١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
97
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات القوم في إنكار النبوة وأردفها بالوعيد الإجمالي وهو قوله: { أية : إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } تفسير : [الإسراء:96] ذكر بعده الوعيد الشديد على سبيل التفصيل، أما قوله: {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ } فالمقصود تسلية الرسول وهو أن الذين سبق لهم حكم الله بالإيمان والهداية وجب أن يصيروا مؤمنين ومن سبق لهم حكم الله بالضلال والجهل استحال أن ينقلبوا عن ذلك الضلال واستحال أن يوجد من يصرفهم عن ذلك الضلال، واحتج أصحابنا بهذه الآية على صحة مذهبهم في الهدى والضلال والمعتزلة حملوا هذا الإضلال تارة على الإضلال عن طريق الجنة وتارة على منع الألطاف وتارة على التخلية وعدم التعرض له بالمنع وهذه المباحث قد ذكرناها مراراً فلا فائدة في الإعادة، أما قوله تعالى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا } فإن قيل كيف يمكنهم المشي على وجوههم قلنا الجواب من وجهين: الأول: إنهم يسحبون على وجوههم قال تعالى: { أية : يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ } تفسير : [القمر: 48]. الثاني: روى أبو هريرة قيل يا رسول الله كيف يمشون على وجوههم؟ قال: إن الذي يمشيهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، قال حكماء الإسلام الكفار أرواحهم شديدة التعلق بالدنيا ولذاتها وليس لها تعلق بعالم الأبرار وحضرة الإله سبحانه وتعالى فلما كانت وجوه قلوبهم وأرواحهم متوجهة إلى الدنيا لا جرم كان حشرهم على وجوههم، وأما قوله: {عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا } فاعلم أن واحداً قال لابن عباس رضي الله عنه: أليس أنه تعالى يقول: { أية : وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ } تفسير : [الكهف: 53] وقال: { أية : سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً } تفسير : [الفرقان: 12] وقال: { أية : دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً } تفسير : [الفرقان: 13] وقال: { أية : يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَـٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا } تفسير : [النحل: 111] وقال حكاية عن الكفار: { أية : وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 23] فثبت بهذه الآيات أنهم يرون ويسمعون ويتكلمون فكيف قال ههنا: {عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا } أجاب ابن عباس وتلامذته عنه من وجوه. الأول: قال ابن عباس عمياً لا يرون شيئاً يسرهم صماً لا يسمعون شيئاً يسرهم بكماً لا ينطقون بحجة. الثاني: قال في رواية عطاء عمياً عن النظر إلى ما جعله الله لأوليائه بكماً عن مخاطبة الله ومخاطبة الملائكة المقربين صماً عن ثناء الله تعالى على أوليائه. الثالث: قال مقاتل إنه حين يقال لهم: { أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } تفسير : [المؤمنون: 108] يصيرون عمياً بكماً صماً، أما قبل ذلك فهم يرون ويسمعون وينطقون. الرابع: أنهم يكونون رائين سامعين ناطقين في الموقف ولولا ذلك لما قدروا على أن يطالعوا كتبهم ولا أن يسمعوا إلزام حجة الله عليهم إلا أنهم إذا أخذوا يذهبون من الموقف إلى النار جعلهم الله عمياً وبكماً وصماً. والجواب: أن الآيات السابقة تدل على أنهم في النار يبصرون ويسمعون ويصيحون، أما قوله تعالى: {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } فظاهر، وأما قوله: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا } ففيه مباحث: البحث الأول: قال الواحدي الخبو سكون النار، يقال: خبت النار تخبوا إذا سكن لهبها ومعنى خبت سكنت وطفئت يقال في مصدره الخبو وأخبأها المخبىء إخباء أي أخمدها ثم قال: {زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا } قال ابن قتيبة زدناهم سعيراً أي تلهباً. البحث الثاني: لقائل أن يقول إنه تعالى لا يخفف عنهم العذاب وقوله: {كُلَّمَا خَبَتْ } يدل على أن العذاب يخف في ذلك الوقت قلنا كلما خبت يقتضي سكون لهب النار، أما لا يدل هذا على أنه يخف العذاب في ذلك الوقت. البحث الثالث: قوله: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا } ظاهره يقتضي وجوب أن تكون الحالة الثانية أزيد من الحالة الأولى وإذا كان كذلك كانت الحالة الأولى بالنسبة إلى الحالة الثانية تخفيفاً. والجواب: الزيادة حصلت في الحالة الأولى أخف من حصولها في الحالة الثانية فكان العذاب شديداً ويحتمل أن يقال لما عظم العذاب صار التفاوت الحاصل في أوقاته غير مشعور به نعوذ بالله منه ولما ذكر تعالى أنواع هذا الوعيد قال {ذَلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ } والباء في قوله: {بأنهم كفروا} باء السببية وهو حجة لمن يقول العمل علة الجزاء، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} أي لو هداهم الله لاهتدوا. {وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ} أي لا يهديهم أحد. {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} فيه وجهان: أحدهما: أن ذلك عبارة عن الإسراع بهم إلى جهنم؛ من قول العرب: قدم القوم على وجوههم إذا أسرعوا. الثاني: أنهم يسحبون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم كما يفعل في الدنيا بمن يبالغ في هوانه وتعذيبه. وهذا هو الصحيح؛ لحديث أنس حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله، الذين يحشرون على وجوههم، أيحشر الكافر على وجهه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس الذي أمشاه على الرجلين قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة»تفسير : . قال قتادة حين بلغه: بَلَى وعِزّة ربّنا. أخرجه البخاريّ ومسلم. وحسبك. {عميا وبكماً وصماً} قال ابن عباس والحسن: أي عُمْيٌ عمّا يسرّهم، بُكْمٌ عن التكلم بحجة، صُمٌّ عما ينفعهم؛ وعلى هذا القول حواسهم باقية على ما كانت عليه. وقيل: إنهم يحشرون على الصفة التي وصفهم الله بها؛ ليكون ذلك زيادة في عذابهم، ثم يخلق ذلك لهم في النار، فأبصروا؛ لقوله تعالى: {أية : وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا}، تفسير : [الكهف: 53] وتكلموا؛ لقوله تعالى: {أية : دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً}، تفسير : [الفرقان: 13] وسمعوا؛ لقوله تعالى: {أية : سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} تفسير : [الفرقان: 12]. وقال مقاتل بن سليمان: إذا قيل لهم: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} تفسير : [المؤمنون: 108] صاروا عمياً لا يبصرون صُمًّا لا يسمعون بُكماً لا يفقهون. وقيل: عموا حين دخلوا النار لشدّة سوادها، وانقطع كلامهم حين قيل لهم: اخسؤوا فيها ولا تكلمون. وذهب الزفير والشهيق بسمعهم فلم يسمعوا شيئاً. {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} أي مستقرّهم ومقامهم. {كُلَّمَا خَبَتْ} أي سكنت؛ عن الضحاك وغيره. مجاهد طفئت. يقال: خبت النار تخبو خبوا أي طفئت، وأخبيتها أنا. {زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} أي ناراً تتلهب. وسكون التهابها من غير نقصان في آلامهم ولا تخفيف عنهم من عذابهم. وقيل: إذا أرادت أن تخبو. كقوله: {أية : وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ}.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن تصرفه في خلقه ونفوذ حكمه، وأنه لا معقب له بأنه من يهده فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه، أي: يهدونهم، كما قال: {أية : مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا} تفسير : [الكهف: 17] وقوله: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا إسماعيل عن نفيع قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قيل: يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال: «حديث : الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم»تفسير : ، وأخرجاه في "الصحيحين". وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا الوليد بن جميع القرشي عن أبيه عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد قال: قام أبو ذر فقال: يا بني غفار قولوا ولا تحلفوا، فإن الصادق المصدوق حدثني: أن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج: فوج راكبين طاعمين كاسين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم، وتحشرهم إلى النار، فقال قائل منهم: هذان قد عرفناهما، فما بال الذين يمشون ويسعون؟ قال: «حديث : يلقي الله عز وجل الآفة على الظهر حتى لا يبقى ظهر، حتى إن الرجل لتكون له الحديقة المعجبة، فيعطيها بالشارف ذات القتب، فلا يقدر عليها»تفسير : . وقوله: {عُمْيًا} أي: لا يبصرون، {وَبُكْمًا} يعني: لا ينطقون، {وَصُمًّا} لا يسمعون، وهذا يكون في حال دون حال جزاء لهم؛ كما كانوا في الدنيا بكماً وعمياً وصماً عن الحق، فجوزوا في محشرهم بذلك أحوج ما يحتاجون إليه {مَأْوَاهُمْ} أي: منقلبهم ومصيرهم {جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ} قال ابن عباس: سكنت، وقال مجاهد: طفئت، {زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} أي: لهباً ووهجاً وجمراً، كما قال: {أية : فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَابًا} تفسير : [النبأ: 30].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيآءَ } يهدونهم {مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ } ماشين {عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَٰهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ } سكن لهبها {زِدْنـَٰهُمْ سَعِيرًا } تلهباً واشتعالاً.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَمَن يَهْدِ اللَّهُ} يحكم بهدايته {فَهُوَ الْمُهْتَدِ}، بإخلاصه وطاعته. {وَمَن يُضْلِلْ} يحكم بضلاله فلا ولي له يهديه، أو يقضي بعقوبته فلا ناصر يمنعه من عقابه {عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً} حقيقة زيادة في عقابهم ثم أبصروا لقوله: {أية : وَرَءَا ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ} تفسير : [الكهف: 53] وتكلموا فدعوا هنالك بالثبور، و {أية : سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً}تفسير : [الفرقان: 12]، أو لا يزول حواسهم فهم عمي عما يسرهم، بكم عما ينفعهم، صم عما يمتعهم. "عح" {خَبَتْ} سكن لهبها {زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} التهاباً ولا يخف عذابهم إذا خبت.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وأبو نعيم في المعرفة، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أنس رضي الله عنه قال: "حديث : قيل: يا رسول الله، كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال: الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم ". تفسير : واخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه قال: حديث : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {الذين يحشرون على وجوههم} [الفرقان: 34] الآية. فقالوا: يا نبي الله وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: أرأيت الذي أمشاهم على أقدامهم؟ أليس قادراً على أن يمشيهم على وجوههم؟؟... ". تفسير : وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه، وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف: صنف مشاة، وصنف ركبان، وصنف على وجوههم. قيل: يا رسول الله، وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم. أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك ". تفسير : وأخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي ذر رضي الله عنه أنه تلا هذه الاية {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً} فقال: حدثني الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج: فوج طاعمين كاسين راكبين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن مردويه والحاكم، عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنكم تحشرون رجالاً وركباناً، وتجرون على وجوهكم ههنا، ونحى بيده نحو الشام ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {عمياً} قال: لا يرون شيئاً يسرهم {وبكماً} قال: لا ينطقون بحجة {وصماً} قال: لا يسمعون شيئاً يسرهم. وأخرج البخاري في تاريخه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تغبطن فاجراً بنعمة، فإن من ورائه طالباً حثيثاً"تفسير : . وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيراً}. وأخرج البيهقي في الشعب، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الدنيا خضرة حلوة؛ من اكتسب فيها مالاً من غير حله وأنفقه في غير حله، أحلّه دار الهوان. ورُبَّ متخوض في مال الله ورسوله له النار يوم القيامة. يقول الله: {كلما خبت زدناهم سعيراً} ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {مأواهم جهنم} يعني، أنهم وقودها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر من طريق علي، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {كلما خبت} قال: سكنت. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {كلما خبت زدناهم سعيراً}. قال: كلما طفئت أسعرت وأوقدت. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {كلما خبت زدناهم سعيراً} قال: كلما أحرقتهم سعر بهم حطباً، فإذا أحرقتهم فلم يبق منهم شيء صارت حمراء تتوهج. فذلك خبؤها، فإذا بدلوا خلقاً جديداً عاودتهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {كلما خبت زدناهم سعيراً} يقول: كلما احترقت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب. وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: {كلما خبت} قال: الخبء، الذي يطفأ مرة ويشعل أخرى. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول: شعر : وتخبو النار عن أدنى أذاهم وأضرمها إذا ابتردوا سعيراً تفسير : وأخرج ابن الأنباري عن أبي صالح في قوله: {كلما خبت} قال: معناه كلما حميت.
القشيري
تفسير : مَنْ أراده بالسعادةِ في آزاله استخلصه في آباده بأفضاله، ومَنْ عَلِمَه في الأزل بالشقاء وَسَمَه وفي أيده بِسِمةِ الأعداء. فلا لِحُكْمِه تحويل، ولا لِقَوْلِهِ تبديل.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن يهد الله} ابتداء كلام ليس بداخل تحت الامر اى يخلق فيه الاهتداء الى الحق. قال الكاشفى [وهر كراره نما يدخداى تعالى يعنى حكم كند بهدايت اوونوفيق] {فهو المتهد} لا غير {ومن يضلل} اى يخلق فيه الضلال بسوء اختياره. قال الكاشفى [وهركرا كمراه سازد يعنى حكم فرمايد بضلالت او وفرو كذارد اورا] {فلن تجد لهم} اشار بالتوحيد فى جانب الهداية الى وحدة طريق الحق وقلة سالكيه وبالجمع فى جانب الضلال الى تعدد سبل الباطل وكثرة اهله {اولياء} كائنين {من دونه} تعالى فهو فى موقع الصفة ويجوز ان يكون حالا كما فى بحر العلوم اى انصارا يهدونهم الى طريق الحق ويدفعون عنهم الضلالة وفى الحديث "حديث : انما انا رسول وليس الىّ من الهداية شئ ولو كانت الهداية الىّ لآ من كل من فى الارض وانما ابليس مزين وليس له من الضلالة شئ ولو كانت الضلالة اليه لاضل كل من فى الارض ولكن الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء"تفسير : : قال الحافظ شعر : مكن بجشم حقارت نكاه برمن مست كه نيست معصيت وزهد بى مشيت او تفسير : {ويحشرهم يوم القيامة} كائنين {على وجوههم} سحبا او مشيا فان الذى امشاهم على اقدامهم قادر على ان يمشيهم على وجوههم {عميا} حال من ضمير وجوههم وهو جمع اعمى {وبكما} جمع ابكم وهو الاخرس {وصما} جمع اصم من الصمم محركة وهو انسداد الاذن وثقل السمع. ان قيل ما وجه الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى {سمعوا لها تغيظا وزفيرا} وقوله {ورأى المجرمون النار} وقوله {دعوا هنالك ثبورا}. قلت قال ابن عباس رضى الله عنهما معنى الآية لا يرون ما يسرّهم ولا ينطقون بما يقبل منهم ولا يستمعون ما يلذ مسامعهم لما قد كانوا فى الدنيا لا يستبصرون بالآيات والعبر ولا ينطقون بالحق ولا يستمعون. وقال مقاتل هذا اذا قيل لهم اخسأوا فيها ولا تكلمون فيصيرون باجمعهم صما بكما عميا نعوذ بالله من سخطه. وفى التأويلات النجمية {ونحشرهم} الخ لانهم كانوا يعيشون فى الدنيا مكبين {على وجوههم} فى طلب السفليات فى الدنيا وزخارفها وشهواتها {عميا} عن رؤية الحق {وبكما} من قول الحق{وصما} عن استماع الحق وذلك لعدم اصابة النور المرشوش على الارواح {ومن كان فى هذه اعمى} الآية وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : يموت الانسان على ما عاش ويحشر على ما مات عليه"تفسير : {مأويهم} منزلهم ومسكنهم والمأوى كل مكان أى اليه شئ ليلا كان او نهارا {جهنم} خبر مأواهم والجملة استنائف {كلما خبت} يقال خبت النار والحرب والحدة خبوا وخبوّا سكنت وطفئت كما فى القاموس {زدناهم سعيرا}[بيفزاييم براى ايشان آتش سوزان يابر افروزيم آتش را] اى كلما سكن لهبها بان اكلت جلودهم ولحومهم ولم يبق فيهم ما تتعلق به النار زدناهم توقدا بان بدلناهم جلودا غيرها فعادت ملتهبة ومسعرة. فان قلت قوله تعالى {أية : كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها}تفسير : يدل على ان النار لا تتاجوز فى تعذيبهم عن حد الانضاج الى حد الاحراق والافناء. قلت النضج مجاز عن مطلق تأثير النار ثم ما ذكر من التجديد بعد الافناء عقوبة لهم على انكارهم الاعادة بعد الفناء بتكريرها مرة بعد اخرى ليروها بعد اخرى فيروها عيانا حيث لم يعلموها برهانا كما يفصح عنه قوله {ذلك} مبتدأ خبر قوله {جزاؤهم بانهم} بسبب انهم {كفروا بآياتنا} العقلية والنقلية الدالة على صحة الاعادة دلالة واضحة. وفى التأويلات كانوا فى جهنم الحرص والشهوات كلما سكنت نار شهوة باستفياء حظها زادوا سعيرها باشتغال طلب شهوة اخرى ولو كانوا مؤمنين بالحشر والنشر ما اكبوا على جهنم الحرص على الدنيا وشهواتها وما اعرضوا عن الآيات البينات الى جاء بها الانبياء عليهم السلام: وفى المثنوى شعر : كوزه جشم حريصان برنشد تاصدف قانع نشد بردر نشد تفسير : {وقالوا} منكرين اشد الانكار {ائذا كنا عظاما} {آيا آن وقت كه كرديم استخوان] {ورفاتا} الرفات الحطام وهو الفتات المكسر. وقال مجاهد رفاتا اى ترابا {أئنا لمبعوثون خلقا جديدا} اما مصدر مؤكد من غير لظفه اى لمبعوثون بعثا جديدا واما حال اى مخلوقين متسأنفين وقد سبق تفسير هذه الآية فى هذه السورة.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {على وجوههم}: حال من ضمير "نحشرهم". و {عُميًا} الخ: حال أيضًا من ضمير "وجوههم". و {مأواهم}: استئناف، وكذا: {كلما} الخ. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ومَن يَهدِ اللهُ} إلى الحق الذي جاء من قبله على أيدي الرسل، {فهو المهتد} إليه، وإلى ما يؤدي إليه من الثواب، أو فهو المهتدي إلى كل مطلوب، {ومن يُضلل} أي: يخلق فيه الضلال، كهؤلاء المعاندين، {فلن تجد لهم أولياء من دونه} ينصرونهم من عذابه، أو يُهدونهم إلى طريقه، ويُوصلونهم إلى مطالبهم الدنيوية والأخروية. ووحد الضمير أولاً في قوله: {فهو المهتد}: مراعاة للفظ "من"، وجمع ثانيًا في {لهم}؛ مراعاة لمعناها: تلويحًا بوحدة طريق الحق، وتعدد طرق الضلال. {ونحشرُهم}، فيه التفات من الغيبة إلى التكلم؛ إيذانًا بكمال الاعتناء بأمر الحشر، أي: ونسوقهم {يوم القيامة على وجوههم} أي: كابين عليها؛ سَحْبًا، كقوله {أية : يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} تفسير : [القمر: 48]، أو: مشيًا إلى المحشر بعد القيام، فقد رُوي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يمشون على وجوههم؟ قال: "حديث : الذِي أمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ"تفسير : . حال كونهم {عُمْيًا وبُكمًا وصُمًّا}؛ لا يُبصرون ما يقر أعينهم، ولا ينطقون بما يُقبل منهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم، لمَّا كانوا في الدنيا لا يستبصرون بالآيات والعبر، ولا ينطقون بالحق ولا يستمعونه. ويجوز أن يُحشروا، بعد الحساب، من الموقف إلى النار، مَؤُوفي القوى والحواس. وأن يُحشروا كذلك، ثم تعاد إليهم قواهم وحواسهم، فإنَّ إدراكاتهم بهذه المشاعر في بعض المواطن مما لا ريب فيه. {مأواهم جهنم}؛ هي مسكنهم، {كلما خَبَتْ}؛ خمدت {زدناهم سعيرًا}؛ توقدًا، أي: كلما سكن لهبها، وأكلت جلودهم ولحومهم، ولم يبق فيهم ما تتعلق به النار وتحرقه، زدناهم توقدًا؛ بأن بدلناهم جلودًا غيرها فعادت ملتهبة ومسعرة. ولعل ذلك عقوبة على إنكارهم البعث مرة بعد مرة، ليروها عيانًا، حيث لم يعلموها برهانًا، كما يُفصح عنه قوله: {ذلك} أي ذلك العذاب {جزاؤهم بأنهم}؛ بسبب أنهم {كفروا بآياتنا} العقلية والنقلية، الدالة على وقوع الإعادة دلالة واضحة. {وقالوا}؛ منكرين البعث أشد الإنكار: {أئذا كُنَّا عظامًا ورُفاتًا أَئِنا لمبعوثون خَلقًا جديدًا} أي: أنوجدُ خلقًا جديدًا بعد أن صِرنا ترابًا؟ و "خلقًا": إما مصدر مؤكد من غير لفظه، أي: لمبعوثون مبعثًا جديدًا، أو حال، أي: مخلوقين مستأنفين. الإشارة: من يهده الله إلى صريح المعرفة وسر الخصوصية فهو المهتد إليها، يهديه أولاً إلى صحبة أهلها، فإذا تربى وتهذب أشرقت عليه أنوارها. ومن يُضلله عنها، فلا ينظر ولا يهتدي إلى صحبة أهلها، فيُحشر يوم القيامة محجوبًا عن الله، كما عاش محجوبًا. يموت المرء على ما عاش عليه، ويُبعث على ما مات عليه، لا يُبصر أسرار الذات في مظاهر النعيم، ولا ينطق بالمكالمة مع الرحمن الرحيم، ولا يسمع مكالمة الحق مع المقربين؛ وذلك بسبب إنكاره لأهل التربية في زمانه، وقال: لا يمكن أن يبعث الله من يحيي الأرواح الميتة بالجهل؛ بالمعرفة الكاملة. وفيه إنكار لعموم القدرة الأزلية، وتحجير على الحق. والله تعالى أعلم. ثمَّ ذكر دلائل عموم قدرته.
الطوسي
تفسير : قيل في معنى قوله {من يهد الله فهو المهتد} قولان: أحدهما - من يحكم الله بهدايته وتسميته بها بإِخلاصه الطاعة، فهو المهتدي في الحقيقة، وفيه دعاء الى الاهتداء، وترغيب فيه وحث عليه. وفيه معنى الامر به. الثاني - من يهديه الله الى طريق الجنة، فهو المهتدي اليها. وقوله {ومن يضلل} يحتمل ايضاً أمرين: احدهما - من يحكم الله بضلاله وتسميته ضالاً بسوء اختياره للضلالة فإِنه لا ينفعه ولاية وليّ له، فلو تولاّه لم يعتد بتوليه، لأنه من اللغو الذي لا منزلة له، ولذلك حسن أَن ينفى، بمنزلة ما لم يكن. والثاني - من يضله الله عن طريق الجنة، وأراد عقابه على معاصيه لم يوجد له ناصر يمنعه من عقابه. ثم أَخبر عن صفة حشرهم الى أَرض القيامة، يعنى الكفار، إِنه يحشرهم {يوم القيامة} مجرورين {على وجوههم عمياً} كما عموا عن الحق في الدنيا {بكماً} جزاء على سكوتهم عن كلمة الاخلاص {وصماً} لتركهم سماع الحق واصغائهم إِلى الباطل {كلما خبت} النار، والخبوة هدوء النار عن الالتهاب خبت النار تخبو خبواً اذا سكنت، والمعنى: كلما سكنت التهبت واستعرت، وذلك من غير نقصان آلام أهلها، قال عدي بن زيد: شعر : وسطه كالسراج أو سرح المجدل حيناً يخبو وحيناً يغير تفسير : فان قيل: كيف يحشرهم الله يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً، مع قوله {أية : ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها}تفسير : وقوله {أية : سمعوا لها تغيظاً وزفيراً}تفسير : وقوله {أية : دعوا هنالك ثبوراً} تفسير : قلنا عنه جوابان: احدهما - انهم يحشرون كذلك، ثم يجعلون يبصرون ويشهدون وينطقون. الثاني - قال ابن عباس والحسن: إِنهم عمي عمَّا يسرهم، بكم عن التكلم بما ينفعهم صم عما يمتعهم {مأواهم جهنم} أي مستقرهم. فإِن قيل: لم جاز أن يكونوا عمياً عن العذاب يوم القيامة، ولم يجز أن يكونوا جهالاً به؟. قلنا: لان الجاهل به لا يجد من ألمه ما يجده العالم، ولأن الحكمة تقتضي إِعلامه أن عقابه من أجل جرمه، لانه واقع موقع التوبيخ له، وموقع الزجر في الخبر به. وقوله {ذلك} يعني ما قدم ذكره من العقاب {جزاؤهم} استحقوه بكفرهم بآيات الله. وقوله {إِذا كنَّا عظاماً ورفاتاً} مثل التراب متحطمين مترضّضين {أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً} وإِنما قالوا ذلك، لانكارهم الحشر والبعث يوم القيامة والثواب والعقاب. ثم قال {أولم يروا} يعني هؤلاء الكفار {أن الله الذي خلق السماوات والأرض} لأنهم كانوا مقرين بأن الله خالقهما، {قادر على أن يخلق مثلهم} لأن القادر على الشيء قادر على أمثاله إِذا كان له مثل وأمثال في الجنس {وجعل لهم أجلاً} يعيشون اليه ويحشرون عنده، لا شك فيه. وقال الجبائي: جعل الله لهم أجلاً لمعادهم وحشرهم لا شك فيه. ثم أخبر تعالى فقال {فأبى الظالمون} لنفوسهم الباخسون حقها بفعل المعاصي {إِلاّ كفوراً} أي كفروا وجحدوا بآيات الله ونعمه. وفي الآية دلالة على ان القادر على الشيء قادر على جنس مثله إِذا كان له مثل. وفيه دلالة على أن يجب أن يكون قادراً على ضده، لأن منزلته في المقدور منزلة مثله. وفيه دلالة على انه يقدر على إِعادته إِذا كان مما يبقى وتصح عليه الاعادة.
الجنابذي
تفسير : {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} يعنى ليس الاهتداء بكثرة السّؤال والاقتراح انّما هو امر آلهىّ لمن يشاء من عباده لا اختيارىّ باختيار العبد وحيلته {وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} يعنى منكوساً ارجلهم من فوق ورؤسهم من تحت {عُمْياً} مطلقاً او عن رحمة الله وفضله {وَبُكْماً وَصُمّاً} مطلقاً او عمّا ينفعهم {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} توقّداً.
الأعقم
تفسير : {ومن يهد الله فهو المهتد} قيل: من يحكم بهدايته فهو المهتد باخلاص العبادة، وقيل: من يهدي الله الى طريق الجنة والثواب {ومن يضلل} قيل: من أراد الله عقوبته لم يجد ناصراً يمنعه من عقابه، {فلن تجد لهم أولياء من دونه} من يوالهم، وقيل: لم ينصرهم {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم} كقوله: {أية : يوم يسحبون في النار على وجوههم} تفسير : [القمر: 48] وقيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كيف يمشون على وجوههم؟ قال: "حديث : ان الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم"تفسير : ، قوله تعالى: {عمياً وبكماً وصمّاً} كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ويتصامون عن استماعه، فهم في الآخرة كذلك، كقوله: {أية : ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا} تفسير : [الإسراء: 72] {كلما خبت زدناهم سعيراً} كلما سكن لهبها زاده اشتعالاً وسعيراً، وقيل: كلما أكلت جلودهم ولحومهم فسكن لهبها بدلوا غيرها فرجعت ملتهبة {ذلك جزآؤهم بأنهم كفروا بآياتنا} يعني حجتنا البالغة وهو التوحيد والعدل، وقيل: القرآن، {وقالوا أئذا كنا عظاماً} باليةً {ورفاتاً} تراباً {أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً} يعني احياء يوم الحشر فأجابهم الله تعالى وقال: {أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض} أحدثها إختراعاً، وقيل: أولم يروا: أولم يعلموا؟ وقيل: أولم ينظروا بأعيانهم فينظروا الى ما هو أعظم منهم {قادر على أن يخلق مثلهم} لأن من قدر على الأجسام قدر على احياء الأجسام واعادة الأموات احياء {وجعل لهم أجلاً} أي وقتاً، وقيل: أجل الموت، وقيل: أجل المعاد، {لا ريب فيه} لا شك فيه أنه كائن لا محالة {فأبى الظالمون إلا كفوراً} قيل: جحوداً للبعث مع ظهور الدلائل {قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي} خزائنه مقدوراته ورحمته ورزقه، {إذاً لأمسكتم} عن العطاء والانفاق {خشية} العاقبة، وفي الآية حذف وإضمار تقديره لو ملكتم خزائن الله لأمسكتم من الانفاق خشية الفاقة {وكان الإنسان قتوراً} بخيلاً، ثم ذكر قصة موسى (عليه السلام) فقال سبحانه: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} أي تسع معجزات حجة على نبوته واختلفوا فيها، قيل: العصا واليد وفلق البحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وقيل: اللسان والطمسة والحجر والعصا واليد و{أية : الطوفان والجراد} تفسير : [الأعراف: 133] الآية، وقيل: تسع آيات الكتاب في الأحكام {فاسأل بني إسرائيل} عن ذلك إن لم تعرفها أنت ولا قومك، وقيل: سل يا رسول الله الذميين من بني اسرائيل وهم عبد الله بن سلام وأصحابه {إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحوراً}، قيل: سحرت، وقيل: مسحور بمعنى ساحر {قال لقد علمت} بفتح الياء على الخطاب أي علمت أنت يا فرعون {ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض} وبالرفع قال موسى علمت أنا أنها حق فإن علمت وأقررت وإلا هلكت {بصائر} أي تبصر بها وتعلم بمعنى دلائل على نبوّتي {وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً}، قيل: ملعوناً، وقيل: مهلكاً {فأراد أن يستفزهم من الأرض} أي يخرجهم من الأرض أرض مصر {فأغرقناه} يعني فرعون {ومن معه} جنوده {جميعاً} فلم ينج منهم أحدٌ ولم يهلك من بني إسرائيل أحدٌ، قوله تعالى: {وقلنا من بعده} أي من بعد هلاك فرعون {لبني اسرائيل اسكنوا الأرض} أي أرض مصر والشام {فإذا جاء وعد الآخرة} يعني القيامة {جئنا بكم} من القبر إلى الموقف للحساب والجزاء {لفيفاً} مختلطين التفت بعضكم ببعض، وقيل: لفيفاً جميعاً، ثم عاد الكلام إلى ذكر القرآن الذي تقدم ذكره فقال سبحانه: {وبالحق أنزلناه} أي أنزلنا القرآن بالحق معناه أردنا بإنزاله الحق والصواب، وهو أن يعمل به ويؤمر بما فيه، يؤمر به ويعمل بما فيه، ومتى قيل: إذا قال: {بالحق أنزلناه}، لما قال: {وبالحق نزل}؟ قالوا الأوَّل صفة الانزال، والثاني يعود إلى المنزّل وهو القرآن الذي... حق، وقيل: هو تأكيد {وما أرسلناك} يا محمد {إلاَّ مبشِّراً} للمؤمنين ومخوفاً للكفرة {وقرآناً فرقناه} أي أنزلناه قرآنا فرقناه يعني فصّلناه سوراً وآيات، وقيل: فرّقناه أي فرق الله به بين الحق والباطل، وقيل: جعلنا بعضه أمراً وبعضه نهياً، وبعضه خبراً، وبعضه وعداً وبعضه وعيداً {لتقرأه على الناس على مكث} شيئاً بعد شيء، فنزل في نيف وعشرين سنة {ونزّلناه تنزيلاً} مفرقاً، وقيل: على مكث أنزلنا شيئاً بعد شيء {قل} يا محمد {آمنوا به أو لا تؤمنوا به} هذا وعيد، يعني الضرر عائد عليكم إن لم تؤمنوا، وقيل: هو جواب لقولهم {أية : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا} تفسير : [الإسراء: 90] {إن الذين أوتوا العلم من قبله} من قبل نزول القرآن وخروج محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، قيل: هم مؤمنوا أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه {إذا يتلى عليهم} يعني القرآن {يخرون} يسقطون {للأذقان يبكون} من خشية العقاب {ويزيدهم خشوعاً} يزيدهم خضوعاً لأنَّ القوم عرفوا ما في كتبهم فلما عرفوا ما في القرآن ازدادوا إيماناً وخشوعاً.
اطفيش
تفسير : {وَمَنْ يَهْدِ اللهُ} يوفقه. {فَهُوَ الْمُهْتَدِى وَمن يُضْلِلْ} يخذل. {فَلَن تَجِدَ} لن تعلم أو لن تلقى. {لَهُمْ} اعتبر معنى من هنا مجمع ليوافق المخاطبين ويكون أوضح فى شموله إِياهم {أَوْلِياءَ مِن دُونِهِ} يهدونهم أو ينصرونهم إذا جاءهم عقابى، وقيل المعنى إِن الله عليم بأَحوال العباد كلها، أحوال من قضى عليه بالإِيمان فلا ينقلب إِلى الكفر وأحوال من قضى عليه بالكفر فلا ينقلب إِلى الإِيمان وفى ذلك أيضاً تسلية وفيه أيضاً التهديد من حيث أن كفر الكفار ليس جبراً بل اختياراً منه أثبت نافع وأبو عمرو ياء المهتدى وصلا ووقفاً. {وَنَحْشُرُهُمْ} من قبورهم ومن حيث كانوا إِلى الموقف {يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً} جمع أعمى. {وَبُكْماً} جمع أبكم. {وَصُمّاً} جمع أصم لا يبصرون ولا ينطقون بعد نطقهم بقولهم يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ولا يسمعون حتى يصلوا المحشر، ويبصرون إِذا أراد الله أن يبصروا كوقت قراءتهم كتبهم، وينطقون إِذا أراد الله نطقهم كما إِذا قيل لهم أو لم تبلغكم الرسل ويسمعوا إِذا أراد الله سماعهم كما إِذا قال الله لهم شيئاً مثل ذلك، وكذلك يبصرون إِذا أراد الله أن يبصروا النار كما قال، ورأى المجرمون النار ويسمعون إِذا أراد الله أن يسمعوا، كما قال الله سبحانه: سمعوا لها تغيظاً وزفيراً. أو ما أشبه ذلك وإِنما يحشرون كذلك لأَنهم كانوا فى الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ويعمون عن استماعه كما قال، ومن كان فى هذه أعمى فهو فى الآخرة أعمى، وقيل يحشرون إِلى النار عمياً بكماً صماً، وإِذا كانوا فيها سمعوا ونطقوا ونظروا إِذا أراد الله وعموا وبكموا وصموا إِذا أراد الله، وقيل عمياً لا يرون ما يسوؤهم، وبكماً لا ينطقون بحجة، وصماً لا يسمعون ما يسوؤهم، وقيل عمياً وبكماً وصماً بعد ما قال الله جل وعلا: {أية : اخسئوا فيها ولا تكلمون} تفسير : وعلى هذا فعمياً وبكماً وصماً أحوال مقدرة وكذا على القول قبله إِذا فرضناه فى النار ومقارنة على غير ذلك، ويحتمل أن يراد بحشرهم إِلقاؤهم فى النار وما تقدم من أنه الحشر من القبر إِلى الموقف أو من الموقف إِلى النار أولى لما روى أنه قيل له - صلى الله عليه وسلم - حديث : كيف يمشون على وجوههم، فقال الذى أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههمتفسير : ، رواه الترمذى عن أبى هريرة وحسنه وفى رواية عنه حديث : أيمشى الكافر على وجهه فقال - صلى الله عليه وسلم - أليس الذى أمشاه على الرجلين فى الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامةتفسير : ، قال قتادة حين بلغه ذلك بلى وعزة ربنا، والرواية الآخرة هى التى بلفظ الترمذى. وروى الترمذى عن أبى هريرة عنه - صلى الله عليه وسلم - حديث : يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفاً مشاة، وصنفاً ركباناً، وصنفاً على وجوههمتفسير : ، وروى حديث : أن كل واحد من أهل النار يجعل فى تابوت من نار، مساميره من نار، ويجعل ذلك التابوت فى تابوت مثله ويجعل هذا فى ثالث مثله أيضاً فهو يعذب فى تابوته بأَنواع العذاب لا يسمع عذاب أحد ولا يعلم أن أحداً يعذب عذابه، وتلا: {وهم فيها لا يسمعون}تفسير : . {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} أى مرجعهم جهنم {كُلَّمَا خَبَتْ} سكن لهيبها بأَن أكلت جلودهم ولحومهم وشعورهم وعظامهم حتى لتهجم على قلوبهم فترد عنها. {زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} وقوداً بفتح الواو وهو ما تشتعل فيه النار وهو عظام ولحوم وجلود وشعور يجددها الله لهم، فتشتعل فيها، أيضاً لما كذبوا بالبعث جعل جزاءهم تسليط النار على إِفناء أجزائهم ثم يعيدهم ولا يزالون كذلك ليزدادوا تحسراً على تكذيبهم بالبعث وكان ذلك أشد إِيلاماً وليس العذاب مفترا عنهم بين الخبو والتجديد، ولذلك قال بعض: كل ما قاربت أن تخبوا زدناهم سعيراً، وقيل المعنى كلما خبت طفئت بانقضاء أجزائهم جددناهم وزدناها ما تشتد به اشتعالا كالكبريت، وقيل السعير التلهب وشدة الاشتعال، وإِن قلت: فكيف حال من آمن بالبعث ودخل النار، قلت: قال قومنا لا يبقى شئ من جسده فى النار ولقول أصحابنا: إن عدم العمل الصالح وعدم الانتهاء عن المعاصى وعدم التوبة بمنزلة إِنكار البعث لأَن حكمة البعث الجزاء فيقع به ما يقع بالمشرك فى النار وكل ظرف زمان متعلق بزدناهم وما مصدرية المصدر مما بعدها نائب عن اسم الزمان قبل إِضافة كل ولما أُضيفت إِليه اكتسبت منه الظرفية، وهى فى المعنى كاسم الشرط ولذلك ينصرف الماضى المتعلقة هى به والماضى المضافة هى إِلى مصدره إِلى الاستقبال كذا يظهر لى وأشار إِلى ما مر من جعل جزائهم من جنس ما كذوبوا به من الإِعادة بعد الفناء بقوله: {ذَلِكَ} المذكور من زيادة السعير كلما خبت أو من زيادته والحشر على الوجوه مع عمى وبكم وصمم. {جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ} أى جزاؤهم على التكذيب لأَنهم أو جزاؤهم على أنهم {كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً} مجردة عن اللحم والجلد. {وَرُفَاتاً} أجزاء متفتتة. {أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} هذه الجملة هى مدخول الهمزة الاستفهامية الإِنكارية فى المعنى الداخلة على إِذا فى اللفظ {خَلْقاً جَدِيداً} خلقا مصدريا وعلى المصدرية مفعول مطلق أى بعثاً جديداً وبمعنى مفعول فهو حال بمعنى مخلوقين وعليه فأَفرد هو ونعته وهو جديداً مراعاة لأَصل المصدرية وأجابهم الله سبحانه ورد عليهم بقوله: {أَوَلَمْ يرَوْا} أى أو لم يعلموا. {أنَّ اللهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أن يَخْلُقَ مِثْلهُمْ} أى أن يبعث مثلهم فى الصغر فإِنهم ليسوا مساوين للسماوات والأَرض فى الشدة ولا فى العظم بل هن أشد وأعظم وليس الإِعادة أصعب من الإِبداء بل الذى فى العقول من عادة البشر أن إِعادة الشئ أهون من بدائه وهما سواء عند الله. {وَجَعَل لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ} هو الموت أو القيامة من القبور يعذبون عند ذلك الأَجل فإِن شئت فقل التقدير وجعل لعذابهم أجلا والواو للاستئناف أو للحال أو للعطف على معنى أولم يروا لأَن المعنى قد علموا بدليل العقل وما ينضم إِليه أن الله الذى خلق السماوات والأَرض الخ.. {فَأَبَى الظَّالِمُونَ} مع وضوح الحق {إِلاَّ كُفُوراً} إِلا جحوداً.
اطفيش
تفسير : وليس من القول قوله تعالى: {وَمَنْ يَهْدِ اللهُ} إلى الحق {فَهُوَ الْمُهْتَدِ} إليه أو إلى ما يطلبه لقوله عز وجل: {وَمَنْ يُضْلِلْ} يخلق فيه الضلال باختياره لا إجباراً {فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ} يهدونهم إلى طريق الحق، أو طريق يوصلهم إلى طريق الحق أو طريق يوصلهم إلى ما يصلح من الدنيا أو الدين، أو طريق النجاة مما أوجبه ضلالهم. {مِنْ دُونِهِ} وكان من القول قوله ومن يهد الله إلخ لقال فلن أجد لكم، بخلاف إذا جعل من يضلل إِلخ غير داخل، وفى فهو المهتد مراعاة لفظ من، ومناسبة إفراد التوحيد وهو الهدى، وفى لهم مراعاة معناها مناسبة لتشنيع طرف الضلال، كما قال الله عز وجل: "أية : ولا تتبعوا السُّبُل"تفسير : [الأنعام: 153] إلخ والآية من مقابلة أفراد جمع بأَفراد جمع، بمعنى لن تجد لواحد وليًّا، وزعم بعض أن المعنى لا تجد لواحد واحد، جماعة جماعة تنفعه لو وجد لواحد جماعة لم تنفعه، فكيف ينفعه ولى واحد، ولا ولى لواحج أو لا أولياء. {وَنَحْشُرُهُمْ} على طريق الالتفات من الغيبة فى قوله: {ومن يضلل} إِذا لم يدخل فى القول إلى التكلم فى نحشرهم {يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ} متعلق بحال محذوفة جوازاً أو من ضمير نحشر، أى ساحبين، أو من الهاء أى مسحوبين، أو مفعول مطلق لتضمين نحشر معنى السحب، أو الإمشاء أى سحبًا منَّا عليها، أو إمشاء لهم عليها كما قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يمشون على وجوههم؟ قال: "حديث : إن الذى أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم" تفسير : رواه البخارى ومسلم عن أنس، ومثله للترمذى عن أبى هريرة. وروى الترمذى عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنف مشاة، وصنف ركبان، وصنف على وجوههم"تفسير : ، فقيل: إِما أنهم يلقون بوجوههم كل حدب وشوك، ولم يجبه تلويحاً بأنهم أهل لذلك التعذيب بالحدب والشوك، أو ردًّا عليه بأن الأرض يومئذ مستوية لا حدب ولا شجرة، والله أعلم. ولعل الاستواء وعدم السوك فى حق غيرهم. وعن أبى ذر فى هذه الآية عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج: فوج طاعمين كاسين راكبين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم" تفسير : رواه أحمد والنسائى والحاكم، وأخرج أحمد والنسائى والترمذى عن معاوية بن حيدرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنكم تحشرون رجالاً وركبانًا وتجرون على وجوهكم" تفسير : والخطاب للناس عموماً فالجر لكفارهم. {عُمْيًا} من قبورهم {وَبُكْمًا} لا يقدرون على الكلام {وَصُمًّا} لا يسمعون، وإِذا وصلوا المحشر أبصروا وتكلموا وسمعوا، كذا قيل، ويشكل عليه قولهم: "أية : مَن بعثنا من مرقدنا"تفسير : [يس: 52] فهذا تكلم فيجاب بأنهم إذا خرجوا تكلموا، ثم يخرجون من عند القبور إِلى المحشر، وكل من قوله تعالى: "أية : ورأى المجرمون النار"تفسير : [الكهف: 53] و "أية : سمعوا لها تغيُّظًا" تفسير : [الفرقان: 12] و "أية : تجادل عن نفسها" تفسير : [النحل: 111] "أية : والله ربنا ما كنا مشركين" تفسير : [الأنعام: 23] و "أية : يقرءون كتابهم" تفسير : [الإسراء: 71] ونحو ذلك، إنما هو فى المحشر، أو المراد نحشرهم عميًا إلخ من المحشر إلى النار، أو المراد حين يقال لهم: "أية : اخسئوا فيها ولا تكلِّمون"تفسير : [المؤمنون: 108]، وعليه فالحال مقدرة أو المراد لا يبصرون ما يسرهم، ولا يسمعون ما يلذهم، ولا يتكلمون باعتذار مقبول كما لم يستبصروا فى الحياة بالآيات، ولم يستمعوا لها، ولم ينطقوا بالصدق. والترتيب فى الآية لأن آفة السمع أشد من آفة البكم، وآفة اللسان أشد من آفة البصر، وآية سورة البقرة على التنزل، ووسط البكم فيهما لأنه لازم للصمم، فلا يفارقه فى الذكر، والنصب على الحال عطفا عى الحال السابقة، أو على الحال من الضمير فى مسحوبين على وجوههم المستتر أو فى كائنين إن قدر كونا عاما، فيجب الحذف، أى كائنين على وجوههم. {مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} النار لقوله: {كُلّمَا خَبَتْ} سكن لهيبها، والموضع لا يلتهب، بل ناره أو جهنم الموضع وضمير خبت للنار المدلول عليها بالموضع، أو أسند ذلك للموضع تجوُّزاً للحلول، والمراد بخبت خبوها لإتيانها على كل لحومهم وعظامهم وأبعاضهم ولم تنقطع، إذ لا يخفف عنهم العذاب تجدد أجسامهم قبل خبوها، وجملة{مأواهم جهنم}مستانفة أو حال من هاء نحشرهم، لا من هاء وجوههم، وكل ظرف لإضافته إلى مصدر نائب عن الزمان، إذ ما مصدرية والمصدر الخبو، كأنه قال كل خبوها أى كل وقت خبوها متعلق بقوله: {زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} مصدر أى سعرا أو لا يزال عذابهم يزداد شدة، أو المراد بالزيادة الإتيان بمثل ما مضى، وذلك كما كانوا يعقبون كل تذكير بإنكاره أو اسم مفعول، أى ناراً مسعورة، ولم يؤنث لظهور أن المراد المؤنث وهو فعيل بمعنى مفعول، وإذا دل على الأنثى دليل قيل كحيل أو مكحولة، كما تقول جاءت كحيل.
الالوسي
تفسير : {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ} كلام مبتدأ غير داخل في حيز {أية : قُلْ} تفسير : [الإسراء: 96] يفصل ما أشار إليه الكلام السابق من مجازاة العباد لما أن علمه تعالى في مثل هذا الموضع مستعمل بمعنى المجازاة أي من يهد الله تعالى إلى الحق {فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} إليه وإلى ما يؤدي إليه من الثواب أو المهتد إلى كل مطلوب والأكثرون حذفوا ياء المهتدي {وَمَن يُضْلِلِ} يخلق فيه الضلال لسوء اختياره وقبح استعداده كهؤلاء المعاندين {فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء} أي أنصاراً {مِن دُونِهِ} عز وجل يهدونهم إلى طريق الحق أو إلى طريق يوصلهم إلى مطالبهم الدنيوية والأخروية أو إلى طريق النجاة من العذاب الذي يستدعيه ضلالهم على معنى لن تجد لأحد منهم ولياً على ما يقتضيه قضية مقابلة الجمع بالجمع من انقسام الآحاد على الآحاد على / ما هو المشهور. وقيل قال سبحانه {أَوْلِيَاء} مبالغة لأن الأولياء إذا لم تنفعهم فكيف الولي الواحد؟ وضمير {لَهُمْ} عائد على (من) باعتبار معناه كما أن {هُوَ} عائد عليه باعتبار لفظه فلذا أفرد الضمير تارة وجمع أخرى. وفي إيثار الإفراد والجمع فيما أوثرا فيه تلويح بوحدة طريق الحق وقلة سالكيه وتعدد سبل الضلال وكثرة الضلال. وذكر أبو حيان وتبعه بعضهم أن الجملة الثانية من المواضع التي جاء فيها الحمل على المعنى ابتداء من غير أن يتقدمه الحمل على اللفظ وهي قليلة في القرآن. وتعقب ذلك الخفاجي بأنه لا وجه له فإنه حمل فيها الضمير على اللفظ أولاً إذ في قوله تعالى: {يُضْلِلِ} ضمير محذوف مفرد إذ تقديره يضلله على الأصل وهو راجع إلى لفظ (من) فلا يقال إنه لم يتقدمه حمل على اللفظ ثم قال: وأغرب من ذلك ما قيل إنه قد يقال إن الحمل على اللفظ قد تقدمه في قوله سبحانه {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ} وإن كان في جملة أخرى اهـ. وفيه أن وجهه جعل أبـي حيان (من) مفعول {يُضْلِلِ} كما نص عليه في «البحر» وكذا نص على أنها في الجملة الأولى مفعول {يَهْدِ} وحيئنذٍ ليس هناك ضمير مفرد محذوف كما لا يخفى فتفطن. وجوز كون الجملتين داخلتين في حيز {أية : قُلْ} تفسير : [الإسراء: 96] لمجيء {وَمَن} بالواو. وقوله تعالى: {وَنَحْشُرُهُمْ} أوفق بالأول وفيه التفات من الغيبة إلى التكلم للإيذان بكمال الاعتناء بأمر الحشر، وعلى الاحتمال الثاني يجعل حكاية لما قاله الله تعالى له عليه الصلاة والسلام {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} حين يقومون من قبورهم {عَلَى وُجُوههمْ} في موضع الحال من الضمير المنصوب أي كائنين عليها إما مشياً بأن يزحفون منكبين عليها ويشهد له ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أنس قال: حديث : قيل يا رسول الله كيف يحشر الناس على جوههم؟ قال الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههمتفسير : والمراد كيف يحشر هذا الجنس على الوجه لأن ذلك خاص بالكفار وغيرهم يحشر على وجه آخر. فقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه وابن جرير وغيرهم عن أبـي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف صنف مشاة أي على العادة وصنف ركبان وصنف على وجوههم قيل يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك»تفسير : وإما سحباً بأن تجرهم الملائكة منكبين عليها كقوله تعالى {أية : يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} تفسير : [القمر: 48] ويشهد له ما أخرجه أحمد والنسائي والحاكم وصححه عن أبـي ذر أنه تلا هذه الآية {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} الخ فقال: حدثني الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج فوج طاعمين كاسين راكبين وفوج يمشون ويسعون وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم، وأخرج أحمد والنسائي والترمذي وحسنه عن معاوية بن حيدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنكم تحشرون رجالاً وركباناً وتجرون على وجوهكم» تفسير : وليطلب وجه الجمع فإن لم يوجد فالمعول عليه ما شهد له حديث الشيخين، ولا تعين الآية أعني قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} تفسير : [القمر: 48] الثاني لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً لأنها في حالهم بعد دخول النار وما هنا في حالهم قبل فتغايرا. وزعم بعضهم أن الكلام على المجاز وذلك كما يقال للمنصرف عن أمر خائباً مهموماً انصرف على وجهه فالمراد ونحشرهم يوم القيامة مهمومين خائبين، وكأن الداعي لهذا الارتكاب أنه قد روى عن ابن عباس حمل الأحوال الآتية على المجاز وحينئذ تكون جميع الأحوال على طرز واحد ولا يخفى عليك فإياك أن تلتفت إلى تأويل نطقت / السنة النبوية بخلافه ولا تعبأ بقوم يفعلون ذلك. {عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا} أحوال من الضمير المستكن في الجار والمجرور الواقع حالاً أولاً وفي «إرشاد العقل السليم» أنها أحوال من الضمير المجرور في الحال السابقة، والأول أبعد عن القيل والقال. وجوز أبو البقاء كون ذلك بدلاً من تلك الحال وهو كما ترى. واستظهر أبو حيان كون المراد مما ذكر حقيقته ويكون ذلك في مبدأ الأمر ثم يرد الله تعالى إليهم أبصارهم ونطقهم وسمعهم فيرون النار ويسمعون زفيرها وينطقون بما حكى الله تعالى عنهم في غير موضع. نعم قد يختم على أفواههم في البين. وقيل هو على المجاز على معنى أنهم لفرط الحيرة والذهول يشبهون أصحاب هذه الصفات أو على معنى أنهم لا يرون شيئاً يسرهم ولا يسمعون كذلك ولا ينطقون بحجة كما أنهم كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ولا يسمعونه وأخرج ذلك ابن جرير وابن أبـي حاتم عن ابن عباس وروي أيضاً عن الحسن فنزل ما يقولونه ويسمعونه ويبصرونه منزلة العدم لعدم الانتفاع به، ولا يعكر عليه أن بعض الآيات يدل على سلب بعض القوى عنهم لاختلاف الأوقات. وقيل عمياً عن النظر إلى ما جعل الله تعالى لأوليائه بكماً عن الكلام معه سبحانه صماً عما مدح الله تعالى به أولياءه. وقيل: يحصل لهم ذلك حقيقة بعد قوله تعالى لهم {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ} تفسير : [المؤمنون: 108] وعلى هذا تكون الأحوال مقدرة كقوله تعالى: {مَّأْوَاهُمْ} أي مستقرهم {جَهَنَّمُ} على تقدير جعله حالاً ويحتمل أن يكون استئنافاً. وقوله سبحانه: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} يحتمل أيضاً الاستئناف ويحتمل أن يكون حالاً من (جهنم) كما قال أبو البقاء، وجعل العامل في الحال معنى المأوى. وقال الطبرسي: هو حال منها لأنها توضع [موضع] متلظ ومتسعر ولولا ذلك ما جعل حالاً منها. وجوز جعله حالاً مما جعلت الجملة الأولى منه لكن بعد اعتبارها في النظم والرابط الضمير المنصوب في {زِدْنَاهُمْ} وهو كما ترى والاستئناف أقل مؤنة. والخبو وكذا الخبو بضمتين وتشديد وهما مصدرا خبت النار سكون اللهب قال في «البحر» يقال خبت النار تخبو إذا سكن لهبها وخمدت إذا سكن جمرها وضعف وهمدت إذا طفئت جملة. وقال الراغب: خبت النار سكن لهبها وصار عليها خباء من رماد أي غشاء. وفي «القاموس» تفسير خبت بسكنت وطفئت وتفسير طفئت بذهب لهبها وفيه مخالفة لما في «البحر» والأكثرون على ما فيه. ومن الغريب ما أخرجه ابن الأنباري عن أبـي صالح من تفسير {خَبَتْ} في الآية بحميت وهو خلاف المشهور والمأثور. والسعير اللهب. والمعنى كلما سكن لهبها بأن أكلت جلودهم ولحومهم ولم يبق ما تتعلق به النار وتحرقه زدناهم لهباً وتوقداً بأن أعدناهم على ما كانوا فاستعرت النار بهم وتوقدت. أخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية إن الكفرة وقود النار فإذا أحرقتهم فلم يبق شيء صارت جمراً تتوهج فذلك خبوها فإذا بدلوا خلقاً جديداً عاودتهم، ولعل ذلك على ما قاله بعض الأجلة عقوبة لهم على إنكارهم الإعادة بعد الإفناء بتكررها مرة بعد الأخرى ليروها عياناً حيث لم يروها برهاناً كما يفصح عند ما بعد. واستشكل ما ذكر بأن قوله تعالى {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} تفسير : [النساء: 56] يدل على أن النار لا تتجاوز عن إنضاجهم إلى إحراقهم وإفنائهم فيعارض ذلك. وأجاب بعضهم بأن تبديلهم جلوداً غيرها بإحراقها وإفنائها وخلق غيرها / فكأنه قيل كلما نضجت جلودهم أحرقناها وأفنيناها وخلقنا لهم غيرها، وبعض بأن المراد كلما نضجت جلودهم كمال النضج بأن يبلغ شيها إلى حد لو بقيت عليه لا يحس صاحبها بالعذاب وهو مرتبة الاحتراق بدلناهم الخ ويدل على ذلك قوله تعالى: {أية : لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ}تفسير : [النساء: 56]. وقال الخفاجي: أجيب بأنه يجوز أن يحصل لجلودهم تارة النضج وتارة الإفناء أو كل منهما في حق قوم على أنه لا سد لباب المجاز بأن يجعل النضج عبارة عن مطلق تأثير النار إذ لا يحصل في ابتداء الدخول غير الإحراق دون النضج اهـ. ولا يخفى ما في قوله بأن يجعل النضج عبارة عن مطلق تأثير النار من المساهلة، وفي قوله: إذ لا يحصل الخ منع ظاهر. وذكر أنه أورد على الجواب الأول أن كلمة كلما تنافيه وفيه بحث فتأمل. وربما يتوهم أن بين هذه الآية وقوله تعالى: {أية : لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ} تفسير : [البقرة: 162] تعارضاً لأن الخبو يستلزم التخفيف وهو مدفوع بأن الخبو سكون اللهب كما سمعت واستلزامه تخفيف عذاب النار ممنوع، على أنا لو سلمنا الاستلزام فالعذاب الذي لا يخفف ليس منحصراً بالعذاب بالنار والإيلام بحرارتها وحينئذٍ فيمكن أن يعوض ما فات منه بسكون اللهب بنوع آخر من العذاب مما لا يعلمه إلا الله تعالى. وذكر الإمام أن قوله سبحانه: {زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} يقتضي ظاهره أن الحالة الثانية أزيد من الحالة الأولى فتكون الحالة الأولى تخفيفاً بالنسبة إلى الحالة الثانية. وأجاب بأنه حصل في الحالة الأولى خوف حصول الثانية فكان العذاب شديداً. ويحتمل أن يقال: لما عظم العذاب صار التفاوت الحاصل في أثنائه غير مشعور به نعوذ بالله تعالى منه اهـ، وقد يقال: ليس في الآية أكثر من ازدياد توقدهم ولعله لا يستلزم ازدياد عذابهم. والمراد من الآية كلما أحرقوا أعيدوا إلا أنه عبر بما عبر للمبالغة، ويشير إلى كون المراد ذلك قوله تعالى: {زِدْنَاهُمْ} دون زدناها فتدبر.
ابن عاشور
تفسير : {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ} يجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة {أية : وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى}تفسير : [الإسراء: 94] جمعاً بين المانع الظاهر المعتاد من الهدى وبين المانع الحقيقي وهو حرمان التوفيق من الله تعالى، فمن أصَرّ على الكفر مع وضوح الدليل لذوي العقول فذلك لأن الله تعالى لم يوفقه. وأسباب الحرمان غضب الله على من لا يُلقِي عقله لتلقي الحق ويتخذُ هواه رائداً له في مواقف الجد. ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة {أية : قل كفى باللَّه شهيداً بيني وبينكم}تفسير : [الإسراء: 96] ارتقاء في التسلية، أي لا يحزنك عدم اهتدائهم فإن الله حرمهم الاهتداء لما أخذوا بالعناد قبل التدبر في حقيقة الرسالة. والمراد بالهُدى الهدى إلى الإيمان بما جاء به الرسول. والتعريف في {المهتد} تعريف العهد الذهني، فالمعرف مساوٍ للنكرة، فكأنه قيل: فهو مهتدٍ. وفائدة الإخبار عنه بأنه مهتد التوطئة إلى ذكر مقابله وهو {ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء}، كما يقال من عَرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا فُلان. ويجوز أن تجعل التعريف في قوله: {المهتد} تعريف الجنس فيفيد قصر الهداية على الذي هداه الله قصراً إضافياً، أي دون من تريد أنتَ هداه وأضله الله. ولا يحتمل أن يكون المعنى على القصر الادعائي الذي هو بمعنى الكمال لأن الهدى المراد هنا هدي واحد وهو الهدي إلى الإيمان. وحُذفت ياء {المهتد} في رسم المصحف لأنهم وقفوا عليها بدون ياء على لغة من يقف على الاسم المنقوص غيرِ المنون بحذف الياء، وهي لغة فصيحة غير جارية على القياس ولكنها أوثرت من جهة التخفيف لثقل صيغة اسم الفاعل مع ثقل حرف العلة في آخر الكلمة. ورسمت بدون ياء لأن شأن أواخر الكلم أن ترسم بمراعاة حال الوقف. وأما في حال النطق في الوصل فقرأها نافع وأبو عَمرو بإثبات الياء في الوصل وهو الوجه، ولذلك كتبوا الياء في مصاحفهم باللون الأحمر وجعلوها أدق من بقية الحروف المرسومة في المصحف تفرقة بينها وبين ما رسمه الصحابة كتّاب المصحف. والباقون حذفوا الياء في النطقِ في الوصل إجراء للوصل مجرى الوقف. وذلك وإن كان نادراً في غير الشعر إلا أن الفصحاء يُجرون الفواصل مجرى القوافي، واعتبروا الفاصلة كل جملة ثم بها الكلام، كما دل عليه تمثيل سيبويه في كتابه الفاصلة بقوله تعالى: {أية : والليل إذا يسر} تفسير : [الفجر: 4] وقوله:{أية : قال ذلك ما كنا نبغ }تفسير : [الكهف: 64]. وقد تقدم شيء من هذا عند قوله تعالى: {أية : عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال}تفسير : في سورة [الرعد: 9]. والخطاب في {فلن تجد لهم أولياء من دونه} للنبيء صلى الله عليه وسلم لأن هذا الكلام مسوق لتسليته على عدم استجابتهم له، فنفي وجدان الأولياء كناية عن نفي وجود الأولياء لهم لأنهم لو كانوا موجودين لوجدهم هو وعرفهم. والأولياء: الأنصار، أي لن تجد لهم أنصاراً يخلصونهم من جزاء الضلال وهو العذاب. ويجوز أن يكون الأولياء بمعنى متولي شأنهم، أي لن تجد لهم من يُصلح حالهم فينقلهم من الضلال كقوله تعالى: {أية : الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور}تفسير : [البقرة: 257]. وجُمع الأولياء باعتبار مقابلة الجمع بالجمع، أي لن تجد لكل واحد ولياً ولا لجماعته ولياً، كما يقال: ركب القوم دوابهم. و{من دونه} أي غيره. {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} ذكر المقصود من نفي الولي أو المَئال له بذكر صورة عقابهم بقوله: {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم} الآية. والحشر: جمع الناس من مواضع متفرقة إلى مكان واحد. ولما كان ذلك يستدعي مشيهم عدي الحشر بحرف (على) لتضمينه معنى يمشون. وقد فهم الناس ذلك من الآية فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم كيف يمشون على وجوههم؟ فقال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم. والمقصود من ذلك الجمعُ بين التشويه والتعذيب لأن الوجه أرق تحملاً لصلابة الأرض من الرجل. وهذا جزاء مناسب للجرم، لأنهم روّجوا الضلالة في صورة الحق ووسموا الحق بسمات الضلال فكان جزاؤهم أن حولت وجوههم أعضاءَ مشي عِوضاً عن الأرجل. ثم كانوا {عميا وبكما} جزاء أقوالهم الباطلة على الرسول وعلى القرآن، و {صمّاً} جزاء امتناعهم من سماع الحق، كما قال تعالى عنهم: {أية : وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب}تفسير : [فصّلت: 5]. وقال عنهم: {أية : قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى}تفسير : [طه: 125-126]، وقال عنهم: {أية : ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى}تفسير : [الإسراء: 72] أي من كان أعمى عن الحق فهو في الحشر يكون محروماً من متعة النظر. وهذه حالتهم عند الحشر. والمأوى محل الأوِيِّ، أي النزول بالمأوى. أي المنزل والمقر. وخبت النار خُبُوّاً وخَبْواً. نقص لهيبها. والسعير: لهب النار، وهو مشتق من سعّر النارَ إذا هيج وقودها. وقد جرى الوصف فيه على التذكير تبعاً لتذكير اللهب. والمعنى: زدناهم لهباً فيها. وفي قوله: كلما خبت زدناهم سعيراً} إشكال لأن نار جهنم لا تخبو. وقد قال تعالى: {أية : فلا يخفف عنهم العذاب }تفسير : [البقرة: 86]. فعن ابن عباس: أن الكفرة وقود للنار قال تعالى: {أية : وقودها الناس والحجارة}تفسير : [البقرة: 24] فإذا أحرقتهم النار زال اللهب الذي كان متصاعداً من أجسامهم فلا يلبثون أن يعادوا كما كانوا فيعود الالتهاب لهم. فالخُبُوّ وازدياد الاشتعال بالنسبة إلى أجسادهم لا في أصل نار جهنم. ولهذه النكتة سلط فعل {زدناهم} على ضمير المشركين للدلالة على أن ازدياد السعير كان فيهم، فكأنه قيل: كلما خبت فيهم زدناهم سعيراً، ولم يقل: زدناها سعيراً. وعندي: أن معنى الآية جارٍ على طريق التهكّم وبادىء الإطماع المسفر عن خيبة، لأنه جعل ازدياد السعير مقترناً بكل زمان من أزمنة الخبُوّ، كما تفيده كلمة (كلما) التي هي بمعنى كل زمان. وهذا في ظاهره إطماع بحصول خبو لورود لفظ الخبو في الظاهر، ولكنه يؤول إلى يأس منه إذ يدل على دوام سعيرها في كل الأزمان، لاقتران ازدياد سعيرها بكل أزمان خبوها. فهذا الكلام من قبيل التمليح، وهو من قبيل قوله تعالى: {أية : ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط }تفسير : [الأعراف: 40]، وقول إياس القاضي للخصم الذي سأله: على من قَضيت؟ فقال: على ابن أخت خالك.
الواحدي
تفسير : {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً} يمشيهم الله سبحانه على وجوههم عُمياً لا يرون شيئاً يسرُّهم {وبكماً} لا ينطقون بحجَّةٍ {وصماً} لا يسمعون شيئاً يسرُّهم {كلما خبت} أَيْ: سكن لهبها {زدناهم سعيراً} ناراً تتسعر.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 97- وقل لهم: من يهده الله لحسن استعداده فهو المهتدى، ومن يضلله لفساد طبعه فلن تجد له أنصاراً غيره يهدونهم فى الدنيا، ونحشرهم فى الآخرة مسحوبين على وجوههم لا ينظرون ولا ينطقون ولا يسمعون، ومكانهم الذى يأوون إليه جهنم كلما ضعف لهيبها زادها الله تَلَهُّباً واشتعالاً. 98- ذلك العذاب جزاؤهم بسبب كفرهم بالأدلة التى أقمناها لهم على الحق، وقولهم: أنبعث خَلْقاً جديداً بعد أن نصير عظاماً ورفاتاً؟. 99- أغفلوا ولم يعلموا أن الله الذى خلق السموات والأرض - مع عظمهما - قادر على أن يخلق مثلهم من الإنس والجن، ومن هو قادر على ذلك كيف لا يقدر على إعادتهم، وهى أهون عليه، وقد جعل - سبحانه - لإعادتهم بعد الموت أجلا محددا لا شك فى حصوله وهو يوم القيامة، ومع ذلك أبى الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، بعد إقامة هذه الحُجة إلا جحودا. 100- قل لهؤلاء المشركين: لو كنتم تملكون خزائن رزق ربى لبخلتم خشية الفقر، لأن الإنسان مطبوع على شدة الحرص والبخل، والله هو الغنى الجواد، يمنح ما شاء لمن يشاء، وينزل من المعجزات ما شاء لا ما شاء الناس، وهو فى ذلك كله حكيم عليم. 101- ولو أوتى هؤلاء من الآيات ما اقترحوا لصرفوها عن وجهها، ولم يؤمنوا بها، ولقد آتينا موسى تسع آيات واضحات ومع ذلك كفروا، وقال فرعون: إنى لأظنك مسحورا يا موسى.
القطان
تفسير : خبت: سكن لهيبها. السعير: اللهيب. خشية الانفاق: خوف الفقر. قتورا: شديد البخل. ومن يتولاّه الله بالهداية فهو المهتدي، ومن يقضي عليهم بالضلال فلن تجد لهم من ينقذهم، ونحشرهم يوم القيامة فيُسبحون على وجوههم، لا ينطقون ولا يرون ولا يسمعون، منزلهم جنهمُ كلما سكن ليهبها زدناها توقدا واشتعالا. وقد تقدم مثل هذه الآية في سورة الاعراف 178. ذلك جزاؤهم بسبب كفرهم بآياتنا، وقالوا أإذا متنا واستحالت اجسادنا الى عظام وفتات اوَ نبعث من جديد! أَغَفِلوا ولم يعلموا ان الله الذي خلق هذا الكون وما فيه، قادر على ان يخلق مثله! والذي يقدر على خلق مثل هذه السماوات والارض يقدر عل اعادتهم. وهو اهون عليه. لقد جعل لاعادتهم وقيامهم من قبورهم أجلاً مضروبا ومدة مقدرة، وبعد اقامة الحجة عليهم ابوا الا تماديا في ضلالهم وكفرهم. وتقدم في نفس السورة نفس المعنى الآية 50. ثم بين حرصهم على الدنيا، وتمسكهم بها وشحهم بانهم لو ملكوا خزائن الدنيا لبخلوا فقال: {قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي....}. قل ايها الرسول لهؤلاء المعاندين لو كنتم تملكون خزائن رزق الله وسائر نعمه لبخلتم مخافة نفادها بالانفاق، والانسان مطبوع على شدة الحرص والبخل والله هو الغني الرزاق.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْقِيَامَةِ} {مَّأْوَاهُمْ} {زِدْنَاهُمْ} (97) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ عَظِيمِ سُلْطَانِهِ فِي خَلْقِهِ، وَنُفُوذِ حُكْمِهِ فِيهِمْ، لاَ مُعَقِّبَ عَلَيْهِ فِيهِ، فَمَنْ هَداهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ أَضَلَّهُ فَلاَ يَمْلِكُ أَحَدٌ هِدَايَتَهُ. وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ يَحْشُرُ الكَافِرِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهُمْ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، عُمْياً لاَ يُبْصِرُونَ، وَبُكْماً لاَ يَنْطِقُونَ، وَصُمّاً لاَ يَسْمَعُونَ. وَذَلِكَ جَزَاءٌ لَهُمْ لِمَا كَانُوا عَلَيهِ فِي الدُّنْيا مِنَ العَمَى وَالصَمَّمِ وَالبَكَمِ، لاَ يُبْصِرُونَ الحَقَّ، وَلاَ يَهْتَدُونَ إِلَيْهِ. وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ نَارَ جَهَنَّمَ التِي يُعَذَّبُونَ فِيهَا كُلَّمَا سَكَنَتْ وَخَفَّ لَهِيبُهَا (خَبَتْ)، زَادَ اللهُ فِي تَأَجُّجِهَا وَسَعِيرِهَا عَلَيْهِمْ، لِيَزْدَادَ أَلَمُهُمْ وَعَذَابُهُمْ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الكُفَّارَ وَقُودُ جَهَنَّمَ، فَإِذَا أَحْرَقْتُهُمْ وَلَمْ يَبْقَ شَيءٌ مِنْهُمْ صَارَتْ جَمْراً تَتَوهَّجُ، فَذلِكَ خُبُوُّها، فَإِذَا بُدِّلُوا خَلْقاً جَدِيداً عَاوَدْتُهُمْ). خَبَتْ - سَكَنَ لَهِيبُهَا. سَعِيراً - لَهَباً وَتَوَقُّداً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : سبق أنْ قُلْنا: إن الهداية نوعان: هداية الدلالة المطلقة والتي تكون لجميع الخلق المؤمن والكافر، فقد دَلَّ الله المؤمن والكافر على الطريق المستقيم وبيَّنه لهم وأرشدهم إليه. والأخرى: هداية التوفيق والمعونة للقيام بمطلوبات المنهج الذي آمنوا به، وهذه خاصّة بالمؤمن، فبعد أنْ دَلَّه الله آمن وصدَّق واعترف لله تعالى بالفضل والجميل، بأن أنزل له منهجاً ينظم حياته. فأتحفه الله تعالى بهداية التوفيق والمعونة. وعن الهداية يقول الحق سبحانه: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ..}تفسير : [فصلت: 17]. أي: دَلَلْناهم على الطريق المستقيم، لكنهم استحبُّوا العمى والضلال على الهدى، فمنع الله عنهم معونته وتوفيقه. والحق سبحانه يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم بأسلوبين قرآنيين يوضِّحان هذيْن النوعيْن من الهداية، يقول تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ..}تفسير : [القصص: 56]. فنفى عن رسول الله هداية التوفيق والمعونة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يملكها، وفي آية أخرى قال تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [الشورى: 52]. فأثبتَ له هداية البيان والدلالة؛ لأن هذه هي مهمته كمبلِّغ عن الله، وهكذا أثبتَ له الحدث ونفاه عنه؛ لأن الجهة مُنفكَّة أي: أن جهة الإثبات غير جهة النفي، كما في قوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ..}تفسير : [الروم: 6-7]. فمرة: نفَى عنهم العلم، ومرة أخرى: أثبتَ لهم العلم. والمراد أنهم لا يعلمون حقائق الأمور، ولكنهم يعلمون العلوم السطحية الظاهرة منها. ونحن نكرّر مثل هذه القضايا لكي تستقرّ في النفس الإنسانية، وفي مواجيد المتدينين فينتفعوا بها. ومن ذلك أيضاً قول الحق سبحانه: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ..}تفسير : [الأنفال: 17]. فأثبت للرسول رَمْياً، ونفى عنه رَمْياً، لكن إذا جاء هذا الكلام من بليغ حكيم فاعلم أن الجهة مُنفكّة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر أخذ حَفْنة من التراب ورمى بها نحو أعدائه، وهذا هو الرّمْي الذي أثبتته الآية، وقد تولَّتْ القدرة الإلهية إيصال ذرات هذه الحفنة إلى عيون الأعداء، فأصابتهم جميعاً وشغلتْهم عن القتال، وهذا هو الرَّمْي الذي نفاه الحق عن رسوله صلى الله عليه وسلم. ولتقريب هذه المسألة: ابنك الذي تحمله على المذاكرة وتُرغمه عليها يأتي بالكتب ويضعها أمامه ويُقلِّب فيها ليوهمك أنه يذاكر، فإذا ما راجعت معه ما ذاكر لا تجدْه حصَّل شيئاً فتقول له: ذاكرتَ وما ذاكرت، فتُثبِت له الحدث مرة، وتنفيه عنه أخرى؛ لأنه ذاكر شكلاً، ولم يذاكر موضوعاً. إذن: فالحق سبحانه وتعالى يهدي الجميع هداية إرشاد وبيان ودلالة، ويختص مَنْ آمن بهداية المعونة والتوفيق للقيام بمقتضيات المنهج، كما قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ}تفسير : [محمد: 17]. وقال عن الآخرين: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الصف: 7] لكن يهدي العادلين. وقال:{أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ}تفسير : [الصف: 5] .. لكن يهدي الطائعين. وقال: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [البقرة: 264] .. لكن يهدي المؤمنين. إذن: بيَّن الحق سبحانه في أساليب القرآن مَنْ شاء هدايته، أما مَنْ آثر الكفر وصمم ألاَّ يؤمن فهو وشأنه، بل ويزيده الله من الكفر ويختم على قلبه، كما قال تعالى: {أية : وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}تفسير : [الأنعام: 110]. نعود إلى {مَن} في قوله تعالى: {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ..} [الإسراء: 97] قلنا: إن (مَن) اسم موصول بمعنى الذي، واستخدام (مَن) كاسم موصول لا يقتصر على (الذي) فقط، بل تستخدم لجميع الأسماء الموصولة: الذي، التي، اللذان، اللتان، الذين، اللاتي. فتقول: مَنْ جاءك فأكرِمْه، ومَنْ جاءتك فأكرمْها، ومَنْ جاءاك فأكرمهما، ومَنْ جاءتاك فأكرمهما، ومَنْ جاءوك فأكرمهم، ومَنْ جِئْنَكَ فأكرمْهُن. فهذه ستة أساليب تؤديها (مَن) فهي - إذن - صالحة للمذكّر وللمؤنّث وللمفرد وللمثنى وللجمع، وعليك أن تلاحظ (مَنْ) في الآية: {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ..} [الإسراء: 97] جاءت (مَنْ) دالَّة على المفرد المذكر، وهي في نفس الوقت دالّة على المثنى والجمع المذكر والمؤنث، فنقول: مَنْ يهدِهَا الله فهي المهتدية، ومَنْ يهدهم الله فهم المهتدون. وهكذا. ونسأل: لماذا جاءت (مَنْ) دالة على المفرد المذكر بالذات دون غيره في مجال الهدى، أما في الضلال فجاءتْ (مَنْ) دالَّة على الجمع المذكّر؟ نقول: لأنه لاحظ لفظ (مَنْ) فأفرد الأولى، ولاحظ ما تطلق عليه (من) فجمع الثانية: {وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ ..} [الإسراء: 97]. وهنا مَلْحظ دقيق يجب تدبُّره: في الاهتداء جاء الأسلوب بصيغة المفرد: {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ..} [الإسراء: 97] لأن للاهتداء سبيلاً واحداً لا غير، هو منهج الله تعالى وصراطه المستقيم، فللهداية طريق واحد أوضحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ". تفسير : أما في الضلال، فجاء الأسلوب بصيغة الجمع: {فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ ..} [الإسراء: 97] لأن طرق الضلال متعددة ومناهجه مختلفة، فللضلال ألف طريق، وهذا واضح في قول الحق سبحانه: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ..}تفسير : [الأنعام: 153]. والنبي صلى الله عليه وسلم حينما قرأ هذه الآية خَطَّ للصحابة خَطّاً مُسْتقيماً، وخَطَّ حوله خطوطاً مُتعرّجة، ثم أشار إلى الخط المستقيم وقال: "حديث : هذا ما أنا عليه وأصحابي ". تفسير : إذن: الهداية طريق واحد، وللضلال أَلْف مذهب، وألف منهج؛ لذلك لو نظرتَ إلى أهل الضلال لوجدتَ لهم في ضلالهم مذاهب، ولكل واحد منهم هواه الخاص في الضلال. فعليك أنْ تقرأ هذه الآية بوعي وتأمُّل وفَهْم لمراد المتكلّم سبحانه، فلو قرأها غافل لَقال: فلن تجد له أولياء من دونه، ولأتبع الثانية الأولى. ومن هنا تتضح توقيفية القرآن، حيث دقة الأداء الإلهي التي وضعتْ كُلَّ حَرْف في موضعه. وقوله: {أَوْلِيَآءَ} أي: نُصَراء ومعاونين ومُعينين {مِن دُونِه} أي: من بعده {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ..} [الإسراء: 97]. الحشْر: القيام من القبور والجمع للحساب {عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} هنا تعجب بعض الصحابة، فسألوا رسول الله: وكيف يسير الإنسان على وجهه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يُمشيهم على وجوههم ". تفسير : وما العجب في ذلك ونحن نرى مخلوقات الله: {أية : فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ ..}تفسير : [النور: 45]. ألم تَرَ الثعبان، كيف هو سريع في مِشْيته، خفيف في حركته، فالذي خلق قادر أن يُمشِيَ من ضَلَّ في القيامة على بطنه، لأن المسألة إرادة مريد لِيُوقع بهم غاية الذِّلَّة والهوان، ويا ليتهم تنتهي بهم المهانة والمذلّة عند هذا الحدِّ، بل: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً ..} [الإسراء: 97]. هذا استطراق لوسائل الإهانة، ففضلاً عن مَشْيهم على الوجوه فهم عُمْي لا يروْنَ شيئاً، ولا يهتدون، وهم صُمٌّ لا يسمعون نداءً، وهم بُكْمٌ لا يقدرون على الكلام، ولك أنْ تتصوَّر إنساناً جمعت عليه كل هذه الوسائل ليس في يوم عادي، بل في يوم البعث والنشور، فإذا به يُفَاجأ بهْول البعث، وقد سُدَّت عليه جميع منافذ الإدراك، فهو في قلب هذا الهَوْل والضجيج، ولكنه حائر لا يدري شيئاً، ولا يدرك ما يحدث من حوله. ولنا هنا لفتة على هذه الآية، فقد ورد في القرآن كثيراً: صُمٌّ بُكْم بهذا الترتيب إلا في هذه الآية جاءت هكذا: {وَبُكْماً وَصُمّاً} ومعلوم أن الصَّمَم يسبق البَكَم؛ لأن الإنسان يحكي ما سمعه، فإذا لم يسمع شيئاً لا يستطيع الكلام، واللغة بنت السماع، وهي ظاهرة اجتماعية ليستْ جنساً وليست دَمَاً. وسبق أنْ قُلْنا: إن الولد الإنجليزي إذا تربَّى في بيئة عربية يتكلم بالعربية والعكس؛ لأن اللغة ليست جنساً، بل ظاهرة اجتماعية تقوم على السماع، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان. حتى العربي نفسه الذي يعيش في بيئة عربية، إلا أنه لم يسمع هذه الألفاظ الغريبة المتقعِّرة لا يستطيع محاكاتها ولا يعرف معناها. لكن في هذه الآية جاء البكَم أولاً، لماذا؟ لأنه ساعة يُفاجأ بهوْلِ البعث والحشر كان المفروض أن يسأل أولاً عَمَّا يحدث، ثم يسمع بعد ذلك إجابة على ما هو فيه، لكنه فُوجئ بالبعث وأهواله، ولم يستطع حتى الاستفسار عَمَّا حوله، وهكذا سبق البكَم الصَّمَم في هذا الموقف. وهنا أيضاً اعتراض لبعض المستشرقين ومَنْ يُجارونهم مِمَّنْ أسلموا بألسنتهم، ولم تطمئن قلوبهم لنور الله، يقولون: القرآن يقول: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً ..} [الإسراء: 97] فينفي عنهم الرؤية، وفي آيات أخرى يقول: {أية : حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ ..}تفسير : [مريم: 75].{أية : وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا ..}تفسير : [الكهف: 53]. فأثبت لهم الرؤية، فكيف نجمع بين هذه الآيات؟ والمتأمل في حال هؤلاء المعذَّبين في موقف البعث يجد أن العمى كان ساعة البعث، حيث قاموا من قبورهم عُمْياً لِيتحققَ لهم الإذلال والحيرة والارتباك، ثم بعد ذلك يعودون إلى توازنهم ويعود إليهم بصرهم ليشاهدوا به ألوان العذاب الخاصة بهم، وهكذا جمع الله عليهم الذل في الحاليْن: حال العمى وحال البصر. لذلك يقول تعالى: {أية : لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ}تفسير : [ق: 22]. ثم يقول تعالى: {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} [الإسراء: 97] مأواهم: أي: مصيرهم ونهايتهم. خَبَتْ: خبت النار. أي: ضَعُفَت أو انطفأتْ، لكن ما دام المراد من النار التعذيب، فلماذا تخبو النار أو تنطفئ؟ أليس في ذلك راحة لهم من العذاب؟ المتأمل في الآية يجد أن خفوت النار وانطفاءها هو في حَدِّ ذاته لَوْنٌ من العذاب؛ لأن استدامة الشيء يُوطِّن صاحبه عليه، واستدامة العذاب واستمراره يجعلهم في إِلْف له، فإنْ خَبتِ النار أو هدأتْ فترةً فإنهم سيظنون أن المسألة انتهت، ثم يُفاجئهم العذاب من جديد، فهذا أنكَى لهم وآلم في تعذيبهم. وهذا يُسمُّونه في البلاغة "اليأس بعد الإطماع"، كما جاء في قول الشاعر: شعر : فَأصْبَحْتُ مِنْ لَيْلَى الغَداةَ كَقَابِضٍ عَلَى المَاء خَانَتْهُ فُرُوجُ الأَصَابِع تفسير : وفي السجون والمعتقلات يحدث مثل هذا، فترى السجين يشتد به العطش إلى حَدٍّ لا يطيقه، فيصيح بالحارس ويتحنن إليه ويرجوه كوباً من الماء، فيأتي له بكوب الماء حتى يكون على شَفَتَيْه، ويطمع في أنْ يبلّ ريقه ويطفئ غُلَّته، فإذا بالحارس يسكبه على الأرض، وهذا أنكى وأشدّ في التعذيب. وقد عبر الشاعر عن هذا المعنى بقوله: شعر : كَمَا أبرقَتْ قَوْمَاً عِطَاشاً غَمَامَةٌ فَلَمَّا رَجَوْهَا أقْشَعَتْ وتَجلَّتِ تفسير : أي: ساعة أَنْ رأوْهَا، واستشرفوا فيها الماء إذا بها تنقشع وتتلاشى، وتُخيِّب رجاءهم فيها. وكذلك من ألوان العذاب التي قد يظنُّها البعض لَوْناً من الراحة في جهنم والعياذ بالله، أن الله تعالى يُبَدِّل جلودهم بجلود أخرى جديدة، لا رحمةً بهم بل نكايةً فيهم، كما قال تعالى: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ ..}تفسير : [النساء: 56]. لأن الجلود إذا نضجتْ وتفحَّمت امتنع الحِسُّ، وبالتالي امتنعتْ إذاقة العذاب، إذن: العلة من تبديل الجلود تجديد الحسِّ ليذوقوا العذاب إذاقةً مستديمة. ومنذ عهد قريب كانوا يظنون أن الحسَّ يأتي من المخ، إلا أنهم لاحظوا على الإنسان إحساساً قبل أن يصل شيء للمخ. فمثلاً: لو أشرت بأصبعك إلى عين إنسان تراه يُغمِض عينه قبل أنْ تلمسه، وفسَّروا ذلك بما يسمونه العكس في النخاع الشوكي، ثم توالت البحوث للتعرف على مناط الحسِّ في الإنسان أيْن هي؟ إلى أن انتهت تلك الأبحاث إلى ما أخبر به القرآن منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان، من أن الجلد هو مركز الإحساس في الإنسان، بدليل أنك إذا أخذتَ حقنة مثلاً، فبمجرد أن تخترق طبقة الجلد لا تشعر بألمها. فمن أين عرف العرب هذه النظريات العلمية الدقيقة؟ ومَنْ أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم؟ إنه لَوْنٌ من ألوان الإعجاز القرآني للعرب ولغيرهم. ثم يقول الحق سبحانه: {ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {كُلَّمَا خَبَتْ} معناه طَفِئتْ {زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} معناه وقودٌ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعد ما ثبتَ أن أمرهم موكول إلى الله وحالهم محفوظُ عنده {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ} الهادي وتعلَّقَ إرادتهُ بهدايته {فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} أي: هو مقصورُ على الهداية لا يتعداها أصلاً {وَمَن يُضْلِلْ} اللهُ، وتعلَّقَ مشيئتهُ بضلاله {فَلَن تَجِدَ} يا أكمل الرسل {لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ} أي: من دون الله يوالونهم، ويظاهرون عليهم، وينقذونهم من بأس الله وبطشه بعدما أخذتهم العزة بإثمهم { وَ} لذلك {نَحْشُرُهُمْ} ونبعثهم {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} بعد تنقيد أعمالهم منكبين منكوسين {عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} تنفيذاً لأحكامنا؛ يعني: يُسحبون ويجرون نحو جهنم البعد والخذلان {عُمْياً} لكونهم في النشأة الأولى أعمى من رؤية الحق في المظاهر والأعيان {وَبُكْماً} لكونهم صامتين ساكتين عما ظهر لهم من دلائل التوحيد عناداً ومكابرةً {وَصُمّاً} لكونهم أُصْمِيْنَ عن استماع كلمة الحق من ألسنة الرسل وورّاثهم؛ أي: العلماء، لذلك صار {مَّأْوَاهُمْ} ومنزلهم {جَهَنَّمُ} الطرد والحرمان المسعَّر بنيران الخذلان والخسران، وصارت من كمال سعرها إلى حيث {كُلَّمَا خَبَتْ} وسكنتْ لهبُ نارها بعدما أكلتْ جلودهم ولحومهم {زِدْنَاهُمْ} جلوداً ولحوماً مثل جلودهم ولحومهم، بل عينه؛ يعني: كلما انمحت جلودهم ولحومهم نعيدهم على ما كانوا لتصير {سَعِيراً} [الإسراء: 97] ذا شررٍ والتهابٍ مفرطٍ، بعدما وجدتْ ما تأكل، والسر في تكرارها وإعادتها: إنكارُهم للحشر وأعادة المعدوم بعينه. {ذَلِكَ} الذي سمعت من العذاب {جَزَآؤُهُم} أي: جزاء المنكرين الكافرين، وإنما عذبناهم بها {بِأَنَّهُمْ} أي: بسبب أنهم {كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا} الدالّة على الحشر الجسماني {وَقَالُواْ} منكرين مستبعدين: {أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَ} صرنا {رُفَاتاً} أي: هباءً وغباراً {أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً} أي: مخلوقاً موجوداً {جَدِيداً} [الإسراء: 98] مثل المخلوق الأول؟! كلا وحاشا. {أَ} ينكرون الحشر وإعادة المعدوم بعينه، ويصرون على الإنكار أولئك المعاندون {وَلَمْ يَرَوْاْ} ولم يعلموا {أَنَّ ٱللَّهَ} القادر المقتدر{ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} خلقاً إبداعياً اختراعياً بلا سبقِ مادةٍ وزمانٍ {قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} بعد إعدامهم وموتهم، مع أن الإعادة أسهل وأيسر من الإنشاء والإبداء {وَ} لم يعلموا كيف {جَعَلَ} أي: صيّر وقدر {لَهُمْ أَجَلاً} معيناً {لاَّ رَيْبَ فِيهِ} متى وصلوا إليه ماتوا؛ بحيث لا يسمع لهم طالب التقديم والتأخير أصلاً، ومع وضوح هذه الدلائل والشواهد {فَأَبَىٰ} وامتنع {ٱلظَّالِمُونَ} الخارجون عن مقتضى العقل والنقل عن قبول الحق وتصديق الحق المطابق، للواقع، ما يزيدهم وروده ووضوحه {إِلاَّ كُفُوراً} [الإسراء: 99] أي: جحوداً وإنكاراً للحق لخبث طينتهم ورداءة فطرتهم، متوهمين نفاد قدرة الله عند مراده وانقضاء تمكينه واقتداره لدى المقدور. {قُل} للمنكرين المتوهمين نفاد قدرة الله وانصرام حوله وقوته عن مراده: لا تقيسوا الغائب على الشاهد، ولا تتوهموا الشح والبخل والعجز والاضطرار في حق الله بل الكل هو من أوصافكم وخواصكم؛ إذ {لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي} مع سمعتها وعدم نفادها وتناهيها أصلاً {إِذاً لأمْسَكْتُمْ} وبخلتم {خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ} أيك مخافة النفاد بالإنفاق بلا وضع شيءٍ بدل ما ينفق {وَكَانَ ٱلإنْسَانُ} خُلق في أصل فطرته {قَتُوراً} [الإسراء: 100] ممسكاً لازدحام لوازم الإمكان الافتقار فيه؛ إذ هو أحوج المظاهر وأبعدهم عن الوحدة الذاتية؛ لأنه آخر نقطة قوس الإمكان، وهي نهاية الكثرة، وصار أول نقطة قوس الوجوب إن انخلع عن ملابس الإمكان، وتجرد عنها بالمرة بلا شوب شينٍ ونقصانس. {وَ} من جملة كفورية الإنسان وفتوريته: أنا {لَقَدْ آتَيْنَا} من سعة رحمتنا وكمال حولنا وقدرتنا {مُوسَىٰ} المؤيد من عندنا {تِسْعَ آيَاتٍ} أي: معجزاتٍ {بَيِّنَاتٍ} واضحاتٍ دالةٍ على صدقة في رسالته وحقيته في نوبته، وهي: العصا واليد البيضاء والجراد والقمل والضفادع ةالدم، وانفجار الماء من الحجر وانفلاق الحر ونتق الجبل فوقهم. وإن شئت يأ أكمل الرسل زيادة إيضاح وإلزامِ المشركين اليهود {فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} أي: بقية أخبارهم؛ ليخبروك وقت {إِذْ جَآءَهُمْ} موسى {فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ} بعدما رأى منه ما رأى من الخوارق بدل من الإيمان الإطاعة {إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ} بعدما جئت بسحرٍ عظيمٍ وكيدٍ كبيرٍ، وهو وإن كانَ من العقل والدارية: اعتقدُك {مَسْحُوراً} [الإسراء: 101] مجنوناً مخبطاً مختلّ العقل بادعائك الرسالة والنبوة من خالق السماء ونزول الملَك والمصحف إليك من عنده مع انسداد الطرق وانعدام السبل. ثم لما سمع موسى من فرعون ما سمع آيس من إيمانه وقنط {قَالَ} موبخاً مقرعاً: والله {لَقَدْ عَلِمْتَ} يقيناً أن {مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ} الآيات القاهرة الباهرة إليّ {إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} لكونها خارجة عن وسع غيره مطلقاً، وعلمتَ أيضاً أنه ما أنزله إلا {بَصَآئِرَ} أي: بيناتٍ وشواهَد دالةٍ على صدقي في دعواي لتُبْصِرَك، وتوقظكَ عن مقام غفلتك، وتتفطن بها لأصل فطرتك وجِبِلَّتك {وَإِنِّي} بعدما بالغتُ في تبليغ ما جئتُ من الهداية والإرشاد {لأَظُنُّكَ} وأعتقدك {يٰفِرْعَونُ} المتناهي في الغفلة والغرور {مَثْبُوراً} [الإسراء: 102] مصروفاً عن الخير مطروداً عن ساحة عز الحضور، مجبولاً على الشر ودواعيه. وبعدما رأى فرعون من موسى ما رأى من المعجزات الواضحات، خافَ أن يميل إليه قومه ويؤمنوا له {فَأَرَادَ} فرعون {أَن يَسْتَفِزَّهُم} أي: بني إسرائيل، ويستأصلهم بأن يحركهم أولاً {مِّنَ ٱلأَرْضِ} أي: أرض مصر، ويفرقهم بحيث لا يتأتى منهم المقاومة معه أصلاً، ثم يأمر بقتل كل فرقةٍ منهم مكراً منه وكيداً، فمكرنا له قبل مكره إياهم {فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن} كانوا متفقين {مَّعَهُ} في مكره وكيده {جَمِيعاً} [الإسراء: 103] حين أمرنا موسى ومن معه بالفرار ليلاً، فأخبر وأتبعَ أثره، فلقي موسى البحر وهو على عقبه، فأمرنا موسى بضرب البحر بالعصا، فضربه فانفلق وافترق وتشعب، فمر به موسى وأصحابه سالمين، فلقي فرعون على البحر الفور، فرأى البحر مفترقاً فاقتحموا مغرورين، فأغرقناهم أجمعين بعدما أمرنا البحر بالخلط والاجتماع على ما كان. {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ} أي: انقراض فرعون وانقضائه {لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} على سبيل التوصية والتذكير في كتابنا المنزل عليهم، وهو التوراة {ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ} التي أراد فرعون أن يستفزكم منها بالقهر والغلبة، آمنين صالحين مؤمنين بما أرسل إليكم وأنزل عليكم، عاملين بمقضتى أوامرنا ونواهينا {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ} وقيام الساعة {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} [الإسراء: 104] ملتفين مختلطين سعداؤكم مع أشقياءكم، فنميز بينكم، وندخلكم منزل الشقاوة والسعادة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أنه المنفرد بالهداية والإضلال، فمن يهده، فييسره لليسرى ويجنبه العسرى، فهو المهتدي على الحقيقة، ومن يضلله، فيخذله، ويكله إلى نفسه، فلا هادي له من دون الله، وليس له ولي ينصره من عذاب الله، حين يحشرهم الله على وجوههم خزيًا عميًا وبكمًا، لا يبصرون ولا ينطقون. { مَأْوَاهُمْ } أي: مقرهم ودارهم { جَهَنَّمُ } التي جمعت كل هم وغم وعذاب. { كُلَّمَا خَبَتْ } أي: تهيأت للانطفاء { زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا } أي: سعرناها بهم لا يفتر عنهم العذاب، ولا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها، ولم يظلمهم الله تعالى، بل جازاهم بما كفروا بآياته وأنكروا البعث الذي أخبرت به الرسل ونطقت به الكتب وعجزوا ربهم وأنكروا تمام قدرته. { وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا } أي: لا يكون هذا لأنه في غاية البعد عن عقولهم الفاسدة. { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ } وهي أكبر من خلق الناس. { قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ } بلى، إنه على ذلك قدير. { وَ } لكنه قد { جَعَلَ } لذلك { أَجَلا لا رَيْبَ فِيهِ } ولا شك، وإلا فلو شاء لجاءهم به بغتة، ومع إقامته الحجج والأدلة على البعث. { فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلا كُفُورًا } ظلمًا منهم وافتراء. { قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي } التي لا تنفذ ولا تبيد. { إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفَاقِ } أي: خشية أن ينفد ما تنفقون منه، مع أنه من المحال أن تنفد خزائن الله ، ولكن الإنسان مطبوع على الشح والبخل.
همام الصنعاني
تفسير : 1629- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {عُمْياً وَبُكْماً}: [الآية: 97]، قال: البُكْمُ الخرس. 1630- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً}: [الآية: 97]، قالَ: كُلَّما لاَن منها شيء.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):