١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
101
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المقصود من هذا الكلام أيضاً الجواب عن قولهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بهذه المعجزات القاهرة فقال تعالى: إنا آتينا موسى معجزات مساوية لهذه الأشياء التي طلبتموها بل أقوى منها وأعظم فلو حصل في علمنا أن جعلها في زمانكم مصلحة لفعلناها كما فعلنا في حق موسى فدل هذا على إنا إنما لم نفعلها في زمانكم لعلمنا أنه لا مصلحة في فعلها. المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى ذكر في القرآن أشياء كثيرة من معجزات موسى عليه الصلاة والسلام. أحدها: أن الله تعالى أزال العقدة من لسانه قيل في التفسير ذهبت العجمة وصار فصيحاً. وثانيها: إنقلاب العصا حية. وثالثها: تلقف الحية حبالهم وعصيهم مع كثرتها. ورابعها: اليد البيضاء وخمسة أخر وهي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. والعاشر: شق البحر وهو قوله: { أية : وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ } تفسير : [البقرة: 50] والحادي عشر: الحجر وهو قوله: { أية : أَنِ أضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ } تفسير : [الأعراف: 160]. الثاني عشر: إظلال الجبل وهو قوله تعالى: { أية : وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ } تفسير : [الأعراف:171]. والثالث عشر: إنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه. والرابع عشر والخامس عشر: قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسّنِينَ وَنَقْصٍ مّن ٱلثَّمَرَاتِ } تفسير : [الأعراف: 130]. والسادس عشر: الطمس على أموالهم من النحل والدقيق والأطعمة والدراهم والدنانير، روى أن عمر بن عبد العزيز سأل محمد بن كعب عن قوله: {تِسْعَ ءايَـٰتٍ بَيّنَاتٍ } فذكر محمد بن كعب في مسألة التسع حل عقدة اللسان والطمس فقال عمر بن عبد العزيز هكذا يجب أن يكون الفقيه ثم قال: يا غلام اخرج ذلك الجراب فأخرجه فنفضه فإذا فيه بيض مكسور نصفين وجوز مكسور وفول وحمص وعدس كلها حجارة إذا عرفت هذا فنقول إنه تعالى ذكر في القرآن هذه المعجزات الستة عشر لموسى عليه الصلاة والسلام وقال في هذه الآية: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءايَـٰتٍ بَيّنَاتٍ } وتخصيص التسعة بالذكر لا يقدح فيه ثبوت الزائد عليه لأنا بينا في أصول الفقه أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد بل نقول إنما يتمسك في هذه المسألة بهذه الآية ثم نقول: أما هذه التسعة فقد اتفقوا على سبعة منها وهي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وبقي الاثنان ولكل واحد من المفسرين قول آخر فيهما ولما لم تكن تلك الأحوال مستندة إلى حجة ظنية فضلاً عن حجة يقينية لا جرم تركت تلك الروايات، وفي تفسير قوله تعالى: {تِسْعَ ءايَـٰتٍ بَيّنَاتٍ } أقوال أجودها ما روى صفوان بن عسال أنه قال: إن يهودياً قال لصاحبه إذهب بنا إلى هذا النبي نسأله عن تسع آيات فذهبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسألاه عنها فقال: هن أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا المحصنة ولا تولوا الفرار يوم الزحف وعليكم خاصة اليهود أن تعدوا في السبت فقام اليهوديان فقبلا يديه ورجليه وقالوا نشهد إنك نبي ولولا نخاف القتل وإلا اتبعناك. المسألة الثالثة: قوله: {فَٱسْأَلْ بَنِى إِسْرٰءيلَ إِذْ جَاءهُمْ } فيه مباحث: البحث الأول: فيه وجوه: الوجه الأول: أنه اعتراض دخل في الكلام والتقدير: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات إذ جاء بني إسرائيل فاسألهم وعلى هذا التقدير فليس المطلوب من سؤال بني إسرائيل أن يستفيد هذا العلم منهم بل المقصود أن يظهر لعامة اليهود وعلمائهم صدق ما ذكره الرسول فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد. والوجه الثاني: أن يكون قوله {فاسأل بني إسرائيل} أي سلهم عن فرعون. وقل له أرسل معي بني إسرائيل. والوجه الثالث: سل بني إسرائيل أي سلهم أن يوافقوك والتمس منهم الإيمان الصالح. وعلى هذا التأويل فالتقدير فقلنا له سلهم أن يعاضدوك وتكون قلوبهم وأيديهم معك. البحث الثاني: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يسأل بني إسرائيل معناه الذين كانوا موجودين في زمان النبي صلى الله عليه وسلم والذين جاءهم موسى عليه الصلاة والسلام هم الذين كانوا في زمانه إلا أن الذين كانوا في زمان محمد صلى الله عليه وسلم لما كانوا أولاد أولئك الذين كانوا في زمان موسى حسنت هذه الكناية. ثم أخبر تعالى أن فرعون قال لموسى: {إِنّى لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَّسْحُورًا } وفي لفظ المسحور وجوه. الأول: قال الفراء: إنه بمعنى الساحر كالمشؤوم والميمون وذكرنا هذا في قوله: { أية : حِجَابًا مَّسْتُورًا } تفسير : [الإسراء: 45] أنه مفعول من السحر أي أن الناس سحروك وخبلوك فتقول هذه الكلمات لهذا السبب. الثالث: قال محمد بن جرير الطبري معناه أعطيت علم السحر، فهذه العجائب التي تأتي بها من ذلك السحر ثم أجابه موسى عليه الصلاة والسلام بقوله: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } وفيه مباحث: البحث الأول: قرأ الكسائي {علمت} بضم التاء أي علمت أنها من علم الله فإن علمت وأقررت وإلا هلكت والباقون بالفتح وضم التاء قراءة علي وفتحها قراءة ابن عباس وكان علي رضي الله عنه يقول والله ما علم عدو الله ولكن موسى هو الذي علم فبلغ ذلك ابن عباس رضي الله عنهما فاحتج بقوله: { أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ } تفسير : [النمل: 14] على أن فرعون وقومه كانوا قد عرفوا صحة أمر موسى عليه السلام قال الزجاج الأجود في القراءة الفتح لأن علم فرعون بأنها آيات نازلة من عند الله أوكد في الحجة فاحتجاج موسى عليه الصلاة والسلام على فرعون بعلم فرعون أوكد من الاحتجاج بعلم نفسه. وأجاب الناصرون لقراءة علي عليه السلام عن دليل ابن عباس فقالوا قوله: {وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ } يدل على أنهم استيقنوا شيئاً ما فأما أنهم استيقنوا كون هذه الآيات نازلة من عند الله فليس في الآية ما يدل عليه، وأجابوا عن الوجه الثاني بأن فرعون قَال { أية : إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } تفسير : [الشعراء: 27] قال موسى: {لَقَدْ عَلِمْتَ } فكأنه نفي ذلك وقال لقد علمت صحة ما أتيت به علماً صحيحاً علم العقلاء. واعلم أن هذه الآيات من عند الله ولا تشك في ذلك بسبب سفاهتك. البحث الثاني: التقدير ما أنزل هؤلاء الآيات ونظيره قوله: والعيش بعد أولئك الأقوام. وقوله {بصائر} أي حججاً بينة كأنها بصائر العقول وتحقيق الكلام أن المعجزة فعل خارق للعادة فعله فاعله لغرض تصديق المدعى ومعجزات موسى عليه الصلاة والسلام كانت موصوفة بهذين الوصفين لأنها كانت أفعالاً خارقة للعادة وصرائح العقول تشهد بأن قلب العصا حية معجزة عظيمة لا يقدر عليها إلا الله ثم إن تلك الحية تلقفت حبال السحرة وعصيهم على كثرتها ثم عادت عصا كما كانت فأصناف تلك الأفعال لا يقدر عليها أحد إلا الله، وكذا القول في فرق البحر وإظلال الجبل فثبت أن تلك الأشياء ما أنزلها إلا رب السموات. الصفة الثانية: أنه تعالى إنما خلقها لتدل على صدق موسى في دعوة النبوة، وهذا هو المراد من قوله: {مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } حال كونها بصائر أي دالة على صدق موسى في دعواه وهذه الدقائق لا يمكن فهمها من القرآن إلا بعد إتقان علم الأصول وأقول يبعد أن يصير غير علم الأصول العقلي قاهراً في تفسير كلام الله ثم حكى تعالى أن موسى قال لفرعون: { أية : إِنّى لأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا } تفسير : [الإسراء: 103] واعلم أن فرعون قال لموسى: {وَإِنّى لأَظُنُّكَ يا مُوسَىٰ مَّسْحُورًا } فعارضه موسى وقال له: {وَإِنّى لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُورًا } قال الفراء: المثبور الملعون المحبوس عن الخير والعرب تقول ما ثبرك عن هذا أي ما منعك منه وما صرفك، وقال أبو زيد: يقال ثبرت فلاناً عن الشيء أثبره أي رددته عنه، وقال مجاهد وقتادة هالكاً، وقال الزجاج: يقال ثبر الرجل فهو مثبور إذا هلك، والثبور الهلاك، ومن معروف الكلام فلان يدعو بالويل والثبور عند مصيبة تناله، وقال تعالى: { أية : دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً * لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وٰحِداً وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً } تفسير : [الفرقان: 13، 14] واعلم أن فرعون لما وصف موسى بكونه مسحوراً أجابه موسى بأنك مثبور يعني هذه الآيات ظاهرة، وهذه المعجزات قاهرة ولا يرتاب العاقل في أنها من عند الله وفي أنه تعالى إنما أظهرها لأجل تصديقي وأنت تنكرها فلا يحملك على هذا الإنكار إلا الحسد والعناد والغي والجهل وحب الدنيا ومن كان كذلك كانت عاقبته الدمار والثبور. ثم قال تعالى: {فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مّنَ ٱلأَرْضِ } يعني أراد فرعون أن يخرجهم يعني موسى وقومه بني إسرائيل، ومعنى تفسير الاستفزاز تقدم في هذه السورة من الأرض يعني أرض مصر، قال الزجاج: لا يبعد أن يكون المراد من استفزازهم إخراجهم منهم بالقتل أو بالتنحية ثم قال: {فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا } المعنى ما ذكره الله تعالى في قوله: { أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيّىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ } تفسير : [فاطر: 43] أراد فرعون أن يخرج موسى من أرض مصر لتخلص له تلك البلاد والله تعالى أهلك فرعون وجعل ملك مصر خالصة لموسى ولقومه وقال: لبني إسرائيل اسكنوا الأرض خالصة لكم خالية من عدوكم قال تعالى: {فَإِذَا جَاء وَعْدُ ٱلأَخِرَةِ } يريد القيامة {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا } من ها هنا وها هنا، واللفيف الجمع العظيم من أخلاط شتى من الشريف والدنيء والمطيع والعاصي والقوي والضعيف. وكل شيء خلطته بشيء آخر فقد لففته، ومنه قيل لففت الجيوش إذا ضربت بعضها ببعض وقوله التفت الزحوف ومنه، { أية : التفت الساق بالساق } تفسير : [القيامة:29] والمعنى جئنا بكم من قبوركم إلى المحشر أخلاطاً يعني جميع الخلق المسلم والكافر والبر والفاجر.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} اختلف في هذه الآيات؛ فقيل: هي بمعنى آيات الكتاب؛ كما روى الترمذي والنسائي عن صفوان بن عسّال المراديّ حديث : أن يهوديين قال أحدهما لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبيّ نسأله؛ فقال: لا تقل له نبيّ فإنه إن سمعنا كان له أربعة أعين؛ فأتيا النبيّ صلى الله عليه وسلم فسألاه عن قول الله تعالى: «ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق ولا تسرقوا ولا تسحروا ولا تمشوا ببريء إلى سلطان فيقتله ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا محصنة ولا تفرّوا من الزحف ـ شك شعبة ـ وعليكم (يا معشر) اليهود خاصة ألا تعدوا في السبت» فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبيّ. قال: «فما يمنعكما أن تسلما» قالا: إن داود دعا الله ألا يزال في ذريته نبيّ وإنا نخاف إن أسلمنا أن تقتلنا اليهودتفسير : . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقد مضى في البقرة. وقيل: الآيات بمعنى المعجزات والدلالات. قال ابن عباس والضحاك: الآيات التسع: العصا واليد واللسان والبحر والطوفان والجراد والقُمّل والضفادع والدم؛ آيات مفصَّلات. وقال الحسن والشعبيّ: الخمس المذكورة في «الأعراف»؛ يعنيان الطوفان وما عطف عليه، واليد والعصا والسنين والنقص من الثمرات. وروي نحوه عن الحسن؛ إلا أنه يجعل السنين والنقص من الثمرات واحدة، وجعل التاسعة تلقّف العصا ما يأفكون. وعن مالك كذلك؛ إلا أنه جعل مكان السنين والنقص من الثمرات: البحر والجبل. وقال محمد بن كعب: هي الخمس التي في «الأعراف» والبحر والعصا والحجر والطمس على أموالهم. وقد تقدّم شرح هذه الآيات مستوفًى والحمد لله. {فَٱسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ} أي سلهم يا محمد إذ جاءهم موسى بهذه الآيات، حسبما تقدّم بيانه في يونس. وهذا سؤال استفهام ليعرف اليهود صحة ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم. {فقال له فِرْعَون إنّي لأظنّك يا مُوسى مَسْحُوراً} أي ساحراً بغرائب أفعالك؛ قاله الفراء وأبو عبيدة. فوضع المفعول موضع الفاعل؛ كما تقول: هذا مشؤوم وميمون، أي شائم ويامن. وقيل مخدوعاً. وقيل مغلوباً؛ قاله مقاتل. وقيل غير هذا؛ وقد تقدّم. وعن ابن عباس وأبي نهيك أنهما قرأا «فسأل بني إسرائيل» على الخبر؛ أي سأل موسى فرعون أن يخلي بني إسرائيل ويطلق سبيلهم ويرسلهم معه.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه بعث موسى بتسع آيات بينات، وهي الدلائل القاطعة على صحة نبوته وصدقه فيما أخبر به عمن أرسله إلى فرعون، وهي العصا واليد والسنين والبحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، آيات مفصلات، قاله ابن عباس. وقال محمد بن كعب: هي اليد والعصا، والخمس في الأعراف، والطمسة والحجر، وقال ابن عباس أيضاً ومجاهد وعكرمة والشعبي وقتادة: هي يده وعصاه والسنين ونقص الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وهذا القول ظاهر جلي حسن قوي، وجعل الحسن البصري السنين ونقص الثمرات واحدة، وعنده أن التاسعة هي تلقف العصا ما يأفكون، {أية : فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} تفسير : [الأعراف: 133] أي: ومع هذه الآيات ومشاهدتهم لها، كفروا بها وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً، وما نجعت فيهم، فكذلك لو أجبنا هؤلاء الذين سألوا منك ما سألوا، وقالوا: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً إلى آخرها، لما استجابوا ولا آمنوا إلا أن يشاء الله، كما قال فرعون لموسى، وقد شاهد منه ما شاهد من هذه الآيات: {إِنِّى لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُورًا} قيل: بمعنى ساحر، والله تعالى أعلم. فهذه الآيات التسع التي ذكرها هؤلاء الأئمة هي المراد ههنا، وهي المعنية في قوله تعالى: {أية : وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يٰمُوسَىٰ لاَ تَخَفْ} تفسير : إلى قوله {أية : فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} تفسير : [النمل: 10 ـ 12] فذكر هاتين الآيتين العصا واليد، وبين الآيات الباقيات في سورة الأعراف وفصلها. وقد أوتي موسى عليه السلام آيات أخر كثيرة، منها ضربة الحجر بالعصا، وخروج الماء منه، ومنها تظليلهم بالغمام، وإنزال المن والسلوى، وغير ذلك مما أوتيه بنو إسرائيل بعد مفارقتهم بلاد مصر، ولكن ذكر ههنا التسع الآيات التي شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر، فكانت حجة عليهم، فخالفوها وعاندوها كفراً وجحوداً. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يزيد حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن سلمة يحدث عن صفوان بن عسال المرادي رضي الله عنه قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي حتى نسأله عن هذه الآية: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} فقال: لا تقل له: نبي، فإنه لو سمعك، لصارت له أربع أعين، فسألاه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة - أو قال: لا تفروا من الزحف، شعبة الشاك - وأنتم يا يهود عليكم خاصة أن لا تعدوا في السبت» تفسير : فقبلا يديه ورجليه، وقالا: نشهد أنك نبي. قال: «حديث : فما يمنعكما أن تتبعاني؟» تفسير : قالا: لأن دواد عليه السلام دعا أن لا يزال من ذريته نبي، وإنا نخشى إن أسلمنا أن تقتلنا يهود. فهذا الحديث رواه هكذا الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير في تفسيره من طرق عن شعبة بن الحجاج به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وهو حديث مشكل، وعبد الله بن سلمة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات؛ فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون، والله أعلم، ولهذا قال موسى لفرعون: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ} أي: حججاً وأدلة على صدق ما جئتك به، {وَإِنِّى لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُورًا} أي: هالكاً، قاله مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: ملعوناً، وقال أيضاً هو والضحاك: {مَثْبُورًا} أي: مغلوباً، والهالك كما قال مجاهد يشمل هذا كله، قال الشاعر عبد الله بن الزبعرى:شعر : إِذْ أُجاري الشيطانَ في سنَنِ الغَـــ ــيِّ ومَنْ مالَ ميلَهُ مَثْبورُ تفسير : وقرأ بعضهم برفع التاء من قوله: علمت، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، ولكن قراءة الجمهور بفتح التاء على الخطاب لفرعون، كما قال تعالى: {أية : فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ ءَايَـٰتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ } تفسير : [النمل: 13 ـ 14] الآية، فهذا كله مما يدل على أن المراد بالتسع الآيات إنما هي ما تقدم ذكره من العصا واليد والسنين ونقص من الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، التي فيها حجج وبراهين على فرعون وقومه، وخوارق ودلائل على صدق موسى، ووجود الفاعل المختار الذي أرسله، وليس المراد منها كما ورد في الحديث، فإن هذه الوصايا ليس فيها حجج على فرعون وقومه، وأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على فرعون؟ وما جاءهم هذا الوهم إلا من قبل عبد الله بن سلمة، فإن له بعض ما ينكر، والله أعلم. ولعل ذينك اليهوديين إنما سألا عن العشر الكلمات، فاشتبه على الراوي بالتسع الآيات، فحصل وهم في ذلك، والله أعلم. وقوله: {فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلأَرْضِ} أي: يخليهم منها، ويزيلهم عنها، {فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا} {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِى إِسْرَٰءِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ} وفي هذا بشارة لمحمد صلى الله عليه وسلم بفتح مكة مع أن السورة مكية نزلت قبل الهجرة، وكذلك فإن أهل مكة هموا بإخراج الرسول منها، كما قال تعالى: {أية : وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} تفسير : [الإسراء:76-77]؛ ولهذا أورث الله رسوله مكة، فدخلها عنوة على أشهر القولين، وقهر أهلها، ثم أطلقهم حلماً وكرماً، كما أورث الله القوم الذين كانوا يستضعفون من بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها، وأورثهم بلاد فرعون وأموالهم وزروعهم وثمارهم وكنوزهم، كما قال: {أية : كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ} تفسير : [الشعراء: 59] وقال ههنا: {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِى إِسْرَٰءِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلأَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} أي: جميعكم، أنتم وعدوكم، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: لفيفاً، أي: جميعاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَٰتٍ بَيِّنَٰتٍ } وهي اليد والعصا والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم و الطمس ونقص الثمرات {فَسْئَلْ } يا محمد {بَنِى إِسْرَٰءِيلَ } عنه سؤال تقرير للمشركين على صدقك، أو فقلنا له: (اسأل) وفي قراءة بلفظ الماضي {إِذْ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّى لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَّسْحُورًا } مخدوعاً مغلوباً على عقلك.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءايَـٰتٍ } أي: علامات دالة على نبوّته، قيل: ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن المعجزات المذكورة كأنها مساوية لتلك الأمور التي اقترحها كفار قريش، بل أقوى منها، فليس عدم الاستجابة لما طلبوه من الآيات إلاّ لعدم المصلحة في استئصالهم إن لم يؤمنوا بها. قال أكثر المفسرين: الآيات التسع: هي الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، والسنين، ونقص الثمرات. وجعل الحسن مكان السنين ونقص الثمرات البحر والجبل. وقال محمد بن كعب القرظي: هي الخمس التي في الأعراف، والبحر، والعصا، والحجر، والطمس على أموالهم. وقد تقدم الكلام على هذه الآيات مستوفى، وسيأتي حديث صفوان بن عسال في تعداد هذه الآيات التسع. {فَٱسْأَلْ بَنِى إِسْرٰءيلَ } قرأ ابن عباس وابن نهيك (فسأل) على الخبر، أي: سأل موسى فرعون أن يخلي بني إسرائيل ويطلق سبيلهم ويرسلهم معه، وقرأ الآخرون {فاسأل} على الأمر أي: سلهم يا محمد حين {جَاءهُمُ } موسى، والسؤال سؤال استشهاد لمزيد الطمأنينية والإيقان، لأن الأدلة إذا تظافرت كان ذلك أقوى، والمسئولون: مؤمنو بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وأصحابه {فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنّى لأظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَّسْحُورًا } الفاء هي الفصيحة، أي: فأظهر موسى عند فرعون ما آتيناه من الآيات البينات وبلغه ما أرسل به فقال له فرعون. المسحور: الذي سحر فخولط عقله. وقال أبو عبيدة والفراء: هو بمعنى الساحر، فوضع المفعول موضع الفاعل، فـ {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء } يعني: الآيات التي أظهرها، وأنزل بمعنى: أوجد {إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضِ بَصَائِرَ } أي: دلالات يستدل بها على قدرته ووحدانيته، وانتصاب {بصائر} على الحال. قرأ الكسائي بضمّ التاء من "علمت" على أنها لموسى، وروي ذلك عن عليّ، وقرأ الباقون بفتحها على الخطاب لفرعون. ووجه القراءة الأولى أن فرعون لم يعلم ذلك، وإنما علمه موسى. ووجه قراءة الجمهور أن فرعون كان عالماً بذلك كما قال تعالى: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً }تفسير : [النمل: 14]. قال أبو عبيد: المأخوذ به عندنا فتح التاء، وهو الأصح للمعنى، لأن موسى لا يقول: علمت أنا وهو الداعي، وروي نحو هذا عن الزجاج. {وَإِنّى لاظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُورًا } الظنّ هنا بمعنى اليقين، والثبور: الهلاك والخسران. قال الكميت:شعر : ورأت قضاعة في الأيا من رأى مثبور وثابر تفسير : أي: مخسور وخاسر، وقيل: المثبور: الملعون، ومنه قول الشاعر:شعر : يا قومنا لا تروموا حربنا سفها إن السفاه وإن البغي مثبور تفسير : أي: ملعون، وقيل: المثبور: ناقص العقل، وقيل: هو الممنوع من الخير، يقال: ما ثبرك عن كذا: ما منعك منه، حكاه أهل اللغة، وقيل: المسحور. {فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مّنَ ٱلاْرْضِ } أي أراد فرعون أن يخرج بني إسرائيل وموسى ويزعجهم من الأرض، يعني: أرض مصر بإبعادهم عنها، وقيل: أراد أن يقتلهم، وعلى هذا يراد بالأرض مطلق الأرض، وقد تقدم قريباً معنى الاستفزاز {فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا } فوقع عليه وعليهم الهلاك بالغرق، ولم يبق منهم أحداً {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأرْضَ } أي: من بعد إغراقه ومن معه، والمراد بالأرض هنا: أرض مصر التي أراد أن يستفزّهم منها {فَإِذَا جَاء وَعْدُ ٱلآخِرَةِ } أي الدار الآخرة وهو القيامة، أو الكرّة الآخرة، أو الساعة الآخرة {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا } قال الجوهري: اللفيف: ما اجتمع من الناس من قبائل شتى، يقال: جاء القوم بلفهم ولفيفهم أي: بأخلاطهم، فالمراد هنا جئنا بكم من قبوركم مختلطين من كل موضع، قد اختلط المؤمن بالكافر. قال الأصمعي: اللفيف جمع وليس له واحد، وهو مثل الجمع. {وَبِٱلْحَقّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقّ نَزَلَ } الضمير يرجع إلى القرآن، ومعنى {بِٱلْحَقّ أَنزَلْنَـٰهُ }: أوحيناه متلبساً بالحق، ومعنى {وَبِٱلْحَقّ نَزَلَ }: أنه نزل وفيه الحق، وقيل: الباقي، وبالحق الأول بمعنى: مع، أي: مع الحق أنزلناه كقولهم: ركب الأمير بسيفه أي: مع سيفه، و{بالحق نزل} أي: بمحمد كما تقول: نزلت يزيد. وقال أبو علي الفارسي: الباء في الموضعين بمعنى: مع، وقيل: يجوز أن يكون المعنى: وبالحق قدرنا أن ينزل وكذلك نزل، أو: ما أنزلناه من السماء إلاّ محفوظاً، وما نزل على الرسول إلاّ محفوظاً من تخليط الشياطين، والتقديم في الموضعين للتخصص. {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشّرًا وَنَذِيرًا } أي: مبشراً لمن أطاع بالجنة ونذيراً مخوّفاً لمن عصى بالنار. {وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ } انتصاب {قرآناً} بفعل مضمر يفسره ما بعده، قرأ عليّ، وابن عباس، وابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وقتادة، وأبو رجاء، والشعبي (فرقناه) بالتشديد، أي: أنزلناه شيئاً بعد شيء لا جملة واحدة. وقرأ الجمهور {فرقناه} بالتخفيف، أي: بيناه وأوضحناه، وفرقنا فيه بين الحق والباطل. وقال الزجاج: فرقه في التنزيل ليفهمه الناس. قال أبو عبيد: التخفيف أعجب إليّ، لأن تفسيره بيناه، وليس للتشديد معنى إلاّ أنه نزل متفرقاً. ويؤيده ما رواه ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: فرقت مخففاً بين الكلام، وفرقت مشدداً بين الأجسام، ثم ذكر سبحانه العلة لقوله: فَرَقْنَاهُ، فقال: {لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ } أي: على تطاول في المدّة شيئاً بعد شيء على القراءة الأولى، أو أنزلناه آية آية، وسورة سورة. ومعناه على القراءة الثانية {على مكث} أي: على ترسل وتمهل في التلاوة، فإن ذلك أقرب إلى الفهم وأسهل للحفظ. وقد اتفق القراء على ضم الميم في: {مكث} إلاّ ابن محيصن فإنه قرأ بفتح الميم {وَنَزَّلْنَـٰهُ تَنْزِيلاً } التأكيد بالمصدر للمبالغة، والمعنى: أنزلناه منجماً مفرّقاً لما في ذلك من المصلحة، ولو أخذوا بجميع الفرائض في وقت واحد لنفروا ولم يطيقوا. {قُلْ ءامِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ } أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للكافرين المقترحين للآيات: آمنوا به أو لا تؤمنوا، فسواء إيمانكم به وامتناعكم عنه لا يزيده ذلك ولا ينقصه. وفي هذا وعيد شديد لأمره بالإعراض عنهم واحتقارهم، ثم علّل ذلك بقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ } أي: أن العلماء الذين قرؤوا الكتب السابقة قبل إنزال القرآن وعرفوا حقيقة الوحي وأمارات النبوّة كزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وعبد الله بن سلام {إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ } أي: القرآن {يَخِرُّونَ لِلاْذْقَانِ سُجَّدًا } أي: يسقطون على وجوههم ساجدين لله سبحانه، وإنما قيد الخرور، وهو السقوط، بكونه للأذقان، أي: عليها، لأن الذقن، وهو مجتمع اللحيين أوّل ما يحاذي الأرض. قال الزجاج: لأن الذقن مجتمع اللحيين، وكما يبتدىء الإنسان بالخرور للسجود، فأوّل ما يحاذي الأرض به من وجهه الذقن، وقيل: المراد تعفير اللحية في التراب، فإن ذلك غاية الخضوع، وإيثار اللام في الأذقان على "على" للدلالة على الاختصاص، فكأنهم خصوا أذقانهم بالخرور، أو خصوا الخرور بأذقانهم، وقيل: الضمير في قوله {مِن قَبْلِهِ } راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والأولى ما ذكرناه من رجوعه إلى القرآن لدلالة السياق على ذلك، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وحاصلها: أنه إن لم يؤمن به هؤلاء الجهال الذين لا علم عندهم ولا معرفة بكتب الله ولا بأنبيائه، فلا تبال بذلك، فقد آمن به أهل العلم وخشعوا له وخضعوا عند تلاوته عليهم خضوعاً ظهر أثره البالغ بكونهم يخرّون على أذقانهم سجداً لله. {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبّنَا } أي: يقولون في سجودهم تنزيهاً لربنا عما يقوله الجاهلون من التكذيب، أو تنزيهاً له عن خلف وعده {إِن كَانَ وَعْدُ رَبّنَا لَمَفْعُولاً } "إن" هذه هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة. ثم ذكر أنهم خروا لأذقانهم باكين فقال: {وَيَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ } وكرّر ذكر الخرور للأذقان، لاختلاف السيب، فإن الأول لتعظيم الله سبحانه وتنزيهه، والثاني: للبكاء بتأثير مواعظ القرآن في قلوبهم ومزيد خشوعهم، ولهذا قال: {وَيَزِيدُهُمْ } أي: سماع القرآن، أو القرآن بسماعهم له {خُشُوعًا } أي: لين قلب ورطوبة عين. وقد أخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {تِسْع ءايَـٰتٍ } فذكر ما ذكرناه عن أكثر المفسرين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال: يده، وعصاه ولسانه، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. وأخرج الطيالسي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن قانع، والحاكم وصححه، وأبو نعيم، والبيهقي، وابن مردويه عن صفوان بن عسال: أن يهوديين قال أحدهما لصاحبه: انطلق بنا إلى هذا النبيّ نسأله، فأتياه فسألاه عن قول الله {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءايَـٰتٍ بَيّنَاتٍ } فقال: حديث : لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا، ولا تسرفوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلاّ بالحق، ولا تسرقوا، ولا تسحروا، ولا تمشوا ببرىء إلى سلطان فيقتله، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة - أو قال: لا تفروا من الزحف - شكّ شعبة - وعليكم يا يهود خاصة أن لا تعتدوا في السبتتفسير : ، فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبيّ الله، قال: فما يمنعكما أن تسلما؟ قالا: إن داود دعا الله أن يزال في ذريته نبيّ، وإنا نخاف إن أسلمنا أن يقتلنا اليهود. وأخرج ابن أبي الدينا في ذمّ الغضب عن أنس بن مالك أنه سئل عن قوله: {وَإِنّى لأظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُورًا} قال: مخالفاً، وقال: الأنبياء أكرم من أن تلعن أو تسبّ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس «مثبوراً» قال: ملعوناً. وأخرج الشيرازي في الألقاب، وابن مردويه عنه قال: قليل العقل. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً {لفيفاً} قال: جميعاً. وأخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس أنه قرأ: (وقرآناً فرقناه) مثقلاً قال: نزل القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر من رمضان جملة واحدة، فكان المشركون إذا أحدثوا شيئاً أحدث لهم جواباً، ففرقه الله في عشرين سنة. وقد روي نحو هذا عنه من طرق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً {فَرَقْنَاهُ } قال: فصلناه على مكث بأمد {يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ } يقول: للوجوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد {إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ } قال: كتابهم.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى {ولقد آتينا موسى تسْع آيات بيناتٍ} فيها أربعة أقاويل: أحدها: أنها يده وعصاه ولسانه والبحر والطوفان والجراد والقُمّل والضفادع والدم آيات مفصلات، قاله ابن عباس. الثاني: أنها نحو من ذلك إلا آيتين منهن إحداهما الطمس، والأخرى الحجر، قاله محمد بن كعب القرظي. الثالث: أنها نحو من ذلك، وزيادة السنين ونقص من الثمرات، وهو قول الحسن. الرابع: ما روى صفوان بن عسال عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قوماً من اليهود سألوه عنها فقال: "حديث : لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببرىء الى السلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفرُّوا من الزحف، وأنتم يا يهود خاصة لا تعدُوا في السبت" تفسير : فقبلوا يده ورجله. {فاسأل بني إسرائيل..} وفي أمره بسؤالهم وإن كان خبر الله أصدق من خبرهم ثلاثة أوجه: أحدها: ليكون ألزم لهم وأبلغ في الحجة عليهم. الثاني: فانظر ما في القرآن من أخبار بني إسرائيل فه سؤالهم، قاله الحسن. الثالث: إنه خطاب لموسى عليه أن يسأل فرعون في إطلاق بني إسرائيل قاله ابن عباس. وفي قوله {إني لأظنك يا موسى مسحوراً} أربعة أوجه: أحدها: قد سُحرت لما تحمل نفسك عليه من هذا القول والفعل المستعظمين. الثاني: يعني ساحراً لغرائب أفعالك. الثالث: مخدوعاً. الرابع: مغلوباً: قاله مقاتل. {...وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً} فيه خمسة أوجه: أحدها: مغلوباً، قاله الكلبي ومقاتل. وقال الكميت: شعر : وَرَأَت قُضَاعَةُ في الأَيَا مِنِ رَأْيَ مَثْبُورٍ وَثَابِر تفسير : الثاني: هالك، وهو قول قتادة. الثالث: مبتلى، قاله عطية. الرابع: مصروفاً عن الحق، قاله الفراء. الخامس: ملعوناً، قاله أبان بن تغلب وأنشد: تفسير : يا قَوْمَنَا لاَ تَرُومُوا حَرْبَنَا سَفَهاً إِنّ السَّفَاهَ وإِنَّ البَغْيَ مَثْبُورُ تفسير : قوله عز وجل: {فأراد أن يستفزهم من الأرض} وفيه وجهان: أحدهما: يزعجهم منها بالنفي عنها، قاله الكلبي. الثاني: يهلكهم فيها بالقتل. ويعني بالأرض مصر وفلسطين والأردن. قوله عز وجل: {... فإذا جاءَ وعد الآخرة} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: وعد الإقامة وهي الكرة الآخرة، قاله مقاتل. الثاني: وعد الكرة الآخرة في تحويلهم إلى أرض الشام. الثالث: نزول عيسى عليه السلام من السماء، قاله قتادة. {جئنا بكم لفيفاً} فيه تأويلان: أحدهما: مختلطين لا تتعارفون، قاله رزين. الثاني: جئنا بكم جميعاًً من جهات شتى، قاله ابن عباس وقتادة. مأخوذ من لفيف الناس.
ابن عبد السلام
تفسير : {تِسْعَ ءَايَاتِ} يده وعصاه ولسانه والبحر الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم "ع"، أو نحو من ذلك إلا آيتين [بدل] منها الطمسة والحجر، أو نحو من ذلك وزيادة السنين [ونقص من] الثمرات أو سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عنها قوم من اليهود فقال: "حديث : لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقلته ولا تقذفوا محصنة، ولا تفروا من الزحف، وأنتم يا يهود عليكم خاصة لا تعدوا في السبت فقبلوا يده ورجله " تفسير : {مَسْحُوراً} سحرت لما تحمل عليه نفسك من هذا القول والفعل المستعظمين، أو ساحراً لغرائب أفعالك، أو مخدوعاً، أو مغلوباً.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَـٰتٍ بَيِّنَاتٍ...} الآية: اتفق المتأوِّلون والرواةُ؛ أن الآياتِ الخَمْسَ التي في «سورة الأعراف» هي من هذه التسْعِ، وهي: الطُّوفانُ والجَرَادُ والقُمَّل والضَّفادع والَّدمُ، واختلفوا في الأربَعِ. * ت *: وفي هذا الاتفاق نظَرٌ، وَرَوَى في هذا صفوانُ بنُ عَسَّال؛ « حديث : أن يهوديًّا من يهودِ المدينةِ، قال لآخَرَ: سِرْ بِنَا إِلى هذا النبيِّ نسأله عن آياتِ موسى، فقال له الآخَرُ: لاتَقُلْ له إنَّه نَبيٌّ، فإِنه لَوْ سَمِعَها، صَارَ له أربعة أعيُنٍ، قال: فَسَارَا إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فسألاه، فقال: « هي لا تُشْرِكُوا باللَّه شيئاً، ولا تسرِقُوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إِلا بالحق، ولا تمشوا ببريءٍ إلى السلطان ليقتله، ولا تَسْحَرُوا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا المُحْصَنَات، ولا تَفِرُّوا يَوْمَ الزَّحْف، وعليْكُمْ - خاصَّةَ معْشَرِ اليهودِ ألاَّ تَعْدُوا في السبت » » تفسير : . انتهى، وقد ذكر * ع * هذا الحديث. وقوله سبحانه: {فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَٰءِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ }، أي: إِذ جاءهم موسى واختلف في قوله: {مَسْحُورًا } فقالتْ فرقة: هو مفعولٌ على بابه، وقال الطبري: هو بمعنى ساحرٍ، كما قال { أية : حِجَابًا مَّسْتُورًا } تفسير : [الاسراء:45] وقرأ الجمهور: «لَقَدْ عِلمْتَ»، وقرأ الكسائيُّ: «لَقَدْ عَلِمْتُ» بتاء المتكلِّم مضمومةً، وهي قراءة علي بن أبي طالب وغيره، وقال: ما علم عَدُوُّ اللَّه قطُّ، وإِنما علم موسى والإِشارة بـــ {هَـؤُلاءِ} إِلى التسع. وقوله: {بَصَائِرَ}: جمعُ بصيرةٍ، وهي الطريقةُ، أي طرائِقَ يُهْتَدَى بها، و«المثبور» المُهْلَكُ؛ قاله مجاهد، {فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلأَرْضِ }، أي: يستخفهم ويقتلهم، والأرض هنا أرْضُ مِصْر، ومتى ذكرت الأرض عموماً، فإِنما يراد بها ما يناسب القصَّة المتكلَّم فيها، واقتضبَتْ هذه الآيةُ قصص بني إِسرائيل مع فرعون، وإِنما ذكرت عِظَمَ الأمر وخطيره، وذلك طرفاه؛ أراد فرعون غلبتهم وقتلهم، وهذا كان بَدْءَ الأمر؛ فأغرقه اللَّه وجُنُودَهُ، وهذا كان نهايةَ الأمر، ثم ذكر سبحانه أمْرَ بني إسرائيل بعد إِغراق فرَعوْنَ بسُكْنَى أرض الشامِ و{وَعْدُ ٱلآخِرَةِ } هو يوم القيامة، «واللفيفُ» الجَمْعُ المختلطُ الذي قد لُفَّ بعضُه إِلى بعض.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ} الآيات. اعلم أنَّ المقصود من هذا الكلام هو الجواب عن قولهم: لن نؤمن لك؛ حتى تأتينا بهذه المعجزات الباهرة؛ فقال تعالى: ولقد آتينا موسى معجزات مساويات لهذه الأشياء التي طلبتموها، بل أقوى، وأعظم، فلو حصل في علمنا أنَّ جعلها في زمانكم مصلحة، لفعلناها، كما فعلناها في حق موسى؛ فدلَّ هذا على أنَّا إنَّما [لم] نفعلها في زمانكم؛ لعلمنا بأنها لا مصلحة في فعلها. واعلم: أنَّ الله تعالى ذكر في القرآن أشياء كثيرة من معجزاتِ موسى - عليه السلام -. واعلم: أنه [أزال] القعدة في لسانه. قال المفسرون: أذهب الأعجمية منه، وبقي فصيحاً. ومنها: انقلاب العصا حيَّة. ومنها: تلقُّف الحية حبالهم وعصيَّهم، مع كثرتها. ومنها: اليد البيضاء من غير سوء. ومنها: الطُّوفان والجراد، والقمَّل، والضَّفادع، والدَّم. ومنها: شقُّ البحر. ومنها: ضربه الحجر بالعصا، فانفجر. ومنها: إظلال الجبل. ومنها: إنزال المنِّ والسلوى عليه وعلى قومه. ومنها: قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ} تفسير : [الأعراف: 130] لأهل القرى؛ فهذه آيتان. ومنها: الطَّمس على أموالهم، فجعلها حجارة من النَّخيلِ، والدَّقيق، والأطعمة، والدَّراهم والدَّنانير. روي أن عمر بن عبد العزيز سأل محمد بن كعب، عن قوله: {تِسْعَ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ}، فذكر محمد بن كعب في جملة التسعة؛ حلَّ عقدة اللِّسان، والطَّمس، فقال عمر بن العزيز: هكذا يجبُ أن يكون الفقيهُ، ثم قال: يا غلامُ، أخرج ذلك الجراب، فأخرجه، فإذا فيه بيضٌ مكسورٌ؛ نصفين، وجوز مكسور، وفول، وحمص، وعدس، كلها حجارة. وإذا كان كذلك، فإنه تعالى ذكر في القرآن أنَّ هذه المعجزات لموسى صلى الله عليه وسلم وقال في هذه الآية: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ} وتخصيص التسعة بالذِّكر لا يقدح فيه ثبوت الزائد عليه؛ لأنَّه ثبت في أصول الفقه أنَّ تخصيص العدد بالذكر لا يدلُّ على نفي الزائد؛ وهذه الآية دليل على هذه المسألة. واعلم: أن هذه التسعة قد اتَّفقوا على سبعة منها؛ وهي: العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وبقي اثنتان اختلفت أقوال المفسرين فيهما، ولمَّا لم تكن تلك الأقوال مستندة إلى حجَّة ظنيَّة؛ فضلاً عن حجة يقينيَّة، لا جرم تركت تلك الروايات. فصل في أجود ما قيل في تفسير التسع آيات في تفسير قوله: {تِسْعَ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ} قول هو أجود ما قيل، وهو ما روي عن صفوان بن عسَّالٍ المراديِّ: أن يهوديًّا قال لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي نسأله عن تسع الآيات، فقال الآخر: لا تقل: نبي؛ فإنه لو سمع، لصارت له أربعة أعين فأتياه، فسألاه عن هذه الآية {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ}. فقال: هِيَ ألاَّ تشركوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النَّفس التي حرَّم الله إلاَّ بالحقِّ، ولا تَزنُوا، ولا تَأكلُوا الرِّبا، ولا تَسْحرُوا، ولا تمشُوا بالبريءِ للسلطان؛ ليقتله، ولا تسرقوا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تَفرُّوا من الزَّحف، وعليكم - خاصة اليهود - ألاَّ تعدوا في السَّبت، فقام اليهوديَّان يقبِّلان يده، ويقولون: نشهدُ أنَّك نبيٌّ، قال: فما يمنعكم أن تتبعوني؟ قال اليهودي: إنَّ داود دعا ربَّهُ ألاَّ يزال في ذُريَّته نبيٌّ، وإنَّا نخافُ إن اتَّبعنَاكَ أن تقْتُلنَا يهُودُ. قوله تعالى: {تِسْعَ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ}: [يجوز في "بَيِّنات"] النصب صفة للعدد، والجر صفة للمعدود. قوله: "إذْ جَاءهُمْ" فيه أوجهٌ: أحدها: أن يكون معمولاً لـ "آتيْنا" ويكون قوله "فاسْألْ بَنِي إسْرائيلَ" اعتراضاً، وتقديره: ولقد آتينا موسى تسع آياتٍ بيِّناتٍ؛ إذ جاء بني إسرائيل، فسألهم، وعلى هذا التقدير: فليس المطلوبُ من سؤال بني إسرائيل أن يستفيد هذا العلم منهم، بل المقصود أن يظهر لعامة اليهود بقول علمائهم صدق ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد. والثاني: أنه منصوب بإضمار اذكر. والثالث: أنه منصوبٌ بـ "يُخْبرُونكَ" مقدراً. الرابع: أنه منصوب بقولٍ مضمرٍ؛ إذ التقدير: فقلنا له: سل بني إسرائيل حين جاءهم، ذكر هذه الأوجه الزمخشري مرتبة على مقدمة ذكرها قبلُ [قال:] فاسْأَلْ بنِي إسْرائِيلَ، أي: فقلنا له: اسأل بني إسرائيل، أي: اسْألهُم عن فرعون، وقل له: أرسل معي بني إسرائيل، أو اسألهم عن إيمانهم، وحال دينهم، أو اسألهم أن يعاضدوك. ويدل عليه قراءة رسول الله "فَسَألَ" على لفظ الماضي، بغير همزٍ، وهي لغة قريشٍ. وقيل: فَسلْ، يا رسول الله، المُؤمنَ من بني إسرائيل؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه عن الآيات؛ ليزدادوا يقيناً وطمأنينة؛ كقوله: {أية : وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}تفسير : [البقرة: 260] [ثم قال:] فإن قيل بم تعلق "إذْ جَاءهُمْ"؟ فالجواب: أمَّا على الوجه الأول: فبالقول المحذوف، [أي]: فقلنا له، سلهم حين جاءهم، أو بـ "سَالَ" في القراءة الثانية، وأمَّا على الآخر فبـ "آتَيْنَا" أو بإضمار "اذكر" أو بـ "يُخْبرونَكَ" ومعنى "إذْ جَاءهُمْ" "إذ جاء آباءهم"، انتهى. قال أبو حيان: "ولا يتأتَّى تعلقه بـ "اذْكُر" ولا بـ "يُخْبرُونَكَ"؛ لأنه ظرف ماضٍ". قال شهاب الدين: إذا جعله معمولاً لـ "اذْكُر"، أو لـ "يُخْبرُونكَ" لم يجعله ظرفاً، بل مفعولاً به، كما تقرَّر مراراً. الوجه الخامس: أنه مفعول به، والعامل فيه "فَسلْ". قال أبو البقاء: "فيه وجهان: أحدهما: هو مفعول به بـ "اسْألْ" على المعنى إذ التقدير: اذكر لبني إسرائيل؛ إذ جاءهم، وقيل: التقدير: اذكر إذا جاءهم وهي غير "اذكُر" الذي قدَّرت به "اسْأل""، يعني: أن "اذكر" المقدرة غير "اذكُر" التي فسَّرت "اسألْ" بها؛ وهذا يؤيِّد ما تقدَّم من أنهم، إذا قدروا "اذكُر" جعلوا "إدْ" مفعولاً به، لا ظرفاً. إلا أنَّ أبا البقاء ذكر [حال] كونه ظرفاً، ما يقتضي أن يعمل فيه فعلٌ مستقبل، فقال: "والثاني: أن يكون ظرفاً، وفي العامل وجوه: أحدها: "آتَيْنا". والثاني: "قلنا" مضمرة. والثالث: ["قُل"]، تقديره: قل لخصمك: سل؛ والمراد به فرعون، أي: قل، يا موسى، وكان الوجه أن يقال: إذ جئتهم بالفتح، فخرج من الخطاب، إلى الغيبة". فظاهر الوجه الثالث: أن العامل فيه "قُلْ" وهو ظرف ماض، على أنَّ هذا المعنى الذي نحا إليه ليس بشيء؛ إذ يرجع إلى: يا موسى، قل لفرعون: يا فرعون سل بني إسرائيل، فيعود فرعون هو السائل لبني إسرائيل، وليس المراد ذلك قطعاً، وعلى التقدير الذي تقدم عن الزمخشري - وهو أن المعنى: يا موسى، سل بني إسرائيل، [أي: اطلبهم من فرعون - يكون المفعول الأول للسؤال محذوفاً، والثاني هو "بني إسْرائيلَ"]، والتقدير: سَلْ فرعون بني إسرائيل، وعلى هذا: فيجوز أن تكون المسألة من التنازع، وأعمل الثاني؛ إذ التقدير: سل فرعون، فقال فرعون، فأعمل الثاني، فرفع به الفاعل، وحذف المفعول من الأول، وهو المختار من المذهبين. والظاهر غير ذلك كلِّه، وأن المأمور بالسؤال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنو إسرائيل كانوا معاصريه. والضمير [في] "إذْ جَاءهُمْ": إمَّا للآباء، وإمَّا لهم على حذف مضافٍ، أي: جاء آباءهم. فصل في معنى "واسأل بني إسرائيل" المعنى: فسَلْ، يا محمد، بني إسرائيل؛ إذ جاءهم موسى، يجوز أن يكون الخطاب معه، والمراد غيره، ويجوز أن يكون خاطبه - عليه الصلاة والسلام - وأمره بالسؤال؛ ليتبيَّن كذبهم مع قومهم، فقال له فرعون: {إِنِّي لأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً}. وقوله "مَسْحُوراً": وفيه وجهان: أظهرهما: أنه بمعناه الأصلي، أي: إنك سحرت، فمن ثمَّ؛ اختل كلامك، قال ذلك حين جاءه بما لا تهوى نفسه الخبيثة، قاله الكلبي. وقال ابن عباس: مخدوعاً، وقال: مصروفاً عن الحقِّ. والثاني: أنه بمعنى "فاعل" كميمون ومَشْئُوم، أي: أنت ساحرٌ؛ كقوله: {أية : حِجَاباً مَّسْتُوراً} تفسير : [الإسراء: 45]. فوضع المفعول موضع الفاعل، قاله الفراء، وأبو عبيدة، وقال ابن جرير: يعطى علم السِّحر؛ فلذلك تأتي بالأعاجيب، يشير لانقلابِ عصاه حيَّة ونحو ذلك. قوله: {لَقَدْ عَلِمْتَ}: قرأ الكسائي بضمِّ التاء أسند الفعل لضمير موسى - عليه السلام - أي: إنِّي متحققٌ أن ما جئتُ به هو منزَّلٌ من عند الله تعالى، والباقون بالفتح على إسناده لضمير فرعون، أي: أنت متحقِّقٌ أنَّ ما جئت به هو منزَّل من عند الله، وإنَّما كفرك عنادٌ، وعن عليّ - رضي الله عنه - أنه أنكر الفتح، وقال: "ما عَلِمَ عدُو الله قطُّ، وإنَّما علمَ مُوسَى"، [ولَو عَلِمَ، لآمنَ؛] فبلغ ذلك ابن عباس، فاحتجَّ بقوله تعالى: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ} تفسير : [النمل: 14] على أنَّ فرعون وقومه علموا بصحَّة أمر موسى. فصل في الخلاف في أجود القراءتين قال الزجاج: الأجودُ في القراءة الفتحُ؛ لأنَّ علم فرعون بأنَّها آياتٌ نازلةٌ من عند الله أوكد في الاحتجاج، واحتجاج موسى على فرعون بعلم فرعون أوكد من الاحتجاج عليه بعلم نفسه. وأجاب من نصر قراءة عليٍّ عن دليل ابن عباس، فقال قوله: {وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ} يدلُّ على أنهم استيقنوا أشياء، فأمَّا أنهم استيقنوا كون هذه الأشياء نازلة من عند الله، فليس في الآية ما يدل عليه؛ ويدلُّ بأنَّ فرعون قال: {أية : إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} تفسير : [الشعراء: 27]. قال موسى: "لقَدْ عَلْمتَ". والمعنى: "اعلم أنِّي لستُ بمجنونٍ"، ولم يثبت عن عليٍّ رفعُ التاء؛ لأنه يروى عن رجلٍ من مرادٍ عن عليٍّ، وذلك الرجل مجهول. واعلم: أن هذه الآيات من عند الله، ولا تشكَّ في ذلك بسبب سفاهتك والجملة المنفيَّة في محلِّ نصبٍ؛ لأنها معلقة للعلم قبلها وتقدير الآية: ما أنزل هؤلاء "الآيات"؛ ونظيره قوله: [الكامل] شعر : 3476-................ والعَيْشَ بَعْدَ أولئك الأيَّام تفسير : أي: للأمام. قوله: "بَصائِرَ" حالٌ، وفي عاملها قولان: أحدهما: أنه "أنْزلَ" هذا الملفوظ به، وصاحبُ الحال "هؤلاءِ" وإليه ذهب الحوفي، و ابن عطيَّة، وأبو البقاء، وهؤلاء يجيزون أن يعمل ما قبل "إلاَّ" فيما بعدها، وإن لم يكن مستثنى، ولا مستثنى منه، ولا تابعاً له. والثاني: - وهو مذهب الجمهور -: أنَّ ما بعد "إلاَّ" لا يكون معمولاً لما قبله، فيقدر لها عامل، تقديره: أنزلها بصائر، وقد تقدَّم نظير هذه في "هود" عند قوله {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ} تفسير : [هود: 27]. ومعنى "بَصائِرَ" أي: حججاً بيِّنة؛ كأنها بصائر العقول، والمراد: الآيات التِّسع، ثم قال موسى: {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً}. قوله: "مَثبُوراً" مفعول ثانٍ، واعترض بين المفعولين بالنِّداء، و المَثبُورُ: المهلك؛ يقال: ثبرهُ الله، أي: أهلكه، قال ابن الزبعرى: [الخفيف] شعر : 3477- إذْ أجَارِي الشَّيطَانَ في سَننِ الغَيْـ ــيِ ومَنْ مَالَ مَيلهُ مَثْبُور تفسير : والثُّبورُ: الهلاكُ؛ قال تعالى: {أية : لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً}تفسير : [الفرقان: 14]. وقال ابن عباس: مَثْبُوراً، أي: ملعوناً، وقال الفراء: مصروفاً ممنوعاً عن الخير، والعرب تقول: ما ثبرك عن هذا؟ أي: ما منعك عن هذا، وما صرفك عنه؟. قال أبو زيدٍ: يقال ثبرت فلاناً عن الشيء، أثبرهُ، أي رددتُّه عنه. فصل في جواب موسى لفرعون بكونه مثبوراً واعلم أنَّ فرعون لمَّا وصف موسى - عليه السلام - بكونه مسحوراً، أجابه موسى بأنَّك مثبورٌ، أي: أنَّ هذه الآيات ظاهراتٌ، ومعجزاتٌ ظاهرةٌ؛ لا يرتاب العاقل في أنَّها من عند الله؛ وأنه أظهرها لأجل تصديقي، وأنت تنكرها حسداً، وعناداً، ومن كان كذلك، كان عاقبته الدَّمار والهلاك. ثم قال تعالى: {فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلأَرْضِ}. أي: أراد فرعون أن يخرج موسى - عليه السلام - وبني إسرائيل من الأرض أي: أرض مصر. قال الزجاج: لا يبعد أن يكون المراد من استفزازهم إخراجهم منها بالقتل، أو بالتنحية، وتقدَّم الكلام على الاستفزاز، ثم قال: {فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً}. وهو معنى ما ذكره الله في قوله: {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} تفسير : [فاطر: 43]، أي: إنَّ فرعون أراد إخراج موسى من أرض مصر؛ لتخلص له تلك البلاد، فأهلك الله فرعون، وجعل تلك الأرض خالصة لموسى ولقومه، وقال من بعد هلاك فرعون لبني إسرائيل: اسكنوا الأرض خالصة لكم، خالية من عدوِّكم، يعني: أرض مصر والشام، {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ}. يعني: القيامة {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} من ههنا وههنا. وفي {لَفِيفاً}: وجهان: أحدهما: أنه حال، وأن أصله مصدر لفَّ يلفُّ لفيفاً؛ نحو: النَّذير والنَّكير، أي: جئنا بكم منضماً بعضكم إلى بعض، من لفَّ الشيء يلفُّه لفًّا، والألفُّ: المتداني الفخذين، وقيل: العظيم البطن. والثاني: أنه اسم جمع، لا واحد له من لفظه، والمعنى: جئنا بكم جميعاً، فهو في قوة التَّأكيد. واللَّفيفُ: الجمع العظيم من أخلاطٍ شتَّى من الشريف، والدنيء، والمطيع، والعاصي، والقويِّ، والضعيف، وكل شيءٍ خلطته بشيءٍ آخر، فقد لففته، ومنه قيل: لففتُ الجيوش: إذا ضرب بعضها ببعض.
البقاعي
تفسير : ولما قدم سبحانه أن أكثر الناس جحد الآيات لكونه حكم بضلاله، ومن حكم بضلاله لا يمكن هداه، وختم بأن من جبل على شيء لم ينفك عنه، شرع يسلي نبيه عليه الصلاة والسلام بما اتفق لمن قبله من إخوانه الأنبياء، مع التنبيه على أنه يجود بالآيات على حسب المقتضيات، وعلى أن خوارق العادات لا تنفع في إيمان من حكم عليه بالضلال، وتوجب - كما في سنه الله - إهلاك من عصى بعد ذلك بعذاب الاستئصال، فقال عاطفاً على قوله { ولقد صرفنا للناس}: {ولقد ءاتينا} أي بما لنا من العظمة {موسى} بن عمران المتقي المحسن عليه السلام لما أرسلناه إلى فرعون {تسع آيات بينات} وهي - كما في التوراة: العصى، ثم الدم، ثم الضفادع، ثم القمل، ثم موت البهائم، ثم البرد الكبار التي أنزلها الله مع النار المضطرمة، فكانت تهلك كل ما مرت عليه من نبات وحيوان، ثم الجراد، ثم الظلمة، ثم موت الأبكار من الآدميين وجميع الحيوان - كما مضى ذلك في هذا الكتاب عن التوراة في سورة الأعراف، وكأنه عد اليد مع العصى آية، ولم يفرد اليد لأنه ليس فيها ضرر عليهم، وقد نظمتها ليهون حفظها فقلت: شعر : عصى قمل موت البهائم ظلمة جراد دم ثم الضفادع والبرد وموت بكور الآدمي وغيره من الحيّ آتاها الذي عز وانفرد تفسير : وهي ملخصة في الزبور فإنه قال في المزمور السابع والسبعين: صنع آياته وعجائبه في مصارع صاعان، وجعل أنهارهم دماً وصهاريجهم لكيلا يشربوا الماء: أرسل عليهم الهوام وذباب الكلاب فأكلهم الضفادع وأفسدهم، أطعم القمل ثمارهم والجراد كدهم، كسر بالبرد كرومهم، وبالجليد تبنهم، أسلم للبرد مواشيهم وللحريق أموالهم، أرسل عليهم شدة حنقه سخطاً وغضباً، أرسل ملائكة الشر، فتح طرق سخطه، ولم يخلص من الموت أنفسهم، أسلم للموت دوابهم، قتل جميع أبكار مصر وأول أولادهم في مساكن حام. وقال في المزمور الرابع بعد المائة بعد أن ذكر صنائع الله عند بني إسرائيل وآبائهم: بعث جوعاً على الأرض، حطم زرع أرضهم، أرسل أمامهم رجلاً، بيع يوسف للعبودية، وأوثقوا بالقيود رجليه، صارت نفسه في الحديد حتى جاءت كلمته، وقول الرب ابتلاه، أرسل الملك فأطلقه، وجعله رئيساً على شعبه، وأقامه رباً على بنيه، وسلطانه على كل ما له، ليؤدب أراجينه كنفسه ويفقه مشايخه، دخل إسرائيل مصر، وتغرب يعقوب في أرض حام، وكثر شعبه جداً، وعلا على أعدائه، وصرف قلبه ليبغض شبعه ويغدر بعبيده، أرسل موسى عبده وهارون صفيه، فصنعا فيهم آياته وعجائبه في أرض حام، بعث ظلمة فصار ليلاً، وأسخطوا كلامه، فحول مياههم دماً، وأمات حيتانهم، وانبعثت أرضهم ضفادع في قياطين ملوكهم، أمر الهوام فجاء وذباب الكلب والقمل في جميع تخومهم، جعل أمطارهم برداً، واشتعلت النار في أرضهم، ضرب كرومهم وتبنهم، وكسر شجر تخومهم، أذن للجراد فجاء وذباب لا يحصى، فأكل جميع عشب الأرض وثمارها، وقتل كل أبكار مصر وأول ولد ولد لهم غير أنه لم يذكر العصى، وكأن ذلك لشهرتها جداً عندهم، ولأن جميع الآيات كانت بها، فهي في الحقيقة الآية الجامعة للكل، وإنما قلت: إن الآيات هذه، لأن السياق يدل على أن فرعون رآها كلها، وعاند بعد رؤيتها، وذلك إشارة إلى أنه لو أعطى كفار قريش ما اقترحوه من تفجير الينبوع وما معه، لم يكفهم عن العناد، فالإتيان به عبث لا مصلحة فيه. ولما كان اليهود الذين أمروا قريشاً بسؤال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الروح التي مضى الجواب عنها - كما في بعض الروايات - وعن أهل الكهف وذي القرنين الآتي شرح قصتيهما في الكهف، نبههم على سؤالهم - إن كانوا يقبلون كلامهم - عن أمر موسى عليه السلام في كونه كهذا النبي الكريم في أنه بشر مع كونه رسولاً وفي كونه أتى بالخوارق فكذب بها المعاندون فاستؤصل المكذب، فقال تعالى: {فسئل} أي يا أعظم خلقنا! {بني إسراءيل} أي عامة الذين نبهوا قريشاً على أمر الروح عن حديث موسى عليه السلام أو المؤمنين كعبد الله بن سلام وأصحابه {إذ} أي عن ذلك حين {جاءهم} أي جاء آباءهم، فوقع له من التكذيب بعد إظهار المعجزات الباهرات ما وقع لك، ولم يكذب لخلل من أمره ولا لقوة من عدوه على مدافعة العذاب، وإنما كان جهلاً وعناداً، ليكون ذلك مسلاة لك وعلماً على خبث طباعهم وحجة قاطعة عليهم {فقال} أي فذهب إلى فرعون فأمره بإرسالهم معه فأبى فأظهر له الآيات واحدة بعد أخرى فتسبب عن ذلك ضد ما يقتضيه الحال، وهو أن قال {له فرعون} عتواً واستكباراً: {إني لأظنك} أكد قوله لما أظهر موسى عليه السلام مما يوجب الإذعان له والإيمان والإنكار لأن يكذبه أحد {يا موسى مسحوراً *} أي فكل ما ينشأ عنك فهو من آثار السحر الذي بك، خيال لا حقيقة له، وأنت في الحقيقة مسحور، ولوجود السحر عنك ساحر، قال أبو عبيد: كما يقال: ميمون - بمعنى يأمن. وكأنه موه على جنوده لما أراهم آية اليد بهذه الشبهة، وهذا كما قالت قريش { إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً} وقالوا في موضع آخر: ساحر، فإنهم ربما أطلقوا اسم المفعول مريدين اسم الفاعل مبالغة في أنه كالمجبر على الفعل، وفي الأمر بسؤال اليهود تنبيه على ضلالهم، قال الشيخ ولي الدين الملوي: ولعل منه اقتباس الأئمة في المناظرة مطالبة اليهود والنصارى ونحوهم بإثبات نبوة أنبيائهم، فكل طريق يسلكون يسلك مثله في تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكل اعتراض يوردونه يورد عليهم مثله، وما كان جواباً لهم فهو جواب لنا، ومن تفطن للآية الكريمة رأى منها العجب في ذلك - انتهى ولم يؤمن فرعون على تواتر تلك الآيات وعظمها، فكأنه قيل: فما قال موسى عليه السلام؟ فقيل: {قال} لفرعون: {لقد علمت} أي أنا بضم التاء على قراءة الكسائي ليفيد أن عنده العلم القطعي بأن ما أتى به منزل من ربه، فهو أعقل أهل ذلك الزمان وليس على ما ادعاه فرعون، أو بفتح التاء - على قراءة الباقين أي أنك يا فرعون صرت بما أظهرته أنا من الأدلة في عداد من يعلم أنه {ما أنزل} على يدي {هؤلاء} الآيات {إلا رب السماوات والأرض} أي خالقهما ومدبرهما حال كون هذه الآيات {بصائر} أي بينات ثابتاً أمرها علياً قدرها، يبصر بها صدقي، وأما السحر فإنه لا يخفى على أحد أنه خيال لا حقيقة له {وإني} أي وإن ظننتني يا فرعون مسحوراً {لأظنك} أكد لما كان مع فرعون من ينكر قوله ويظهر القطع بسعادة فرعون {يا فرعون مثبوراً *} أي ملعوناً مطروداً مغلوباً مهلكاً ممنوعاً من الخير فاسد العقل، وظني قريب إلى الصحة بخلاف ظنك لعنادك لرب العالمين، لوضوح مكابرتك للبصائر التي كشف عنها وبها الغطاء، فهي أوضح من الشمس، وذلك لإخلادك إلى الحال التي أنت بها وكسلك عن الانتقال عنها إلى ما هو أشرف منها، وقد بينت مدار" ثبر" في { لا تثريب} في سورة يوسف عليه السلام، فإذا راجعتها اتضح لك ما أشرت إليه {فأراد} أي فما تسبب عن هذا الذي هو موجب الإيمان في العادة إلا أن فرعون أراد {أن يستفزهم} أي يستخف موسى ومن آمن معه ويخرجهم فيكونوا كالماء إذا سال، من قولهم: فز الجرح: سال {من الأرض} بالنفي والقتل للتمكن من استعباد الباقين كما أراد هؤلاء أن يستفزوك من الأرض ليخرجوك منها للتمكن مما هم عليه من الكفر والعناد؛ ثم أخذ يحذرهم سطواته بما فعل بمن كانوا أكثر منهم وأشد فقال: {فأغرقناه} أي فتسبب عن ذلك أن رددنا - بما لنا من العظمة - كيده في نحره: فلم نقدره على مراده واستفززناه نحن فلم يقدر على الامتناع، بل خف غير عالم بما نريد به حتى أدخلناه في البحر حيث أدخلنا بني إسرائيل فأنجيناهم وأغرقناه {ومن معه جميعاً *} كما جرت به سنتنا فيمن عاند بعد أن رأى الخوارق وكفر النعمة وأفرط في البغي بعد ظهور الحق، فليحذر هؤلاء مثل ذلك ولا سيما إذا أخرجنا رسولنا من بين ظهرانيهم ففي هذه الآية وأمثالها بشارة له بإسلاكنا له في النصرة، والتمكن سبيل إخوانه من الرسل عليهم السلام {وقلنا} أي بما لنا من العظمة التي لا يتعاظمها شيء.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} قال: اليد والعصا والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنين ونقص من الثمرات. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {تسع آيات بينات} قال: يده وعصاه ولسانه والبحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وأخرج الطيالسي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه، والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن قانع والحاكم وصححه، وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل، عن صفوان بن عسال: "حديث : أن يهوديين قال أحدهما لصاحبه: انطلق بنا إلى هذا النبي نسأله، فأتياه فسألاه عن قول الله: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسرقوا ولا تسحروا ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان فيقتله، ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا محصنة. أو قال: ولا تفروا من الزحف، شك شعبة، وعليكم يا يهود خاصة أن لا تعتدوا في السبت، فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبي. قال: فما يمنعكما أن تسلما؟!... قالا: إن داود دعا الله أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إن أسلمنا أن تقتلنا اليهود ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الغضب، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سئل عن قول الله تعالى: {وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً} قال: مخالفاً. وقال: الأنبياء أكرم من أن تُلعَنَ أو تُسَبّ. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ {فاسأل بني إسرائيل} يقول: سأل موسى فرعون بني إسرائيل أن أرسلهم معي. قال مالك بن دينار: وإنما كتبوا "فسل" بلا ألف، كما كتبوا قال: "قَلَ". وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن علي رضي الله عنه أنه كان يقرأ {لقد علمت} يعني بالرفع. قال علي: والله ما علم عدوّ الله، ولكن موسى هو الذي علم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ {لقد علمت} بالنصب - يعني فرعون - ثم تلا {أية : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} تفسير : [النمل: 14]. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما {مثبوراً} قال: ملعوناً. وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس رضي الله عنهما مثله. وأخرج الشيرازي في الألقاب وابن مردويه من طريق ميمون بن مهران، عن ابن عباس رضي الله عنهما {مثبوراً} قال: قليل العقل. وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: {مثبوراً} قال: ملعوناً، محبوساً عن الخير. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عبد الله بن الزبعرى يقول: شعر : إذ أتاني الشيطان في سنة النو م ومن مال ميلة مثبوراً تفسير : وأخرج ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس رضي الله عنهما {لفيفاً} قال: جميعاً.
ابو السعود
تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءايَـٰتٍ بَيّنَاتٍ} واضحاتِ الدِلالة على نبوته وصِحّةِ ما جاء به من عند الله وهي العَصا واليدُ والجَرادُ والقُمّل والضفادعُ والدمُ والطوفانُ والسّنونَ ونقصُ الثمرات، وقيل: انفجارُ الماء من الحجر ونتْقُ الطورِ على بني إسرائيلَ وانفلاقُ البحرِ بدل الثلاث الأخيرة، ويأباه أن هذه الثلاثَ لم تكن منزلةً إذ ذاك وأن الأولَين لا تعلقَ لهما بفرعون وإنما أوتيهما بنو إسرائيلَ، وعن صفوانَ بن عسّال أن يهودياً سألَ النبـي عليه الصلاة والسلام عنها فقال: « حديث : ألا تشركوا به شيئاً ولا تسرِقوا ولا تزنوا، ولا تقتُلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحرَوا ولا تأكُلوا الربا، ولا تمشوا ببريءٍ إلى ذي سلطان ليقتُله ولا تقذِفوا مُحصنةً ولا تفِرّوا من الزحف، وعليكم خاصّةَ اليهودِ أن لا تعْدوا في السبت » تفسير : فقبّل اليهوديُّ يدَه ورجلَه عليه السلام، ولا يساعده أيضاً ما ذكر ولعل جوابَه عليه السلام بذلك لما أنه المُهم للسائل وقبولُه لما أنه كان في التوراة مسطوراً، وقد علِم أنه ما علمه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلا من جهة الوحي. {فَٱسْأَلْ بَنِى إِسْرٰءيلَ} وقرىء فسَلْ أي فقلنا له: سلْهم من فرعون، وقل له: أرسلْ معيَ بني إسرائيلَ أو سلهم عن إيمانهم أو عن حال دينِهم أو سلْهم أن يعاضدوك، ويؤيده قراءةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم على صيغة الماضي، وقيل: الخطابُ للنبـي عليه الصلاة والسلام أي فاسألهم عن تلك الآياتِ لتزدادَ يقيناً وطُمَأْنينةً أو ليظهر صِدقُك {إِذْ جَاءهُم} متعلق بقلنا وبسأل على القراءة المذكورةِ وبآتينا أو بمضمر هم يخبروك أو اذكر على تقدير كونِ الخطابِ للرسول عليه الصلاة والسلام {فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ} الفاءُ فصيحةٌ أي فأظهرَ عند فرعون ما آتيناه من الآيات البـيناتِ وبلّغه ما أُرسل به، فقال له فرعونُ: {إِنّى لأظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَّسْحُورًا} سُحرْت فتخبّط عقلك. {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء} يعني الآياتِ التي أظهرها {إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْض} خالقُهما ومدبرُهما، والتعرّضُ لربوبـيته تعالى لهما للإيذان بأنه لا يقدِر على إيتاء مثلِ هاتيك الآياتِ العظامِ إلا خالقُهما ومدبّرهما {بَصَائِرَ} حالٌ من الآيات أي بـيناتٍ مكشوفاتٍ تُبصّرك صدقي ولكنك تعاند وتكابر، نحوُ: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ } تفسير : [النمل: 14] ومن ضرورة ذلك العلمِ العلمُ بأنه عليه الصلاة والسلام على كمال رصانةِ العقلِ فضلاً عن توهم المسحورية، وقرىء علمتُ على صيغة التكلمِ أي لقد علمتُ بـيقين أن هذه الآياتِ الباهرةَ أنزلها الله عز سلطانه فكيف يُتوهم أن يحومَ حولي سحر {وَإِنّى لأظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُورًا} مصروفاً عن الخير مطبوعاً على الشر، من قولهم: ما ثبَرك عن هذا أي ما صرفك، أو هالكاً ولقد قارع عليه السلام ظنَّه بظنه وشتان بـينهما، كيف لا وظنُّ فرعونَ إفكٌ مُبـينٌ وظنُّه عليه الصلاة والسلام يتاخم اليقين.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [الآية: 101]. قال جعفر: من الآيات التى خصه الله بها الاصطناع والمحبّة ألقاها عليه والكلام والثبات فى محل الخطاب، والحفظ فى اليم واليد البيضاء وإعطاء الألواح. وقال ابن عطاء: من الآيات حمل قوة الخطاب فى المشاهدة، والمراجعة فى طلب الروية وهذه من أعظم الآيات.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} هي أمارات كرامته وعلامات محبته. قوله جلّ ذكره: {فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً}. أنت - يا فرعون - سلكتَ طريق الاستدلال فَعِلمْتَ أن مثل هذه الأشياء لا يكون أمرها إلا مِنْ قِبَلِ الله، ولكنَّكََ رَكَنْتَ إلى الغفلةِ في ظلمات الجهل.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ} الايات التسع ملاحة عينه وحسن وجهه وحل لسانه وشرح صدره وهيبة من الله قد علاه وانبساطه وعربدنه واستجابة الدعوة بقوله ربنا اطمس على اموالهم والشريعة المجموعة وايضا فلق البحر وانقلاب عصاه ويد البيضاء ومقام التجلى وسماع كلام الصرف وغلبة الشوق عليه والمن والسلوى وانفجار الحجر بالماء واحراق الذهب بالكيمياء قال جعفر من الآيات التى خصه الله بها الاصطناع والقاء المحبة عليه والكلام والثبات فى محل الخطاب والحفظ فى اليم واليد البيضاء وعطاء الالواح وقال ابن عطا من الآيات حمل قوة الخطاب فى المشاهدة والمراجعة فى طلب الروية وهذه من اعظم الآيات.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد آتينا موسى تسع آيات} معجزات {بينات} واضحات الدلالة على نبوته وصحة ما جاء به من عند الله وهى العصا واليد البيضاء والجراد والقمل والضفادع والجم والطوقان والسنون ونقص الثمرات {فاسأل بنى اسرائيل} اى فقلنا له {اذ جاءهم} سلهم يا موسى من فرعون وقل له ارسل معى بنى اسرائيل اى اولاد يعقوب. وقال الكاشفى [بس بيرس اى محمد ز بنى اسرائيل يعنى ازعلماى ايشان همين آيات را تا صدق قول توبر مشركان ظاهر كردد] اى ليظهر صدقك حين اختبروك عندهم على وفق ما اخبرتهم اذ جاءهم [جون آمد موسى برايشان كه جه كذشت ميان وى وفرعون]. وفى التأويلات النجمية اذ جاءهم موسى بهذه الآيات هل رأوها وستدلوا بها وآمنوا كاهل الحق ممن جعلهم الله ائمة يهدون بامره وكانوا بآياته يوقنون {فقال له فرعون} قال فى الارشاد الفاء فصيحة اى فاظهر عند فرعون ما آتيناه من الآيات البينات وبلغه ما ارسل به فقال له فرعون {انى لاظنك يا موسى مسحورا} سحرت فتخبط عقلك ولذا تتكلم بمثل هذه الكلمات الغير المعقولة وهذا يشبه قوله {ان رسولكم الذى ارسل اليكم لمجنون} ويجوز ان يكون المسحور للنسبة بمعنى ذى السحر كما قال فى التأويلات النجمية لما كان فرعون من اهل الظن لا من اهل اليقين رآه بنظر الظن الكاذب ساحرا ورأى الآيات سحرا
ابن عجيبة
تفسير : قلت: قال في الأساس: ثبره الله: أهلكه هلاكًا دائمًا، لا ينتعش بعده، ومن ثَم يدعو أهلُ النار: واثبوراه. وما ثبرك عن حاجتك: ما ثبطك عنها. وهذا مثبَرُ فلانة: لمكان ولادتها، حيث يثبرها النفاس. وفي القاموس: الثبر: الحبْسُ والمنع، كالتثبير والصرف عن الأمر وعن الحبيب، واللعن والطرد. والثبور: الهلاك والويل والإهلاك. هـ. و {إذا جاءهم}: إما متعلق بآياتنا، أو بقلنا محذوف. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بيناتٍ}؛ واضحات الدلالة على نبوته، وصحة ما جاء به من عند الله. وهي: العصا، واليد، والجراد، والقُمل، والضفادع، والدم، والطوفان، والسنون، ونقص الثمرات. وقيل: انفجار الماء من الحجر، ونتق الطور، وانفلاق البحر، بدل الثلاث. وفيه نظر؛ فإن هذه الثلاث لم تكن لفرعون، وإنما كانت بعد خروج سيدنا موسى عليه السلام. وعن صفوان بْن عسال: أن يهوديًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال: "حديث : ألاَّ تُشْرِكُوا به شَيْئًا، ولا تَسْرقُوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا النَّفس التِي حَرَّم اللهُ إلاَّ بالحَقِّ، ولا تَسْحُروا، ولا تأكُلُوا الرِّبَا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سُلْطَانٍ ليَقْتُلَهُ، ولا تَقذفُوا المُحْصَنَة، ولا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ، وعليكم، خاصَّة اليهود، ألاَّ تَعْدُوا في السَّبْتِ"تفسير : . فقبَّل اليهوديُ يَدَه ورجْلَه - عليه الصلاة والسلام. قلت: ولعل الحق تعالى أظهر لهم تسعًا، وكلفهم بتسع، شكرًا لما أظهر لهم، فأخبر - عليه الصلاة والسلام - السائل عما كلفهم به؛ لأنه أهم، وسكت عما أظهر لهم؛ لأنه معلوم. وإنما قبَّل السائلُ يده؛ لموافقته لما في التوراة، وقد علم أنه ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالوحي، وقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : وعليكم، خاصة اليهود، ألا تعدوا"تفسير : ، حكم مستأنف زائد على الجواب، ولذلك غيَّر فيه سياق الكلام. قال تعالى: {فسلْ بني إسرائيل} أي: سل، يا محمد، بني إسرائيل المعاصرين لك عما ذكرنا من قصة موسى؛ لتزداد يقينا وطمأنينة، أو: ليظهر صدقك لعامة الناس، أو: قلنا لموسى: سل بني إسرائيل مِن فرعون، أي: اطلبهم منه؛ ليرسلَهم معك، أو سل بني إسرائيل أن يعضدوك ويكونوا معك. ويؤيد هذا: قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم "فَسَال"؛ على صيغة الماضي، بغير همز، وهي لغة قريش. {إِذْ جاءهم} أي: آتينا موسى تسع آيات حين جاءهم بالرسالة، أو قلنا له: سل بني إسرائيل حين جاءهم بالوحي. {فقال له فرعونُ} حين أظهر له ما آتيناه من الآيات، وبلغة ما أرسل به: {إِني لأظنك يا موسى مسحورًا} أي: سُحرت فتخبط عقلك. {قال} له موسى: {لقد علمتَ} يا فرعون، {ما أنزل هؤلاء} الآيات التي ظهرت على يدي {إِلا ربُّ السماوات والأرض}؛ خالقهما ومدبرهما، ولا يقدر عليها غيره، حال كونها {بصائرَ}؛ بينات تبصرك صدقي، ولكنك تعاند وتكابر، وقد استيقنتها أنفسكم، فجحدتم؛ ظلمًا وعلوًا، {وإِني لأظنك يا فرعونُ مثبورًا} أي: مهلكًا مقطوعًا دابرك، أو مغلوبًا مقهورًا، أو مصروفًا عن الخير. قابل موسى عليه السلام قول فرعون: {إِني لأظنك يا موسى مسحورًا} بقوله: {وإني لأظنك يا فرعون مثبورًا}؛ وشتان ما بين الظنين؛ ظنُّ فرعون إفك مبين، وظن موسى حق اليقين؛ لأنه بوحي من رب العالمين، أو من تظاهر أماراته. {فأراد فرعون أن يستفزهم} أي: يستخفهم ويزعجهم {من الأرض}؛ أرض مصر، {فأغرقناه ومَنْ معه جميعًا}؛ فعكسنا عليه علمه ومكره، فاستفززناه وقومه من بلده بالإغراق. {وقلنا من بعده} من بعد إغراقه {لبني إسرائيل اسكنُوا الأرضَ} التي أراد أن يستفزكم هو منها. أو أرض الشام. وهو الأظهر، إذ لم يصح أن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر بالسكنى. وانظر عند قوله: {أية : وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [الشُّعَرَاء: 59] {فإِذا جاء وعد الآخرة} أي: الحياة الآخرة، أو الدار الآخرة، أي: قيام الآخرة، {جئنا بكم لفيفًا}؛ مختلطين إياكم وإياهم، ثم نحكم بينكم ونميز سعداءكم من أشقيائكم. واللفيف: الجماعات من قبائل شتى. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا ينفع في أهل الحسد والعناد ظهور معجزة ولا آية، ولا يتوقف عليها من سبقت له العناية، لكنها تزيد تأييدًا، وطمأنينة لأهل اليقين، وتزيد نفورًا وعنادًا، لأهل الحسد من المعاندين. وبالله التوفيق. ولما ذكر آية موسى ذكر آية نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وهو القرآن
الطوسي
تفسير : قرأ الكسائي وحده {لقد علمتُ} بضم التاء. الباقون بفتحها. حجة من فتح أَنه قال: إِن فرعون وملأه ممن تبعه قد علموا صحة أمر موسى وأن ما أتى به ليس بسحر بدلالة قوله {أية : لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك}تفسير : وقوله {أية : فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين. وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً}تفسير : وقولهم {أية : يا أيها الساحر ادع لنا ربك} تفسير : ومن قرأ بضم التاء فمن علم موسى. فان قيل له كيف يصح الاحتجاج عليهم بعلمه، وعلمه لا يكون حجة على فرعون وملائه؛ وانما يكون علم فرعون ما علمه من صحة أمر موسى حجة عليه؟. نقول: إِنه لما قيل له {أية : إِن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون}تفسير : كان ذلك قدحاً في علمه، لأن المجنون لا يعلم، فكأنه نفى ذلك، فقال لقد علمت صحة ما أتيت به، وأَنه ليس بسحر، علماً صحيحاً كعلم العقلاء، فصارت الحجة عليه من هذا الوجه. ورويت هذه القراءة عن أمير المؤمنين (ع) يقول الله تعالى مخبراً عمّا أَعطى موسى من الآيات وذكر أَنها تسع آيات معجزات بينات ظاهرات دالات على صحة نبوتة. واختلفوا في هذه التسع: فقال ابن عباس والضحاك: هي يد موسى، وعصاه، ولسانه، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم {آيات مفصلات}. وقال محمد ابن كعب القرطي: الجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والبحر، وعصاه والطمسة، والحجر. والطمسة دعاء موسى وتأمين هرون، فقال الله تعالى {أية : قد أجيبت دعوتكما}تفسير : وفي رواية عكرمة عن ابن عباس، ومطر الوراق: الطوفان والجراد، والقمل، والضفادع, والدم، والعصا، واليد، والسنون، ونقص من الثمرات. وبه قال الشعبي ومجاهد. وقال الحسن مثل ذلك، غير أَنه جعل الأخذ بالسنين ونقص الثمرات آية واحدة. وجعل التاسعة تلقف العصا ما يأفكون. وقال صفوان ابن عسال: سأل يهودي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التسع آيات، فقال: "حديث : هن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرمها الله الا بالحق، ولا تمشوا ببريء إِلى السلطان يقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربو، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تولوا الفرار يوم الزحف، وعليكم خاصة يا يهود أن لا تعتدوا في السبت" تفسير : فقبل يده، وقال أشهد أَنك نبيُّ الله. وقوله {فاسأل بني إسرائيل} أمر النبي أن يسأل بني إِسرائيل {إذ جاءهم موسى}. وقال الحسن عن ابن عباس، قال: معناه سؤالك إِياهم، نظرك في القرآن. وروي عن ابن عباس أَنه كان يقرأ {فاسأل بني إسرائيل} يعني فسأل موسى فرعون بني إِسرائيل أَن يرسلهم معه. وقوله {فقال له فرعون} حكاية عما قال فرعون لموسى {إِني لأظنك يا موسى مسحوراً} أي معطاً علم السحر بهذه العجائب التي تفعلها من سحرك، وقد يجوز أن يكون المراد {إِني لأظنك يا موسى} ساحراً، فوضع (مفعول) موضع (فاعل)، مثل مشؤم وميمون موضع شائم ويامن. وقيل معناه: إِنك سحرت، فانت تحمل نفسك على ما يقوله السحر الذي بك وقيل مسحور بمعنى مخدوع. وقوله {قال لقد علمت} حكاية عما أَجاب به موسى فرعون فإِنه قال {لقد علمت} يا فرعون أَنّ ما جئت به ليس بسحر وإِني صادق. ومن قرأ بضم التاء معناه إِنه لما قال له فرعون {إِني لأظنك يا موسى مسحوراً} قال له موسى {لقد علمت} اني لست كذلك وأنه ما أَنزل هذه الآيات {إِلا رب السماوات والأرض} الذي خلقهن وجعلهن {بصائر} أي حججاً واضحة واحدها بصيرة {وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً} اي ملعوناً ممنوعاً من الخير، تقول العرب ما ثبرك عن هذا الأمر أَي ما منعك منه، وما صرفك عنه، وثبره الله، فهو يثبِره ويثبُره لغتان. ورجل مثبور محبوس عن الخيرات. قال الشاعر: شعر : إِذا جارى الشيطان في سنن الغي فمن مال ميله مثبور تفسير : وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير، وقال قوم: معناه مغلوباً، روي ذلك عن ابن عباس في رواية أخرى، وبه قال الضحاك. وقال مجاهد: هالكاً، وبه قال قتادة. وقال عطية العوفي: مغيراً مبدلاً. وقال ابن زيد: معناه مخبولاً لا عقل له.
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} تسلية للنبىّ (ص) وتعريض بمقترحى الآيات يعنى من كان فى جبلّته العناد واللّجاج لا ينفع فيه الآيات كما انّ فرعون شاهد من موسى (ع) تسع آيات بيّنات وزاد لجاجه وعناده وقد ورد الاخبار بالاختلاف فى تعيين التّسع ففى بعضها عدّ رفع الطّور والمنّ والسّلوى منها، وفى بعضها لم يُعدّ، والظّاهر انّ المراد بالآيات التّسع كما فى الخبر عن الصّادق (ع) الجراد والقمّل والضّفادع والدّم والطّوفان والبحر والحجر والعصا واليد البيضاء {فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} يعنى ان كنت فى شكٍّ على طريق ايّاك اعنى واسمعى يا جارة فاسئل بنى اسرائيل عن موسى (ع) وآياته {إِذْ جَآءَهُمْ} اذ اسم خالص مفعول اسئل او ظرف لآتينا وقوله فاسئل اعتراض {فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ} بعد ظهور آياته عناداً {إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً} مجنوناً.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم واليد والعصا والطمس والسنين ونقص الثمرات وقيل انفجار الماء من الحجر وانفلاق البحر ونتق الطور لى بنى إِسرائيل، وقال ابن عباس السبع الأُول وحل العقدة التى بلسانه، وفلق البحر، وقيل هكذا إِلا فلق البحر واليد فعوضهما السنون ونقص الثمرات، وقيل أيضاً بالطمس والبحر وبذل السنين والنقص، واعلم أن المراد بالطمس هنا المسخ للأَموال والأَبدان صير الله عز وجل دراهمهم ودنانيرهم وبيضهم وخبزهم وثومهم وحمصهم وعدسهم حجارة على صورة ما ذكر ومسخ قوماً حجارة على صورة الرجال والنساء. سأَل عمر بن عبد العزيز، محمد بن كعب عن الآيات فذكر منها: الطمس وحل العقدة، فقال عمر: هكذا يجب أن يكون الفقيه يا غلام أخرج ذلك الجراب فأخرج فإِذا فيه بيض مكسور نصفين، وخبز مكسور وثوم وحمص وعدس كلها، كان الرجل منهم مع أهله فى الفراش وقد صارا حجرين، والمرأة قائمة تخبز وقد صارت حجراً، وذكر ابن عرفة وغيره ممن قبله كالزمخشرى عن صفوان ابن غسان حديث : أن بعض يهود المدينة قال لصاحبه تعال نسأَل هذا النبى. فقال له الآخر: لا تقل نبى فإِنه لو سمع صارت له أربع أعين، فسأَلاه عن هذه الآية: {ولقد آتينا موسى تسع} ... الخ. فقال: لا تشركوا بالله شيئاً ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إِلا بالحق ولا تزنوا ولا تأْكلوا الربا ولا تسحروا ولا تمشوا ببرئ إِلى سلطان يقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا يوم الزحف ولا تسرقوا وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا فى السبت فقبلا يده ورجليه وقالا نشهد أنك نبى. قال: فما منعكم أن تتبعونى. قالا: إِنا نخاف إِن اتبعناك تقتلنا اليهودتفسير : . وروى ذلك أيضاً الترمذى، وقال حسن صحيح، لكن اختلفت الروايات بعض يزيد وبعض ينقص، وعلى هذا فالمراد بالآيات التسع الأَحكام العامة للملل الثابتة فى كل الشرائع سميت بذلك لأَنها تدل على حال من يتعاطى متعلقها فى الآخرة من السعادة والشقاوة وقوله وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا حكم مستأْنف زاد على الجواب عن التسع وكذلك غير فيه السياق، إِذ لم يقل ولا تعدوا فى السبت {فَاسْأَلْ} يا محمد {بَنِى إِسْرَائِيلَ} عن الآيات التسع سؤال من علم الشئ فاسأَل عنه سؤال استعجاز أو تقرير أو توبيخ بحيث يعلمون ويتيقنون أنك عالم بها ويقولون لك أخبرنا أنت فيها فتخبرهم ليصدقوك، أو سل بنى إِسرائيل المؤمنين كعبد الله بن سلام، وكعب الأَحبار، عن الآيات ليزدادوا يقيناً أو سل يا محمد بنى إِسرائيل عنهن تتسلى بنفسك، أو لتعلم أنه تعالى لو أتاك بما اقترحوا لأَصروا على العناد كما أصر من قبلهم ممن شاهد الآيات السبع أو لتزداد يقيناً على يقينك كما قال إِبراهيم ليطمئن قلبى، ويجوز أن يكون قوله سبحانه فاسأل خطاباً لموسى على حذف تقديره: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات، فقلنا له اسأل بنى إِسرائيل هل يقدر غير نبى عليهن، وهل يقدرون عليهن لو سأَلهم بأَن يأْتوا بمثلهن إِذا أنكروا رسالتك أو اسأَلهم يا موسى عن حال دينهم لاعن إِيمانهم والسؤال فى ذلك كسؤال استفهام ويجوز على هذا الوجه الذى هو كون الخطاب لموسى أن يكون السؤال بمعنى طلب الإِعطاء، أى سل يا موسى بنى إِسرائيل أن يعاضدوك على الدين وتكون قلوبهم وأبدانهم معك أو اسأل فرعون بنى إٍسرائيل أى اطلبه أن يعطيكهم لتذهب بهم إِلى الشام كما قال، فأَرسل معنا بنى إِسرائيل من فرعون بكسر الميم والوجهان بمعنى، ويجوز عند بعض على كون الخطاب لمحمد - صلى الله عليه وسلم - أن يكون المراد سؤال بنى إِسرائيل لفظاً، وسؤال غيرهم معنى، وقرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأل بصيغة الماضى لكن بإِسقاط الهمزة الأولى والثانية قيل هو لغة قريش والضمير فيه لموسى، وهى قراءة تقوى كون الخطاب لموسى فى القرآن بصيغة الأَمر على تقدير فقلنا له، أى لموسى اسأل بنى إِسرائيل. {إِذْ} متعلق بائتنا أو بمحذوف متعلق بيخبروك محذوفاً مجزوماً فى جواب الأَمر الذى هو سأَل أى فاسأل بنى إِسرائيل يخبروك بحديث إِذ جاءهم أو مفعول لأذكر محذوفاً مستأْنفاً، هذا كله على أن الخطاب لسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وإِن قلنا إِنه لموسى عليه السلام فإِن إِذ متعلقة بقلنا المقدر أو تتعلق بسل على قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - {جَاءَهُمْ} موسى ليبلغهم. {فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّى لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً} أى سحرك أحد فخلط عقلك فكنت تثبت الربوبية لغيرى وتثبت الرسالة لنفسك، هذا ما يقتضيه كلام ابن عباس، وقيل مسحوراً بمعنى ساحر، كما قيل فى حجاباً مستوراً بمعنى ساتر عكس ما قيل فى ماء داق بمعنى مدفوق، فهذه العجائب التى تأْتى بها من سحرك، وبه قال ابن جرير الطبرى: والهاء فى جاءهم عائدة إِلى بنى إِسرائيل الذين فى زمان موسى وهم المذكورون فى الآية، وإِن قلنا الخطاب فى سل لمحمد - صلى الله عليه وسلم - فكذلك على أنهم المراد فى الآية أو عائدة إِلى الذين فى زمان سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - على أنهم المراد فحينئذ يقدر مضاف أى إِذ جاء آباؤهم.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءايَـٰتٍ بَيّنَـٰتٍ} ظاهر السياق والنظائر يقتضيان كون المعنى تسع أدلة واضحات الدلالة على نبوة موسى عليه السلام وصحة ما جاء به من عند الله تعالى ولا ينافيه أنه قد أوتي من ذلك ما هو أكثر مما ذكر لأن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد كما حقق في الأصول وإلى هذا ذهب غير واحد إلا أنه اختلف في تعيين هذه التسع ففي بعض التفاسير هي كما في التوراة العصا ثم الدم ثم الضفادع ثم القمل ثم موت البهائم ثم برد كنار أنزل مع نار مضطرمة أهلكت ما مرت به من نبات وحيوان ثم جراد ثم ظلمة ثم موت عم كبار الآدميين وجميع الحيوانات. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم من طرق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنين ونقص من الثمرات، وروي ذلك عن مجاهد والشعبـي وقتادة وعكرمة. وتعقب هذا بأن السنين والنقص من الثمرات آية واحدة كما روي عن الحسن. ورد بأنه ليس بالحسن إذ ظاهر قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسّنِينَ وَنَقْصٍ مّن ٱلثَّمَرَاتِ} تفسير : [الأعراف: 130] يقتضي المغايرة فيحمل الأول على الجدب في بواديهم والثاني على النقصان في مزارعهم أو على نحو ذلك وقد تقدم الكلام فيه فلا ضير في عدهما آيتين. وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم في رواية أخرى عن الحبر أنها يده عليه السلام ولسانه وعصاه والبحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وفي «الكشاف» عنه رضي الله تعالى عنه أنها العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والطور الذي نتقه الله تعالى على بني إسرائيل. وتعقبه في «الكشف» بقوله فيه: إن الحجر والطور ليسا من الآيات المذهوب بها إلى فرعون وقال تعالى: {أية : فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ} تفسير : [النمل: 12] وذكر سبحانه في هذه السورة {أية : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء} تفسير : [الإسراء: 102] والإشارة إلى الآيات ثم قال: والجواب جاز أن يكون التسع البينات بعضاً منها غير البعض من تلك التسع وليس في هذه الآية أن الكل لفرعون وقومه وأما الإشارة فإلى البعض بالضرورة لأن الكل إنما حصلت على التدريج وفلق البحر لم يكن في معرض التحدي بل عندما حق الهلاك اهـ، ولا يخلو عن ارتكاب خلاف الظاهر، وما روي عن ابن عباس أولاً لائح الوجه ما فيه إشكال؛ ونسبه في «الكشاف» إلى الحسن وهو خلاف ما وجدناه في الكتب التي يعول عليها في أمثال ذلك. وروي أن عمر بن عبد العزيز عليه الرحمة سأل محمد بن كعب عن هذه الآيات فعد ما عد وذكر فيه الطمس فقال عمر: كيف يكون الفقيه إلا هكذا ثم قال: / يا غلام أخرج ذلك الجراب فأخرجه فنفضه فإذا بيض مكسور بنصفين وجوز مكسور وفوم وحمص وعدس كلها حجارة. هذا وظاهر بعض الأخبار يقتضي خلاف ذلك. فقد أخرج أحمد والبيهقي والطبراني والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال حسن صحيح والحاكم وقال صحيح لا نعرف له علة وخلق آخرون عن صفوان بن عسال «حديث : أن يهوديين قال: أحدهما لصاحبه انطلق بنا إلى هذا النبـي نسأله فأتياه صلى الله عليه وسلم فسألاه عن قول الله تعالى: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءايَـٰتٍ بَيّنَاتٍ} فقال عليه الصلاة والسلام: لا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله تعالى إلا بالحق ولا تسرقوا ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تمشوا ببريء إلى سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف»تفسير : . وفي رواية «حديث : أو قال لا تفروا من الزحف ـ شك شعبة ـ وعليكم يا يهود خاصة أن لا تعتدوا في السبت فقبلا يديه ورجليه وقالا نشهد إنك نبـي» تفسير : الخبر، ومن هنا قيل المراد بالآيات الأحكام، وقال الشهاب الخفاجي: إنه التفسير الصحيح، ووجه إطلاقها عليها بأنها علامات على السعادة لمن امتثلها والشقاوة لغيره، وقيل أطلقت عليها لأنها نزلت في ضمن آيات بمعنى عبارات دالة على المعاني نحو آيات الكتاب فيكون من قبيل إطلاق الدال وإرادة المدلول، وقيل لا ضير أن يراد على ذلك بالآيات العبارات الإلٰهية الدالة على تلك الأحكام من حيث إنها دالة عليها. وفيه وكذا في سابقه القول بإطلاق الآيات على ما أنزل على غير نبينا صلى الله عليه وسلم من العبارات الإلٰهية كإطلاقها على ما أنزل عليه عليه الصلاة والسلام منها. واستشكل بأن الآيات في الرواية التي لا شك فيها عشرة وما في الآية المسؤول عنها تسع. وأجيب بأن الأخير فيها أعني لا تعتدوا في السبت ليس من الآيات لأن المراد بها أحكام عامة ثابتة في الشرائع كلها وهو ليس كذلك ولذا غير الأسلوب فيه فهو تذييل للكلام وتتميم له بالزيادة على ما سألوه صلى الله عليه وسلم. وفي «الكشف» أنه من الأسلوب الحكيم لأنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر التسع العامة في كل شريعة ذكر خاصاً بهم ليدل على إحاطة علمه صلى الله عليه وسلم بالكل وهو حسن وليس الأسلوب الحكيم فيه بالمعنى المشهور فإطلاق القول بأنه ليس من الأسلوب الحكيم كما فعل الخفاجي ليس في محله. وقال بعض الأجلة: إن هذه الأشياء لا تعلق لها بفرعون وإنما أوتيها بنو إسرائيل ولعل جوابه صلى الله عليه وسلم بما ذكر لما أنه المهم للسائل وقبوله لما أنه كان في التوراة مسطوراً وقد علم أنه ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من جهة الوحي اهـ. وتعقب بأنا لا نسلم أنه يجب في الآيات المذكورة في الآية أن تكون مما له تعلق بفرعون وما بعد ليس نصاً في ذلك نعم هو كالظاهر فيه لكن كثيراً ما تترك الظواهر للأخبار الصحيحة سلمنا أنه يجب أن يكون لها تعلق لكن لا نسلم أن تلك الأحكام لا تعلق لها لجواز أن يكون كلها أو بعضها مما خوطب به فرعون وبنو إسرائيل جميعاً لا بد لنفي ذلك من دليل، وكأن حاصل ما أراد من قوله لعل جوابه صلى الله عليه وسلم الخ أن ذلك الجواب من الأسلوب الحكيم بأن يكون موسى عليه السلام قد أوتي تسع آيات بينات بمعنى المعجزات الواضحات وهي المرادة في الآية وأوتي تسعاً أخرى بمعنى الأحكام وهي غير مرادة إلا أن الجواب وقع عنها لما ذكر وهو كما ترى فتأمل. فمؤيدات كل من التفسيرين أعني تفسير الآيات بالأدلة والمعجزات وتفسيرها بالأحكام متعارضة وأقوى / ما يؤيد الثاني الخبر. {فَسْئَلْ بَنِى إِسْرٰءيلَ} وقرأ جمع {فسل}. والظاهر أنه خطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم والسؤال بمعناه المشهور إلا أن الجمهور على أنه خطاب لموسى عليه السلام. والسؤال إما بمعنى الطلب أو بمعناه المشهور لقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجها أحمد في «الزهد» وابن المنذر وابن جرير وغيرهم عن ابن عباس {فسال} على صيغة الماضي بغير همز كقال وهي لغة قريش فإنهم يبدلون الهمزة المتحركة وذلك لأن هذه القراءة دلت على أن السائل موسى عليه السلام وإنه مستعقب عن الإيتاء فلا يجوز أن يكون فاسأل خطاباً للنبـي صلى الله عليه وسلم لئلا تتخالف القراءتان ولا بد إذ ذاك من إضمار لئلا يختلفا خبراً وطلباً أي فقلنا له اطلبهم من فرعون وقل له أرسل معي بني إسرائيل أو اطلب منهم أن يعاضدوك وتكون قلوبهم وأيديهم معك أو سلهم عن إيمانهم وعن حال دينهم واستفهم منهم هل هم ثابتون عليه أو اتبعوا فرعون ويتعلق بالقول المضمر قوله تعالى: {إِذْ جَاءهُم} وهو متعلق بسال على قراءته صلى الله عليه وسلم والدليل على ذلك المضمر في اللفظ قوله تعالى: {فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ} لأنه لو كان {فاسأل} خطاباً لنبينا عليه الصلاة والسلام لانفك النظم وأيضاً لا يظهر استعقابه ولا تسببه عن إيتاء موسى عليه السلام نعم جعل الذاهبون إلى الأول {فاسأل} اعتراضاً من باب زيد فاعلم فقيه والفاء تكون للاعتراض كالواو وعلى ذلك قوله:شعر : واعلم فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قدرا تفسير : وهذا الوجه مستغن عن الإضمار و {إِذْ جَاءهُم} متعلق عليه بآتينا ظرفاً ولا يصح تعلقه بسل إذ ليس سؤاله صلى الله عليه وسلم في وقت مجيء موسى عليه السلام. قال في «الكشف»: والمعنى فاسأل يا محمد مؤمني أهل الكتاب عن ذلك إما لأن تظاهر الأدلة أقوى، وإما من باب التهييج والإلهاب، وإما للدلالة على أنه أمر محقق عندهم ثابت في كتابهم وليس المقصود حقيقة السؤال بل كونهم أعني المسؤولين من أهل علمه ولهذا يؤمر مثلك بسؤالهم وهذا هو الوجه الذي يجمل به موقع الاعتراض. وجوز أن يكون منصوباً باذكر مضمراً على أنه مفعول به وجاز على هذا أن لا يجعل {فَاسْأَلْ} اعتراضاً ويجعل اذكر بدلاً عن اسأل لما سمعت من أن السؤال ليس على حقيقته وكذا جوز أن يكون منصوباً كذلك بيخبروك مضمراً وقع جواب الأمر أي سلهم يخبروك إذ جاءهم. ولا يجوز على هذا الاعتراض، نعم يجوز الاعتراض على هذا بأن أخبر يتعدى بالباء أو عن لا بنفسه فيجب أن يقدر بدل الإخبار الذكر ونحوه مما يتعدى بنفسه وإما جعله ظرفاً له غير صحيح إذ الإخبار غير واقع في وقت المجيء، واعترض أيضاً بأن السؤال عن الآيات والجواب بالإخبار عن وقت المجيء أو ذكره لا يلائمه. ويمكن الجواب بأن المراد يخبروك بذلك الواقع وقت مجيئه لهم أو يذكروا ذلك لك وهو كما ترى. وبعضهم جوز تعلقه بيخبروك على أن إذ للتعليل، وعلى هذا يجوز تعلقه باذكر، والمعنى على سائر احتمالات كون الخطاب لنبينا عليه الصلاة والسلام إذ جاء آباءهم إذ بنو إسرائيل حينئذٍ هم الموجودون في زمانه صلى الله عليه وسلم وموسى عليه السلام ما جاءهم فالكلام إما على حذف مضاف أو على ارتكاب نوع من الاستخدام، والاحتمالات على تقدير جعل الخطاب لمن يسمع هي الاحتمالات التي سمعت على تقدير جعله لسيد السامعين عليه الصلاة والسلام. والفاء في {فَقَالَ} على سائر الاحتمالات والأوجه فصيحة والمعنى إذ جاءهم فذهب إلى فرعون وادعى النبوة وأظهر المعجزة وكيت وكيت فقال: {إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً} سحرت فاختل عقلك ولذلك اختل كلامك / وادعيت ما ادعيت وهو كقوله: {أية : إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} تفسير : [الشعراء: 27]. وقال الفراء والطبري: مسحوراً بمعنى ساحراً على النسب أو حقيقة وهو يناسب قلب العصا ونحوه على تفسير الآيات بالمعجزات.
ابن عاشور
تفسير : بَقي قولهم: {أية : أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً}تفسير : [الإسراء: 92] غيرَ مردود عليهم، لأن له مخالفة لبقية ما اقترحوه بأنه اقتراح آية عِذاب ورعب، فهو من قبيل آيات موسى عليه السلام التسع. فكان ذكر ما آتاه الله موسى من الآيات وعدم إجداء ذلك في فرعون وقومه تنظيراً لما سأله المشركون. والمقصود: أننا آتينا موسى عليه السلام تسع آيات بيّناتِ الدلالة على صدقه فلم يهتد فرعون وقومه وزعموا ذلك سحراً، ففي ذلك مَثلٌ للمكابرين كلهم وما قريش إلا منهم. ففي هذا مثَل للمعاندين وتسلية للرسول. والآيات التسع هي: بياض يده كلما أدخلها في جيبه وأخرجَها، وانقلاب العصا حية، والطوفان، والجراد، والقُمّل، والضفادع، والدم، والرجز وهو الدمل، والقحط وهو السنون ونقص الثمرات، وهي مذكورة في سورة الأعراف. وجمعها الفيروزآبادي في قوله: شعر : عَصًا، سَنَةٌ، بَحْر، جراد، وقُمّل يَدٌ، ودَمٌ، بعد الضفادع طُوفَانُ تفسير : فقد حصلت بقوله: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} الحجة على المشركين الذين يقترحون الآيات. ثم لم يزل الاعتناء في هذه السورة بالمقارنة بين رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالة موسى ــــ عليه السلام ــــ إقامةً للحجة على المشركين الذين كذبوا بالرسالة بعلة أن الذي جاءهم بشر، وللحجة على أهل الكتاب الذين ظاهروا المشركين ولقنوهم شُبه الإلحاد في الرسالة المحمدية ليصفو لهم جَوّ العلم في بلاد العرب وهم ما كانوا يحسبون لما وراء ذلك حساباً. فالمعنى: ولقد آتينا موسى تسع آيات على رسالته. وهذا مثل التنظير بين إيتاء موسى الكتاب وإيتاء القرآن في قوله في أول السورة {أية : وآتينا موسى الكتاب}تفسير : [الإسراء: 2] الآيات، ثم قوله: {أية : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}تفسير : [الإسراء: 9]. فتكون هذه الجملة عطفاً على جملة {أية : قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً }تفسير : [الإسراء: 93] أو على جملة {أية : قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي }تفسير : الآية [الإسراء: 100]. ثم انتقل من ذلك بطريقة التفريع إلى التسجيل ببني إسرائيل استشهاداً بهم على المشركين، وإدماجاً للتعريض بهم بأنهم سَاووا المشركين في إنكار نبوءة محمد ومظاهرتهم المشركين بالدس وتلقين الشبه، تذكيراً لهم بحال فرعون وقومه إذ قال له فرعون {إني لأظنك يا موسى مسحوراً}. والخطاب في قوله: {فسئل} للنبيء صلى الله عليه وسلم والمراد: سؤال الاحتجاج بهم على المشركين لا سؤال الاسترشاد كما هو بين. وقوله: {مسحوراً} ظاهره أن معناه متأثراً بالسحر، أي سحَركَ السحرة وأفسدوا عقلك فصُرت تهرف بالكلام الباطل الدال على خلل العقل (مثل المَيْمون والمشؤوم). وهذا قول قاله فرعون في مقام غير الذي قال له فيه {أية : يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره}تفسير : [الشعراء: 35]، والذي قال فيه {أية : إن هذا لساحر عليم}تفسير : ، [الشعراء: 34] فيكون إعراضاً عن الاشتغال بالآيات وإقبالاً على تطلع حال موسى فيما يقوله من غرائب الأقوال عندهم. ألا ترى إلى قوله تعالى حكاية عنه قال{أية : لمن حوله ألا تستمعون}تفسير : [الشعراء: 25]. وكل تلك أقوال صدرت من فرعون في مقامات محاوراته مع موسى عليه السلام فحكي في كل آية شيء منها. و (إذا) ظرف متعلق بـ {آتينا}. والضمير المنصوب في {جاءهم} عائد إلى بني إسرئيل. وأصل الكلام: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات إذ جاء بني إسرائيل، فاسألْهم. وكان فرعون تعلق ظنه بحقيقة ما أظهر من الآيات فرجح عنده أنها سحر، أوْ تعلق ظنه بحقيقة حال موسى فرجح عنده أنه أصابه سحر، لأن الظن دون اليقين، قال تعالى: {أية : إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين}تفسير : [الجاثية: 32]. وقد يستعمل الظن بمعنى العلم اليقين. ومعنى {ولقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض}: أن فرعون لم يبق في نفسه شك في أن تلك الآيات لا تكون إلا بتسخير الله إذ لا يقدر عليها غيرُ الله، وأنه إنما قال: {إني لأظنك يا موسى مسحوراً} عناداً ومكابرة وكبرياء. وأكد كلام موسى بلام القسم وحرف التحقيق تحقيقاً لحصول علم فرعون بذلك. وإنما أيقن موسى بأن فرعون قد علم بذلك: إما بوحي من الله أعلمه به، وإما برأي مُصيب، لأن حصول العلم عند قيام البرهان الضروري حصول عقلي طبيعي لا يتخلف عن عقل سليم. وقرأ الكسائي وحده {لقد علمتُ} ــــ بضم التاء ــــ، أي أن تلك الآيات ليست بسحر كما زعمتَ كناية على أنه واثق من نفسه السلامة من السحر. والإشارة بــــ {هؤلاء} إلى الآيات التسع جيء لها باسم إشارة العاقل، وهو استعمال مشهور. ومنه قوله تعالى: {أية : إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}تفسير : [الإسراء: 36]، وقول جرير: شعر : ذُم المنازل بعد منزلة اللوى والعيشَ بعد أولئِك الأيام تفسير : والأكثر أن يشار ب (أولاء) إلى العاقل. والبصائر: الحجج المفيدة للبصيرة، أي العلم، فكأنها نفس البصيرة. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : هذا بصائر من ربكم}تفسير : في آخر سورة [الأعراف: 203]. وعبر عن الله بطريق إضافة وصف الرب للسماوات والأرض تذكيراً بأن الذي خلق السماوات والأرض هو القادر على أن يخلق مثل هذه الخوارق. والمثبور: الذي أصابه الثُبور وهو الهلاك. وهذا نذارة وتهديد لفرعون بقرب هلاكه. وإنما جعله موسى ظناً تأدباً مع الله تعالى، أو لأنه علم ذلك باستقراء تام أفاده هلاك المعاندين للرسل، ولكنه لم يدر لعل فرعون يقلع عن ذلك وكان عنده احتمالاً ضعيفاً، فلذلك جعل توقع هلاك فرعون ظناً. ويجوز أن يكون الظن هنا مستعملاً بمعنى اليقين كما تقدم آنفاً. وفي ذكر هذا من قصة موسى إتمام لتمثيل حال معاندي الرسالة المحمدية بحال من عاند رسالة موسى عليه السلام. وجاء في جواب موسى عليه السلام لفرعون بمثل ما شافهه فرعون به من قوله: {إني لأظنك يا موسى مسحوراً} مقارعة له وإظهاراً لكونه لا يخافه وأنه يعامله معاملة المثل قال تعالى: {أية : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}تفسير : [البقرة: 194].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} الآية. قال بعض أهل العلم: هذه الآيات التسع، هي: العصا، واليد، والسنون. والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، آيات مفصلات. وقد بين جل وعلا هذه الآيات في مواضع أخر. كقوله: {أية : فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ}تفسير : [الأعراف:107-108]، وقوله: {أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ}تفسير : [الأعراف:130] الآية، وقوله: {أية : فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيم}تفسير : [الشعراء:63]، وقوله: {أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ آيَاتٍ مّفَصَّلاَتٍ}تفسير : [الأعراف:133] إلى غير ذلك من الآيات المبينة لما ذكرنا. وجعل بعضهم الجبل بدل "السنين" وعليه فقد بين ذلك قوله تعالى: {أية : وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ}تفسير : [الأعراف:171] ونحوها من الآيات.
القطان
تفسير : مسحورا: مخبول العقل. بصائر: حججا وبينات. مثبورا: هالكا. يستفزهم: يخرجهم من الارض. جئنا بكم فليفا: جميعاً. ولو أوتي هؤلاء من الآيات ما اقترحوا، لما آمنوا بها، ولقد آتينا موسى تسع آيات هي: العصا، واليد البيضاء. والطوفان. والجراد والضفادع والقمل والدم. والجدب ونقص الثمار وفلق البحر، وابنجاس الماء من الحجر. ونتوق الجبل كانه مظلة. وخطابه لربه، واسأل بني اسرائيل لما جاءهم، فانهم مع كل ذلك كفروا وقال فرعون لموسى: اني اظنك مسحورا. قال موسى: لقد علمتَ يا فرعون ان الذي انزل الآيات هو الله خالق هذا الكون وربه. وهي دائل واضحة تبصرك بصدقي، ولكنك تكابر وتعاند، واني لأظنك يا فرعون هالكا. فتمادى فرعون بطغيانه، فاراد ان يخرج موسى وبني اسرائيل من ارض مصر فاغرقناه مع جنوده جميعا. قراءات: قرأ الكسائي: "لقد علمت" بضم التاء والباقون: بفتحها. ونجينا موسى وقومه، وقلنا من بعد اغراق فرعون لبني اسرائيل، اسكنوا حيث شئتم بمصر او الشام، وكان المفروض ان يشكروا الله ان خلصهم من ذلك البلاء الكبير، ولكنهم لم يلبثوا ان عبدوا العجل من دون الله، وبدلوا نعمة الله كفرا، فاذا جاء وقت الحياة الاخرى جئنا بكم من قبوركم جميعا ثم نحكم بينكم بالعدل.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَيْنَا} {آيَاتٍ} {بَيِّنَاتٍ} {فَسْئَلْ} {إِسْرَائِيلَ} {يٰمُوسَىٰ} (101) - لَقَدْ أَعْطَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ وَاضِحَاتِ الدَّلاَلَةِ عَلَى صِحَّة نُبُوَّتِهِ، وَصِدْقِهِ حِينَ أَرْسَلْنَاهُ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا، وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا. وَقَالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسَى: إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَخْبُولَ العَقْلِ، إِذِ ادَّعَيْتَ أَنَّكَ رُسُولٌ مِنَ اللهِ. فَاسْأَلْ يَا مُحَمَّدُ اليَهُودَ الَّذِينَ هُمْ فِي زَمَانِكَ، سُؤَالَ اسْتِشْهَادٍ، لِتَزِيدَ طُمَأْنِينَتَكَ وَيَقِينكَ، وَلِتَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ مُحَقَّقٌ ثَابِتٌ فِي كِتَابِهِمْ. مَسْحُوراً - مَغْلُوباً عَلَى عَقْلِهِ بِالسِّحْرِ - أَوْ سَاحِراً.
الثعلبي
تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} قال ابن عبّاس والضحاك: هي العصا واليد البيضاء والعقدة التي كانت بلسانه فحلها وفلق البحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وقال: عكرمة: مطر، الوراق وقتادة ومجاهد والشعبي وعطاء: هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد والسنون ونقص من الثمرات. وعن محمّد بن كعب القرظي قال: سألني عمر بن عبد العزيز عن الآيات التسع، فقلت: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات وعصا موسى ويده والطمس والبحر. فقال عمر: وأنا أعرف إن الطمس إحداهن. قال محمّد بن كعب: إن رجل منهم كان مع أهله في فراشه وقد صار حجرين، وإن المرأة منهم لقائمة تختبز وقد صارت حجراً، وإن المرأة منهم لفي الحمام وإنها تصير حجراً. فقال عمر: كيف يكون الفقه إلاّ هكذا ثمّ دعا بخريطة فيها أشياء مما كانت اُصيبت لعبد العزيز بن مروان بمصر حين كان عليها من بقايا آل فرعون فأخرج منها البيضة مشقوقة [قطعاً] وإنها لحجر وأخرج الجوزة مشقوقة وإنها لحجر وإخرج أشباه ذلك من الفواكة وإنها لحجارة، وأخرج دراهم ودنانير وفلوساً وإنها لحجارة. فعلى هذا القول يكون الآيات بمعنى الدلالات والمعجزات. وقال بعضهم: هي بمعنى آيات الكتاب. روى شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن صفوان بن غسان المرادي: "حديث : إن يهودياً قال لصاحبه: تعالَ حتّى نسأل هذا النبي، فقال الآخر: لا تقل نبي لأنه لو سمع صارت له أربعة أعين فأتياه فسألاه عن هذه الآية {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ}. فقال صلى الله عليه وسلم لا تشركوا بالله شيئاً ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلاّ بالحق ولا تزنوا ولا تأكلوا الربا ولا تسحروا ولا تمشوا بالبرىء إلى سلطان ليقتله ولا تسرقوا ولا تقذفوا المحصنة ولا تولوا يوم الزحف، وعليكم خاصة في اليهود أن لا يتعدوا في السبت". فقبّلوا يده (ورجله) وقالوا: نشهد أنّك نبي، قال: "فما يمنعكم أن تتبعوني؟" قالوا: إن داود دعا أن لا يزال في ذريته نبي، وإنَّا نخاف إن اتبعناك تقتلنا اليهود . تفسير : {فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ} موسى (عليه السلام)، وهو قراءة العامة، وروى حنظلة السِّدوسي عن شهر بن حوشب عن ابن عباس أنّه قرأ {فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ} على الخبر وقال: سأل موسى فرعون أن يخلِّي سبيل بني إسرائيل ويرسلهم معه. فقال له فرعون: {إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً} أي قد سحروك، قاله الكلبي، وقال ابن عباس: مخدوعاً، وقال محمد بن جرير: يعطي علم السحر فهذه العجائب التي يفعلها من سحرك، وقال الفرّاء وأبو عبيد: ساحراً فوضع المفعول موضع الفاعل، كما يقال: هو مشؤوم وميمون أي شائم ويامن، وقيل: معناه: وإنّي لأعلمك يا موسى بشراً ذا سحر، أي له رئة. قال موسى: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ} قراءة العامة بفتح التاء خطاباً لفرعون، وقرأ الكسائي بضم التاء وهي قراءة علي. روى شعبة عن أبي إسحاق عن رجل من مراد عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) أنه قرأها: لقد علمتُ برفع التاء وقال: والله ما علم عدواً لله ولكن موسى هو الذي علم، قال: فبلّغت ابن عباس فقال: إنها لقد علمتُ تصديقاً لقوله: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ} تفسير : [النمل: 14]. قال أبو عبيد: والمأخوذ عندنا نصب التاء، وهو أصح من المعنى الذي احتجِّ به ابن عباس، ولأن موسى (عليه السلام) لا يحتج بأن يقول علمت أنا وهو الرسول الداعي، ولو كان مع هذا كلِّه تصح تلك القراءة [عن علي] لكانت حجة، ولكنها ليست تثبت عنه إنما هي عن رجل مجهول، ولا نعلم أحداً من القرّاء تمسك بها غير الكسائي، والرجل المرادي الذي روى عنه أبو إسحاق هو كلثوم المرادي. {مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ} الآيات التسع {إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ} جمع بصيرة {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً} قال ابن عباس: يعني ملعوناً، مجاهد: هالكاً، قتادة: مهلكاً. وروى عيسى بن موسى عن عطية العوفي في قوله: {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً} قال: مُبدّلا، ابن زيد: مخبولا، لا عقل لك، مقاتل: مغلوباً، ابن كيسان: بعيداً عن الخيرات، وروى سفيان بن حصين عن الحسن في قوله: {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً} قال [سلاحاً] في القطيفة. قال مجاهد: دخل موسى على فرعون في يوم شات وعليه قطيفة له فألقى موسى عصاه فرأى فرعون جانبي البيت بين [فقميها]، ففزع فرعون وأحدث في قطيفته. وعن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: كنت قائماً على رأس المأمون وهو يناظر رجلا فسمعته يقول: يا مثبور، ثم أقبل عليَّ فقال: يا إبراهيم ما معنى: يا مثبور؟ قلت: لا أدري، فقال: حدّثني الرشيد قال: حدّثني أمير المؤمنين المنصور فسمعته يقول لرجل يا مثبور، فقلت له: يا أمير المؤمنين ما معنى مثبور؟ قال: قال ميمون بن مهران قال ابن عباس في قوله: {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً} قال: ناقص العقل، قال الفرّاء: يعني مصروفاً ممنوعاً من الخير، والعرب تقول: ما ثبرك عن هذا الحق؟ أي ما منعك عنه وصرفك، وثبره الله يثبره ومثبره وهو لغتان، وقال ابن الزهري: الغليظ الأرب إذا بارى الشيطان في سنن الغي ومن مال ميله مثبور. {فَأَرَادًَ} فرعون {أَن يَسْتَفِزَّهُم} يعني يخرجهم، أي بني إسرائيل {مِّنَ ٱلأَرْضِ} أي أرض مصر والشام. {فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعا} ونجّينا موسى وقومه {وَقُلْنَا} {مِن بَعْدِهِ} أي من بعد هلاك فرعون وقومه {لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ} يعني مصر والشام {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ} وهي الساعة {جِئْنَا بِكُمْ} من قبوركم الى موقف القيامة {لَفِيفاً} مختلطين وقد التفَّ بعضكم ببعض لا تتعارفون ولا ينحاز [أحدكم] إلى قبيلته وحيّه، وهو من قول الجيوش إذا اختلطوا، وكل شيء اختلط بشيء تعطّف به والتفّ. وقال مجاهد والضحاك: [لفيفاً] أي جميعاً، ووحّد اللفيف وهو خبر عن الجمع لأنه بمعنى المصدر كقول القائل: لففته لفاً ولفيفاً. وقال الكلبي {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ} يعني مجيء عيسى ابن مريم من السماء جئنا بكم لفيفاً وقال البزّار: من ههنا وههنا، يقول: جميعاً. وهذه القصة تعزية لنبيّنا صلى الله عليه وسلم وتقوية لقلبه، يقول الله تعالى: {أية : مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ} تفسير : [طه: 2] فكذبك كفار قومك من مكة كذلك آتيت موسى التوراة فكذبه فرعون وقومه، وكما أراد أهل مكة أن يستفزّوك منها، كذلك أراد فرعون أن يستفزّ موسى وبني إسرائيل من مصر، فأنجيناهم منهم وأظفرتهم عليهم، وكذلك أظفرتك على أعدائك، وأتمّ نعمتي عليك وعلى من اتّبعك نصرةً للدين ولو كره الكافرون، فأنجز الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده وله الحمد والمنّة. {وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ} يعني القرآن {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ} يا محمد {إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ} أي وأنزلناه قرآناً ففصّلناه. قرأ ابن عباس: فرّقناه بالتشديد وقال: لأنه لم ينزل مرة واحدة وانما أنزل [نجوماً] في عشرين سنة، وتصديقه قراءة أُبي بن كعب وقرآناً فرّقناه عليك، وقرأ الباقون بالتخفيف كقوله {أية : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}تفسير : [الدخان: 4]. قال ابن عباس فصّلناه، قال الحسن: فرّق الله به بين الحق والباطل، وقرأ الآخرون: بيّناه. {لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ} أي تؤدة ومهل في ثلاث وعشرين سنة {وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً * قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ} أمر وعد وتهديد {إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ} أي من قبل نزول القرآن وخروج محمد صلى الله عليه وسلم وهم مؤمنو أهل الكتاب {إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} يعني القرآن {يَخِرُّونَ} يسقطون { لِلأَذْقَانِ} على الأذقان وهي جمع الذقن وهو مجتمع اللحيين، قال ابن عباس أراد الوجوه {سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً} قال مجاهد: هم ناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم {أية : خَرُّواْ سُجَّداً} تفسير : [السجدة: 15] ان كان أي وقد كان وعد ربنا لمفعولا {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ} نزول القرآن {خُشُوعاً} وخضوعاً وتواضعاً لربّهم. قال عبد الأعلى التيمي: من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق أنْ لا يكون أوتي علماً ينفعه، وتلا هذه الآية، نظيرها قوله: {أية : إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً} تفسير : [مريم: 58]. {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ} الآية، قال ابن عباس: تهجّد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فجعل يقول في سجوده: يا الله يا رحمن يا رحيم، فقال المشركون: كان محمد يدعو إلهاً واحداً فهو الآن يدعوا إلهين اثنين الله والرحمن، والله ما نعرف الرحمن إلاّ رحمن اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب، فأنزل الله عزَّ وجلَّ هذه الآية. قال ميمون بن مهران: كان النبي صلى الله عليه وسلم في أول ما أوحي إليه يكتب: باسمك اللهم حتى نزلت هذه الآية: {أية : إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} تفسير : [النمل: 30] فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال مشركو العرب: هذا الرحيم نعرفه فما الرحمن؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. الضحاك: قال أهل الكتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنّك لتقلّ ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم، فأنزل الله تعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ} الآية. {أَيّاً مَّا تَدْعُواْ} من هذين الاسمين ومن جميع أسمائه {فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ} [.......] مجازه: أيّاً تدعوا، كقوله: {أية : عَمَّا قَلِيلٍ} تفسير : [المؤمنون: 40] و {أية : جُندٌ مَّا هُنَالِكَ} تفسير : [ص: 11]. {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلّى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فاذا سمع ذلك المشركون سبّوا القرآن ومن أنزله ومن تلا به كما حكاه القرآن: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَواْ فِيهِ} تفسير : [فصلت: 26] ربما صفّروا ليغلّطوا النبي صلى الله عليه وسلم ويخلطوا عليه قراءته فأنزل الله تعالى {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} أي في الصلاة فيسمع المشركون فيؤذوك، ولا تخافت بها فلا يسمع أصحابك حتى يأخذوا عنك. وقال سعيد: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بقراءة القرآن في المسجد الحرام، فقالت قريش: لا تجهر بالقراءة فتؤذي آلهتنا فنهجو ربك، وقال مقاتل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي في دار أبي سفيان بن حرب عند الصفا، يجهر بقرائته فمرَّ به أبو جهل فقال: لا تفتر على الله، فجعل يخفت صوته، فقال أبو جهل للمشركين: ألا ترون ما فعلت بابن أبي كبشة، رددته عن قراءته فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروى [علقمة] عن ابن سيرين في هذه الآية قال: كان أبو بكر (رضي الله عنه) يخافت بالقراءة في الصلاة ويقول: أناجي ربي، وقد علم بحاجتي، وكان عمر بن الخطاب يرفع صوته ويقول: أزجر الشيطان وأوقظ المنان، فأمر أبو بكر حين نزلت هذه الآية أن يرفع صوته شيئاً، وأمر عمر أن يخفض شيئاً. وقالت عائشة رضي (رضي الله عنه): نزلت هذه الآية في التشهد، كان الأعرابي يجهر فيقول: التحيات لله والصلوات ويرفع بها صوته، فنزلت هذه الآية، وقال الحسن: (لا تراءِ) بصلاتك في العلانية ولا [تُسئها] في السر. الوالبي عن ابن عباس: لا تصلِّ مرائياً الناس، ولا تدعها مخافة الناس، ابن زيد: كان أهل الكتاب يخافتون في الصلاة، لم يجهر أحدهم بالحرف فيصيح ويصيح من وراءه، فنهاه الله أن يصيح كما يصيحون، وخافت كما يخافتون، والسبيل الذي بين ذلك الذي بيّن له جبرئيل في الصلاة. وقال: علي والنخعي ومجاهد وابن مكحول: هي في الدعاء، [وبه قال أشعث عن] عطية عن ابن عباس، وقال عبد الله بن شدّاد: حديث : كان أعراب من بني تميم إذا سلّم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: "اللهم ارزقنا"، فقال لهم: أتجهرون؟ فأنزل الله هذه الآية . تفسير : ابن وهب عن عمرو بن الحرث عن دراج أبي السمح أن شيخاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حدّثه "حديث : أن رسول الله قال في هذه الآية: إنما أُنزلت في الدعاء، يقول: لا ترفع صوتك في الدعاء عند استغفارك واذكر ذنوبك فيسمع منك فتعبِّر بها وتخافت في الصوت والسكون"تفسير : ، ومنه يقال للميّت إذا برد خفت. {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ} أي بين الجهر والإخفات {سَبِيلاً * وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} قال الحسين بن الفضل: يعني الذي عرّفني أنّه لم يتخذ ولداً {وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ} قال مجاهد: لم يذل فيحتاج الى ولي يتعزز به. {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} وعظّمه أن يكون له شريك أو ولي، قال عمر بن الخطاب ح: قول العبد: "الله أكبر" خير من الدنيا وما فيها. وروى سهل بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : آية العزّ {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} " تفسير : الى آخره. وروى سفيان بن وكيع عن سفيان بن عيينة عن عبد الكريم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علّمه هذه الآية سبع مرات. وروى محمد بن سلمة عن عبد الحميد بن واصل قال: من قرأ آخر بني إسرائيل كتب الله له من الأجر ملء السموات والأرض؛ لأن الله يقول فيمن زعم أن له ولدا {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً} تفسير : [مريم: 90-91] قال: فيكتب له من الأجر على قدر ذلك.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقد سبق أن اقترح كفار مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة آيات ذُكرَتْ في قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ ..}تفسير : [الإسراء: 90-93]. فأراد الحق سبحانه أنْ يُلفِت نظره أن سابقيهم من اليهود أتتهم تسع آيات ونزلت عليهم دون أنْ يطلبوها، ومع ذلك كفروا، فالمسألة كلها تعنّت وعناد من أهل الكفر في كل زمان ومكان. ومعنى {بَيِّنَاتٍ ..} [الإسراء: 101] أي: واضحات مشهورات بَلْقَاء كالصبح، لأنها حدثت جميعها على مَرْأىً ومشهد من الناس. والمراد بالآيات التسع هنا هي الآيات الخاصة بفرعون؛ لأن كثيرين يخلطون بين معجزات موسى إلى فرعون، ومعجزاته إلى بني إسرائيل. إذن: فقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ..} [الإسراء: 101] هي الآيات التي أُرسِل بها إلى فرعون وقومه وهي: العصا التي انقلبتْ حية، واليد التي أخرجها من جيبه بيضاء مُنورة، وأَخْذ آل فرعون بالسنين ونَقْصٍ من الأموال والأنفس والثمرات، ثم لما كذَّبوا أنزل الله عليهم الطوفان، والجراد، والقُمّل، والضفادع، والدم، هذه تسع آيات خاصة بما دار بين موسى وفرعون. أما المعجزات الأخرى مثل العصا التي ضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، ونتق الجبل فوقهم كأنه ظُلَّة، وإنزال المنِّ والسَّلْوى عليهم، فهذه آيات خاصة ببني إسرائيل. وقوله تعالى: {فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ..} [الإسراء: 101] والأمر هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن كيف يسأل بني إسرائيل الذين جاءهم موسى - عليه السلام - وقد ماتوا، والموجود الآن ذريتهم؟ نقول: لأن السؤال لذريتهم هو عَيْن سؤالهم، لأنهم تناقلوا الأحداث جيلاً بعد جيل؛ لذلك قال تعالى مُخاطباً بني إسرائيل المعاصرين لرسول الله: {أية : وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ}تفسير : [إبراهيم: 6]. والنجاة لم تكُنْ لهؤلاء، بل لأجدادهم المعاصرين لفرعون، لكن خاطبهم الحق بقوله {أَنجَاكُمْ} لأنه سبحانه لو أهلك أجدادهم لما وُجِدُوا هم، فكأن نجاة السابقين نجاةٌ للاحقين. ويسأل رسول الله بني إسرائيل لأنهم هم الأمة التي لها ممارسة مع منهج الله ووحيه، ولها اتصال بالرسل وبالكتب المنزَّلة كالتوراة والإنجيل، أما مشركو قريش فليس لهم صِلَة سابقة بوَحْي السماء؛ لذلك لما كذَّبوا رسول الله خاطبه بقوله: {أية : قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ}تفسير : [الرعد: 43]. لأن الذي عنده عِلْم من الكتاب: اليهود أو النصارى عندهم عِلْم في كتبهم وبشارة ببعثة محمد، وهم يعرفونه ويعرفون أوصافه وزمن بعثته، بل ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم، بل وأكثر من معرفتهم لأبنائهم، كما قال واحد منهم. وسؤال رسول الله لبني إسرائيل سؤالَ حُجَّةٍ واستشهاد؛ لأن قومه سألوه وطلبوا أنْ يظهر لهم عدة آيات - سبق ذِكْرها - لكي يؤمنوا به، فأراد أنْ يُنبّههم إلى تاريخ إخوانهم وسابقيهم على مَرِّ العصور، وقد أنزل الله لهم الآيات الواضحات والمعجزات الباهرات ومع ذلك كفروا ولجُّوا ولم يؤمنوا، فقوم فرعون رَأَوْا من موسى تسع آيات وكفروا، وقوم صالح: {أية : وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا..}تفسير : [الإسراء: 59] ولَيْتهم كذَّبوا وكفروا بهذه الآية فحَسْب، بل واعتدَوْا عليها وعقروها. لذلك قال تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ ..}تفسير : [الإسراء: 59] أي: التي اقترحوها {أية : إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ ..}تفسير : [الإسراء: 59] وما دام كذَّب بها الأولون فسوف يُكذِّب بها هؤلاء؛ لأن الكفر مِلَّة واحدة في كل زمان ومكان. إذن: مسألة طلب الآيات واقتراح المعجزات ليستْ في الحقيقة رغبة في الإيمان، بل مجرد عناد ولَجَج ومحاولة للتعنُّت والجدَل العقيم لإضاعة الوقت. ثم يقول تعالى: {فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ} [الإسراء: 101] أي: بعد أنْ رأى الآيات كلها: {إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً} [الإسراء: 101] فاتهمه بالسحر بعد أنْ أراه كُلَّ هذه الدلائل والمعجزات. وكلمة {مَسْحُوراً} [الإسراء: 101] اسم مفعول بمعنى سحره غيره، وقد يأتي اسم المفعول دالاً على اسم الفاعل لحكمة، كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً}تفسير : [الإسراء: 45]. والحجاب يكون ساتراً لا مستوراً، لكن الحق سبحانه جعل الحجاب نفسه مستوراً مبالغة في السَّتْر، كما نبالغ نحن الآن في استعمال الستائر، فنجعلها من طبقتين مثلاً. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {أية : ظِـلاًّ ظَلِيلاً}تفسير : [النساء: 57] فالظل نفسه مُظلَّل، ونستطيع أن نلاحظ هذه الظاهرة إذا جلسنا في الحرِّ تحت شجرة، فسوف نجد الهواء تحتها رَطباً بارداً، لماذا؟ لأن أوراق الشجر مُتراكمة يُظلّل بعضها بعضاً، فتجد أعلاك طبقات متعددة من الظل، فتشعر في النهاية بجو لطيف مُكيف تكييفاً ربانياً. إذن: قوله {مَسْحُوراً} تفيد أنه سحَر غيره، أو سحره غيره؛ لأن المسحور هو الذي أَلَمَّ به السحر، إما فاعلاً له، أو مفعولاً عليه. وهذه الكلمة قالها كفار مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: {أية : إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً}تفسير : [الإسراء: 47] والمسحور بمعنى المخبول الذي أثّر في السحر، فصار مخبولاً مجنوناً، وهذا كذب وافتراء على رسول الله من السهل رَدُّه وضَحْده. فإنْ كان ساحراً، فكيف يسحره غيره؟! ولماذا لم يسحركم كما سحر الذين آمنوا به؟ لماذا تأبَّيتم أنتم على سحره فلم تؤمنوا؟ وإنْ كان مسحوراً مَخْبُولاً، والمخبول تتأتّى منه حركات وأقوال دون أنْ تَمُرّ على العقل الواعي الذي يختار بين البديلات، فلا يكون له سيطرة على إراداته ولا على خُلقه، فهل عهدكم بمحمد أنْ كان مَخبولاً؟ هل رأيتم عليه مثل هذه الصفات؟ لذلك رَدَّ الحق سبحانه عليهم هذا الافتراء بقوله تعالى: {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}تفسير : [القلم: 1-4]. والمجنون لا يكون على خُلُق أبداً. وسوف يناقض فرعون نفسه، فبعد أنْ اتهم موسى بالسحر، ثم كانت الغَلَبة لموسى، وخَرَّ السحرة ساجدين، قال: {أية : إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ..}تفسير : [طه: 71] وهذا دليل على التخبُّط والإفلاس. ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} قال: الإِمامُ أَبو الحُسين زيد بن علي عليهما السَّلامُ: وهي الطُّوفانُ، والمَوتُ والجَرادُ، والقمَّلُ، والضَّفَادعُ، والدَّمُ، ولِسَانُهُ وعَصاهُ والبَحرُ. ويقالُ الطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمّلُ، والضَّفادعُ، والدَّمُ، والعَصا، والسِنينُ ونَقصٍ منَ الثَّمراتِ، وَيَدُّهُ. ويقالُ [الطُّوفان] والجَرادُ، والقُمّلُ، والضَّفادعُ، والدَّمُ، وعَصَاه، ويَدُّه، قال الإِمام زيد بن علي عليهما السلام: وكانتْ عَصا مُوسى عَليهِ السَّلامُ مِن عَوسجٍ، وَلَم تُسَخرْ لأحدٍ بَعدَهُ. وكان اسمُها مَاسا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: لست أيها الرسول المؤيد بالآيات، أول رسول كذبه الناس، فلقد أرسلنا قبلك موسى ابن عمران الكليم، إلى فرعون وقومه، وآتيناه { تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } كل واحدة منها تكفي لمن قصده اتباع الحق، كالحية، والعصا، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والرجز، وفلق البحر. فإن شككت في شيء من ذلك { فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ } مع هذه الآيات { إِنِّي لأظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا } . فـ { قَالَ } له موسى { لَقَدْ عَلِمْتَ } يا فرعون { مَا أَنزلَ هَؤُلاءِ } الآيات { إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ } منه لعباده، فليس قولك هذا بالحقيقة، وإنما قلت ذلك ترويجًا على قومك، واستخفافًا لهم. { وَإِنِّي لأظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا } أي: ممقوتًا، ملقى في العذاب، لك الويل والذم واللعنة. { فَأَرَادَ } فرعون { أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأرْضِ } أن: يجليهم ويخرجهم منها. { فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا } وأورثنا بني إسرائيل أرضهم وديارهم. ولهذا قال: { وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا } أي: جميعًا ليجازى كل عامل بعمله.
همام الصنعاني
تفسير : 1632- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، عن ابن عباس في قوله: {تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ}: [الآية: 101]، قال: هِيَ متتابعات، وهي في سورة الأعراف، {أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ}تفسير : : [الآعراف: 130]، قال: السنين لأهل البوادي، ونقْصٍ من الثَّمَرات لأهل الْقُرى فهاتان آيتانا، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم، فهذه خمس، ويد موسى إذ أخرجها بيضاء من غير سُوء. والسوء البرص، وعَصَاهُ إذ ألقاها فإذا هِي ثعبان مبين. 1633- حدثنا عبد الرزاق، قال معمر، وقال الحسن: {أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ}تفسير : : [الأعراف: 30]، قال: هذه آية واحدة، و الطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع, والدم، ويد موسى وعصى موسى، إذ ألقاها فإذا هي ثعبان مبين، وإذا ألقاها فإذا هي تلقف ما يأفكون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):