Verse. 2124 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

قُلْ لَّوْ كَانَ فِي الْاَرْضِ مَلٰۗىِٕكَۃٌ يَّمْشُوْنَ مُطْمَىِٕنِّيْنَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْہِمْ مِّنَ السَّمَاۗءِ مَلَكًا رَّسُوْلًا۝۹۵
Qul law kana fee alardi malaikatun yamshoona mutmainneena lanazzalna AAalayhim mina alssamai malakan rasoolan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» لهم «لو كان في الأرض» بدل البشر «ملائكة يمشون مطمئنين لنزّلنا عليهم من السماء ملكا رسولاً» إذ لا يرسل إلى قوم رسول إلا من جنسهم ليمكنهم مخاطبته والفهم عنه.

95

Tafseer

القرطبي

تفسير : أعلم الله تعالى أن المَلك إنما يُرسل إلى الملائكة؛ لأنه لو أرسل ملكاً إلى الآدميّين لم يقدروا أن يروه على الهيئة التي خلق عليها، وإنما أقدر الأنبياء على ذلك وخلقَ فيهم ما يقدرون به؛ ليكون ذلك آية لهم ومعجزة. وقد تقدّم في «الأنعام» نظير هذه الآية؛ وهو قوله: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً} تفسير : [الأنعام:8-9] وقد تقدّم الكلام فيه.

البيضاوي

تفسير : {قُلْ} جواباً لشبهتهم. {لَوْ كَانَ فِى ٱلأَرْضِ مَلَـٰئِكَةٌ يَمْشُونَ} كما يمشي بنو آدم. {مُطْمَئِنّينَ} ساكنين فيها. {لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ ٱلسَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً} لتمكنهم من الاجتماع به والتلقي منه، وأما الإِنس فعامتهم عماة عن إدراك الملك والتلقف منه، فإن ذلك مشروط بنوع من التناسب والتجانس، وملكاً يحتمل أن يكون حالاً من رسولاً وأن يكون موصوفاً به وكذلك بشراً والأول أوفق.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } لهم {لَوْ كَانَ فِى ٱلأَرْضِ } بدل البشر {مَلَٰئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ ٱلسَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولاً } إذ لا يرسل إلى قوم رسولاً إلا من جنسهم ليمكنهم مخاطبته والفهم عنه.

النسفي

تفسير : {قُل لَّوْ كَانَ فِي الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ} على أقدامهم كما يمشي الإنس، ولا يطيرون بأجنحتهم إلى السماء فيسمعوا من أهلها ويعلموا ما يجب علمه {مُطْمَئِنِّينَ} حال أي ساكنين في الأرض قارين {لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} يعلمهم الخير ويهديهم المراشد، فأما الإنس فإنما يرسل الملك إلى مختار منهم للنبوة فيقوم ذلك المختار بدعوتهم وإرشادهم و{بشراً} و{ملكاً} حالان من {رسولاً} {قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} على أني بلغت ما أرسلت به إليكم وأنكم كذبتك وعاندتم. {شهيداً} تمييز أو حال {إِنَّهُ كَان بِعِبَادِهِ} المنذرين والمنذرين {خَبِيراً} عالماً بأحوالهم {بَصِيراً} بأفعالهم فهو مجازيهم وهذه تسلية لرسول الله عليه السلام ووعيد للكفرة {وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ} وبالياء: يعقوب وسهل، وافقهما أبو عمرو، ومدني في الوصل أي من وفقه الله لقبول ما كان من الهدى فهو المهتدي عند الله {وَمَنْ يُضْلِلْ} أي ومن يخذله ولم يعصمه حتى قبل وساوس الشيطان {فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ} أي أنصاراً {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} أي يسحبون عليها كقوله {أية : يوم يسحبون في النار على وجوههم}تفسير : [القمر: 48] وقيل لرسول الله عليه الصلاة والسلام كيف يمشون على وجوههم؟ قال: «حديث : إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم»تفسير : {عُمْياً وَبُكْماً وَصُمَّاً} كما كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ويتصامون عن استماعه، فهم في الآخرة كذلك لا يبصرون ما يقر أعينهم ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم ولا ينطقون بما يقبل منهم {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ} طفئ لهبها {زِدْنَـاهُمْ سَعِيراً} توقدا.

ابو السعود

تفسير : {قُلْ} لهم أولاً من قِبلنا تبـيـيناً للحكمة وتحقيقاً للحق المُزيحِ للرَّيب {لَّوْ كَانَ} أي لو وجد واستقر {فِى ٱلأَرْضِ} بدل البشر {مَلَـٰئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ} قارّين فيها من غير أن يعرُجوا في السماء ويعلموا ما يجب أن يُعلم {لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ ٱلسَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً} يهديهم إلى الحق ويُرشِدُهم إلى الخير لتمَكُّنهم من الاجتماع والتلقي منه، وأما عامةُ البشر فهم بمعزل من استحقاق المفاوضةِ الملكية فكيف لا وهي منوطةٌ بالتناسب والتجانس، فبعثُ الملكِ إليهم مزاحِمٌ للحكمة التي عليها مبنى التكوينِ والتشريع، وإنما يُبعث الملَك من بـينهم إلى الخواصّ المختصين بالنفوس الزكية المؤيَّدين بالقوة القُدسية المتعلقين بكِلا العالَمَين الروحاني والجُسماني ليتلقَّوا من جانب ويُلْقوا إلى جانب، وقوله تعالى: {مَلَكًا} يحتمل أن يكون حالاً من رسولاً وأن يكون موصوفاً به وكذلك بشراً في قوله تعالى: {أية : أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً } تفسير : [الإسراء، الآية 94] والأولُ أولى. {قُلْ} لهم ثانياً من جهتك بعد ما قلت لهم من قِبلنا ما قلتَ وبـينتَ لهم ما تقضيه الحكمةُ في البعثة ولم يرفعوا إليه رأساً {كَفَىٰ بِٱللَّهِ} وحده {شَهِيداً} على أني أدّيتُ ما عليّ من مواجب الرسالةِ أكملَ أداءٍ وأنكم فعلتم ما فعلتم من التكذيب والعِناد، وتوجيهُ الشهادةِ إلى كونه عليه السلام رسولاً بإظهار المعجزةِ على وفق دعواه كما اختير لا يساعده قوله تعالى: {بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ} وما بعده من التعليل، وإنما لم يقل: بـيننا تحقيقاً للمفارقة وإبانةً للمباينة، وشهيداً إما حالٌ أو تميـيزٌ {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ} من الرسل والمرسَلِ إليهم {خَبِيرَا بَصِيرًا} محيطاً بظواهر أحوالِهم وبواطنها فيجازيهم على ذلك وهو تعليلٌ للكفاية، وفيه تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهديدٌ للكفار. {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ} كلامٌ مبتدأٌ يفصل ما أشار إليه الكلامُ السابق من مجازاة العبادِ إشارةً إجماليةً، أي من يهدِه الله إلى الحق بما جاء من قبله من الهدى {فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} إليه وإلى ما يؤدّي إليه من الثواب أو المهتدِ إلى كل مطلوب {وَمَن يُضْلِل} أي يخلُقْ فيه الضلالَ بسوء اختيارِه كهؤلاء المعاندين {فَلَن تَجِدَ لَهُمْ} أوثر ضميرُ الجماعة اعتباراً لمعنى (مَنْ) غِبّ ما أوثر في مقابله الإفرادُ نظراً إلى لفظها تلويحاً بوَحدة طريقِ الحقِّ وقلةِ سالكيه وتعددِ سبلِ الضلال وكثرةِ الضلال {أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ} من دون الله تعالى أي أنصاراً يهدونهم إلى طريق الحقِّ أو إلى طريق يوصلهم إلى مطالبهم الدنيويةِ والأخروية، أو إلى طريق النجاةِ من العذاب الذي يستدعيه ضلالُهم، على معنى لن تجدَ لأحد منهم وليًّا على ما تقتضيه قضيةُ مقابلةِ الجمعِ بالجمع من انقسام الآحادِ إلى الآحاد {وَنَحْشُرُهُمْ} التفاتٌ من الغَيبة إلى التكلم إيذاناً بكمال الاعتناءِ بأمر الحشرِ {يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ} على وجوههم أو مشياً، فقد روي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يمشون على وجوههم؟ قال: « حديث : إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادرٌ على أن يُمشِيَهم على وجوههم » تفسير : {عُمْيًا} حال من الضمير المجرورِ في الحال السابقة {وَبُكْمًا وَصُمّا} لا يُبصِرون ما يُقِرّ أعينَهم ولا ينطِقون ما يُقبل منهم ولا يسمعون ما يُلذّ مسامعَهم لما قد كانوا في الدنيا لا يستبصرون بالآيات والعبرِ ولا ينطِقون بالحق ولا يستمعونه، ويجوز أن يُحشَروا بعد الحسابِ من الموقف إلى النار مُوفَيْ القُوى والحواسّ وأن يحشروا كذلك ثم يعاد إليهم قواهم وحواسُّهم، فإن إدراكاتِهم بهذه المشاعرِ في بعض المواطنِ مما لا ريب فيه {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} إما حالٌ أو استئنافً وكذا قوله تعالى: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} أي كلما سكن لهبُها بأن أكلت جلودَهم ولحومَهم ولم يبق فيهم ما تتعلق به النارُ وتحرِقه زدناهم توقداً بأن بدّلناهم جلوداً غيرَها فعادت ملتهبةً ومستعرةً، ولعل ذلك عقوبةٌ لهم على إنكارهم الإعادةَ بعد الفناءِ بتكريرها مرةً بعد أخرى ليرَوها عِياناً حيث لم يعلموها برهاناً كما يفصح عنه قوله تعالى: {ذٰلِكَ} أي ذلك العذابُ {جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ} أي بسبب أنهم {كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِنَا} العقليةِ والنقليةِ الدالةِ على صحة الإعادةِ دَلالةً واضحةً، فذلك مبتدأٌ وجزاؤُهم خبرُه ويجوز أن يكون مبتدأً ثانياً وبأنهم خبرُه، والجملةُ خبراً لذلك وأن يكون جزاؤهم بدلاً من ذلك أو بـياناً له والخبرُ هو الظرف {وَقَالُواْ} منكرِين أشدَّ الإنكار {أَءذَا كُنَّا عِظَـٰماً وَرُفَـٰتاً أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} إما مصدرٌ مؤكدٌ من غير لفظِه أي لمبعوثون بعثاً جديداً وإما حالٌ أي مخلوقين مستأنَفين. {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} أي ألم يتفكروا ولم يعلموا {أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} من غير مادةٍ مع عظمهما {قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} في الصغر على أن المِثْلَ مقحَمٌ والمرادُ بالخلق الإعادةُ كما عبر عنها بذلك حيث قيل: خلقاً جديداً {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ} عطف على أولم يروا فإنه في قوة قد رأوا، والمعنى قد علموا أن من قدَر على خلق السموات والأرضِ فهو قادرٌ على خلق أمثالِهم من الإنس وجعل لهم ولبعثهم أجلاً محققاً لا ريب فيه هو يومُ القيامة {فَأَبَىٰ ٱلظَّـٰلِمُونَ} وُضع موضعَ الضميرِ تسجيلاً عليهم بالظلم وتجاوزِ الحدّ بالمرة {إِلاَّ كُفُورًا} أي جحوداً. {قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبّى} خزائنَ رزقِه التي أفاضها على كافة الموجوداتِ، وأنتم مرتفعٌ بفعل يفسّره المذكورُ كقول حاتم: [السريع] شعر : لو ذاتُ سِوارٍ لَطَمتْني تفسير : وفائدة ذلك المبالغةُ والدلالةُ على الاختصاص. {إِذِاً لأمْسَكْتُمْ} لبخِلتم {خَشْيَةَ ٱلإِنفَاقِ} إذ ليس في الدنيا أحدٌ إلا وهو يختار النفعَ لنفسه، ولو آثر غيرَه بشيء فإنما يُؤثره لِعَوض يفوقه، فإذن هو بخيلٌ بالإضافة إلى جودِ الله سبحانه {وَكَانَ ٱلإنْسَـٰنُ قَتُورًا} مبالغاً في البخل لأن مبْنى أمرِه على الحاجة والضِّنّة بما يحتاج إليه وملاحظةِ العِوضِ بما يبذُله.

القشيري

تفسير : الجنسُ إلى الجنسِ أميلُ، والشكلُ بالشكلِ آنَسُ، فقال سبحانه لو كان سكانُ الأرضِ ملائكةُ لَجَعَلْنا الرسولَ إليهم مَلَكاً، فلمَّا كانوا بَشَرَاً فلا ينبغي أن يُسْتَبَعدَ إرسالُ البشرِ إلى البشرِ.

اسماعيل حقي

تفسير : {لو كان} لو وجد واستقر {فى الارض} بدل البشر {ملائكة يمشون} على اقدامهم كما يمشى الناس ولا يطيرون باجنحتهم الى السماء فيسمعوا من اهلها ويعلموا ما يجب علمه {مطمئنين} ساكنين فيها قارين {لنزلنا عليهم من السماء ملكا} حال من {رسولا} ليبين لهم ما يحتاجون اليه من امور الدنيا والدين لان الجنس الى الجنس يميل ولما كان سكان الارض بشرا وجب ان يكون رسولهم بشرا ليمكن الافادة والاستفادة وهم جهلوا ان التجانس يورث التوانس والتخالف يوجب التنافر شعر : او بشر فرمود وخودرا مثلكم تابجنس آيندوكم كر دندوكم زانكه جنسيت عجائب جاذبيست جاذب جنست هرجاطا لبيست

الجنابذي

تفسير : {قُل} فى جواب انكارهم رسالة البشر انّ رسول البشر لا بدّ ان يكون بشراً ليجانسهم ويأنسوا به ولا يجانسهم الملك؛ نعم {لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا} اى قل لهم يقول الله ذلك لكنّه حذف القول لايهام انّ قول الرّسول وفعله قول الله وفعله {عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً قُلْ} بعد لجاجهم وعنادهم معرضاً عنهم متّكلاً على ربّك {كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً} هذا من جملة المحكىّ بالقول او مستأنف من الله وكذا قوله {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ..}.

الهواري

تفسير : قال الله للنبي عليه السلام: {قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلاَئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ} أي: مقيمين قد اطمأنت بهم الدار، أي: هي مسكنهم { لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَّسُولاً}. ولكن فيها بشر فارسلنا إليهم بشراً مثلهم. { قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [إني رسوله] { إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً}. قوله: { وَمَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِ} أي: لا يستطيع أحد أن يضلّه {وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ} أي: يمنعونهم من عذاب الله. قال: { وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً}. قال بعضهم: هذا حشر إلى النار. قال الحسن: {عُمياً وَبُكْماً وَصُمّاً} عموا في النار حين دخلوها فلم يبصروا فيها شيئاً، وهي سوداء مظلمة لا يضيء لهبها. {وَبُكْماً} أي: خرساً انقطع كلامهم حين قال: [الله لهم] (أية : اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ)تفسير : [المؤمنون:108]. وقد فسَّرناه قبل هذا الموضع. {وَصُمّاً} أي: ذهب الزفير والشهيق بسمعهم فلا يسمعون شيئاً. وقال في آية أخرى: (أية : وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ)تفسير : [الأنبياء:100]. قوله: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً}. وخبّوها أنها تأكل كل شيء: الجلد واللحم والعظم، والشعر والبشر والأحشاء حتى تهجم على الفؤاد، فلا يريد الله أن تأكل أفئدتهم، فإذا انتهت إلى الفؤاد خبت، أي: سكنت فلم تستعر بهم، وتركت فؤادهم ينضج، ثم يجدّد جلدهم فيعود، فتأكلهم، فلا يزالون كذلك. وهو قوله: (أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا) تفسير : [النساء:56]. وقال مجاهد: {كُلَّمَا خَبَتْ} أي: كلما طفئت أسعرت.

اطفيش

تفسير : {قُل} لهم جواباً لشبهتهم. {لَّوْ كَانَ فِى الأَرْضِ مَلاَئِكَةَ يمْشُونَ} كبنى آدم {مُطْمَئِنِّينَ} ساكنين فيها لا يطيقون الطيران إِلى السماء لاستماع الوحى وعلم ما يجب علمه {لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَّسُولاً} لأَنهم المتمكنون من الاجتماع بالملك والتلقى منه, وأما الإِنس فلا طاقة لهم على الاجتماع بالملك والتلقى منه لعدم تناسبهم للملك إِلا خواص من الإِنس اصطفاهم الله للنبوة وقواهم على الاجتماع بالملك والنقل منه وإنما قال ملائكة بالتنكير، إِما لأَن الأَرض لو عمرت بالملائكة كلها فما هم إلا قليل بالنسبة إلى باقى الملائكة، وإما إِشارة إِلى أنه لا بد من الوحى والتكليف، حتى أنه لو كان فى الأَرض بعض من الملائكة قليلا معمورون بغيرهم لم تهمهم عن التكليف بل لا بد أن ننزل عليهم الوحى لكن على لسان ملك ليناسبهم، كذا ظهر لى ولم أر من تعرض له، وملكا حال من رسول ورسولا مفعول به أو ملكاً مفعول به ورسولا نعته، والأَول أولى وكذا فى بشراً رسولا والله أعلم.

اطفيش

تفسير : {قُلْ} مجيبا لهم {لَوْ كَانَ فِى الأَرْضِ مَلاَئِكَةٌ يَمْشُونَ} كبنى آدم مشيا لا يطيرون ليستمعوا من ملائكة السماء ما يجب علمه {مُطْمَئِنِّينَ} إِلى الدنيا ولذاتها، أو ساكنين فيها كسكنى الإنسان فى وطنه بدون أن يستفز منه، وفى الأرض ملائكة لكن يطيرون ويمشون، وملائكة فاعل كان، ويمشون نعتٌ ومطمئنين حال من الواو أو ملائكة اسمه، وفى الأرض خبره، ويمشون نعت، ومطمئنين حال من الواو، أو الخبر مطمئنين. {لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولاً} يتلقون منه لتمكنهم من الاجتماع به، والأخذ عنه، وعامة البشر لا يقدرون على ذلك إلا من قواه الله عليهم، وهم الأنبياء مع أنهم لا يرون الملك على صورته إِلا سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، فأِنه رآه على صورته مرتين، مرة فى السماء ومرة فى الأرض، قال الله عز وجل: "أية : ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً" تفسير : [الأنعام: 9] أى على صورة رجل، إِذ لا تقدرون على صورة الملك، فتقولون هذا رجل لا ملك، وجعل البشر كلهم أو المكلفين على قوة النبيين، فيسمعون من المَلَك وهذا من الحكمة، والجنس بالجنس أليق، ولو جاءهم ملك على صورة البشر كما جاءه صلى الله عليه وسلم بصورة أعرابى يسأَله فيجيبه، وغاب وقال: هذا جبريل يعلمكم أمر دينكم لقالوا: إنه بشر لا ملَك، وهو صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الجن والملائكة، مع أنه صلى الله عليه وسلم ليس من جنسهم. أما الجن فأرسل إِليهم بما أرسل إِلينا، وأما الملائكة فأرسل إليهم بالإيمان به، وبما شاء عز وجل، وقيل: لم يبعث إِلى الملائكة وملكًا مفعول به، ورسولا نعت، أو هو مفعول، وملكًا حال.

الالوسي

تفسير : {قُلْ} لهم أولاً من قبلنا تبييناً للحكمة وتحقيقاً للحق المزيح للريب {لَّوْ كَانَ} أي لو وجد {فِى ٱلأَرْضِ} بدل البشر {مَلَـٰئِكَةٌ يَمْشُونَ} كما يمشي البشر ولا يطيرون إلى السماء فيسمعوا من أهلها ويعلموا ما يجب علمه {مُطْمَئِنّينَ} ساكنين مقيمين فيها، وقال الجبائي: أي مطمئنين إلى الدنيا ولذاتها غير خائفين ولا متعبدين بشرع لأن المطمئن من زال الخوف عنه {لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ ٱلسَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً} يعلمهم ما لا تستقل قدرهم بعلمه ليسهل عليهم الاجتماع به والتلقي منه وأما عامة البشر فلا يسهل عليهم ذلك لبعد ما بين الملك وبينهم فلا يبعث إليهم وإنما يبعث إلى خواصهم لأن الله تعالى قد وهبهم نفوساً زكية وأيدهم بقوى قدسية وجعل لهم جهتين جهة ملكية بها من الملك يستفيضون وجهة بشرية بها على البشر يفيضون، وجعل كل البشر كذلك مخل بالحكمة، وإنزال الملك عليهم على وجه يسهل التلقي منه بأن يظهر لهم بصورة بشر كما ظهر جبريل عليه السلام مراراً في صورة دحية الكلبـي. وقد صح حديث : أن أعرابياً جاء وعليه أثر السفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان وغيرها فأجابه عليه الصلاة والسلام بما أجابه ثم انصرف ولم يعرفه أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم فقال صلى الله عليه وسلم «هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم»تفسير : مما لا يجدي نفعاً لأولئك الكفرة كما قال تعالى جده {أية : وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 9] وقيل علة تنزيل الملك عليهم أن الجنس إلى الجنس أميل وهو به آنس، ولعل الأول أولى وإن زعم خلافه. وحكى الطبرسي عن بعضهم أنه قال في الآية: إن العرب قالوا كنا ساكنين مطمئنين فجاء محمد صلى الله عليه وسلم فازعجنا وشوش علينا أمرنا فبين سبحانه أنه لو كان ملائكة مطمئنين لأوجبت الحكمة إرسال الرسل إليهم ولم يمنع اطمئنانهم الإرسال فكذلك الناس لا يمنع كونهم مطمئنين إرسال الرسل إليهم، وأنت تعلم أن هذا بمراحل عن السياق ولا يصح فيه أثر كما لا يخفى على المتتبع. ونصب {مَلَكًا} يحتمل أن يكون على الحالية من {رَّسُولاً} الواقع مفعولاً لنزلنا وسوغ ذلك التقدم، ويحتمل أن يكون على المفعولية لنزلنا و{رَّسُولاً} صفة له، وكذا الكلام في قوله تعالى {أية : أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94] ورجح غير واحد الأول بأنه أكثر موافقة للمقام وأنسب، ووجه ذلك القطب وصاحب «التقريب» بأنه على الحالية يفيد المقصود بمنطوقه وعلى الوصفية يفيد خلاف المقصود بمفهومه، أما الأول: فلأن منطوقه أبعث الله تعالى رسولاً حال كونه بشراً لا ملكاً ولنزلنا عليهم رسولاً حال كونه ملكاً لا بشراً وهو المقصود، وأما الثاني: فلأن التقييد بالصفة يفيد أبعث الله تعالى بشراً مرسلاً لا بشراً غير مرسل ولنزلنا عليهم ملكاً مرسلاً لا ملكاً غير مرسل وهو خلاف المقصود بل غير مستقيم. وقال صاحب «الكشف» تبعاً لشيخه العلامة الطيبـي في ذلك: لأن التقديم إزالة عن موضعه الأصلي دلالة على أنه مصب الإنكار في الأول أعني {أية : أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94] فيدل على أن البشرية منافية لهذا الثابت ـ أعني الرسالة ـ كما تقول أضربت قائماً زيداً ولو قلت أضربت زيداً قائماً أو القائم لم يفد تلك الفائدة لأن الأول يفيد أن المنكر ضربه قائماً لا الضرب مطلقاً، والثاني يفيد أن المنكر ضرب زيد لاتصافه بهذه الصفة المانعة ولا يفيد أن أصل الضرب حسن ومسلم والجهة منكرة هذا إن جعل التقديم للحصر / وإن جعل للاهتمام دل على كونه مصب الإنكار وإن لم يدل على ثبوت مقابله، وعلى التقديرين فائدة التقديم لائحة اهـ، وهو أكثر تحقيقاً. واستشكل بعضهم هذه الآية بأنها ظاهرة في أنه إنما يرسل إلى كل قبيل ما يناسبه ويجانسه كالبشر للبشر والملك للملك ولا يرسل إلى قبيل ما لا يناسبه ولا يجانسه وهو ينافي كونه صلى الله عليه وسلم مرسلاً إلى الجن كالإنس إجماعاً معلوماً من الدين بالضرورة فيكفر منكره ومن نازع في ذلك فقد وهم وأجيب بمنع كونها ظاهرة في ذلك بل قصارى ما تدل عليه أن القوم أنكروا أن يبعث الله تعالى إلى البشر بشراً وزعموا أنه يجب أن يكون المبعوث إليهم ملكاً ومرامهم نفي أن يكون النبـي صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إليهم فأجيبوا بما حاصله أن الحكمة تقتضي بعث الملك إلى الملائكة لوجود المناسبة المصححة للتلقي لا إلى عامة البشر لانتفاء تلك المناسبة فأمر الوجوب الذي يزعمونه بالعكس وليس في هذا أكثر من الدلالة على أن أمر البعث منوط بوجود المناسبة فمتى وجدت صح البعث ومتى لم توجد لا يصح البعث وأنها موجودة بين الملك والملك لا بينه وبين عامة البشر كالمنكرين المذكورين وهذا لا ينافي بعثته صلى الله عليه وسلم إلى الجن لأنه عليه الصلاة والسلام متى صح فيه المناسبة المصححة للاجتماع مع الملك والتلقي منه صح فيه المناسبة المصححة للاجتماع مع الجن والإلقاء إليهم كيف لا وهو عليه الصلاة والسلام نسخة الله تعالى الجامعة وآيته الكبرى الساطعة وإذا قلنا إن اجتماعه عليه الصلاة والسلام بالجن وإلقاءه عليهم بعد تشكلهم له فأمر المناسبة أظهر وليس تشكل الملك لو أرسل إلى البشر بمجد لما سمعت آنفاً، ويقال نحو هذا في إرساله صلى الله عليه وسلم إلى الملائكة لما فيه عليه الصلاة والسلام من قوة الإلقاء إليهم كالتلقي منهم. وإلى كونه عليه الصلاة والسلام مرسلاً إليهم ذهب من الشافعية تقي الدين السبكي والبارزي والجلال المحلي في «خصائصه»، ومن الحنابلة ابن تيمية وابن مفلح في كتاب «الفروع»، ومن المالكية عبد الحق وقال كابن تيمية لا نزاع بين العلماء في جنس تكليفهم بالأمر والنهي. وقال إبراهيم اللقاني: لا شك في ثبوت أصل التكليف بالطاعات العملية في حقهم وأما نحو الإيمان فهو فيهم ضروري فيستحيل تكليفهم به. وقال السبكي في «فتاويه»: الجن مكلفون بكل شيء من هذه الشريعة لأنه إذا ثبت أنه عليه الصلاة والسلام مرسل إليهم كما هو مرسل إلى الإنس وأن الدعوة عامة والشريعة كذلك لزمتهم جميع التكاليف التي توجد فيهم أسبابها إلا أن يقوم دليل على تخصيص بعضها فنقول: إنه يجب عليهم الصلاة والزكاة إن ملكوا نصاباً بشرطه والحج وصوم رمضان وغيرها من الواجبات ويحرم عليهم كل حرام في الشريعة بخلاف الملائكة فإنا لا نلتزم أن هذه التكاليف كلها ثابتة في حقهم إذا قلنا بعموم الرسالة إليهم بل يحتمل ذلك ويحتمل الرسالة في شيء خاص اهـ. ولا مانع من أن يكلفهم كلهم بما جاءه من ربه جل جلاله بواسطة بعضهم على أنه ليس كل ما جاء به عليه الصلاة والسلام حاصلاً بوساطة الملك فيمكن أن يكون ما كلفوا به لم يكن بوساطة أحد منهم، وأنكر بعضم إرساله صلى الله عليه وسلم إليهم وبعدم الإرسال إليهم جزم الحليمي. والبيهقي من الشافعية ومحمود بن حمزة الكرماني في كتابه «العجائب والغرائب» من الحنفية بل نقل البرهان النسفي والفخر الرازي في «تفسيريهما» الإجماع عليه وجزم به من المتأخرين زين الدين العراقي في «نكته على ابن الصلاح» والجلال المحلي في «شرح جمع الجوامع». وصريح آية {أية : لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً} تفسير : [الفرقان: 1] - إذ العالم ما سوى الله تعالى وصفاته -، وخبر مسلم حديث : أرسلت إلى الخلق كافة تفسير : يؤيد المذهب الأول. نعم استدل أهل هذا المذهب بما استدلوا به وفيه ما فيه. وقد ادعى / بعض الناس أن الآية تؤيد مذهبهم لأنه تعالى خص فيها الملك بالإرسال إلى الملائكة فيتعين أن يكون هو الرسول إليهم لا البشر سواء كان بينه وبينهم مناسبة أم لا وقد سمعت ما نقل عن العلامة القطب وصاحب «التقريب» من أن المراد لنزلنا عليهم رسولاً حال كونه ملكاً لا بشراً. وأجيب بأنه بعد إرخاء العنان لا تدل الآية إلا على تعين إرسال الملك إلى الملائكة إذا كانوا في الأرض يمشون مطمئنين بدل البشر ولا يلزم منه أن لا يصح إرسال البشر إليهم إذا لم يكونوا كذلك لجواز أن يكون حكمة التعين في الصورة الأولى سوى المناسبة المترتب عليها سهولة الاجتماع والتلقي شيء آخر لا يوجد في الصورة الثانية وذلك أنه إذا كان أهل الأرض ملائكة وأرسل إليهم بشر له قوة الإلقاء إليهم والإفاضة عليهم، نحو إرسال رسل البشر عليهم السلام إليهم صعب بحسب الطبع على ذلك الرسول بقاؤه معهم زمناً يعتد بهم كما يبقى رسل البشر مع البشر كذلك إلا أن يجعل مشاركاً لهم فيما جبلوا عليه ويلحق بهم وهو أشبه شيء بإخراجه عن الطبيعة البشرية بالمرة فيكون العدول عن إرسال ملك إلى إرساله أشبه شيء بالعبث المنافي للحكمة اهـ فتدبر. فلعل الله سبحانه يمن عليك بما يروى الغليل وتأمل في جميع ما تقدم فلعلك توفق بعون الله تعالى إلى الجرح والتعديل.

الشنقيطي

تفسير : بين جل وعلا في هذه الآية: أن الرسول يلزم أن يكون من جنس المرسل إليهم. فلو كان مرسلاً رسولاً إلى الملائكة لنزل عليهم ملكاً مثلهم. أي وإذا أرسل إلى البشر أرسل لهم بشراً مثلهم. وقد أوضح هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ}تفسير : [الأنعام:8-9]، وقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ}تفسير : [الأنبياء:7]، وقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ}تفسير : [الفرقان:20] كما تقدم إيضاحه.

د. أسعد حومد

تفسير : {مَلاۤئِكَةٌ} {مُطْمَئِنِّينَ} (95) - قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلاَئِكَةٌ يَمْشُونَ كَمَا يَمْشِي البَشَرُ، وَيُقِيمُونَ فِيها، كَمَا يُقِيمُ البَشَرُ، وَيَسْهُلُ الاجْتِمَاعُ بِهِمْ، وَالحَدِيثُ مَعَهُمْ .... لأَرْسَلَ اللهُ إِلَيْهِمْ رُسُلاً مِنَ السَّمَاءِ مِنَ المَلاَئِكَةِ لِهِدَايَتِهِمْ، وَإِرْشَادَهِمْ. وَلَكِنَّ طَبِيعَةَ المَلاَئِكَةِ لاَ تَصْلُحُ لِلاجْتِمَاعِ بِالبَشَرِ، وَلاَ يَسْهُلُ عَلَيْهِمُ التَّخَاطُبُ مَعَهُمْ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يُرْسِلْ رُسُلاً إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ مِنَ المَلاَئِكَةِ، وَإِنَّمَا أَرْسَلَهُمْ مِنَ البَشَرِ، وَقَدِ اخْتَارَهُمْ مِنْ بَيْنِ البَشَرِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {قُلْ} أي: رَدَّاً عليهم: لو أن الملائكة يمشون في الأرض مطمئنين لَنزَّلنا عليهم مَلَكاً رسولاً لكي يكون من طبيعتهم، فلا بُدَّ أنْ يكون المبلِّغ من جنس المبلَّغ، وهذا واضح في حديث جبريل الطويل حينما جاء إلى رسول الله يسأله عن بعض أمور الدين لِيُعلّم الصحابة: ما الإحسان؟ ما الإيمان؟ ما الإسلام. فيأتي جبريل مجلس رسول الله في صورة رجل من أهل البادية، وبعد أنْ أدَّى مهمته انصرف دون أنْ يشعر به أحد، فلما سألوا عنه قال لهم رسول الله: "حديث : إنه جبريل، أتاكم لِيُعلِّمكم أمور دينكم ". تفسير : شيء آخر يقتضي بشرية الرسول، وهو أن الرسول أُسْوة سلوك لقومه، كما قال تعالى: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ..}تفسير : [الأحزاب: 21]. وبالله، كيف تتم هذه الأسوة؟ وكيف يقتدي الناس بها إنْ كان الرسول مَلَكاً؟ فالرسول عندما يُبلِّغ منهج الله عليه أنْ يُطبّق هذا المنهج في نفسه أولاً، فلا يأمرهم أمراً، وهو عنه بِنَجْوَة، بل هو إمامهم في القول والعمل. لذلك فالحاكم الحق الناصح يُطبّق القانون عليه أولاً، فكان سيدنا عمر - رضي الله عنه - إذا أراد أن يُقنّن قانوناً ويرى أنه سيتعب بعض الظالمين والمنحرفين فيجمع أهله ويخبرهم بما أراد، ثم يُحذّرهم من المخالفة: "فو الذي نفسي بيده، مَنْ خالفني منكم إلى شيء لأجعلنّه نكَالاً للمسلمين، وأنا أول مَنْ أُطبِّقه على نفسي". لذلك حكم عمر الفاروق الدنيا كلها في عصره، ولما رآه الرجل نائماً مطمئناً تحت شجرة قال قولته المشهورة: "حكمتَ، فعدلْتَ، فأمنت، فنمْتَ يا عمر" وعمر ما حكم الدنيا والبشر، بل حكم نفسه أولاً فحُكمت له الدنيا؛ لأن الحاكم هو مركز الدائرة، وحَواليْه دوائر أخرى صغيرة تراه وتقتدي به، فإنْ رأوه مستقيماً استقاموا، ولم يجرؤ أحد منهم على المخالفة، وإنْ رأوْه منحرفاً فاقوه في المخالفة، وأفسدوا أضعاف ما يُفسد. لذلك، لا يمكن أبداً لحاكم أن يحكم إلا إذا حكم نفسه أولاً، بعدها تنقاد له رعيته ويكونون طوعاً لأمره دون جهد منه أو تعب. ولقد رأينا في واقعنا بعض الحكام الذين فهموا الأُسْوة على حقيقتها، فترى الواحد من رعيته يركب أفخم السيارات، ويسكن أعظم القصور، حتى إن معظم أدواتها تكون من الذهب، في حين ترى هذا الحاكم يعيش عيشة متواضعة وربما يعيش في قصر ورثه عن أبيه أو جَدَِّه، وكأنه يُغلِظ على نفسه ويبغي الرفاهية لرعيته. وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أتى بمنهج، وهو في الوقت نفسه أُسْوة سلوك وقُدْوة، فنراه صلى الله عليه وسلم يحثّ الغنيّ على الصدقة للفقير، ثم يحرم أهل بيته من هذه الصدقة فلا يقبلها لهم، وإنْ توارث الناس فيما يتركونه من أموال فإن ما تركه الرسول لا يُوَرَّثُ لأهله من بعده، بل هو صدقة لفقراء المسلمين، وهكذا يحرم رسول الله أهل بيته مما أعطاه للآخرين لتكون القدوة صحيحة، ولا يجد ضعاف النفوس مأخذاً عليه صلى الله عليه وسلم. إذن: فليس المراد من الحكم أن يتميز الحاكم عن المحكوم، أو يفضل بعض الرعية على بعض، فإذا ما أحسَّ الناس بالمساواة خضعوا للحاكم، وأذعنوا له، وأطاعوا أمره؛ لأنه لا يعمل لمصلحته الشخصية بل لمصلحة رعيته، بدليل أنه أقلُّ منهم في كُلِّ مستويات الحياة. فالرسول إنْ جاء مَلَكاً فإن الأُسْوة لا تتمّ به، فإنْ أمرنا بشيء ودعانا إلى أن نفعل مثله فسوف نحتجّ عليه: كيف وأنت مَلَكٌ لا شهوةَ لك، لا تأكل ولا تشرب ولا تتناكح ولا تتناسل، إن هذه الأوامر تناسبك أنت، أما نحن فلا نقدر عليها. ومن هنا لا بُدَّ أن يكون الرسول بشراً فإنْ حمل نفسه على منهج فلا عُذْر لأحد في التخلُّف عنه؛ لأنه يطبق ما جاء به ويدعوكم إلى الاقتداء بسلوكه. وسبق أنْ ضربنا لذلك مثلاً وقُلْنا: هَبْ أنك رأيتَ في الغابة أسداً يصول ويجول ويفتك بفريسته، بالله هل يراودك أن تكون أسداً؟ إنما لو رأيتَ فارساً على صَهْوة جواده يصول ويجول ويحصد رقاب الأعداء، ألاَّ تتطلع إلى أن تكون مثله؟ إذن: لا تتمّ القُدْوة ولا تصح إلا إنْ كان الرسول بشراً، ولا داعي للتمرُّد على الطبيعة التي خلقها الله. ثم يقول الحق سبحانه: {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وأرادوا بذلك أن الرسالة بالملائكة أولى وأحق حتى أجابهم الله بقوله: {قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} [الإسراء: 95] يشير به إلى أنه لو كان الملك مستأهلاً للخلافة في الأرض لكنا نزلنا عليهم من السماء رسولاً من الملائكة. {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الإسراء: 95] بأنه مستعد للرسالة والمُلك {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ} [الإسراء: 96] في الأزل {خَبِيراً} [الإسراء: 96] الذين يخلقهم {بَصِيراً} [الإسراء: 96] بما جبلهم الله عليه {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ} [الإسراء: 96] بما يتولد منهم {فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} [الإسراء: 97] روحه عند رشاش نوره على الأرواح بإصابة النور {وَمَن يُضْلِلْ} [الإسراء: 97] إلى صراط مستقيم الدين القويم، بقبول دعوة الأنبياء وغيرهم من بيديه متابعتهم {فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ} [الإسراء: 97] في الهداية من الأنبياء وغيرهم {مِن دُونِهِ} [الإسراء: 97] أي: من دون الله يشير إلى الهداية في البداية مبنية على إصابة النور عند رشاشه؛ فمن لم يصب ذلك النور وأخطأه بقي في ظلمة الضلالة، وليس لأحد أن يخرجه منها إلى نور الهداية إلا الله تعالى؛ فإنه الهادي في البداية والنهاية، وهو الولي الذي يخرج المؤمنين من الظلمات إلى النور من الأزل إلى الأبد، واستوى عنده الأزل والأبد، وكل وقت له أزل وأبد. {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً} [الإسراء: 97] لأنهم كانوا يعيشون في الدنيا مكبين على وجوههم في طلب السفليات من الدنيا وزخارفها وشهواتها، عمياً عن رؤية الحق، بكماً من قول الحق، صماً عن استماع الحق؛ وذلك لعدم إصابة النور {أية : وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 72] وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه ". تفسير : ثم قال: {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} [الإسراء: 97] لأنهم كانوا في جهنم الحرص والشهوات، كلما سكنت فار بشهوة باستيفاء حظها زادوا سعيرها باشتغال طلب شهوة أخرى. {ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا وَقَالُواْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} [الإسراء: 98] يشير إلى أنهم لو كانوا مؤمنين بالحشر والنشر ما أكبوا على جهنم الحرص على الدنيا وشهواتها، وما أعرضوا عن الآيات البينات التي جاء بها الأنبياء - عليهم السلام-.