Verse. 2115 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

وَلَىِٕنْ شِـئْنَا لَنَذْہَبَنَّ بِالَّذِيْۗ اَوْحَيْنَاۗ اِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِہٖ عَلَيْنَا وَكِيْلًا۝۸۶ۙ
Walain shina lanathhabanna biallathee awhayna ilayka thumma la tajidu laka bihi AAalayna wakeelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولئن» لام قسم «شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك» أي القرآن بأن نمحوه من الصدور والمصاحف «ثم لا تجد لك به علينا وكيلاً».

86

Tafseer

الرازي

تفسير : المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنه ما آتاهم من العلم إلا قليلاً بين في هذه الآية أنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل أيضاً لقدر عليه وذلك بأن يمحو حفظه من القلوب وكتابته من الكتب وهذا وإن كان أمراً مخالفاً للعادة إلا أنه تعالى قادر عليه. المسألة الثانية: احتج الكعبي بهذه الآية على أن القرآن مخلوق فقال والذي يقدر على إزالته والذهاب به يستحيل أن يكون قديماً بل يجب أن يكون محدثاً. وهذا الاستدلال بعيد لأن المراد بهذا الإذهاب إزالة العلم به عن القلوب وإزالة النقوش الدالة عليه عن المصحف وذلك لا يوجب كون ذلك المعلوم المدلول محدثاً وقوله: {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً } أي لا تجد من تتوكل عليه في رد شيء منه ثم قال: {إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } أي إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك أو يكون على الاستثناء المنقطع بمعنى ولكن رحمة ربك تركته غير مذهوب به وهذا امتنان من الله ببقاء القرآن على أنه تعالى منَّ على جميع العلماء بنوعين من المنة. أحدهما: تسهيل ذلك العلم عليه. الثاني: إبقاء حفظه عليه وقوله: {إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا } فيه قولان: الأول: المراد أن فضله كان عليك كبيراً بسبب إبقاء العلم والقرآن عليك. الثاني: المراد أن فضله كان عليك كبيراً بسبب أنه جعلك سيد ولد آدم وختم بك النبيين وأعطاك المقام المحمود فلما كان كذلك لا جرم أنعم عليك أيضاً بإبقاء العلم والقرآن عليك.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} يعني القرآن. أي كما قدرنا على إنزاله نقدر على إذهابه حتى ينساه الخلق. ويتّصل هذا بقوله: «وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً» أي ولو شئت أن أذهب بذلك القليل لقدرت عليه. {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً} أي ناصراً يردّه عليك. {إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} يعني لكن لا نشاء ذلك رحمة من ربك؛ فهو استثناء ليس من الأول. وقيل: إلا أن يرحمك ربّك فلا يذهب به. {إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً} إذ جعلك سيّد ولد آدم، وأعطاك المقام المحمود وهذا الكتاب العزيز. وقال عبد الله بن مسعود: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، وأن هذا القرآن كأنه قد نزع منكم، تصبحون يوماً وما معكم منه شيء. فقال رجل: كيف يكون ذلك يا أبا عبد الرحمن! وقد ثبّتناه في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا، نعلّمه أبناءنا ويعلمه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامةٰ قال: يُسرى به في ليلة فيذهب بما في المصاحف وما في القلوب، فتصبح الناس كالبهائم. ثم قرأ عبد الله «ولئن شئنا لنذهبنّ بالذي أوحينا إليك» الآية. أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة بمعناه قال: أخبرنا أبو الأحوص عن عبد العزيز بن رُفيع عن شدّاد بن معقل قال: قال عبد الله ـ يعني ابن مسعود ـ: إن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن ينزع منكم. قال: قلت كيف ينزع منا وقد أثبته الله في قلوبنا وثبتناه في مصاحفناٰ قال: يسرى عليه في ليلة واحدة فينزع ما في القلوب ويذهب ما في المصاحف ويصبح الناس منه فقراء. ثم قرأ «ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك» وهذا إسناد صحيح. وعن ابن عمر: لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث نزل، له دويّ كدويّ النحل، فيقول الله ما بالك. فيقول: يا رب منك خرجت وإليك أعود، أتْلى فلا يعمل بي، أتلى ولا يُعمل بي. قلت: قد جاء معنى هذا مرفوعاً من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وحذيفة. قال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يدرس الإسلام كما يدرس وَشْيُ الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة فيُسرى على كتاب الله تعالى في ليلة فلا يبقى منه في الأرض آية وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله. وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة. قال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله! وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؛ فأعرض عنه حذيفة؛ ثم ردّدها ثلاثاً، كل ذلك يعرض عنه حذيفة. ثم أقبل عليه حذيفة فقال:يا صلة! تنجيهم من النار، ثلاثاً»تفسير : . خرجه ابن ماجه في السنن. وقال عبد الله بن عمر: حديث : خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو معصوب الرأس من وجع فضحك، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ما هذه الكتب التي تكتبون أكتاب غير كتاب الله يوشك أن يغضب الله لكتابه فلا يدع ورقاً ولا قلباً إلا أخذ منهقالوا: يا رسول الله، فكيف بالمؤمنين والمؤمنات يومئذٍ؟ قال: من أراد الله به خيراً أبقى في قلبه لا إله إلا الله» تفسير : ذكره الثعلبي والغزْنَويّ وغيرهما في التفسير.

البيضاوي

تفسير : {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ }اللام الأولى موطئة للقسم و {لنذهبن} جوابه النائب مناب جزاء الشرط. والمعنى إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من المصاحف والصدور {ثم لا تجد لك به علينا وكيلاً} من يتوكل علينا استرداده مسطوراً محفوظاً. {إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ} فإنها إن نالتك فلعلهما تسترده عليك، ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً بمعنى ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به، فيكون امتناناً بابقائه بعد المنة في تنزيله. {إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا} كإرساله وإنزال الكتاب عليه وإبقائه في حفظه. {قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ } في البلاغة وحسن النظم وكمال المعنى. {لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } وفيهم العرب العرباء وأَرباب البيان وأهل التحقيق، وهو جواب قسم محذوف دل عليه اللام الموطئة، ولولا هي لكان جواب الشرط بلا جزم لكون الشرط ماضياً كقول زهير:شعر : وَإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْأَلَة يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَالي وَلاَ حَرَمُ تفسير : {وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } ولو تظاهروا على الإِتيان به، ولعله لم يذكر الملائكة لأن إتيانهم بمثله لا يخرجه عن كونه معجزاً، ولأنهم كانوا وسائط في إتيانه، ويجوز أن تكون الآية تقريراً لقوله: {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً }. {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا } كررنا بوجوه مختلفة زيادة في التقرير والبيان. {لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ مِن كُلّ مَثَلٍ } من كل معنى كالمثل في غرابته ووقوعه موقعها في الأنفس. {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا } إلا جحوداً، وإنما جاز ذلك ولم يجز: ضربت إلا زيداً لأنه متأول بالنفي. {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعًا} تعنتاً واقتراحاً بعد ما لزمتهم الحجة بيان إعجاز القرآن وانضمام غيره من المعجزات إليه. وقرأ الكوفيون ويعقوب {تَفْجُرَ } بالتخفيف والأرض أرض مكة والينبوع عين لا ينضب ماؤها يفعول من نبع الماء كيعبوب من عب الماء إذا زخر. {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجّرَ ٱلأَنْهَـٰرَ خِلَـٰلَهَا تَفْجِيرًا} أو يكون لك بستان يشتمل على ذلك. {أَوْ نُسْقِطْ ٱلسَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا} يعنون قوله تعالى: {أية : أَوْ تُسْقِطَ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مّنَ ٱلسَّمَاء }تفسير : [سبأ: 9] وهو كقطع لفظاً ومعنى، وقد سكنه ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب في جميع القرآن إلا في «ٱلرُّومُ» وابن عامر إلا في هذه السورة، وأبو بكر ونافع في غيرهما وحفص فيما عدا «الطور»، وهو إما مخفف من المفتوح كسدرة وسدر أو فعل بمعنى مفعول كالطحن. {أَوْ تَأْتِىَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلَـئِكَةِ قَبِيلاً } كفيلاً بما تدعيه أي شاهداً على صحته ضامناً لدركه، أو مقابلاً كالعشير بمعنى المعاشر وهو حال من الله وحال الملائكة محذوفة لدلالتها عليها كما حذف الخبر في قوله: شعر : فإني وقَيَّار بها لغريبُ تفسير : أو جماعة فيكون حالاً من {ٱلْمَلَـٰئِكَةَ }. {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مّن زُخْرُفٍ} من ذهب وقد قرىء به وأصله الزينة. {أَوْ تَرْقَىٰ فِى ٱلسَّمَاء } في معارجها. {وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ } وحده. {حَتَّى تُنَزّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَءهُ } وكان فيه تصديقك. {قُلْ سُبْحَـٰنَ رَبّى } تعجباً من اقتراحاتهم أو تنزيهاً لله من أن يأتي أو يتحكم عليه أو يشاركه أحد في القدرة، وقرأ ابن كثير وابن عامر: «قال سبحان ربي» أي قال الرسول: {هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا } كسائر الناس. {رَسُولاً } كسائر الرسل وكانوا لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله عليهم على ما يلائم حال قومهم، ولم يكن أمر الآيات إليهم ولا لهم أن يتحكموا على الله حتى يتخيروها على هذا هو الجواب المجمل وأما التفصيل فقد ذكر في آيات أخر كقوله: {أية : وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَـٰباً فِى قِرْطَاسٍ} تفسير : [الأنعام: 7] {أية : وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً} تفسير : [الحجر: 14]

ابن كثير

تفسير : يذكر تعالى نعمته وفضله العظيم على عبده ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم فيما أوحاه إليه من القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. قال ابن مسعود رضي الله عنه: يطرق الناس ريح حمراء، يعني: في آخر الزمان، من قبل الشام، فلا يبقى في مصحف رجل ولا في قلبه آية، ثم قرآ ابن مسعود: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} الآية، ثم نبه تعالى على شرف هذا القرآن العظيم، فأخبر أنه لو اجتمعت الإنس والجن كلهم، واتفقوا على أن يأتوا بمثل ما أنزل على رسوله، لما أطاقوا ذلك، ولما استطاعوه، ولو تعاونوا وتساعدوا وتظافروا؛ فإن هذا أمر لا يستطاع، وكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق الذي لا نظير له، ولا مثال له، ولا عديل له؟ وقد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في نفر من اليهود جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: إنا نأتيك بمثل ما جئتنا به، فأنزل الله هذه الآية، وفي هذا نظر؛ لأن هذه السورة مكية، وسياقها كله مع قريش، واليهود إنما اجتمعوا به في المدينة، فالله أعلم. وقوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ} الآية، أي: بينا لهم الحجج والبراهين القاطعة، ووضحنا لهم الحق، وشرحناه وبسطناه، ومع هذا، فأبى أكثر الناس إلا كفوراً، أي: جحوداً للحق، ورداً للصواب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَئِنِ } لام قسم {شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } أي القرآن بأن نمحوه من الصدور والمصاحف {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً }.

الشوكاني

تفسير : لما بيّن سبحانه أنه ما آتاهم من العلم إلاّ قليلاً بيّن أنه لو شاء أن يأخذ منهم هذا القليل لفعل، فقال: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } واللام هي الموطئة، و{لنذهبن} جواب القسم سادّ مسد جواب الشرط. قال الزجاج: معناه: لو شئنا لمحوناه من القلوب ومن الكتب حتى لا يوجد له أثر. انتهى. وعبر عن القرآن بالموصول تفخيماً لشأنه {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ } أي: بالقرآن {عَلَيْنَا وَكِيلاً } أي: لا تجد من يتوكل علينا في ردّ شيء منه بعد أن ذهبنا به، والاستثناء بقوله: {إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } إن كان متصلاً فمعناه: إلاّ أن يرحمك ربك فلا نذهب به، وإن كان منقطعاً فمعناه: لكن لا يشأ ذلك رحمة من ربك، أو لكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به {إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا } حيث جعلك رسولاً وأنزل عليك الكتاب وصيرك سيد ولد آدم، وأعطاك المقام المحمود وغير ذلك مما أنعم به عليه. ثم احتج سبحانه على المشركين بإعجاز القرآن فقال: {قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ } المنزل من عند الله الموصوف بالصفات الجليلة من كمال البلاغة وحسن النظم وجزالة اللفظ {لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } أظهر في مقام الإضمار، ولم يكتف بأن يقول: لا يأتون به على أن الضمير راجع إلى المثل المذكور، لدفع توهم أن يكون له مثل معين، وللإشعار بأن المراد نفي المثل على أي صفة كان، وهو جواب قسم محذوف كما تدل عليه اللام الموطئة، وسادّ مسدّ جواب الشرط، ثم أوضح سبحانه عجزهم عن المعارضة سواء كان المتصدي لها كل واحد منهم على الانفراد، أو كان المتصدر بها المجموع بالمظاهرة فقال: {وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } أي: عوناً ونصيراً، وجواب لو محذوف، والتقدير: ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً لا يأتون بمثله، فثبت أنهم لا يأتون بمثله على كل حال، وقد تقدّم وجه إعجاز القرآن في أوائل سورة البقرة. وفي هذه الآية ردّ لما قاله الكفار: {أية : لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا } تفسير : [الأنفال: 31]، وإكذاب لهم. ثم بين سبحانه أن الكفار مع عجزهم عن المعارضة استمروا على كفرهم وعدم إيمانهم فقال: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ مِن كُلّ مَثَلٍ } أي: رددنا القول فيه بكلّ مثل يوجب الاعتبار من الآيات والعبر والترغيب والترهيب والأوامر والنواهي وأقاصيص الأوّلين والجنة والنار والقيامة {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا } يعني: من أهل مكة، فإنهم جحدوا وأنكروا كون القرآن كلام الله بعد قيام الحجة عليهم، واقترحوا من الآيات ما ليس لهم، وأظهر في مقام الإضمار حيث قال: {فأبى أكثر الناس} توكيداً أو توضيحاً، ولما كان {أبى} مؤولاً بالنفي، أي: ما قبل، أو لم يرض، صح الاستثناء منه قوله: {إِلاَّ كُفُورًا}. {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} أي قال رؤساء مكة كعتبة وشيبة ابني ربيعة وأبي سفيان والنضر بن الحرث، ثم علقوا نفي إيمانهم بغاية طلبوها فقالوا: {حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً}. قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم {حتى تفجر} مخففاً، مثل: تقتل. وقرأ الباقون بالتشديد، ولم يختلفوا في {فتفجر الأنهار} أنها مشدّدة، ووجه ذلك أبو حاتم بأن الأولى بعدها ينبوع وهو واحد، والثانية بعدها الأنهار وهي جمع. وأجيب عنه: بأن الينبوع وإن كان واحداً في اللفظ فالمراد به الجمع، فإن الينبوع العيون التي لا تنضب. ويردّ بأن الينبوع: عين الماء، والجمع: الينابيع، وإنما يقال للعين ينبوع إذا كانت غزيرة من شأنها النبوع من غير انقطاع، والياء زائدة كيعبوب، من عبّ الماء. {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ } أي: بستان تستر أشجاره أرضه. والمعنى: هب أنك لا تفجر الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك بأن تكون لك جنة {مّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجّرَ ٱلأنْهَـٰرَ } أي: تجريها بقوة {خِلَـٰلَهَا تَفْجِيرًا } أي: وسطها تفجيراً كثيراً {أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا } قرأ مجاهد (أو تسقط) مسنداً إلى السماء. وقرأ من عداه (أو تسقط) على الخطاب، أي: أو تسقط أنت يا محمد السماء. والكسف بفتح السين جمع كسفة. وهي قراءة نافع وابن عامر، وعاصم، والكسفة: القطعة. وقرأ الباقون «كسفاً» بإسكان السين. قال الأخفش: من قرأ بإسكان السين جعله واحداً ومن قرأ بفتحها جعله جمعاً. قال المهدوي: ويجوز أن يكون على قراءة الكون جمع كسفة، ويجوز أن يكون مصدراً. قال الجوهري: الكسفة القطعة من الشيء، يقال: أعطني كسفة من ثوبك، والجمع كِسْفٌ وكِسَفٌ، ويقال: الكسف والكسفة واحد، وانتصاب {كسفاً} على الحال، والكاف في {كما زعمت} في محل نصب على أنه صفة مصدر محذوف، أي: إسقاطاً ممائلاً لما زعمت، يعنون بذلك قول الله سبحانه {أية : إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مّنَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [سبأ: 9]. قال أبو علي: الكسف بالسكون: الشيء المقطوع، كالطحن للمطحون، واشتقاقه على ما قال أبو زيد من كسفت الثوب كسفاً: إذا قطعته. وقال الزجاج: من كسفت الشيء، إذا غطيته، كأنه قيل: أو تسقطها طبقاً علينا {أَوْ تَأْتِىَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلَـئِكَةِ قَبِيلاً }. اختلف المفسرون في معنى {قَبِيلاً } فقيل: معناه: معاينة، قاله قتادة وابن جريج، واختاره أبو علي الفارسي فقال: إذا حملته على المعاينة كان القبيل مصدراً كالنكير والنذير. وقيل: معناه: كفيلاً، قاله الضحاك، وقيل: شهيداً، قاله مقاتل، وقيل هو جمع القبيلة، أي: تأتي بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة، قاله مجاهد وعطاء، وقيل: ضمناً، وقيل: مقابلاً كالعشير والمعاشر. {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مّن زُخْرُفٍ } أي: من ذهب، وبه قرأ ابن مسعود، وأصله: الزينة، والمزخرف: المزين، وزخارف الماء: طرائقه، وقال الزجاج: هو الزينة، فرجع إلى الأصل معنى الزخرف، وهو بعيد؛ لأنه يصير المعنى: أو يكون لك بيت من زينة {أَوْ تَرْقَىٰ فِى ٱلسَّمَاء } أي: تصعد في معارجها يقال: رقيت في السلم: إذا صعدت وارتقيت. مثله {وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ } أي: لأجل رقيك، وهو مصدر نحو: مضى يمضي مضياً، وهوى يهوي هوياً {حَتَّى تُنَزّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَءهُ } أي: حتى تنزل علينا من السماء كتاباً يصدقك ويدل على نبوّتك نقرؤه جميعاً، أو يقرؤه كل واحد منا، وقيل: معناه: كتاباً من الله إلى كل واحد منا كما في قوله: {أية : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً } تفسير : [المدثر: 52] فأمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بما يفيد التعجب من قولهم، والتنزيه للربّ سبحانه عن اقتراحاتهم القبيحة فقال: {قُلْ سُبْحَـٰنَ رَبّى } أي: تنزيهاً لله عن أن يعجز عن شيء. وقرأ أهل مكة والشام (قال سبحان ربي) يعني النبي صلى الله عليه وسلم {هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا } من البشر لا ملكاً حتى أصعد السماء {رَسُولاً } مأموراً من الله سبحانه بإبلاغكم، فهل سمعتم أيها المقترحون لهذه الأمور أن بشراً قدر على شيء منها؟ وإن أردتم أني أطلب ذلك من الله سبحانه حتى يظهرها على يدي، فالرسول إذا أتى بمعجزة واحدة كفاه ذلك، لأن بها يتبين صدقه، ولا ضرورة إلى طلب الزيادة، وأنا عبد مأمور ليس لي أن أتحكم على ربي بما ليس بضروري، ولا دعت إليه حاجة، ولو لزمتني الإجابة لكل متعنت لاقترح كل معاند في كل وقت اقتراحات، وطلب لنفسه إظهار آيات، فتعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً، وتنزّه عن تعنتاتهم، وتقدّس عن اقتراحاتهم. وقد أخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: إن هذا القرآن سيرفع، قيل: كيف يرفع وقد أثبته الله في قلوبنا وأثبتناه في المصاحف؟ قال: يسري عليه في ليلة واحدة فلا يترك منه آية في قلب ولا مصحف إلاّ رفعت، فتصبحون وليس فيكم منه شيء، ثم قرأ {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } وقد روي عنه هذا من طرق. وأخرج ابن عدّي عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه. وأخرج محمد بن نصر عن عبد الله بن عمرو نحوه موقوفاً. وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن معاذ بن جبل مرفوعاً نحوه أيضاً. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن أبي هريرة موقوفاً نحوه أيضاً. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، والديلمي عن حذيفة بن اليمان مرفوعاً نحوه أيضاً. وأخرج ابن مردويه عن جابر مرفوعاً نحوه أيضاً. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن عمر مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمود بن شيخان ونعيمان بن آصي وبحري بن عمرو وسلام بن مشكم، فقالوا: أخبرنا يا محمد بهذا الذي جئت به أحق من عند الله، فإنا لا نراه متناسقاً كما تناسق التوراة؟ فقال لهم: "والله إنكم لتعرفونه أنه من عند الله"، قالوا: إنا نجيئك بمثل ما تأتي به، فأنزل الله {قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ }»، الآية. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب، ورجلاً من بني عبد الدار، وأبا البحتري أخا بني أسيد والأسود بن عبد المطلب وربيعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ونبيهاً ومنبها ابني الحجاج السهميين اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه، وذكر حديثاً طويلاً يشتمل على ما سألوه عنه وتعنتوه، وأن ذلك كان سبب نزول قوله: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ } إلى قوله: {بَشَرًا رَّسُولاً }. وإسناده عند ابن جرير هكذا: حدّثنا أبو كريب، حدّثنا يونس بن بكير، حدّثنا محمد بن إسحاق، حدّثني شيخ من أهل مصر، قدم منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره، ففيه هذا الرجل المجهول. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ } قال: نزلت في أخي أمّ سلمة عبد الله بن أبي أمية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {يَنْبُوعًا } قال: عيوناً. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي قال: الينبوع: هو النهر الذي يجري من العين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ } يقول: ضيعة. وأخرج ابن جرير عنه {كسفاً} قال: قطعاً. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً {قَبِيلاً } قال: عياناً. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً {مّن زُخْرُفٍ } قال: من ذهب. وأخرج أبو عبيد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري، وأبو نعيم عن مجاهد قال: لم أكن أحس ما الزخرف؟ حتى سمعتها في قراءة عبد الله (أو يكون لك بيت من ذهب). وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله: {كِتَابًا نَّقْرَءهُ } قال: من ربّ العالمين إلى فلان ابن فلان. يصبح عند كل رجل صحيفة عند رأسه موضوعة يقرؤها.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} فيه وجهان: أحدهما: لأذهبناه من الصدور والكتب حتى لا يقدر عليه. الثاني: لأذهبناه بقبضك إلينا حتى لا ينزل عليك. {ثم لا تجدُ لك به علينا وكيلاً} فيه وجهان: أحدهما: أي لا تجد من يتوكل في رده إليك، وهو تأويل من قال بالوجه الأول. الثاني: لا تجد من يمنعنا منك، وهو تأويل من قال بالوجه الثاني. {إلاّ رحمة من ربك} أي لكن رحمة من ربك أبقاك له وأبقاه عليك. {إنّ فضله كان عليك كبيراً} فيه وجهان: أحدهما: جزيلاً لكثرته. الثاني: جليلاً لعظيم خطره.

النسفي

تفسير : {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } {لنذهبن} جواب قسم محذوف مع نيابته عن جزاء الشرط، واللام الداخلة على «إن» توطئة للقسم، والمعنى إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من الصدور والمصاحف فلم نترك له أثراً {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً } أي ثم لا تجد لك بعد الذهاب به من يتوكل علينا باسترداده وإعادته محفوظاً مسطوراً.

البقاعي

تفسير : ولما شرح إرادتهم الفتنة عما جاءهم من العلم بتبديل المنزل، وإخراج المرسل، وما تبع ذلك حتى ختم بتجهيلهم إذ سألوا تعنتاً عن الروح الحسي، وكان الأنفع لهم سؤالهم استفادة وتفهماً عن دقائق الروح المعنوي الذي أعظم الله شرفهم به بإنزاله إليهم على لسان رجل منهم هو أشرفهم مجداً، وأطهرهم نفساً، وأعظمهم مولداً، وأزكاهم عنصراً، وأعلاهم همة، وختم بتقليل علمهم إشارة إلى أنهم لا يفهمون إلا أن يفهمهموه سبحانه وهو أعلم بما يفهمونه وما لا يفهمونه، قال عاطفاً على {وإن كادوا ليفتنونك} تنبيهاً لهم على أنه لو شاء لذهب بسبب هذا العلم القليل الذي وهبهموه، فعمهم الجهل كما كانوا، وعلى أنه لم يكفهم ترك السؤال عما يعنيهم حتى سألوا عما لا يعنيهم، وأرادوا تبديل ما ينفعهم ويعنيهم بما يبيدهم ويفنيهم، فضلوا قولاً وفعلاً: {ولئن شئنا} ومشيئتنا لا يتعاظمها شيء، ولامه موطئة للقسم، وأجاب عن القسم بما أغنى عن جواب الشرط فقال تعالى: {لنذهبن} أي بما لنا من العظمة ذهاباً محققاً {بالذي أوحينا} أي بما لنا من العظمة {إليك} مما أرادوا الفتنة فيه من القرآن على أن فيه من العلم ما يغنيهم - لو أقبلوا على تفهمه - عن شيء من الأشياء فلا تبقى عندك نحن ولا وحينا، ولإفادة هذا لم يقل: لأذهبنا. {ثم} أي بعد الذهاب به {لا تجد لك} ولما كان السياق هنا للروح الذي هو الوحي، فكانت العناية به أشد، قدم قوله: {به} ولما كان السياق لمن يأخذ ما يريد طوعاً وكرهاً، قال تعالى: {علينا} أي بما لنا من العظمة التي لا تعارض {وكيلاً *} يأتيك به أو بشيء منه. ولما كان لا ملجأ منه سبحانه إلا إليه، قال تعالى: {إلا} أي لكن تجد {رحمة} مبتدئة وكائنة {من ربك} أي المحسن إليك بأن أوجدك ورباك، ولم يقطع إحسانه قط عنك، يعيد بها إليك ويأتيك بما يقوم مقامه، وعبر عن أداة الانقطاع بأداة الاتصال إشارة إلى أن رحمته سبحانه له - التي اقتضتها صفة إحسانه إليه لعظمها - كالوكيل الذي يتصرف بالغبطة على كل حال. ولما كان في إنزاله إليه ثم إبقائه لديه من النعمة عليه وعلى أمته ما لا يحصى، نبه على ذلك بقوله تعالى مستأنفاً مؤكداً لأن كون الرحمة هكذا من أغرب الغريب، فهو بحيث لا يكاد يصدق، وهو مما يتلذذ بذكره {إن فضله كان} أي كوناً ثابتاً {عليك} أي خاصة {كبيراً *} أي بالغ الكبر، وقد ورد أنه يذهب بالقرآن في آخر الزمان، يسري بما في المصاحف وبما في القلوب، وقد أفهمت ذلك هذه الآية لأن كلام الملوك يفهم أصل الشيء ولو كان في سياق الشرط. ولما كان بمعرض أن يقولوا: إن ذهب عليك من شيء فائت بمثله من عند نفسك ومما اكتسبته منه من الأساطير، أمره أن يجيبهم عن هذا بقوله دلالة على مضمون ما قبله: {قل}. ولما أريد هنا المماثلة في كل التفصيل إلى جميع السور في المعاني الصادقة، والنظوم الرائقة، كما دل عليه التعبير بالقرآن، زاد في التحدي قيد الاجتماع من الثقلين وصرف الهمم للتظاهر والتعاون والتظافر بخلاف ما مضى في السور السابقة، فقال تعالى مؤكداً باللام الموطئة للقسم لادعائهم أنهم لو شاؤوا أتوا بمثله، والجواب حينئذ للقسم، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم: {لئن اجتمعت الإنس} الذين تعرفونهم وتعرفون ما أتوا من البلاغة والحكمة والذين لا تعرفونهم، وقدمهم لسهولة اجتماعهم بهم ولأنهم عندهم الأصل في البلاغة {والجن} الذين يأتون كهانكم ويشجعون لهم ويعلمونهم ببعض المغيبات عنهم، وترك الملائكة لأنهم لا عهد لهم بشيء من كلامهم {على أن يأتوا} أي يجددوا إيتاءً ما في وقت ما في حال اجتماعهم {بمثل هذا القرآن} أي جميعه على ما هو عليه من التفصيل، وخصه بالإشارة تنبيهاً على أن ما يقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الله وحي من الله، ليس فيه شيء من عند نفسه، وأن المراد في هذا السياق المتحدى به الذي اسمه القرآن خاصة {لا يأتون}. ولما كانت هذه السورة مكية، فكان أكثر ما يمكن في هذه الآية أن يكون آخر المكي فيختص التحدي به، وكان المظهر إذا أعيد مضمراً أمكن فيه الخصوص، وكان المراد إنما هو الشمول، ومتى أريد الشمول استؤنف له إحاطة باستئناف إظهار محيط كما يأتي عن الحرالي في أواخر سورة الكهف، لم يقل هنا "به" لذلك، ولئلا يظن أنه يعود على القرآن لا على مثله، بل أظهر فقال دالاً على أن المراد جميع المكي والمدني: {بمثله} أي لا مع التقيد بمعانيه الحقة الحكيمة حتى يأتوا بكلام في أعلى طبقات البلاغة، مبيناً لأحسن المعاني بأوضح المباني، ولا مع الانفكاك عنها إلى معانٍ مفتراة؛ ثم أوضح أن المراد الحكم لعجزهم مجتمعين ومنفردين متظاهرين وغير متظاهرين فقال تعالى: {ولو} ولما كان المكلفون مجبولين على المخالفة وتنافي الأغراض قال تعالى: {كان} أي جبلة وطبعاً على خلاف العادة {بعضهم لبعض ظهيراً *} أي معيناً بضم أقوى ما فيه إلى أقوى ما في صاحبه، وقد تقدم في السور المذكور فيها التحدي ما يتم هذا المعنى. ولما تمت هذه الجمل على هذا الوجه الجميل، والوصف الجليل، نبه على ذلك سبحانه بقوله عطفاً على نحو: صرفنا هذه الأمثال كما ترون على أعلى منهاج وأبلغ سياق في أبدع انتظام: {ولقد صرفنا} أي رددنا وكررنا تكريراً كثيراً بما لنا من العظمة، ولما كان مبنى السورة على بيان العناية بالناس الذين اتقوا والذين هم محسنون، اقتضى المقام لمزيد الاهتمام تقديم قوله تعالى: {للناس} أي الذين هم ناس {في هذا القرءان} الهادي للتي هي أقوم {من كل مثل} أي من كل ما هو في غرابته وسيره في أقطار الأرض وبلاغته ووضوحه ورشاقته كالمثل الذي يجب الاعتبار به؛ والتصريف: تصيير المعنى دائراً في الجهات المختلفة بالإضافة والصفة والصلة ونحو ذلك {فأبى} أي فتسبب عن ذلك الذي هو سبب للشفاء والشكر والهدى، تصديقاً لقولنا {ولا يزيد الظالمين إلا خساراً} أنه أبى {أكثر الناس} وهم من هم في صورة الناس وقد سلبوا معانيهم. ولما كان "أبى" متأولاً بمعنى النفي، فكان المعنى: فلم يرضوا مع الكبر والشماخة، استقبله بأداة الاستثناء فقال تعالى: {إلا كفوراً *} لما لهم من الاضطراب. ولما كان هذا أمراً معجباً، عجب منهم تعجيباً آخر، عاطفاً له على {ويسئلونك} إن كان المراد بالناس في قوله {فأبى أكثر الناس} الكل، وعلى "فأبى" إن كان المراد بهم قريشاً فقال تعالى: {وقالوا} أي كفار قريش ومن والاهم تعنتاً بعد ما لزمهم من الحجة ببيان عجزهم عن المعارضة ولغير ذلك فعل المبهوت المحجوج المعاند، مؤكدين لما لزمهم من الحجة التي صاروا بها في حيز من يؤمن قطعاً من غير توقف: {لن نؤمن} أي نصدق بما تقول مذعنين {لك حتى تفجر} أي تفجيراً عظيماً {لنا} أي أجمعين {من الأرض ينبوعاً *} أي عيناً لا ينضب ماءها {أو تكون لك} أي أنت وحدك {جنة من نخيل و} أشجار {عنب} عبر عنه بالثمرة لأن الانتفاع منه بغيرها قليل {فتفجر} أي بعظمة زائدة {الأنهار} الجارية {خلالها تفجيراً *} وهو تشقيق عما يجري من ماء أو ضياء أو نحوهما؛ فالفجر: شق الظلام من عمود الصبح، والفجور: شق جلباب الحياء بما يخرج إلى الفساد {أو تسقط السماء} أي نفسها {كما زعمت} فيما تتوعدنا به {علينا كسفاً} أي قطعاً جمع كسفه وهي القطعة، ويجوز أن يكون المراد بذلك الحاصب الآتي من جهة العلو وغيره مما توعدوا به في نحو قوله { أية : أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم} تفسير : [ الأنعام: 65] وتسمية ذلك سماء كتسمية المطر بل والنبات سماء: شعر : إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا تفسير : {أو تأتي} معك {بالله} أي الملك الأعظم {والملائكة قبيلاً *} أي إتياناً عياناً ومقابلة ينظر إليه لا يخفى على أحد منا شيء منه، وكان أصله الاجتماع الذي يلزم منه المواجهة بالإقبال من قبائل الرأس الجامعة {أو يكون لك} أي خاصاً بك {بيت من زخرف} أي ذهب كامل الحسن والزينة {أو ترقى} أي تصعد {في السماء} درجة درجة ونحن ننظر إليك صاعداً {ولن نؤمن} أي نصدق مذعنين {لرقيك} أي أصلاً {حتى تنزل} وحققوا معنى كونه {من السماء} بقولهم: {علينا كتاباً} ومعنى كونه، { في رق} أو نحو قولهم: {نقرؤه} يأمرنا فيه باتباعك. فلما تم تعنتهم فكان لسان الحال طالباً من الله تعالى الجواب عنه، أمره الله تعالى بجوابهم بقوله: {قل سبحان ربي} أي تنزه عن أن يكون له شريك في ملكه يطلب منه ما لا يطلب إلا من الإله، فهو تنزيه لله وتعجيب منه لوضوح عنادهم بطلبهم ما لا قدرة عليه إلا للإله ممن لا قدرة له على شيء منه إلا بإذن الله، ولم يدّع قط أنه قادر على شيء منه، فحسن الاستفهام جداً في قوله تعالى: {هل كنت إلا بشراً} لا يقدر على غير ما يقدر عليه البشر {رسولاً *} كما كان من قبلي من الرسل، لا أتعدى ما أمرت به من التبليغ، فلا آتي بشيء إلا بإذن الله، ولم أقل: إني إله، حتى يطلب مني ما يطلب من الإله ورتبوا أنفسهم هذا الترتيب لأنهم حصروا حاله في دعوى أن يكون عظيماً بالرسالة أو غيرها ليتبعه الناس، فإن كان الأول كان مقبول القول عند مرسله، وحينئذ فإما أن يسأله في نفع عام بالينبوع، أو خاص به بالجنة إن بخل بالعام، أو ضر بالكشف أو يسأله في الإتيان مع جنده لأن يصدقه، وإن كانت عظمته بغير ذلك فإما أن يكون ملكاً ليكون له البيت المذكور بما جرت العادة أن يكون تابعاً له، أو يكون ممن يجتمع بالملك الذي أرسله فيرقى على ما قالوا.

السيوطي

تفسير : أخرج الحكيم الترمذي عن ابن عباس قال‏:‏ حديث : لما قدم وفد اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ ‏"‏أبيت اللعن‏:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ سبحان الله‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏‏!‏ إنما يقال هذا للملك ولست ملكا‏ً.‏‏.‏‏.‏أنا محمد بن عبد الله‏.‏ فقالوا‏:‏ إنا لا ندعوك باسمك‏.‏ قال‏:‏ فأنا أبو القاسم‏.‏ فقالوا‏:‏ يا أبا القاسم، انا قد خبأنا لك خبيئاً‏.‏ فقال‏:‏ سبحان الله‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ إنما يفعل هذا بالكاهن، والكاهن والمتكهن والكهانة في النار‏.‏ فقال له أحدهم‏:‏ فمن يشهد لك أنك رسول الله‏؟‏ فضرب بيده إلى حفنة حصا فأخذها فقال‏:‏ هذا يشهد أني رسول الله فسبّحْنَ في يده فقلن‏:‏ نشهد أنك رسول الله‏.‏ فقالوا له‏:‏ أسمعنا بعض ما أنزل عليك‏.‏ فقرأ {‏والصافات صفا‏ً} حتى انتهى إلى قوله‏: {فأتبعه شهاب ثاقب} [‏الصافات: 1 - 10‏]‏ فإنه لساكن ما ينبض منه عرق، وإن دموعه لتسبقه إلى لحيته، فقالوا له‏:‏ إنا نراك تبكي‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ أمن خوف الذي بعثك تبكي‏!‏‏؟‏ قال‏:‏ بل من خوف الذي بعثني أبكي، إنه بعثني على طريق مثل حد السيف، إن زغت عنه هلكت‏.‏ ثم قرأ ‏{‏ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلاً‏}‏‏ . تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن مسعود قال‏:‏ إن هذا القرآن سيرفع‏.‏ قيل‏:‏ كيف يرفع وقد أثبته الله في قلوبنا وأثبتناه في المصاحف‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏‏؟‏ قال‏:‏ يسرى عليه في ليلة واحدة فلا يترك منه آية في قلب ولا مصحف إلا رفعت، فتصبحون وليس فيكم منه شيء‏.‏ ثم قرأ ‏ {‏ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك‏}‏‏. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ ليسريَنَّ على القرآن في ليلة فلا يترك آية في مصحف أحد إلا رفعت‏. وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ يسرى على القرآن ليلاً فيذهب به من أجواف الرجال، فلا يبقى في الأرض منه شيء‏. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ اقرؤوا القرآن قبل أن يرفع، فإنه لا تقوم الساعة حتى يرفع‏.‏ قالوا‏:‏ هذه المصاحف ترفع، فكيف بما في صدور الناس.‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏‏؟‏ قال‏:‏ يعدى عليه ليلاً فيرفع من صدورهم، فيصبحون فيقولون‏:‏ لكأنا كنا نعلم شيئاً، ثم يقعون في الشعر‏. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي، عن حذيفة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏يُدرس الإسلام كما يدرس وشْيُ الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا صدقة ولا نسك‏.‏ ويسرى على كتاب الله في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية ويبقى الشيخ الكبير والعجوز يقولون‏:‏ أدركنا آبائنا على هذه الكلمة ‏لا إله إلا الله‏ فنحن نقولها ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الخطيب في تاريخه، عن حذيفة رضي الله عنه قال‏:‏ يوشك أن يدرس الإسلام كما يدرس وَشْي الثوب، ويقرأ الناس القرآن لا يجدون له حلاوة، فيبيتون ليلة فيصبحون وقد أسري بالقرآن وما قبله من كتاب، حتى ينتزع من قلب شيخ كبير وعجوز كبير، فلا يعرفون وقت صلاة ولا صيام ولا نسك‏.‏‏.‏.‏.‏ حتى يقول القائل منهم‏:‏ إنا سمعنا الناس يقولون‏:‏ لا إله إلا الله، فنحن نقول لا إله إلا الله‏. وأخرج ابن أبي داود وابن أبي حاتم، عن شمر بن عطية رضي الله عنه قال‏:‏ يسرى على القران في ليلة فيقوم المتهجدون في ساعاتهم فلا يقدرون على شيء، فيفزعون إلى مصاحفهم فلا يقدرون عليها، فيخرج بعضهم إلى بعض فيلتقون فيخبر بعضهم بعضاً بما قد لقوا. وأخرج ابن عدي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏يأتي الناس زمان يُرْسَلُ إلى القرآن ويرفع من الأرض ‏"‏‏. تفسير : وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال‏:‏ لا تقوم الساعة حتى يرفع القرآن من حيث نزل، له دوي حول العرش كدوي النحل، يقول‏:‏ أُتْلَى ولا يُعْمَلُ بي‏. وأخرج محمد بن نصر، عن الليث بن سعد رضي الله عنه قال‏:‏ إنما يرفع القرآن حين يقبل الناس على الكتب ويكبّون عليها ويتركون القرآن‏. وأخرج الديلمي في مسند الفردوس، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال‏:‏ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏حديث : أطيعوني ما دمت بين أظهركم، فإن ذهبت فعليكم بكتاب الله‏.‏‏.‏‏.‏ أحلوا حلاله وحرّموا حرامه، فإنه سيأتي على الناس زمان يسرى على القرآن في ليلة فَيُنْسَخُ من القلوب والمصاحف‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ يسرى على كتاب الله فيرفع إلى السماء، فلا يبقى على الأرض من القرآن ولا من التوراة والإنجيل والزبور، فينزع من قلوب الرجال فيصبحون في الصلاة لا يدرون ما هم فيه‏. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والديلمي، عن حذيفة وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : يسرى على كتاب الله ليلاً فيصبح الناس ليس في الأرض ولا في جوف مسلم منه آية‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : لا تقوم الساعة حتى يرفع الذِكْرُ والقرآن ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما قالا‏:‏‏ ‏"حديث : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏: ‏يا أيها الناس، ما هذه الكتب التي بلغني أنكم تكتبونها مع كتاب الله‏؟‏ يوشك أن يغضب الله لكتابه فَيُسْرَى عليه ليلاً لا يترك في قلب ولا ورق منه حرفاً إلا ذهب به‏. فقيل‏:‏ يا رسول الله، فكيف بالمؤمنين والمؤمنات‏؟‏ قال‏: من أراد الله به خيراً أبقى في قلبه لا إله إلا الله‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم من طريق القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه عن جده قال‏:‏ يسرى على القرآن في جوف الليل، يجيء جبريل عليه السلام فيذهب به، ثم قرأ‏ {‏ولئن شئنا لنذهبن ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.

ابو السعود

تفسير : {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} من القرآن الذي هو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين ومنبَعٌ للعلوم التي أوتيتَها وثبتّناك عليه حين كادوا يفتنونك عنه ولولاه لكدتَ تركن إليهم شيئاً قليلاً، وإنما عبّر عنه بالموصول تفخيماً لشأنه ووصفاً له لما بما في حيز الصلة ابتداءً وإعلاماً بحاله من أول الأمرِ وبأنه ليس من قبـيل كلامِ المخلوقِ، واللامُ موطئةٌ للقسم ولنذهبن جوابُه النائبُ منابَ جزاءِ الشرطِ، وبذلك حسُنَ حذفُ مفعولِ المشيئةِ، والمرادُ من الذهاب به المحوُ من المصاحف والصدورِ وهو أبلغُ من الإذهاب. عن ابن مسعود رضي الله عنه: « حديث : أن أولَ ما تفقِدون من دينكم الأمانةُ وآخرَ ما تفقِدون الصلاةُ وليُصَلّين قومٌ ولا دينَ لهم، وأن هذا القرآنَ تُصبحون يوماً وما فيكم منه شيءٌ، فقال رجلٌ: كيف ذلك وقد أثبتناه في قلوبنا وأثبتْناه في مصاحفنا نعلّمه أبناءَنا ويعلمه أبناؤُنا أبناءَهم؟ فقال: يسرى عليه ليلاً فيصبح الناسُ منه فقراءَ تُرفع المصاحفُ وينزَعُ ما في القلوب » تفسير : {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ} أي بالقرآن {عَلَيْنَا وَكِيلاً} من يتوكل علينا استردادَه مسطوراً محفوظاً. {إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ} فإنها إن نالتْك لعلها تستردّه عليك، ويجوز أن يكون الاستثناءُ منقطِعاً بمعنى ولكنْ رحمةٌ من ربك تركَتْه غيرَ مذهوبٍ به، فيكون امتناناً بإبقائه بعد المنة بتنزيله وترغيباً في المحافظه على أداء حقوقِه وتحذيراً من أن لا يُقدرَ قدرُه الجليلُ ويفرَّط في القيام بشكره وهو أجلُّ النعم وأعظمُها {إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا} كإرسالك وإنزالِ الكتابِ عليك وإبقائِه في حفظك وغير ذلك. {قُلْ} للذين لا يعرِفون جلالةَ قدرِ التنزيل ولا يفهمون فخامةَ شأنه الجليل، بل يزعُمون أنه من كلام البشر {لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ} أي اتفقوا {عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ} المنعوتِ بما لا تدركه العقولُ من النعوت الجليلةِ في البلاغة وحسنِ النظم وكمالِ المعنى. وتخصيصُ الثقلين بالذكر لأن المنكِرَ لكونه من عند الله تعالى منهما لا من غيرهما لا لأن غيرَهما قادرٌ على المعارضة {لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} أوثر الإظهارُ على إيراد الضميرِ الراجع إلى المِثْل المذكورِ احترازاً عن أن يُتوَّهم أن له مِثْلاً معيناً وإيذاناً بأن المرادَ نفيُ الإتيانِ بمثْلٍ ما، أي لا يأتون بكلام مماثلٍ له فيما ذكر من الصفات البديعةِ وفيهم العربُ العاربة أربابُ البراعةِ والبـيانِ، وهو جوابٌ للقسم الذي ينبىء عنه اللامُ الموطئةُ وسادٌّ مسدَّ جزاءِ الشرطِ ولولاها لكان جواباً له بغير جزمٍ لكون الشرط ماضياً كما في قول زهير: [البسيط] شعر : وإنْ أتاه خليلٌ يومَ مسألة يقول لا غائبٌ مالي ولا حرِمُ تفسير : وحيث كان المرادُ بالاجتماع على الإتيان بمثل القرآنِ مطلقَ الاتفاقِ على ذلك سواءٌ كان التصدِّي للمعارضة من كل واحدٍ منهم على الانفراد، أو من المجموع بأن يتألّبوا على تلفيق كلامٍ واحد بتلاحق الأفكارِ وتعاضُدِ الأنظار قيل: {وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} أي في تحقيق ما يتوخَّوْنه من الإتيان بمثله وهو عطفٌ على مقدّر، أي لا يأتون بمثله لو لم يكن بعضُهم ظهيراً لبعض ولو كان الخ، وقد حُذف المعطوفُ عليه حذفاً مطّرداً لدِلالة المعطوفِ عليه دِلالةً واضحةً فإن الإتيانَ بمثله انتفى عند التظاهرِ فلأَنْ ينتفيَ عند عدِمه أولىٰ، وعلى هذه النكتةِ يدور ما في إن ولو الوصليتين من التأكيد كما مر غيرَ مرة، ومحلُّه النصبُ على الحالية حسبما عُطف عليه، أي لا يأتون بمثله على كل حال مفروضٍ ولو في هذه الحال المنافيةِ لعدم الإتيانِ به فضلاً عن غيرها وفيه حسمٌ لأطماعهم الفارغةِ في رَوْم تبديل بعض آياتِه ببعض، ولا مساغَ لكون الآية تقريراً لما قبلها من قوله تعالى: {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً} [الإسراء: 86] كما قيل، لكن لا لِما قيل من أن الإتيانَ بمثله أصعبُ من استرداد عينِه، ونفيُ الشيء إنما يقرره نفيُ ما دونه لا نفيُ ما فوقه فإن أصعبـيةَ الاستردادِ بغير أمرِه تعالى من الإتيان بمثله مما لا شُبهةَ فيه بل لأن الجملةَ القسميةَ ليست مَسوقةً إلى النبـي صلى الله عليه وسلم بل إلى المكابرين من قِبَله عليه السلام.

القشيري

تفسير : سُنَّةُ الحقِّ - سبحانه - مع أحبائه وخواص عباده أن يُدِيمُ لهم افتقارهم إليه، ليكونوا في جميع الأحوال مُنْقادين لجريانِ حُكْمِه، وألا يتحركَ فيهم عِرقٌ بخلافِ اختياره، وعلى هذه الجملة خاطب حبيبَه - صلوات الله عليه - بقوله: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}: فمن كان استقلاله بالله يقدِّم مرادَ سيده - في العزل والولاية - على مراد نفسه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولئن شئنا لنذهبن بالذى اوحينا اليك} اللام الاولى موطئة للقسم المحذوف والثانية لام الجواب وهذا الجواب ساد مسد جوابى القسم والشرط والمعنى والله ان شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من المصاحف والصدور فلم نترك منه اثر او بقيت كما كنت لا تدرى ما الكتاب وهذا الكلام وارد على سبيل الفرض والمحال يصح فرضه لغرض فكيف ما ليس بمحال {ثم لا تجد لك به} بالقرآن اى بعد ذهابه كما قال الكاشفى {بس ثيابى تو براى خود بآن يعنى نيابى بعد ازبردن آن] {علينا وكيلا} [وكيلى كه آنرا استرداد برماكند وبسينها ومصحفها باز آرد] وعلينا متعلق بوكيلا.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: قال ابن جزي: هذه الآية متصلة المعنى بقوله: {وما أُوتيتم من العلم إلا قليلاً} أي: في قدرتنا أن نذهب بالذي أوحينا إليك، فلا يبقى عندكم شيء من العلم. هـ. {إلا رحمة}: يحتمل أن يكون متصلاً، أي: لا تجد من يتوكل برده إلا رحمة ربك. أو منقطعًا، أي: لو شئنا لذهبنا بالقرآن، لكن رحمة من ربك تمسكه من الذهاب، و {لا يأتون}: جواب القسم؛ الدال عليه اللام الموطئة، وسد مسد جواب الشرط. ولولا اللام لكان جوابًا للشرط، ولم يُجزَمْ؛ لكون الشرط ماضيًا، كقول زهير: شعر : فإن أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسألَةٍ يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَا لي وَلاَ حَرَمُ تفسير : و {إلا كفورًا}: استثناء مفرغ منصوب بأَبَى؛ لأنه في معنى النفي، أي: ما رضي أكثرهم إلا الكفر به. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولئنْ شئنا لنَذْهَبَنَّ بالذي أوْحَينا إِليك} أي: بالقرآن الذي هو منبع العلوم التي أُوتيتموها، ومقتبس الأنوار، فلا يبقى عندكم من العلم إلا قليلاً. والمراد بالإذهاب: المحو من المصاحف والصدور. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: (أول ما تفقدون من دينكم: الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، وليصلين قوم ولا دين لهم. وإن هذا القرآن تصبحون يومًا وما فيكم منه شيء. فقال رجل: كيف ذلك، وقد أثبتناه في قلوبنا، ودونّاه في مصاحفنا، وعلمناه أبناءنا، وأبناؤنا يعلمه أبناءهم؟! فقال: يسري عليه، ليلاً، فيُصبح الناس منه فقراء، ترفع المصاحف، وينزع ما في القلوب). {ثم} إن رفعناه {لا تجدُ لك به} أي: القرآن {علينا وكيلاً} أي: من يتوكل علينا استرداده مسطورًا محفوظًا، {إلا رحمةً من ربك}؛ فإنها إن تأتك لعلها تسترده، أو: لكن رحمة من ربك أمسكته؛ فلم يذهب. {إِنَّ فضله كان عليك كبيرًا}، كإرْسالك للناس كافة, وإنزال الكتاب عليك، وإنعامه في حفظك، وغير ذلك مما لا يحصى. ثم نوّه بقدر الكتاب الذي أنزله فقال: {قل لئن اجتمعت الإِنسُ والجِنُّ}، واتفقوا {على أن يأتوا بمثْلِ هذا القرآنِ} المنعوت بما لا تدركه العقول من النعوت الجليلة في البلاغة، وحسن النظم، وكمال المعنى، {لا يأتون بِمثله} أبدًا؛ لما تضمنه من العلوم الإلهية، والبراهين الواضحة، والمعاني العجيبة، التي لم يكن لأحد بها علم، ثم جاءت فيه على الكمال، ولذلك عجزوا عن معارضته. وقال أكثر الناس: إنما عجزوا عنه؛ لفصاحته، وبراعته، وحسن نظمه. ووجوه إعجازه كثيرة. وإنما خص الثقلين بالذكر، لأن المنكر كونه من عند الله منهما، لا لأنَّ غيرهما قادر على المعارضة. وإنما أظهر في محل الإضمار، ولم يقل: لا يأتون به؛ لئلا يتوهم أن له مثلاً معينًا، وإيذانًا بأن المراد نفي الإتيان بمثَلٍ مَّا، أي: لا يأتون بكلام مماثل له فيما ذكر من الصفات البديعة، وفيهم العرب العاربة، أرباب البراعة والبيان. فلا يقدرون على الإتيان بمثله {ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظهيرًا} أي: ولو تظاهروا وتعاونوا على الإتيان بمثله ما قدروا. وهو عطف على مقدر، أي: لا يأتون بمثله لو لم يكن بعضهم ظهيرًا لبعض، ولو كان... الخ. ومحله النصب على الحالية، أي: لا يأتون بمثله على كل حال مفروض، ولو على هذه الحالة. ثم قال تعالى: {ولقد صَرَّفنا} أي: كررنا ورددنا على أنحاء مختلفة، توجب زيادة تقرير وبيان، ووكادة رسوخ واطمئنان، {للناس في هذا القرآن} المنعوت بما ذكر من النعوت الفاضلة، {من كل مَثَلٍ}؛ من كل معنى بديع، هو، في الحسن والغرابة واستجلاب الأنفس، كالمثل؛ ليتلقوه بالقبول، أو بيَّنَّا لهم كل شيء محتاجون إليه من العلوم النافعة، والبراهين القاطعة، والحجج الواضحة. وهذا يدل على أن إعجاز القرآن هو بما فيه من المعاني والعلوم، {فَأَبَى أكثرُ الناس إِلا كُفورًا}؛ إلا جحودًا وامتناعًا من قبوله. وفيه من المبالغة ما ليس في نفي مطلق الإيمان؛ لأن فيه دلالة على أنهم لم يرضوا بخصلة سوى الكفور والجحود، وأنهم بالغوا في عدم الرضا حتى بلغوا مرتبة الإباء. وبالله التوفيق. الإشارة: كما وقع التخويف بإذهاب خصوصية النبوة والرسالة، يقع التخويف بإذهاب خصوصية الولاية والمعرفة العيانية، فإن القلوب بيد الله، يُقلبها كيف يشاء. والخصوصية أمانة مودعة في القلوب، فإذا شاء رفعها رفَعها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره. وما زالت الأكابر يخافون من السلب بعد العطاء، ويشدون أيديهم على الأدب؛ لأن سوء الأدب هو سبب رفع الخصوصية، والعياذ بالله. قال القشيري: سُنَّةُ الحقِّ مع خيار خواصه؛ أن يُدِيم هم شهود افتقارهم إليه؛ ليكونوا في جميع الأحوال مُنْقادين بجريانِ حُكْمِه، ثم قال: والمرادُ والمقصودُ: إدامة تَفَرُّدِ سِرِّ حبيبه به، دونَ غيره. هـ. وأما سلب الأولياء بعضهم لبعض فلا يكون في خصوصية المعرفة بعد التمكين، إذ لا مانع لما أعطى الكريم، وإنما يكون في خصوصية التصريف وسر الأسماء، إذا كان أحدهما متمكنًا فيه، وقابل من لم يتمكن، قد ينجذب إلى القوى بإذن الله، وقد يُزال منه إذا طغى به. والله تعالى أعلم. ثمَّ أظهر الحق تعالى جمودهم وعتوهم

الجنابذي

تفسير : {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} اى بالقرآن او بالاحكام النّبويّة او بالرّوح الّتى اوحيناها اليك او بالعلم الّذى آتيناك {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ} بالّذى اوحينا او بالاذهاب {عَلَيْنَا وَكِيلاً} تكل اليه امرك فيتسلّط علينا ويستردّ ما ذهبنا به.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} أي: القرآن، حتى لا يبقى منه شيء {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً} أي: وليّاً يمنعك من ذلك. {إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} فيها إضمار. يقول: وإنما أنزلناه عليك رحمة من ربك {إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا} يقول: أعطاك النبوة وأنزل عليك القرآن. ذكروا عن عبد الله بن مسعود قال: ليُسْرَيَنَّ على القرآن ليلة فلا تبقى منه آية في قلب رجل ولا في مصحف إلا رفعت. قوله: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْءانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}. أي: عوينا. قوله: { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} أي: ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل. { فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} أي: لن نصدقك { حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً} أي: عيوناً ببلدنا هذا. { أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلاَلَهَا} أي: خلال تلك الجنة. { تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً} أي: قطعاً. وقال في آية أخرى: (أية : إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ السَّمَاءِ) تفسير : [سبأ:9]. وقال: {وَإِن يَرَوْا كِسْفاً} والكسف القطعة (أية : مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ)تفسير : [الطور:44]. وقال الكلبي: في قوله: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً} قال: بلغنا ـ والله أعلم ـ أن عبد الله بن أبي أمية المخزومي هو الذي قال ذلك حين اجتمع الرهط من قريش بفناء الكعبة، فسألوا نبي الله أن يبعث لهم بعض موتاهم، أو يسخر لهم الريح، أو يسير لهم جبال مكة فلم يفعل شيئاً مما أرادوا، فقال عبد الله بن أبي أمية عند ذلك: ما تستطيع يا محمد أن تفعل لقومك بعض ما سألوك، فوالذي يحلف به عبد الله بن أبي أمية لا أؤمن لك، أي لا أصدقك، {حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً}، أي: عيوناً {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ}... إلى قوله {كِسَفاً}، أي: قطعاً. { أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً} أي: عياناً، نعاينهم معاينة. وقال مجاهد: {قَبِيلاً} أي: على حدتها، أي: على قبيلة. وقال في آية أخرى: (أية : أَوْ جَاءَ مَعَهُ المَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ) تفسير : [الزخرف:53].

اطفيش

تفسير : {وَلَئِن شِئْنَا} اللام الموطئة للقسم الممهدة له الجواب المؤذنة بتقديره قبل إن الشرطية التى بعدها فقوله: {لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِى أوْحَيْنَا إِلَيْكَ} جواب للقسم مغن عن جواب الشرط وقيل يقدر للشرط جواب والذى أوحينا إِليك هو القرآن والذهاب به محوه من القلوب ومما كتب فيه فتبقون كما كنتم قبل إيحائه لا تدرون ما الكتاب، وسيكون ذلك فى آخر الزمان. روى عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: أن أول ما تفقدون من دينكم الأَمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، و ليصلين قوم ولا دين لهم، وأن هذا القرآن تصبحون يوماً وما فيكم منه شئ، فقال رجل: كيف ذلك وقد أثبتناه فى قلوبنا وأثبتناه فى مصاحفنا فعلمناه أبناءنا وعلمه أبناؤنا أبناءهم، فقال: يسرى عليه فيصبح الناس منه فقراء برفع المصاحف، وينزع ما فى القلوب. وفى رواية عنه يسرى من كلامه ليسرين على القرآن ليلة فلا تبقى منه آية فى قلب ولا فى مصحف إلا رفعت، وقال أيضاً اقرأوا القرآن قبل أن يرفع فإِنه لا تقوم الساعة حتى ترفع هذه المصاحف، فقيل: فكيف بما فى القلوب. قال: يسرى عليه ليلا فيصبحون ما يحفظون شيئاً ولا يجدون فى المصاحف شيئاً ثم يفيضون فى الشعر. وعن عبد الله بن عمر وابن العاص لا تقوم الساعة حتى يرفع القرآن من حيث نزل، له دوى حول العرش كدوى النحل، فيقول الرب مالك. فيقول: يا رب أتلى ولا يعمل بى. قال الداودى: ما نقل عن ابن مسعود لا يصح، يعنى وكذا ما ورى عن عبد الله بن عمر وابن العاص وغيره فى ذلك المعنى لقوله - صلى الله عليه وسلم - حديث : لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق حتى يأْتى أمر الله وهم ظاهرونتفسير : . قال البخارى: وهم أهل العلم ولا يكون العلم مع فقد القرآن. ا. هـ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - حديث : إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ولكن يقبضه بقبض العلماءتفسير : ، وقد يجاب بأَن المراد بقوله حتى يأْتى أمر الله حتى يقرب أمر الله جدا، وقد يجاب أيضاً بأَنه تقوم الساعة على قوم ظاهرين على الحق وإِنما يرفع القرآن من قلوب غيرهم ومصاحف غيرهم، وأما قبض العلم فممكن مع بقاء قراءة القرآن وليست الآية فى إِذهابه جزماً بل قال: ولئن شئناً ولم يشأ {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لك بِه عَلَيْنَا وَكِيلاً} أى قائماً متكفلا لك علينا به، أى نرده محفوظاً مكتوباً بعد إذهابنا إياه من القلب والمصاحف.

اطفيش

تفسير : {وَلَئِنْ شِئْنَا} أى لو شئنا الذهاب بما كذبوا به {لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}، وهو القرآن، عبَّر عنه بالذى أوحيناه إليك تعظيما له، والذهاب به أبلغ من إذهابه نذهبه من الصدور، ومما كتب فيه بلا أثر محو كأنه لم يكتب كما يفعل به آخر الزمان، فنقول: لا دليل على ثبوت الكلام النفسى، ولا على أن القرآن كلام نفسى قديم، وأن هذا المتلو ترجمته، كالقرآن هذه الألفاظ الحادثة المخلوقة القابلة للإفناء. قال ابن مسعود: اقرءوا القرآن قبل ن يُرفع؛ فإنه لا تقوم الساعة حتى يرفع، قيل: هذه المصاحف ترفع، فكيف بما فى الصدور، وسارت به الذرية ما نسلت؟ قال: يسرى عليهم ليلا فيرفع ما فى الصدور، فيصبحون لا يحفظون شيئا، ولا يجدون فى المصاحف شيئا فيفيضون فى الشعر. قال عبد الله بن عمرو بن العاص: لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث نزل، له دوى كدوى النحل، فيقول الرب: مالك؟ فيقول: يا رب أُتلى ولا يُعمل بى، وفى الحديث: "أنه يدرس القرآن كما يدرس الثوب ووشيه ولا يدرى ما صوم ولا صلاة ولا صدقة يرفعه جبريل والتوراة والزبور والإنجيل من الصحف حتى لا تبقى منهن آية ولا كلمة ولا حرف ثم بمدة قريبة يرفعه من الصدور ليلا فيصبحون يقولون: كنا نقول شيئا فيرجعون إلى الشعر ويقول الشيخ والشيخة: أدركنا الناس يقولون لا إله إلا الله فنقولها الآن والمؤمن هو الذى يقولها يومئذ" فإن صح هذا ارتفع عمن يقولها التكليف بسائر الشرع. والمعروف أنه يكون الرفع غضبا لله عن المكلفين كلهم، ولكن لله أن يفعل ما شاء، ولا تقوم الساعة حتى يعدم قول: لا إله إلا الله أربعين عاما. {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً} يرده محفوظا فى قلوبكم، مسطورا حيث كان مسطورا قبل.

الالوسي

تفسير : {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} من القرآن الذي هو شفاء ورحمة للمؤمنين والذي ثبتناك عليه حين كادوا يفتنونك عنه إلى غير ذلك من أوصافه التي يشعر بها السياق، وإنما عبر عنه بالموصول تفخيماً لشأنه ووصفاً له بما في حيز الصلة ابتداء [و] إعلاماً بحاله من أول الأمر وبأنه ليس من قبيل كلام المخلوق. واللام الأولى موطئة للقسم و{لنذهبن} جوابه النائب مناب جزاء الشرط فهو مغن عن تقديره وليس جزاء لدخول اللام عليه وهو ظاهر وبذلك حسن حذف مفعول المشيئة. والمراد بالذهاب به محوه عن المصاحف والصدور وهو أبلغ من الافعال، ويراد على هذا من القرآن على ما قيل صورته من أن تكون في نقوش الكتابة أو في الصور التي في القوة الحافظة {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ} أي القرآن {عَلَيْنَا وَكِيلاً} أي متعهداً وملتزماً استرداده بعد الذهاب به كما يلتزم الوكيل ذلك فيما يتوكل عليه حال كونه متوقعاً أن يكون محفوظاً في السطور والصدور كما كان قبل فالوكيل مجاز عما ذكر.

ابن عاشور

تفسير : هذا متصل بقوله: {أية : وننزل من القرآن ما هو شفاء}تفسير : [الإسراء: 82] الآية أفضت إليه المناسبة فإنه لما تضمن قوله:{أية : قل الروح من أمر ربي}تفسير : [الإسراء: 85] تلقينَ كلمة علم جامعة، وتضمن أن الأمة أوتيت علماً ومُنعت علماً، وأن علم النبوءة من أعظم ما أوتيته، أعقب ذلك بالتنبيه إلى الشكر على نعمة العلم دفعاً لغرور النفس، لأن العلم بالأشياء يكسبها إعجاباً بتميزها عمن دونها فيه، فأوقظت إلى أن الذي منح العلم قادر على سلبه، وخوطب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم لأن علمه أعظم علم، فإذا كان وجود علمه خاضعاً لمشيئة الله فما الظن بعلم غيره، تعريضاً لبقية العلماء. فالكلام صريحُه تحذير، وهو كناية عن الامتنان كما دل عليه قوله بعده إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيراً وتعريض بتحذير أهل العلم. واللام موطئة للقسم المحذوف قبل الشرط. وجملة {لنذهبن بالذي أوحينا إليك} جواب القسم. وهو دليل جواب الشرط ومغن عنه. و{لنذهبن بالذي أوحينا} بمعنى لنذهبنه، أي عنك، وهو أبلغ من (نُذهبه) كما تقدم في قوله: {أية : الذي أسرى بعبده}تفسير : [الإسراء: 1]. وما صدق الموصول القرآن. و (ثم) للترتيب الرتبي، لأن نفي الطمع في استرجاع المسلوب أشد على النفس من سلبه. فذكره أدخل في التنبيه على الشكر والتحذير من الغرور. والوكيل: من يوكل إليه المهم. والمراد به هنا المدافع عنك والشفيع لك. ولما فيه من معنى الغلبة عدي ب (على). ولما فيه من معنى التعهد والمطالبة عدي إلى المردود بالباء، أي متعهداً بالذي أوحينا إليك. ومعنى التعهد: به التعهد باسترجاعه، لأنه في مقابلة قوله: {لنذهبن بالذي أوحينا إليك}، ولأن التعهد لا يكون بذات شيء بل بحال من أحواله فجرى، الكلام على الإيجاز. وذكر هنا {وكيلاً} وفي الآية قبلها {نصيراً} لأن معنى هذه على فرض سلب نعمة الاصطفاء، فالمطالبة بإرجاع النعمة شفاعة ووكالة عنه، وأما الآية قبلها فهي في فرض إلحاق عقوبة به، فمدافعة تلك العقوبة أو الثأر بها نصر. والاستثناء في قوله: {إلا رحمة من ربك} منقطع فحرف الاستثناء فيه بمعنى الاستدراك. وهو استدراك على ما اقتضاه فعل الشرط من توقع ذلك، أي لكن رحمة من ربك نفت مشيئة الذهاب بالذي أوحينا إليك فهو باققٍ غير مذهوب به. وهذا إيماء إلى بقاء القرآن وحفظه، قال تعالى: {أية : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}تفسير : [الحجر: 9]. وموقع {إن فضله كان عليك كبيراً} موقع التعليل للاستثناء المنقطع، أي لكن رحمة من ربك منعت تعلق المشيئة بإذهاب الذي أوحينا إليك، لأن فضله كان عليك كبيراً فلا يحرمك فضل الذي أوحاه إليك. وزيادة فعل (كان) لتوكيد الجملة زيادة على توكيدها بحرف التوكيد المستعمل في معنى التعليل والتفريع.

القطان

تفسير : الظهير: المعين. طرَّفنا: كررنا القول ورددناه بوجوه مختلفة. الكفور: الجحود. ولو أردنا ان نمحو من صدرك القرآن الذي اوحينا اليك، لفعلنا، ثم لا تجد من ينصرك، ولكن أبقيناه منا لأن فضل ربك في هذه المعجزة كان عليك عظيما. قل لهم ايها النبي متحديا ان يأتوا بمثله، لئن اجتمعت الإنس والجن وتعاونوا على ان يأتوا بمثل هذا القرآن، لا يستطيعون، ولو كانوا متعاونين. ولقد نوعنا مناهج البيان بوجوه مختلفة للناس في هذا القرآن، فآبى اكثر الناس الا الجحود والانكار، والاعراض عن الحق.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَلَئِن} (86) - لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَمْ يُؤْتِ النَّاسَ إِلاَّ قَلِيلاً مِنَ العِلْمِ، بَيَّنَ هُنَا أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يَذْهَبَ بِهذا القَلِيلِ مِنَ العِلْمِ، وَيَأْخُذَهُ مِنْهُمْ لَفَعَلَ، لَوْ شَاءَ أَنْ يَمْحُوَ القُرْآنَ مِنَ الصُّدُورِ وَالمَصَاحِفِ، وَأَنْ لاَ يَتْرُكَ لَهُ أَثَراً لَفَعَلَ، حَتَّى يَعُودَ النَّبِيُّ لاَ يَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلاَ الإيمَانُ. وَإِذَا فَعَلَ اللهُ ذَلِكَ فَإِنَّ النَّبِيَّ لَنْ يَجِدَ لَهُ نَاصِراً يَسْتَطِيعُ نَصْرَهُ، فَيَحُولُ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ فِعْلِ مَا يُرِيدُ. وَكِيلاً - مَنْ يَتَعَهَّدُ بِإِعَادَتِهِ إِلَيْكَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه في هذه الآية يريد أنْ يُربِّي الكفار ويُؤنّبهم، ويريد أن يُبَرّئ ساحة رسوله صلى الله عليه وسلم ويتحمل عنه المسئولية، فهو مجرد مُبلّغ عن الله، وإياكم أن تقولوا عنه مُفْترٍ، أو أتى بشيء من عنده، بدليل أنني لو شِئْتُ لسلبتُ ما أوحيتُه إليه وقرأه عليكم وسمعتموه أنتم وكتبه الصحابة. فإنْ سأل متسائل: وكيف يذهب الله بوحي مُنزِّل على رسوله، وحفظه وكتبه الصحابة، وسمعه الكفار؟ نقول: أولاً: سياق الآية يدلُّنا على أن هذه العملية لم تحدث؛ لأن الحق سبحانه يقول: {وَلَئِن شِئْنَا ..} [الإسراء: 86] بمعنى: لو شِئْنا فعلنا ذلك، فالفعل لم يحدث، والمراد بيان إمكانية ذلك ليُبَرِّئ موقف رسول الله، وأنه ليس له من الأمر شيء. والغريب أن يفهم البعض من قوله تعالى: {أية : لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ ..}تفسير : [آل عمران: 128] أنها ضد رسول الله، وقَدْح في شخصه، وليس الأمر كذلك؛ لأنه ربه تبارك وتعالى يريد أنْ يتحمّل عنه ما يمكن أن يُفسِد العلاقة بينه وبين قومه، وكأنه يقول لهم: لا تغضبوا من محمد فالأمر عندي أنا، وشبَّهنا هذا الموقف بالخادم الذي فعل شيئاً، فيأتي سيده ليدافع عنه، فيقول: أنا الذي أمرته. ثانياً: لماذا نستبعد في قدرة الخالق سبحانه أن يسلب مِنَّا ما أوحاه لرسوله وحفظناه وكتبناه، ونحن نرى فاقد الذاكرة مثلاً لا يكاد يذكر شيئاً من حياته، فإذا ما أرادوا إعادة ذاكرته يقومون بإجراء عملية جراحية مثلاً، فما أشبه هذه بتلك. ونلاحظ في الآية جملة شرطية، أداة الشرط فيها "إنْ"، وهي تستخدم للأمر المشكوك في حدوثه، على خلاف "إذا" فتأتي للأمر المحقق. ثم يُوضِّح لنا الحق سبحانه أنه إنْ ذهب بما أوحاه لرسوله، فلن يستطيع أحد إعادته {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً} [الإسراء: 86]. ثم يقول الحق سبحانه: {إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أن القرآن والوحي الذي أوحاه إلى رسوله، رحمة منه عليه وعلى عباده، وهو أكبر النعم على الإطلاق على رسوله، فإن فضل الله عليه كبير، لا يقادر قدره. فالذي تفضل به عليك، قادر على أن يذهب به، ثم لا تجد رادًا يرده، ولا وكيلا بتوجه عند الله فيه. فلتغتبط به، وتقر به عينك، ولا يحزنك تكذيب المكذبين، واستهزاء الضالين، فإنهم عرضت عليهم أجل النعم، فردوها لهوانهم على الله وخذلانه لهم.