١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
94
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى شبهة القوم في اقتراح المعجزات الزائدة وأجاب عنها حكى عنهم شبهة أخرى وهي أن القوم استبعدوا أن يبعث الله إلى الخلق رسولاً من البشر بل اعتقدوا أن الله تعالى لو أرسل رسولاً إلى الخلق لوجب أن يكون ذلك الرسول من الملائكة فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة من وجوه. الأول: قوله: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ ٱلْهُدَىٰ } وتقرير هذا الجواب أن بتقدير أن يبعث الله ملكاً رسولاً إلى الخلق فالخلق إنما يؤمنون بكونه رسولاً من عند الله لأجل قيام المعجز الدال على صدقه وذلك المعجز هو الذي يهديهم إلى معرفة ذلك الملك في إدعاء رسالة الله تعالى فالمراد من قوله تعالى: {إِذْ جَاءهُمُ ٱلْهُدَىٰ } هو المعجز فقط فهذا المعجز سواء ظهر على يد الملك أو على يد البشر وجب الإقرار برسالته فثبت أن يكون قولهم بأن الرسول لا بد وأن يكون من الملائكة تحكماً فاسداً وتعنتاً باطلاً. الوجه الثاني: من الأجوبة التي ذكرها الله في هذه الآية عن هذه الشبهة هو أن أهل الأرض لو كانوا ملائكة لوجب أن يكون رسولهم من الملائكة لأن الجنس إلى الجنس أميل أما لو كان أهل الأرض من البشر لوجب أن يكون رسولهم من البشر وهو المراد من قوله: {لَوْ كَانَ فِى ٱلأَرْضِ مَلَـٰئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ ٱلسَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً }. الوجه الثالث: من الأجوبة المذكورة في هذه الآية قوله: {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } وتقريره أن الله تعالى لما أظهر المعجزة على وفق دعواي كان ذلك شهادة من الله تعالى على كوني صادقاً ومن شهد الله على صدقه فهو صادق فبعد ذلك قول القائل بأن الرسول يجب أن يكون ملكاً لا إنساناً تحكم فاسد لا يلتفت إليه ولما ذكر الله تعالى هذه الأجوبة الثلاثة أردفها بما يجري مجرى التهديد والوعيد فقال: {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } يعني يعلم ظواهرهم وبواطنهم ويعلم من قلوبهم أنهم لا يذكرون هذه الشبهات إلا لمحض الحسد وحب الرياسة والاستنكاف من الانقياد للحق.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ} يعني الرسل والكتب من عند الله بالدعاء إليه. {إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ} جهلاً منهم. {أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} أي الله أجل من أن يكون رسوله من البشر. فبيّن الله تعالى فرط عنادهم لأنهم قالوا: أنت مثلنا فلا يلزمنا الانقياد، وغفلوا عن المعجزة. فـ«ـأنْ» الأولى في محل نصب بإسقاط حرف الخفض. و«أن» الثانية في محل رفع بـ«ـمنع» أي وما منع الناس من أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا قولهم أبعث الله بشراً رسولاً.
البيضاوي
تفسير : {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ ٱلْهُدَىٰ} أي وما منعهم الإيمان بعد نزول الوحي وظهور الحق. {إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً } إلا قولهم هذا، والمعنى أنه لم يبق لهم شبهة تمنعهم عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن إلا أنكارهم أن يرسل الله بشراً.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ} أي: أكثرهم {أَن يُؤْمِنُواْ} ويتابعوا الرسل، إلا استعجابهم من بعثة البشر رسلاً؛ كما قال تعالى: {أية : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءامَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} تفسير : [يونس: 2]، وقال تعالى: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} تفسير : الآية [التغابن: 6]. وقال فرعون وملؤه: {أية : فَقَالُواْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَـٰبِدُونَ} تفسير : [المؤمنون: 47] وكذلك قالت الأمم لرسلهم: {أية : إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ} تفسير : [إبراهيم: 10] والآيات في هذا كثيرة، ثم قال تعالى منبهاً على لطفه ورحمته بعباده أنه يبعث إليهم الرسول من جنسهم؛ ليفقهوا منه؛ لتمكنهم من مخاطبته ومكالمته، ولو بعث إلى البشر رسولاً من الملائكة، لما استطاعوا مواجهته، ولا الأخذ عنه؛ كما قال تعالى: {أية : لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [آل عمران: 164] وقال تعالى: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} تفسير : [التوبة: 128] وقال تعالى: {أية : كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَـٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ فَٱذْكُرُونِىۤ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ } تفسير : [البقرة: 151 ـ 152] ولهذا قال ههنا: {قُل لَوْ كَانَ فِى ٱلأَرْضِ مَلَـٰئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ} أي: كما أنتم فيها، {لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولاً} أي: من جنسهم، ولما كنتم أنتم بشراً، بعثنا فيكم رسلنا منكم؛ لطفاً ورحمة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُواْ } أي قولهم منكرين {أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً } ولم يبعث ملكاً.
الشوكاني
تفسير : حكى سبحانه عنهم شبهة أخرى قد تكرر في الكتاب العزيز التعرّض لإيرادها وردّها في غير موضع فقال: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ } المراد: الناس على العموم، وقيل: المراد: أهل مكة على الخصوص أي: ما منعهم الإيمان بالقرآن وبنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وهو المفعول الثاني لمنع، ومعنى {إِذْ جَاءهُمُ ٱلْهُدَىٰ }: أنه جاءهم الوحي من الله سبحانه على رسوله، وبيّن ذلك لهم وأرشدهم إليه، وهو ظرف لـ {منع} أو {يؤمنوا} أي: ما منعهم وقت مجيء الهدى أن يؤمنوا بالقرآن والنبوّة {إِلاَّ أَن قَالُواْ } أي: ما منعهم إلاّ قولهم، فهو في محل رفع على أنه فاعل منع، والهمزة في {أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً } للإنكار منهم أن يكون الرسول بشراً، والمعنى: أن هذا الاعتقاد الشامل لهم، وهو إنكار أن يكون الرسول من جنس البشر، هو الذي منعهم عن الإيمان بالكتاب وبالرسول، وعبّر عنه بالقول للإشعار بأنه ليس إلاّ مجرد قول قالوه بأفواههم. ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب عن شبهتهم هذه فقال: {قُل لَوْ كَانَ فِى ٱلأرْضِ مَلَـٰئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ } أي: لو وجد وثبت أن في الأرض بدل من فيها من البشر، ملائكة يمشون على الأقدام كما يمشي الإنس مطمئنين مستقرين فيها ساكنين بها. قال الزجاج: {مطمئنين}: مستوطنين في الأرض، ومعنى الطمأنينة: السكون، فالمراد ها هنا: المقام والاستيطان، فإنه يقال: سكن البلد فلان: إذا أقام فيها وإن كان ماشياً متقلباً في حاجاته {لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ ٱلسَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً } حتى يكون من جنسهم، وفيه إعلام من الله سبحانه بأن الرسل ينبغي أن تكون من جنس المرسل إليهم، فكأنه سبحانه اعتبر في تنزيل الرسول من جنس الملائكة أمرين: الأوّل: كون سكان الأرض ملائكة، والثاني: كونهم ماشين على الأقدام غير قادرين على الطيران بأجنحتهم إلى السماء، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لطاروا إليها، وسمعوا من أهلها ما يجب معرفته وسماعه فلا يكون في بعثة الملائكة إليهم فائدة. وانتصاب {بشراً} و{ملكاً} على أنهما مفعولان للفعلين، و{رسولاً} في الموضعين وصف لهما. وجوّز صاحب الكشاف أن يكونا حالين في الموضعين من {رسولاً} فيهما وقوّاه صاحب الكشاف، ولعل وجه ذلك أن الإنكار يتوجه إلى الرسول المتصف بالبشرية في الموضع الأوّل، فيلزم بحكم التقابل أن يكون الآخر كذلك. ثم ختم الكلام بما يجري مجرى التهديد، فقال: {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } أي قل لهم يا محمد من جهتك: كفى بالله وحده شهيداً على إبلاغي إليكم ما أمرني به من أمور الرسالة، وقال: {بيني وبينكم} ولم يقل: بيننا؛ تحقيقاً للمفارقة الكلية، وقيل: إن إظهار المعجزة على وفق دعوى النبيّ شهادة من الله له على الصدق، ثم علّل كونه سبحانه شهيداً كافياً بقوله: {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } أي: عالماً بجميع أحوالهم محيطاً بظواهرها وبواطنها بصيراً بما كان منها وما يكون. ثم بيّن سبحانه أن الإقرار والإنكار مستندان إلى مشيئته فقال: {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى } أي: من يرد الله هدايته فهو المهتدي إلى الحق أو إلى كل مطلوب {وَمَن يُضْلِلِ } أي: يرد إضلاله {فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء } ينصرونهم {مِن دُونِهِ } يعني: الله سبحانه، ويهدونهم إلى الحق الذي أضلهم الله عنه أو إلى طريق النجاة، وقوله: {فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى } حملاً على لفظ «من»، وقوله: {فَلَن تَجِدَ لَهُمْ } حملاً على المعنى، والخطاب في قوله: {فَلَن تَجِدَ } إما للنبيّ صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } هذا الحشر على الوجوه فيه وجهان للمفسرين: الأوّل: أنه عبارة عن الإسراع بهم إلى جهنم، من قول العرب: قد مرّ القوم على وجوههم: إذا أسرعوا. الثاني: أنهم يسحبون يوم القيامة على وجوههم حقيقة كما يفعل في الدنيا بمن يبالغ في إهانته وتعذيبه، وهذا هو الصحيح، لقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } تفسير : [القمر: 48]. ولما صح في السنة كما سيأتي، ومحل {على وجوههم} النصب على الحال من ضمير المفعول. و {عُمْيًا } منتصب على الحال {وَبُكْمًا وَصُمّا } معطوفان عليه، والأبكم: الذي لا ينطق، والأصمّ: الذي لا يسمع، وهذه هيئة يبعثون عليها في أقبح صورة، وأشنع منظر، قد جمع الله لهم بين عمى البصر وعدم النطق وعدم السمع مع كونهم مسحوبين على وجوههم، ثم من وراء ذلك {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } أي: المكان الذي يأوون إليه، والجملة في محل نصب على الحال أو هي مستأنفة لا محل لها {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا } أي: كلما سكن لهبها، يقال: خبت النار تخبو خبواً: إذا خمدت وسكن لهبها. قال ابن قتيبة: ومعنى {زدناهم سعيراً}: تسعراً، وهو التلهب. وقد قيل: إن في خبوّ النار تخفيفاً لعذاب أهلها، فكيف يجمع بينه وبين قوله: {أية : لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ } تفسير : [البقرة: 162]؟ وأجيب بأن المراد بعدم التخفيف: أنه لا يتخلل زمان محسوس بين الخبوّ والتسعر، وقيل: إنها تخبو من غير تخفيف عنهم من عذابها. {ذٰلِكَ} أي: العذاب {جَزَآؤُهُمْ } الذي أوجبه الله لهم واستحقوه عنده، والباء في قوله: {بأنهم كفروا بآياتنا} للسببية أي: بسبب كفرهم بها فلم يصدّقوا بالآيات التنزيلية، ولا تفكّروا في الآيات التكوينية، واسم الإشارة مبتدأ وخبره {جزاؤهم}، و {بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ } خبر آخر، ويجوز أن يكون {جزاؤهم} مبتدأً ثانياً، وخبره ما بعده، والجملة خبر المبتدأ الأوّل. {وَقَالُواْ أَءذَا كُنَّا عِظَـٰماً وَرُفَـٰتاً } الهمزة للإنكار، وقد تقدم تفسير الآية في هذه السورة، و{خلقاً} في قوله: {أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً } مصدر من غير لفظه أو حال أي: مخلوقين، فجاء سبحانه بحجة تدفعهم عن الإنكار وتردّهم عن الجحود. فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ *قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ } أي: من هو قادر على خلق هذا، فهو على إعادة ما هو أدون منه أقدر، وقيل: المراد أنه قادر على إفنائهم وإيجاد غيرهم، وعلى القول الأوّل يكون الخلق بمعنى الإعادة، وعلى هذا القول هو على حقيقته، وجملة: {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ } عطف على {أَوَلَمْ يَرَوْاْ }، والمعنى: قد علموا بدليل العقل أن من قدر على خلق السموات والأرض فهو قادر على خلق أمثالهم، لأنهم ليسوا بأشدّ خلقاً منهنّ كما قال: {أية : أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَاء} تفسير : [النازعات: 27]. {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ } وهو الموت أو القيامة، ويحتمل أن تكون الواو للاستئناف، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي: أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض وجعل لهم أجلاً لا ريب فيه قادر على أن يخلق مثلهم {فَأَبَىٰ ٱلظَّـٰلِمُونَ إَلاَّ كُفُورًا } أي: أبى المشركون إلاّ جحوداً، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر للحكم عليهم بالظلم ومجاوزة الحدّ. ثم لما وقع من هؤلاء الكفار طلب إجراء الأنهار والعيون في أراضيهم لتتسع معايشهم، بيّن الله سبحانه أنهم لا يقنعون، بل يبقون على بخلهم وشحهم فقال: {قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبّى }: {أنتم} مرتفع على أنه فاعل فعل محذوف يفسره ما بعده، أي: لو تملكون أنتم تملكون على أن الضمير المنفصل مبدل من الضمير المتصل وهو الواو، وخزائن رحمته سبحانه: هي خزائن الأرزاق. قال الزجاج: أعلمهم الله أنهم لو ملكوا خزائن الأرزاق لأمسكوا شحاً وبخلاً، وهو خشية الإنفاق، أي: خشية أن ينفقوا فيفتقروا، وفي حذف الفعل الذي ارتفع به أنتم، وإيراد الكلام في صورة المبتدأ والخبر دلالة على أنهم هم المختصون بالشحّ. قال أهل اللغة: أنفق وأصرم وأعدم وأقتر بمعنى: قلّ ماله، فيكون المعنى: لأمسكتم خشية قلّ المال {وَكَانَ ٱلإنْسَـٰنُ قَتُورًا } أي: بخيلاً مضيقاً عليه. يقال: قتر على عياله يقتر ويقتر قتراً وقتوراً: ضيق عليهم في النفقة، ويجوز أن يراد: وكان الإنسان قتوراً أي: قليل المال، والظاهر: أن المراد: المبالغة في وصفه بالشح، لأن الإنسان ليس بقليل المال على العموم. بل بعضهم كثير المال، إلاّ أن يراد أن جميع النوع الإنساني قليل المال بالنسبة إلى خزائن الله وما عنده. وقداختلف في هذه الآية على قولين: أحدهما أنها نزلت في المشركين خاصة، وبه قال الحسن، والثاني: أنها عامة وهو قول الجمهور، حكاه الماوردي. وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال؛ قيل يا رسول الله: كيف يحشر الناس على وجوههم قال: حديث : الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم»تفسير : . وأخرج أبو داود، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنف مشاة، وصنف ركباناً، وصنف على وجوههم»تفسير : ، ثم ذكر نحو حديث أنس. وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، في قوله: {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } قال: يعني: أنهم وقودها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه في قوله: {كُلَّمَا خَبَتْ } قال: سكنت. وأخرج هؤلاء عنه أيضاً في الآية قال: كلما أحرقهم سعرتهم حطباً، فإذا أحرقتهم فلم يبق منهم شيء صارت جمراً تتوهج فذلك خبوها، فإذا بدّلوا خلقاً جديداً عاودتهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله: {خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبّى } قال: الرزق. وأخرج أيضاً عن عكرمة في قوله: {إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنفَاقِ } قال: إذا ما أطعمتم أحداً شيئاً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {خَشْيَةَ ٱلإِنفَاقِ } قال: الفقر {وَكَانَ ٱلإنْسَـٰنُ قَتُورًا } قال: بخيلاً. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة {خَشْيَةَ ٱلإِنفَاقِ } قال: خشية الفاقة {وَكَانَ ٱلإنْسَـٰنُ قَتُورًا } قال: بخيلاً ممسكاً.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وما منع الناس أن يؤمنوا} يعني برسول الله صلى الله عليه وسلم. {إذ جاءَهم الهُدى} يحتمل وجهين: أحدهما: القرآن. الثاني: الرسول. {إلا أن قالوا أبعث الله بشراً رسولاً} وهذا قول كفار قريش أنكروا أن يكون البشر رُسُل الله تعالى، وأن الملائكة برسالاته أخص كما كانوا رسلاً إلى أنبيائه، فأبطل الله تعالى عليهم ذلك بقوله: {قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً} يعني أن الرسول إلى كل جنس يأنس بجنسه، وينفر من غير جنسه، فلو جعل الله تعالى الرسول إلى البشر ملكاً لنفروا من مقاربته ولما أنسوا به ولداخلهم من الرهب منه والاتقاء له ما يكفهم عن كلامه ويمنعهم من سؤاله، فلا تعمّ المصلحة. ولو نقله عن صورة الملائكة إلى مثل صورتهم ليأنسوا به ويسكنوا إليه لقالوا لست ملكاً وإنما أنت بشر فلا نؤمن بك، وعادوا إلى مثل حالهم.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى} أي الوحي. والمعنى: وما منعهم الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا شبهة تلجلجت في صدورهم هي إنكارهم أن يرسل الله البشر وهو قوله تعالى {إلا أن قالوا} أي جهلاً منهم {أبعث الله بشراً رسولاً} وذلك أن الكفار كانوا يقولون لن نؤمن لك لأنك بشر وهلا بعث الله إلينا ملكاً فأجابهم الله بقوله: {قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين} أي مستوطنين مقيمين فيها {لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً} أي من جنسهم لأن الجنس إلى الجنس أميل {قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم} أي على أني رسوله إليكم وإني قد بلغت ما أرسلت به إليكم، وأنكم كذبتم وعاندتم {إنه كان بعباده} يعني المنذرين والمنذرين {خبيراً بصيراً} أي عالماً بأحوالهم، فهو مجازيهم وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووعيد الكفار {ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه} أي يهدونهم وفيه أيضاً تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو أن الذين حكم لهم بالإيمان والهداية وجب أن يصيروا مؤمنين ومن سبق لهم حكم الله بالضلال والجهل استحال أن ينقلبوا عن ذلك {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم} (ق) عن أنس حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله قال الله الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أيحشر الكافر على وجهه قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا، قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ قال قتادة حين بلغه بلى وعزة ربناتفسير : وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف صنفاً مشاة، وصنفاً ركباناً، وصنفاً على وجوههم. قيل يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك"تفسير : أخرجه الترمذي الحدب كل ما ارتفع من الأرض {عمياً وبكماً وصماً} أي لا يبصرون ولا ينطقون ولا يسمعون. فإن قلت: كيف وصفهم بأنهم عمي وبكم وصم وقد قال الله تعالى {أية : ورأى المجرمون النار}تفسير : [الكهف: 53] وقال {أية : دعوا هنالك ثبوراً}تفسير : [الفرقان: 13] وقال {أية : سمعوا لها تغيظاً وزفيراً}تفسير : [الفرقان: 12] فأثبت لهم الرؤية والكلام والسمع. قلت فيه أوجه: أحدهما قال ابن عباس معناه عمياً لا يبصرون ما يسرهم بكماً لا ينطقون بحجة صماً لا يسمعون ما يسرهم. الوجه الثاني: قيل معناه يحشرون على ما وصفهم الله وتعالى: ثم تعاد إليهم هذه الأشياء. الوجه الثالث: قيل معناه هذا حين يقال لهم اخسئوا فيها، ولا تكلمون فيصيرون بأجمعهم عمياً وبكماً وصماً لا يرون ولا ينطقون ولا يسمعون {مأواهم جهنم كلما خبت} اي سكن لهيبها. وقيل: ضعفت وهدأت من غير أن يوجد نقصان في إيلام الكفار، لأن الله سبحانه وتعالى قال: لا يفتر عنهم وقيل معناه أرادت أن تخبو {زدناهم سعيراً} أي وقوداً وقيل معناه خبت أي نضجت جلودهم واحترقت أعيدوا إلى ما كانوا عليه، وزيد في سعير النار لتحرقهم.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ} الاية. لمَّا حكى الله تعالى شبهة القوم في اقتراح المعجزات الزَّائدة، وأجاب عنها حكى شبهة أخرى وهي أنهم استبعدوا أن يبعث الله للخلق رسولاً من البشرِ، بل اعتقدوا أنَّ الله تعالى، لو أرسل رسولاً إلى الخلق، لكان ذلك الرسول من الملائكةِ، وأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بوجوهٍ: أحدها: قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ}. وتقرير هذا الجواب: أنَّ بتقدير أن يبعث الله ملكاً رسولاً إلى الخلق، فالخلق إنما يؤمنون بكونه رسولاً من عند الله؛ لأجل قيام المعجزات الدالة على صدقه؛ وذلك المعجز هو الذي يهديهم إلى معرفة صدق ذلك الملك في ادِّعاء رسالته، فالمراد من قوله: {إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ} هو المعجز، [وإذا كان كذلك، فنقول: لما كان الدليل على الصِّدق هو المعجز] فقط فهذا المعجز سواءٌ ظهر على الملكِ، أو على البشرِ، وجب الإقرارُ برسالته، فقولهم: "لا بُدَّ وأن يكون الرسول من الملائكة": تحكم فاسد باطل. والجواب الثاني عن شبهتهم، وهي أنَّ أهل الأرض لو كانوا ملائكة، لوجب أن يكون رسولهم من الملائكة؛ لأنّ الجنس إلى الجنس أميل، فلما كان [أهل الأرض] من البشر، فوجب أن يكون رسولهم من البشر؛ وهذا هو المراد من قوله تعالى: {لَّوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} [الإسراء: 95]. الجواب الثالث: قوله تعالى: {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}. وتقريره أنَّ الله تعالى، لمَّا أظهر المعجزة على وفق دعواى، كان ذلك شهادة من الله تعالى على كوني صادقاً، ومن شهد الله على صدقه، فهو صادق، فقولكم بأنَّ الرسول يجب أن يكون ملكاً، فذلك تحكُّم فاسدٌ؛ لا يلتفت إليه. ولمَّا ذكر الله تعالى هذه الأجوبة الثلاثة، أردفها بما يجري مجرى التهديد، والوعيد؛ فقال: {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً} [الإسراء: 96]. أي: يعلم ظواهرهم وبواطنهم، ويعلم أنَّهم لا يذكرون هذه الشبهات إلا لمحض الحسد، وحبِّ الرياسة. قوله: {أَن يُؤْمِنُوۤاْ}: مفعولٌ ثانٍ لـ "مَنَع"، أي: ما منعهم إيمانهم؛ و "أن قالوا" هو الفاعل، و "إذْ" ظرف لـ "مَنعَ"، والتقدير: وما منع الناس من الإيمان وقت مجيء الهدى إيَّاهم إلا قولهم: أبعث الله. وهذه الجملة المنفيَّة يحتمل أن تكون من كلام الله، فتكون مستأنفة، وأن تكون من كلام الرسول، فتكون منصوبة المحلِّ؛ لاندراجها تحت القول في كلتا القراءتين. قوله: {بَشَراً رَّسُولاً} تقدَّم في نظيره وجهان، وكذلك قوله {لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً}. قوله تعالى: {قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ}: يجوز في "كَانَ" هذه التمام، أي: لو وجد، وحصل، و "يَمشُونَ" صفة لـ "مَلائِكَة" و "في الأرض" متعلِّق به، "مُطْمئنينَ" حال من فاعل "يَمشُونَ"، ويجوز أن تكون الناقصة، وفي خبرها أوجه، أظهرها: أنه الجار، و "يَمشُون" و "مُطمَئنِّينَ" على ما تقدم. وقيل: الخبر "يمشُون" و "في الأرض" متعلق به. وقيل: الخبر "مُطمئنِّينَ" و "يمشُونَ" صفة، وهذان الوجهان ضعيفان؛ لأنَّ المعنى على الأول. فإن قيل: إنَّه تعالى لو قال: قل لو كان في الأرض ملائكة، لنزَّلنا عليهم من السَّماء ملكاً رسولاً كان كافياً في هذا المعنى. فما الحكمة في قوله: {يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ}؟!. فالجواب: أن المراد بقوله: {يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ} أي: مستوفين مقيمين. قوله: {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} الآية. لما أجاب عن شبهات القوم في إنكار النبوة، وأردفها بالوعيد بقوله: {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً} على الإجمال، ذكر بعده الوعيد الشديد على التَّفصيل، فقال: {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ}. المراد تسليةُ الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أنَّ الذين حكم لهم بالإسلام والهداية سابقاً، وجب أن يصيروا مؤمنين، ومن سبق لهم حكم الله بالضَّلال والجهل، استحال أن ينقلبوا عن ذلك. واحتجَّ أهل السنة بهذه الآية على صحَّة مذهبهم في الهدى والضَّلال، والمعتزلة حملوا هذا الضلال تارة على طريق الجنَّة؛ وتارة على منع الألطاف، وتارة على التَّخلية، وعدم التعرُّض لهم بالمنع. والواو مندرجة تحت القول، فيكون محلُّها نصباً، وأن يكون من كلام الله، فلا محلَّ لها؛ لاستئنافها، ويكون في الكلام التفاتٌ؛ إذ فيه خروجٌ من غيبة إلى تكلُّم في قوله: {وَنَحْشُرُهُمْ}. وحمل على لفظ "مَنْ" في قوله "فَهُوَ المُهتدِ" فأفرد، وحمل على معنى" من" الثانية في قوله "ومَن يُضلِلْ، فلنْ تَجدَ لَهُم"، [فجمع]. ووجه المناسبة في ذلك - والله أعلم -: أنه لمَّا كان الهدي شيئاً واحداً غير متشعِّب السبل، ناسبه التوحيد، ولمَّا كان الضلال له طرقٌ متشعبةٌ؛ نحو: {أية : وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} تفسير : [الأنعام: 153] ناسب الجمع الجمع، وهذا الحمل الثاني مما حمل فيه على المعنى، وإن لم يتقدمه حمل على اللفظ، قال أبو حيان: "وهو قليل في القرآن"، يعني: بالنسبة إلى غيره، ومثله: {أية : وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} تفسير : [يونس: 42] ويمكن أن يكون المحسِّن لهذا هنا كونه تقدَّم حمل على اللفظ، وإن كان في جملة أخرى غير جملته. وقرأ نافعٌ، وأبو عمرو بإثبات ياء "المهتدي" وصلاً، وحذفها وقفاً، وكذلك في التي تحت هذه السورة، وحذفها الباقون في الحالين. قوله: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً} يجوز أن يتعلق الجار في قوله {عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} بالحشر، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من المفعول، أي: كائنين ومسحوبين على وجوههم. فإن قيل: كيف يمكنهم المشي على وجوههم؟. فإن قيل: كيف يمكنهم المشي على وجوههم؟. فالجواب من وجهين: الأول: أنَّهم يسحبون على وجوههم، قال تعالى: {أية : يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} تفسير : [القمر: 48]. والثاني: "حديث : قال أبو هريرة: قيل: يا رسول الله، كيف يمشون على وجوههم؟ قال: الذي يُمشِيهمْ على أقْدامِهمْ قَادرٌ أن يُمشِيهُمْ على وُجوهِهمْ ". تفسير : قوله: "عُمْياً" يجوز أن تكون حالاً ثانية من الضمير، أو بدلاً من الأولى، وفيه نظر؛ لأنه لا يظهر فيه أنواع البدل، وهي: كلٌّ من كلٍّ، ولا بعض من كلٍّ، ولا اشتمال، وأن تكون حالاً من الضمير المرفوع [في الجارِّ] لوقوعه حالاً، وأن تكون حالاً من الضمير المجرور في "وُجوهِهمْ". فصل في توهم الاضطراب بين بعض الآيات والجواب عنه قال رجل لابن عباس: أليس أنه تعالى يقول: {أية : وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ} تفسير : [الكهف: 53]. وقال: {أية : سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} تفسير : [الفرقان: 12]. وقال: {أية : دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً} تفسير : [الفرقان: 13]. وقال: {أية : يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا} تفسير : [النحل: 111]. وقال حكاية عن الكفَّار: {أية : وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 23]. وأثبت لهم الرؤية، والكلام، والسَّمع، فكيف قال ههنا: "عُمياً وبُكماً وصُماً"؟. فأجاب ابن عباس وتلامذته من وجوه: الأول: قال ابن عباس: "عُمْياً": لا يرون شيئاً يسرهم، و "صُمًّا": لا يسمعون شيئاً يسرهم، و "بُكْماً" لا ينطقون بحجَّة. والثاني: في رواية عطاء: "عُمْياً" عن النَّظر إلى ما جعله الله إلى أوليائه، و "بُكْماً" عن مخاطبة الله تعالى، ومخاطبة الملائكة المقرَّبين. الثالث: قال مقاتلٌ: حين قال لهم: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} تفسير : [المؤمنون: 108] يصيرون صمًّا بكماً، أما قبل ذلك، فهم يرون، ويسمعون، وينطقون. الرابع: أنَّهم يكونون رائين، سامعين، ناطقين في الموقف، ولولا ذلك، لما قدروا على مطالعة كتبهم، ولا سمعوا إلزام حجة الله تعالى عليهم، إلا أنَّهم إذا ذهبوا من الموقف إلى النَّار، صاروا صمًّا، وبكماً، وعمياً. وقيل: يحشرون على هذه الصفة. قوله: {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} يجوز في هذه الجملة الاستئناف، والحالية إمَّا من الضمير المنصوب أو المجرور. قوله: "كُلَّما خَبتْ" يجوز فيها الاستئناف، والحالية من "جهنَّم"، والعامل فيها معنى المأوى. وخَبتِ النَّار تَخْبُوا: إذا سكن لهيبها؛ قال الواحدي: خبت سكنت، فإذا ضعف جمرها، قيل: خمدتْ، فإذا طفئت بالجملة، قيل: همدتْ؛ قال: شعر : 3468- وَسْطهُ كاليَراعِ أوْ سُرجِ المِجْــ ــدَلِ طَوْراً يَخْبُو وطَوْراً يُنِيرُ تفسير : وقال آخر: [الهزج] شعر : 3469- لمن نَارٌ قُبَيْلَ الصُّبْـــ ــحِ عند البَيتِ ما تَخْبُو إذا مَا أخمدَتْ ألْقِي عَليْهَا المَندلُ الرَّطْبُ تفسير : وأدغم التاء في زاي "زِدْنَاهُمْ" أبو عمرو، والأخوان، وورش، وأظهرها الباقون. قوله: {زِدْنَاهُمْ سَعِيراً}. قال ابن قتيبة: زدناهم تلهُّباً. فإن قيل: إنه تعالى لا يخفف عنهم العذاب. وقوله: {كُلَّمَا خَبَتْ} يدلُّ على أنَّ العذاب محققٌ في ذلك الوقت. فالجواب: أن قوله "كُلَّما خَبَتْ" يقتضي سكون لهب النار، أما أنه يدل على تخفيف العذاب، فلا؛ لأنَّ الله تعالى قال: {أية : لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ}تفسير : [الزخرف: 75]. وقيل: معناه: "كلَّما خبت" [أي:] كلما أرادت أن تخبو {زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} أي: وقوداً. وقيل: المراد من قوله: {كُلَّمَا خَبَتْ} أي: نضجت جلودهم، واحترقت، أعيدوا إلى ما كانوا عليه. قوله تعالى: {ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ} يجوز أن يكون مبتدأ وخبراً، و "بأنهم" متعلق بالجزاء، أي: "ذلك العذاب المتقدم جزاؤهم بسبب أنَّهم" ويجوز أن يكون "جَزاؤهُمْ" مبتدأ ثانياً، والجار خبره، والجملة خبر "ذلك"، ويجوز أن يكون "جَزاؤهُمْ" بدلاً، أو بياناً، و "بِأنَّهُم" الخبر. وهذه الآية تدلُّ على أنَّ العمل علَّة الجزاءِ. قوله: {وَقَالُواْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً}. لمَّا أجاب عن شبهات منكري النبوة، عاد إلى حكاية شبهة منكري المعاد. وتلك الشبهة: هي أنَّ الإنسان بعد أن يصير رفاتاً، ورميماً، يبعد أن يعود هو بعينه، فأجاب الله عنه: بأنَّ من قدر على خلق السموات والأرض في عظمتها وشدَّتها قادر على أن يخلق مثلهم في صغرهم، وضعفهم؛ نظيره قوله تعالى: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [غافر: 75]. وفي قوله: {قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} قولان: الأول: [معناه] قادر على أن يخلقهم ثانياً، فعبَّر عن خلقهم بلفظ "المثل"؛ كقوله المتكلِّمين: إنَّ الإعادة مثل الابتداء. والثاني: قادر على أن يخلق عبيداً آخرين يوحِّدونه، ويقرُّون بكمال حكمته وقدرته، ويتركون هذه الشبهات الفاسدة؛ وعلى هذا، فهو كقوله تعالى: {أية : وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} تفسير : [إبراهيم: 19] وقوله: {أية : وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} تفسير : [التوبة: 39]. قال الواحديُّ: والأول أشبه بما قبله. ولمَّا بيَّن الله تعالى بالدَّليل المذكور: أنَّ البعث يمكنُ الوجود في نفسه، أردفه بأنَّ لوقوعه ودخوله في الوجود وقتاً معلوماً عند الله تعالى؛ وهو قوله: {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ} أي: جعل لهم وقتاً لا ريب فيه، {فَأَبَىٰ ٱلظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً} أي: الظالمون إلا الكفر والجحود. قوله: {وَجَعَلَ لَهُمْ}: معطوف على قوله "أو لَمْ يَروْا"؛ لأنه في قوة: قد رأوا، فليس داخلاً في حيِّز الإنكار، بل معطوفاً على جملته برأسها. وقوله: {لاَّ رَيْبَ فِيهِ} صفة لـ "أجلاً"، أي: أجلاً غير مرتابٍ فيه، فإن أريد به يوم القيامة، فالإفرادُ واضحٌ، وإن أريد به الموت، فهو اسم جنسٍ؛ إذ لكلِّ إنسانٍ أجلٌ يخصه. وقوله: {إِلاَّ كُفُوراً} قد تقدَّم.
البقاعي
تفسير : ولما أمر بما تضمن أنه كإخوانه من الرسل في كونه بشراً، أتبعه قوله تعالى عطفاً على: { فأبى} أو {فقالوا}: {وما منع الناس} أي قريشاً ومن قال بقولهم لما لهم من الاضطراب {أن يؤمنوا} أي لم يبق لهم مانع من الإيمان، والجملة مفعول "منع" {إذ جاءهم الهدى} أي الدليل القاطع على الإيمان وهو القرآن وغيره من الأدلة {إلا} وفاعل منع {أن قالوا} أي منكرين غاية الإنكار متعجبين متهكمين: {أبعث الله} أي بما له من العظمة الباهرة من صفات الجلال والإكرام {بشراً ورسولاً *} وسبب اتباع الضلال - مع وضوح ضره - وترك الهدى - مع ظهور نفعه - وقوع الشبهة أو الشهوة لضعفاء العقول - وهم أكثر الناس - في أوله ثم تقليد الرؤساء وتمكن العادة السيئة فيما بعد ذلك، فلما أنكروا كون الرسول بشراً بعد أن جعلوا الإله حجراً، علمه جوابهم بقوله تعالى: {قل} لهم: قال ربي سبحانه وتعالى: {لو كان} أي كوناً متمكناً {في الأرض} التي هي مسكن الآدميين {ملائكة يمشون} عليها كالآدميين من غير طيران كالملائكة إلى السماء {مطمئنين} باتخاذهم لها قراراً كما فعل البشر {لنزلنا} أي بما لنا من العظمة {عليهم} مرة بعد مرة كما فعلنا في تنزيل جبريل عليه السلام على الأنبياء من البشر، وحقق الأمر بقوله تعالى: {من السماء ملكاً رسولاً *} لتمكنهم من التلقي منه لمشاكلتهم له بخلاف البشر كما هو مقتضى الحكمة، لأن رسول كل جنس ينبغي أن يكون منهم، إذ الشيء عن شكله أفهم، وبه آنس، وإليه أحسن، وله آلف، إلا من فضله بتغليب نفسه وعقله على شهوته فأقدره بذلك على التلقي من الملك. ولما نصب البرهان القاطع على أن القرآن الموحى إليه من عند الله، ونفى شبهتهم في إنكار كون الرسول بشراً، بأنه ما خرج عن عادة من قبله ممن كانوا مقرين بأنهم أنبياء، وبأن الجنس لا يفهم عن جنس آخر، فالبشر لا يفهم عن الملك إلا بخارقة، ولا يكون ذلك إلا للرسل ومن أراد الله من أتباعهم، لم يبق إلا محض العناد الذي لا رجوع فيه إلا إلى السيف عند القدرة، وإلى الله عند فقدها، وكان في مكة المشرفة غير قادر على السيف، أمره الله تعالى بالرجوع إلى السيف فقال تعالى: {قل كفى بالله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {شهيداً} أي فيصلاً يكون {بيني وبينكم} يعامل كلاًّ منا بما يستحق؛ ثم علل كفايته لذلك بقوله تعالى: {إنه كان بعباده} قبل أن يخلقهم {خبيراً} بما يؤول إليه أمرهم بعد إيجاده لهم {بصيراً *} بما يكون منهم بعد وجوده. ولما تقدم أنه سبحانه وتعالى أعلم بالمهتدي والضال، وكان ختم هذه الآية مرشداً إلى أن المعنى: فمن علم منه بجوابه قابلية للخير وفقه للعمل على تلك المشاكلة، ومن علم منه قابلية للشر أضله، عطف عليه قوله تعالى: {ومن يهد الله} أي الذي له الأمر كله لأنه لا شريك له، بخلق الهداية في قلبه، وأشار إلى قلة المهتدي على طريقة الإحسان بإفراد ضميره، وإلى كثرة الضال بجمعه فقال تعالى: {فهو} أي لا غيره {المهتد} لا يمكن أحداً غيره أن يضله {ومن يضلل} فهو الضال لا هادي له، وذلك معنى قوله تعالى: {فلن تجد لهم} أي للضالين {أولياء} أي أنصاراً في هذه الدنيا {من دونه} يهدونهم ولا ينفعونهم بشيء أراد الله غيره، ولذلك نفوا أصلاً ورأساً، لأنهم إذا انتفى نفعهم كانوا كالعدم، وإذا انتفى على الجمع انتفى عن المفرد من باب الأولى؛ فالآية من الاحتباك: خبر الأول يدل على حذف ضده ثانياً، ونتيجة الثاني تدل على حذف ضدها من الأول. ولما كان يوم الفصل يوماً يظهر فيه لكل أحد في كل حالة من عظمته تعالى ما يضمحل معه كل عظمة قال تعالى: {ونحشرهم} بنون العظمة أي نجمعهم بكره {يوم القيامة} أي الذي هو محط الحكمة {على وجوههم} يمشون أو مسحوبين عليها إهانة لهم فيها كما لم يذلوها بالسجود لنا {عمياً وبكماً وصماً} كما كانوا في الدنيا لا ينتفعون بأبصارهم ولا نطقهم ولا أسماعهم، بل يكون ضرراً عليهم لما ينظرون من المعاطب، ويسمعون من المصائب، وينطقون به من المعايب؛ قال الرازي في اللوامع إذ يحشر المرء على ما مات عليه، فلم يكن له في الآخرة شيء إلا حصل أوله ومبدأه في الدنيا وتمامه في الآخرة - انتهى. ولما كان المقام للانتقال من مقام إلى آخر، قدم البصر لأنه العمدة في ذلك، وثنى بالنطق لأنه يمكن الأعمى الاسترشاد، وختم بالسمع لأنه يمكن معه وحده نوع رشاد، وعطفها بالواو إن كان لتشريك الكل في كل من الأوصاف فللتهويل، لأن المتكلم إذا نطق بالعاطف ظن السامع الانتقال إلى شيء آخر، فإذا أتى بالوصف كان أروع للعلم بأن صاحبه عريق فيه، لما تقدم في براءة، وإن كان للتنويع فلتصويرهم بأقبح صورة من حيث إنه لا ينتفع فريق منهم بالآخر كبير نفع، فكأنه قيل: إلى أيّ مكان يحشرون؟ فقال تعالى: {مأواهم جهنم} تستعر عليهم وتتجهمهم، كل واحد منهم يقاسي عذابها وحده وإن كان وجهه إلى وجه صاحبه، لأنه لا يدرك سوى العذاب للختم على مشاعره، فيا طولها من غربة! ويا لها من كربة! فكأنه قيل: هل يفتر عنهم عذابها؟ فقيل: لا بل هم كل ساعة في زيادة، لأنها {كلما خبت} أي أخذ لهبها في السكون عند إنضاجها لجلودهم {زدناهم} أي بما لنا من العظمة {سعيراً *} بإعادة الجلود؛ ثم بين علة تعذيبهم ليرجع منهم من قضى بسعادته فقال تعالى: {ذلك} أي العذاب العظيم {جزاؤهم بأنهم} أهل الضلالة {كفروا بآيٰتنا} القرآنية وغيرها، مع ما لها من العظمة بنسبتها إلينا، وكانوا كل يوم يزدادون كفراً، وهم عازمون على الدوام على ذلك ما بقوا {وقالوا} إنكاراً لقدرتنا {أَءِذا كنا عظاماً ورفاتاً} ممزقين في الأرض؛ ثم كرروا الإنكار كأنهم على ثقة من أمرهم هذا الذي بطلانه أوضح من الشمس بقولهم: {أإنا لمبعوثون} أي ثابت بعثنا {خلقاً جديداً *} فنحن نريهم جزاء على هذا الإنكار المكرر الخلق الجديد في جلودهم مكرراً كل لحظة { أية : كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب}تفسير : [النساء: 56] ثم أتبعه بقاطع في بيان جهلهم فقال منبهاً على أنهم أولى بالإنكار عاطفاً على ما تقديره: ألم يروا أن الله الذي ابتدأ خلقهم قادر على أن يعيدهم {أو لم يروا} أي يعلموا بعيون بصائرهم علماً هو كالرؤية بعيون أبصارهم لما قام عليه من الدلائل، ونادى بصحته من الشواهد الجلائل {أن الله} أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء قدرة وعلماً لا غيره {الذي خلق السماوات} جمعها لما دل على ذلك من الحسن، ولما لم يكن للأرض مثل ذلك أفردها مريداً الجنس الصالح للجمع فقال تعالى: {والأرض} على كبر أجرامها، وعظم أحكامها، وشدة أجزائها، وسعة أرجائها، وكثرة ما فيها من المرافق والمعاون التي يمزقها ويفنيها ثم يجددها ويحييها {قادر على أن يخلق} أي يجدد في أي وقت أراد {مثلهم} بدءاً فكيف بالإعادة وهم أضغف أمراً وأحقر شأناً {و} أنه {جعل لهم أجلاً} لعذابهم أو موتهم أو بعثهم لأنه معلوم في نفسه {لا ريب فيه} بوجه من الوجوه لما تكرر لهم من مشاهدة أنه لا تؤخر نفس إذا جاء أجلها، وكذا لا تقدم على أجلها، فكم ممن اجتهد الضراغمة الأبطال وفحول الرجال في ضره أو قتله؛ وهم قاطعون أنه في قبضتهم فلم يقدروا على ذلك، ثم كان ذلك بأضعف الناس أو بأوهى سبب فعلم بذلك أنه المنفرد بالقدرة على الإيجاد والإعدام {فأبى} أي بلى قد علموا ذلك علماً كالمحسوس المرئي فتسبب عن ذلك السبب للإيمان أن أبوا - هكذا كان الأصل فأظهر تعميماً وتعليقاً بالوصف فقال: {الظالمون} أي أبى هؤلاء المتعنتون لظلمهم {إلا كفوراً *} أي جحوداً لعدم الشركة. ولما قدم في هذه السورة أنه هو المعطي وأن عطاءه الجم - الذي فات الحصر، وفضل عن الحاجة، وقامت به الحجة على العباد في تمام قدرته وكمال علمه - غير محظور عن أحد، وأنهم يقتلون أولادهم مع ذلك خشية الإملاق، وهم يطلبون أن يظهر لهم من جنس ما خلق من الينابيع والجنات والذهب والزخرف على كيفيات مخصوصة لغير حاجة ما تقدم ذكره، وقد امتنعوا بخلاً وأنفة وجهلاً عن الاعتراف له بما أوجبه عليهم شكراً لنعمته، واستدفاعاً لنقمته، بعد قيام الدلائل وزوال الشبه فلا أبخل منهم لأنهم بخلوا مما يجب عليهم من الكلام كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "حديث : أبخل الناس من بخل بالسلام"تفسير : . أمره أن ينبههم على سفههم في ذلك بقوله تعالى: {قل لو}. ولما كان من حق "لو" الدخول على الأفعال، علم أن بعدها فعلاً من جنس ما بعد تقديره: تملكون ولكنه حذفه وفصل الضمير لأن المقصود الحكم عليهم بادىء بدء فقال تعالى: {أنتم} أي دون غيركم {تملكون خزائن} عبر بصيغة منتهى الجموع، لأن المقام جدير المبالغة {رحمة} أي إرزاق وإكرام {ربي} المحسن إليّ بإيتائي جميع ما ثبت أمري وأوضحه، وهي مقدوراته التي يرحم بها عباده بإضافتها عليهم {إذاً لأمسكتم} أي لوقع منكم الإمساك عن الإنفاق في بعض الوجوه التي تحتاجونها {خشية } عاقبة {الإنفاق} أي الموصل إلى الفقر، ثم استدل على صحة هذا المفروض بالمشاهد من مضمون قوله تعالى: {وكان} أي جبلة وطبعاً {الإنسان} أي الذي من شأنه الإنس بنفسه، فهو لذلك لا يعقل الأمور حق عقلها {قتوراً *} أي بخيلاً ممسكاً غاية الإمساك لإمكان أن يكون فقيراً فلا تراه إلا مضيقاً في النفقة على نفسه، ومن تلزمه نفقته، شديداً في ذلك وإن اتسعت أحواله، وزادت على الحد أمواله، لما فيه من صفة النقص اللازمة بلزوم الحاجة له، طبع على ذلك فهو في غريزته بالقوة، فكلهم يفعله إلا من وفقه الله تعالى فغلب عقله على هواه وقليل ما هم! أي فإذا كان هذا أمركم فيما تملكونه مع الحاجة إلى الوجوه المنفق فيها فكيف تطلبون من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما لا يملكه، ولا ادعى القدرة عليه؟ أو من الخالق الحكيم أن يفعل ما تتعنتون به عبثاً بغير حاجة أصلاً، لأنه إن كان لإثبات قدرته فأنتم لا تمترون فيها، وإن كان لإثبات رسالة نبيكم فقد ثبت بأمور أعظمها هذا القرآن الذي مر آنفاً إقامة الدليل عليها به، وهتك أستار شبهتكم في استبعاد كون الرسول بشراً، والله تعالى قد أكرمكم بنبيكم عن أن يعاجلكم بالاستئصال عند العصيان بعد كشف الغطاء كما جرت به سنته في جميع الأمم، وإن كان لإثبات غناكم فهو شيء لا يغني نفوسكم فيردها عن طلب المزيد وعن التقتير لما طبعتم عليه. بل تكونون عند حصول ذلك لكم لحصول الغنى كالمستجير من الرمضاء بالنار، وهو قد قضى أنه يظهر أمره على كل من ناواه وإن كره الكافرون، وقد علم من يؤمن فييسر له الإيمان ويجعله عوناً لحزب الرحمن، ومن لا يؤمن فهو يجعله مع أولياء الشيطان، ويذيق الكل الهوان، ويجعلهم وقوداً للنيران، فلم يبق بعد هذا كله في إجابتكم إلى تعنتكم إلا العبث الذي هو سبحانه متعال عنه، فلا وجه يحصل به الإنسان الغني إلا اتباع السنة والانسلاخ عن الهوى، فمن وصل إلى ذلك استوى عنده الذهب والحصباء.
القشيري
تفسير : تعجَّبوا مما ليس بمحلِّ شُبهة، ولكن حَمَلَهم على ذلك فَرْطُ جَهْلِهم، ثم أصَرُّوا على تكذيبهِم وجحدهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما منع الناس} اى قريشا من {ان يؤمنوا} بالقرآن وبالنبوة {اذ جاءهم الهدى} وقت مجيئ الوحى ظرف لمنع او يؤمنوا {الا ان قالوا} الا قولهم {أبعث الله بشرا} حال من {رسولا} منكرين ان يكون رسول الله من جنس البشر فالمانع هو الاعتقاد المستلزم لهذا القول {قل} جوابا لشبهتهم.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى وما صرف الناس، يعنى المشركين الذين لم يؤمنوا، وانما أخبر عنه بالمنع مبالغة له في الصرف، لان المنع يستحيل معه الفعل، والصرف يمكن معه الفعل، لكنه لشدّة صرفه شبّه بالمنع. وقوله {أَن يؤمنوا} اي ما صرفهم عن التصديق بالله ورسوله حين جاءهم الهدى، يعنى الحجج والبينات، وطريق الحق إِلا قولهم {أبعث الله بشراً رسولاً} فدخلت عليهم الشبهة في أنه لا يجوز من الله أَن يبعث رسولاً إِلا من الملائكة، كما دخلت عليهم الشبهة في أَن عبادتهم لا تصلح لله، فوجّهوها إِلى الاصنام، فعظموا الله تعالى بجهلم، بما ليس فيه تعظيم. وهذا فاسد، لأَن تعظيم الله إِنما يكون بأن يشكر على نعمته بغاية الشكر ويحمد غاية الحمد، ويضاف اليه الحق دون الباطل، وهم عكسوا فأضافوا الباطل اليه وما يتعالى عن فعله أو إرادته. وإِنما عدلوا عن الهدى إِلى الضلال تقليداً لرؤسائهم. واعتقاداً للجهل بالشبهة. فان قيل لم جاز ان يرسل الله إِلى النبي - وهو من البشر - ملكاً ليس من جنسه؟ ولم يجز أن يرسل إِلى غير النبي مثل ذلك؟! قلنا: لانه صاحب معجزة، وقد اختير للهداية والمصلحة، فصارت حاله بذلك مقارِبةً لحال الملك، وليس كذلك غيره من الأمة، مع ان الجماعة الكثيرة ينبغي ان يتخير لها ما تجتمع عليه هممها بما لا يحتاج اليه في الواحد منا إِذا اريد صلاح الجميع. وقيل: لأنهم لا يجوز ان يروا الملك، وهم على هذه الهيئة التي هم بها, على أنه يلزمهم على الامتناع من اتباع النبيّ - لأنه بشر مثلهم - الامتناع من اتباع الملك، لانه عبد ومحدث مثلهم في العبودية والحدوث، فان جاز ذلك، لان الله تعالى عظمه وشرّفه واختاره، جاز ايضاً في البشر لمثل هذه العلة. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {قل} لهم {لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين} قال الحسن معنى {مطمئنين} قاطنين فيها. وقال الجبائي: {مطمئنين} عن امر الله الذي يلزم بالاعراض عنه الذم، كما قال تعالى {أية : ولكنه أخلد إِلى الأرض واتبع هواه}.تفسير : ثم قال له {قل} لهم كفى بالله، أي حسبي الله شهيداً وعالماً بيني وبينكم {إنه كان بعباده خبيراً بصيراً} أي عالماً بكم وبي، مدرك لنا. ونصب {شهيداً} على التمييز، وتقديره حسبي الله من الشهداء، ويجوز ان يكون نصبا على الحال، وتقديره كفى الله في حال شهادته. وإِنما قال هذا جوابا لهم حين قالوا: من يشهد لك بأنك رسول الله؟ فقال الله له {قل كفى بالله شهيداً}.
الجنابذي
تفسير : {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ} اى الرّسالة او الكتاب السّماوىّ او الولاية فانّ الكلّ ما به الهداية الى الله كما انّ الاوّلين هداية الى الولاية ايضاً {إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} يعنى الاّ انكارهم رسالة البشر لكنّه اتى بالقول اشعاراً بانّ هذا الانكار محض قولٍ يقولون من غير اعتقادٍ وبرهانٍ عليه، ولمّا كان انكار رسالة البشر تعريضاً برسالة الملك امره (ص) الله تعالى ان يقول فى جوابهم انّ الملك من الملكوت ولا يظهر على الملك الاّ بخرابه اختياراً واضطراراً فقال {قُل...}.
اطفيش
تفسير : {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ} وقوله: {أَنْ يُؤْمِنُوا} مفعول ثان، أو يقدر بمن أو عن {إِذْ} متعلق بمنع، أو بيؤمنوا {جَاءَهُمُ الْهُدَى} وظهر لهم الحق، ولم تبق لهم شبهة {إِلاّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولاً} بالاستفهام الإنكارى.
الالوسي
تفسير : {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ} أي الذين حكيت أباطيلهم {أَن يُؤْمِنُواْ} مفعول {مَنَعَ} وقوله تعالى: {إِذْ جَاءهُمُ ٱلْهُدَىٰ} ظرف {مَنَعَ} أو {يُؤْمِنُواْ} أي ما منعهم وقت مجيء الوحي المقرون بالمعجزات المستدعية للإيمان أن يؤمنوا بالقرآن وبنبوتك أو ما منعهم أن يؤمنوا وقت مجيء ما ذكر {إِلاَّ أَن قَالُواْ} فاعل {مَنَعَ} أي إلا قولهم {أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً} منكرين أن يكون رسول الله عليه الصلاة والسلام من جنس البشر وليس المراد أن هذا القول صدر عن بعض فمنع آخرين بل المانع هو الاعتقاد الشامل للكل المستتبع لهذا القول منهم. وإنما عبر عنه بالقول إيذاناً بأنه مجرد قول يقولونه بأفواههم من غير أن يكون له مفهوم ومصداق، وحصر المانع [من الإيمان] فيما ذكر مع أن لهم موانع شتى لما أنه معظمها أو لأنه هو المانع بحسب الحال أعني عند سماع الجواب بقوله تعالى: {أية : هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً } تفسير : [الإسراء: 93] إذ هو الذي يتشبثون به حينئذ من غير أن يخطر ببالهم شبهة أخرى من شبههم الواهية، وفيه على هذا إيذان بكمال عنادهم حيث يشير إلى أن الجواب المذكور مع كونه حاسماً لمواد شبههم مقتضياً للإيمان يعكسون الأمر ويجعلونه مانعاً قاله بعض المحققين وظاهر ذلك أن القول لا يقولون برسالة أحد من الرسل المشهورين كإبراهيم وموسى عليهما السلام أصلاً، وصرح بعضهم بأنهم لم ينكروا إرسال غيره صلى الله عليه وسلم منهم وبأن قولهم هذا كان تعنتاً وهذا خلاف الظاهر هنا، ولعل القوم كانوا في ريب وتردد لا يستقيمون على حال فتدبر. والظاهر أن الآية إخبار منه عز مجده عن الأمر المانع إياهم عن الإيمان، ويظهر من كلام ابن عطية أن هذا الكلام منه عليه الصلاة والسلام قاله على معنى التوبيخ والتلهف وحاشا من له أدنى ذوق من أن يذهب / إلى ذلك.
ابن عاشور
تفسير : بعد أن عُدّت أشكال عنادهم ومَظاهر تكذيبهم أعقبت ببيان العلة الأصلية التي تبعث على الجحود في جميع الأمم وهي توهمهم استحالة أن يبعث الله للناس برسالة بشراً مثلهم. فذلك التوهم هو مثار ما يأتونه من المعاذير، فالذين هذا أصل معتقدهم لا يرجى منهم أن يؤمنوا ولو جاءتهم كل آية، وما قصدهم من مختلف المقتَرحات إلا إرضاءُ أوهامهم بالتنصل من الدخول في الدين، فلو أتاهم الرسول بما سألوه لانتقلوا فقالوا: إن ذلك سحر، أو قلوبنا غلف، أو نحو ذلك. ومع ما في هذا من بيان أصل كفرهم هو أيضاً رد بالخصوص لقولهم: {أية : أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً }تفسير : [الإسراء: 92] ورد لقولهم: {أية : أو ترقى في السماء }تفسير : [الإسراء: 93] إلى آخره. وقوله: {إلا أن قالوا أبعث الله بشراً رسولا} يقتضي بصريحه أنهم قالوا بألسنتهم وهو مع ذلك كناية عن اعتقادهم ما قالوه. ولذلك جعل قولهم ذلك مانعاً من أن يؤمنوا لأن اعتقاد قائليه يمنع من إيمانهم بضده ونطقهم بما يعتقدونه يمنع من يسمعونهم من متبعي دينهم. وإلقاء هذا الكلام بصيغة الحصر وأداة العموم جعله تذييلاً لما مضى من حكاية تفننهم في أساليب التكذيب والتهكم. فالظاهر حمل التعريف في {الناس} على الاستغراق. أي ما منع جميع الناس أن يؤمنوا إلا ذلك التوهم الباطل لأن الله حكى مثل ذلك عن كل أمة كذبت رسولها فقال حكاية عن قوم نوح {أية : ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين}تفسير : [المؤمنون: 24]. وحكى مثله عن هود{أية : ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشراً مثلكم إنكم إذاً لخاسرون}تفسير : [المؤمنون: 33-34]، وعن قوم صالح {أية : ما أنت إلا بشر مثلنا}تفسير : سورة [الشعراء: 154]، وعن قوم شُعيب{أية : وما أنت إلا بشر مثلنا }تفسير : [الشعراء: 186]، وحكى عن قوم فرعون {أية : قالوا أنؤمن لبشرين مثلنا}تفسير : [المؤمنون: 47]. وقال في قوم محمد {أية : بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب}تفسير : [ق: 2]. وإذ شمل العموم كفار قريش أمر الرسول بأن يجيبهم عن هذه الشبهة بقوله: {لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين} الآية، فاختص الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم باجتثاث هذه الشبهة من أصلها اختصاصاً لم يُلقنه من سَبق من الرسل، فإنهم تلقوا تلك الشبهة باستنصار الله تعالى على أقوامهم فقال عن نوح {أية : قال رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحاً ونجني ومن معي من المؤمنين}تفسير : [الشعراء: 118]. وقال مثله عن هود وصالح، وقال عن موسى وهارون،{أية : فكذبوهما فكانوا من المهلكين}تفسير : [المؤمنون: 48]، فقد ادخر الله لرسوله قواطع الأدلة على إبطال الشرك وشبه الضلالة بما يناسب كونه خاتم الرسل، ولهذا قال في خطبة حجّة الوداع: إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه ولكنه قد رضي أن يطاع فيما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم. ومعنى قوله: {لو كان في الأرض ملائكة يمشون} الخ: أن الله يرسل الرسول للقوم من نوعهم للتمكين من المخالطة لأن اتحاد النوع هو قوام تيسير المعاشرة، قال تعالى: {أية : ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلاً}تفسير : [الأنعام: 9]، أي في صورة رجل ليمكن التخاطب بينه وبين الناس. وجملة {يمشون} وصف لــــ {ملائكة}. و{مطمئنين} حال. والمطمئن: الساكن. وأريد به هنا المتمكن غير المضطرب، أي مشي قرار في الأرض، أي لو كان في الأرض ملائكة قاطنون على الأرض غير نازلين برسالة للرسل لنزلنا عليهم ملكاً. ولما كان المشي والاطمئنان في الأرض من صفة الإنسان آل المعنى إلى: لو كنتم ملائكة لنزلنا عليكم من السماء ملكاً فلما كنتم بشراً أرسلنا إليكم بشراً مثلكم. ومجيء الهدى هو دعوة الرسل إلى الهُدى.
الشنقيطي
تفسير : هذا المانع المذكور هنا عادي. لأنه جرت عادة جميع الأمم باستغرابهم بعث الله رسلاً من البشر. كقوله: {أية : قَالُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا}تفسير : [إبراهيم:10] الآية، وقوله: {أية : أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا}تفسير : [المؤمنون:47] الآية، وقوله: {أية : أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ}تفسير : [القمر:24]، وقوله: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا}تفسير : [التغابن:6] الآية، وقوله: {أية : وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ}تفسير : [المؤمنون:34] إلى غير ذلك من الآيات. والدليل على أن المانع في هذه الآية عادي: أنه تعالى صرح بمانع آخر غير هذا "في سورة الكهف" وهو قوله: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً}تفسير : [الكهف:55] فهذا المانع المذكور "في الكهف" مانع حقيقي. لأن من أراد الله به سنة الأولين: من الإهلاك، أو أن يأتيه العذاب قبلاً - فإرادته به ذلك مانعة من خلاف المراد. لاستحالة أن يقع خلاف مراده جل وعلا. بخلاف المانع "في آية بني إسرائيل" هذه، فهو مانع عادي يصح تخلفه. وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب".
د. أسعد حومد
تفسير : (94) - وَمَا مَنَعَ أَكْثَرَ النَّاسِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ، وَالرِّسَالَةِ التِي جَاءَهُمْ بِهَا رَسُولُهُمْ، إِلاَّ تَعَجُّبُهُمْ مِنْ إِرْسَالِ اللهِ رُسُلاً مِنَ البَشَرِ: كَقَولِهِمْ: {أية : مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا}، تفسير : وَقَوْلِهِمْ: {أية : فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} تفسير : وَقَوْلِهِمْ: {أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: ما منعهم من الإيمان إلا هذه المسألة: أن يكون الرسول بشراً، هذه هي القضية التي وقفت في حلوقهم: {أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} [الإسراء: 94]. والمتأمِّل في مسألة التبليغ عن الله يجد أنها لا يمكن أنْ تتم إلا ببشر، فكيف يبلغ البشر جنس آخر، ولا بُدَّ للتلقِّي عن الله من وسائط بين الحق سبحانه وتعالى وبين الناس؛ لأن البشر لا يستطيع أنْ يتلقّى عن القُوة العليا مباشرة، فإذنْ: هناك مراحل: {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ}تفسير : [الشورى: 51]. لكن الرسول البشري كيف يُكلِّم الله؟ لا بُدَّ أنْ نأتي برسول من الجنس الأعلى: {أية : ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً ..}تفسير : [الحج: 75] وهذا مرحلة، ثم يصطفي رسولاً من البشر يتلقّى عن الملَكِ كي يستطيع أنْ يُبلِّغكم؛ لأنكم لا تقدرون على اللقاء المباشر مع الحق سبحانه. ونضرب لذلك مثلاً - ولله المثل الأعلى: أنت إذا أردتَ إضاءة لمبة صغيرة وعندك تيار كهربائي عالٍ، هل يمكن أنْ تُوصِّله بهذه اللمبة؟ لا لأنها ستحترق فوراً، إذن: ما الحل؟ الحل أنْ تأتي بجهاز وسيط يُقلِّل لك هذا التيار القوي، ويعطي اللمبة على قَدْر حاجتها فتضيء. كذلك الحق سبحانه يصطفي من الملائكة رسلاً يمكنهم التلقِّي عن الله ويصطفي من البشر رسلاً يمكنهم التلقِّي عن الملائكة، ثم يُبلّغ الرسول المصطفى من البشر بني جنسه. إذن: فماذا يُزعجكم في أنْ يكون الرسول بشراً؟ ولماذا تعترضون على هذه المسألة وهي أمر طبيعي؟ يقول تعالى: {أية : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ ..}تفسير : [يونس: 2]. وفي موضع آخر يقول سبحانه: {أية : وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ * قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا ..}تفسير : [يس: 13-15]. إذن: فاعتراضهم على بشرية الرسول أمر قديم توارثه أهل الكفر والعناد من أيام نوح - عليه السلام - ألم يَقُلْ له قومه: {أية : فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا ..}تفسير : [هود: 27]. وقالوا: {أية : وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ}تفسير : [المؤمنون: 34]. وقالوا: {أية : أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ}تفسير : [القمر: 24]. لذلك يدعونا الحق سبحانه وتعالى إلى النظر في السُّنة المتبعة في الرسل: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ..}تفسير : [النحل: 43]. أي: ليسوا ملائكة، لا بُدَّ أنْ يكونوا رجالاً لِيتمّ اللقاء بينكم، وإلاّ فلو جاء الرسول مَلَكاً كما تقولون، هل ستروْن هذا الملَك؟ قالوا: لا هو مُستتر عنَّا، لكنه يرانا، لكن تبليغ الرسالة لا يقوم على مجرد الرؤية، فتبليغ الرسالة يحتاج إلى مخالطة ومخاطبة، وهنا لا بُدَّ أنْ يتصوّر لكم الملَك في صورة رجل ليؤدي مهمة البلاغ عن الله، وهكذا نعود من حيث بدأنا؛ لأنها الطبيعة التي لا يمكن لأحد الخروج عنها. لذلك يقول سبحانه: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ}تفسير : [الأنعام: 9] إذن: لا داعي للتمحُّك والعناد، ومصادمة الفطرة التي خلقها الله، والطبيعة التي ارتضاها لخَلْقه. ثم يقول الحق سبحانه: {قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):