Verse. 2122 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

اَوْ يَكُوْنَ لَكَ بَيْتٌ مِّنْ زُخْرُفٍ اَوْ تَرْقٰى فِي السَّمَاۗءِ۝۰ۭ وَلَنْ نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّٰى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتٰبًا نَّقْرَؤُہٗ۝۰ۭ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّيْ ہَلْ كُنْتُ اِلَّا بَشَرًا رَّسُوْلًا۝۹۳ۧ
Aw yakoona laka baytun min zukhrufin aw tarqa fee alssamai walan numina liruqiyyika hatta tunazzila AAalayna kitaban naqraohu qul subhana rabbee hal kuntu illa basharan rasoolan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أو يكون لك بيت من زخرف» ذهب «أو ترقى» تصعد «في السماء» بسُلَّم «ولن نؤمن لرقيك» لو رقيت فيها «حتى تنزل علينا» منها «كتابا» فيه تصديقك «نقرؤه قل» لهم «سبحان ربي» تعجب «هل» ما «كنت إلا بشرا رسولاً» كسائر الرسل ولم يكونوا يأتون بآية إلا بإذن الله.

93

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مّن زُخْرُفٍ } ذهب {أَوْ تَرْقَىٰ } تصعد {فِى ٱلسَّمَاء } على السُّلَم {وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ } لو رقيت فيها {حَتَّى تُنَزّلَ عَلَيْنَا } منها {كِتَٰباً } فيه تصديقك {نَّقْرَؤُهُ قُلْ } لهم {سُبْحَٰنَ رَبّى } تعجب {هَل } ما {كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً } كسائر الرسل ولم يكونوا يأتون بآية إلا بإذن الله؟.

ابن عطية

تفسير : قال المفسرون: "الزخرف" الذهب في هذا الموضع، والزخرف ما تزين به، كان بذهب أو غيره، ومنه {أية : حتى إذا أخذت الأرض زخرفها} تفسير : [يونس: 24] وفي قراءة عبد الله بن مسعود "أو يكون لك بيت من ذهب"، قال مجاهد ما كنا نعرف الزخرف حتى قرأنا في حرف عبد الله "من ذهب"، وقوله {من السماء} يريد في الهواء علواً، والعرب تسمي الهواء علواً سماء لأنه في حيز السمو. ويحتمل أن يريدوا السماء المعروفة، وهو أظهر لأنه أعلمهم أن إله الخلق فيها وأنه تأتيه خبرها، و {ترقى} معناه تصعد، والرقي الصعود، ويروى أن قائل هذه المقالة هو عبد الله بن أبي أمية، فإنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا لا أؤمن لك حتى تأتي بكتاب أراك هابطاً به فيه من الله عز وجل إلى عبد الله بن أبي أمية، وروي أن جماعتهم طلبت هذا النحو منه، فأمره الله عز وجل أن يقول {سبحان ربي} أي تنزيهاً له من الإتيان مع الملائكة قبيلاً، ومن أن يخاطبكم بكتاب كما أردتم، ومن أن اقترح أن عليه هذه الأشياء، وهل أنا إلا بشر منكم، أرسلت إليكم بالشريعة، فإنما علي التبليغ فقط، وقرأ ابن كثير وابن عامر "قال سبحان ربي" على معنى الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سبح عند قولهم، وقوله تعالى: {وما منع الناس أن يؤمنوا} هذه الآية على معنى التوبيخ والتلهف من النبي عليه السلام والبشر، كأنه يقول متعجباً منهم ما شاء الله كان، ما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا هذه العلة النزرة والاستبعاد الذي لا يستند إلى حجة، وبعثة البشر رسلاً غير بدع ولا غريب، فيها يقع الإفهام والتمكن من النظر كما {لو كان في الأرض ملائكة} يسكنونها {مطمئنين}، أي وادعين فيها مقيمين لكان الرسول إليهم من الملائكة ليقع الإفهام، وأما البشر فلو بعث إليهم ملك لنفرت طباعهم من رؤيته، ولم تحتمله أبصارهم ولا تجلدت له قلوبهم، وإنما أراد الله جري أحوالهم على معتادها.

ابن عبد السلام

تفسير : {زُخْرُفٍ} الزخرف النقوش، أو الذهب"ع"، من الزخرفة وهي تحسين الصورة. سأله ذلك عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو سفيان والأسود بن المطلب والوليد بن المغيرة وأبو جهل وعبد الله بن [أبي] أمية والعاص بن وائل وأمية بن خلف ونبيه ومُنبه ابنا الحجاج.

ابو السعود

تفسير : {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مّن زُخْرُفٍ} من ذهب وقد قرىء به وأصلُه الزينة {أَوْ تَرْقَىٰ فِى ٱلسَّمَاء} أي في معارجها فحُذف المضافُ، يقال: رقيَ في السُّلّم وفي الدرجة {وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ} أي لأجل رُقيِّك فيها وحده أو لن نصدق رقيَّك فيها {حَتَّى تُنَزّلَ} منها {عَلَيْنَا كِتَابًا} فيه تصديقُك {نقرؤه} نحن من غير أن يُتلقّى من قِبلك. عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال عبدُ اللَّه بنُ أمية: لن نؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سُلّماً ثم ترقى فيه وأنا أنظُر حتى تأتيَها وتأتَي معك بصك منشورٍ معه أربعةٌ من الملائكة يشهدون أنك كما تقول، وما كانوا يقصِدون بهاتيك الاقتراحاتِ الباطلة إلا العنادَ واللَّجاجَ ولو أنهم أُوتوا أضعافَ ما اقترحوا من الآيات ما زادهم ذلك إلا مكابرةً وإلا فقد كان يكفيهم بعضُ ما شاهدوا من المعجزات التي تخِرُّ لها صُمُّ الجبال. {قُلْ} تعجباً من شدة شكيمتِهم وتنزيهاً لساحة السُّبحات عما لا يكاد يليق بها من مثل هذه الاقتراحاتِ الشنيعة التي تكاد السمواتُ يتفطّرن منها أو عن طلبك ذلك وتنبـيهاً على بطلان ما قالوه {سُبْحَـٰنَ رَبّى} وقرىء قال: سبحان ربـي {هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا} لا ملَكاً حتى يُتصور مني الرقيُّ في السماء ونحوُه {رَسُولاً} مأموراً من قبل ربـي بتبليغ الرسالةِ من غير أن يكون لي خِيَرةٌ في الأمر كسائر الرسلِ وكانوا لا يأتون قومَهم إلا بما يظهره الله على أيديهم حسبما يلائم حالَ قومِهم ولم يكن أمرُ الآياتِ إليهم ولا لهم أن يتحكموا على الله سبحانه بشيء منها، وقولُه بشراً خبرٌ لكنت ورسولاً صفتُه. {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ} أي الذين حُكيت أباطيلُهم {أَن يُؤْمِنُواْ} مفعولٌ ثانٍ لمنع وقوله: {إِذْ جَاءهُمُ ٱلْهُدَىٰ} أي الوحيُ ظرفٌ لمنع أو يؤمنوا أي وما منعهم وقت مجيءِ الوحي المقرونِ بالمعجزاتِ المستدعيةِ للإيمان أن يؤمنوا بالقرآن وبنبوّتك أو ما منعهم أن يؤمنوا بذلك وقت مجيءِ ما ذكر {إِلاَّ أَن قَالُواْ} في محل الرفعِ على أنه فاعلُ منع أي إلا قولُهم: {أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً} منكِرين أن يكون رسولُ الله تعالى من جنس البشرِ، وليس المرادُ أن هذا القولَ صدر عن بعضهم فمنع بعضاً آخرَ منهم، بل المانعُ هو الاعتقادُ الشاملُ للكل المستتبعُ لهذا القول منهم، وإنما عبرّ عنه بالقول إيذاناً بأنه مجردُ قولٍ يقولونه بأفواههم من غير أن يكون له مفهومٌ ومِصْداقٌ، وحصرُ المانعِ من الإيمان فيما ذكر مع أن لهم موانعَ شتّى لِما أنه معظمُها أو لأنه هو المانعُ بحسب الحال، أعني عند سماعِ الجواب بقوله تعالى: {هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً} [الإسراء: 93] إذ هو الذي يتشبّثون به حينئذ من غير أن يخرِمَ ببالهم شبهةً أخرى من شبههم الواهيةِ، وفيه إيذانٌ بكمال عنادِهم حيث يشير إلى أن الجوابَ المذكورَ مع كونه حاسماً لموادّ شُبَهِهم ملجئاً إلى الإيمان يعكُسون الأمرَ ويجعلونه مانعاً منه.

اسماعيل حقي

تفسير : {او يكون لك بيت من زخرف} من ذهب واصله الزينة. قال الكاشفى [خانه از زركه درانجا بنشينى واز درويشى بازرهى] {او ترقى} تصعد {فى السماء} فى معارجها فحذف المضاف يقال رقى فى السلم وفى الدرجة كرضى رقيا اى صعد وعلا صعودا وعلوا {ولن نؤمن لرقيك} اى لاجل رقيك فيها وحده اى صعودك فاللام للتعليل او لن نصدق رقيك فيها فاللام صلة {حتى تنزل} منها {علينا كتابا} فيه تصديقك {نقرؤه} نحن من غير ان يتلقى من قبلك وكانوا يقصدون بمثل هذه الاقتراحات اللج والعناد ولو كان مرادهم الاسترشاد لكفاهم ما شاهدوا من المعجزات {قل} تعجبا من شدة شكيمتهم واقتراحهم وتنزيها لساحة السبحان {سبحان ربى} [باكست بروردكار من از آنكه بروى تحكم كند كسى يا شريك او شود در قدرت] {هل كنت} [آيا هستم من}{الا بشرا} لا ملكا حتى يتصور منى الترقى فى السماء ونحوه {رسولا} مأمورا من قبل ربى بتبليغ الرسالة من غير ان يكون لى خبرة فى الامر كسائر الرسل وكانوا لا يأتون قومهم الا بما يظهره الله على ايديهم حسبما يلائم حال قومهم ولم تكن الآيات اليهم ولا لهم ين يتحكموا على الله بشئ منها وقوله بشرا خبر كنت ورسولا صفته وفيه اشارة الى انهم ارباب الحس الحيوانى يطلبون الاعجاز من ظاهر المحسوسات ما لهم بصيرة يبصرون بها شواهد الحق ودلائل النوبة واعجاز عالم المعانى بالولاية الروحانية والقوة الربانية فيطلبون فيه تزكية النفوس وتصفية القلوب وتحلية الارواح وتفجير ينابيع الحكمة من ارض القلوب لينبت منها تخيل المشاهدات واعناب المكاشفات فى جنات المواصلات. فعلى السالك الصادق ان يطلب الوصول الى عالم المعنى فانه هو المطلب الاعلى ولن يصل اليه الا بقدمى العلم والعمل والرجوع الى حالة التراب بالواضع قال عيسى عليه السلام اين تنبت الحبة قالوا فى الارض فقال عيسى كذلك الحكمة لا تنبت الا فى قلب مثل الارض يشير الى التواضع ورفع الكبر والى هذا الاشارة بقول سيد البشر صلى الله عليه وسلم "حديث : ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"تفسير : والينابيع لا تكون الا فى الارض وهو موضع نبع الماء وهذا المقام انما يحصل بترك الرياسة وهو بمعرفة النفس وعبوديتها فلا يجتمع العبودية والرياسة ابدا فان واحد لا يصير سلطان ورعية معا والى هذا يشير المولى الجامى بقوله شعر : بالباس فقر بايد خلعت شاهى درست زشت باشد جامه نيمى اطلس ونيمى بلاس تفسير : فانظر فى هذه الآيات الى سوء ادب المشركين بالاقتراحات المنقولة عنهم والى كمال الادب المحمدى والفناء الاحمدى وترك الاعتراض - حكى - ان ليلى لما كسرت اناء قيس المجنون رقص ثلاثة ايام من الشوق فقيل ايها المجنون كنت تظن ان ليلى تحبك فقد كسرت اناءك فضلا عن المحبة فقال انما المجنون من لم يتفطن لهذا السر يعنى ان كسر الوعاء عبارة عن الافناء فالطالب لا يصل الى مقصوده الا بعد افناء وجوده شعر : خمير مائه هرنيك وبدتويى جامى خلاص ازهمه مى بايدت زخود بكريز تفسير : فالعاقل يسعى فى افناء الوجود واستجلاب الشهود ويجهد فى تطهير القلب من الادناس ولا يأنس بشئ سوى ذكر رب الناس. وقال الامام الغزالى رحمه الله لا يبقى مع العبد عند الموت الا ثلاث صفات صفاء القلب اعنى طهارته عن ادناس الدنيا وانسه بذكر الله تعالى وحبه لله وصفاء القلب وطهارته لا يكون الا بالمعرفة ولا تحصل المعرفة الا بدوام الذكر والفكر وهذه الصفات الثلاث هى المنجيات.

الجنابذي

تفسير : {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ} من ذهب {أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ} وحده {حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ} فيه تصديق نبوّتك وتصديق توحيد الله وكلّ تلك الاسئلة انّما كانت لعناد نفوسهم ولجاجها وكانوا يريدون بذلك ما نسبوا انكارهم اليه وكانوا مصرّين على الانكار عازمين عليه ولم يكونوا مريدين بها رفع شبهةٍ او دفع شكٍّ، ومثل ذلك لا جواب له، فان اجيب كان محض التّفضّل على السّائل كما روى انّه (ص) اجابهم عن كلّ ما قالوا ولذلك امره (ص) ان يجيبهم بترك الاجابة فى صورة العجز عن الجواب فقال {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي} من ان يتحكّم عليه او يأتى بما اقترحه الجهّال عن عنادٍ ولجاجٍ {هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} فليس لى ان آتى بمسؤلكم بنفسى او اقترح على ربّى مثل اقتراحكم علىّ، وقد نقل كيفيّة اجتماع المشركين على الاستهزاء به والاقتراح عليه بما يعجز عن الاتيان به توهيناً له وتصغيراً لشأنه؛ من اراد فليرجع الى المفصّلات من التّفاسير وغيرها.

الهواري

تفسير : {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ} والزخرف: الذهب فيما ذكروا عن ابن عباس {أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ} أي: تصعد في السماء { وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ} أي: لصعودك { حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كَتَاباً نَّقْرَؤُهُ} من الله إلى عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة أني أنا أرسلت محمداً، وتجيء بأربعة من الملائكة يشهدون أن الله هو الذي كتبه؛ ثم والله ما أدري بعد ذلك هل أؤمن لك، أي: هل أصدقك، أم لا. فقال الله لنبيه عليه السلام {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً}. وقال مجاهد: {حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ} من رب العالمين، كل رجل منا تصبح عند رأسه صحيفة موضوعة يقرأها. وقال بعضهم: {حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ} خاصة نؤمر فيه باتباعك. قال: {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ} أي: من ذهب. {أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ} أيضاً، فإن السحرة قد تفعل ذلك فتأخذ بأعين الناس. {حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ} إلى كل إنسان منا بعينه من الله إلى فلان بن فلان وفلان بن فلان أن آمن بمحمد فإنه رسولي. وأظنه تفسير الحسن: قال: وهو كقوله: (أية : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُّؤتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً) تفسير : [المدثر:52] يعني كتاباً من الله. {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} أي: هل كانت الرسل قبلي تأتي بهذا فيما مضى، أي: تأتي بكتاب من الله إلى كل إنسان بعينه. كلا: لأنتم أهون على الله من أن يفعل بكم هذا. فقالوا: لن نؤمن لك أي: لن نصدقك، حتى تأتينا بخصلة من هذه الخصال. قوله: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ} يعني المشركين {أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} على الاستفهام وهذا الاستفهام على إنكار منهم أي: لم يبعث الله ملكاً رسولاً، فلو كان من الملائكة لآمنا به.

اطفيش

تفسير : {أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ} مما يتزين به كالذهب والجوهر والياقوت، وقيل المراد هنا الذهب. وهو قول ابن عباس والفسرين وأصله الزينة مطلقاً وقد قرأ بعض أو يكون لك بيت من ذهب {أوْ تَرْقَى} تصعد {فِى السَّمَاءِ} أى إِلى السماء وضمن ترقى معنى تدخل أو التقدير فيدخل فى معاريج السماء {وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ} أى لأَجل رقيك أو برقيك وحده فإِن السحرة قد يفعلون ذلك ويأْخذون بأعين الناس {حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَأُهُ} أمرنا فيه باتباعك وتصديقك قال عبد الله بن عباس. قال ابن أبى أُمية: لن نؤمن لك حتى تتخذ إِلى السماء سلماً ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأْتيهم ثم تأْتى معك بصك منشور معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول. وفى رواية حتى تنزل علينا كتاباً نقرأه من الله إِلى عبد الله بن أبى أُمية بن المغيرة أنى أرسلت محمداً وتجئ معك بأَربعة من الملائكة أن الله هو الذى كتبه ثم والله ما أدرى بعد ذلك هل أومن لك أم لا، وذكر الكلبى أنه اجتمع رهط من قريش بفناء الكعبة فسأَلوا بنى الله أن يبعث عليهم موتاهم أو يسخر لهم الريح أو يسير لهم جبال مكة فلم يفعل، فقال عبد الله ابن أبى أُمية: فوالذى يحلف به عبد الله لا أُومن لك حتى تفجر لنا من الأَرض ينبوعاً - الآية. حديث : وروى عكرمة عن ابن عباس أن عتبة وشعبة ابنى ربيعة وأبا سفيان بن حرب والنضر بن الحارث وأبا البخترى بن هشام والأَسود بن عبد المطلب وزمعة من الأَسود والوليد ابن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبى أُمية بن خلف والعاص ابن وائل ونبيهاً ومنبهاً ابنى الحجاج اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة. فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إِلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه فبعثوا إِليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك. فجاءهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سريعاً يظن أن قد بدا لهم فى أمره شئ وكان حريصاً يحب رشدهم حتى جلس إِليهم فقالوا يا محمد: إِنا بعثنا إِليك لنعذر فيك وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وسفهت الأَحلام وسببت الآلهة وفرقت الجماعة، وما من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك فإِن جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جعلنا لك مالا حتى تكون أكثرنا مالا، وإِن كنت تريد الشرف سودناك علينا، وإِن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا، وإِن كان هذا الذى بك رئياً تراه قد غلب عليك لا تستطيع رده بذلنا أموالنا فى طلب الطب حتى نبرئك منه والرِّئىُ التابع من الجن. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بى ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف عليكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثنى إِليكم رسولا، وأنزل على كتابا وأمرنى أن أكون لكم بشيراً ونذيراً فبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم، فإِن تقبلوا منى فهو حظكم من الدنيا والآخرة وإن تردوا على أصبر لأَمر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم. فقالوا: يا محمد فإِن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد أضيق بلادا وأشد عيشاً منا فاسأل ربك الذى بعثك فليسير عنا هذه الجبال التى قد ضيقت علينا ويبسط لنا بلادنا ويفجر لنا الأَنهار كأَنهار الشام والعراق وليبعث لنا من آبائنا وليكن منهم قصى ابن كلاب فإِنه كان شيخاً صدوقاً فنسأَلهم عما تقول أحق هو أم باطل فإِن صدقوك صدقناك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بهذا بعثت، فقد بلغتكم ما أرسلت به فإن تقبلوه لهو حظكم، وإِن تردوه أصبر لأَمر الله تعالى. قالوا: فإِن لم تفعل هذا فاسأل لنا ربك أن يبعث ملكاً يصدقك واسأله أن يجعل لك جناناً وقصوراً وكنوزاً من ذهب وفضة يعينك بها على ما تريد، فإِنك تقوم بالأَسواق تلتمس المعاش كما نلتمسه فقال: ما بعث لهذا، ولكن الله بعثنى بشيراً ونذيراً. فقالوا: فأسقط السماء كما زعمت علينا أن ربك إن شاء فعل. فقال: ذلك إلى الله إِن شاء فعل ذلك بكم. وقال قائل منهم لن نؤمن لك حتى تأْتينا بالله والملائكة فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع عبد الله ابن أمية وهو ابن عمته عاتكة ابنة عبد المطلب فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقلبه منهم، ثم سأَلوك لأَنفسهم أُموراً يعرفون بها منزلتك عند الله فلم تفعل، ثم سأَلوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل، فوالله ما أومن بك أبداً حتى تتخذ إِلى السماء سلماً ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأْتيها فتأْتى بسمة مشهورة معك ونفر من الملائكة يشهدون لك بما تقول وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت أن لا أصدقك فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حزيناً إِلى أهله لمباعدتهم، فأَنزل الله عز وجل: {وقالوا لن نؤمن لك} - تفسير : الآية، وقال مجاهد حتى تنزل علينا كتاباً نقرأه من رب العالمين كل رجل منا تصبح عند رأْسه صحيفة موضوعة يقرأها، وقيل حتى تنزل علينا كتاباً إِلى كل إِنسان منا بعينه من الله إِلى فلان ابن فلان أن آمنوا بمحمد فإِن رسولى، وأظنه تفسير الحسن {قُلْ} لهم يا محمد متعجباً من كلامهم أو منزها لربك عن أن يعاينه أحد أو عن أن يوصف بالإتيان أو يتحكم عليه أحداً بما يريد أو يشاركه فى القدرة {سُبْحَانَ رَبِّى} عن ذلك {هَلْ كُنتُ إِلاَّ بشَراً رَّسُولاً} كسائر الرسل لا يأْتون إِلا بِمَا أراد الله ملائماً لحال قيامهم. وليس أمر الآيات إِليهم ولا فى طاقتهم وأنتم أهون على الله أن يجيبكم إِلى ذلك سأَلتم، والله منزه عنه وعن أن أسأَله ما طلبتم، وقرأ ابن كثير وابن عامر: قال سبحان ربى.. الخ. أى قال الرسول. {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى} أى الوحى، القرآن وغيره والنبوة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - والمراد بالناس كفار قريش أو غيرهم ممن فى زمانه - صلى الله عليه وسلم - كذلك قالوا وهو واضح ولكن لا مانع من أن يراد قوم كل رسول وهدى كل رسول فيكون قوله {أية : قل لو كان فى الأَرض}تفسير : .. الخ. أمراً للنبى - صلى الله عليه وسلم - بإِجابته فى حق كل نبى {إِلاَّ أَن قَالوا} أن مصدرية فى الموضعين مصدر يؤمنوا مفعول ثان لمنع وعلى تقدير الجار أى من أن يؤمنوا أو عن أن يؤمنوا مصدر قالوا فاعل منع أى إلا قولهم عنادا {أبَعَثَ اللهُ بشَراً رَّسُولاً} منكرين أن يرسل الله بشراً فرسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - متضمنة بينة ولم يبق لهم إلا شبهة تتلجلج فى صدورهم هى كون الرسول لا يصح بشراً والاستفهام للإنكار وبشراً حال موطئة ورسولا نعته ويجوز كون بشراً حالا من رسولا ورسولا مفعول الأَول أوفق لأَن محط الكلام فى الرسالة هل هى لبشر أو ملك والوجهان فى قوله تعالى: أو {ملكاً رسولا} أيضاً.

اطفيش

تفسير : {أَوْ يَكونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ} أى من ذهب على أنه وضع اسما للذهب، أو الزخرف الزينة، استعمل فى خاص وهو الذهب، تجوزاً لأنه أفضل أو باق على جنس الزينة، فيفسر بالذهب، أو به وبغيره. {أَوْ تَرْقَى} بسلّم {فِى السَّمَاء} إحدى السبع كما هو مذكور فى القرآن، والمتبادر عند الإطلاق، وقيل: المكان المرتفع، وهو خلاف المتبادر، وفيه أن مطلق المرتفع يشارك ويرقى، وإنما يطلق على مرتفع إذا دل عليه دليل، أو صرح بذلك كقوله: شعر : وقد يسمى سماء كل مرتفع وإنما الفضل حيث الشمس والقمر تفسير : والمعنى تصعد فيها، غدى بفى لتضمن معنى تدخل، ودخولها يستلزم الصعود إليها، أو فى بمعنى إلى، والصعود إليها يترتب عليه دخولها، أو يبقى على ظاهره ولكن يقدر مضاف أى ترقَى فى معارج السماء، ومع سفههم يبعد أن يقترحوا عليه الصعود بلا معارج، إذ لا يطلب ذلك عاقل. {وَلَنْ نُؤْمِنَ} بك {لِرُقِيِّكَ} لأجله أو به وحده بلا نزول لك بكتاب منها كما قال: {حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا} مكتوبا بلا نزول لك فيه أنك رسول الله، وهذا قيد للإطلاق فى قولهم أو ترقى فى السماء. {نَقْرَؤهُ} نعت كتابا {قُلُ} لهم متعجبا، والتعجب واقع فى قلبه صلى الله عليه وسلم، أمره بما يدل عليه، أو قل منزها لله عن ذلك. {سُبْحَانَ رَبِّى} يذكر هذا اللفظ الكريم تعجبا، ويذكر تنزيها ولا ثواب لذاكره متعجبا مع إهمال البينة، كما يقوله الغضبان بلا قصد لمعنى التنزيه، ولا لمعنى الذكر، وكذا ما أشبهه كلا إله إلا الله، والنبى صلى الله عليه وسلم لا يذكره مهملا، ولا يأمره الله بقوله مهملا، والراجح أن المراد التنزيه مصحوبا بتعجب أو دون تعجب، فإنه منزه عن الإتيان الحقيقى، لأنه يلزم منه أن يكون فى موضع، ويلزم الحد، وأنه جسم أو عرض ومنزه، أن يتحكم عليه، أو يشارك فى القدرة. {هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَرًا} كسائر البشر، خبر جئ به للتمهيد لا يتعلق به إنكارهم، كقولك زيد رجل قريشى، فرجل تمهيد للنعت، كما أن بشراً تمهيد لنعته وهوقوله: {رَسُولاً} كسائر الرسل، لا يأتون أقوامهم إلا بما يظهر الله على أيديهم مما يلائم حال أقوامهم، ولم يجعل الله أمر الآيات إليهم، ولا إلى ما يقترحه عليهم أقوامهم، مع أ نه لو أزال جبال مكة وسائر الستة الشروط المذكورة لأهلكهم الله على سنته فيمن طلب أمثالهن ولم يؤمن، وقد علم الله أنهم لا يؤمنون، ولم يجر القضاء بإهلاكهم لإتمام أمره صلى الله عليه وسلم، أو رسولا خبر ثان، وبشر حال لازمة، ولا يلزم أن تكون له حال غير البشرية وقوله: {سبحان ربِّى هل كنت إِلا بشراً رسولاً} جواب إجمال، والجواب بالتفصيل هو الإهلاك المذكور فى السورة قبل هذا، وفى قوله عز وجل: "أية : ولو نزلنا عليك"تفسير : [الأنعام: 7] إلخ وقوله: "أية : ولو فتحنا"تفسير : [الحجر: 14] إلخ.

الالوسي

تفسير : {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مّن زُخْرُفٍ} من ذهب كما روي عن ابن عباس وقتادة وغيرهما، وأصله الزينة وإطلاقه على الذهب لأن الزينة به أرغب وأعجب، وقرأ عبد الله {من ذهب} وجعل ذلك في «البحر» تفسيراً لا قراءة لمخالفته سواد المصحف {أَوْ تَرْقَىٰ فِى ٱلسَّمَاء} أي تصعد في معارجها فحذف المضاف يقال رقي في السلم والدرجة والظاهر أن السماء هنا المظلة، وقيل: المراد المكان العالي وكل ما ارتفع وعلا يسمى سماء قال الشاعر:شعر : وقد يسمى سماء كل مرتفع وإنما الفضل حيث الشمس والقمر تفسير : {وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ} أي لأجل رقيك فيها وحده أو لن نصدق رقيك فيها {حَتَّى تُنَزِّلَ} منها {عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ} بلغتنا على أسلوب كلامنا وفيه تصديقك. {قُلْ} تعجباً من شدة شكيمتهم وفرط حماقتهم {سُبْحَـٰنَ رَبّى} أو قل ذلك تنزيهاً لساحة الجلال عما لا يكاد يليق بها من مثل هذه الاقتراحات التي تضمنت ما هو من أعظم المستحيلات كإتيان الله تعالى على الوجه الذي اقترحوه أو عن طلب ذلك، وفيه تنبيه على بطلان ما قالوه. وقرأ ابن كثير وابن عامر {قال سبحان ربي} أي قال النبـي صلى الله عليه وسلم: {هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً} كسائر الرسل عليهم السلام وكانوا لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله تعالى على أيديهم حسبما تقتضيه الحكمة من غير تفويض إليهم فيه ولا تحكم منهم عليه سبحانه، و {بشرًا} خبر كان و {رسولاً} صفته وهو معتمد الكلام وكونه بشراً توطئة لذلك رداً لما أنكروه من جواز كون الرسول بشراً ودلالة على أن الرسل عليهم السلام من قبل كانوا كذلك ولهذا قال الزمخشري هل كنت إلا رسولاً كسائر الرسل بشراً مثلهم، وزعم بعض أن ذكر {بَشَرًا} ليس للتوطئة فإن طلب القوم منه عليه الصلاة والسلام ما طلبوه يحتمل أن يكون طلب أن يأتي به بقدرة نفسه صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون طلب أن يأتي به بقدرة الله تعالى فذكر {بَشَرًا} لنفي أن يأتي بذلك بقدرة نفسه كأنه قال: هل كنت إلا بشراً والبشر لا قدرة له على الإتيان بذلك، وذكر رسولاً لنفي أن يأتي به بقدرة الله تعالى كأنه قيل هل كنت إلا رسولاً والرسول لا يتحكم على ربه سبحانه. / وتعقب بأن هذا مع ما فيه من مخالفة الآثار كما ستعلمه قريباً إن شاء الله تعالى ظاهر في جعل الاسمين خبرين وهو مما يأباه الذوق السليم، وقال الخفاجي: إن كون الاسمين خبرين غير متوجه لأنه يقتضي استقلالها وأنهم أنكروا كلاً منهما حتى رد عليهم بذلك ولم ينكر أحد بشريته صلى الله عليه وسلم، وتعقب بأنهم لما طلبوا منه عليه الصلاة والسلام ما لا يتأتى من البشر كالرقي في السماء كانوا بمنزلة من أنكر بشريته وهو كما ترى. وجوز بعضهم كون بشراً حالاً من النكرة وسوغ ذلك تقدمه عليها وهو ركيك لأنه يقتضي أنه له صلى الله عليه وسلم حالاً آخر غير البشرية ولا يقول بذلك أحد اللهم إلا أن يكون من الوجودية. هذا والظاهر اتحاد القائل لجميع ما تقدم ويحتمل عدم الاتحاد بأن يكون بعض اقترح شيئاً وبعض آخر اقترح آخر لكن نسب القول إلى الجميع لرضا كل بما اقترح الآخر. وأخرج سعيد بن منصور وغيره عن ابن جبير أن قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} تفسير : [الإسراء: 90] الخ نزل في عبد الله بن أبـي أمية وهو ظاهر في أنه القائل ولا يعكر عليه ضمير الجمع لما أشرنا إليه، وأخرج ابن إسحٰق وجماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب والأسود بن المطلب وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل وعبد الله بن أبـي أمية وأمية بن خلف وناساً آخرين اجتمعوا بعد غروب الشمس عند الكعبة فقال بعضهم لبعض ابعثوا إلى محمد فكلموه حتى تعذروا فيه فبعثوا إليه فجاءهم صلى الله عليه وسلم سريعاً وهو يظن أنهم قد بدا لهم في أمره بداء وكان عليهم حريصاً يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم حتى جلس إليهم فقالوا: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذرك وإنا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك لقد شتمت الآباء وعبت الدين وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة فما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئياً تراه قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بـي ما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله تعالى بعثني إليكم رسولاً وأنزل علي كتاباً وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً فبلغتكم رسالة ربـي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جتئكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله تعالى بيني وبينكم فقالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلاداً ولا أقل مالاً ولا أشد عيشاً منا فاسأل ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي ضيقت علينا وليبسط لنا بلادنا وليجر فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق وليبعث لنا من قد مضى من آبائنا وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخاً صدوقاً فنسألهم عما تقول حق هو أم باطل فإن صنعت ما سألناك وصدقوك صدقناك وعرفنا به منزلتك عند الله تعالى وأنه بعثك رسولاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بهذا بعثت إنما جئتكم من عند الله تعالى بما بعثني به فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله تعالى بيني وبينكم قالوا فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك فاسأل ربك أن يبعث ملكاً يصدقك بما / تقول فيراجعنا عنك وتسأله أن يجعل لك جناناً وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة يغنيك عما نراك تبتغي فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه حتى نعرف منزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم فقال صلى الله عليه وسلم: ما أنا بفاعل ما أنا بالذي يسأل ربه هذا وما بعثت إليكم بهذا ولكن الله تعالى بعثني بشيراً ونذيراً فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله تعالى بيني وبينكم قالوا: فتسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك إلى الله تعالى إن شاء فعل بكم ذلك فقالوا: يا محمد فأَعلم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب فيتقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به ويخبرك بما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن وأنا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً فقد أعذرنا إليك يا محمد أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلاً فلما قالوا ذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وقام معه عبد الله بن أبـي أمية فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ثم سألوك لأنفسهم أموراً يتعرفوا بها منزلتك من الله تعالى فلم تفعل ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب فوالله لا نؤمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة معك بأربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لأصدقك ثم انصرف وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزيناً أسفاً لما فاته مما كان طمع فيه من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعدتهم فأنزل عليه هذه الآيات وقوله تعالى: {أية : كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ} تفسير : [الرعد: 30] الآية وقوله سبحانه: {أية : وَلَوْ أَنَّ قُرْءَاناً سُيّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ } تفسير : [الرعد: 31] الآية اهـ والله تعالى أعلم.

د. أسعد حومد

تفسير : {كِتَاباً} (93) - أَوْ أَنْ يَكُون لَكَ بَيْتٌ مِنْ ذَهَب (زُخْرُفٍ)، أَوْ أَنْ تَصْعَدَ فِي السَّمَاءِ، وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَيْكَ، وَلَنْ نُؤْمِن أَنَّكَ صَعدْتَ إِلَى السَّماءِ حَتَّى تَأْتِيَ مَعَكَ بِصُحُفٍ مَكْتُوبَةٍ مُوَجَّهَةٍ إِلى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ المُتَحَدِّثِينَ مَعَ الرَّسُولِ. فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: سُبْحَانَ رَبِّي إِنْ أَنَا إِلاَّ بَشَرٌ رَسُولٌ مِنَ اللهِ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِهِ، وَلاَ أَمْلِكُ شَيْئاً مِمَّا طَلَبْتُمْ، وَالأَمْرُ كُلُّهُ للهِ، إِنْ شَاءَ أَجَابَكُمْ إِلَيْهِ. زُخْرُفٍ - ذَهَبٍ. تَرْقَى - تَصْعَدُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : البيت: هو المكان المعدّ للبيتوتة، والزخرف: أي المزيِّن، وكان الذهب وما يزال أجمل أنواع الزينة؛ لأن كل زُخْرف من زخارف الزينة يطرأ عليه ما يُغيِّره فيبهت لونه، وينطفئ بريقه، وتضيع ملامحه إلا الذهب، ونقصد هنا الذهب الخالص غير المخلوط بمعدن آخر، فالذهب الخالص هو الذي لا يتأكسد ولا يتفاعل مع غيره؛ لذلك يظل على بريقه ورَوْنقه، فإنْ كان البيت نفسه من زخرف، فماذا سيكون شكله؟ ونرى الذين يُحبُّون أن ينافقوا نفاقَ الحضارات، ويتبارَوْنَ في زخرفة الصناعات يُلصِقون على المصنوعات الخشبية مثلاً طبقة أو قشرة من الذهب؛ لتظلَّ محتفظة بجمالها، كما في الأطقم الفرنساوي أو الإنجليزي مثلاً. ثم يقول تعالى: {أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ ..} [الإسراء: 93]. أي: يكون لك سُلَّم تصعد به في السماء، ويظهر أنهم تسرعوا في هذا القول، ورَأَوْا إمكانية ذلك، فسارعوا إلى إعلان ما تنطوي عليه نفوسهم من عناد: {وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ ..} [الإسراء: 93]. وكأنهم يُبيِّتون العناد لرسول الله، فهم كاذبون في الأولى، وكاذبون في الثانية، ولو نزَّل الله عليهم الكتاب الذي أرادوا ما آمنوا، وقد رَدَّ عليهم الحق سبحانه بقوله: {أية : وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}تفسير : [الأنعام: 7]. وانظر إلى رَدِّ القرآن على كل هذا التعنت السابق: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي ..} [الإسراء: 93] وكلمة {سُبْحَانَ} كلمة التنزيه العُلْيا للحق سبحانه وتعالى، وقد تحدَّى بها الكون كله؛ لأنها كلمة لا تُقَال إلا لله تعالى، ولم يحدث أبداً بين الناس أنْ قالها أحد لأحد، مع ما في الكون من جبابرة وعُتَاة، يحرص الناس على منافقتهم وتملُّقهم، وهذه كلمة اختيارية يمكن أن يقولها كل إنسان، لكن لم يجرؤ أحد على قَوْلها لأحد. والحق سبحانه وتعالى يتحدَّى الكون كله بأمور اختيارية يقدرون عليها، وتحدى المختار في المثل معناها أنه سبحانه عالم بأن قدرته لن تستطيع أن تفعل ذلك، ومثال ذلك قول الحق تبارك وتعالى: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ}تفسير : [المسد: 1-3]. نزلت هذه الآيات في أبي لهب، وهو كافر، ويحتمل منه الإيمان كما آمن غيره من الكفرة، فقد آمن عمر والعباس وغيرهم، فما كان يُدرِي رسول الله أن أبا لهب لن يؤمن، لكنه يُبلِّغ قول ربه قرآناً يُتلَى ويُحفظ ويُسجَّل، وفيه تقرير وشهادة بأن أبا لهب سيموت كافراً، وأن مصيره النار. وهنا نقول: أَمَا كان في إمكان أبي لهب أنْ يُكذّب هذا القول، فيقوم في قومه مُنادياً بلا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله - ولو نِفَاقاً - وله بعد ذلك أن يتهم محمداً وقرآن محمد بالكذب؟ لكن هذا لم يحدث؛ لأن المتكلم هو الله ربُّ العالمين. ومن هذا التحدي أن الحق سبحانه له صفات وله أسماء، الأسماء مأخوذة من الصفات، إلا اسم واحد مأخوذ للذات، هو لفظ الجلالة (الله)، فهو عَلَم على الذات الإلهية لم يُؤخَذ من صفة من صفاته تعالى، فالقادر والغفور والحيّ القيوم وغيرها من الأسماء مأخوذة من صفات، إنما (الله) عَلَم على الذات الجامعة لكُلِّ هذه الصفات. لذلك تحدَّى الخالق سبحانه جميع الخَلْق، وقد أعطاهم الحرية في اختيار الأسماء أنْ يُسمُّوا أنفسهم أو أبناءهم بهذا الاسم (الله)، ويعلن هذا التحدي في كتابه الكريم وعلى رؤوس الأشهاد يقول: {أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}تفسير : [مريم: 65]؟ ومع ذلك لم يجرؤ كافر واحد على أنْ يُسمِّيَ هذا الاسم ليظلَّ هذا التحدي قائماً إلى قيام الساعة؛ لأن الله تعالى حق، والإيمان به وبوجوده تعالى متغلغل حتى في نفوس الكفار، فلو كانوا يعلمون أن هذه الكلمة كذب، أو لا وجودَ لها لأقدموا على التسمية بها دون أن يُبالُوا شيئاً، أَمَا وهم يعلمون أن الله حق فلن يجرؤ أحد، ويُجرِّب هذه التسمية في نفسه؛ لأنه يخشى عاقبة وخيمة لا يدري ما هي. لذلك رَدَّ الحق سبحانه على تعنُّت الكفار فيما طلبوه من رسوله صلى الله عليه وسلم قائلاً: {سُبْحَانَ رَبِّي ..} [الإسراء: 93] لأن الأمور التي طلبوها أمور بلغتْ من العجب حَدَّاً، ولا يمكن أن يُتعجب منها إلا بسبحان الله؛ لأنها كلمة التعجُّب الوحيدة والتي لا تُطلَق لغير الله، وكأنه أرجع الأمور كلها لله، ولقد كان لهم غِنىً عن ذلك في كتاب الله الذي نزل إليهم: {أية : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [العنكبوت: 51]. والهمزة هنا للاستفهام المراد به التعجُّب أيضاً: أيطلبون هذه الآيات، ولم يكْفِهم أنَّا أنزلنا عليك الكتاب، وقد كان فيه غناءٌ لهم. ثم يقول تعالى: {هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} [الإسراء: 93]. هل ادعيْتُ لكم أَنِّي إله؟! ما أنا إلا بشر أبلغكم رسالة ربي، وأفعل ما يأمرني به، كما في قوله تعالى: {أية : قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}تفسير : [يونس: 15]. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ} يعني مَنْ ذَهبَ.

همام الصنعاني

تفسير : 1627- حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني الثوريُّ، عن رجل عن الحكم، قال، قال لي مجاهدٌ: كنَّا لا ندري ما الزخرف؟ حتى رأيناه في قراءة ابن مسعود: {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن ذهب}: [الآية: 93]. 1628- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ}: [الآية: 93]، قال: بيت من ذهب.