١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
100
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أن الكفار لما قالوا؛ { أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعًا } تفسير : [الإسراء: 90] طلبوا إجراء الأنهار والعيون في بلدتهم لتكثر أموالهم وتتسع عليهم معيشتهم فبين الله تعالى لهم أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله لبقوا على بخلهم وشحهم ولما أقدموا على إيصال النفع إلى أحد وعلى هذا التقدير فلا فائدة في إسعافهم بهذا المطلوب الذي التمسوه فهذا هو الكلام في وجه النظم، والله أعلم. المسألة الثانية: قوله: {لَّوْ أَنتُمْ } فيه بحث يتعلق بالنحو وبحث آخر يتعلق بعلم البيان، أما البحث النحوي: فهو أن كلمة "لو" من شأنها أن تختص بالفعل لأن كلمة "لو" تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره والاسم يدل على الذوات والفعل هو الذي يدل على الآثار والأحوال والمنتفى هو الأحوال والآثار لا الذوات فثبت أن كلمة "لو" مختصة بالأفعال وأنشدوا قول المتلمس: شعر : لو غير أخوالي أرادوا نقيصتي نصبت لهم فوق العرانين مأتما تفسير : والمعنى لو أراد غير أخوالي وأما البحث المتعلق بعلم البيان فهو أن التقديم بالذكر يدل على التخصيص فقوله: {أَنتُمْ تَمْلِكُونَ } دلالة على أنهم هم المختصون بهذه الحالة الخسيسة والشح الكامل. المسألة الثالثة: خزائن فضل الله ورحمته غير متناهية فكان المعنى أنكم لو ملكتم من الخير والنعم خزائن لا نهاية لها لبقيتم على الشح وهذا مبالغة عظيمة في وصفهم بهذا الشيء ثم قال تعالى: {وَكَانَ ٱلإنْسَـٰنُ قَتُورًا } أي بخيلاً يقال قتر يقتر قتراً وأقتر إقتاراً وقتر تقتيراً إذا قصر في الإنفاق فإن قيل فقد دخل في الإنسان الجواد الكريم فالجواب من وجوه. الأول: أن الأصل في الإنسان البخل لأنه خلق محتاجاً والمحتاج لا بد أن يحب ما به يدفع الحاجة وأن يمسكه لنفسه إلا أنه قد يجود به لأسباب من خارج فثبت أن الأصل في الإنسان البخل. الثاني: أن الإنسان إنما يبذل لطلب الثناء والحمد وللخروج عن عهدة الواجب فهو في الحقيقة ما أنفق إلا ليأخذ العوض فهو في الحقيقة بخيل. الثالث: إن المراد بهذا الإنسان المعهود السابق: وهم الذين قالوا { أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعًا } تفسير : [الإسراء: 90].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي} أي خزائن الأرزاق. وقيل: خزائن النّعم، وهذا أعم. {إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ} من البخل، وهو جواب قولهم: «لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً» حتى نتوسّع في المعيشة. أي لو توسعتم لبخلتم أيضاً. وقيل: المعنى لو ملك أحد المخلوقين خزائن الله لما جاد بها كجود الله تعالى؛ لأمرين: أحدهما: أنه لا بد أن يمسك منها لنفقته وما يعود بمنفعته. الثاني: أنه يخاف الفقر ويخشى العدم. والله تعالى يتعالى في وجوده عن هاتين الحالتين. والإنفاق في هذه الآية بمعنى الفقر؛ قاله ابن عباس وقتادة. وحكى أهل اللغة أنفق وأصرم وأعدم وأقتر إذا قلّ ماله. {وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً} أي بخيلاً مضيقاً. يقال: قَتَر على عياله يَقْتِر ويَقْترُ قتراً وقتوراً إذا ضيق عليهم في النفقة، وكذلك التقتير والإقتار، ثلاث لغات. واختلف في هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها نزلت في المشركين خاصة؛ قاله الحسن. والثاني: أنها عامة، وهو قول الجمهور؛ وذكره الماورديّ.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه: قل لهم يا محمد: لو أنكم أيها الناس تملكون التصرف في خزائن الله، لأمسكتم خشية الإنفاق، قال ابن عباس وقتادة: أي: الفقر، خشية أن تذهبوها، مع أنها لا تفرغ، ولا تنفد أبداً؛ لأن هذا من طباعكم وسجاياكم، ولهذا قال: {وَكَانَ ٱلإنْسَـٰنُ قَتُورًا} قال ابن عباس وقتادة: أي: بخيلاً منوعاً، وقال الله تعالى: {أية : أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً} تفسير : [النساء: 53] أي: لو أن لهم نصيباً في ملك الله، لما أعطوا أحداً شيئاً، ولا مقدار نقير، والله تعالى يصف الإنسان من حيث هو، إلا من وفقه الله وهداه، فإن البخل والجزع والهلع صفة له، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ} تفسير : [المعارج: 19 ـ 22] ولهذا نظائر كثيرة في القرآن العزيز، ويدل هذا على كرمه وجوده وإحسانه، وقد جاء في "الصحيحين": «حديث : يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه».
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُل } لهم {لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّى } من الرزق والمطر {إِذًا لأَمْسَكْتُمْ } لبخلتم {خَشْيَةَ ٱلإِنفَاقِ } خوف نفاذها بالإِنفاق فتقتروا {وَكَانَ ٱلإنْسَٰنُ قَتُورًا } بخيلاً.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ} عام عند الجمهور، أو خاص بالمشركين {لأَمْسَكْتُمْ} خوف الفقر {قَتُوراً} مقتراً، أو بخيلاً"ع".
ابن عادل
تفسير : اعلم أنَّ الكفار، لما قالوا: لن نؤمن لك؛ حتَّى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً وطلبوا إجراء الأنهارِ، والعيون في بلدهم لتكثر أموالهم؛ بيَّن أنَّهم لو ملكوا خزائن رحمة الله، لبقوا على بخلهم وشحهم، ولا أقدموا على إيصال النفع إلى أحدٍ، وعلى هذا التقدير: فلا فائدة في إسعافهم لما طلبوه. قوله: {لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ}: فيه ثلاثة أوجه: أحدها:- وإليه ذهب الزمخشري، والحوفي، وابن عطيَّة، وأبو البقاء، ومكيٌّ -: أن المسألة من باب الاشتغال، فـ "أنْتُمْ" مرفوع بفعلٍ مقدر يفسِّره هذا الظاهر، لأنَّ "لَوْ" لا يليها إلا الفعل، ظاهراً أو مضمراً، فهي كـ "إنْ" في قوله تعالى: {أية : وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [التوبة: 6]، وفي قوله: شعر : 3470- وإنْ هُوَ لمْ يَحْمِلْ على النَّفْسِ ضَيْمهَا فَليْسَ إلى حُسْنِ الثَّنَاءِ سَبيلُ تفسير : والأصل: لو تملكون، فحذف الفعل؛ لدلالة ما بعده عليه، فانفصل الضمير، وهو الواو؛ إذ لا يمكن بقاؤه متَّصلاً بعد حذف رافعه، ومثله: "وإنْ هو لم يحمل": الأصل: وإن لم يحمل، فلما حذف الفعل، انفصل ذلك الضميرُ المستتر، وبرز، ومثله فيما نحنُ فيه قول الشاعر: شعر : 3471- "لوْ ذَاتُ سِوارٍ لطَمتْنِي" تفسير : برفع "ذَاتُ" وقول المتلمِّس: شعر : 3472- ولَوْ غَيْرُ أخْوالِي أرادُوا نَقِيصَتِي ....................... تفسير : فـ "ذَاتُ سوارٍ" مرفوعةٌ بفعل مفسَّر بالظاهر بعده. الثاني: أنه مرفوع بـ "كَانَ" وقد كثر حذفها بعد "لو" والتقدير: لو كنتم تملكون، فحذف "كَانَ"، فانفصل الضمير، و "تَمْلكُونَ" في محلِّ نصبٍ بـ "كَانَ" المحذوفةِ، وهو قولُ ابن الصائغ؛ وقريبٌ منه قوله: [البسيط] شعر : 3473- أبَا خُرَاشةَ أمَّا أنْتَ ذَا نَفرٍ ...................... تفسير : فإنَّ الأصل: لأن كنت، فحذفت "كَانَ"، فانفصل الضمير، إلا أنَّ هنا عوِّض من "كَانَ" "ما"، وفي ["لَوْ"] لم يعوَّض منها. الثالث: أنَّ "أنتم" توكيدٌ لاسم "كانَ" المقدر معها، والأصل "لَوْ كُنتمْ أنْتُم تَمْلكُونَ" فحذفت "كَانَ" واسمها، وبقي المؤكِّدُ، وهو قول ابن فضالٍ المجاشعيِّ، وفيه نظرٌ؛ من حيث إنَّا نحذف ما في التَّوكيد، وإن كان سيبويه يجيزه. وإنما أحوج هذين القائلين إلى ذلك: كون مذهب البصريِّين في "لَوْ" أنَّه لا يليها إلاَّ الفعل ظاهراً، ولا يجوز عندهم أن يليها مضمراً مفسَّراً إلاَّ في ضرورة، أو ندور، كقوله: "لَو ذَات سوارٍ لطَمتْنِي"، فإن قيل: هذان الوجهان أيضاً فيهما إضمار فعلٍ، قيل: ليس هو الإضمار المعنيَّ؛ فإنَّ الإضمار الذي أبوه هو على شريطة التفسير في غير "كان"، وأمَّا "كان" فقد كثر حذفها بعد ["لو"] في مواضع كثيرة، وقد وقع الاسم الصَّريحُ بعد "لَوْ" غير مذكور بعده فعلٌ؛ وأنشد الفارسيُّ: [الرمل] شعر : 3474- لَو بِغيْرِ المَاءِ حَلْقِي شَرقٌ كُنتُ كالغصَّانِ بالمَاءِ اعْتِصَارِي تفسير : إلا أنه أخرجه على أنه مرفوع بفعل مقدَّر يفسِّره الوصف من قوله "شَرِقٌ"، وقد تقدَّم الكلام في "لَوْ". قال أهل المعاني: إنَّ التقديم بالذكر يدل على التَّخصيص، فقوله: {لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ} دليل على أنَّهم هم المختصُّون بهذه الحالة الخسيسة، والشُّحِّ الكامل. واعلم أنَّ خزائن رحمة الله غير متناهية؛ فكان المعنى أنكم لو ملكتم من النِّعم خزائن لا نهاية لها، لتقيمنَّ على الشحِّ، وهذه مبالغة عظيمة في وصفهم بهذه الصفة. قوله: "لأمْسَكْتُمْ" يجوز أن يكون لازماً؛ لتضمنه معنى "بخِلتمْ" وأن يكون متعدِّياً، ومفعوله محذوف، أي: لأمسكتم المال، ويجوز أن يكون كقوله {أية : يُحْيِـي وَيُمِيتُ} تفسير : [البقرة: 258]. قوله: {خَشْيَةَ ٱلإِنفَاقِ} فيه وجهان: أظهرهما: أنه مفعول من أجله. والثاني: أنه مصدر في موضع الحال، قاله أبو البقاء، أي: خاشين الإنفاق، وفيه نظر؛ إذ لا يقع المصدر المعرف موقع الحال، إلا سماعاً؛ نحو: "جَهْدكَ" و "طَاقَتكَ"، وكقوله: شعر : 3475- وأرْسلَهَا العِراكَ.............. ................... تفسير : ولا يقاس عليه، والإنفاقُ مصدر "أنْفقَ"، أي: أخرج المال، وقال أبو عبيدة: "هو بمعنى الافتقار، والإقتار". قوله: {خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي}، أي: نعمة ربِّي. {إِذاً لأَمْسَكْتُمْ} لبخلتم. {خَشْيَةَ ٱلإِنفَاقِ}: الفاقة. وقيل: خشية النفاق يقال: أنفق الرجل، أي: أملق، وذهب ماله، ونفق الشَّرُّ، أي: ذهب. وقيل: لأمسكتم عن الإنفاق؛ خشية الفقر، ومعنى "قَتُوراً": قال قتادة: بخيلاً ممسكاً. يقال: أقْتَرَ يُقْتِرُ إقتاراً، وقتَّر تَقْتِيراً: إذا قصَّر في الإنفاق. فإن قيل: قد حصل في الإنسان الجواد، والكريم. فالجواب من وجوه: الأول: أن الأصل في الإنسان البخلُ؛ لأنَّه خلق محتاجاً، والمحتاج لا بد وأن يحبَّ ما به يدفع الحاجة، وأن يمسكه لنفسه، إلا أنَّه قد يجود به [لأسبابٍ] من خارج، فثبت أنَّ الأصل في الإنسان البخلُ. الثاني: أنَّ الإنسان إنَّما يبذلُ؛ لطلب الحمدِ، وليخرج من عهدة الواجب، ثم للتَّقرُّب إلى الله تعالى، فهو في الحقيقة إنَّما أنفق ليأخذ العوض، فهو بخيلٌ، والمراد بهذا الإنسان المعهود السَّابق، وهم الذين قالوا: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُر لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنبُوعاً} تفسير : [الإسراء: 90].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله: {خزائن رحمة ربي} قال: الرزق. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: {إذا لأمسكتم خشية الإنفاق} قال: إذن ما أطعمتم أحداً شيئاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {خشية الإنفاق} قال: الفقر، وفي قوله: {وكان الإنسان قتوراً} قال: بخيلاً. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {خشية الإنفاق} قال: خشية الفاقة {وكان الإنسان قتوراً} قال: بخيلاً ممسكاً.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ} [الآية: 100]. قال حمدون: أخبرنا الله تعالى عن حقيقة طبائع الخلق فقال: لو ملكتم ما أملكه من فنون الرحمة وخزائن الخير لغلب عليكم سوء طبائعكم فى الشح والبخل وقال أبو حفص: ابن آدم محمول على الشح، والبخل والبذل والجود منه خلاف طبعه ومجبول على المخالفة والموافقة منه، خلاف سجنته ألا ترى الله يقول: {قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ}.
القشيري
تفسير : إذ البُخْلُ غريزةُ الإنسان، والشحُّ سجيته [(....) المعروف لا يعرف الخلقة].
البقلي
تفسير : قوله تعالى {قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً} اخبر سبحانه عن سجية النفس الامارة الانسانيّة انّها خلقت بخيلة حريصة على الدنيا وجمعها ومنعها لعميها عن رؤية الآخرة وبقائها وعن معرفة الدنيا وفنائها وهذه النفس اذا قورنت بالروح الصادقة العاشقة و العقل القدسى والقلب الملكوتى والسر الجبروتى تذوب عن خلقها وتزول عن بخلها وصارت ساكنة عن الحرص سخية بالبذل وهذه النفس الاولياء ونفس الانبياء خلقت سخية غير حريصة ونفس العامة بقيت على حال الفطرة الا نادرا فان الله سبحانه يخلق فى الاحانين كافرا سخيا ويخلق مومنا بخيلا قال حمدون اخبر الله عن حقيقة طباع الخلق فقال لو ملكتم ما املكه من فنون الرحمة وخزائن الخير لغلب عليكم سوء طباعكم فى الشح والبخل.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل} [بكوكافرانرا} {لو انتم تملكون خزائن رحمة ربى} خزائن رزقه التى افضاها على كافة الموجودات وانتم مرتفع بفعل يفسره المذكور لا مبتدأ لانها لا تدخل الا على الفعل والاصل لو تملكون انتم تملكون {اذا لأمسكتم} لبخلتم من قولك للبخيل ممسك فلا يقدر له مفعول {خشية الانفاق} مخافة عاقبته وهو النفاد {وكان الانسان قتورا} يقال قتر ضيق. والمعنى كان ضيقا مبالغا فى البخل لان مبنى امره على الحاجة والضنة بما يحتاج اليه وملاحة العوض فيما يبذل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحى من الانصار "حديث : من سيدكم يا بنى سلمة"تفسير : قالوا الجد بن قيس على بخل فيه فقال عليه السلام "حديث : واى داء ادوى من البخل بل سيدكم عمر بن الجموح"تفسير : فالبخل والحرص من الصفات المذمومة فلا بد من تطهير النفس عنهما وتحليتها بالسخاء والقناعة وترك طول الامل فان الشيطان يستعبد البخيل ولو كان مطيعا وينأى عن السخى ولو كان فاسقا وجنس الانسان وان كان قتورا مخلوقا على القبض واليبوسة كالتراب الا ان من افراده خواص متخلقين بصفات الله تعالى ومتحققين باسرار ذاته. قال حسان بن ثابت رضى الله عنه فى مدح النبى صلى الله عليه وسلم شعر : له راحة لو ان معشار جودها على البر كان البر اندى من البحر تفسير : الراحة الكف والمعشار بمعنى العشر - روى - ان زين العابدين رضى الله عنه لقيه رجل فسبه فثارت اليه العبيد والموالى فقال لهم زين العابدين مهلا على الرجل ثم اقبل عليه وقال ماستر من امرنا اكثر ألك حاجة نعينك عليها فاستحيى الرجل فالقى عليه خميصة كانت عليه وهى كساء اسود معلم وامر بالف درهم فكان الرجل بعد ذلك يقول اشهد انك من اولاد الرسل ولا يتوهم مغرور انهم كانوا اهل دنيا ينفقون منها الاموال انما كانوا اهل سخاء ومروءة كانت تأتيهم الدنيا فيخرجونها فى العاجل وفيهم يصدق قول القائل شعر : وهم ينفقون المال فى اول الغنى ويتسأنفون الصبر فى آخر الفقر اذا نزل الحى الغريب تقارعوا عليه فلم تدر المقل من المثرى تفسير : قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : اكر كنج قارون بجنك آورى نماند مكر آنكه بخشى برى بخيل توانكر بدينار وسيم طلسمست بالاى كنجى مقيم ازان سالها مى بماند زرش كه لرز طلسمى جنين بر سرش بسنك اجل ناكهان بشكنند بآسود كى كنج قسمت كنند
الطوسي
تفسير : يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم {قل} لهؤلاء الكفار: لو انكم ملكتم {خزائن رحمة ربي} أي ما يقدر عليه من النعم قدرتم على مثله لما انفقتموه في طاعة الله، وامسكتموه خوفا من الفقر. ثم اخبر بأن الانسان كان قتورا، يعني مضيقاً سيء الظن بالله وبالخلف عن الانفاق، وهو جواب لقولهم {أية : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً}تفسير : فاعلمهم الله أَنهم لو ملكوا خزائن الله، لأمسكوا بخلا بها وشحّاً خشية نفادها، يقال: نفقت نفقات القوم إِذا نفدت، وانفقها صاحبها أي انفدها حتى افتقر، وقال قتادة: خشية الانفاق أي خشية الفقر. والمراد بالانسان في الآية. - قول ابن عباس والحسن: هوالكافر. والقتور المضيق للنفقة، يقال قتر يقتر وأقتر إِذا قدَّر النفقة. و (أنتم) مرفوع بفعل مضمر، والمعنى قل لو تملكون أنتم، لأن (لو) يقع بعدها الشيء، لوقوع غيره، فلا يليها إِلا الفعل، وإِذا وليها اسم يعمل فيه الفعل المضمر قال الشاعر: شعر : لو غيركم علق الزبير بحبله أدى الجوار الى بني العوّام تفسير : والقتور البخيل - في قول ابن عباس - قال أبو داود: شعر : ل لا أعد الاقتار عدماً ولكن فقد من قد رزئته الأعدام تفسير : وظاهر قوله {وكان الإنسان قتوراً} العموم، وقد علمنا أن في الناس الجواد، والوجه فيه أحد أمرين: أحدهما - ان الأغلب عليهم من ليس بجواد، ومن مقتصد أو بخيل، فجاز تغليب اللأكثر. والثاني - أَنه لا أحد إِلا وهو يجر إِلى نفسه نفعاً بما فيه ضرر على الغير، فهو بخيل بالإضافة إِلى جود الله تعالى.
الجنابذي
تفسير : {قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي} رحمة الرّبّ هى الولاية وسائر النّعم الظّاهرة والباطنة تسمّى رحمة باتّصالها بالولاية واذا لم تتّصل بالولاية تكون سخطاً ونقمةً واستدارجاً، وجمع الخزائن للاشعار بانّ له خزائن عديدة فى مراتب العالم {إِذاً لأمْسَكْتُمْ} عن الانفاق والايصال الى المستحقّ {خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ} خشية النّفاد بالانفاق لانّكم ما خرجتم عن بشريّتكم والبشر فى جبلّته حبّ المال وخشية نفاده {وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً} عطف للتّعليل اى فى جبلّته البخل ولذلك اتى بكان فانّه يدل على كون الوصف سجيّته سواء جعل قتوراً مبالغة او صفة مشبهة، والمقصود التّعريض بمدّعى الخلافة وبانّهم غير مستحقّين للولاية والخلافة لعدم خروجهم من البشريّة.
الهواري
تفسير : قوله: {قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي} يعني مفاتيح الرزق { إِذاً لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ} [أي: خشية الفاقة] { وَكَانَ الإِنسَانُ قَتُوراً} أي: بخيلاً يقتّر على نفسه وعلى غيره. يخبر أنهم بخلاء أشحاء، يعني المشركين. وقال بعضهم: {قَتُوراً} أي: مِسِّيكاً. قوله: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ}: يده، وعصاه، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، (أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ، وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ) تفسير : [الأعراف:130]. قوله: {فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ}. يقول للنبي عليه السلام: فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم موسى {فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً}. {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاَءِ} أي: الآيات {إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ} أي: حججاً. يقول: لقد علمتَ يا فرعون، وهذا مقرأ ابن عباس والعامة. وقال ابن عباس: مثل قوله: (أية : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً)تفسير : [النمل:14]. وقرأة عليّ بن أبي طالب: {لَقَدْ عَلِمْتُ}، موسى يقوله. أي: لقد علمتُ ما أنزل هؤلاء الآيات إلا ربّ السماوات والأرض بصائر. قوله: {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً} أي: مسحوراً في تفسير مجاهد وغيره؛ أي: يدعو بالحسرة والثبور في النار. والثبور الدعاء بالويل والهلاك. وقال الكلبي: {مَثْبُوراً} أي: ملعوناً.
اطفيش
تفسير : {قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ} أنتم فاعل لفعل محذوف تقديره قل لو تملكون بتأَكيد الجملة الأُولى بالثانية حذف فعل الأُولى وانفصل الفاعل لما حذف فعله وفسره فعل الثانية وبقى أنتم بصيغة المبتدأ وليس بمبتدأ ولا سيما أن فعله حذف وجوباً لنيابة الثانى عند فأفاد الكلام بظاهره الاختصاص كما يفيده قولك أنت تقوم إِذا قلته فى مقام إِرادة الحصر ففى الكلام مع إِيجازه تأْكيد واختصاص وهكذا إِذا أدخلت أداة الشرط على الاسم المرفوع وقيد الاسم المرفوع مبتدأ. {خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّى} أى خزائن رزقه وسائر نعمه وسكن الياء غير نافع وأبى عمر {إِذاً لأَّمْسَكْتُمْ} عن الإِنفاق لبخلكم {خَشْيَةَ الإِنفَاقِ} أى خشية نفادها بالإِنفاق مع أنها لا تنفد ولك تقدير المضاف أى خشية عاقبة الإِنفاق وهو الفقر وقيد الإِنفاق اسم بالافتقار هنا ولا وصف بالشح أبلغ من هذا وهو غاية لا يبلغها الوهم إِذ كانوا يشحون مما لا ينفد له ملكوه، وإِن قلت؛ هل لهذا الكلام اتصال لما قبله. قلت: يحتمل أن يكون كلاماً منقطعاً، ويحتمل الاتصال ووجهه أنكم لو ملكتم خزائن رحمة الله التى لا تنفذ لبخلتم فكيف تسأَلون الينبوع والأَنهار وغيرها، وقيل الخطاب للمشركين عموماً ويسلك بنوع الإِنسان مطلقاً مسلكهم كما يدل عليه قوله، وكان الإِنسان قتوراً، فإِن الإِنسان مطلقاً فيه أصل البخل إِذ خلق محتاجاً فهو يختار لنفسه ولا يعطى وإِذا أعطى فإِنما يعطى لعوض دنيوى يساويه أو يقوله، ولو ثناء أو لعوض أخروى يفوقه فهو بخيل إِذ كان لا يعطى إلا لعوض بخلاف الله، إِنه يعطى بلا عوض ولا حاجة إِلى من يأْخذ، وإِن فرضنا من يعطى تعظيماً لله لا لخطور الثواب الأخروى فى قلبه فذلك قليل وكذا إِن فرضنا من يعطى مهملا بلا قصد ثواب دنيوى ولا أخروى ووجه آخر اتصال هو أن فى طبعكم أيها المشركون أن الأَشياء تتناهى حتى أنكم لو ملكتم خزائن الله لخشيتم نفادها فكذلكم تظنون أن قدرة الله تعالى تقف عن البعث، وليس كذلك بل قدرته لا تتناهى وكذا نعمه ونقمه وإِن قلت: هل لأمسكتم مفعول. قلت: نعم تقدير لأمسكتم أنفسكم أو أيديكم أو أموالكم عن الإِنفاق كما تعلمه بما دخلت به بين قوله لأمسكتم وقوله خشية، ويحتمل أن يضمن معنى بخلتم فلا يقدر له مفعول به. {وَكَانَ الإِنسَانُ قَتُوراً} ضيق النفس من حيث المال شحيحها لما مر من أنه خلق محتاجاً فكانت نفسه تدعوه إِلى الإِمساك ليدفع ضرر الحاجة عن نفسه.
اطفيش
تفسير : {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ} فاعل لتملك أصله تملكون، دل عليه قوله {تَمْلِكُونَ} حذف الفعل، وانفصل الضمير، وهذا من التوكيد اللفظى مع الاختصار، وكذا باب الاشتغال فى النصب، وقدر بعض لو كنتم تملكون فحذف كان وحده، وانفصل الضمير، فتملكون خبر لكان، وذلك بياء على أن لولا يليها اسم على طريق إيلائه إن وإذا إلا ضرورة. {خَزَائِنَ} استعارة للموجودات فى علم الله من الخير بحقيقية أو تخييلية {رَحْمَةِ} نعمة وهو مجاز مرسل {رَبِّى} من الرزق والمطر، وصحة البدن وغير ذلك. {إِذًا لأَمْسَكْتُمْ} استعمل بمعنى بخلتم، فكان لازما أو بقى على تعديه فيقدر له مفعول به، أى لأمسكتم ما بأيديكم لا تنفقونه. {خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ} عاقبة الإنفاق وهى نقصه، أو الفقر وفقدها بالكلية، فيقدر مضاف كما رأيت، أو الإنفاق كناية عن لازمه، وهو نفاد الكل أو النقص، أو الإنفاق بمعنى الافتقار كالإملاق فى الآية الأخرى، يقال: أنفق مال فلان أى ذهب، ونفق ماله ونفق الزاد ذهب والبخل لازم لكل واحد، فإن كل أحد يختار نفسه بماله عن غيره، وإن أعطاه فلأنه يرجو عطاءً دنيويًا أو عوض مدح أو نحو هذا، أو عوضا أخرويا، والله جل وعلا يعطى بدون ذلك. وسئل بعض أصحابنا الأغنياء فقال لسائله: خذ من زكاتى، فأبى فقال: هل سمعت بغنىّ جواد، يعنى أن الجود إعطاء جميع ما فى اليد والملك، وما كان الإنسان غنيًّا إلا لعدم هذا الجود، ولو جاد كذلك كان فقيراً. {وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا} ضيّقًا ممسكا بخيلا، لأنه محتاج، ويحرم عليه أن يؤخر قضاء الدِّين، وقد وجد القضاء وأمكنه، سواء كان الدِّين لخاص أو لعام، لميت أو لحى، كالأموال التى تجب للفقراء كالزكاة، وما لا يعرف له رب، وأنواع الكفارات فمؤخرها مع الوجود والإمكان داخل فى قوله صلى الله عليه وسلم وآتاه الوسيلة "حديث : مطل الغنى ظلم"تفسير : ومن ذلك تأخير أموال الأوقاف والوصايا مع الوجود والإمكان والدرهم فى الحياة كسبعين بعد الموت، وسبعون بعد الموت، كواحد فى الحياة، وتأخير الواجب مع الوجود والإمكان من الرغبة والرهبة، والحج ليس حقا لمخلوق، فلا بأس بتأخيره وهو مكروه إلا حجا أوصى به. فيعجل الوارث والخليفة به. وصية الأقرب لا تنفذ قبل الموت إِذ لا يتعين الأقرب إِلا بعد الموت، وليس فى ذكر الوصية فى القرآن والحديث إجازة تأخير حقوق الناس إلى الموت، بل يجب إنفاذها وإِلا فلا أقل من الإِيصاء، فذكرها فيهما يشمل الإيصاء بالواجب وبئس ما فعل من تأخيره ويشمل الإيصاء بغير الواجب، ولشح الإنسان كان إنما ينفق لرجاء عوض، وهكذا حاله، ولو كان غنيًّا ويحتمل أن يراد إن غالب الناس بخلاء لا كلهم. قال الكرخى: إن من الإنسان الأجواد الكرام حتى إن منهم من يجود بنفسه، وقد قيل الجود بالنفس أقصى غاية الجود حصلت لى نسخة منه عتيقة قوبلت على أصله، وقيل: الخطاب قبل هذا للقائلين: لن نؤمن لك إلخ، وأنهم المراد بالإنسان، ولما قالوا لن نؤمن لك إلخ أجابهم الله بأنا قد آتينا موسى آيات مساويات لما ذكرتم أو أعظم، ولكن علمنا أن لا تؤمنوا لو أعطيناكم ما طلبتم، كما لم يؤمن قوم موسى كما قال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} اليد، والعصا، والطوفان، والجراد، والقمل وهو سوس، والضفادع، والدم، والطمس على أموالهم بمسخها حجارة، والسنين، ونقص الثمرات. أو العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم وانفجار الماء من الحجر، وانفلاق البحر، ونتق الجبل على بنى إسرائيل، أو الطوفان والسنين، ونقص الثمرات مكان الثلاثة الأخيرة، أو يجمع الكل لأن ذكر العدد لا يفيد الحصر، ويبحث بأن الحجر والطور ليسا من الآيات المذهوب بها إلى فرعون وفلق البحر ليس على التحدى. قلت كل ما علم به أو شهده فهو آية جئ بها له، وذكروا منها موت البهائم، وبرداً وناراً أهلكا كل ما مرا به من نبات وحيوان، وظلمة وموتًا عم كبار الآدميين، وجميع الحيوان. وروى الترمذى والنسائى وابن ماجه، عن عبد الله بن سلمة، عن صفوان ابن عسال أن يهوديًّا سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن الآيات فقال: "حديث : ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إِلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببرئ إلى ذى سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفروا من الزحف، وعليكم خاصة اليهود ألا تعدوا فى السبت"تفسير : فقبّل اليهودى يده ورجله. وفى رواية عنه أنه جاءه يهوديان اتفقا أن يسألاه فسألاه فأَخبرهما بذلك، فأَسلما فقبّلا يديه ورجليه، وهؤلاء عشر لا تسع، فيجوز أن تفسر الآية بالتسع المذكورة فى هذا، والاعتداء فى السبت خاص بهم قبل بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهن آيات تعم كل أمة، وبعد بعثه صلى الله عليه وسلم، يجوز لهم الصيد فى السبت من البحر كغيرهم، وكسر بينات جر على أنه نعت آيات، أو نصب على أنه نعت تسع. {فَاسْأَلْ} يا محمد {بَنِى إِسْرَائِيلَ} عن الآيات العامة غير المنسوخة الموحاة إلى موسى، أو سلهم عن موسى فيما جرى بينه وبين فرعون وقومه سؤال تقرير. {إِذْ جَاءَهُمْ} أى إذ جاء موسى آباءهم بالوحى من الله، والهاء لبنى إسرائيل على حذف مضاف كما رأيت، وذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإعلام بأنه لو أعطى ما اقترحوا لم يؤمنوا، كما لم يؤمن قوم فرعون بآيات موسى، وزيادة فى قوة يقينه بتتابع الآيات. والمراد بالسؤال كون بنى إسرائيل من أهل علمه لا أن يخبروه، وإِذ متعلق بآياتنا، واعترض بما بينهما للمسارعة إلى الأمر بالسؤال لتبكيت المشركين، ولما مر من النكت أو متعلق ليخبروا محذوفًا مجزومًا فى جواب الأمر أى سلهم يخبروك إذ جاءهم كذا قيل، وهو غلط لأن مجئ موسى فى زمانه، والإخبار فى زمان رسول الله صلى الله وسلم عليهما، أو منصوب باذكر مستأنفًا، أو بلفظ الحادث، أى واذكر الحادث إذ جاءهم. ويجوز أن يكون اسأَل على حذف قول معطوف بالفاء على آتينا، أى فقلنا لموسى: سل بنى إسرائيل، ويدل لهذا قراءة ابن عباس: فسأَل بصيغة الماضى، فإن ضميره لموسى إلا أنه قلب الهمزة ألفًا، وهو لغة، وعلى هذا سل بمعنى اطلب فرعون أن يعطيك بنى إسرائيل، أى اسأل فرعون بنى إسرائيل عن دينهم، وإِذ متعلق بقلنا المقدر لا بسل، لأنه قال: إذ جاءهم، ولم يقل: إذ جئتم، فقال لك ويتعلق بسأَل فى قراءة صيغة الماضى. {فَقَالَ فِرْعَوْنُ إِنِّى لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا} فسد عقلك بسحر أحد لك، أو بما تأتينا به من السحر، فصرت تأتينا بما لا يليق، أو بمعنى ساحر كميمون ومشئوم، على أن مفعولا يجئ من المتعدد للنسب، سماه ساحراً إذ رأى منه العجائب كالعصا، وعطف قال على جاء.
الالوسي
تفسير : {قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبّى إِذًا لأمْسَكْتُمْ} أي خزائن نعمه التي أفاضها على كافة الموجودات فالرحمة مجاز عن النعم والخزائن استعارة تحقيقية أو تخييلية. و {أَنتُمْ} على ما ذهب إليه الحوفي والزمخشري وأبو البقاء وابن عطية وغيرهم فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور لأن (لو) يمتنع أن يليها الاسم والأصل لو تملكون تملكون فلما حذف الفعل انفصل الضمير، ومثل ذلك قول حاتم وقد أسر فلطمته جارية لو ذات سوار لطمتني، وقول المتلمس:شعر : ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي جعلت لهم فوق العرانين ميسما تفسير : وفائدة الحذف والتفسير على ما قيل الإيجاز فإنه بعد قصد التوكيد لو قيل تملكون تملكون لكان إطناباً وتكراراً بحسب الظاهر، والمبالغة لتكرير الإسناد أو لتكرير الشرط فإنه يقتضي تكرر ترتب الجزاء عليه والدلالة على الاختصاص وذلك بناءً على أن {أَنتُمْ} بعينه ضمير {تَمْلِكُونَ} المؤخر فهو في المعنى فاعل مقدم وتقديم الفاعل المعنوي يفيد الاختصاص إذا ناسب المقام فيفيد الكلام حينئذٍ ترتب الإمساك، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى المراد منه على تفردهم بملك الخزائن ويعلم منه ترتبه على ملكها بالاشتراك بالطريق الأولى. وإلى تخريج مثل هذا التركيب على هذا الطرز ذهب البصريون بيد أن أبا الحسن بن الصائغ وغيره صرحوا بأنهم يمنعون إيلاء لو فعلاً مضمراً في الفصيح ويجيزونه في الضرورة وفي نادر كلام، ولعل شعر المتلمس ومثل حاتم عندهم من ذلك والحق خلاف ذلك. وقال أبو الحسن علي بن فضال المجاشعي: إن التقدير لو كنتم أنتم تملكون، وظاهره أن (أنتم) عنده توكيد للضمير المحذوف مع الفعل وليس بشيء. وقال أبو الحسن بن الصائغ: إن الأصل لو كنتم تملكون فحذفت كان وحدها وانفصل الضمير فهو عنده اسم لكان محذوفة وجملة {تَمْلِكُونَ} خبرها وعلى هذا تخرج نظائره. قال أبو حيان بعد نقل ما تقدم: وهذا التخريج أحسن لأن حذف كان بعد لو معهود في لسان العرب. ولا يخفى أن الكلام على ما سمعت أولاً أفيد وإن كان الظاهر أن الإمساك على هذا يكون على استمرار الملك. والمراد من الإمساك البخل وذلك لأن البخل إمساك خاص فلما حذف المفعول ووجه إلى نفس الفعل بمعنى لفعلتم الإمساك جعل كناية عن أبلغ أنواعه وأقبحها، وإلى كونه كناية عما ذكر ذهب صاحب «الفرائد» وغيره. وجوز أن يكون مضمناً معنى البخل. وتعقب بأنه ليس بشيء لفظاً ومعنى، وعلى ما ذكرنا يتخرج قولهم للبخيل ممسك. {خَشْيَةَ ٱلإِنفَاقِ} أي مخافة الفقر كما أخرجه ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس وروي نحوه عن قتادة وإليه ذهب الراغب قال: يقال أنفق فلان إذا افتقر، وأبو عبيدة قال: أنفق وأملق وأعدم وأصرم بمعنى واحد، وقال بعضهم: الإنفاق بمعناه المعروف وهو صرف المال، وفي الكلام مقدر أي خشية عاقبة الإنفاق. / وجوز أن يكون مجازاً عن لازمه وهو النفاد. ونصب {خَشْيَةَ} على أنه مفعول له، وجعله مصدراً في موضع الحال كما جوزه أبو البقاء خلاف الظاهر. وقد بلغت هذه الآية من الوصف بالشح الغاية القصوى التي لا يبلغها الوهم حيث أفادت أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله تعالى التي لا تتناهى وانفردوا بملكها من غير مزاحم أمسكوها من غير مقتض إلا خشية الفقر، وإن شئت فوازن بقول الشاعر:شعر : ولو أن دارك أنبتت لك أرضها إبراً يضيق بها فناء المنزل وأتاك يوسف يستعيرك إبرة ليخيط قد قميصه لم تفعل تفسير : مع أن فيه من المبالغات ما يزيد على العشرة ترى التفاوت الذي لا يحصر. وجعل غير واحد الخطاب فيها عاماً فيقتضي أن يكون كل واحد من الناس بخيلاً كما هو ظاهر ما بعد مع أنه قد أثبت لبعضهم الإيثار مع الحاجة. وأجيب بأن ذلك بالنسبة إلى الجواد الحقيقي والفياض المطلق عز مجده فإن الإنسان إما ممسك أو منفق والإنفاق لا يكون إلا لغرض للعاقل كعوض مالي أو معنوي كثناء جميل أو خدمة واستمتاع كما في النفقة على الأهل أو نحو ذلك وما كان لعوض كان مبادلة لا مباذلة أو هو بالنظر إلى الأغلب وتنزيل غيره منزلة العدم كما قيل:شعر : عدنا في زماننا عن حديث المكارم من كفى الناس شره فهو في جود حاتم تفسير : وهذا الجواب عندي أولى من الأول وعلى ذلك يحمل قوله تعالى: {وَكَانَ ٱلإنْسَـٰنُ قَتُورًا} مبالغاً في البخل، وجاء القتر بمعنى تقليل النفقة وهو بإزاء الإسراف وكلاهما مذموم ويقال قترت الشيء وأقترته وقترته أي قللته وفلان مقتر فقير. وأصل ذلك كما قال الراغب من القتار والقتر وهو الدخان الساطع من الشواء والعود ونحوهما فكأن المقتر والمقتر هو الذي يتناول من الشيء قتاره. وقيل الخطاب لأهل مكة الذين اقترحوا ما اقترحوا من الينبوع والأنهار وغيرها. والمراد من الإنسان كما في القول الأول الجنس ولا شك في أن جنس الإنسان مجبول على البخل لأن مبنى أمره الحاجة، وقيل الإنسان وعليه الإمام. ووجه ارتباط الآية بما قبلها على تخصيص الخطاب أن أهل مكة طلبوا ما طلبوا من الينبوع والأنهار لتكثر أقواتهم وتتسع عليهم فبين سبحانه أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله تعالى لبخلوا وشحوا ولما قدموا على إيصال النفع لأحد، والمراد التشنيع عليهم بأنهم في غاية الشح ويقترحون ما يقترحون أو المراد أن صفتهم هذه فلا فائدة في إسعافهم بما طلبوا كذا قال العسكري وغيره فالآية عندهم مرتبطة بقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعًا } تفسير : [الإسراء: 90] ويكفي على العموم اندراج أهل مكة فيه. وقال أبو حيان: ((المناسب في وجه الارتباط أن يقال: إنه عليه الصلاة والسلام قد منحه الله تعالى ما لم يمنحه لأحد من النبوة والرسالة إلى الإنس والجن فهو صلى الله عليه وسلم أحرص الناس على إيصال الخير إليهم وإنقاذهم من الضلال يثابر على ذلك ويخاطر بنفسه في دعائهم إلى الله تعالى ويعرض ذلك على القبائل وأحياء العرب سمحاً بذلك لا يطلب منهم أجراً وهؤلاء أقرباؤه لا يكاد يجيب منهم أحد إلا الواحد بعد الواحد قد لجوا في عناده وبغضائه فلا يصل منهم إليه إلا الأذى فنبه تعالى شأنه بهذه الآية على سماحته عليه الصلاة والسلام وبذل / ما آتاه الله تعالى وعلى امتناع هؤلاء أن يصل منهم شيء من الخير إليه صلى الله عليه وسلم ... فهي قد جاءت مبينة تباين ما بينه عليه الصلاة والسلام وبينهم من حرصه على نفعهم وعدم إيصال شيء من الخير منهم إليه)) اهـ. فالارتباط بين الآية وبين مجموع الآيات السابقة من حيث أنها تشعر بحرصه صلى الله عليه وسلم على هدايتهم ولعمري إن هذا مما يأباه الذوق السليم والذهن المستقيم. ويحتمل أن يكون وجه الارتباط اشتمالها على ذمهم بالشح المفرط كما أن ما قبلها مشتمل على ذمهم بالكفر كذلك وهما صفتان سيئتان ضرر إحداهما قاصر وضرر الأخرى متعد فتأمل فلمسلك الذهن اتساع والله تعالى أعلم بمراده. ولما حكى سبحانه عن قريش ما حكى من التعنت والعناد مع رسوله صلى الله عليه وسلم سلاه تعالى جده بما جرى لموسى عليه السلام مع فرعون وما صنع سبحانه بفرعون وقومه فقال عز قائلاً: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءايَـٰتٍ بَيّنَـٰتٍ ...}.
ابن عاشور
تفسير : اعتراض ناشىء عن بعض مقترحاتهم التي توهموا عدم حصولها دليلاً على انتفاء إرسال بَشيرٍ، فالكلام استئناف لتكملة رد شبهاتهم. وهذا رد لما تضمنه قولهم: {أية : حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا}تفسير : [الإسراء: 90] إلى قوله:{أية : تفجيراً }تفسير : [الإسراء: 91]، وقولهم: {أية : أو يكون لك بيت من زخرف}تفسير : [الإسراء: 93] من تعذر حصول ذلك لعظيم قيمته. ومعنى الرد: أن هذا ليس بعظيم في جانب خزائن رحمة الله لو شاء أن يظهره لكم. وأدمج في هذا الرد بيانُ ما فيهم من البخل عن الإنفاق في سبيل الخير. وأدمج في ذلك أيضاً تذكيرهم بأن الله أعطاهم من خزائن رحمته فكفروا نعمته وشكروا الأصنام التي لا نعمة لها. ويصلح لأن يكون هذا خطاباً للناس كلهم مؤمنهم وكافرهم كل على قدر نصيبه. وشأن (لو) أن يليها الفعل ماضياً في الأكثر أو مضارعاً في اعتبارات، فهي مختصة بالدخول على الأفعال، فإذا أوقعوا الاسم بعدها في الكلام وأخروا الفعل عنه فإنما يفعلون ذلك لقصدٍ بليغ: إما لقصد التقوي والتأكيد للإشعار بأن ذكر الفعل بعد الأداة ثم ذكر فاعله ثم ذكر الفعل مرةً ثانية تأكيدٌ وتقويةٌ؛ مثل قوله: {أية : وإن أحد من المشركين استجارك}تفسير : [التوبة: 6] وإما للانتقال من التقوي إلى الاختصاص، بناءً على أنه ما قدم الفاعل من مكانه إلا لمقصد طريققٍ غير مطروق. وهذا الاعتبار هو الذي يتعين التخريج عليه في هذه الآية ونحوها من الكلام البليغ، ومنه قول عُمر لأبي عبيدة لَوْ غيرُك قالها. والمعنى: لو أنتم اختصصتم بملك خزائن رحمة الله دون الله لَما أنفقتم على الفقراء شيئاً. وذلك أشد في التقريع وفي الامتنان بتخييل أن إنعام غيره كالعدم. وكلا الاعتبارين لا يُنَاكد اختصاص (لو) بالأفعال للاكتفاء بوقوع الفعل في حَيزها غيرَ مُوال إياها وموالاته إياها أمر أغلبي، ولكن لا يجوز أن يقال: لو أنت عالم لبذذت الأقران. واختير الفعل المضارع لأن المقصود فرض أن يملكوا ذلك في المستقبل. و{أمسكتم} هُنا منزل منزلة اللازم فلا يقدر له مفعول، لأن المقصود: إذن لاتصفتم بالإمساك، أي البخل. يقال: فلان مُمسك، أي بخيل. ولا يراد أنه ممسك شيئاً معيناً. وأكد جواب (لو) بزيادة حرف (إذن) فيه لتقوية معنى الجوابية، ولأن في (إذن) معنى الجزاء كما تقدم آنفاً عند قوله: {أية : قل لو كان معه آلهة كما تقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا }تفسير : [الإسراء: 42]. ومنه قول بشر بن عَوانة: شعر : أفاطم لو شهدت ببطن خَبْتٍ وقد لاقَى الهزبرُ أخاكِ بِشرَا إذن لرأيتِ لَيْثا أمَّ لَيثا هِزَبْرا أغلباً لاقَى هِزبرا تفسير : وجملة {وكان الإنسان قتوراً} حالية أو اعتراضية في آخر الكلام، وهي تفيد تذييلاً لأنها عامةُ الحكم. فالواو فيها ليست عاطفة. والقتور: الشديد البخل، مشتق من القتر وهو التضييق في الإنفاق.
الشنقيطي
تفسير : بيَّن تعالى في هذه الآية: أن بني آدم لو كانوا يملكون خزائن رحمته - أي خزائن الأرزاق والنعم - لبخلوا بالرزق على غيرهم، ولأمسكوا عن الإعطاء. خوفاً من الإنفاق لشدة بخلهم. وبين أن الإنسان قتور: أي بخيل مضيق. من قولهم: قتر على عياله، أي ضيق عليهم. وبين هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله تعالى: {أية : أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً}تفسير : [النساء:53]، وقوله: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ}تفسير : [المعارج:19-22] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والمقرر في علم العربية أن "لو" لا تدخل إلا على الأفعال. فيقدر لها في الآية فعل محذوف، والضمير المرفوع بعد "لو" أصله فاعل الفعل المحذوف. فلما حذف الفعل فصل الضمير. والأصل قل لو تملكون، فحذف الفعل فبقيت الواو فجعلت ضميراً منفصلاً: هو أنتم. هكذا قاله غير واحد، والعلم عند الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: خزائن رحمة ربي: أي من المطر والأرزاق. لأمسكتم: أي منعتم الانفاق. خشية الإِنفاق: خوف النفاد. قتوراً: أي كثير الاقتار أي البخل والمنع للمال. تسع آيات بينات: أي معجزات بينات أي واضحات وهو اليد والعصا والطمس إلخ. مسحوراً: أي مغلوياً على عقلك، مخدوعاً. ما أنزل هؤلاء: أي الآيات التسع. مثبوراً: هالكاً بانصرافك عن الحق والخير. فأراد أن يستفزهم: أي يستخفهم ويخرجهم من ديار مصر. اسكنوا الأرض: أي أرض القدس والشام. الآخرة: أي الساعة. لفيفاً: أي مختلطين من أحياء وقبائل شتى. معنى الآيات: يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، قل يا محمد لأولئك الذين يطالبون بتحويل جبل الصفا إلى ذهب، وتحويل المنطقة حول مكة إلى بساتين من نخيل وأعناب تجري الأنهار من خلالها، قل لهم، لو كنتم أنتم تملكون الخزائن رحمة ربي من الأموال والأرزاق لأمسكتم بخلابها ولم تنفقوها خوفاً من نفاذها إذ هذا طبعكم، وهو البخل، {وَكَانَ ٱلإنْسَانُ} قبل هدايته وإيمانه {قَتُوراً} أي كثير التقتير بخلاً وشحاً نفسياً ملازماً له حتى يعالج هذا الشح بما وضع الله تعالى من دواء نافع جاء بيانه في سورة المعارج من هذا الكتاب الكريم. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} أي، ولقد أعطينا موسى بن عمران نبي بني إسرائيل تسع آيات وهي: اليد، والعصا والدم، وانفلاق البحر، والطمس على أموال آل فرعون، والطوفان والجراد والقمل والضفادع، فهل آمن عليها آل فرعون؟! لا، إذاً، فلو أعطيناك ما طالب به قومك المشركون من الآيات الست التي اقترحوها وتقدمت في هذه السياق الكريم مبينة، ما كانوا ليؤمنوا بها، ومن هنا فلا فائدة من إعطائك إياها. وقوله تعالى: {فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} أي سل يا نبينا علماء بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره، إذ جاءهم موسى بطالب فرعون بإرسالهم معه ليخرج بهم إلى بلاد القدس، وأرى فرعون الآيات الدالة على صدق نبوته ورسالته وأحقية ما يطالب به فقال له فرعون: {إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً} أي ساحراً لإِظهارك ما أظهرت من هذه الخوارق، ومسحوراً بمعنى مخدوعاً مغلوباً على عقلك فتقول الذي تقول مما لا يقوله العقلاء فرد عليه موسى بقوله بما أخبر تعالى به في قوله {لَقَدْ عَلِمْتَ} أي فرعون ما أنزل هؤلاء الآيات البينات إلا رب السماوات أي خالقها ومالكها والمدبر لها {بَصَآئِرَ} أي آيات واضحات مضيئات هاديات لمن طلب الهداية، فعميت عنها وأنت تعلم صدقها {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً}! أي من أجل هذا أظنك يا فرعون ملعوناً، من رحمة الله مبعداً مثبوراً هالكاً. فلما أعيته أي فرعون الحجج والبينات لجأ إلى القوة، {فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلأَرْضِ} أي يستخفهم من أرض مصر بالقتل الجماعي استئصالاً لهم، أو بالنفي والطرد والتشريد، فعامله الرب تعالى بنقيض، قصده فأغرقه الله تعالى هو وجنوده أجمعين، وهو معنى قوله تعالى: {فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ} أي من الجنود {جَمِيعاً} وقوله تعالى: {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ} أي من بعد هلاك فرعون وجنوده لبني إسرائيل على لسان موسى عليه السلام {ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ} أي أرض القدس والشام إلى نهاية آجالكم بالموت. {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ} أي يوم القيامة بعثناكم أحياء كغيركم، {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} أي مختلطين من أحياء وقبائل وأجناس شتى لا ميزة لأحد على آخر، حفاة عراة لفصل القضاء ثم الحساب والجزاء. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- الشح من طبع الإِنسان إلا أن يعالجه بالإِيمان والتقوى فيقيه الله منه. 2- الآيات وحدها لا تكفي لهداية الإِنسان بل لا بد من توفيق إلهي. 3- مظاهر قدرة الله تعالى وانتصاره لأوليائه وكبت أعدائه. 4- بيان كيفية حشر الناس يوم القيامة لفيفاً أخلاطاً من قبائل وأجناس شتى.
د. أسعد حومد
تفسير : {خَزَآئِنَ} {ٱلإنْسَانُ} (100) - قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: لَوْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَمْلِكُونَ التَّصَرُّفَ فِي خَزَائِنِ اللهِ كُلِّها، لأَمْسَكْتُمْ عَنِ الإِنْفَاقِ خَشْيَةَ الفَقْرِ، وَخَشْيَةَ أَنْ يَنْفَدَ مَا فِيهَا، مَعَ أَنَّ خَزَائِنَ اللهِ لاَ تَفْرَغُ وَلاَ تَنْفَدُ أَبَداً، وَلَكِنْ مِنْ طِبَاعِ الإِنْسَانِ وَسَجَايَاهُ التَّقْتِيرُ وَالبُخْلُ وَالمَنْعُ. وَلَوْ آتَيْنَا هؤُلاءِ مَا اقْتَرَحُوهُ لَمَا آمَنوا، وَلَصَرَفُوهُ عَنْ وَجْهِهِ الصَّحِيحِ. قَتُوراً - مُبَالِغاً فِي البُخْلِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {قُل} أمر من الحق سبحانه وتعالى أنْ يقولَ لأمته هذا الكلام، وكان يكفي في البلاغ أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأمته: لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي .. لكن النبي هنا يحافظ على أمانة الأداء القرآني، ولا يحذف منه شيئاً؛ لأن المتكلم هو الله، وهذا دليلٌ على مدى صدق الرسول في البلاغ عن ربه. ومعنى {خَزَآئِنَ} هي ما يُحفظ بها الشيء النفيس لوقته، فالخزائن مثلاً لا نضع بها التراب، بل الأشياء الثمينة ذات القيمة. ومعنى: {خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي ..} [الإسراء: 100] أي: خَيْرات الدنيا من لَدُن آدم عليه السلام وحتى قيام الساعة، وإنْ من شيء يحدث إلى قيام الساعة إلا عند الله خزائنه، فهو موجود بالفعل، ظهر في عالم الواقع أو لم يظهر: {أية : وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}تفسير : [الحجر: 21] أي: أنه موجود في عِلْم الله، إلى حين الحاجة إليه. لذلك لما تحدَّث الحق سبحانه عن خلق الآيات الكونية في السماء والأرض قال:{أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ}تفسير : [فصلت: 9-10]. نلاحظ أن قوله تعالى {وَبَارَكَ فِيهَا} جاءت بعد ذِكْر الجبال الرواسي، ثم قال:{أية : وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ..}تفسير : [فصلت: 10] كأن الجبال هي مخازن القوت، وخزائن رحمة الله لأهل الأرض. والقوت: وهو الذي يتمّ به استبقاء الحياة، وهذا ناشئ من مزروعات الأرض، وهذه من تصديقات القرآن لطموحات العلم وأسبقية إخبار بما سيحدث، فها هو القرآن يخبر بما اهتدى إليه العلم الحديث من أن العناصر التي تُكوّن الإنسان هي نفس عناصر التربة الزراعية التي نأكل منها. لكن، كيف تكون الجبال مخازن القوت الذي جعله الله في الأرض قبل أن يُخْلَق الإنسان؟ نقول: إن الجبال هي أساس التربة التي نزرعها، فالجبل هذه الكتلة الصخرية التي تراها أمامك جامدة هي في الحقيقة ليست كذلك؛ لأن عوامل التعرية وتقلبات الجو من شمس وحرارة وبرودة، كل هذه عوامل تُفتِّت الصخر وتُحدِث به شروخاً وتشققات، ثم يأتي المطر فيحمل هذا الفُتات إلى الوادي، ولو تأملتَ شكل الجبل وشكل الوادي لوجدتهما عبارة عن مثلثين كل منهما عكس الآخر، فالجبل مثلث رأسه إلى أعلى، وقاعدته إلى أسفل، والوادي مثلث رأسه إلى أسفل وقاعدته إلى أعلى. وهكذا، فكُلُّ ما ينقص من الجبل يزيد في الوادي، ويُكوِّن التربة الصالحة للزراعة، وهو ما يسمى بالغِرْيَن أو الطمى؛ لذلك حَدَّثونا أن مدينة دمياط قديماً كانت على شاطئ البحر الأبيض، ولكن بمرور الزمن تكوَّنت مساحات واسعة من هذا الغِرْيَن أو الطمي الذي حمله النيل من إفريقيا ففصل دمياط عن البحر، والآن وبعد بناء السد وعدم تكوُّن الطمي بدأت المياة تنحت في الشاطئ، وتنقص فيه من جديد. إذن: فقوله تعالى عن بداية خَلْق الأرض: {أية : وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ..}تفسير : [فصلت: 10] كأنه يعطينا تسلسلاً لخَلْق القُوت في الأرض، وأن خزائن الله لا حدودَ لها ولا نفادَ لخيراتها. ثم يقول تعالى: {إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً} [الإسراء: 100]. أي: لو أن الله تعالى ملَّك خزائن خيراته ورحمته للناس، فأصبح في أيديهم خزائن لا تنفد، ولا يخشى صاحبها الفقر، لو حدث ذلك لأمسك الإنسان وبخِلَ وقَتَر خوف الفقر؛ لأنه جُبِل على الإمساك والتقتير حتى على نفسه، وخوف الإنسان من الفقر ولو أنه يملك خزائن رحمة الله التي لا نفادَ لها ناتج عن عدم مقدرته على تعويض ما أَنفق؛ ولأنه لا يستطيع أنْ يُحدِث شيئاً. والبخل يكون على الغير، فإنْ كان على النفس فهو التقتير، وهو سُبَّة واضحة ومُخزِية، فقد يقبل أن يُضَيِّق الإنسانُ على الغير، أما أنْ يُضيق على نفسه فهذا منتهى ما يمكن تصوّره؛ لذلك يقول الشاعر في التندُّر على هؤلاء: شعر : يُقتِّر عِيسَى عَلَى نَفْسِه وَلَيْسَ بِبَاقٍ وَلاَ خَالِد فَلَـوْ يســتطـيعُ لتَقـتِــيرِه تنفَّسَ مِنْ مَنْخرٍ وَاحِدِ تفسير : ويقول أيضاً: شعر : لَوْ أنَّ بيتَكَ يَا ابْنَ يوسف كُلُّه إبرٌ يَضِيقُ بِهاَ فَضَاءُ المنْزِلِ وأَتَاكَ يُوسُفُ يَستعِيرُكَ إبـْـرةً لِيَخيطَ قدَّ قمِيصِهِ لَمْ تفْعَلِ تفسير : فالإنسان يبخل على الناس ويُقتِّر علَى نفسه؛ لأنه جُبِل علَى البخل مخافة الفقر، وإنْ أُوتِي خزائن السماوات والأرض. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً} معناه مُقترٌ.
الأندلسي
تفسير : {قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ} الآية * مناسبتها أن المشركين قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً وطلبوا اجراء الأنهار والعيون في بلدهم لتكره أقواتهم وتتسع عليهم فبين تعالى أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله لبقوا على بخلهم وشحهم قل لو أنتم تملكون فاعل بفعل محذوف يفسره ما بعده تقديره تملكون فحذف تملك وانفصل الضمير الذي هو الواو فصار أنتم * كقوله وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها * فهو فاعل وكان تقديره وإن لم يحمل ففيه ضمير مستكن فلما حذف الفعل وانفصل الضمير فصار هو وخرج ذلك أبو الحسن علي بن فضال المجاشقي على إضمار كان وقال أبو الحسن بن الصائغ حذف كان فانفصل اسمها والتقدير قل لو كنتم وقال البصريون يصرحون بامتناع لو زيد قام لأكرمته على الفصيح ويجيزونه شاذاً كقولهم: * لو ذات سوار لطمتني * وهو عندهم على فعل مضمر وجواب لولا مسكتم وخشية مفعول من أجله وقتوراً مبالغة في التقتير ولما حكى الله تعالى عن قريش ما حكى من تعنتهم في اقتراحهم وعنادهم للرسول صلى الله عليه وسلم سلاه الله تعالى بما جرى لموسى مع فرعون ومع قومه من قولهم أرنا الله جهرة الآية. و{تِسْعَ آيَاتٍ} تقدم الكلام عليه في الاعراف والعامل في إذ محذوف تقديره. {فَسْئَلْ} عن حديث أو قصة. {بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ} وقال الزمخشري: اذكر أو يخبرونك انتهى وإذ ظرف لما مضى لا يصح إعمال واحد منهما فيه وقرأ الجمهور لقد علمت بفتح التاء على خطاب موسى لفرعون وتبكيته في قوله عنه انه مسحور أي قد علمت أن ما جئت به ليس من باب السحر ولا إني خدعت في عقلي بل علمت أنه ما أنزلها إلا الله وما أحس ما جاء به من إسناد إنزالها إلى لفظ رب السماوات والأرض إن هو لما سأله فرعون في أو محاورته فقال له: وما رب العالمين؟ قال له: رب السماوات والأرض ينبهه على نقصه وأنه لا تصرف له في الوجود فدعواه الربوبية دعوى استحالة فبكته وأعلمه أنه يعلم آيات الله ومن أنزلها ولكنه مكابر ومعاند كقوله تعالى: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا}تفسير : [النمل: 14] الآية وخاطبه بذلك على سبيل التوبيخ أي أنت بحال من يعلم هذا وهو في الوضوح بحيث يعلمها وليس خطابه على جهة إخباره عن علمه وقرىء: لقد علمت بتاء المتكلم وهو ضمير موسى صلى الله عليه وسلم وما أنزل جملة في موضع نصب علق عنها علمت ومعنى بصائر دلالات على وحدانية الله تعالى وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم والإِشارة بهؤلاء إلى الآيات التسع وانتصب بصائر على الحال والعامل فيه محذوف تقديره أنزلها بصائر وقابل موسى صلى الله عليه وسلم بظن فرعون وشتان ما بين الظنين ظن فرعون باطل واستفزازه إياهم هو استخفافه لموسى ولقومه بأن يقلعهم من أرض مصر بقتل أو جلاء فماق به مكره وأغرقه الله وقبطه والضمير في بعده عائد على فرعون أي من بعد إعراقه والأرض المأمور بسكناها أرض الشام ووعد الآخرة قيام الساعة وانتصب. {لَفِيفاً} على الحال أي منضماً بعضكم إلى بعض. {وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ} الآية هو مردود على قوله: قل لئن اجتمعت الإِنس والجن وهكذا طريقة كلام العرب وأسلوبها تأخذ في شىء وتستطرد منه إلى شىء آخر ثم تعود إلى ما ذكرته أولاً وانتصب. {مُبَشِّراً وَنَذِيراً} على الحال أي مبشراً لهم بالجنة ومنذراً من النار وانتصب: {وَقُرْآناً} على إضمار فعل يفسره فرقناه أي وفرقنا قرآنا فرقناه فهو من باب الاشتغال وحسن النصب ورجحه على الرفع كونه عطف على جملة فعلية وهي قوله: وما أرسلناك ولا بد من تقدير صفة لقوله: وقرآناً حتى يصح كونه كان يجوز فيه الابتداء لأنه نكرة لا مسوغ لها في الظاهر للإِبتداء بها والتقدير وقرآناً أي قرآناً عظيماً جليلاً. {عَلَىٰ مُكْثٍ} أي تطاول في المدة شيئاً بعد شىء. {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ} يتضمن الإِعراض عنهم والاحتقار لهم وعدم الاكتراث بهم فإِن خيراً منهم العلماء الذين قرؤا الكتاب وعلموا الشرائع آمنوا به وصدقوه وثبت عندهم أنه النبي الموعود به في كتبهم فإِذا تلى عليهم خروا سجداً وسبحوا الله تعظيماً لوعده ولبشارته ببعثه محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن عليه وهو المراد بالوعد في قوله: إن كان وعد ربنا لمفعولاً فالظاهر أن الضمير في قوله: إذا تتلى عليهم عائد على القرآن والخرور السقوط بسرعة وانتصب سجداً على الحال. {سُبْحَانَ رَبِّنَآ} نزهوا الله عما نسبه إليه كفار قريش وغيرهم وإن هنا المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة والمعنى إن ما وعد به من إرسال محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن عليه قد فعله وأنجزه وتكرر الخرور لاختلاف حالتي السجود والبكاء وجاء التعبير عن الحالة الأولى بالاسم وعن الثانية بالفعل لأن الفعل مشعر بالتجدد وذلك أن البكاء ناشىء عن التفكر فهم دائماً في فكرة وتذكر فناسب ذكر الفعل إذ هو مشعر بالتجدد ولما كانت حالة السجود ليست تتجدد في كل وقت عبر فيها بالاسم ويزيدهم أي ما تلى عليهم خشوعاً أي تواضعاً. {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ} الآية قال ابن عباس: حديث : تهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة بمكة فجعل يقول في سجوده يا رحمن يا رحيم فقال المشركون: كان محمد يدعو إلهاً واحداً فهو الآن يدعو إلهين اثنين الله والرحمن ما الرحمن إلا رحمان اليمامة يعنون مسيلمة تفسير : فنزلت والله والرحمن إسمان لذات واحد وأياً شرطية وما زائدة وتدعو فعل الشرط حذفت منه النون وفله جواب الشرط والمعنى أي الاسمين وهو لفظ الله والرحمن فله لكون الاسمين لذات واحد الأسماء الحسنى والصلاة هنا الدعاء قاله ابن عباس ومعلوم أن الجهر والمخافتة معتقبان على الصوت لا غير والصلاة أفعال وأركان وكان صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بقراءته فيسب المشركون ويلغون فأمر بأن يخفض من صوته حتى لا يسمع المشركون وأن لا يخافت حتى يسمعه من وراءه من المؤمنين. {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ} أي بين الجهر والمخافتة. {سَبِيلاً} وسطاً وتقدم الكلام على بين ذلك في البقرة ولما ذكر تعالى أنه واحد وإن تعددت أسماؤه أمره تعالى أن يحمده على ما أنعم به عليه مما آتاه من شرف الرسالة والاصطفاء ووصف نفسه أنه لم يتخذ ولداً فيعتقد تكثره بالنوع وكان ذلك رداً على اليهود والنصارى والعرب الذين عبدوا الملائكة واعتقدوا أنهم بنات الله ونفى أولاً الولد خصوصاً ثم نفى الشريك في ملكه وهو أعم من أن ينسب إليه ولد فيشركه في ملكه أو غيره ولما نفى الولد والشريك نفى الولي وهو الناصر وهو أعم من أن يكون ولداً أو شريكاً أو غير ذلك ولما كان اتخاذ الولد قد يكون للانتصار وللاعتزاز به والاحتماء من الذل وقد يكون التفضل والرحمة لمن والى من عباده الصالحين كان النفي لمن ينتصر به من أجل المذلة إذ كان مورد الولاية يحتمل هذين الوجهين فنفى الجهة التي يكون لأجل النقص بخلاف الولد والشريك فإِنهما نفيا على الإِطلاق. {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} التكبير أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإِجلال وأكد بالمصدر تحقيقاً له وإبلاغاً في معناه وابتدئت هذه السورة بتنزيه الله سبحانه واختتمت به وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً الآية.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَىٰ ٱلظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً} [الإسراء: 99] يشير بقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} [الإسراء: 99] إلى عمى بصيرتهم أي: لم يروا، لأنهم لو يردون الله خالق السماوات والأرض؛ ليرونه قادراً على إعادة الأموات وإحيائهم {فَأَبَىٰ ٱلظَّالِمُونَ} [الإسراء: 99] من عماهم إلا الجحود والإنكار. {قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ} [الإسراء: 100] يعني لو أنتم تقدرون على ما أنا قادر عليه من إيجاد الخلق ورزقهم، وإيصال الخير إليهم - وأنت على خشية طبيعة الإنسانية - لبخلتم به وخشيتم نفاذ ما عندي من خوف البشرية {وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً} [الإسراء: 100] أي: خلق بخيلاً ممسكاً غير منفق إلا يسيراً عند الضرورة. ثم أخبر عن إنكار الإنسان الآيات والمعجزات بقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [الإسراء: 101] يشير إلى الآيات التي تدل على نبوته فيما يتعلق بنفسه خاصة منها إلقاؤه في اليم، وإخراجه منه، وتربيته في حجر عدوه فرعون، وتحريم المراضع عليه ورده إلى أمه، وإلقاء المحبة عليه، واصطناعه لنفسه، وإيناسه النار من جانب الطور، والنداء من الشجرة {أية : أَن يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ} تفسير : [القصص: 30]، واستماع كلام الله، وقوة حمل الخطاب والجواب، وأعظم الآيات جرأته على طلب الرؤية، وإجابته بالتجلي، وصعقه منه، وإفاقته من الصعقة، وإحلال العقدة من لسانه، وإلقاء النور على وجهه، واشتعال النار قلنسوته عند الغضب، والبد البيضاء وغيرها من الآيات. {فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ} [الإسراء: 101] يعني: موسى بهذه الآيات هل راؤها واستدلوا بها وآمنوا عليها؟ إلا أهل الحق بمن جعلهم الله أئمة يهتدون بأمره لما صبروا وكانوا بآياته يوقنون {فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً} [الإسراء: 101] يعني: لما كان فرعون من أهل الظن لا من أهل اليقين، رآه بنظر الظن الكاذب ساحراً، ورأى الآيات سحراً، قال موسى: {لَقَدْ عَلِمْتَ} [الإسراء: 102] أي: لو نظرت بنظر العقل لعلمت أنه {مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ} [الآيات: 102] يعني: الآيات {إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [الإسراء: 102] أي: بلا بصيرة وعقل. والظن ظنان: ظن كاذب، وظن صادق، وكان ظن فرعون كاذباً، وظن موسى عليه السلام صادقاً {فَأَرَادَ} [الإسراء: 103] فرعون من نتائج ظنه الكاذب {مِّنَ ٱلأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً} [الإسراء: 103] أي: يخرج موسى وقومه {أَن يَسْتَفِزَّهُم} [الإسراء: 103] ونجينا موسى وقومه من نتائج ظنه الصادق {وَقُلْنَا} [الإسراء: 104] لهم {مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ} [الإسراء: 104] يعني: ديارهم ومساكنهم {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} [الإسراء: 104] أي: يلف الكافرون بالمؤمنين لعلهم ينجون من العذاب، فيخاطبون بقوله تعالى: {أية : وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} تفسير : [يس: 59] ولا ينفعهم التلفف، بل يقال لهم: {أية : فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الشورى: 7].
همام الصنعاني
تفسير : 1631- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ}: [الآية: 100]، قال: الفاقة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):