمكن أن يكون عدمه علة لعدم ذلك الحادث بل ذهب الفلاسفة إلى استحالة انعدام النفس وبرهنوا على ذلك بما برهنوا وعندنا لا استحالة في ذلك. البحث الخامس في تمايز الأرواح بعد مفارقتها الأبدان: نص ابن القيم على أن كل روح تأخذ من بدنها صورة تتميز بها عن غيرها وأن تمايز الأرواح أعظم من تمايز الأبدان إلا أنه زعم أنه لا يمكن التمايز بينها على القول بأنها جوهر مجرد عن المادة وفيه نظر فإن القائلين بذلك قائلون بالتمايز أيضاً باعتبار ما يحصل لها من التعلق بالبدن أو بنحو آخر من التمايز. وذكر الشيخ إبراهيم الكوراني في بعض «رسائله» أن الأرواح بعد مفارقتها أبدانها المخصوصة تتعلق بأبدان أخر مثالية حسبما يليق بها وإلى ذلك الإشارة بالطير الخضر في حديث الشهداء ففي «صحيح مسلم» عن ابن مسعود أن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، وأخرج سعيد بن منصور عن مكحول عن النبـي صلى الله عليه وسلم حديث : أن ذراري المؤمنين أرواحهم في عصافير في شجر في الجنة تفسير : أي أنها تكون في أبدان على تلك الصور، ويؤيد ذلك رواية ابن ماجه عن ابن مسعود أرواح الشهداء عند الله تعالى كطير خضر، وفي لفظ عن كعب أرواح الشهداء طير خضر، ولفظ ابن عمر في صورة طير بيض، وفي رواية علي بن عثمان اللاحقي عن مكحول أن ذراري المؤمنين أرواحهم عصافير في الجنة، وعلى هذا يكون إنكار قوم من المتكلمين خبر في أجواف طير وكذا خبر في عصافير لما في ذلك من تعلق روحين في بدن واحد وقد قالوا باستحالته ناشئاً من عدم التأمل والتثبت لأنه على ما قررنا لا يكون للطائر روح غير روح الشهيد على أنه لو بقي الخبر على ظاهره لم يلزم محال لجواز أن تكون الروح في جوف الطير على نحو كون الجنين في بطن أمه فتدبر. / البحث السادس في مستقر الأرواح بعد مفارقة الأبدان: الذي دلت عليه الأخبار أن مستقر الأرواح بعد المفارقة مختلف فمستقر أرواح الأنبياء عليهم السلام في أعلى عليين وصح أن آخر كلمة تكلم بها صلى الله عليه وسلم اللهم الرفيق الأعلى وهو يؤيد ما ذكر، ومستقر أرواح الشهداء في الجنة ترد من أنهارها وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل معلقة بالعرش، وروي في أرواح أطفال المؤمنين ما هو قريب من ذلك، وروي ابن المبارك عن كعب قال: جنة المأوى جنة فيها طير خضر ترعى فيها أرواح الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياًَ، ولعل هذا كما قال ابن رجب في عوام الشهداء وما تقدم في خواصهم أو لعل هذا في شهداء الآخرة كالغريق والمبطون إلى غير ذلك، وأما مستقر أرواح سائر المؤمنين فقيل في الجنة أيضاً وهو نص الإمام الشافعي، وقد أخرج الإمام مالك عن كعب بن مالك مرفوعاً «إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله تعالى في جسده حين يبعثه، ورواه الإمام أحمد في «مسنده» وخرجه النسائي من طريق مالك وخرجه ابن ماجه ورواه خلق كثير، وروى ابن منده من حديث أم بشر مرفوعاً ما هو نص في أن مستقر أرواح المؤمنين نحو مستقر أرواح الشهداء، وقال وهب بن منبه: إن لله تعالى في السماء السابعة داراً يقال لها البيضاء يجتمع فيها أرواح المؤمنين ومستقر أرواح الكفار في سجين، وفي حديث أم بشر أن أرواح الكفار في حواصل طير سود تأكل من النار وتشرب من النار وتأوي إلى حجر في النار يقولون ربنا لا تلحق بنا إخواننا ولا تؤتنا ما وعدتنا، وقيل: مستقر أرواح الموتى أفنية قبورهم، وحكى هذا ابن حزم عن عامة أهل الحديث، واستدل له بعضهم بحديث ابن عمر عن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله تعالى» تفسير : وبأنه صلى الله عليه وسلم حين زار الموتى قال: «حديث : السلام عليكم دار قوم مؤمنين»تفسير : ورجح ابن عبد البر أن مستقر أرواح ما عدا الشهداء بأفنية القبور، وفيه أنه إن أريد أن الأرواح لا تفارق الأفنية فهو خطأ يرده نصوص الكتاب والسنة وإن أريد أنها تكون هناك وقتاً من الأوقات كما روي عن مجاهد الأرواح على القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت أولها إشراق على قبورها وهي في مقرها فهو حق لكن لا يقال مستقرها أفنية القبور، وعول بعض المحققين على أن الأرواح حيث كانت لها اتصال لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى وبذلك ترد السلام وتعرف المسلم ويعرض عليها مقعدها من الجنة أو النار، وقال بعضهم: لا مانع من انتقالها من مستقرها وعودها إليه في أسرع وقت حيث يشاء الله تعالى ذلك. نعم جاء في حديث البراء بن عازب ما يدل على أن أرواح المؤمنين تستقر في الأرض ولا تعود إلى السماء بعد عرضها حيث قال فيه في صفة قبض روح المؤمن فإذا انتهى إلى العرش كتب كتابه في عليين ويقول الرب تعالى شأنه: ردوا عبدي إلى مضجعه فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، وفي لفظ ردوا روح عبدي إلى الأرض فإني وعدتهم أن أردهم فيها ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {أية : مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ}تفسير : [طه: 55] الآية لكن قال الحافظ ابن رجب: إن حديث البراء وحده لا يعارض الأحاديث الكثيرة المصرحة بأن الأرواح في الجنة لا سيما الشهداء، وقوله تعالى: {أية : مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ} تفسير : [طه: 55] الخ باعتبار الأبدان، وقالت طائفة: مستقر الأرواح مطلقاً في السماء الدنيا عن يمين آدم عليه السلام وعن شماله ويدل عليه ما في «الصحيحين» عن أبـي ذر من حديث المعراج ففيه حديث : لما فتح علونا السماء الدنيا / فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى فقال مرحباً بالنبـي الصالح والإبن الصالح قلت لجبريل من هذا قال آدم وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه وأهل اليمين هم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النارتفسير : . ويجاب بأن المراد أنه عليه السلام يرى هذين الصنفين من جهة يمينه وجهة شماله وهو يجامع كون أرواح كل فريق في مستقرها من الجنة والنار فقد رأى النبـي صلى الله عليه وسلم الجنة والنار في صلاة الكسوف وهو في الأرض والجنة ليست فيها ورآهما وهو في السماء والنار ليست فيها، وفي حديث لأبـي هريرة في الإسراء ما يؤيد ما قلنا. والنسفي في «بحر الكلام» جعل الأرواح على أربعة أقسام أرواح الأنبياء عليهم السلام تخرج من جسدها ويصير مثل صورتها مثل المسك والكافور وتكون في الجنة تأكل وتشرب وتتنعم وتأوي بالليل إلى قناديل معلقة تحت العرش، وأرواح الشهداء تخرج من جسدها وتكون في أجواف طير خضر في الجنة تأكل وتتنعم وتأوي إلى قناديل كأرواح الأنبياء عليهم السلام، وأرواح المطيعين من المؤمنين بربض الجنة لا تأكل ولا تتمتع ولكن تنظر إلى الجنة، وأرواح العصاة منهم تكون بين السماء والأرض في الهواء، وأما أرواح الكفار ففي سجين في جوف طير سود تحت الأرض السابعة وهي متصلة بأجسادها فتعذب الأرواح وتتألم من ذلك الأجساد اهـ. وما ذكره في أرواح المطيعين مخالف لما صح من أنها تتمتع في الجنة. وفي «الإفصاح» أن المنعم من الأرواح على جهات مختلفة منها ما هو طائر في شجر الجنة ومنها ما هو في حواصل طير خضر ومنها ما يأوي إلى قناديل تحت العرش ومنها ما هو في حواصل طير بيض ومنها ما هو في حواصل طير كالزرازير، ومنها ما هو في أشخاص صور من صور الجنة ومنها ما هو في صورة تخلق من ثواب أعمالهم ومنها ما تسرح وتتردد إلى جثتها وتزورها ومنها ما تتلقى أرواح المقبوضين وممن سوى ذلك ما هو في كفالة ميكائيل عليه السلام ومنها ما هو في كفالة آدم عليه السلام ومنها ما هو في كفالة إبراهيم عليه السلام اهـ، قال القرطبـي: وهذا قول حسن يجمع الأخبار حتى لا تتدافع واترضاه الجلال السيوطي. وأخرج ابن أبـي الدنيا عن مالك قال: بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت وهو إن صح ليس على إطلاقه. وقيل في مستقر الأرواح غير ذلك حتى زعم بعضهم أن مستقرها العدم المحض وهو مبني على أنها من الأعراض وهي الحياة وهو قول باطل عاطل فاسد كاسد يرده الكتاب والسنة والإجماع والعقل السليم. ويعجبني في هذا الفصل ما ذكره الإمام العارف ابن بَرَّجان في «شرح أسماء الله تعالى الحسنى» حيث قال: والنفس مبراة من باطن ما خلق منه الجسم وهي روح الجسم وأوجد تبارك وتعالى الروح من باطن ما برأ منه النفس وهو للنفس بمنزلة النفس للجسم والنفس حجابه والروح يوصف بالحياة بإحياء الله تعالى شأنه له وموته خمود إلا ما شاء الله تعالى يوم خمود الأرواح والجسم يوصف بالموت حتى يحيى بالروح وموته مفارقة الروح إياه وإذا فارق هذا العبد الروحاني الجسم صعد به فإن كان مؤمناً فتحت له أبواب السماء حتى يصعد إلى ربه عز وجل فيؤمر بالسجود فيسجد ثم يجعل حقيقته النفسانية تعمر السفل من قبره إلى حيث شاء الله تعالى من الجو وحقيقته الروحانية تعمر العلو من السماء الدنيا إلى السابعة في سرور ونعيم ولذلك لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى عليه السلام قائماً في قبره يصلي وإبراهيم عليه السلام تحت الشجرة قبل صعوده إلى السماء الدنيا ولقيهما في السمٰوات العلى فتلك أرواحهما وهذه نفوسهما وأجسادهما في قبورهما، وإن كان شقياً لم يفتح له فرمى من علو إلى الأرض اهـ، وفيه القول / بالمغايرة بين الروح والنفس، وبهذا التحقيق تندفع معارضات كثيرة واعتراضات وفيرة، ويعلم أن حديث حديث : ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام تفسير : ليس نصاً في أن الروح على القبر إذ يفهم منه أن الذي في القبر حقيقته النفسانية المتصلة بالروح اتصالاً لا يعلم كنهه إلا الله تعالى. وللروح مع ذلك أحوالاً وأطواراً لا يعلمها إلا الله تعالى فقد تكون مستغرقة بمشاهدة جمال الله تعالى وجلاله سبحانه ونحو ذلك وقد تصحو عن ذلك الاستغراق وهو المراد برد الروح في خبر «حديث : ما من أحد يسلم عليَّ إلاّ رد الله تعالى روحي فأرد عليه السلام»تفسير : . والذي ينبغي أن يعول عليه مع ما ذكر أن الأرواح وإن اختلف مستقرها بمعنى محلها الذي أعطيته بفضل الله تعالى جزاء عملها لكن لها جولاناً في ملك الله تعالى حيث شاء جل جلاله ولا يكون إلا بعد الإذن وهي متفاوتة في ذلك حسب تفاوتها في القرب والزلفى من الله تعالى حتى أن بعض الأرواح الطاهرة لتظهر فيراها من شاء الله تعالى من الأحياء يقظة وأن أرواح الموتى تتلاقى وتتزاور وتتذاكر وقد تتلاقى أرواح الأموات والأحياء مناماً ولا ينكر ذلك إلا من يجعل الرؤيا خيالات لا أصل لها وذلك لا يلتفت إليه لكن لا ينبغي أن يبني على ذلك حكم شرعي لاحتمال عدم الصحة وإن قامت قرينة عليها، وما صح من أن ثابت بن قيس بن شماس خرج مع خالد بن الوليد إلى حرب مسيلمة فاستشهد رضي الله تعالى عنه وكان عليه درع نفيسة فمر به رجل من المسلمين فأخذها فبينا رجل من الجند نائم إذ أتاه ثابت في منامه فقال له: أوصيك بوصية فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه إني لما قتلت أمس مر بـي رجل من المسلمين فأخذ درعي ومنزله في أقصى الناس وعند خبائه فرس يستن في طوله وقد كفى على الدرع برمة وفوق البرمة رحل فات خالداً فمره أن يبعث إليَّ درعي فيأخذها وإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل له: إن عليَّ من الدين كذا وكذا وفلان من رقيقي عتيق فأتى الرجل خالداً فأخبره فبعث إليَّ الدرع وأتى بها وحدث أبا بكر رضي الله تعالى عنه برؤياه فأجاز وصيته، وقد ذكر ذلك ابن عبد البر وغيره مجاب عنه بأن ذلك كان بإجازة الوارث وهي بنته لغلبة ظن صدق الرؤيا بما قام من القرينة ولو لم تجز لم يسغ لأبـي بكر رضي الله تعالى عنه ذلك بمجرد الرؤيا، وقيل: إن أبا بكر لم ير الرد ففعل ذلك من حصة بيت المال، ومثل هذه القصة قصة مصعب بن جثامة وعوف بن مالك وقد ذكرها ابن القيم في كتاب «الروح» وهي أغرب مما ذكر بكثير، وربما يؤذن لأرواح بعض الناس في زيارة أهليهم كما ورد في بعض الآثار وبعض الأرواح تحبس في قبرها أو حيث شاء الله تعالى عن مقامها كروح من يموت وعليه دين استدانه في محرم لا مطلقاً كما هو المشهور، وتحقيقه في «شرح الشمائل» للعلامة ابن حجر. ثم اعلم أن اتصال الروح بالبدن لا يختص بجزء دون جزء بل هي متصلة مشرقة على سائر أجزائه وإن تفرقت وكان جزء بالمشرق وجزء بالمغرب، ولعل هذا الإشراق على الأجزاء الأصلية لأنها التي يقوم بها الإنسان من قبره يوم القيامة على ما اختاره جمع، واعلم أيضاً أن الروح على القول بتجردها لا مستقر لها بل لا يقال إنها داخل العالم أو خارجه كما سمعت وإنما المستقر حينئذ للبدن الذي تتعلق به، وقد نص بعض الصوفية على أنه لا مانع من أن تتعلق نفس ببدنين فأكثر بل هو واقع عندهم، وذكر بعضهم أن أحد البدنين هو البدن الأصلي والآخر مثالي يظهر للعيان على وجه خرق العادة، وقال آخر: إن الآخر من باب تطور الروح وظهورها بصورة على نحو ظهور جبريل عليه السلام بصورة دحية الكلبـي وظهور القرآن لحافظه بصورة الرجل الشاحب / يوم القيامة. والفلاسفة قالوا لا يجوز أن تتعلق نفس واحدة بأبدان كثيرة لأنه يلزم أن يكون معلوم أحدها معلوم الآخر ومجهول أحدها مجهول الآخر ومعلوم أن الأمر ليس كذلك، ولا يخفى أن هذا الدليل يدل على أن كل إنسانين يعلم أحدهما ما لا يعلم الآخر فإن نفسهما متغايرتان فلم لا يجوز وجود إنسانين يتعلق ببدنهما نفس واحدة ويكون كل ما علمه أحدهما علمه الآخر لا محالة وما يجهله أحدهما يكون مجهولاً للآخر لا بد لعدم الجواز من دليل، وعلى ما ذكره هؤلاء الصوفية يجوز أن تتعلق الروح ببدن في الجنة وببدن آخر حيث شاء الله تعالى بل يجوز أن تظهر في صور شتى في أماكن متعددة على حد ما قالوه في جبريل عليه السلام انه في حال ظهوره في صورة دحية أو أعرابـي غيره بين يدي النبـي صلى الله عليه وسلم لم يفارق سدرة المنتهى، وأنت تعلم ما يقولون في تجلي الله تعالى في الصور وسمعت خبر «حديث : إن الله تعالى خلق آدم على صورته» تفسير : ومن هنا قالوا: «من عرف نفسه فقد عرف ربه» فافهم الإشارة ولعمري هي عبارة. ثم إن أرواح سائر الحيوانات من البهائم ونحوها قيل: تكون بعد المفارقة في الهواء ولا اتصال لها بالأبدان، وقيل: تعدم ولا يعجز الله تعالى شيء، ومن الناس من قال: إن كان للحيوانات حشر يوم القيامة كما هو المشهور الذي تقتضيه ظواهر الآيات والأخبار فالأولى أن يقال ببقاء أرواحها في الهواء أو حيث شاء الله تعالى وإن لم يكن لها حشر كما ذهب إليه الغزالي وأول الظواهر فالأولى أن يقال بانعدامها. هذا وبقيت أبحاث كثيرة تركناها لضيق القفص واتساع دائرة الغصص، ولعل فيما ذكرناه هنا مع ما ذكرناه فيما قبل كفاية لأهل البداية وهداية لمن ساعدته العناية والله عز وجل ولي الكرم والجود، ومنه سبحانه بدء كل شيء وإليه جل وعلا يعود.

ابن عاشور

تفسير : وقْعُ هذه الآية بين الآي التي معها يقتضي نظمُه أن مرجع ضمير {يسألونك} هو مرجع الضمائر المتقدمة، فالسائلون عن الروح هم قريش. وقد روى الترمذي عن ابن عباس قال: قالت قريش ليهود أعطونا شيئاً نسأل هذا الرجل عنه، فقالوا: سَلوه عن الروح، قال: فسألوه عن الروح، فأنزل الله تعالى: {ويسألونك عن الروح} الآية. وظاهر هذا أنهم سألوه عن الروح خاصة وأن الآية نزلت بسبب سؤالهم. وحينئذٍ فلا إشكال في إفراد هذا السؤال في هذه الآية على هذه الرواية. وبذلك يكون موقع هذه الآية بين الآيات التي قبلها والتي بعدها مسبباً على نزولها بين نزول تلك الآيات. واعلم أنه كان بين قريش وبين أهل يثرب صلات كثيرة من صهر وتجارة وصحبة. وكان لكل يثربي صاحب بمكة ينزل عنده إذا قدم الآخر بلده، كما كان بين أمية بن خلف وسَعْد بن معاذ. وقصتهما مذكورة في حديث غزوة بدر من «صحيح البخاري». روى ابن إسحاق أن قريشاً بعثوا النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي مُعيط إلى أحبار اليهود بيثرب يسألانهم عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال اليهود لهما: سلوه عن ثلاثة. وذكروا لهم أهل الكهف وذا القرنين وعن الروح كما سيأتي في سورة الكهف، فسألتْه قريش عنها فأجاب عن أهل الكهف وعن ذي القرنين بما في سورة الكهف، وأجاب عن الروح بما في هذه السورة. وهذه الرواية تثير إشكالاً في وجه فصل جواب سؤال الروح عن المسألتين الأخريين بذكر جواب مسألة الروح في سورة الإسراء وهي متقدمة في النزول على سورة الكهف. ويدفع الإشكال أنه يجوز أن يكون السؤال عن الروح وقع منفرداً أول مرة ثم جمع مع المسألتين الأخريين ثاني مرة. ويجوز أن تكون آية سؤال الروح مما ألحق بسورة الإسراء كما سنبينه في سورة الكهف. والجمهور على أن الجميع نزل بمكة، قال الطبري عن عطاء بن يسار: نزل قوله: {وما أوتيتم من العلم قليلاً} بمكة. وأما ما روي في «صحيح البخاري» عن ابن مسعود أنه قال: «حديث : بينما أنا مع النبي في حرث بالمدينة إذ مر اليهود فقال بعضهم لبعض سلوه عن الروح، فسألوه عن الروح فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يردّ عليهم شيئاً، فعلمتُ أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال: {ويسألونك عن الروح} تفسير : الآية. فالجمع بينه وبين حديث ابن عباس المتقدم: أن اليهود لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم قد ظن النبي أنهم أقرب من قريش إلى فهم معنى الروح فانتظر أن ينزل عليه الوحي بما يجيبهم به أبين مما أجاب به قريشاً، فكرر الله تعالى إنزال الآية التي نزلت بمكة أو أمره أن يتلوها عليهم ليعلم أنهم وقريشاً سواء في العجز عن إدراك هذه الحقيقة أو أن الجواب لا يتغير. هذا، والذي يترجح عندي: أن فيما ذكره أهلُ السير تخليطاً، وأن قريشاً استقوا من اليهود شيئاً ومن النصارى شيئاً فقد كانت لقريش مخالطة مع نصارى الشام في رحلتهم الصيفية إلى الشام، لأن قصة أهل الكهف لم تكن من أمور بني إسرائيل وإنما هي من شؤون النصارى، بناءً على أن أهل الكهف كانوا نصارى كما سيأتي في سورة الكهف، وكذلك قصة ذي القرنين إن كان المراد به الإسكندر المقدوني يظهر أنها مما عني به النصارى لارتباط فتوحاته بتاريخ بلاد الروم، فتعين أن اليهود ما لَقنوا قريشاً إلا السؤال عن الروح. وبهذا يتضح السبب في إفراد السؤال عن الروح في هذه السورة وذكر القصتين الأخريين في سورة الكهف. على أنه يجوز أن يتكرر السؤال في مناسبات وذلك شأن الذين معارفهم محدودة فهم يلقونها في كل مجلس. وسُؤالهم عن الروح معناه أنهم سألوا عن بيان ماهية ما يعبر عنه في اللغة العربية بالروح والتي يعرف كل أحد بوجه الإجمال أنها حالّة فيه. والروح: يطلق على الموجود الخفي المنتشر في سائر الجسد الإنساني الذي دلت عليه آثاره من الإدراك والتفكير، وهو الذي يتقوم في الجسد الإنساني حين يكون جنيناً بعد أن يمضي على نزول النطفة في الرحم مائة وعشرون يوماً. وهذا الإطلاق هو الذي في قوله تعالى: {أية : فإذا سويته ونفخت فيه من روحي}تفسير : [ص: 72]. وهذا يسمى أيضاً بالنفس كقوله:{أية : يا أيتها النفس المطمئنة}تفسير : [الفجر: 27]. ويطلق الروح على الكائن الشريف المكون بأمر إلهي بدون سبب اعتيادي ومنه قوله تعالى: {أية : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا}تفسير : [الشورى: 52] وقوله: {أية : وروح منه} تفسير : [النساء: 171]. ويطلق لفظ (الروح) على المَلك الذي ينزل بالوحي على الرسل. وهو جبريل عليه السلام ومنه قوله: {أية : نزل به الروح الأمين على قلبك}تفسير : [الشعراء: 193]. واختلف المفسرون في الروح المسؤول عنه المذكور هنا ما هو من هذه الثلاثة. فالجمهور قالوا: المسؤول عنه هو الروح بالمعنى الأول، قالوا لأنه الأمر المشكل الذي لم تتضح حقيقته، وأما الروح بالمعنيين الآخرين فيشبه أن يكون السؤال عنه سؤالاً عن معنى مصطلح قرآني. وقد ثبت أن اليهود سألوا عن الروح بالمعنى الأول لأنه هو الوارد في أول كتابهم وهو سفر التكوين من التوراة لقوله في الإصحاح الأول وروح الله يرف على وجه المياه. وليس الروح بالمعنيين الآخرين بوارد في كتبهم. وعن قتادة والحسن: أنهم سألوا عن جبريل، والأصح القول الأول. وفي الروض الأنف أن النبي صلى الله عليه وسلم أجابهم مرة، فقال لهم: هوجبريل ــــ عليه السلام ــــ. وقد أوضحناه في سورة الكهف. وإنما سألوا عن حقيقة الروح وبيان ماهيتها، فإنها قد شغلت الفلاسفة وحكماء المتشرعين، لظهور أن في الجسد الحي شيئاً زائداً على الجسم، به يكون الإنسان مدركاً وبزواله يصير الجسم مسلوبَ الإرادة والإدراك، فعلم بالضرورة أن في الجسم شيئاً زائداً على الأعضاء الظاهرة والباطنة غير مشاهد إذ قد ظهر بالتشريح أن جسم الميت لم يفقد شيئاً من الأعضاء الباطنة التي كانت له في حال الحياة. وإذ قد كانت عقول الناس قاصرة عن فهم حقيقة الروح وكيفية اتصالها بالبدن وكيفية انتزاعها منه وفي مصيرها بعد ذلك الانتزاع، أجيبوا بأن الروح من أمر الله، أي أنه كائن عظيم من الكائنات المشرفة عند الله ولكنه مما استأثر الله بعلمه. فلفظ {أمر} يحتمل أن يكون مرادف الشيء. فالمعنى: الروح بعض الأشياء العظيمة التي هي لله، فإضافة {أمر} إلى اسم الجلالة على معنى لام الاختصاص، أي أمر اختص بالله اختصاص علمٍ. و (من) للتبعيض، فيكون هذا الإطلاق كقوله: {أية : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا}تفسير : [الشورى: 52]. ويحتمل أن يكون الأمر أمرَ التكوين، فإما أن يراد نفس المصدر وتكون (من) ابتدائية كما في قوله: {أية : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون}تفسير : [النحل: 40]، أي الروح يصدر عن أمر الله بتكوينه؛ أو يراد بالمصدر معنى المفعول مثل الخلق و (من) تبعيضية، أي الروح بعض مأمورات الله فيكون المرادُ بالروح جبريلَ عليه السلام، أي الروح من المخلوقات الذين يأمرهم الله بتبليغ الوحي، وعلى كلا الوجهين لم تكن الآية جواباً عن سؤالهم. وروى ابن العربي في الأحكام عن ابن وهب عن مالك أنه قال: لم يأته في ذلك جواب ا هـ. أي أن قوله: {قل الروح من أمر ربي} ليس جواباً ببيان ما سألوا عنه ولكنه صرف عن استعلامه وإعلام لهم بأن هذا من العلم الذي لم يؤتوه. والاحتمالات كلها مرادة، وهي كلمة جامعة. وفيها رمز إلى تعريف الروح تعريفاً بالجنس وهو رسم. وجملة {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} يجوز أن تكون مما أمَر الله رسولَه أن يقوله للسائلين فيكون الخطاب لقريش أو لليهود الذين لقنوهم، ويجوز أن يكون تذييلاً أو اعتراضاً فيكون الخطاب لكل من يصلح للخطاب، والمخاطبون متفاوتون في القليل المستثنى من المؤْتَى من العلم. وأن يكون خطاباً للمسلمين. والمراد بالعلم هنا المعلوم، أي ما شأنه أن يعلم أو من معلومات الله. ووصفه بالقليل بالنسبة إلى ما من شأنه أن يعلم من الموجودات والحقائق. وفي «جامع الترمذي» قالوا (أي اليهود): «أوتينا علماً كثيراً التوراةَ ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً، فأنزلت: {أية : قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي}تفسير : الآية [الكهف: 109]. وأوضح من هذا ما رواه الطبري عن عطاء بن يسار قال: نزلت بمكة {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً}، حديث : فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه أحبار يهود فقالوا: يا محمد ألم يبلغنا أنك تقول: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً}، أفعنيتنا أم قومَك؟ قال: كُلاّ قد عنيت. قالوا: فإنك تتلو أنا أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء. فقال رسول الله: هي في علم الله قليل، وقد آتاكم ما إن عملتم به انتفعتمتفسير : . فأنزل الله {أية : ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم}تفسير : [لقمان: 27]. هذا، والذين حاولوا تقريب شرح ماهية الروح من الفلاسفة والمتشرعين بواسطة القول الشارح لم يأتوا إلا برسوم ناقصة مأخوذة فيها الأجناس البعيدة والخواص التقريبية غير المنضبطة وتحكيم الآثار التي بعضها حقيقي وبعضها خيالي، وكلها متفاوتة في القرب من شرح خاصاته وأماراته بحسب تفاوت تصوراتهم لماهيته المبنيات على تفاوت قوى مداركهم وكلها لا تعدو أن تكون رسوماً خيالية وشعرية معبرة عن آثار الروح في الإنسان. وإذ قد جرى ذكر الروح في هذه الآية وصُرف السائلون عن مرادهم لغرض صحيح اقتضاه حالهم وحال زمانهم ومكانهم، فما علينا أن نتعرض لمحاولة تعرف حقيقة الروح بوجه الإجمال فقد تهيأ لأهل العلم من وسائل المعرفة ما تغيرت به الحالة التي اقتضت صرف السائلين في هذه الآية بعض التغير، وقد تتوفر تغيرات في المستقبل تزيد أهل العلم استعداداً لتجلي بعض ماهية الروح، فلذلك لا نجاري الذين قالوا: إن حقيقة الروح يجب الإمساك عن بيانها لأن النبي أمسك عنها فلا ينبغي الخوض في شأن الروح بأكثر من كونها موجودة. فقد رأى جمهور العلماء من المتكلمين والفقهاء منهم أبو بكر بن العربي في العواصم، والنووي في «شرح مسلم»: أن هذه الآية لا تصد العلماء عن البحث عن الروح لأنها نزلت لطائفة معينة من اليهود ولم يقصد بها المسلمون. فقال جمهور المتكلمين: إنها من الجواهر المجردة، وهو غير بعيد عن قول بعضهم: هي من الأجسام اللطيفة والأرواح حادثة عند المتكلمين من المسلمين وهو قول أرسطاليس. وقال قدماء الفلاسفة: هي قديمة. وذلك قريب من مرادهم في القول بقدم العالم. ومعنى كونها حادثة أنها مخلوقة لله تعالى. فقيل: الأرواح مخلوقة قبل خلق الأبدان التي تنفخ فيها، وهو الأصح الجاري على ظواهر كلام النبي صلى الله عليه وسلم فهي موجودة من الأزل كوجود الملائكة والشياطين، وقيل: تخلق عند إرادة إيجاد الحياة في البدن الذي توضع فيه واتفقوا على أن الأرواح باقية بعد فناء أجسادها وأنها تحضر يوم الحساب.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه ما أعطى خلقه من العلم إلا قليلاً بالنسبة إلا علمه جل وعلا. لأن ما أعطيه الخلق من العلم بالنسبة إلى علم الخالق قليل جداً. ومن الآيات التي فيها الإشارة إلى ذلك قوله تعالى: {أية : قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً}تفسير : [الكهف:109]، وقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}تفسير : [لقمان:27].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يسألونك عن الروح: أي يسألك المشركون بواسطة أهل الكتاب عن الروح الذي يحيا به البدن. من أمر ربي: أي من شأنه وعلمه الذي استأثر به ولم يعلمه غيره. لنذهبن بالذي أوحينا إليك: أي القرآن بأن نمحوه من الصدور والمصاحف لفعلنا. لك به علينا وكيلا: يمنع ذلك منا ويحول دون ما أردناه منك. إلا رحمة من ربك: أي لكن أبقيناه عليك رحمة من ربك فلم نذهب به. بمثل هذا القرآن: من الفصاحة والبلاغة والمحتوى من الغيوب والشرائع والأحكام. ظهيراً: أي معيناً ونصيراً. صرفنا: بينا للناس مثلاً من جنس كل مثل ليتعظوا به فيؤمنوا ويوحدوا. فأبى أكثر الناس: أي أهل مكة إلا كفوراً أي جحوداً للحق وعناداً فيه. معنى الآيات: يقول تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ} إذ قد سأله المشركون عن الروح وعن أصحاب الكهف، وذي القرنين بإيعاز من يهود المدينة فأخبره تعالى: بذلك وعلمه الرد عليهم فقال: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} وعلمه الذي لا يعلمه إلا هو، وما أوتيتم من العلم إلا قليلاًَ لأن سؤالهم هذا ونظائره دال على إدعائهم العلم فأعلمهم أن ما أوتوه من العلم إلا قليل بجانب علم الله تعالى وقوله تعالى: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} هذا امتنان من الله على رسوله الذي أنزل عليه القرأن شفاء ورحمة للمؤمنين بأنه تعالى قادر على محوه من صدره. وسطره، فلا تبقى منه آية ثم لا يجد الرسول وكيلاً له يمنعه من فِعْلِ الله به ذلك ولكن رحمة منه تعالى لم يشأ ذلك بل يبقيه إلى قرب قيام الساعة حجة الله على عباده وآية على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وصدق رسالته، وليس هذا بأول إفضال من الله تعالى على رسوله، بل فضل الله عليه كبير، ولنذكر من ذلك طرفاً وهو عموم رسالته، كونه خاتم الأنبياء، العروج به إلى الملكوت الأعلى، إمامته للأنبياء الشفاعة العظمى، والمقام المحمود. وقوله تعالى: {قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} لا شك أن هذا الذي علم الله رسوله أن يقوله له سبب وهو ادعاء بعضهم أنه في إمكانه أن يأتي بمثل هذا القرآن الذي هو آية صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وبذلك تبطل الدعوى، وينتصر باطلهم على الحق. فأمر تعالى رسوله أن يرد على هذا الزعم الباطل بقوله: قل يا رسولنا لهؤلاء الزاعمين الإِتيان بمثل هذا القرآن لئن اجتمعت الإِنس والجن متعاونين متظاهرين على الاتيان بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، ذلك لأنه وحي الله وكتابه، وحجته على خلقه. وكفى. فكيف إذا يمكن للإِنس والجن أن يأتوا بمثله؟! وقوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ} أي بينا مثلاً من جنس كل مثل من أجل هداية الناس وإصلاحهم علهم يتذكرون فيتعظون، فيؤمنون ويوحدون فأبى أكثر الناس إلا كفوراً أي جحوداً بالحق، وإنكاراً للقرآن وتكذيباً به وبما جاء فيه من الحق والهدى والنور، لما سبق القضاء الإِلهي من امتلاء جهنم بالغاوين وجنود إبليس أجمعين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- علم الروح مما استأثر الله تعالى به. 2- ما علم أهل العلم إلى علم الله تعالى إلا كما يأخذ الطائر بمنقاره من ماء المحيط. 3- حفظ القرآن في الصدور والسطور إلى قرب الساعة. 4- عجز الإِنس والجن عن الإِتيان بقرآن كالقرآن الكريم. 5- لما سبق في علم الله من شقاوة الناس تجد أكثرهم لا يؤمنون.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَيَسْأَلُونَكَ} (85) - اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ حَوْلَ المُرَادِ بِالرُّوْحِ هُنَا. - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اليَهُودَ سَأَلُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ رُوحِ البَشَرِ، وَكَيْفَ تُعَذَّبُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ. فَالمَقْصُودُ بِالرُّوحِ هُنَا، رُوحُ الإِنْسَانِ، وَهُوَ القَوْلُ الأَرْجَحُ. - وَقَالَ مُفَسِّرُونَ آخَرُونَ إِنَّ المُرَادَ بِالرُّوحِ هُنَا جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ. - وَقَالَ مُفَسِّرُونَ آخَرُونَ إِنَّ المَقْصُودَ بِالرُّوحِ هُنَا مَلَكٌ عَظِيمٌ. وَمَعْنَى الآيَةِ إِنَّ الرُوحَ مِنْ شَأْنِ اللهِ تَعَالَى، وَمِمَّا اسْتَأْثَرَ اللهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَمْ يُطْلِعِ الخَلْقَ إِلاَّ عَلَى القَلِيلِ مِنْ عِلْمِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُحِيطُ أَحَدٌ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ.

الثعلبي

تفسير : {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ} الاعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو متكيء على عسيب فمرَّ بقوم من اليهود، فقال بعضهم: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لاتسألوه، فقام متكأ على العسيب، قال عبد الله، وأنا خلفه فظنيت أنه يوحي إليه فقال {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}. فقال بعضهم لبعض: قلنا لكم لا تسألوه، وفي غير الحديث عن عبد الله، قالوا: فكذلك نجد مثله إن الروح من أمر الله تعالى. وقال ابن عبّاس: قالت اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا ما الروح وكيف يعذب الروح في الجسد ولم يكن نزل فيهم شيء؟ فلم يجبهم فأتاه جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآية. ويروى أن اليهود إجتمعوا فقالوا لقريش حين سألوهم عن شأن محمّد وحاله سألوا محمداً عن الروح. وعن فتية فقدوا في الزمان الأوّل، وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها، فإن أجاب في ذلك كله فهو بنبي وإن لم يجب من ذلك كله فليس بنبي، وإن أجاب في بعض ذلك وأمسك عن البعض فهو نبي فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنها فأنزل الله عزّ وجلّ فيما سألوه عن الفتية قوله {أية : أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ} تفسير : [الكهف: 9] إلى آخر القصة. وأنزل عن الجواب الذي بلغ شرق الأرض وغربها {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ} تفسير : [الكهف: 83] إلى آخر القصة. وأنزل في الروح قوله {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ} الآية. واختلفوا في هذا الروح المسؤل عنه ماهو: فقال الحسن وقتادة: هو جبرئيل. قال قتادة: وكان ابن عبّاس يكتمه. وروى أبو الميسرة ممن حدثه عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) أنه قال: في قوله {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ} الآية، قال: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه لكل وجه منها سبعون ألف لسان لكل لسان منها سبعون ألف لغة، يسبح الله عزّ وجلّ بتلك اللغات كلها، يخلق من كل تسبيحة ملك يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة. ابن عبّاس: الروح خلق من خلق الله صورهم على صور بني آدم، وما نزل من السماء ملك إلاّ ومعه واحد من الروح. أبو صالح: الروح كهيئة الأنسان وليسوا بناس. مجاهد: الروح على صورة بني آدم لهم أيد وأرجل ورؤوس يأكلون الطعام وليسوا بملائكة. سعيد بن جبير: لم يخلق الله خلقاً أعظم من الروح غير العرش ولو شاء أن بلغ السماوات السبع والأرضين السبع ومن فيها بلقمة واحدة لفعل صورة، خلقه على صورة الملائكة وصورة وجهه على صورة وجه الآدميين، فيقوم يوم القيامة وهو ممن يشفع لأهل التوحيد لولا أن سندس الملائكة ستراً من نور لاحترق أهل السماوات من نوره. وقال قوم: هو الروح المركب في الخلق الذي يفقده [فأوهم وبوجوده مقاديم]. وقال بعضهم: أراد بالروح القرآن وذلك أن المشركين قالوا: يا محمّد من أتاك بهذا القرآن، فأنزل الله تعالى بهذه الآية وبيّن أنه من عنده {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} يعني القرآن {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً} ناصراً ينصرك ويرده عليك. وقال الحسن: وكيلاً ناصراً يمنعك منا إذا أردناك. { إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} يعني لكن لايشاء ربك رحمة من ذلك، {إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً}. هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو: حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وهو معصوب الرأس من وجع فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: "أيها الناس ما هذه الكتب التي يكتبون الكتاب غير كتاب الله يوشك أن يغضب الله لكتابه فلا يدع ورقاً إلاّ قليلاً إلاّ أخذ منه". قالوا: يا رسول الله فكيف بالمؤمنين والمؤمنات يومئذ؟ قال: "من أراد الله به خيراً أبقى في قلبه لا إله إلاّ الله" . تفسير : وروى شداد بن معقل عن عبد الله بن مسعود قال: إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة والمصلين قوم لا دين لهم، وإن هذا القرآن تصبحون يوماً وما معكم منه شيء، فقال رجل: كيف يكون ذلك يا أبا عبد الرحمن وقد أثبتناه في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا نعلمه أبناءنا ويعلمه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة. قال: يسري به في ليلة فيذهب بما في المصاحب ما في القلوب [فتصبح الناس كالبهائم] ثمّ قرأ عبد الله {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} الآية. وروى موسى بن عبيدة عن صفوان بن سليم عن ناجية بن عبد الله بن عتبة عن أبيه عن عبد الله قال: إكثروا الطواف بالبيت قبل أن يرفع وينسى الناس مكانه وأكثروا تلاوة القرآن قبل أن يرفع؟ قالوا: هذه المصاحف يرفع فكيف بما في صدور الرجال. قال: يسري عليه ليلاً يصبحون منه فقراء [وينسون] قول لا إله إلاّ الله فيتبعون في قول أهل الجاهلية وإشعارهم فذلك حين يقع عليهم القول. وعن عبد الله بن عمرو قال: لا يقوم الساعة حتّى يرفع القرآن من حيث نزل له دوي كدوي النحل فيقول الله تعالى: ما بالك، فيقول: منك خرجت وإليك أعود اُتلى ولا يعمل فيَّ. {قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} لايقدرون على ذلك. قال السدي: لايأتون بمثله لأنه غير مخلوق ولو كان مخلوقاً لأتوا بمثله. {وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} عوناً. نزلت هذه الآية حين قال الكفار: لو شئنا لقلنا مثل هذا فأكذبهم الله تعالى {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ} إلى قوله {إِلاَّ كُفُوراً} جحوداً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والسؤال يَرِد في القرآن بمعان متعددة، ووردتْ هذه الصيغة {يَسْأَلُونَكَ} في مواضع عِدّة، فإنْ كان السؤال عن شيء نافِع يضر الجهل به أجابهم القرآن، كما في قوله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ ..}تفسير : [البقرة: 222]. وقوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 215]. فإنْ كان السؤال عن شيء لا يضر الجهل به، لفت القرآن أنظارهم إلى ناحية أخرى نافعة، كما في سؤالهم عن الأهِلّة: كيف يبدو الهلال صغيراً ثم يكبر ويكبر إلى أن يصير بدراً، ثم يأخذ في التناقص ليعود كما بدأ؟ فالحديث مع العرب الذين عاصروا نزول القرآن في هذه الأمور الكونية التي لم نعرفها إلا حديثاً أمر غير ضروري، وفوق مستوى فهمهم، ولا تتسع له عقولهم، ولا يترتب عليه حكم، ولا ينتج عن الجهل به ضرر، ولو أخبرهم القرآن في إجابة هذا السؤال بحقيقة دوران القمر بين الأرض والشمس وما يترتب على هذه الدورة الكونية من ليل ونهار، وهم أمة أُميّة غير مثقفة لاتهموا القرآن بالتخريف، ولربما انصرفوا عن أصل الكتاب كله. لكن يُحوِّلهم القرآن، ويُلفِت أنظارهم إلى ما يمكن الانتفاع به من الأهِلَّة: {أية : قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ..}تفسير : [البقرة: 189]. وقد يأتي السؤال، ويُرَاد به اختبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ما حدث من اتفاق كفار مكة واليهود حيث قالوا لهم: اسألوه عن الروح، وهم يعلمون تماماً أن هذه مسألة لا يعلمها أحد، لكنهم أرادوا الكيد لرسول الله، فلعله يقول في الروح كلاماً يأخذونه عليه ويستخدمونه في صَرْف الناس عن دعوته. ولا شَكَّ أنه سؤال خبيث؛ لأن الإنسان عامة يحب أن يظهر في مظهر العالم، ولا يحب أن يعجز أمام محاوره فاستغلوا هذه العاطفة، فالرسول لن يُصَغِّر نفسه أمام سائليه من أهل مكة، وسوف يحاول الإجابة عن سؤالهم. ولكن خَيَّب الله سَعْيهم، فكانت الإجابة: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 85]. فعندما سمع أهل الكتاب هذه الإجابة آمن كثيرون منهم؛ لأنها طابقت ما قالته كتبهم عن الروح، وأنها من عند الله. و{ٱلرُّوحِ} لها إطلاقات مُتعدِّدة، منها: الرُّوح التي تمدُّ الجسم بالحياة إن اتصلت به، كما في قوله تعالى: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}تفسير : [الحجر: 29]. فإذا ما فارقتْ هذه الروح الجسد فقد فارق الحياة، وتحوَّل إلى جثة هامدة، وفيها يقول تعالى: {أية : فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ}تفسير : [الواقعة: 83]. وقد تأتي الروح لتدل على أمين الوحي جبريل عليه السلام، كما في قوله تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ}تفسير : [الشعراء: 193]. وقد تُطلَق الروح على الوحي ذاته، كما في قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا}تفسير : [الشورى: 52]. وتأتي بمعنى التثبيت والقوة، كما في قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ ..}تفسير : [المجادلة: 22]. وأُطلِقَتْ الروح على عيسى ابن مريم - عليه السلام - في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ..}تفسير : [النساء: 171]. إذن: لهذه الكلمة إطلاقات مُتعدِّدة، فما العلاقة بينها؟ قالوا: الروح التي بها حركة الحياة إذا وُجِدَتْ في الإنسان تعطي مادية الحياة، ومادية الحياة شيء، وقيَمُ الحياة شيء آخر، فإذا ما جاءك شيء يعدل لك قيم الحياة فهل تُسمِّيه روحاً؟ لا، بل هو روح الروح؛ لأن الروح الأُولى قصاراها الدنيا، لكن روح المنهج النازل من السماء فخالدة في الآخرة، فأيُّهما حياته أطول؟ لذلك فالحق سبحانه يُنبِّهنا: إياك أنْ تظنَّ أن الحياة هي حياتك أنت وكونك تُحِسُّ وتتحرك وتعيش طالما فيك روح، لا بل هناك روح أخرى أعظم في دار أخرى أَبْقى وأَدْوم: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 64]. لأن الروح التي تعيش بها في الدنيا عُرْضة لأنْ تُؤخَذ منك، وتُسلَب في أيّ مرحلة من مراحل حياتك منذ وجودك جنيناً في بطن أمك، إلى أنْ تصير شيخاً طاعناً في السنِّ .. أما روح الآخرة، وهي روح القيم وروح المنهج، فهي الروح الأَقْوى والأَبْقى؛ لأنها لا يعتريها الموت. إذن: سُمّي القرآن، وسُمّي المَلك النازل به روحاً؛ لأنه سيعطيني حياة أطول هي حياة القيم في الآخرة. وهنا يقول تعالى: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ..} [الإسراء: 85]. أي: أن هذا من خصوصياته هو سبحانه، وطالما هي من خصوصياته هو سبحانه، فلن يطلع أحداً على سِرِّها. وهل هي جوهر يدخل الجسم فيحيا ويسلب منه فيموت، أم هي مراد (بكُنْ) من الخالق سبحانه، فإنْ قال لها كُنْ تحيا، وإنْ قال مِتْ تموت؟ إنّ علم الإنسان سيظل قاصراً عن إدراك هذه الحقيقة، وسيظل بينهما مسافات طويلة؛ لذلك قال تعالى بعدها:{وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 85]. وهل عرف العقل البشري كل شيء حتى يبحث في أسرار الروح؟! ولما تعرَّض أحد رجال الصوفية للنقد، واعترض عليه أحد الأشخاص فقال له الصوفي: وهل أَحَطْتَ عِلْماً بكل شيء في الكون؟ قال الرجل: لا، قال: فأنا من الذي لا تعلم. والحق سبحانه وتعالى حينما يعطينا فكرة عن الأشياء لا يعطينا بحقائق ذاتها وتكوينها؛ لأن أذهاننا قد لا تتسع لفهمها، وإنما يعطينا بالفائدة منها. فحين حدثنا عن الأهِلّة قال:{أية : قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ..}تفسير : [البقرة: 189]. وهذه هي الفائدة التي تعود علينا والتي تهمنا من الأَهِلّة، أما حركتها ومنازلها والمراحل التي تمر بها الأَهِلّة فأمور لا يضر الجهل بها؛ ذلك لأن الاستفادة بالشيء ليستْ فرعاً لفهم حقيقته، فالرجل الأُميّ في ريفنا يقتني الآن التلفاز وربما الفيديو، ويستطيع استعمالهما وتحويل قنواتهما وضبطهما، ومع ذلك فهو لا يعرف كيف تعمل هذه الأجهزة؟ وكيف تستقبل؟ إذن: الاستفادة بالشيء لا تحتاج معرفة كل شيء عنها، فيكفيك - إذن - أنْ تستفيد بها دون أن تُدخِل نفسك في متاهات البحث عن حقيقتها. والحق سبحانه وتعالى ينبهنا إلى هذه المسألة في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ..}تفسير : [الإسراء: 36] لأن الخالق سبحانه يريد للإنسان أن يُوفّر طاقاته الفكرية ليستخدمها فيما يُجدي، وأَلاَّ يُتعِب نفسه ويُجهدها في علم لا ينفع، وجهل لا يضر. فعلى المسلم بدل أن يشغل تفكيره في مثل مسألة الروح هذه، أنْ ينشغل بعمل ذي فائدة له ولمجتمعه. وأيّ فائدة تعود عليك إنْ توصلت إلى سِرٍّ من أسرار الروح؟ وأيّ ضرر سيقع عليك إذا لم تعرف عنها شيئاً؟ إذن: مناط الأشياء أن تفهم لماذا وجدت لك، وما فائدتها التي تعود عليك. والحق سبحانه حينما قال: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 85] كان يخاطب بها المعاصرين لرسول الله منذ ما يزيد على ألف وأربعمائة عام، وما زال يخاطبنا ويخاطب مَنْ بعدنا، وإلى أن تقوم الساعة بهذه الآية مع ما توصلتْ إليه البشرية من علم، وكأنه سبحانه يقول: يا ابن آدم، الزم غرزك، فإن وقفت على سِرٍّ فقد غابتْ عنك أسرار. وقد أوضح الحق سبحانه لنا هذه المسألة في قوله: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ..}تفسير : [فصلت: 53]. وهاهم العلماء والباحثون يقفون كل يوم على جديد في الكون الفسيح وفي الإنسان، ولو تابعتَ ما توصّل إليه علماء الفضاء ورجال الطب لَهالكَ ما توصَّلوا إليه من آيات وعجائب في خَلْق الله تعالى، لكن هل معنى ذلك أننا عرفنا كل شيء؟ إن كلمة {سَنُرِيهِمْ} ستظل تعمل إلى قيام الساعة. والمتتبع لطموحات العقول وابتكاراتها يجد التطور يسير بخُطىً واسعة، ففي الماضي كان التقدم يُقَاسُ بالقرون، أما الآن ففي كل يوم يطلع علينا حديث وجديد، ونرى الأجهزة تُصنع ولا تُستعمل؛ لأنها قبل أنْ تُبَاع يخرج عليها أحدث منها، لكن كلها زخارف الحياة وكمالياتها، كما قال تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ ..}تفسير : [يونس: 24]. فكلُّ مَا نراه من تقدُّم ليس من ضروريات الحياة، فقد كُنَّا نعيش بخير قبل أن نعرف الكهرباء، وكُنَّا نشرب في الفخار والآن في الكريستال، فابتكارات الإنسان في الكماليات، أما الضروريات فقد ضمنها الخالق سبحانه قبل أن يوجد الإنسان على هذه الأرض. فإذا ما استنفدتْ العقول البشرية نشاطاتها، وبلغتْ مُنتهى مَا لديها من ابتكارات، حتى ظنَّ الناس أنهم قادرون على التحكم في زمام الكون، لا يعجزهم فيه شيء، كما قال تعالى: {أية : وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ ..}تفسير : [يونس: 24]. فبعد ما أخذتم أسرار المنعِم في الكون على قَدْر ما استطعتم، فاذهبوا الآن إلى المنعِم ذاته لتروا النعيم على حقيقته، وكلما رأيت في دنيا الناس ابتكارات واختراعات تُسعِد الإنسان، فهذا ما أعدَّ البشر للبشر، فكيف بما أعدَّ الله الخالق لخَلْقه؟ فالمفروض أن زخارف الحياة وزينتها وكمالياتها لا تدعونا إلى الحقد أو الحسد لمن توفرتْ لديه، بل تدعونا إلى مزيد من الإيمان والشوق إلى النعيم الحقيقي عند المنعِم سبحانه. ولو تأملتَ هذه الارتقاءات البشرية لوجدتها قائمة على المادة التي خلقها الله والعقل المخلوق لله والطاقة المخلوقة لله، فَدوْر الإنسان أنه أعمل عقله وفكره في المقوّمات التي خلقها الله، لكن مهما وصلتْ هذه الارتقاءات، ومهما تطورتْ هل ستصل إلى درجة: إذا خطر الشيء ببالك تجدْه بين يديك؟ ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} معناه من عِلمِ رَبّي، فإِنكُم لا تَعلمُونَهُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا متضمن لردع من يسأل المسائل، التي لا يقصد بها إلا التعنت والتعجيز، ويدع السؤال عن المهم، فيسألون عن الروح التي هي من الأمور الخفية، التي لا يتقن وصفها وكيفيتها كل أحد، وهم قاصرون في العلم الذي يحتاج إليه العباد. ولهذا أمر الله رسوله أن يجيب سؤالهم بقوله: { قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } أي: من جملة مخلوقاته، التي أمرها أن تكون فكانت، فليس في السؤال عنها كبير فائدة، مع عدم علمكم بغيرها. وفي هذه الآية دليل على أن المسؤول إذا سئل عن أمر، الأولى بالسائل غيره أن يعرض عن جوابه، ويدله على ما يحتاج إليه، ويرشده إلى ما ينفعه.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ} [85] 319- أنا علي بن خَشرم، أنا عيسى، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: حديث : كُنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حَرث بالمدينة، وهو يتوكأ على عَسيب، فمرّ بنفر من اليهود، فقال بعضهم: لو سألتموه؟ وقال بعضهم: لا تسألوه فيُسمعكم ما تكرهون. فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن الروح، فقام ساعةً ورفع رأسه فعَرَفنا أنَّه يُوحَى إليه، حتى صعد الوحي، ثم قال: {ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} .

همام الصنعاني

تفسير : 1617- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، والحسن في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ}: [الآية: 85]، قال: هو جبريل، قال قتادة، وكان ابن عباس يكتمه. 1618- حدثنا عبد الرزاق، قال أنبأنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}: [الآية: 85]، قال: هو ملك واحد، له عشرة آلاف جناحٍ، جناحان منها ما بين المشرق والمغرب، له الف وجه، في كل وجه ألف وجه، لكل وَجْهٍ لسان وعينان وشفتان يسبحان الله إلى يوم القيامة. 1619- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن جريج، عن عطاء عن ابن عباس، قال: ما بين منكبي جبريل، خفق طائر خمسمائة عام. 1620- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: لله لوح محفوظ مسيرة خمسمائة عام، له دفتان من ياقوت أحمر، والدفتان: لوحان، الله ينظر فيه في كل يوم ثلاث مائة وستين نظرة، {أية : يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ}تفسير : : [الرعد: 39].