Verse. 2131 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَاۗ اَنْزَلَ ہٰۗؤُلَاۗءِ اِلَّا رَبُّ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ بَصَاۗىِٕرَ۝۰ۚ وَاِنِّىْ لَاَظُنُّكَ يٰفِرْعَوْنُ مَثْبُوْرًا۝۱۰۲
Qala laqad AAalimta ma anzala haolai illa rabbu alssamawati waalardi basaira wainnee laathunnuka ya firAAawnu mathbooran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء» الآيات «إلا رب السماوات والأرض بصائر» عبرا، ولكنك تعاند وفي قراءة بضم التاء «وإني لأظنك يا فرعون مثبورا» هالكا أو مصروفا عن الخير.

102

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ} يعني الآيات التسع. و«أنزل» بمعنى أوجد. {إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ} أي دلالات يستدل بها على قدرته ووحدانيته. وقراءة العامة «علمت» بفتح التاء، خطاباً لفرعون. وقرأ الكسائي بضم التاء، وهي قراءة عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه؛ وقال: والله ما علم عدوّ الله ولكن موسى هو الذي علم، فبلغت ابن عباس فقال: إنها «لقد علمت»، واحتج بقوله تعالى: {وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً}. ونسب فرعون إلى العناد. وقال أبو عبيد: والمأخوذ به عندنا فتح التاء، وهو الأصح للمعنى الذي احتج به ابن عباس؛ ولأن موسى لا يحتج بقوله: علمت أنا، وهو الرسول الداعي، ولو كان مع هذا كلّه تصح به القراءة عن عليّ لكانت حجة، ولكن لا تثبت عنه، إنما هي عن كلثوم المراديّ وهو مجهول لا يعرف، ولا نعلم أحداً قرأ بها غير الكسائي. وقيل: إنما أضاف موسى إلى فرعون العلم بهذه المعجزات؛ لأن فرعون قد علم مقدار ما يتهيأ للسحرة فعله، وأن مثل ما فعل موسى لا يتهيأ لساحر، وأنه لا يقدر على فعله إلا من يفعل الأجسام ويملك السموات والأرض. وقال مجاهد: دخل موسى على فرعون في يوم شات وعليه قطيفة له، فألقى موسى عصاه فإذا هي ثعبان، فرأى فرعون جانبي البيت بين فُقْمَيْها، ففزع وأحدث في قطيفته. (الفقم بالضم اللحى، وفي الحديث «حديث : من حفظ ما بين فقميه»تفسير : أي ما بين لحييه). {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً} الظن هنا بمعنى التحقيق. والثبور: الهلاك والخسران أيضاً. قال الكُمَيْت:شعر : ورأتْ قُضاعة في الأيَا مِن رأي مَثْبُورٍ وثابر تفسير : أي مخسور وخاسر، يعني في انتسابها إلى اليمن. وقيل: ملعوناً رواه المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقاله أبان بن تغلب. وأنشد:شعر : يا قومنا لا تَرُومُوا حَرْبَنَا سَفَهاً إنّ السَّفاه وإن البَغْيَ مثبورُ تفسير : أي ملعون. وقال ميمون بن مهران عن ابن عباس: «مثبوراً» ناقص العقل. ونظر المأمون رجلاً فقال له: يا مثبور؛ فسئل عنه قال: قال الرشيد قال المنصور لرجل: مثبور؛ فسألته فقال: حدثني ميمون بن مهران... فذكره. وقال قتادة هالكاً. وعنه أيضاً والحسن ومجاهد: مهلكاً. والثّبُور: الهلاك؛ يقال: ثَبَر الله العدوّ ثبوراً أهلكه. وقيل: ممنوعاً من الخير. حكى أهل اللغة: ما ثبرك عن كذا أي ما منعك منه. وثبره الله يثبره ويُثَبِّره لغتان. قال ابن الزِّبَعْرَى:شعر : إذ أُجاري الشيطان في سنَن الغَـ ـيّ ومن مال مَيْلَه مثبور تفسير : الضحاك: «مثبوراً» مسحوراً. ردّ عليه مثل ما قال له باختلاف اللفظ. وقال ابن زيد: «مثبوراً» مخبولاً لا عقل له.

البيضاوي

تفسير : {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ } يا فرعون وقرأ الكسائي بالضم على إخباره عن نفسه. {مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء } يعني الآيات. {إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَصَائِرَ} بينات تبصرك صدقي ولكنك تعاند وانتصابه على الحال. {وَإِنّى لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُورًا} مصروفاً عن الخير مطبوعاً على الشر من قولهم: ما ثبرك عن هذا، أي ما صرفك أو هالكاً قارع ظنه بظنه وشتان ما بين الظنين فإن ظن فرعون كذب بحت وظن موسى يحوم حول اليقين من تظاهر أماراته. وقرىء «وإن أخالك يا فرعون لمثبوراً» على إن المخففة واللام هي الفارقة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هـَٰؤُلآءِ } الآيات {إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ } عِبَراً، ولكنك تعاند. وفي قراءة بضم التاء {وَإِنِّى لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُورًا } هالكاً أو مصروفاً عن الخير.

ابن عطية

تفسير : روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره أنه قرأ "علمتُ" بتاء المتكلم مضمومة، وقال ما علم عدو الله قط، وإنما علم موسى، وتتقوى هذه القراءة لمن تأول {مسحوراً} [الإسراء: 101] على بابه، فلما رماه فرعون بأنه قد سحر ففسد نظره وعقله وكلامه، رد هو عليه بأنه يعلم آيات الله، وأنه ليس بمسحور، بل محرر لما يأتي به، وهي قراءة الكسائي، وقرأ الجمهور "لقد علمتَ" بتاء المخاطب مفتوحة، فكأن موسى عليه السلام رماه بأنه يكفر عناداً، ومن قال بوقوع الكفر عناداً فله تعلق بهذه الآية، وجعلها كقوله عز وجل: {أية : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} تفسير : [النمل: 14]، وقد حكى الطبري ذلك عن ابن عباس، ونحا إلى ذلك الزجاج، وهي معرضة للاحتمال على أن يكون قول موسى عليه السلام إبلاغاً على فرعون في التوبيخ، أي أنت بحال من يعلم هذا، وهي من الوضوح بحيث تعلمها، ولم يكن ذلك على جهة الخبر عن علم فرعون، ومن يريد من الآية وقوع الكفر عناداً فإنما يجعل هذا خبراً من موسى عن علم فرعون، والإشارة بـ {هؤلاء} إلى التسع الآيات، وقوله {بصائر} جمع بصيرة، وهي الطريقة أي طرائق يهتدى بها، وكذلك غلب على البصيرة أنها تستعمل في طريقة النفس في نظرها واعتقادها، ونصب {بصائر} على الحال، و"المثبور" المهلك، قاله مجاهد، وقال ابن عباس والضحاك هو المغلوب، وقال ابن زيد هو المخبول، وروي عن ابن عباس أنه فسره بالملعون، وقال بعض العلماء: كان موسى عليه السلام في أول أمره يجزع، ويؤمر بالقول اللين، ويطلب الوزير، فلما تقوت نفسه بقوى النبوءة، تجلد وقابل فرعون بأكثر مما أمره به بحسب اجتهاده الجائر له، قال ابن زيد: اجترأ موسى أن يقول له فوق ما أمره الله به، وقالت فرقة بل "المثبور" المغلوب المختدع، وما كان موسى عليه السلام ليكون لعاناً، ومن اللفظة قول عبد الله بن الزبعرى: [الخفيف] شعر : إذا جاري الشيطان في سنن الغـ ـي ومن مال ميله مثبورا تفسير : وقوله عز وجل {فأراد أن يستفزهم} الآية، {يستفزهم} معناه يستخفهم ويقلعهم، إما بقتل أو بإجلاء، و {الأرض} أرض مصر، وقد تقدم أنه متى ذكرت الأرض عموماً فإنما يراد بها ما يناسب القصة المتكلم فيها، وقد يحسن عمومها في بعض القصص. قال القاضي أبو محمد: واقتضبت هذه الآية قصص موسى مع فرعون وإنما ذكرت عظم الأمر وخطيره، وذلك طرفاه، أراد فرعون غلبتهم وقتلهم وهذا كان بدء الأمر "فأغرقه" الله أغرق جنوده وهذا كان نهاية الأمر، ثم ذكر تعالى أمر {بني إسرائيل} بعد إغراق فرعون بسكنى أرض الشام، و {وعد الآخرة} هو يوم القيامة، و"اللفيف" الجمع المختلط الذي قد لف بعضه إلى بعض، فليس ثم قبائل ولا انحياز، قال بعض اللغويين: هو من أسماء الجموع ولا واحد له من لفظه، وقال الطبري هو بمعنى المصدر كقول القائل لففته لفاً و {لفيفاً} وفي هذا نظر فتأمله.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَثْبُوراً} هالكاً، أو مغلوباً.

النسفي

تفسير : {قَالَ} أي موسى {لَقَدْ عَلِمْتَ} يا فرعون {مَآ أَنزَلَ هَــؤُلاءِ} الآيات {إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} خالقهما {بَصَآئِرَ} حال أي بينات مكشوفات إلا أنك معاند ونحوه {أية : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً} تفسير : [النمل: 14] {علمت} بالضم: عليّ أي إني لست بمسحور كما وصفتني بل أنا عالم بصحة الأمر، وأن هذه الآيات منزلها رب السماوات والأرض. ثم قارع ظنه بظنه بقوله: {وَإِنِّي لأظُنُّكَ يَافرِعَوْنُ مَثْبُوراً} كأنه قال: إن ظننتني مسحوراً فأنَا أظنك مثبوراً هالكاً وظني أصح من ظنك لأن له أمارة ظاهرة وهي إنكارك ما عرفت صحته ومكابرتك لآيات الله بعد وضوحها، وأما ظنك فكذب بحت، لأن قولك مع علمك بصحة أمري {إني لأظنك مسحوراً} قول كذب. وقال الفراء: مثبوراً مصروفاً عن الخير من قولهم «ما ثبرك عن هذا» أي ما منعك وصرفك؟ {فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم} يخرجهم أي موسى وقومه {مِّنَ الأرْضِ} أي أرض مصر أو ينفيهم عن ظهر الأرض بالقتل والاستئصال {فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً} فحاق به مكره بأن استفزه الله بإغراقه مع قبطه {وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ} من بعد فرعون {لِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ} التي أراد فرعون أن يستفزكم منها. {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرَةِ} أي القيامة {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} جمعاً مختلطين إياكم وإياهم ثم نحكم بينكم ونميز بين سعدائكم وأشقيائكم، واللفيف الجماعات من قبائل شتى. {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} وما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة وما نزل إلا ملتبساً بالحق والحكمة لاشتماله على الهداية إلى كل خير، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحق محفوظاً بالرصد من الملائكة، وما نزل على الرسول إلا محفوظاً بهم من تخليط الشياطين. قال الراوي: اشتكى محمد بن السماك فأخذنا ماءه وذهبنا به إلى طبيب نصراني، فاستقبلنا رجل حسن الوجه طيب الرائحة نقي الثوب فقال لنا: إلى أين؟ فقلنا له: إلى فلان الطبيب نريه ماء ابن السماك. فقال: سبحان الله تستعينون على ولي الله بعدو الله! اضربوه على الأرض وارجعوا إلى ابن السماك وقولوا له: ضع يدك على موضع الوجع وقل: {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل} ثم غاب عنا فلم نره فرجعنا إلى ابن السماك فأخبرناه بذلك فوضع يده على موضع الوجع وقال ما قال الرجل وعوفي في الوقت وقال: كان ذلك الخضر عليه السلام {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً} بالجنة {وَنَذِيراً} من النار.

الخازن

تفسير : {قال} موسى {لقد علمت} خطاباً لفرعون. قال ابن عباس: علمه فرعون ولكنه عانده {ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض} يعني الآيات التسع {بصائر} أي بينات يبصر بها {وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً} قال ابن عباس: ملعوناً. وقيل: هالكاً. وقيل: مصروفاً عن الخير {فأراد أن يستفزهم من الأرض} معناه أراد فرعون أن يخرج موسى وبني إسرائيل من أرض مصر {فأغرقناه ومن معه جميعاً} أي أغرقنا فرعون وجنوده ونجينا موسى وقومه {وقلنا من بعده} أي من بعد هلاك فرعون {لنبي إسرائيل اسكنوا الأرض} يعني أرض مصر والشام {فإذا جاء وعد الآخرة} يعني القيامة {جئنا بكم لفيفاً} أي جميعاً إلى موقف القيامة، واللفيف: الجمع الكثير إذا كانوا مختلفين من كل نوع فيهم المؤمن والكافر والبر والفاجر وقيل: أراد بوعد الآخرة نزول عيسى من السماء.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} موسى {لقد علمت} [بدرستى كه تو دانسته اى فرعون بدل خود اكرجه بزبان تلفظ نكنى]. وفى التأويلات النجمية لو نظرت بنظر العقل لعلمت انه {ما انزل هؤلاء} يعنى الآيات التى اظهرها {الا رب السموات والارض} خالقهما ومدبرهما {بصائر} حال من الآيات اى بينات مكشوفات تبصرك صدقى ولكنك تعاند وتكابر. وبالفارسية [آيتهاى روشن كه هريبك دليلست برنبوت من]. وفى التأويلات النجمية اى ترى بنور البصيرة والعقل انتهى. قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر العلم ليس جالبا للسعادة الا من حيث طرده الجهل فلا تحجب بعلمك فان فرعون علم نبوة موسى وابليس علم حال آدم واليهود علموا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى اخوانه وحرموا التوفيق للايمان فاشقاهم زمانا ذلك الاستيقان قال تعالى {أية : وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلما وعلوا}تفسير : قال الكمال الخجندى شعر : در علم محققا جدل نيست از علم مراد جز عمل نيست تفسير : وقال الحافظ شعر : نه من زبى عملى درجهان ملولم وبس ملالت علما هم ز علم بى عملست تفسير : {وانى لاظنك يا فرعون مثبورا} مصروفا عن الخير مطبوعا على الشر من قولهم ما ثبرك عن هذا اى ما صرفك او هالكا فان الثبور الهلاك. وفى التأويلات النجمية اى بلا بصيرة وعقل والظن ظنان ظن كاذب وظن صادق وكان ظن فرعون كاذبا وظن موسى صادقا.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ} اسباب بصيرة اطلق البصائر عليها مبالغة {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ} لاعلمك ادّى بالظّنّ مشاكلة لقوله، او كان ظانّاً لم يعلمه الله بعده عن الخير او هلاكته اكمالاً لدعوته {يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً} مصروفاً عن الخير او هالكاً.

اطفيش

تفسير : {قَالَ} موسى {لَقَدْ عَلِمْتَ} يا فرعون، قال ابن عباس: إِن فرعون قد علم قال موسى حقاً ولكنه عائد وهذا هو الواضح الصحيح، وقرأ على وغيره والكسائى بضم التاء على إِخبار موسى عن نفسه بأَنى عالم بصحة الأَمر ولست مسحوراً قال على: ما علم عدو الله قط وإِنما علم موسى. {مَا أَنزَلَ} ما أوجد {هَؤُلاَءِ} الآيات التسع وفى هذا وقوع هؤلاء لغير العقلاء. {إِلاَّ رَبُّ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ} وجملة حرف النفى وما بعده سدت مسد مفعولى علم لأَنها علقت بحرف النفى. {بَصَائِرَ} جمع بصيرة أى بينات تبصر بها صدقى كما يبصر الإِنسان ببصيرة قلبه وباصرة وجهه ولكنك تعاند كقوله تعالى: {أية : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً}.تفسير : وعن بعض أن بصائر بمعنى عبر أو عن بعض أنه بمعنى مطابق ما صدق الثلاثة واحد ولو اختلف المفهوم ونصب على الحال. {وَإِنِّى لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً} مهلكاً بضم الميم من مهلك وفتح اللام، كذا قول ثم رأْيته لمجاهد فى رواية عنه أو مصروفاً عن الخير مطبوعاً على قلبك، وبه قال الفراء من قولك ما ثبرك عن هذا، أى ما صرفك عنه، وتفسير ابن عباس مثبوراً بملعوناً تفسير بالمعنى والماصدق، ورواه الكلبى وقيل مثبورا بمعنى ثابر أى هالك كما قيل فى مستوراً ومسحورا. وقرأ أبى بن كعب وإن أخالك يا فرعون لمثبوراً بأَن المخففة ولام الفرق وأخالك بمعنى ظن، وإِنما قال موسى أظنك مع أنه جاز مقابلة لقول فرعون أظنك وقلبا عليه والظن يستعمل بمعنى اليقين كما هنا، وأما قول فرعون أظنك فيحتمل أن يريد به اليقين على زعمه تعمد الكذب وأن يريد به الرجحان تعمداً للكذب أيضاً فإِن ادعاء الظن كذب خالص لأَنه جحد ما عرف صحته بخلاف ظن موسى فإِنه يقين معضود بالآيات.

اطفيش

تفسير : {قَالَ} موسى عليه الصلاة والسلام {لَقَدْ عَلِمْتَ} يا فرعون {مَا أَنْزَلَ هؤلاء إِلاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} هؤلاء الآيات التسع أو العشر {بَصَائِرَ} آيات يعتبر بها نصت الآيات على أن فرعون معتقد فى نفسه رسالة موسى صلى الله عليه وسلم، وأن الآيات من الله، ولكنه أنكر عناداً بلسانه، ولعله لا يصح عن على إيجاب ضم تاء علمت كما هو قراءة، وأن فرعون غير عالم بذلك، وبصائر حال من هؤلاء عند من جوز أن يعمل ما قبل إلا فيما بعدها، ولو لم يكن مستثنى أو تابعًا له نحو ما ضربت إِلا عمراً لعصيانه، والمانعون يقدرون محذوفاً أى ضربته لعصيانه فيقدر هنا أنزلها بصائر، ولو فرضنا أنه لم يعلم لصح أن ينزل منزلة من علم. {وَإِنِّى لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} أوقن أنك مثبور، وعبر بالظن لمجانسة قول فرعون إِنى لأظنك يا موسى مسحوراً، وكلا الظنين جزم، لأن فرعون أيضا جازم لفظاً بأَن موسى كاذب، وعالم بأَنه صادق، ومثبوراً مهلكاً ومصروفاً عن الخير، يقال ما ثبرك عن هذا، أى ما صرفك وثبر يتعدى كهذا، ويلزم بمعنى هلك، وقيل مثبوراً مفعول للنسب من اللازم، كما يأتى من المتعدى أى ذا هلاك، أو ذا نقصان عقل، أو ذا خلاف للحق، والصحيح ما ذكرته أولا.

الالوسي

تفسير : {قَالَ} موسى عليه السلام رداً لقوله المذكور {لَقَدْ عَلِمْتَ} يا فرعون {مَا أَنزَلَ هَٰؤُلاء} أي الآيات التسع أو بعضها والإشارة إلى ذلك بما ذكر على حد قوله على إحدى الروايتين:شعر : والعيش بعد أولئك الأيام تفسير : وقد مر {إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي خالقهما ومدبرهما، وحاصل الرد أن علمك بأن هاتيك الآيات من الله تعالى إذ لا يقدر عليها سواه تعالى يقتضي أني لست بمسحور ولا ساحر وأن كلامي غير مختل لكن حب الرياسة حملك على العناد في التعرض لعنوان الربوبية إيماء إلى أن إنزالها من آثار ذلك. وفي «البحر» ((ما أحسن إسناد إنزالها إلى رب السمٰوات والأرض إذ هو عليه السلام لما سأله فرعون في أول محاورته فقال له: {أية : وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الشعراء: 23-24] تنبيهاً على نقصه وأنه لا تصرف له في الوجود فدعواه الربوبية دعوى مستحيل فبكته وأعلمه أنه يعلم آيات الله تعالى ومن أنزلها ولكنه مكابر معاند كقوله تعالى: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} تفسير : [النمل: 14] وخاطبه بذلك على سبيل التوبيخ أي أنت بحال من يعلم هذه أو هي من الوضوح بحيث تعلمها وليس خطابه على جهة إخباره عن علمه)) أو العلم بعلمه ليكون إفادة لازم الخبر كقولك لمن حفظ التوراة حفظت التوراة. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما والكسائي {لَقَدْ عَلِمْتَ} بضم التاء فيكون موسى عليه السلام قد أخبر عن نفسه أنه ليس بمسحور كما زعم عدو الله تعالى وعدوه بل هو يعلم أن ما أنزل تلك الآيات إلا خالق السمٰوات والأرض ومدبرهما. وروي عن الأمير كرم الله تعالى وجهه أنه قال: والله ما علم عدو الله تعالى ولكن موسى عليه السلام هو الذي علم. وتعقبه أبو حيان بأنه لا يصح لأنه رواه كلثوم المرادي وهو مجهول وكيف يقول ذلك باب مدينة العلم كرم الله تعالى وجهه، ووجه نسبة العلم إليه ظاهر. وقد ذكر الجلال السيوطي في «الدر المنثور» أن سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبـي حاتم أخرجوا عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه كان يقرأ بالضم ويقول ذلك ولم يتعقبه بشيء، ولعل هذا المجهول الذي ذكره أبو حيان في أسانيدهم والله تعالى أعلم. وجملة {ما أَنزَلَ} الخ معلق عنها سادة مسد {عَلِمْتَ}. وقوله تعالى: {بَصَائِرَ} حال من {هَٰؤُلاء} والعامل فيه {أَنزَلَ} المذكور عند الحوفي وأبـي البقاء وابن عطية وما قبل إلا يعمل فيما بعدها إذا كان مستثنى منه أو تابعاً له وقد نص الأخفش والكسائي على جواز ما ضرب هنداً إلا زيد ضاحكة ومذهب الجمهور عدم الجواز فإن ورد ما ظاهره ذلك أول عندهم على إضمار فعل يدل عليه ما قبل؛ والتقدير هنا أنزلها بصائر أي بينات مكشوفات تبصرك صدقي، على أنه جمع بصيرة بمعنى مبصرة أي بينة وتطلق البصائر على الحجج بجعلها كأنها بصائر العقول أي ما أنزلها إلا حججاً وأدلة على صدقي وتكون بمعنى العبرة كما ذكره الراغب. هذا ولا يخفى عليك أنه إذا كان المراد من الآيات التسع ما اقتضاه خبر صفوان السابق يجوز أن تكون {هَٰؤُلاء} إشارة / إلى ما أظهره عليه السلام من المعجزات ويعتبر إظهار ذلك فيما يفصح عنه الفاء الفصيحة وإن أبيت إلا جعلها إشارة إلى الآيات المذكورة بذلك المعنى لتحقق جميعها من أول الأمر وثبوتها وقت المحاورة وشدة ملاءمة الإنزال لها احتجت إلى ارتكاب نوع تكلف فيما لا يخفى عليك. {وَإِنّى لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُورًا} أي هالكاً كما روي عن الحسن ومجاهد على أنه من ثبر اللازم بمعنى هلك، ومفعول فيه للنسب بناءاً على أنه يأتي له من اللازم والمتعدي، وفسره بعضهم بمهلكاً وهو ظاهر، وعن الفراء أنه قال: أي مصروفاً عن الخير مطبوعاً على الشر من قولهم: ما ثبرك عن هذا أي ما منعك وإليه يرجع ما أخرجه الطستي عن ابن عباس من تفسيره بملعوناً محبوساً عن الخير. وأخرج الشيرازي في «الألقاب» وابن مردويه من طريق ميمون بن مهران عنه رضي الله تعالى عنه تفسيره بناقص العقل، وفي معناه تفسير الضحاك بمسحور قال: رد موسى عليه السلام بمثل ما قال له فرعون مع اختلاف اللفظ. وأخرج ابن أبـي الدنيا في «ذم الغضب» عن أنس بن مالك أنه سئل عن {مَثْبُورًا} في الآية فقال: مخالفاً ثم قال: الأنبياء عليهم السلام من أن يلعنوا أو يسبوا. وأنت تعلم أن هذا معنى مجازي له وكذا ناقص العقل ولا داعي إلى ارتكابه، وما ذكره الإمام مالك فيه ما فيه. نعم قيل: إن تفسيره بهالكاً ونحوه مما فيه خشونة ينافي قوله تعالى خطاباً لموسى وهارون عليهما السلام: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً} تفسير : [طه: 44] وأشار أبو حيان إلى جوابه بأن موسى عليه السلام كان أولاً يتوقع من فرعون المكروه كما قال: {أية : إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ} تفسير : [طه: 45] فأمر أن يقول له قولاً ليناً فلما قال سبحانه له: {أية : لاَ تَخَفْ} تفسير : [النمل: 10] وثق بحماية الله تعالى فصال عليه صولة المحمى وقابله من الكلام بما لم يكن ليقابله به قبل ذلك، وفيه كلام ستطلع عليه إن شاء الله تعالى في محله. وبالجملة التفسير الأول أظهر التفاسير ولا ضير فيه لا سيما مع تعبير موسى عليه السلام بالظن. ثم إنه عليه السلام قد قارع ظنه بظنه وشتان ما بين الظنين فإن ظن فرعون إفك مبين وظن موسى عليه السلام يحوم حول اليقين. وقرأ أبـي بن كعب {وأن إخالك يا فرعون لمثبوراً} على إن المخففة واللام الفارقة، وإخال بمعنى أظن بكسر الهمزة في الفصيح وقد تفتح في لغة كما في «القاموس».

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ} الآية. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن فرعون عالم بأن الآيات المذكورة ما أنزلها إلا رب السموات والأرض بصائر: أي حججاً واضحة. وذلك يدل على أن قول فرعون {أية : فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ}تفسير : [طه:49]، وقوله: {أية : قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء:23] كل ذلك منه تجاهل عارف. وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى مبيناً سبب جحوده لما علمه "في سورة النمل" بقوله: {أية : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً}تفسير : [النمل:12-14] الآية.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 102- قال موسى: لقد علمت يا فرعون أن الذى أنزل هذه الآيات هو رب السموات والأرض، لأنه هو الذى يقدر عليها وهى واضحات تبصرك بصدقى، ولكنك تكابر وتعاند، وإنى لأظنك يا فرعون هالكاً إذا لم ترجع عن عنادك. 103- فتمادى فرعون فى طغيانه، فأراد أن يخرج موسى وبنى إسرائيل من أرض مصر، فأغرقناه مع جنوده جميعاً. 104- ونجَّينا موسى وقومه، وقلنا من بعد إغراق فرعون لبنى إسرائيل: اسكنوا الأرض المقدسة بالشام، فإذا جاء وقت الحياة الأخرى جئنا بكم من قبوركم مختلطين ثم نحكم بينكم بالعدل. 105- وما أنزلنا القرآن إلا مؤيداً بالحكمة الإلهية التى اقتضت إنزاله، وهو فى ذاته وما نزل إلا مشتملا على الحق كله، فعقائده هى الصحيحة، وأحكامه هى المستقيمة، وما أرسلناك - أيها النبى - إلا مبشراً لمن آمن بالجنة، ونذيراً لمن كفر بالنار. فليس عليك شئ إذا لم يؤمنوا. 106- وقد فرَّقنا هذا القرآن ونزَّلناه منجما على مدة طويلة لتقرأه على الناس على مهل ليفهموه، نزلناه شيئاً بعد شئ تنزيلا مؤكداً لا شبهة فيه. 107- قل لكفار مكة تهديداً لهم: اختاروا لأنفسكم ما تحبون من الإيمان بالقرآن أو عدمه، فإن الذين أوتوا العلم الصحيح والإدراك السليم من قبل نزوله، إذا يتلى عليهم يقعون على الوجوه سجداً، شكراً لله على نعمته. 108- ويقولون: تنزه ربنا عن خلف الوعد الذى وعد به من نعيم وعذاب، إن وعده كان حاصلا لا محالة. 109- ويقعون ثانيا على الوجوه سجداً باكين من خوف الله، ويزيدهم القرآن تواضعاً لله.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {بَصَآئِرَ} {يٰفِرْعَونُ} (102) - فَقَالَ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ: لَقَدْ عَلِمْتَ يَا فِرْعَوْنُ أَنَّ الَّذي أَنْزَلَ هذِهِ الآيَاتِ هُوَ اللهُ تَأْيِيداً لِي، وَحُجَّةً عَلَى صِحَّةِ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ، وَدَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ. وَهَذِهِ الآيَاتُ أَنْزَلَهَا اللهُ لِتَكُونَ بَصَائِرَ لِمَنْ اسْتَبْصَرَ، وَهُدَى لِمَنِ اهْتَدَى بِهَا، يَعْرِفُ مَنْ رَآها أَنَّ مَنْ جَاءَ بِهَا صَادِقٌ مُحِقٌّ. ثُمَّ قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ يُخَاطِبُ فِرْعَوْنَ: وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَصْروفاً عَنِ الخَيْرِ، مَطْبُوعاً عَلَى الشَّرِّ (مَثْبُوراً - وَقِيلَ إِنَّ مَثْبُوراً تَعْنِي هَالِكاً أَوْ مَلْعُوناً). بَصَائِرَ - بَيِّنَاتٍ تُبَصِّرُ مَنْ يَشْهَدُهَا بِصِدْقِي.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: قال موسى لفرعون، والتاء في {عَلِمْتَ} مفتوحة أي: تاء الخطاب، فهو يُكلِّمه مباشرة ويُخاطبه: لقد علمتَ يا فرعون عِلْمَ اليقين أنني لستُ مسحوراً ولا مخبولاً، وأن ما معي من الآيات مما شاهدته وعاينته من الله رب السماوات والأرض، وأنت تعلم ذلك جيداً إلا أنك تنكره، كما قال تعالى: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ..}تفسير : [النمل: 14]. إذن: فعندهم يقينٌ بصدق هذه المعجزات، ولكنهم يجحدونها؛ لأنها ستزلزل سلطانهم، وتُقوِّض عروشهم. وقوله تعالى: {بَصَآئِرَ ..} [الإسراء: 102] أي: أنزل هذه الآيات بصائر تُبصّر الناس، وتفتح قلوبهم، فيُقبلوا على ذلك الرسول الذي جاء بآية معجزة من جنس ما نبغَ فيه قومه. ثم لم يَفُتْ موسى - عليه السلام - وقد ثبتتْ قدمه، وأرسى قواعد دعوته أمام الجميع أنْ يُكلِّم فرعونَ من منطلق القوة، وأن يُجابهه واحدة بواحدة، فيقول: {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً} [الإسراء: 102] فقد سبق أنْ قال فرعون: {أية : إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً}تفسير : [الإسراء: 101] فواحدة بواحدة، والبادي أظلم. والمثبور: الهالك، أو الممنوع من كُلِّ خير، وكأن الله تعالى أطْلعَ موسى على مصير فرعون، وأنه هالكٌ عن قريب. وعلى هذا يكون المجنون على أية حال أحسن من المثبور، فالمجنون وإنْ فقد نعمة العقل إلا أنه يعيش كغيره من العقلاء، بل ربما أفضل منهم، لأنك لو تأملتَ حال المجنون لوجدته يفعل ما يشاء ويقول ما يشاء دون أنْ يتعرّض له أحد أو يُحاسبه أحد، وهذا مُنْتَهى ما يتمناه السلاطين والحكام وأهل الجبروت في الأرض، فماذا ينتظر القادة والأمراء إلاَّ أن تكون كلمتهم نافذة، وأمرهم مُطَاعاً؟ وهذا كله ينعَم به المجنون. وهنا قد يقول قائل: ما الحكمة من بقاء المجنون على قَيْد الحياة، وقد سلبه الله أعظم ما يملك، وهو العقل الذي يتميز به؟ نقول: أنت لا تدري أن الخالق سبحانه حينما سلبه العقل ماذا أعطاه؟ لقد أعطاه ما لو عرفته أنت أيُّها العاقل لتمنيتَ أنْ تُجَنَّ!! أَلاَ تراه يسير بين الناس ويفعل ما يحلو له دون أنْ يعترضه أحد، أو يؤذيه أحد، الجميع يعطف عليه ويبتسم في وجهه، ثم بعد ذلك لا يُحاسَب في الآخرة، فأيُّ عِزٍّ أعظم من هذا؟ إذن: سَلْب أيّ نعمة مساوية لنعم الآخرين فيها عطاء لا يراه ولا يستنبطه إلا اللبيب، فحين ترى الأعمى مثلاً فإياك أنْ تظنّ أنك أفضل منه عند الله، لا ليس مِنّا مَنْ هو ابنٌ لله، وليس مِنّا مَنْ بينه وبين الله نسب، نحن أمام الخالق سبحانه سواء، فهذا الذي حُرِم نعمة البصر عُوِّض عنها في حواس أخرى، يفوقك فيها - أنت أيها المبصر - بحيث تكون الكِفَّة في النهاية مُسْتوية. واسمع إلى أحد العِمْيان يقول: شعر : عَمِيتُ جَنِيناً والذكَاءُ مِنَ العَمَى فجئتُ عَجِيبَ الظَّنِّ للعِلْم مَوْئِلاً وَغَاب ضِيَاءُ العَيْن للقلْبِ رافداً لِعِلْمٍ إذَا مَا ضيَّع الناسُ حَصّلا تفسير : فحدِّث عن ذكاء هؤلاء وفِطْنتهم وقوة تحصيلهم للعلم ولا حرج، وهذا أمر واضح يُشاهده كُلُّ مَنْ عاشر أعمى. وهكذا تجد كُلَّ أصحاب العاهات الذين ابتلاهم الخالق سبحانه بنقص في تكوينهم يُعوِّضهم عنه في شيء آخر عزاءً لهم عما فَاتهم، لكن هذا التعويض غالباً ما يكون دقيقاً يحتاج إلى مَنْ يُدرِكه ويستنبطه. وكذلك نرى كثيرين من هؤلاء الذين ابتلاهم الله بنقْصٍ ما يحاولون تعويضه ويتفوقون في نواحٍ أخرى، ليثبتوا للمجتمع جدارتهم ويُحدِثوا توازناً في حياتهم ليعيشوا الحياة الكريمة الإيجابية في مجتمعهم. ومن ذلك مثلاً العالم الألماني (شاخْت) وقد أصيب بقِصَرٍ في إحدى ساقيْه أعفاه من الخدمة العسكرية مع رفاقه من الشباب، فأثَّر ذلك في نفسه فصمَّم أنْ يكون شيئاً، وأنْ يخدُمَ بلده في ناحية أخرى، فاختار مجال الاقتصاد، وأبدع فيه، ورسم لبلاده الخُطّة التي تعينها في السِّلْم وتعويضها ما فاتها في الحرب، فكان (شاخْت) رجل الاقتصاد الأول في ألمانيا كلها. ويجب أن نعلم أن التكوين الإنساني وخَلْق البشر ليس عملية ميكانيكية تعطي نماذج متماثلة تماماً، إبداع الخالق سبحانه ليس ماكينة كالتي تصنع الأكواب مثلاً، وتعطينا قِطَعاً متساوية، بل لا بُدَّ من الشذوذ في الخَلْق لحكمة؛ لأن وراء الخلق إرادة عليا للخالق سبحانه، ألا ترى الأولاد من أب واحد وأم واحدة وتراهم مختلفين في اللون أو الطول أو الذكاء .. الخ؟! يقول تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ..}تفسير : [الروم: 22]. إنها قدرةٌ في الخَلْق لا نهاية لها، وإبداعٌ لا مثيلَ له فيما يفعل البشر. وهناك ملْمح آخر يجب أن نتنبه إليه، هو أن الخالق سبحانه وتعالى جعل أصحاب النقص في التكوين وأصحاب العاهات كوسائل إيضاح، وتذكُّر للإنسان إذا ما نسى فضْل الله عليه، لأنه كما قال تعالى: {كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} [العلق: 6-7]. فالإنسان كثيراً ما تطغيه النعمة، ويغفل عن المنعِم سبحانه، فإذا ما رأى أصحاب الابتلاءات انتبه وتذكّر نعمة الله، وربما تجد المبصر لا يشعر بنعمة البصر ولا يذكرها إلا إذا رأى أعمى يتخبَّط في الطريق، ساعتها فقط يذكر نعمة البصر فيقول: الحمد لله. إذن: هذه العاهات ليستْ لأن أصحابها أقلُّ مِنّا، أو أنهم أهوَنُ على الله .. لا، بل هي ابتلاء لأصحابها، ووسيلة إيضاح للآخرين لِتلفِتهم إلى نعمة الله. لكن الآفة في هذه المسألة أنْ ترى بعض أصحاب العاهات والابتلاءات لا يستر بَلْوَاه على ربه، بل يُظهِرها للناس، وكأنه يقول لهم: انظروا ماذا فعل الله بي، ويتخذ من عَجْزه وعاهته وسيلةً للتكسُّب والترزّق، بل وابتزاز أموال الناس وأَخْذها دون وَجْه حق. وفي الحديث الشريف:"حديث : إذَا بُلِيتم فاستتروا ". تفسير : والذي يعرض بَلْواه على الناس هكذا كأنه يشكو الخالق للخَلْق، ووالله لو ستر صاحب العاهة عاهته على ربه وقبلها منه لساقَ له رزقه على باب بيته. والأدْهَى من ذلك أن يتصنّع الناس العاهات ويدَّعوها ويُوهِموا الناس بها لِيُوقِعوهم، وليبتزّوا أموالهم بسيف الضعف والحاجة. نعود إلى قصة موسى وفرعون لنستنبط منها بعض الآيات والعجائب، وأوّل ما يدعونا للعجب أن فرعون هو الذي ربَّى موسى منذ أنْ كان وليداً، وفي وقت كان يقتل فيه الذكور من أبناء قومه، لنعلم أن الله يحول بين المرء وقلبه، وأن إرادته سبحانه نافذة. فقد وضع محبة موسى في قلب فرعون وزوجته فقالت: {أية : قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ..}تفسير : [القصص: 9]. فأين ذهبت عداوتُه وبُغْضه للأطفال؟ ولماذا أحبَّ هذا الطفلَ بالذات؟ ألم يكُنْ من البدهي أنْ يطرأ على ذِهْن فرعون أن هذا الطفل ألقاه أهله في اليَمِّ لينجو من القتل؟ ولماذا لم تطرأ هذه الفكرة البدهية على ذِهْنه؟ اللهم إلا قوله تعالى: {أية : وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ..}تفسير : [الأنفال: 24]. لقد طمس الله على قلب فرعون حتى لا يفعل شيئاً من هذا، وحال بينه وبين قلبه لِيُبيِّن للناس جهل هذا الطاغية ومدى حُمْقه، وأن وراء العناية والتربية للأهل والأسرة عنايةُ المربّي الأعلى سبحانه. لذلك قال الشاعر: شعر : إذَا لَمْ تُصَادِفْ مِنْ بَنيكَ عِنَايةً فَقدْ كذبَ الرَّاجِي وَخَابَ المؤملُ فمُوسَى الذِي رَبَّاهُ جِبْريلُ كافِرٌ وَمُوسَى الذِي رَبَّاه فِرْعَوْنُ مُرْسَلُ تفسير : ثم يقول الحق سبحانه: {فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلأَرْضِ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد / 41و / في قوله: {مَثْبُوراً} [الآية: 102] قال: مهلكاً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ} [الآية: 106] يعني: في ترتيل. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} [الآية: 104] يعني: جميعاً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {أَيّاً مَّا تَدْعُواْ} [الآية: 110] يقول: بشيء من أَسماءِ الله. يقول: بأَي أَسمائه تدعوا فله الأَسماءُ الحسنى. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا المبارك بن فضالة عن الحسن في قوله: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} [الآية: 110]. يقول لا تخفها في السر. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} [الآية: 110]. في الدعاءِ والمسأَلة. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ} [الآية: 111] يقول: لم يحالف أَحدا ولم يبتغ نصر أحد.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً} يعني مَلعُوناً وقالَ: مَمنوعٌ وقال: مُهلكٌ.

همام الصنعاني

تفسير : 1634- حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله: {مَثْبُوراً}: [الآية: 102]، قال: مهْلِكاً.