١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
99
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات منكري النبوة عاد إلى حكاية شبهة منكري الحشر والنشر ليجيب عنها وتلك الشبهة هي أن الإنسان بعد أن يصير رفاتاً ورميماً يبعد أن يعود هو بعينه وأجاب الله تعالى عنه بأن من قدر على خلق السموات والأرض لم يبعد أن يقدر على إعادتهم بأعيانهم وفي قوله: {قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ } قولان: الأول: المعنى قادر على أن يخلقهم ثانياً فعبر عن خلقهم ثانياً بلفظ المثل كما يقول المتكلمون أن الإعادة مثل الابتداء. القول الثاني: المراد قادر على أن يخلق عبيداً آخرين يوحدونه ويقرون بكمال حكمته وقدرته ويتركون ذكر هذه الشبهات الفاسدة وعلى هذا التفسير فهو كقوله تعالى: { أية : وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } تفسير : [إبراهيم: 19] وقوله: { أية : وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ } تفسير : [التوبة: 39] قال الواحدي والقول هو الأول لأنه أشبه بما قبله ولما بين الله تعالى بالدليل المذكور أن البعث والقيامة أمر ممكن الوجود في نفسه أردفه بأن لوقوعه ودخوله في الوجود وقتاً معلوماً عند الله وهو قوله: {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ } ثم قال تعالى: {فَأَبَىٰ ٱلظَّـٰلِمُونَ إَلاَّ كُفُورًا } أي بعد هذه الدلائل الظاهرة أبوا إلا الكفر والنفور والجحود.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ } يعلموا {أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } مع عظمهما {قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ } أي الأناسى في الصغر {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً } للموت والبَعْث {لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَىٰ ٱلظَّٰلِمُونَ إَلاَّ كُفُورًا } جحوداً له؟
ابن عطية
تفسير : هذه الآية احتجاج عليهم فيما استبعدوه من العبث، وذلك أنهم قرروا على خلق الله تعالى واختراعه لهذه الجملة التي البشر جزء منها، فهم لا ينكرون ذلك، فكيف يصح لهم أن يقروا بخلقه للكل وإخراجه من خمول العدم وينكرون إعادته للبعض؟ فحصل الأمر في حيز الجواز، وأخبر الصادق الذي قامت دلائل معجزاته بوقوع ذلك الجائز، و"الرؤية" في هذه الآية رؤية القلب، و"الأجل" هنا يحتمل أن يريد به القيامة ويحتمل أن يريد أجل الموت، و"الأجل" على هذا التأويل اسم جنس لأنه وضعه موضع الآجال، ومقصد هذا الكلام بيان قدرة الله عز وجل وملكه لخلقه، وبتقرير ذلك يقوى جواز بعثه لهم حين يشاء لا إله إلا هو، وقوله {فأبى} عبارة عن تكسبهم وجنوحهم، وقد مضى تفسير هذه الآيات آنفاً، وقوله تعالى: {قل لو أنتم تملكون} الآية حكم لو أن يليها الفعل إما مظهراً وإما مضمراً يفسره الظاهر بعد ذلك، فالتقدير هنا، قل لو تملكون خزائن، فـ {أنتم} رفع على تبع الضمير، و"الرحمة" في هذه الآية المال والنعم التي تصرف في الأرزاق، ومن هذا سميت {رحمة}، و {الإنفاق} المعروف ذهاب المال وهو مؤد إلى الفقر، فكأن المعنى خشية عاقبة الإنفاق، وقال بعض اللغويين أنفق الرجل معناه افتقر كما تقول أترب وأقتر، وقوله {وكان الإنسان فتوراً} أي ممسكاً، يريد أن في طبعه ومنتهى نظره أن الأشياء تتناهى وتفنى، فهو لو ملك خزائن رحمة الله لأمسك خشية الفقر، وكذلك يظن أن قدرة الله تعالى تقف دون البعث، والأمر ليس كذلك، بل قدرته لا تتناهى، فهو مخترع من الخلق ما يشاء، ويخترع من الرحمة الأرزاق، فلا يخاف نفاد خزائن رحمته، وبهذا النظر تتلبس هذه الآية بما قبلها، والله ولي التوفيق برحمته، ومن الإقتار قول أبي داود: [الخفيف] شعر : لا أعد الإقتار عدماً ولكن فقد من قد رزئته الإعدام تفسير : وقوله تعالى: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} اتفق المتأولون والرواة أن الآيات الخمس التي في سورة الأعراف هي من هذه التسع، وهي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، واختلفوا في الأربع، فقال ابن عباس: هي يده ولسانه حين انحلت عقدته، وعصاه والبحر، وقال محمد بن كعب القرطبي: هي البحر والعصا والطمسة والحجر، وقال سألني عن ذلك عمر بن عبد العزيز فأخبرته، فقال لي: وما الطمسة؟ فقلت دعا موسى وآمن هارون فطمس الله أموالهم وردها حجارة، فقال عمر: وهل يكون الفقه إلا هكذا؟ ثم دعا بخريطة فيها غرائب كانت لعبد العزيز بن مروان، جمعها بمصر، فاستخرج منها الحوزة والبيضة والعدسة وهي كلها حجر كانت من بقايا أموال آل فرعون، وقال الضحاك: هي إلقاء العصا مرتين، واليد، وعقدة لسانه، وقال عكرمة ومطر الوراق، والشعبي: هي العصا واليد والسنون ونقص الثمرات، وقال الحسن: هي العصا في كونها ثعباناً وتلقف العصا ما يأفكون، وقال ابن عباس: هي السنون في بواديهم، ونقص الثمرات في قراهم، واليد، والعصا، وروى مطرف عن مالك أنها العصا، واليد، والجبل إذ نتق، والبحر، وروى ابن وهب عنه مكان البحر الحجر، والذي يلزم من الآية أن الله تعالى خص من آيات موسى إذ هي كثيرة جداً تنيف على أربع وعشرين، تسعاً بالذكر ووصفها بالبيان ولم يعينها، واختلف العلماء في تعيينها بحسب اجتهادهم في بيانها أو روايتهم التوقيف في ذلك، وقالت فرقة آيات موسى إنما أريد بها آيات التوراة التي هي أوامر ونواه، روى في هذا صفوان بن عسال، حديث : أن يهود المدينة قال لآخر: سر بنا إلى هذا النبي نسأله عن آيات موسى، فقال له الآخر: لا تقل إنه نبي، فإنه لو سمعك صار له أربع أعين، قال: فسارا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه، فقال "هن أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرفوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تفروا يوم الزحف، وعليكم خاصة يهود أن لا تعدوا في السبت"تفسير : ، وقرأ الجمهور "فاسأل بني إسرائيل" وروي عن الكسائي "فسل" على لغة من قال سأل يسأل، وهذا كله على معنى الأمر لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي اسأل معاصريك عما أعلمناك به من غيب القصة، ثم قال {إذ جاءهم} يريد آباءهم، وأدخلهم في الضمير إذ هم منهم، ويحتمل أن يريد {فاسأل بني إسرائيل} الأولين الذين جاءهم موسى وتكون إحالته إياه على سؤالهم بطلب إخبارهم والنظر في أحوالهم وما في كتبهم نحو قوله تعالى: {أية : واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا} تفسير : [الزخرف: 45] وهذا كما تقول لمن تعظه: سل الأمم الخالية هل بقي منها مخلد؟ ونحو هذا مما يجعل النظر فيه مكان السؤال، قال الحسن: سؤالك نظرك في القرآن وقرأ ابن عباس "فسأل بني إسرائيل" أي فسأل موسى فرعون بني إسرائيل أي طلبهم لينجيهم من العذاب، وقوله {مسحوراً} اختلف فيه المتأولون، فقالت فرقة هو مفعول على بابه، أي إنك قد سحرت، فكلامك مختل، وما تأتي به غير مستقيم، وقال الطبري: هو مفعول بمعنى فاعل كما قال {أية : حجاباً مستوراً} تفسير : [الإسراء: 45] وكما قالوا مشؤوم وميمون وإنما هو شايم ويامن. قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يتخرج إلى على النسب أي ذا سحر ملكته وعلمته، فأنت تأتي بهذه الغرائب لذلك، وهذه مخاطبة تنقص، فيستقيم أن يكون {مسحوراً} مفعولاً على ظاهره، وعلى أن يكون بمعنى ساحر يعارضنا ما حكي عنهم أنهم قالوا له على جهة المدح {أية : يا أيها الساحر ادع لنا ربك} تفسير : [الزخرف: 49] فإما أن يكون القائلون هنالك ليس فيهم فرعون وإما أن يكون فيهم لكنه تنقل من تنقصه إلى تعظيمه، وفي هذا نظر.
الثعالبي
تفسير : قوله عز وجل: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ...} الآية: الرؤيةُ في هذه الآية هي رؤية القَلْبِ، وهذه الآية احتجاجٌ عليهم فيما استبعدوه من البَعْثِ، «والأَجَل»؛ ههنا: يحتمل أَن يريد به القيامةَ، ويحتملُ أن يريد أَجَلَ الموت. وقوله سبحانه: {قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي...} الآية: الـــ {رَحْمَةِ}، في هذه الآية: المال والنِّعم التي تُصْرَفُ في الأرزاق. وقوله: {خَشْيَةَ ٱلإِنفَاقِ } المعنى: خشية عاقبةِ الإِنفاق، وهو الفَقْر، وقال بعض اللُّغويِّين، أنْفَقَ الرجُلُ معناه: افتقَرَ؛ كما تقول أَتْرَبَ وأَقْتَرَ. وقوله: {وَكَانَ ٱلإنسَـٰنُ قَتُورًا } أي: ممسِكاً، يريدُ أنَّ في طبعه ومنتهى نظره أن الأشياء تتناهى وتفنى، فهو لو ملك خزائنَ رحمة الله، لأمسك خشيةَ الفَقْر، وكذلك يظنُّ أن قدرة اللَّه تقفُ دون البَعْث، والأمر ليس كذلك، بل قدرته لا تتناهى.
القشيري
تفسير : مَهَّدَ بهذه الآية طريق إثبات القياس، فلم يغادر في الكتاب شيئاً من أحكام الدِّين لم يؤيده بالدليل والبيان، فَعَلِمَ الكُلُّ أن الركونَ إلى التقليد عينُ الخطأ والضلال.
اسماعيل حقي
تفسير : {أولم يروا} اى ألم يتفكروا ولم يعلموا {ان الله الذى خلق السموات والارض} من غير مادة مع عظمهم {قادر على ان يخلق مثلهم} فى الصغر على ان المثل مقحم والمراد بالخلق الاعادة. قال الكاشفى {مثل تعبير ازنفس شئ كنند جنانكه مثلك لا يفعل كذا اى انت]{وجعل لهم اجلا لا ريب فيه} عطف على أولم يروا فانه فى قوة قد رأوا والمعنى قد علموا ان من قدر على خلق السموات والارض فهو قادر على خلق امثالهم من الانس وجعل لهم ولبعثهم اجلا محققا لا ريب فيه هو يوم القيامة. قال الكاشفى [بدرستى كه خداى تعالى مقرر كرده است براى فناى ابشان مدتى كه هيج شك نيست دران وآن زمان مركست يابجهت اعاده ايشان اجلى نهاده كه قيامتست] {فابى الظالمون} فامتنعوا من الانقياد للحق ولم يرضوا {الا كفورا} جحودا به.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {وجعل}: عطف على "قادر"؛ لأنه في قوة قدر، أو استئناف. و {لو أنتم}: الضمير: فاعل بفعل يفسره ما بعده، كقول حاتم: شعر : لَوْ ذَاتُ سِوَارٍ لَطَمَتْني تفسير : وفائدة ذلك الحذف والتفسير؛ للدلالة على الاختصاص والمبالغة. وقيل في إعرابه غير هذا. يقول الحقّ جلّ جلاله: {أوَ لم يَروا} أي: أوَ لم يتفكروا ولم يعلموا {أنَّ الله الذي خلق السماواتِ والأرضَ} من غير مادة، مع عِظمها، {قادرٌ على أن يخلق مثلهم} في الصِّغر والحقارة. على أن المثل مقحم، أي: على أن يخلقهم خلقًا جديدًا؛ فإنهم ليسوا أشد خلقًا منهم، ولا الإعادة بأصعب من الإبداء، {وجعل لهم} أي: لموتهم وبعثهم {أجلاً} محققًا {لا ريب فيه} وهو: القيامة. {فأبى الظالمون إِلا كفورًا}؛ إلا جحودًا، وضع الظاهر موضع الضمير؛ تسجيلاً عليهم بالظلم وتجاوز الحد فيه. {قلْ} لهم: {لو أنتم تملكونَ خزائنَ رحمةِ ربي}؛ خزائن رزقه وسائر نعمه التي أفاضها على كافة الموجودات، {إِذًا لأمْسَكْتُم}؛ لبخلتم، {خشيةَ الإِنفاق}؛ مخافة النفاد بالإِنفاق، إذ ليس في الدنيا أحد إلا وهو يختار النفع لنفسه، ولو آثر غيره بشيء فإنما يُؤثره لغرض يفوقه، فهو إذًا بخيل بالإضافة إلى وجود الله سبحانه، إلا من تخلق بخلق الرحمن؛ من الأنبياء وأكابر الصوفية. {وكان الإِنسانُ قَتورًا}؛ مبالغًا في البخل؛ لأن مبني أمره على الحاجة والضنة بما يحتاج إليه، وملاحظة العوض فيما يبذل. يعني: أن طبع الإنسان ومنتهى نظره: أن الأشياء تتناهى وتفنى، وهو لو ملك خزائن رحمة الله لأمسك خشية الفقر، وكذلك يظن أن قدرة الله تقف دون البعث، والأمر ليس كذلك، بل قدرته لا تتناهى، فهو يخترع من الخلق ما يشاء، ويخترع من الأرزاق ما يريد، فلا يخاف نفاد خزائن رحمته. وبهذا النظر تتصل الآية بما قبلها. انظر ابن عطية. قلت: ويمكن أن تتصل في المعنى بقوله: {أَبعثَ اللهُ بشرًا رسولاً}، فكأنَّ الحق تعالى يقول لهم: لو كانت بيدكم خزائن رحمته، لخصصتم بالنبوة من تريدون، لكن ليست بيدكم، ولو كانت بيدكم؛ تقديرًا، لأمسكتم خشية الإنفاق؛ لأن طبع الإنسان البخل وخوف الفقر، فهو كقوله تعالى: {أية : أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ} تفسير : [ص: 9]، بعد قوله: {أية : وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ} تفسير : [ص: 4]. والله تعالى أعلم. الإشارة: الحق تعالى قادر على أن يخلق ألف عالمَ في لحظة، وأن يفنى ألف عالم في لحظة، فلا يعجزه شيء من الممكنات. وكما قدر أن يحيي الإنسان بعد موته الحسي؛ هو قادر على أن يحييه بعد موته المعنوي بالجهل والغفلة، على حسب ما سبق له في المشيئة، وجعل لذلك أجلاً لا ريب فيه، فلا يجحد هذا إلا من كان ظالمًا كفورًا. قل لمن يخصص الولاية بنفسه، أو بأسلافه، ويُنكر أن يفتح الله على قوم كانوا جُهالاً: لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذًا لأمسكتم الخصوصية عندكم؛ خشية أن ينفد ما عندكم، وكان الإنسان قتورًا، لا يُحب الخير إلا لنفسه. ثمَّ سلَّى رسوله عما اقترحوا عليه من الآيات
اطفيش
تفسير : {أَوَ لَمْ يَرَوْا} ألم يتفكروا ولم يروا أى لم يعلموا {أَنَّ اللهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} أى أن يخلقهم بعد فنائهم مثل خلقهم الأول، كما قال: "أية : خلقاً جديداً"تفسير : [الإسراء: 49، 98] ومثل الشئ لما كان مساويا له فى حالته جاز أن يعبر به عن الشئ نفسه، كما يقال مثلك لا يفعل كذا، ويراد أنت لا تفعل، وذلك أنسب بالمقام من أن يقول: إن المعنى قادر على أن يخلق ناسًا يعبدون الله ولا يعصونه، يوحدونه ولا يشركون به، وهم مثلكم فى الإنسانية وليس بعثهم أصعب من خلق السماوات والأرض، ولا الإعادة أصعب من البدء وكل شئ عنده سواء لا أصعب ولا أخف، ومن ذلك قوله تعالى: "أية : ويأت بخلق جديد" تفسير : [إبراهيم: 19، فاطر: 16] وقوله عز وجل: "أية : يستبدل قومًا غيركم" تفسير : [محمد: 38]. وعامة آيات البعث إما ظاهرة أو صريحة فى أنه تبعث الأجسام الذاهبة بعينها، وما بقى لم يفن كعَجْب الذنَب وما بقى من أجزاء ما يفنى ينفخ فيه الروح بعينه، ويرد إليه ما فنى، وجاء فى الحديث: "حديث : إن عجْب الذنب لا يبلى ولا يأكله التراب"تفسير : فنقول فتجمع إليه ما ذهب ويحيى الكل، وفسر بعضهم ذلك بأن العجب المذكور لا يفنى بالتراب، بل يفنيه الله بلا تراب، كما يفنى ملَك الموت بلا ملَك موت. وذكر بعض أن كل ما يفنى يفنى أيضًا ثم يعاد، وأما فناء الأحياء بالموت فلا يستثنى منه مخلوق. {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَ رَيْبَ فِيهِ} هو الموت أو القيامة، والجملة معطوفة على قوله: "أو لم يروا" لأن معناه قدر، كأنه قيل قدر أن يخلق مثلهم، وجعل لهم، وليس الاستفهام منسحبا عليه، وأفرد الأجل لأن المعنى جعل لكل أحد أجلا هو الموت، أو لأن القيامة أمر واحد، ويجوز أن يراد بالأجل مدة الحياة كلها لكل أحد. ويجوز عطفها على خلق، أو قادر فيتسلط عليها الاستفهام، وهذا ظاهر فى التفسير بالموت، أو بمدة الحياة. وأما فى التفسير بالقيامة فباعتبار وضوح أمرها بالدلائل حتى كأنها مما لا ينكرونه فيقال: أو لم يروا أنه جعل لهم يوم القيامة بلا ريب. {فَأَبَى الظَّالِمُونَ} المشركون مع وضوح الحق {إِلاّ كُفُورًا} مجوداً للحق وهو القدرة على البعث.
الالوسي
تفسير : {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي ألم يتفكروا ولم يعلموا أن الله تعالى الذي قدر على خلق هذه الأجرام والأجسام الشديدة العظيمة التي بعض ما تحويه البشر {قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} من الإنس أي ومن هو قادر على ذلك كيف لا يقدر على إعادتهم وهي أهون عليه جل وعلا. وقال بعض المحققين: مثل هنا مثلها في ـ مثلك لا يبخل ـ أي قادر على أن يخلقهم. والمراد بالخلق الإعادة كما عبر عنها أولاً بـ {ذٰلِكَ} حيث قيل: {أية : خَلْقاً جَدِيداً} تفسير : [الإسراء: 98] ولا يخلو عن بعد. وزعم بعضهم أن المراد قادر على أن يخلق عبيداً آخرين يوحدونه تعالى، ويقرون بكمال حكمته وقدرته ويتركون ذكر هذه الشبهات الفاسدة كقوله تعالى: {أية : وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } تفسير : [إبراهيم: 19] / وقوله سبحانه:{أية : وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} تفسير : [التوبة: 39] وفيه أنه لا يلائم السياق كما لا يخفى على ذوي الأذواق. ثم اعلم أن ظاهر الآية أن الكفرة أنكروا إعادتهم يوم القيامة على معنى جمع أجزائهم المتفرقة وعظامهم المتفتتة وتأليفها وإفاضة الحياة عليها كما كانت في الدنيا فهو الذي عنوه بقولهم {أية : أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً} تفسير : [الإسراء: 98] بعد قولهم {أية : أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً} تفسير : [الإسراء: 98] فرد عليهم بإثبات ذلك بطريق برهاني. وعلى هذا تكون الآية أحد أدلة من يقول: إن الحشر بإعادة أجزاء الأبدان التي تتفرق - كأبدان ما عدا الأنبياء عليهم السلام ومن لم يعمل خطيئة قط والمؤذنين احتساباً ونحوهم ممن حرمت أجسادهم على الأرض كما جاء في الأخبار - وجمعها بعد تفرقها وعنوا بذلك الأجزاء الأصلية وهي الحاصلة في أول الفطرة حال نفخ الروح وهي عندهم محفوظة من أن تصير جزءاً لبدن آخر فضلاً عن أن تصير جزأً أصلياً له، والذاهبون إلى هذا هم الأقل وحكاه الآمدي بصيغة قيل لكن رجحه الفخر الرازي وذكر أن الأكثر على أن الله سبحانه يعدم الذوات بالكلية ثم يعيدها وقال: إنه الصحيح، وكذا قال البدر الزركشي، وذكر اللقاني أنه قول أهل السنة والمعتزلة القائلين بصحة الفناء والعدم على الأجسام بل بوقوعه وإن اختلفوا في أن ذلك هل هو بحدوث ضد أو بانتفاء شرط أو بلا ولا فذهب إلى الأخير القاضي من أهل السنة وأبو الهذيل من المعتزلة قالا: إن الله تعالى يعدم ما يريد إعدامه على نحو إيجاده إياه فيقول له عند أبـي الهذيل افن فيفنى كما يقول له كن فيكون. وذهب جمهور المعتزلة إلى الأول فقالوا: إن فناء الجوهر بحدوث ضد له وهو الفناء ثم اختلفوا فذهب ابن الأخشيد إلى أن الله تعالى يخلق الفناء في جهة من جهات الجواهر فتعدم الجواهر بأسرها، وقال ابن شبيب: إنه تعالى يحدث في كل جوهر بعينه فناءً يقتضي عدم الجوهر في الزمان الثاني وذهب أبو علي وأبو هاشم وأتباعهما إلى أن الله تعالى يعدم الجوهر بخلق فناء لا في محل معين منه ثم اختلفا فقال أبو علي وأتباعه: إن الله سبحانه يخلق فناءً واحداً لا في محل فيفنى به الجواهر بأسرها وقال أبو هاشم وأتباعه إنه تعالى يخلق لكل جوهر فناء لا في محل. وذهب إمام الحرمين وأكثر أهل السنة وبشر المريسي والكعبـي من المعتزلة إلى الثاني ثم اختلفوا في تعيين الشرط فقال بشر: إنه بقاء يخلقه سبحانه لا في محل فإن لم يخلقه عدم الجوهر. وقال الأكثر والكعبـي: إنه بقاء قائم بالجوهر يخلقه جل وعلا فيه حالاً فحالاً فإذا لم يخلقه تعالى فيه انتفى الجوهر. وقال إمام الحرمين: إنه الأعراض التي يجب اتصاف الجسم بها فإن الله تعالى شأنه يخلقها في الجسم حالاً فحالاً فمتى لم يخلقها سبحانه فيه انعدم. وقال النظام: إنه خلق الله تعالى الجوهر حالاً فحالاً فإن الجواهر عنده لا بقاء لها بل هي متجددة بتجدد الأعراض فإذا لم يوالي عز مجده على الجوهر خلقه فني. وأنت تعلم أن أكثر هذه الأقاويل من قبيل الأباطيل سيما القول بأن الفناء أمر محقق في الخارج ضد للبقاء قائم بنفسه أو بالجوهر وكون البقاء موجوداً لا في محل، ولعل وجه البطلان غني عن البيان. واحتجوا لهذا المذهب بقوله سبحانه: {أية : كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } تفسير : [القصص: 88] وقوله تعالى: {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} تفسير : [الرحمن: 26] وأجابوا عن الآية بأن الكفار اكتفوا بأقل اللازم وأرادوا المبالغة في الإنكار لأنه إذا لم يمكن بزعمهم الحشر بعد كونهم عظاماً ورفاتاً فعدم إمكانه بعد فنائهم بالمرة أظهر وأظهر، وفيه أن هلاك كل شيء خروجه عن صفاته المطلوبة منه والتفرق كذلك فيقال له هلاك ويسمى أيضاً فناء عرفاً فالاحتجاج بالآيتين غير تام وأن ما قالوه في الجواب عن الآية خلاف الظاهر. ولا يرد عليهم أن إعادة المعدوم محال لما / ذكره الفلاسفة من الأدلة لما ذكره المسلمون في إبطالها. ومن الناس من قال: إن عجب الذنب لا يفنى وإن فنى ما عداه من أجزاء البدن لحديث «الصحيحين» «حديث : ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحداً وهو عجب الذنب منه خلق الخلق يوم القيامة»تفسير : . وفي رواية مسلم «حديث : كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق ومنه يركب» تفسير : وصحح المزني أنه يفنى أيضاً وتأول الحديث بأن المراد منه أن كل الإنسان يبلى بالتراب ويكون سبب فنائه إلا عجب الذنب فإن الله تعالى يفنيه بلا تراب كما يميت ملك الموت بلا ملك موت، والخلق منه والتركيب يمكن أي يكون بعد إعادته فليس ما ذكر نصاً في بقائه، ووافقه على ذلك ابن قتيبة، وأنت تعلم أن ظواهر الأخبار تدل على عدم فنائه مطلقاً، وتوقف بعض العلماء عن الجزم بأحد المذهبين السابقين في كيفية الحشر. وقال السعد: إنه الحق وهو اختيار إمام الحرمين. وفي «المواقف» و«شرحه» للسيد السند هل يعدم الله تعالى الأجزاء البدنية ثم يعيدها أو يفرقها ويعيد فيها التأليف؟ الحق أنه لم يثبت في ذلك شيء فلا جزم فيه نفياً ولا إثباتاً لعدم الدليل على شيء من الطرفين. وقال حجة الإسلام الغزالي في كتاب «الاقتصاد»: فإن قيل ما تقولون هل تعدم الجواهر والأعراض ثم يعادان جميعاً أو تعدم الأعراض دون الجواهر ثم تعاد الأعراض فقط؟ قلنا: كل ذلك ممكن، والحق أنه ليس في الشرع دليل قاطع على تعيين أحد الأمرين الممكنين. وقال بعضهم: الحق وقوع الأمرين جميعاً إعادة ما انعدم بعينه وإعادة ما تفرق بأعراضه وهو حسن. والكلام في هذا المقام طويل جداً ولعل الله سبحانه وتعالى يمن علينا باستيفائه ولو في مواضع متعددة. {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً} وهو ميقات إعادتهم وحشرهم أو موتهم وهو على هذا اسم جنس لأن لكل أحد أجلاً للموت يخصه، وقد جاء إطلاق الأجل على الموت ووجهه أنه يطلق على مدة الحياة وعلى آخرها والموت مجاور لذلك {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي لا ينبغي الريب فيه والإنكار لمن تدبره أو النفي على ظاهره. والجملة معطوفة على {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} وهي وإن كانت إنشائية وفي عطف الإخبارية عليها مقال مؤولة بخبرية والعطف على الصلة فيما مر متعذر للفصل بخبر (أن) وكذا على ما بعد (أن) المصدرية لفظاً ومعنى. والمعنى كما في «الكشف» وغيره قد علموا بدليل العقل أن الله تعالى قادر على إعادتهم وقد جعل أجلاً لها لا ريب فيه فلا بد منها أي إذا كان ذلك ممكناً في نفسه واجب الوقوع بخبر الصادق لا يبقى للإنكار معنى فإن كان الأجل بمعنى ميقات إعادتهم أي يوم القيامة لقولهم {أية : أَءذَا كُنَّا عِظَـٰماً وَرُفَـٰتاً} تفسير : [الإسراء: 98] وهو الظاهر فهو واضح، وإن كان بمعنى الموت فوجهه أنهم قد علموا إمكانه وأنهم ميتون لا محالة منسلخون من هذه الحياة وأنه لا بد لهم من جزاء فلم يخلقوا عبثاً ولم يتركوا سدى ففيم الإنكار؟ وكأنه قد اكتفى بالموت عما بعده لأنه أول القيامة ومن مات فقد قامت قيامته فالعطف في التقدير على قد علموا. ويعلم من هذا التقرير أن الجامع بين الجملتين لصحة العطف في غاية القوة. وزعم القطب أن الأولى العطف على ما بعد (أن) المصدرية أما أولاً فلأنه أقرب، وأما ثانياً فلأن جعل الأجل يدخل حينئذٍ تحت قدرته تعالى وتحت علمهم بخلاف ما إذا عطف على قوله سبحانه: {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ} الخ / ولا يخفى ما فيه على من استدارت كرة فكره على محور التحقيق. {فَأَبَىٰ ٱلظَّـٰلِمُونَ} الذين كفروا بالآيات وقالوا ما قالوا. ووضع الظاهر موضع ضميرهم تسجيلاً عليهم بالظلم وتجاوز الحد بالمرة {إِلاَّ كُفُورًا} أي جحوداً.
ابن عاشور
تفسير : جملة {أو لم يروا} عطف على جملة {أية : ذلك جزاؤهم }تفسير : [الإسراء: 98] باعتبار ما تضمنته الجملة المعطوفُ عليها من الردع عن قولهم:{أية : أإذا كنا عظاما ورفاتاً}تفسير : [الإسراء: 98]. فبعدَ زجرهم عن إنكارهم البعث بأسلوب التهديد عطف عليه إبطال اعتقادهم بطريق الاستدلال بقياس التمثيل في الإمكان، وهو كاف في إقناعهم هنا لأنهم إنما أنكروا البعث باعتقاد استحالته كما أفصح عنه حكاية كلامهم بالاستفهام الإنكاري. وإحالتهم ذلك مستندة إلى أنهم صاروا عظاماً ورفاتاً، أي بتعذر إعادة خلق أمثال تلك الأجزاء، ولم يستدلوا بدليل آخر، فكان تمثيل خلق أجسام من أجزاء بالية بخلق أشياء أعظم منها من عدم أوْغَل في الفناء دليلاً يقطع دعواهم. والاستفهام في {أو لم يروا} إنكاري مشوب بتعجيب من انتفاء علمهم، لأنهم لما جرت عقائدهم على استبعاد البعث كانوا بحال من لم تظهر له دلائل قدرة الله تعالى، فيؤول الكلام إلى إثبات أنهم علموا ذلك في نفس الأمر. والرؤية مستعملة في الاعتقاد لأنها عديت إلى كون الله قادراً، وذلك ليس من المبصرات. والمعنى: أو لم يعلموا أن الله قادر على أن يخلق مثلهم. وضمير {مثلهم} عائد إلى ما عاد إليه ضمير {يروا} وهو {الناس} في قوله: {أية : وما منع الناس}تفسير : [الإسراء: 94] أي المشركين. والمِثْل: المماثل، أي قادر على أن يخلق ناساً أمثالهم، لأن الكلام في إثبات إعادة أجسام المردود عليهم لا في أن الله قادر على أن يخلق خلقاً آخر، ويكون في الآية إيماء إلى أن البعث إعادة أجسام أخرى عن عدم، فيخلق لكل ميت جسد جديد على مِثال جسده الذي كان في الدنيا وتوضع فيه الروح التي كانت له. ويجوز أن يكون لفظ مِثل هنا كناية عن نفس ما أضيف إليه، كقول العرب: مثلك لا يبْخل، وقوله تعالى:{أية : ليس كمثله شيء}تفسير : [الشورى: 11] على أحد تأويلين فيه، أي على جعل الكاف الداخلة على لفظ مثله غيرَ زائدة. والمعنى: قادر على أن يخلقهم، أي أن يعيد خلقهم، فإن ذلك ليس بأعجب من خلق السماوات والأرض. ولعلمائنا طرق في إعادة الأجسام عند البعث فقيل: تكون الإعادة عن عدم، وقيل تكون عن جمع ما تَفرق من الأجسام. وقيل: يَنبت من عَجْب ذنب كل شخص جسد جديد مماثل لجسده كما تنبت من النواة شجرة مماثلة للشجرة التي أثمرت ثمرةَ تلك النواة. ووصف اسم الجلالة بالموصول للإيماء إلى وجه بناء الخبر، وهو الإنكار عليهم، لأن خلق السماوات والأرض أمر مشاهد معلوم، وكونه من فعل الله لا ينازعون فيه. وجملة {وجعل لهم أجلاً لا ريب فيه} معطوفة على جملة {أو لم يروا} لتأويلها بمعنى قد رأوا ذلك لو كان لهم عقول، أي تحققوا أن الله قادر على إعادة الخلق وقد جعل لهم أجلاً لا ريب فيه. والأجل: الزمان المجعول غاية يُبلغ إليها في حال من الأحوال. وشاع إطلاقه على امتداد الحياة، وهو المدة المقدرة لكل حي بحسب ما أودع الله فيه من سلامة آلات الجسم، وما علمه الله من العوارض التي تعرض له فتخرم بعض تلك السلامة أو تقويها. والأجل هنا محتمل لإرادة الوقت الذي جعل لوقوع البعث في علم الله تعالى. ووجه كون هذا الجعل لهم أنهم داخلون في ذلك الأجل لأنهم من جملة من يُبعث حينئذٍ، فتخصيصهم بالذكر لأنهم الذين أنكروا البعث، والمعنى: وجعل لهم ولغيرهم أجلاً. ومعنى كون الأجل لا ريب فيه: أنه لا ينبغي فيه: ريب، وأن ريب المرتابين فيه مكابرة أو إعراض عن النظر، فهو من باب قوله: {أية : ذلك الكتاب لا ريب فيه}تفسير : [البقرة: 2]. ويجوز أن يكون الأجل أجل الحياة، أي وجَعل لحياتهم أجلاً، فيكون استدلالاً ثانياً على البعث، أي ألم يروا أنه جعل لهم أجلاً لحياتهم، فما أوجدهم وأحياهم وجعل لحياتهم أجلاً إلا لأنه سيعيدهم إلى حياة أخرى، وإلا لمَا أفناهم بعد أن أحياهم، لأن الحكمة تقتضي أن ما يوجده الحكيم يحرص على بقائه وعدم فنائه، فما كان هذا الفناء الذي لا ريب فيه إلا فناءً عارضاً لاستقبال وجود أعظم من هذا الوجود وأبقى. وعلى هذا الوجه فوجه كون هذا الجعل لهم ظاهر لأن الآجال آجالهم. وكونه لا ريب فيه أيضاً ظاهر لأنهم لا يرتابون في أن لحياتهم آجالاً. وقد تضمن قوله: {لهم أجلا} تعريضاً بالمنة بنعمة الإمهال على كلا المعنيين وتعريضاً بالتذكير بإفاضة الأرزاق عليهم في مدة الأجل لأن في ذكر خلق السماء والأرض تذكيراً بما تحتويه السماوات والأرض من الأرزاق وأسبابها. وجملة {فأبى الظالمون إلا كفوراً} تفريع على الجملتين باعتبار ما تضمنتاه من الإنكار والتعجيب، أي علموا أن الذي خلق السماوات والأرض قادر على إعادة الأجسام ومع علمهم أبوا إلا كفوراً. فالتفريع من تمام الإنكار عليهم والتعجيب من حالهم. واستثناء الكفور من الإباية تأكيد للشيء بما يشبه ضده. والكفور: جحود النعمة، وتقدم آنفاً. واختير «الكفور» هنا تنبيهاً على أنهم كفروا بما يجب اعتقاده، وكفروا نعمة المنعم عليهم فعبدوا غير المنعم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ}. بيَّن جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من خلق السموات والأرض مع عظمهما قادر على بعث الإنسان بلا شك. لأن من خلق الأعظم الأكبر فهو على خلق الأصغر قادر بلا شك. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ}تفسير : [غافر:57] الآية، أي ومن قدر على خلق الأكبر فهو قادر على خلق الأصغر. وقوله: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ}تفسير : [يس:81]، وقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ بَلَىٰ}تفسير : [الأحقاف:33]، وقوله: {أية : أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ}تفسير : [النازعات:27-33].
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {ٱلظَّالِمُونَ} (99) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى هؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ وَالنُّشُورِ إِلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَهذا أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ مِنْ خَلْقِ الإِنْسَانِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَهُمْ مَرَّةً أُخْرَى، وَيُنْشِئَهُمْ نَشْأَةً أُخْرَى كَمَا بَدَأَهُمْ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ لإِعَادَةِ بَعْثِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ أَجَلاً (مَوْعِداً) مَضْرُوباً، وَمُدَّةً مُوَقَّتَةً مُقَدَّرَةً لاَ بُدَّ مِنْ انْقِضَائِهَا، لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللهُ تَعَالَى، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ تَمَادِياً فِي ضَلاَلِهِمْ، وَكُفْرِهِمْ، مَعَ وُضُوحِ الحُجَّةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ ..} [الإسراء: 99]. إذا جاءت همزة الاستفهام بعدها واو العطف وبعدها نفي، فاعلم أن الهمزة دخلتْ على شيء محذوف، إذن: فتقدير الكلام هنا: أيقولون ذلك ويستبعدون البعث ولم يَرَوْا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أنْ يخلق مثلهم. وقوله تعالى: {مِثْلَهُمْ} أي: يخلقهم هم ويُعيدهم من جديد؛ لأن الخَلْق إنشاء جديد، فهُمْ خَلْق جديد مُعَادٌ، فالمثلية هنا في أنهم مُعَادون، أو يكون المراد {مِثْلَهُمْ} أي: ليسوا هم، بل خَلْق مختلف عنهم على اعتبار أنهم كانوا في الدنيا مختارين، ولهم إرادات، أما الخلق الجديد في الآخرة وإنْ كان مثلهم في التكوين إلا أنه عاد مقهوراً على كل شيء لا إرادةَ له؛ لأنه الآن في الآخرة التي سينادي فيها الخالق سبحانه: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر: 16]. وقوله تعالى: {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَىٰ ٱلظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً} [الإسراء: 99]. أي: أن القيامة التي كذَّبوا بها وأنكروها واقعة لا شكّ فيها، لكن هؤلاء معاندون مُصِرُّون على الكفر مهما أتيتَ لهم بالأدلة، ومهما ضربتَ لهم الأمثلة، فإنهم مُصمِّمون على الإنكار؛ لأن الإيمان سيسلبهم ما هم فيه من السيادة وما يدعونه من العظمة، الإيمان سيُسوّي بينهم وبين العبيد، وسيُقيّد حريتهم فيما كانوا فيه من ضلال وفساد. لكن هؤلاء السادة والعظماء الذين تأبَّوْا على الإيمان، وأنكروا البعث خوفاً على مكانتهم وسيادتهم وما عندهم من سلطة زمنية، ألم تتعرَّضوا لظلم من أحد في الدنيا؟ ألم يعتَدِ عليكم أحد؟ ألم يسرق منكم أحد ولم تتمكنوا من الإمساك به ومعاقبته؟ لقد كان أَوْلَى بكم الإيمان بالآخرة حيث تتحقق عدالة العقاب وتنالون حقوقكم مِمَّنْ ظلمكم، أو اعتدى عليكم. ثم ينتقل السياق القرآني إلى موضوع جديد، حيث يقول تعالى: {قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):