١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
98
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا} أي ذلك العذاب جزاء كفرهم {وَقَالُواْ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً} أي تراباً. {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} فأنكروا البعث فأجابهم الله تعالى فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ} قيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض، وجعل لهم أجلاً لا ريب فيه قادر على أن يخلق مثلهم. والأجل: مدّة قيامهم في الدنيا ثم موتهم، وذلك ما لا شك فيه إذ هو مشاهد. وقيل: هو جواب قولهم: {أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً}. وقيل: هو يوم القيامة. {فَأَبَىٰ ٱلظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُوراً } أي المشركون إلا جحوداً بذلك الأجل وبآيات الله. وقيل: ذلك الأجل هو وقت البعث، ولا ينبغي أن يشكّ فيه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: هذا الذي جازيناهم به من البعث على العمى والبكم والصمم جزاؤهم الذي يستحقونه؛ لأنهم كذبوا {بِـأَيَـٰتِنَا} أي: بأدلتنا وحجتنا، واستبعدوا وقوع البعث {وَقَالُوۤاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰماً وَرُفَـٰتاً} أي: بالية نخرة {أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} أي: بعد ما صرنا إليه من البلى والهلاك والتفرق والذهاب في الأرض نعاد مرة ثانية؟ فاحتج تعالى عليهم ونبههم على قدرته على ذلك بأنه خلق السموات والأرض، فقدرته على إعادتهم أسهل من ذلك؛ كما قال: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [غافر: 57] وقال: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بَلَىٰ} تفسير : [الأحقاف: 33] الآية، وقال: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 81 - 82] إلى آخر السورة. وقال ههنا: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} أي: يوم القيامة يعيد أبدانهم، وينشئهم نشأة أخرى كما بدأهم. وقوله: {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ} أي: جعل لإعادتهم وإقامتهم من قبورهم أجلاً مضروباً، ومدة مقدرة، لا بد من انقضائها، كما قال تعالى: {أية : وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَِجَلٍ مَّعْدُودٍ} تفسير : [هود: 104]. وقوله: {فَأَبَىٰ ٱلظَّـٰلِمُونَ} أي: بعد قيام الحجة عليهم {إِلاَّ كُفُورًا} إلا تمادياً في باطلهم وضلالهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِئَايَٰتِنَا وَقَالُواْ } منكرين للبعث {أَءِذَا كُنَّا عِظَٰماً وَرُفَٰتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً }؟
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي} فيه وجهان: أحدهما: خزائن الأرض الأرزاق، قاله الكلبي. الثاني: خزائن النعم، وهذا أعم. {إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق} فيه وجهان: أحدهما: لأمسكتم خشية الفقر، والإنفاق الفقر، قاله قتادة وابن جريج. الثاني: يعني أنه لو ملك أحد المخلوقين خزائن الله تعالى لما جاد بها كجود الله تعالى لأمرين: أحدهما: أنه لا بدّ أن يمسك منها لنفقته وما يعود بمنفعته. الثاني: أنه يخاف الفقر ويخشى العدم، والله عز وجل يتعالى في جوده عن هاتين الحالتين. {وكان الإنسان قتوراً} فيه تأويلان: أحدهما: مقتراً، قاله قطرب والأخفش. الثاني: بخيلاً، قاله ابن عباس وقتادة. واختلف في هذا الآية على قولين: أحدهما: أنها نزلت في المشركين خاصة، قاله الحسن. الثاني: أنها عامة، وهو قول الجمهور.
النسفي
تفسير : {ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوآ أَئذَا كُنَّا عِظَـاماً وَرُفَاتاً أَئنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} أي ذلك العذاب بسبب أنهم كذبوا بالإعادة بعد الإفناء فجعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجزائهم تأكلها ثم يعيدها، لا يزالون على ذلك ليزيد في تحسرهم على تكذيبهم البعث. {أَوَ لَمْ يَرَوْا} أو لم يعلموا {أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَـاوَاتِ وَالأرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} من الإنس {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجلاً لاَّ رَيْبَ فِيه} وهو الموت أو القيامة {فَأَبَى الظَّـالِمُونَ إِلاَّ كَفُوراً} جحوداً مع وضوح الدليل {قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ} تقديره: لو تملكون أنتم لأن «لو» تدخل على الأفعال دون الأسماء فلا بد من فعل بعدها فأضمر تملك على شريطة التفسير وأبدل من الضمير المتصل ــ وهو الواو ــ ضمير منفصل ــ وهو أنتم ــ لسقوط ما يتصل به من اللفظ فـ {أنتم} فاعل الفعل المضمر و{تملكون} تفسيره، وهذا هو الوجه الذي يقتضيه علم الإعراب. وأما ما يقتضيه علم البيان فهو أن {أنتم تملكون} فيه دلالة على الاختصاص وأن الناس هم المختصون بالشح المتبالغ {خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّيۤ} رزقه وسائر نعمه على خلقه {إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنفَاقِ} أي لبخلتم خشية أن يفنيه الإنفاق {وَكَانَ الإنْسانُ قَتُوراً} بخيلاً. {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَـاتٍ بَيِّنَاتٍ} عن ابن عباس رضي الله عنهما: هي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والطور الذي نتقه على بني إسرائيل. وعن الحسن: الطوفان والسنون ونقص الثمرات مكان الحجر والبحر والطور {فَاسْألْ بَنِيۤ إِسْرَاءِيلَ} فقلنا له اسأل بني إسرائيل أي سلهم من فرعون وقل له أرسل معي بني إسرائيل. وقوله {إِذْ جاءهم} متعلق بقوله المحذوف أي فقلنا له سلهم حين جاءهم {فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأظُنُّكَ يَامُوسَىٰ مَسْحُوراً} سحرت فخولط عقلك .
الخازن
تفسير : {ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا} لما ذكر الوعيد المتقدم قال: ذلك جزاؤهم بما كفروا يعني ذلك العذاب جزاؤهم بسبب كفرهم بآياتنا {وقالوا أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً} أجابهم الله ورد عليهم بقوله {أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض} أي في عظمها وشدتها {قادر على أن يخلق مثلهم} أي في صغرهم وضعفهم {وجعل لهم أجلاً} أي وقتاً لعذابهم {لا ريب فيه} أي لا شك فيه أنه يأتيهم قبل الموت، وقيل يوم القيامة {فأبى الظالمون إلا كفوراً} أي جحوداً وعناداً {قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي} أي خزائن نعمه ورزقه وقيل: إن خزائن الله غير متناهية. والمعنى: لو أنكم ملكتم من النعم خزائن لا نهاية لها {إذاً لأمسكتم} أي لبخلتم وحبستم {خشية الإنفاق} والفقر والنفاد وهذا مبالغة عظيمة في وصفهم بهذا الشيء {وكان الإنسان قتوراً} أي ممسكاً بخيلاً. فإن قلت: قد يوجد في جنس الإنسان من هو جواد كريم، فكيف وصفه بالبخل؟ قلت: الأصل في الإنسان البخل، لأن خلق محتاجاً والمحتاج لا بد وأن يحب ما يدفع به عنه ضرر الحاجة، ويمسكه لنفسه إلا أنه قد يجود لأسباب خارجة مثل أن يحب المدحة أو رجاء ثواب، فثبت بها أن الأصل في الإنسان البخل. قوله تعالى {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} أي دلالات واضحات. قال ابن عباس: هي العصا واليد البيضاء والعقدة التي كانت بلسانه، فحلها وفلق البحر والطوفان والجواد والقمل والضفادع والدم وقيل عرض فلق البحر، واليد والسنون نقص من الثمرات وقيل: الطمس والبحر بدل السنين والنقص. قيل كان الرجل منهم مع أهله في الفراش وقد صارا حجرين والمرأة قائمة تخبز، وقد صارت حجراً وقد روي أن عمر بن عبد العزيز سأل محمد بن كعب القرظي عن الآيات فذكر منها الطمس فقال عمر: هذا يجب أن يكون الفقيه ثم قال يا غلام اخرج ذلك الجراب فأخرجه. فإذا فيه بيض مكسر نصفين، وجوز مكسر نصفين وثوم وحمص وعدس كلها حجارة. وقيل: التسع آيات هي آيات الكتاب وهي الأحكام يدل عليه ما روي عن صفوان بن غسان أن يهودياً قال لصاحبه: تعال حتى نسأل هذا النبي فقال الآخر: لا تقل نبي. فإنه لو سمع صارت له أربع أعين، فأتياه فسألاه عن هذه الآية. ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فقال: "حديث : لا تشركوا بالله شيئاً ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تزنوا ولا تأكلوا الربا، ولا تسحروا ولا تمشوا بالبريء إلى سلطان ليقتله ولا تسرفوا ولا تقذفوا المحصنات ولا تفروا من الزحف، وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت فقبلا يده وقالا: نشهد إنك نبي قال: فما يمنعكم أن تتبعوني"تفسير : قالا إن داود دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إنا اتبعناك أن تقتلنا اليهود {فاسأل} يا محمد {بني إسرائيل} يجوز الخطاب معه والمراد غيره ويجوز أن يكون خاطبه وأمره بالسؤال ليتبين كذبهم مع قومهم {إذا جاءهم} يعني جاء موسى إلى فرعون بالرسالة من عند الله عز وجل {فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحوراً} قال ابن عباس: مخدوعاً وقيل: مطبوباً اي سحروك وقيل معناه ساحراً معطى علم السحر، فهذه العجائب التي تفعلها من سحرك.
القشيري
تفسير : لمَّا أَصَرُّوا على تكذبيهم جازاهم الحقُّ بإدامة تعذيبهم، ولو ساعدهم التوفيقُ لَوُجِدَ منهم التحقيق، لكنهم عَدِمُوا التأييد فحُرِموا التوحيد.
الجنابذي
تفسير : {ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا} واصل الآيات وأعظمها علىّ (ع) وانكروا الآخرة والمعاد {وَقَالُواْ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} وقد اعترفوا بابدائه خلق السّماوات والارض {قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} فانّهم وامثالهم أسهل خلقاً من السّماوات والارض، والاعادة أسهل من الابداء، ويؤيّد هذه الآية قول من يقول: انّ الاعادة وان كانت باشخاصهم بعينها لكنّها بأبدانهم بامثالها بوجهٍ {وَجَعَلَ لَهُمْ} لانفسهم او لامثالهم بحسب الاعادة او بحسب الحياة الدّنيا او بحسب المكث فى البرازخ قبل القيامة {أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَىٰ ٱلظَّالِمُونَ} بعد وضوح الامر {إَلاَّ كُفُوراً} بالتّوحيد او بك او بعلىٍّ (ع).
الهواري
تفسير : قوله: { ذَلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} على الاستفهام. أي: إن هذا ليس بكائن؛ يكذّبون بالعبث. قال الله: { أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} وهم يقرّون أنه خلق السماوات والأرض. وهو قوله: (أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ) تفسير : [الزمر:38] فخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، والله خلقهما؛ فهو { قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ}، يعني البعث، وقال في آية أخرى: (أية : أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) تفسير : [سورة يس:81]. وقال: {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ} أي: لا شك فيه، أي: يوم القيامة. { فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً} أي: بالقيامة.
اطفيش
تفسير : {ذَلِكَ} المذكور من زيد السعير أو منه، ومن الحشر عميا وبكما وصمًّا {جَزَاؤُهُمْ بِاَنّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} جزاءً وفاقا كما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء، جدد الله عليهم على الدوام فناء لأبدانهم وعودة، إلا أنه من غير موت، وبأنهم متعلق بنسبة الكلام بين المبتدأ والخبر، وذلك جزاء أى حكم عليهم بذلك بتكذيبهم، أو بمحذوف أى جزيناهم بذلك، لأنهم كذبوا،ومر تعليقه بجزاؤهم، لتضمنه معنى جزينا، وخلقا مفعول مطلق لمبعوثون لأن معناه مخلوقون، أو خلقنا بمعنى بعثنا، أو يقدر مضاف حال أى ذوى خلق، وهل ما يعاد هو الأول قولان، والمعذب فى كل حى الروح لا الجسد، فلا يقال كيف يعذب ما لم يعص.
الالوسي
تفسير : {ذٰلِكَ} أي العذاب المفهوم من قوله سبحانه {أية : كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} تفسير : [الإسراء: 97] أو إلى جميع ما ذكر من حشرهم على وجوههم عمياً وبكماً وصماً الخ، والمفهوم مما ذكرنا مندرج فيه {جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ} أي بسبب أنهم {كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِنَا} القرآنية والآفاقية الدالة على صحة الإعادة دلالة واضحة أو على صحة ما أرسلناك به مطلقاً فيشمل ما ذكر. و {ذٰلِكَ} مبتدأ و{جَزَاؤُهُم} خبره والظرف متعلق به، وجوز أن يكون {جَزَآؤُهُمْ} مبتدأً ثانياً والظرف خبره والجملة خبر لذلك، وأن يكون {جَزَآؤُهُمْ} بدلاً من {ذٰلِكَ} أو بياناً والخبر هو الظرف، وقيل {ذٰلِكَ} خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك وما بعده مبتدأ وخبر، وليس بشيء {وَقَالُواْ} منكرين أشد الإنكار {أَءذَا كُنَّا عِظَـٰماً وَرُفَـٰتاً} هو في الأصل كما قال الراغب كالفتات ما تكسر وتفرق من التبن والمراد هنا بالين متفرقين {ءإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} إما مصدر مؤكد من غير لفظه أي لمبعوثون بعثاً جديداً وإما حال أي مخلوقين مستأنفين.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني لأن العقاب الفظيع المحكي يثير في نفوس السامعين السؤال عن سبب تركب هذه الهيئة من تلك الصورة المفظعة، فالجواب بأن ذلك بِسبب الكفر بالآيات وإنكار المعاد. فالإشارة إلى ما تقدم من قوله: {أية : ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم} تفسير : [الإسراء: 97] إلى آخر الآية بتأويل: المذكور. والجزاء: العوض عن عمل. والباء في {بأنهم كفروا} للسببية. والظاهر أن جملة {وقالوا أإذا كنا عظاما} الخ. عطف على جملة {بأنهم كفروا}. فذكر وجه اجتماع تلك العقوبات لهم، وذُكر سببان: أحدهما: الكفر بالآيات ويندرج فيه صنوف من الجرائم تفصيلاً وجمعاً تناسبها العقوبة التي في قوله: {أية : ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم}تفسير : [الإسراء: 97]. وثانيهما: إنكارهم البعث بقولهم: {أإذا كنا عظاما ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقا جديداً} المناسب له أن يُعاقبوا عقاباً يناسب ما أنكروه من تجدد الحياة بعد المصير رفاتاً، فإن رفات الإحراق أشد اضمحلالاً من رفات العظام في التراب. والاستفهام في حكاية قولهم: {أإذا كنا عظاماً} وقوله: {أئنا لمبعوثون} إنكاري. وتقدم اختلاف القراء في إثبات الهمزتين في قوله: {أإذا} وفي إثباتها في قوله: {أإذا لمبعوثون} في نظير هذه الآية من هذه السورة.
الواحدي
تفسير : {ذلك جزاؤهم} هذه الآية مفسَّرة في هذه السُّورة. {أَوَلَمْ يروا} أَوَلَمْ يعلموا {أنَّ الله الذي خلق السموات والأرض قادرٌ على أن يخلق مثلهم} أَيْ: يخلقهم ثانياً، وأراد بـ {مثلهم} إيَّاهم، وتمَّ الكلام، ثمَّ قال: {وجعل لهم أجلاً لا ريب فيه} يعني: أجل الموت وأجل القيامة {فأبى الظالمون} المشركون {إلاَّ كفوراً} جحوداً بذلك الأجل، وهو البعث والقيامة. {قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي} خزائن الرِّزق {إذاً لأمسكتم} لبخلتم {خشية الإِنفاق} أن تنفقوا فتفتقروا {وكان الإِنسان قتوراً} بخيلاً، ثمَّ ذكر قصَّة موسى عليه السَّلام وما آتاه من الآيات وإنكار فرعون ذلك، فقال: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} وهي العصا واليد، وفلق البحر، والطمسة، وهي قوله: {أية : ربَّنا اطمسْ على أموالِهم} تفسير : والطُّوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدَّم {فاسأل} يا محمد {بني إسرائيل} المؤمنين من قريظة والنَّضير {إذ جاءهم} يعني: جاء آباءَهم، وهذا سؤال استشهاد ليعرف اليهود صحَّة ما يقول محمَّد عليه السَّلام بقول علمائهم {فقال له فرعون إني لأظنُّك يا موسى مسحوراً} ساحراً فقال موسى عليه السَّلام: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء} الآيات {إلاَّ رب السموات والأرض بصائر} عبراً ودلائل {وإني لأظنك} لأعلمك {يا فرعون مثبوراً} ملعوناً مطروداً. {فأراد} فرعون {أن يستفزهم} يخرجهم، يعني: موسى وقومه {من الأرض} أرض مصر. وقوله: {فإذا جاء وعد الآخرة} يريد: يوم القيامة. {جئنا بكم لفيفاً} مُجتمعين مُختلطين. {وبالحق أنزلناه} أَيْ: أنزلنا القرآن بالدِّين القائم، والأمر الثَّابت {وبالحق نزل} وبمحمَّد نزل القرآن، أَيْ: عليه نزل، كما تقول: نزلتُ بزيدٍ. {وقرآناً فرقناه} قطعناه آيةً آيةً، وسورةً سورةً في عشرين سنة {لتقرأه على الناس على مكث} تُؤَدةٍ وَتَرسُّلٍ ليفهموه {ونَزَّلْناهُ تنزيلاً} نجوماً بعد نجومٍ وشيئاً بعد شيءٍ. {قل} لأهل مكَّة: {آمنوا} بالقرآن {أو لا تؤمنوا} به، وهذا تهديد، أَيْ: فقد أنذر الله، وبلَّغ رسوله {إنَّ الذين أوتوا العلم من قبله} من قبل القرآن. يعني: ناساً من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على النبيِّ صلى الله عليه وسلم خرُّوا سُجَّداً. وقوله: {إن كان وعد ربنا لمفعولاً} أَيْ: وعده بإنزال القرآن وبعث محمِّد عليه السَّلام لمفعولاً.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآيَاتِنَا} {أَإِذَا} {عِظَاماً} {وَرُفَاتاً} {أَإِنَّا} (98) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى: أَنَّهُ إِنَّمَا جَازَى الكَافِرِينَ المُكَذِّبِينَ بِبَعْثِهِمْ عُمْياً بُكْماً صُمّاً، لأَِنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَحُجَجِهِ، وَاسْتَبْعَدُوا وُقُوعَ البَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَقَالُوا سَاخِرِينَ: أَبَعْدَ أَنْ صِرْنَا إِلَى مَا صِرْنَا إِلَيْهِ مِنَ البِلَى وَالهَلاَكِ وَالتَّفَرُّقِ فِي الأَرْضِ .. نُعَادُ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَنُخْلَقُ خَلْقاً جَدِيداً؟ رُفَاتاً - أَجْزَاءً مُفَتَّتَةً، أَوْ تُرَاباً أَوْ غُبَاراً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {ذَلِكَ} أي: ما حدث لهم من العذاب الذي تستبشعه أنت {جَزَآؤُهُم} أي: حاق بهم العذاب عَدْلاً لا ظُلْماً، فإياك حين تسمع آيات العذاب هذه أن تأخذَك بهم رَأْفة أو رحمة؛ لأنهم أخذوا جزاء عملهم وعنادهم وكفرهم، والذي يعطف قلوب الناس على أهل الإجرام هو تأخير العقاب. فهناك فَرْقٌ بين العقوبة في وقت وقوع الجريمة، وهي ما تزال بشعةً في نفوس الناس، وما تزال نارها تشتعل في القلوب، فإنْ عاقبتَ في هذا الجو كان للعقوبة معنىً، وأحدثتْ الأثر المرجوّ منها وتعاطفَ الناس مع المظلوم بدلَ أنْ يتعاطفوا مع الظالم. فحين نُؤخِّر عقوبة المجرم في ساحات المحاكم لعدة سنين فلا شَكَّ أن الجريمة ستُنْسَى وتبرد نارها، وتتلاشى بشاعتها، ويطويها النسيان، فإذا ما عاقبتَ المجرم فلن يبدو للناس إلاَّ ما يحدث من عقوبته، فترى الناس يرأفون به ويتعاطفون معه. إذن: قبل أن تنظر إلى: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ ..}تفسير : [النساء: 56]. وإلى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} [الإسراء: 97]. انظر إلى ما فعلوه، واعلم أن هذا العذاب بعدل الله، فأحذر أنْ تأخذك بهم رحمة، ففي سورة النور يقول تعالى: {أية : وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [النور: 2]. ثم يُوضّح سبحانه وتعالى حيثية هذا العذاب: {بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا ..} [الإسراء: 98] والآيات تطلق على الآيات الكونية، أو على آيات المعجزات المؤيّدة لِصِدْق الرسول، أو آيات القرآن الحاملة للأحكام .. وقد وقع منهم الكفر بكل الآيات، فكفروا بالآيات الكونية، ولم يستدلوا بها على الخالق سبحانه، ولم يتدبّروا الحكمة من خَلْق هذا الكون البديع، وكذلك كفروا بآيات القرآن ولم يُؤمنوا بما جاءتْ به. وهذا كله يدلُّ على نقص في العقيدة، وخَلَل في الإيمان الفطري الذي خلقه الله فيهم، وكذلك كذَّبوا بمعجزات الرسول، فدلَّ ذلك على خَلَل في التصديق. ومن باطن هذا الكفر ومن نتائجه أنْ قالوا: {أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} [الإسراء: 98] وهذا القول منهم تكذيبٌ لآيات القرآن التي جاءتْ على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لتخبرهم أنهم مبعوثون يوم القيامة ومُحاسَبُون، وهم بهذا القَوْل قد نقلوا الجدل إلى مجال جديد هو: البعث بعد الموت. وقوله: {عِظَاماً وَرُفَاتاً ..} [الإسراء: 98] الرفات: هو الفُتَات وَزْناً ومعنىً، وهو: الشيء الجاف الذي تكسّر؛ لذلك جاء الترتيب هكذا: عظاماً ورُفَاتاً؛ لأن جسم الإنسان يتحلّل وتمتصُّ الأرض عناصر تكوينه، ولا يبقى منه إلا العظام، وبمرور الزمن تتكسّر هذه العظام، وتتفتتْ وتصير رفاتاً، وهم يستبعدون البعث بعد ما صاروا عظاماً ورفاتاً. وقوله تعالى: {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ..} [الإسراء: 98] والهمزة هنا استفهام يفيد الإنكار، فلماذا ينكر هؤلاء مسألة البعث بعد الموت؟ نقول: لأن الكافر عنده لَدَدٌ في ذات إيمانه، ومن مصلحة آماله وتكذيب نفسه أنْ ينكر البعث، وعلى فَرْض أنه سيحدث فإنهم سيكونون في الآخرة سادة، كما كانوا سادةً في الدنيا. وهؤلاء القوم يفهمون الحياة على ظاهرها، فالحياة عندهم هي الحركة الحسية التي يمارسونها، وبها يعيشون حياتهم هذه، ولا يدركون أن لكل شيء حياةً تناسبه. فمثلاً: علماء الجيولوجيا والحَفْريات يقولون: إن الأشياء المطمورة في باطن الأرض تتغّير بمرور الزمن، وتتحول إلى موادّ أخرى، إذن: ففيها حركة وتفاعل أو قُلْ فيها حياة خاصة بها تناسبها، فليست الحياة قاصرة على حركتنا في الحياة الدنيا، بل للحياة معنى آخر أوسع بكثير من الحياة التي يفهمها هؤلاء. فالإنسان الحيّ مثلاً له في مظهرية أموره حالتان: حالة النوم وحالة اليقظة، فحياته في النوم محكومة بقانون، وحياته في اليقظة محكومة بقانون، هذا وهو ما يزال حياً يُرزَق، إذن: عندما نخبرك أن لك قانوناً في الموت وقانوناً في البعث فعليك أنْ تُصدِّق. ألم تَرَ النائم وهو مُغْمَض العينين يرى الرؤيا، ويحكيها بالتفصيل وفيها حركة وأحداث وألوان، وهو يدرك هذا كله وكأنه في اليقظة؟ حتى مكفوف البصر الذي فقد هذه الحاسة، هو أيضاً يرى الرؤيا كما يراها المبصر تماماً ويحكيها لك، يقول: رأيتُ كذا وكذا، كيف وهو في اليقظة لا يرى؟ نقول: لأن للنوم قانوناً آخر، وهو أنك تدرك بغير وسائل الإدراك المعروفة، ولك في النوم حياة مستقلة غير حياة اليقظة. أَلاَ ترى الرجلين ينامان في فراش واحد، وهذا يرى رؤيا سعيدة مفرحة يصحو منها ضاحكاً مسروراً، والآخر إلى جواره يرى رؤيا مؤلمة مُحزِنة يصحو فيها مُكدّراً محزوناً، ولا يدري الواحد منهم بأخيه ولا يشعر به، لماذا؟ لأن لكل منهما قانونه الخاص، وحياته المستقلة التي لا يشاركه فيها أحد. وقد ترى الرؤيا تحكيها لصاحبك في نصف ساعة، في حين أن العلماء توصلوا إلى أن أقصى ما يمكن للذهن متابعته في النوم لا يتجاوز سبع ثوان، مما يدلُّ على أن الزمن في النوم مُلْغى، كما أن أدوات الإدراك ملغاة، إذن: فحياتك في النوم غير حياتك في اليقظة، وكذلك في الموت لك حياة، وفي البعث لك حياة، ولكل منهما قانون يحكمها بما يتناسب معها. وقد يقول قائل عن الرُّؤَى: إنها مجرد تخيُّلات لا حقيقةَ لها، لكن يَرُدّ هذا القول ما نراه في الواقع من صاحب الرُّؤْيا الذي يحكي لك أنه أكل طعاماً، أو شرب شراباً ما يزال طَعْمه في فمه، وآخر ضُرِب، ويُريك أثر الضرب على ظهره مثلاً، وآخر يصحو من النوم يتصبَّب عَرقاً، وكأنه كان في عراك حقيقي لا مجرد منام. فالحق سبحانه وتعالى يريد أنْ يُوضّح لنا أننا في النوم لنا حياة خاصة وقانون خاص، لنأخذ من هذا دليلاً على حياة أخرى بعد الموت. والعلماء قالوا في هذه المسألة بظاهرة المتواليات، والمراد بها: إذا كانت اليقظة لها قانون، والنوم له قانون ألطف وأخفّ من قانون اليقظة، فبالتالي للموت قانون أخفّ من قانون النوم، وللبعث قانون أخفّ من قانون الموت. وقد حَسَم القرآن الكريم هذه القضية في قوله تعالى: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ..}تفسير : [القصص: 88]. أي: كلُّ ما يُقَال له شيء في الوجود هالك إلا الله تعالى فهو الباقي، والهلاك ضدّه الحياة، بدليل قوله تعالى: {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ..}تفسير : [الأنفال: 42]. إذن: لكل شيء مهما صَغُر في كَوْن الله حياة خاصة تناسبه قبل أنْ يعتريه الهلاك. ولذلك نعجب حينما يطالعنا العلماء بأن في علبة الكبريت هذه التي نضعها في جيوبنا قوةَ تجاذب بين ذراتها، تصلح هذه القوة لتسيير قطار حول العالم لمدة ست سنوات، سبحان الله .. أين هذه القوة؟ إنها موجودة لكِنّنا لا نشعر بها ولا ندركها، إنما الباحثون في معاملهم يمكنهم ملاحظة مثل هذه الحركة وتسجيلها. وأقرب من ذلك ظاهرة الجاذبية التي تعلَّمناها منذ الصِّغَر والتي تعتمد على ترتيب الذرّات ترتيباً مُعيناً، ينتج عنه المُوجَب والسالب، فيتم التجاذب فكانوا يضعون لها بُرادَة الحديد في أنبوبة، ويُمَرِّرون عليها قضيباً مُمغْنَطاً، فنرى برادة الحديد تتحرك في نفس اتجاه القضيب. إذن: في الحديد حركة وحياة بين ذراته، حياة تناسبه بلغتْ من الدقة مَبْلَغاً فوق مستوى إدراكك. إذن: نستطيع القول بأن للعظام وللرفات حياةً، ولك أيها المنكر وجود حتى بعد أنْ صِرْتَ رُفاتاً، فشيء منك موجود يمكن أن يكون نواةً لخلْقِك من جديد، وبمنطق هؤلاء المنكرين أيهما أهوَنْ في الخَلْق: الخَلْق من شيء موجود، أم الخَلْق ابتداءً؟ وقد رَدَّ عليهم الحق سبحانه بقوله: {أية : قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ}تفسير : [ق: 4]. أي: في علمه سبحانه عدد ذرات كل مِنّا، وكم في تكوينه من مواد، لا ينقص من ذلك شيء، وهو سبحانه قادر على جمع هذه الذرات مرة أخرى، وليس أمره تعالى متوقفاً على العلم فقط، بل عنده كتاب دقيق يحفظ كل التفاصيل، ولا يغيب عنه شيء. وقال تعالى كذلك في الرد عليهم: {أية : أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ}تفسير : [ق: 15] أي: في خَلْط وشَكٍّ وتردُّد. وقد ناقشنا مِنْ منكري البعث الشيوعيين الذين قتَّلوا في أعدائهم، وأخذوا أموالهم مُعاقبةً لهم على ما اقترفوه من ظلم الناس، فكنت أقول لهم: فما بال الذين ماتوا من هؤلاء، ولم يأخذوا حظّهم من العقاب؟ وكيف يذهبون هكذا ويُفلتون بجرائمهم؟ لقد كان الأَوْلَى بكم أنْ تؤمنوا بالآخرة التي يُعاقب فيها هؤلاء الذين أفلتوا من عقاب الدنيا، حتى تتحقق عدالة الانتقام. وقوله تعالى: {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} [الإسراء: 98]. إنهم يستبعدون البعث من جديد؛ لذلك فالحق سبحانه وتعالى يجاري هؤلاء ويتسامح معهم، فيقول: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ..}تفسير : [الروم: 27]. فإعادة شيء كان موجوداً أسهلُ وأهونُ من إيجاده مِنْ لا شيء، والحديث هنا عن بَعْث الإنسان، هذا المخلوق الذي أبدعه الخالق سبحانه، وجعله سيد هذا الكون، وجعل عمره محدوداً، فما بالكم تنشغلون بإنكار بعث الإنسان عن باقي المخلوقات وهي أعظم في الخَلْقِ من الإنسان، وأطول منه عُمراً، وأثبت منه وأضخم. فلا تَنْسىَ أيها الإنسان أن خَلْقك أهونُ وأسهلُ من مخلوقات أخرى كثيرة هي أعظم منك، ومع ذلك تراها خاضعة لله طائعة، لم تعترض يوماً ولم تنكر كما أنكرت، يقول تعالى: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ ..}تفسير : [غافر: 57]. فمَنْ ينكر بَعْث الإنسان بعد أن يصير رفاتاً عليه أن يتأمل مثلاً الشمس كآية من آيات الله في الكون، وقد خلقها الله قبل خَلْق الإنسان، وستظل إلى ما شاء الله، وهي تعطي الضوء والدفء دون أنْ تتوقف أو تتعطّل، ودون أن تحتاج إلى صيانة أو قطعة غيار، وهي تسير بقدرة الخالق سبحانه مُسخَّرة لخدمتك، ما تخلَّفتْ يوماً ولا اعترضتْ. فماذا يكون خَلْقك أنت أيها المنكر أمام قدرة الخالق سبحانه؟ والحق سبحانه يقول: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):