Verse. 2134 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

وَبِالْحَـقِّ اَنْزَلْنٰہُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ۝۰ۭ وَمَاۗ اَرْسَلْنٰكَ اِلَّا مُبَشِّرًا وَّنَذِيْرًا۝۱۰۵ۘ
Wabialhaqqi anzalnahu wabialhaqqi nazala wama arsalnaka illa mubashshiran wanatheeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وبالحق أنزلناه» أي القرآن «وبالحق» المشتمل عليه «نزل» كما أنزل لم يعتره تبديل «وما أرسلناك» يا محمد «إلا مبشرا» من آمن بالجنة «ونذيرا» من كفر بالنار.

105

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين أن القرآن معجز قاهر دال على الصدق في قوله: { أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ } تفسير : [الإسراء: 88] ثم حكى عن الكفار أنهم لم يكتفوا بهذا المعجز بل طلبوا سائر المعجزات، ثم أجاب الله بأنه لا حاجة إلى إظهار سائر المعجزات وبين ذلك بوجوه كثيرة، منها أن قوم موسى عليه الصلاة والسلام آتاهم الله تسع آيات بينات فلما جحدوا بها أهلكهم الله فكذا ها هنا، ثم إنه تعالى لو آتى قوم محمد تلك المعجزات التي اقترحوها ثم كفروا بها وجب إنزال عذاب الاستئصال بهم وذلك غير جائز في الحكمة لعلمه تعالى أن منهم من يؤمن والذي لا يؤمن فسيظهر من نسله من يصير مؤمناً، ولما تم هذا الجواب عاد إلى تعظيم حال القرآن وجلالة درجته فقال: {وَبِٱلْحَقّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقّ نَزَلَ } والمعنى أنه ما أردنا بإنزاله إلا تقرير الحق والصدق وكما أردنا هذا المعنى فكذلك وقع هذا المعنى وحصل وفي هذه الآية فوائد. الفائدة الأولى: أن الحق هو الثابت الذي لا يزول كما أن الباطل هو الزائل الذاهب، وهذا الكتاب الكريم مشتمل على أشياء لا تزول وذلك لأنه مشتمل على دلائل التوحيد وصفات الجلال والإكرام وعلى تعظيم الملائكة وتقرير نبوة الأنبياء وإثبات الحشر والنشر والقيامة وكل ذلك مما لا يقبل الزوال ومشتمل أيضاً على شريعة باقية لا يتطرق إليها النسخ والنقض والتحريف، وأيضاً فهذا الكتاب كتاب تكفل الله بحفظه عن تحريف الزائغين وتبديل الجاهلين كما قال: { أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } تفسير : [الحجر: 9] فكان هذا الكتاب حقاً من كل الوجوه. الفائدة الثانية: أن قوله: {وَبِٱلْحَقّ أَنْزَلْنَاهُ } يفيد الحصر ومعناه أنه ما أنزل لمقصود آخر سوى إظهار الحق وقالت المعتزلة، وهذا يدل على أنه ما قصد بإنزاله إضلال أحد من الخلق ولا إغواؤه ولا منعه عن دين الله. الفائدة الثالثة: قوله: {وَبِٱلْحَقّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقّ نَزَلَ } يدل على أن الإنزال غير النزول، فوجب أن يكون الخلق غير المخلوق وأن يكون التكوين غير المكون على ما ذهب إليه قوم. الفائدة الرابعة: قال أبو علي الفارسي الباء في قوله: {وَبِٱلْحَقّ أَنْزَلْنَاهُ } بمعنى مع كما تقول نزل بعدته وخرج بسلاحه، والمعنى أنزلنا القرآن مع الحق وقوله: {وَبِٱلْحَقّ نَزَلَ } فيه احتمالان، أحدهما: أن يكون التقدير نزل بالحق كما تقول نزلت بزيد وعلى هذا التقدير الحق محمد صلى الله عليه وسلم لأن القرآن نزل به أي عليه. الثاني: أن تكون بمعنى مع كما قلنا في قوله: {وَبِٱلْحَقّ أَنْزَلْنَاهُ } ثم قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشّرًا وَنَذِيرًا } والمقصود أن هؤلاء الجهال الذين يقترحون عليك هذه المعجزات ويتمردون عن قبول دينك لا شيء عليك من كفرهم فإني ما أرسلتك إلا مبشراً للمطيعين ونذيراً للجاحدين فإن قبلوا الدين الحق انتفعوا به وإلا فليس عليك من كفرهم شيء. ثم قال: {وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ } وفيه مباحث: البحث الأول: أن القوم قالوا: هب إن هذا القرآن معجز إلا أنه بتقدير أن يكون الأمر كذلك فكان من الواجب أن ينزله الله عليك دفعة واحدة ليظهر فيه وجه الإعجاز فجعلوا إتيان الرسول بهذا القرآن متفرقاً شبهة في أنه يتفكر في فصل فصل ويقرأه على الناس فأجاب الله عنه بأنه إنما فرقه ليكون حفظه أسهل ولتكون الإحاطة والوقوف على دقائقه وحقائقه أسهل. البحث الثاني: قال سعيد بن جيبر نزل القرآن كله ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء السفلى، ثم فصل في السنين التي نزل فيها، قال قتادة: كان بين أوله وآخره عشرون سنة والمعنى قطعناه آية آية وسورة سورة ولم ننزله جملة لتقرأه على الناس على مكث بالفتح والضم على مهل وتؤدة أي لا على فورة. قال الفراء: يقال مكث ومكث يمكث، والفتح قراءة عاصم في قوله: { أية : فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ } تفسير : [النمل: 22]. البحث الثالثة: الاختيار عند الأئمة فرقناه بالتخفيف وفسره أبو عمرو بيناه قال أبو عبيد: التخفيف أعجب إلي لأن تفسيره بيناه ومن قرأ بالتشديد لم يكن له معنى إلا أنه أنزل متفرقاً فالفرق يتضمن التبيين ويؤكده ما روى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: فرقت أفرق بين الكلام وفرقت بين الأجسام ويدل عليه أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا » تفسير : ولم يقل يفترقا والتفرق مطاوع التفريق والافتراق مطاوع الفرق ثم قال: {وَنَزَّلْنَـٰهُ تَنْزِيلاً } أي على الحد المذكور والصفة المذكورة ثم قال: {قُلْ ءامِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ } يخاطب الذين اقترحوا تلك المعجزات العظيمة على وجه التهديد والإنكار أي إنه تعالى أوضح البينات والدلائل وأزاح الأعذار فاختاروا ما تريدون ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ } أي من قبل نزول القرآن قال مجاهد: هم ناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم خروا سجداً منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبد الله بن سلام ثم قال: {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا } وفيه أقوال: القول الأول: قال الزجاج: الذقن مجمع اللحيين وكلما يبتدىء الإنسان بالخرور إلى السجود فأقرب الأشياء من الجبهة إلى الأرض الذقن. والقول الثاني: أن الأذقان كناية عن اللحى والإنسان إذا بالغ عند السجود في الخضوع والخشوع ربما مسح لحيته على التراب فإن اللحية يبالغ في تنظيفها فإذا عفرها الإنسان بالتراب فقد أتى بغاية التعظيم. والقول الثالث: أن الإنسان إذا استولى عليه خوف الله تعالى فربما سقط على الأرض في معرض السجود كالمغشي عليه ومتى كان الأمر كذلك كان خروره على الذقن في موضع السجود فقوله: {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ } كناية عن غاية ولهه وخوفه وخشيته ثم بقي في الآية سؤالان. السؤال الأول: لم قال: {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا } ولم يقل يسجدون؟ والجواب المقصود من ذكر هذا اللفظ مسارعتهم إلى ذلك حتى أنهم يسقطون. السؤال الثاني: لم قال: {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ } ولم يقل على الأذقان والجواب العرب تقول إذا خر الرجل فوقع على وجهه خر للذقن، والله أعلم. ثم قال تعالى: {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبّنَا لَمَفْعُولاً } والمعنى أنهم يقولون في سجودهم: {سُبْحَانَ رَبّنَا } أي ينزهونه ويعظمونه: {إِن كَانَ وَعْدُ رَبّنَا لَمَفْعُولاً } أي بإنزال القرآن وبعث محمد وهذا يدل على أن هؤلاء كانوا من أهل الكتاب لأن الوعد ببعثة محمد سبق في كتابهم فهم كانوا ينتظرون إنجاز ذلك الوعد ثم قال: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ } والفائدة في هذا التكرير اختلاف الحالين وهما خرورهم للسجود وفي حال كونهم باكين عند استماع القرآن ويدل عليه قوله: {وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا } ويجوز أن يكون تكرار القول دلالة على تكرار الفعل منهم وقوله: {يَبْكُونَ } معناه الحال: {وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا } أي تواضعاً واعلم أن المقصود من هذه الآية تقرير تحقيرهم والازدراء بشأنهم وعدم الاكتراث بهم وبإيمانهم وامتناعهم منه وأنهم وإن لم يؤمنوا به فقد آمن به من هو خير منهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ} هذا متصل بما سبق من ذكر المعجزات والقرآن. والكناية ترجع إلى القرآن. ووجه التكرير في قوله «وبالحق نزل» يجوز أن يكون معنى الأول: أوجبنا إنزاله بالحق. ومعنى الثاني: ونزل وفيه الحق؛ كقوله خرج بثيابه، أي وعليه ثيابه. وقيل الباء في «وبالحق» الأول بمعنى مع، أي مع الحق؛ كقولك ركب الأمير بسيفه أي مع سيفه. «وبالحق نزل» أي بمحمد صلى الله عليه وسلم، أي نزل عليه؛ كما تقول نزلت بزيد. وقيل: يجوز أن يكون المعنى وبالحق قدرنا أن ينزل، وكذلك نزل.

البيضاوي

تفسير : {وَبِٱلْحَقّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقّ نَزَلَ } أي وما أنزلنا القرآن إلا ملتبساً بالحق المقتضي لإنزاله، وما نزل على الرسول إلا ملتبساً بالحق الذي اشتمل عليه. وقيل وما أنزلناه من السماء إلا محفوظاً بالرصد من الملائكة، وما نزل على الرسول إلا محفوظاً بهم من تخليط الشياطين. ولعله أراد به نفي اعتراء البطلان له أول الأمر وآخره {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشّرًا} للمطيع بالثواب. {وَنَذِيرًا} للعاصي بالعقاب فلا عليك إلا التبشير والإنذار.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن كتابه العزيز، وهو القرآن المجيد، أنه بالحق نزل، أي: متضمناً للحق، كما قال تعالى: {أية : لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ يَشْهَدُونَ} تفسير : [النساء: 166] أي: متضمناً علم الله الذي أراد أن يطلعكم عليه من أحكامه وأمره ونهيه. وقوله: {وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ} أي: ونزل إليك يا محمد محفوظاً محروساً، لم يشب بغيره، ولا زيد فيه ولا نقص منه، بل وصل إليك بالحق، فإنه نزل به شديد القوى الأمين المكين المطاع في الملأ الأعلى. وقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ} أي: يا محمد {إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} مبشراً لمن أطاعك من المؤمنين، ونذيراً لمن عصاك من الكافرين. وقوله: {وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ} أما قراءة من قرأ بالتخفيف، فمعناه: فصلناه من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفرقاً منجماً على الوقائع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة، قاله عكرمة عن ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قرأ: فرقناه، بالتشديد، أي: أنزلناه آية آية مبيناً ومفسراً، ولهذا قال: {لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ} أي: لتبلغه الناس، وتتلوه عليهم، أي: {عَلَىٰ مُكْثٍ} أي: مهل {وَنَزَّلْنَـٰهُ تَنْزِيلاً} أي: شيئاً بعد شيء.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَٰهُ } أي القرآن {وَبِٱلْحَقِّ } المشتمل عليه {نَزَلَ } كما أنزل لم يعتره تبديل {وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ } يا محمد {إِلاَّ مُبَشِّرًا } من آمن بالجنة {وَنَذِيرًا } من كفر بالنار.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وبالحق أنزلناه وبالحق نَزَل} يحتمل وجهين: أحدهما: أن إنزاله حق. الثاني: أن ما تضمنه من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد حق. {وبالحق نزل} يحتمل وجهين: أحدهما: وبوحينا نزل. الثاني: على رسولنا نزل. {وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً} يعني مبشراً بالجنة لمن أطاع الله تعالى، ونذيراً بالنار لمن عصى الله تعالى. قوله عز وجل: {وقرآناً فرقناه} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: فرقنا فيه بين الحق والباطل، قاله الحسن. الثاني: فرّقناه بالتشديد وهي قراءة ابن عباس أي نزل مفرّقاً آية آية وهي كذلك في مصحف ابن مسعود وأُبيِّ بن كعب: فرقناه عليك. الثالث: فصّلناه سُورَاً وآيات متميزة، قاله ابن بحر. {لتقرأه على الناس على مُكْثٍ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني على تثبت وترسّل، وهو قول مجاهد. الثاني: أنه كان ينزل منه شيء، ثم يمكثون بعد ما شاء الله، ثم ينزل شيء آخر. الثالث: أن يمكث في قراءته عليهم مفرقاً شيئاً بعد شيء، قاله أبو مسلم.

ابن عطية

تفسير : الضمير في قوله {أنزلناه} عائد على القرآن المذكور، وفي قوله {أية : ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} تفسير : [الإسراء: 89] ويجوز أن يكون الكلام آنفاً. وأشار بالضمير إلى القرآن على ذكر متقدم لشهرته، كما قال {أية : حتى توارت بالحجاب} تفسير : [ص: 32]. وهذا كثير، قال الزهراوي: معناه بالواجب الذي هو المصلحة والسداد للناس {بالحق} في نفسه، وقوله {وبالحق نزل}، يريد {بالحق} في أوامره ونواهيه وأخباره فبهذا التأويل يكون تكرار اللفظ لمعنى غير الأول، وذهب الطبري إلى أنهما بمعنى واحد، أي بأخباره وأوامره وبذلك نزل، وقوله {وقرآناً} مذهب سيبويه أن نصبه بفعل مضمر يفسره الظاهر بعد، أي "وفرقنا قرآناً" ويصح أن يكون معطوفاً على الكاف في {أرسلناك} من حيث كان إرسال هذا وإنزال هذا المعنى واحد، وقرأ جمهور الناس "فرَقناه" بتخفيف الراء، ومعناه بيناه وأوضحناه وجعلناه فرقاناً، وقرأ ابن عباس وقتادة وأبو رجاء وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي بن كعب والشعبي والحسن بخلاف، وحميد وعمرو بن فائد "فرّقناه" بتشديد الراء، إلا أن في قراءة ابن مسعود وأبيّ "فرقناه عليه لتقرأه" أي أنزلناه شيئاً بعد الشيء لا جملة واحدة ويتناسق هذا المعنى مع قوله {لتقرأه على الناس على مكث}، وهذا كان مما أراد الله من نزوله بأسباب تقع في الأرض من أقوال وأفعال في أزمان محدودة معينة، واختلف أهل العلم في كم القرآن من المدة؟ فقيل: في خمس وعشرين سنة، وقال ابن عباس: في ثلاث وعشرين سنة، وقال قتادة في عشرين سنة، وهذا بحسب الخلاف في سن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الوحي بدأ وهو ابن أربعين، وتم بموته، وحكى الطبري عن الحسن البصري أنه قال: نزل القرآن في ثمان عشرة سنة، وهذا قول يختل لا يصح عن الحسن والله أعلم، وتأولت فرقة قوله عز وجل {على مكث} أي على ترسل في التلاوة، وهو ترتيل، هذا قول مجاهد وابن عباس وابن جريج وابن زيد، والتأويل الآخر أي {على مكث} وتطاول في المدة شيئاً بعد شيء، وقوله {ونزلناه تنزيلاً} مبالغة وتأكيد بالمصدر للمعنى المتقدم ذكره في ألفاظ الآية،، وأجمع القراء على ضم الميم من {مُكث}، ويقال مَكث ومِكث بفتح الميم ومكث بكسرها، وقوله {قل آمنوا به} الآية تحقير للكفار، وفي ضمنه ضرب من التوعد، والمعنى أنكم لستم بحجة، فسواء علينا آمنتم أم كفرتم، وإنما ضرّ ذلك على أنفسكم، وإنما الحجة أهل العلم من قبله وهم بالصفة المذكورة، واختلف الناس في المراد بـ {الذين أوتوا العلم من قبله}، فقالت فرقة: هم مؤمنو أهل الكتاب وقالت فرقة: هم ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل ومن جرى مجراهما. وقيل إن جماعة من أهل الكتاب جلسوا وهم على دينهم فتذاكروا أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه، وقرىء عليهم منه شيء فخشعوا وسبحوا لله، وقالوا هذا وقت نبوة المذكور في التوراة، وهذه صفته، ووعد الله به واقع لا محالة وجنحوا إلى الإسلام هذا الجنوح، فنزلت الآية فيهم، وقالت فرقة: المراد بـ {الذين أوتوا العلم من قبله} محمد صلى الله عليه وسلم، والضمير في {قبله} عائد على القرآن حسب الضمير في {به}، ويبين ذلك قوله {إذا يتلى}، وقيل الضميران لمحمد. واستأنف ذكر القرآن في قوله {إذا يتلى}، وقوله {للأذقان} أي لناحيتها، وهذا كما تقول تساقط لليد والفم أي لناحيتهما، وعليهما قال ابن عباس: المعنى للوجوه، وقال الحسن: المعنى للحى، و"الأذقان" أسافل الوجوه حيث يجتمع اللحيان، وهي أقرب ما في رأس الإنسان إلى الأرض، لا سيما عند سجوده، وقال الشاعر: [الطويل] شعر : فخروا لأذقان الوجوه تنوشهم سباع من الطير العوادي وتنتف تفسير : و {إن} في قوله {إن كان} هي عند سيبويه المخففة من الثقيلة، واللام بعدها لام التوكيد، وهي عند الفراء النافية، واللام بمعنى إلاّ، ويتوجه في هذه الآية معنى آخر وهو أن يكون قوله {آمنوا به أو لا تؤمنوا} مخلصاً للوعيد دون التحقير، والمعنى فسترون ما تجازون به، ثم ضرب لهم المثل على جهة التقريع بمن تقدم من أهل الكتاب، أي أن الناس لم يكونوا كما أنتم في الكفر، بل الذين أوتوا التوراة والإنجيل والزبور والكتب المنزلة في الجملة، {إذا يتلى عليهم} ما نزل عليهم خشعوا وآمنوا.

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل} يعني أنا ما أردنا بإنزال القرآن إلا تقريره للحق فلما أردنا هذا المعنى فكذلك وقع وحصل. وقيل: معناه وما أنزلنا القرآن إلا بالحق المقتضي لإنزاله وما نزل إلا ملتبساً بالحق لاشتماله على الهداية إلى كل خير {وما أرسلناك إلا مبشراً} يعني بالجنة للمطيعين {ونذيراً} أي مخوفاً بالنار للعاصين. قوله عز وجل {وقرآناً فرقناه} أي فصلناه وبيناه وقيل فرقنا به بين الحق الباطل، وقيل: معناه أنزلنا نجوماً لم ينزل مرة واحدة بدليل قوله تعالى {لتقرأه على الناس على مكث} أي على تؤدة وترسل في ثلاث وعشرين سنة {ونزلناه تنزيلاً} أي على حسب الحوادث {قل آمنوا به أو لا تؤمنوا} فيه وعيد وتهديد {إن الذين أوتوا العلم من قبله} قيل: هم مؤمنو أهل الكتاب الذين كانوا يطلبون الدين قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أسلموا بعد مبعثه مثل زيد بن عمرو بن نفيل وسلمان الفارسي وأبي ذر وغيرهم {إذا يتلى عليهم} يعني القرآن {يخرون للأذقان} قال ابن عباس: أراد بها الوجوه {سجداً} أي يقعون على الوجوه سجداً {ويقولون سبحان ربنا} أي تعظيماً لربنا لإنجازه ما وعد في الكتب المنزلة، من بعثة محمد صلى الله عليه وسلم {إن كان وعد ربنا لمفعولاً} أي كائناً واقعاً {ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً} أي خضوعاً لربهم وقيل يزيدهم القرآن لين قلب، ورطوبة عين فالبكاء مستحب عند قراءة القرآن. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا اجتمع على عبدي غبار في سبيل الله ودخان جنهم"تفسير : أخرجه الترمذي والنسائي. وزاد النسائي "في منخري مسلم أبداً" الولوج الدخول والمنخر الأنف عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله يقول "حديث : عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله"تفسير : أخرجه الترمذي.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ } يعني القرآن نَزَلَ بالمصالحِ والسَّدادِ للناس، و{بِٱلْحَقِّ نَزَلَ } يريد: بالحقِّ في أوامره ونواهيه وأخباره، وقرأ جمهور الناس: «فَرْقَنَاهُ» بتخفيف الراء، ومعناه: بيَّنَّاه وأوضَحْناه وجَعَلْناه فرقاناً، وقرأ جماعةٌ خارجَ السبْعِ: «فَرَّقْنَاهُ» بتشديد الراء، أي: أنزلناه شيئاً بعد شيء، لا جملةً واحدة، ويتناسق هذا المعنى مع قوله: {لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ }، وتأوّلت فرقةٌ قوله: {عَلَىٰ مُكْثٍ } أي: على ترسُّل في التلاوةِ، وترتُّل، هذا قول مجاهد وابن عباس وابن جُرَيْج وابن زيد، والتأويلُ الآخر، أي على مُكْثٍ وتطاوُلٍ في المدة شيئاً بعد شيء. وقوله سبحانه: {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ } فيه تحقيرٌ للكفَّار، وضَرْب من التوعُّد، و {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ }: قالت فرقة: هم مؤمنو أهْلِ الكتابِ، و«الأذقان»: أسافل الوجوه حيث يجتمع اللَّحْيَانَ. قال الواحِدِيُّ: {إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا } أي: بإِنزال القرآن، وبعَث محمَّد {لَمَفْعُولاً }. انتهى. وقوله سبحانه: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا } هذه مبالغةٌ في صفتهم، ومَدْحٌ لهم وحضٌّ لكل من توسَّم بالعلم، وحصَّلَ منه شيئاً أنْ يجري إلى هذه الرتبة النفيسَةِ وحكَى الطبريُّ عن التميميِّ؛ أن من أوتي من العلْمِ ما لم يُبْكِهِ لخَلِيقِ ألاَّ يكونَ أوتي عْلماً ينفعه؛ لأن اللَّه سبحانه نعت العلماء، ثم تَلاَ هذه الآية كلَّها. * ت *: وإِنه واللَّهِ لكذلكَ، وإِنما يخشَى اللَّهَ مِنْ عباده العلماءُ، اللهمَّ انْفَعْنَا بما عَلَّمتنا، ولا تجعْلُه علينا حجَّةً بفضلك، ونقل الغَزَّاليُّ عن ابن عبَّاس؛ أنه قال: إِذا قرأتم سَجْدَةَ «سُبْحَانَ»، فلا تعجلوا بالسُّجُود حتى تَبْكُوا، فإِن لم تَبْكِ عينُ أحدِكُمْ، فَلْيبكِ قلبه. قال الغَزَّالِيُّ: فإن لم يحضرْهُ حُزْن وبكاءٌ؛ كما يحضر أرباب القلوب الصافيَةِ فليَبْكِ على فَقْدِ الحُزْن والبكاء، فإِن ذلك من أعظم المصِائبِ. قال الغَزَّالِيُّ: وٱعَلَمْ أنَّ الخشوع ثمرةُ الإِيمان، ونتيجةُ اليقينِ الحاصلِ بعظمةِ اللَّه تعالى، ومَنْ رُزِقَ ذلك، فإِنه يكون خاشعاً في الصلاة وغيرها؛ فإِن موجب الخشوع استشعارُ عظمة اللَّه، ومعرفةُ ٱطَّلاعه على العَبْد، ومعرفةُ تقصير العَبْد، فمن هذه المعارفِ يتولَّد الخشوعُ، وليْسَتْ مختصَّةً بالصلاة، ثم قال: وقد دلَّت الأخبار على أن الأصل في الصَّلاة الخشوعُ، وحضورُ القَلْب، وأن مجرَّد الحركاتِ مع الغَفْلة قليلُ الجدوى في المعادِ، قال: وأعلم أنَّ المعاني التي بها تتمُّ حياة الصلاة تجمعها ستُّ جُمَلٍ، وهي: حضورُ القَلْبِ، والتفهُّمُ، والتعظيمُ، والهَيْبَة، والرجاءُ، والحياءُ، فحضور القَلْب: أن يفرِّغه من غير ما هو ملابسٌ له، والتفهُّم: أمر زائد على الحُضُور، وأما التعظيم، فهو أمر وراءَ الحضور والفَهْمِ، وأما الهَيْبة، فأمر زائد علي التعظيمِ، وهي عبارة عن خَوْفٍ مَنْشَؤه التعظيم، وأما التعظيم، فهو حالةٌ للقَلْب تتوَّلد من معرفتين: إِحداهما: معرفة جلالِ اللَّه سبحانه وعظمته، والثانية: معرفة حقارة النفْسِ، واعَلَمْ أَنَّ حضور القلب سببه الهِمَّة، فإِن قلبك تَابِعٌ لهمَّتك، فلا يحضر إِلا فيما أهمَّك، ومهما أهمَّك أمر، حَضَر القَلْب، شاء أم أبى، والقلب إذا لم يحضُرْ في الصلاة، لم يَكُنْ متعطِّلاً؛ بل يكون حاضراً فيما الهمة مصروفةٌ إِليه. انتهى من «الإحياء».

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَبِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ} الآية. لما بيَّن أن القرآن معجز قاهر دالٌّ على الصدق في قوله تعالى: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ}تفسير : [الإسراء: 88]. ثم حكى عن الكفار أنَّهم لم يكتفوا بهذا المعجز، بل طلبوا أشياء أخر، ثم أجاب تعالى بأنَّه لا حاجة إلى إظهار معجزاتٍ أخر، وبيَّن ذلك بوجوهٍ كثيرةٍ: منها: أنَّ قوم موسى آتاهم تسع آيات بيِّناتٍ، فلما جحدوا بها أهلكهم الله، فكذا ههنا، أي: أنَّ المعجزات التي اقترحها قوم محمد صلى الله عليه وسلم ثمَّ كفروا بها؛ فوجب إنزال عذاب الاستئصال بهم، وذلك غير جائزٍ في الحكمة؛ لعلمه تعالى أنَّ فيهم من يؤمن، أو من يظهر من نسله مؤمنٌ. لمَّا تمَّ هذا الجواب، عاد إلى حال تعظيم القرآن؛ فقال: {وَبِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ}، أي: ما أردنا بإنزاله إلاَّ إظهار الحقِّ. قوله: {وَبِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ}: في هذا الجار ثلاثة أوجه: أحدها: أنه متعلق بـ "أنْزَلْنَاهُ"، و الباء سببية، أي: أنزلناه بسبب الحقِّ. والثاني: أنه حال من مفعول "أنْزَلنَاهُ"، أي: ومعه الحقُّ. فتكون الباء بمعنى "مَعَ" قاله الفارسي؛ كما تقول: نزل بعدَّته، وخرج بسلاحه. والثالث: أنه حال من فاعله، أي: ملتبسين بالحق، وعلى هذين الوجهين يتعلق بمحذوف. والضمير في "أنْزلْنَاهُ" الظاهر عوده للقرآن: إمَّا الملفوظ به في قوله قبل ذلك {أية : عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ} تفسير : [الإسراء: 88]؛ ويكون ذلك جرياً على قاعدة أساليب كلامهم، وهو أن يستطرد المتكلمُ في ذكر شيءٍ لم يسبق له كلامه أولاً، ثم يعود إلى كلامه الأول. وإمَّا للقرآن غير الملفوظ أولاً؛ لدلالة الحال عليه؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} تفسير : [الدخان: 3] وقيل: يعود على موسى؛ كقوله: {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ} تفسير : [الحديد: 25]، وقيل: على الوعد، وقيل: على الآيات التِّسعِ، وذكر الضمير، وأفرده؛ حملاً على معنى الدليل والبرهان. قوله: "وبالحقِّ نَزلَ" فيه الوجهان الأولان، دون الثالث؛ لعدم ضميرٍ آخر غير ضمير القرآن لاحتمال أن يكون التقدير: نزل بالحقِّ؛ كما تقول: نزلت بزيدٍ، وعلى هذا التقدير: فالحق محمد صلى الله عليه وسلم. وفي هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها للتأكيد؛ وذلك أنه يقال: أنزلته، فنزل، وأنزلته فلم ينزل؛ فجيء بقوله "وبالحقِّ نَزلَ"؛ دفعاً لهذا الوهم، وقيل: لست للتأكيد، والمغايرة تحصل بالتغاير بين الحقَّين، فالحق الأول التوحيد، والثاني الوعد والوعيد، والمر والنهي، وقال الزمخشري: "وما أنزلنا القرآن إلاَّ بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبساً بالحق والحكمة؛ لاشتماله على الهداية إلى كلِّ خيرٍ، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحقِّ محفوظاً بالرَّصدِ من الملائكةِ، وما نزل على الرسول إلاَّ محفوظاً بهم من تخليط الشياطين"، و "مبشِّراً ونذيراً": حالان من مفعول "أرْسلْنَاكَ" مبشراً للمطيعين، ونذيراً للعاصين، فإن قبلوا الدِّين الحقَّ، انتفعوا به، وإلا فليس عليك من كفرهم [شيءٌ]. قوله تعالى: {وَقُرْءَاناً فَرَقْنَاهُ} الآية: في نصب "قُرْآناً" أوجه: أظهرها: أنه منصوب بفعل مقدر، أي: "وءَاتَيْناكَ قُرءَاناً" يدل عليه قوله {أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ}تفسير : [الإسراء: 101]. الثاني: أنه منصوبٌ؛ عطفاً على الكاف في "أرْسَلْنَاكَ"؛ قال ابن عطية: "من حيثُ كان إرسالُ هذا، وإنزال هذا بمعنى واحدٍ". الثالث: أنه منصوب؛ عطفاً على "مُبشِّراً ونذيراً" قال الفراء: "هو منصوبٌ بـ "أرْسَلناكَ"، أي: ما أرسلناك إلا مبشِّراً ونذيراً وقرآناً؛ كما تقول: ورحمة يعني: لأن القرآن رحمةٌ"، بمعنى أنه جعل نفس القرآن مراداً به الرحمة؛ مبالغة، ولو ادَّعى ذلك على حذفِ مضافٍ، كان أقرب، أي: "وذا قرآنٍ" وهذان الوجهان متكلَّفان. الرابع: أن ينتصب على الاشتغال، أي: وفرقنا قُرآناً فرقناه، واعتذر أبو حيان عن ذلك، أي: عن كونه لا يصحُّ الابتداء به، لو جعلناه مبتدأ؛ لعدم مسوغٍ؛ لأنه لا يجوز الاشتغال إلا حيث يجوز في ذلك الاسم الابتداء، بأنَّ ثمَّ صفة محذوفة، تقديره: وقرآناً أي قرآن، بمعنى عظيم، و "فَرقْنَاهُ" على هذا: لا محل له؛ بخلاف الأوجه المتقدمة؛ فإن محلَّه النصب؛ لأنَّه نعتٌ لـ "قُرآناً". وقرأ العامة "فَرقْناهُ" بالتخفيف، أي: بيَّنا حلاله وحرامه، أو فرقنا فيه بين الحق والباطل، وقرأ عليُّ بن أبي طالبٍ - كرَّم الله وجهه - وأبيٌّ، وعبد الله، وابن عباس والشعبي، وقتادة، وحميدٌ في آخرين بالتشديد، وفيه وجهان: أحدهما: أنَّ التضعيف فيه للتكثير، أي: فرَّقنا آياته بين أمرٍ ونهيٍ، وحكمٍ وأحكامٍ، ومواعظ وأمثال، وقصصٍ وأخبار ماضية ومستقبلة. والثاني: أنه دالٍّ على التفريق والتنجيم. قال الزمخشريُّ: "وعن ابن عباس: أنه قرأ مشدداً، وقال: لم ينزل في يومين، ولا في ثلاثة، بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة، يعني أنَّ "فرقَ" بالتخفيف يدل على فصل متقاربٍ". قال أبو حيان: "وقال بعضُ من اختار ذلك - يعني التنجيم - لم ينزل في يوم، ولا يومين، ولا شهرٍ، ولا شهرين، ولا سنة، ولا سنتين؛ قال ابن عبَّاس: كان بين أوله، وآخره عشرون سنة، كذا قال الزمخشريُّ، عن ابن عباس". قال شهاب الدين: ظاهر هذا: أنَّ القول بالتنجيم: ليس مرويًّا عن ابن عباس، ولا سيما وقد فصل قوله "قَالَ ابن عبَّاسٍ" من قوله "وقال بعض من اختار ذلك"، ومقصوده أنه لم يسنده لابن عباس؛ ليتمَّ له الردُّ على الزمخشري في أنَّ "فَعَّل" بالتشديد لا يدلُّ على التفريق، وقد تقدم له معه هذا المبحث أوَّل هذا الموضوع. قال ابن الخطيب: والاختيار عند الأئَّمة: "فَرقْنَاهُ" بالتخفيف، وفسَّره أبو عمرو: بيَّناه. قال ابو عبيدة: التخفيف أعجبُ إليَّ؛ لأنَّ معناه: بينَّاه، ومن قرأ بالتشديد، لم يكن له معنًى إلا أنه أنزل متفرِّقاً، [فالتفرُّق] يتضمَّن التَّبيين، ويؤكِّده ما رواه ثعلبٌ عن ابن الأعرابيِّ أنه قال: فَرقتُ، أو أفْرَقتُ بين الكلامِ، وفرَّقتُ بين الأجسامِ؛ ويدلُّ عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : البَيِّعانِ بالخِيَارِ، ما لمْ يتفرَّقا" تفسير : ولم يقل: "يَفْترِقَا". فصل في نزول القرآن مفرقاً قال ابن الخطيب: إنَّ القوم قالوا: هَبْ أنَّ هذا القرآن معجز، إلا أنه بتقدير أن يكون الأمر كذلك، فكان من الواجب أن ينزله الله عليك دفعة واحدة؛ ليظهر فيه وجه الإعجاز؛ فجعلوا إتيان الرسول به مفرَّقاً شبهة في أنَّه يتفكَّر في فصل فصل، ويقرؤه عليهم، فأجاب الله عن ذلك أنه إنَّما فرَّقه ليكون حفظه أسهل؛ ولتكون الإحاطة والوقوف على دلائله، وحقائقه، ودقائقه أكمل. قال سعيد بن جبير: نزل القرآن كلُّه في ليلة القدر من السَّماء العليا إلى السَّماء السفلى، ثم فصل في السِّنين التي نزل فيها، ومعنى الآية: قطَّعناه آية آية، وسورة وسورة. قوله: "لتَقْرَأهُ" متعلق بـ "فَرقْنَاهُ"، وقوله "عَلَى مُكْثٍ" فيه ثلاثةُ أوجه: الأول: أنه متعلِّق بمحذوفٍ، على أنه حالٌ من الفاعل، أو المفعول في "لتَقْرَأهُ"، أي: متمهِّلاً مترسِّلاً. الثاني: أنه بدلٌ من "عَلَى النَّاس" قاله الحوفيُّ، وهو وهمٌ؛ لأنَّ قوله "عَلى مُكثٍ" من صفاتِ القارىء، أو المقرُوءِ من جهة المعنى، لا من صفات الناس؛ حتى يكون بدلاً منهم. الثالث: أنه متعلق بـ "فَرقنَاهُ". قال ابو حيان: "والظاهر تعلق "عَلى مُكثٍ" بقوله "لتَقْرأهُ"، ولا يبالى بكون الفعل يتعلق به حرفا جر من جنسٍ واحدٍ؛ لأنه اختلف معنى الحرفين؛ لأن الأول في موضع المفعول به، والثاني في موضع الحال، أي: متمهِّلاً مترسلاً". قال شهاب الدين: قوله أولاً: إنه متعلق بقوله "لِتقْرَأهُ": ينافي قوله في موضع الحال، لأنه متى كان حالاً، تعلق بمحذوفٍ، لا يقال: أراد التعلق المعنوي، لا الصناعي؛ لأنه قال: ولا يبالى بكون الفعل يتعلق به حرفا جرٍّ من جنسٍ واحد، وهذا تفسير إعراب، لا تفسير معنى. والمُكْثُ: التَّطاولُ في المدة، وفيه ثلاثة لغات: الضمُّ، والفتح - ونقل القراءة بهما الحوفيُّ، وأبو البقاء - والكسر، ولم يقرأ به فيما علمتُ، وفي فعله الفتح والضمُّ وسيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى في النَّمل [الآية: 22] ومعنى "عَلى مُكْثٍ" أي على تؤدةٍ، وترسُّل في ثلاثٍ وعشرين سنة {وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً} على الحدِّ المذكور. قوله: {قُلْ ءَامِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ}: يخاطب الذين اقترحوا تلك المعجزات العظيمة؛ على وجه التَّهديد والإنكار، أي: أنَّه تعالى، أوضح البينات والدلائل، وأزاح الأعذار، فاختاروا ما تريدون. {إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ} أي: من قبل نزول القرآن، قال مجاهد: هم ناسٌ من أهل الكتاب، كانوا يطلبون الدِّين قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثمَّ أسلموا بعد مبعثه؛ كزيد بن عمرو بن نفيلٍ، وسلمان الفارسيِّ، وأبي ذرٍّ، وورقة بن نوفلٍ، وغيرهم. {إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} يعني القرآن. {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً}. يعني: يسقطون للأذقان، قال ابن عباس: أراد به الوجوه. قوله: {لِلأَذْقَانِ}: في اللام ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بمعنى "على"، أي: على الأذقان؛ كقولهم: خرَّ على وجهه. والثاني: أنها للاختصاص، قال الزمخشري: فإن قيل: حرف الاستعلاءِ ظاهر المعنى، إذا قلت: خرَّ على وجهه، وعلى ذقنه، فما معنى اللام في "خرَّ لذقنه، ولوجهه"؟ قال: [الطويل] شعر : 3478-................ فَخرَّ صَرِيعاً للْيَديْنِ وللْفَمِ تفسير : قلت: معناه: جعل ذقنهُ، ووجههُ [للخرور]، قال الزجاج: الذَّقنُ: مجمع اللَّحيين، وكلما يبتدىء الإنسان بالخرور إلى السجود، فأقرب الأشياء من الجبهة إلى الأرض الذَّقنُ. وقيل: الأذقان اللِّحى؛ فإن الإنسان، إذا بالغ في السجود، والخضوع، ربَّما مسح لحيتهُ على التُّراب؛ فإنَّ اللحية يبالغ في تنظيفها، فإذا عفَّرها بالتُّراب، فقد أتى بغايةِ التعظيم [للخُرور]. واختصَّ به؛ لأنَّ اللام للاختصاص، وقال أبو البقاء: "والثاني: هي متعلقة بـ "يَخِرُّون"، واللام على بابها، أي: مذلُّون للأذقان". والأذقانُ: جمعُ ذقنٍ، وهو مجمعُ اللَّحيين؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 3479- فَخرُّوا لأذقَانِ الوُجوهِ تَنُوشُهمْ سِباعٌ من الطَّيْرِ العَوادِي وتَنتِفُ تفسير : و "سُجَّداً" حال، وجوَّز أبو البقاء في "للأذقانِ" أن يكون حالاً، قال: "أي: ساجدين للأذقان" وكأنه يعني به "للأذْقانِ" الثانية؛ لأنَّه يصير المعنى: ساجدين للأذقان سجداً؛ ولذلك قال: "والثالث: أنها - يعني اللام - [بمعنى] "على"؛ فعلى هذا يكون حالاً من "يَبْكُونَ"، و "يَبْكُون" حال". فإن قيل: لم قيل: يَخرُّون للأذقان سجداً، ولم يقل يسجدون؟ والجواب: أن المقصود من هذا اللفظ مسارعتهم إلى ذلك؛ حتَّى أنهم يسقطون. ثم قال: {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً}، أي: كان قولهم في سجودهم: "سبحان ربِّنا"، أي: ينزِّهونه، ويعظِّمونه {إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً} أي: بإنزال القرآن، وبعث محمد - عليه الصلاة والسلام - وهذا يدلُّ على أنَّ هؤلاء كانوا من أهل الكتاب، لأنَّ الوعد ببعثة محمد سبق في كتابهم، وهم كانوا ينتظرون إنجاز ذلك الوعد، ثم قال: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ}. والفائدة في هذا التكرير اختلاف الحالين، وهما: خُرورهُمْ في حال كونهم باكين، في حال استماع القرآن، ويدلُّ عليه قوله: {وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً}. وجاءت الحال الأولى اسماً؛ لدلالته على الاستقرار، والثانية فعلاً؛ لدلالته على التجدُّد والحدوث. ويجوز أن يكون القول دلالة على تكرير الفعل منهم. وقوله: "يَبْكُونَ"، معناه: الحال، {وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً}، أي: تواضعاً. قوله: {وَيَزِيدُهُمْ}: فاعل "يزيدُ": إمَّا القرآن، أو البكاءُ، أو السُّجودُ، أو المتلوُّ، لدلالة قوله: "إذَا يُتْلَى". قوله تعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ} الآية. قال ابن عباس: سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكَّة ذات ليلة، فجعل يبكي، ويقول في سجوده: (يا الله، يا رحمن). فقال أبو جهلٍ: إنَّ محمداً ينهانا عن آلهتنا، وهو يدعو إلهين، فأنزل الله هذه الآية، ومعناه: أنَّهما اسمان لواحدٍ، [أي:] أيَّ هذين الاسمين سميتم، فله الأسماءُ الحسنى. قوله: {أَيّاً مَّا تَدْعُواْ}: ["أيًّا"] منصوب [بـ "تَدْعُوا"] على المفعول به، والمضاف إليه محذوف، أي: أيَّ الاسمين، و "تَدْعُوا" مجزوم بها، فهي عاملة معمولة، وكذلك الفعل، والجواب الجملة الاسمية من قوله "فلهُ الأسْماءُ الحُسنَى". وقيل: هو محذوفٌ، تقديره: جاز، ثم استأنف، فقال: فله الأسماء الحسنى، وليس بشيءٍ. والتنوين في "أيًّا" عوض من المضاف إليه، وفي "ما" قولان: أحدهما: أنها مزيدة للتأكيد. والثاني: أنها شرطية جمع بينهما؛ تأكيداً كما جمع بين حرفي الجر؛ للتأكيد، وحسَّنه اختلافُ اللفظ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 3480- فأصْبَحْنَ لا يَسْألنَنِي عن بِمَا بِهِ .............. تفسير : ويؤيِّد هذا ما قرأ به طلحة بن مصرِّفٍ "أيًّا من تدعُوا" فقيل: "مَنْ" تحتمل الزيادة على رأي الكسائيِّ؛ كقوله: [الكامل] شعر : 3481- يَا شَاةَ من قَنصٍ لمَنْ حَلَّتْ لهُ .................. تفسير : واحتمل أن تكون شرطية، وجمع بينهما؛ تأكيداً لما تقدَّم، و "تَدعُوا" هنا يحتمل أن يكون من الدعاء، وهو النداءُ، فيتعدَّى لواحدٍ، وأن يكون بمعنى التسمية، فيتعدَّى لاثنين، إلى الأول بنفسه، وإلى الثاني بحرف الجرِّ، ثم يتسع في الجارِّ فيحذف؛ كقوله: [الطويل] شعر : 3482- دَعتْني أخَاهَا أمُّ عَمْرٍو....... ................. تفسير : والتقدير: قل: ادعُوا معبودكم بالله، أو بالرَّحمن، بأيِّ الاسمين سمَّيتموه، وممَّن ذهب غلى كونها بمعنى "سمَّى" الزمخشري. ووقف الأخوان على "أيًّا" بإبدال التنوين ألفاً، ولم يقفا على "مَا"؛ تبييناً لانفصال "أيًّا" من "مَا"، ووقف غيرهما على "مَا"؛ لامتزاجها بـ "أيّ"؛ ولهذا فصل بها بين "أي"، وبين ما أضيفت إليه في قوله تعالى {أية : أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ} تفسير : [القصص: 28]، وقيل: "ما" شرطية عند من وقف على "ايًّا"، وجعل المعنى: أي الاسمين دعوتموه به، جاز، ثم استأنف "مَا تدعوا، فله الأسماء الحسنى"، يعني أنَّ "ما" شرطٌ ثانٍ، و "فَلهُ الأسماءُ" جوابه، وجواب الأول مقدر، وهذا مردودٌ بأنَّ "ما" لا تطلق على آحاد أولي العلم، وبأنَّ الشرط يقتضي عموماً، ولا يصحُّ هنا، وبأن فيه حذف الشرط والجزاء معاً. فصل والمعنى: أيًّا ما تدعوا، فهو حسنٌ؛ لأنه إذا حسنت أسماؤه، فقد حسن هذان الاسمان؛ لأنهما منها، ومعنى حسن أسماء الله كونها مفيدة لمعاني التَّمجيد والتَّقديس. واحتجَّ الجبائي بهذه الآية، فقال: لو كان تعالى خالقاً للظُّلم، والجور، لصحَّ أن يقال: يا ظالمُ، حينئذٍ: يبطل ما ثبت بهذه الآية من كون أسمائه بأسرها حسنة. والجواب: أنَّا لا نسلِّم أنه لو كان خالقاً لأفعال العباد، لصحَّ وصفه بأنَّه ظالمٌ، وجائرٌ، كما لا يلزم من كونه خالقاً للحركة والسكون، والسواد، والبياض أن يقال: ما متحرك، ويا ساكن، ويا أبيض، ويا أسود. فإن قيل: فيلزم أن يقال: يا خالق الظُّلم والجور. فالجواب: يلزمكم أن تقولوا: يا خالق العذرات، والديدان، والخنافس؛ كما أنكم تقولون: ذلك حقٌّ في نفس الأمر، وإنَّما الأدب أن يقال: يا خالق السَّموات والأرض، فكذا قولنا ها هنا. ثمَّ قال تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلَٰوتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا}. وروى سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبَّاس في هذه الآية، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعُ صوته بالقراءة، فإذا سمعه المشركون سبُّوا القرآن ومن أنزله، ومن جاء به، فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ}، أي: بقراءتك، أي: فيسمعك المشركون؛ فيسبُّوا القرآن، ويسبُّوا الله عدواً بغير علم. قوله: {وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} فلا يسمعك أصحابك. قوله: {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلاً}. روى أبو قتادة حديث : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم طاف باللَّيل على دور أصحابه؛ فكان أبو بكرٍ يخفي صوته بالقراءة، وكان عمر يرفعُ صوته، فلما جاء النَّهار، وجاء أبو بكرٍ وعمر، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: هِيَ لَكَ، مَررْتُ بِكَ، وأنْتَ تَقْرأ، وأنْتَ تَخفضُ من صَوتِكَ، فقال: إنِّي سَمِعتُ من نَاجَيتُ، قَالَ: فَارفَعْ قليلاً، وقَالَ لِعُمرَ: مَررْتُ بِكَ، وأنْتَ تَقْرَأ، وأنْتَ تَرْفَعُ مِنْ صَوْتِكَ، فقال: إنِّي أوقظُ الوسْنانَ، وأطردُ الشَّيطَانَ، فقال: اخْفِضْ قليلاً . تفسير : وقيل: المراد (ولا تجهر بصلاتك كلها)، ولا تخافت بها كلها (وابتغ بين ذلك سبيلا) بأن تجهر بصلاة الليل، وتخافت بصلاة النَّهار. وقيل: الآية في الدعاء، وهو قول أبي هريرة، وعائشة، والنخعيِّ، ومجاهدٍ، ومكحولٍ، وروي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية، قال: إنَّما ذلِكَ في الدُّعاءِ والمسالة. قال عبد الله بن شدَّادٍ: كان أعرابٌ من بني تميم، إذا سلَّم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: اللهم ارزقنا مالاً وولداً يجهرون، فأنزل الله هذه الآية: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلَٰوتِكَ}. أي: لا ترفع صوتك بقراءتك، ودعائك، ولا تخافت بها. والمُخَافتَةُ: خفض الصَّوت والسُّكوتُ. يقل: خفت صوته يخفته خفوتاً، إذا ضعف وسكن، وصوتٌ خفيتٌ، أي: خفيضٌ. ومنه يقال للرجل، إذا مات: قد خفت كلامه، أي: انقطع كلامه، وخفت الزَّرعُ، إذا ذبل، وخفت الرَّجل بقراءته، يتخافتُ بها، إذا لم يبيِّن قراءته برفع الصوت، وقد تخافت القوم، إذا تسارُّوا بينهم. فصل في المستحب في الدعاء واعلم أن الجهر بالدعاء منهيٌّ عنه، والمبالغة في الإسرار غير مطلوبة، والمستحبُّ التوسُّط، وهو أن يسمع نفسه؛ كما روي عن ابن مسعود: أنه قال: لم يتخافت من يسمع أذنيه. واعلم أن العدل هو رعاية الوسط؛ كما مدح الله هذه الأمَّة بقوله: {أية : وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} تفسير : [البقرة: 143]. ومدح المؤمنين بقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَاماً} تفسير : [الفرقان: 67]. وأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ} تفسير : [الإسراء: 29] فكذا ههنا: نهى عن الطَّرفين، وهما الجهر والمخافتة، وأمر بالتوسُّط بينهما، فقال: {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلاً}. وقال بعضهم: الآية منسوخة بقوله - تعالى -: {أية : ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} تفسير : [الأعراف: 55]. وهو بعيدٌ. واعلم أنه تعالى، لمَّا أمر بأن لا يذكر، ولا ينادى، إلا بأسمائه الحسنى، علَّم كيفيَّة التمجيد؛ فقال: {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ}. فذكر ثلاثة أنواع من صفات التنزيه والجلال: الأول: أنه لم يتخذ ولداً، والسَّببُ فيه وجوهٌ: أولها: أنَّ الولد هو الشيء المتولِّد من أجزاء ذلك الشيء، فكلُّ من له ولدٌ، فهو مركبٌ من الأجزاء، والمركَّب محدثٌ، والمحدث محتاجٌ؛ لا يقدر على كمال الإنعامِ؛ فلا يستحقُّ كمال الحمدِ. وثانيها: أنَّ كل من له ولدٌ، فهو يمسك جميع النِّعم لولده، فإذا يكن له ولدٌ، أفاض كلَّ النِّعم على عبيده. وثالثها: أن الولد هو الذي يقوم مقام الوالد بعد انقضائه، فلو كان له ولد، لكان منقضياً فانياً، ومن كان كذلك، لم يقدر على كمال الإنعام في جميع الأوقات؛ فوجب ألاَّ يستحقَّ الحمد على الإطلاق. وهذه الآية ردٌّ على اليهود في قولهم {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 30]، وردٌّ على النصارى في قولهم {أية : ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 31] وعلى مشركي العرب في قولهم: "المَلائِكةُ بنَاتُ الله". والنوع الثاني من الصفات السلبية قوله: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ}. والسَّببُ في اعتبار هذه الصفة: أنَّه لو كان له شريكٌ، فلا يعرف كونه مستحقًّا للحمد والشُّكر. والنوع الثالث: قوله: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مَّنَ ٱلذُّلِّ}. والسببُ في اعتباره: أنه لو جاز عليه وليٌّ من الذلِّ، لم يجب شكره؛ لتجويز أن يكون غيره حمله على ذلك الإنعام. أما إذا كان منزَّهاً عن الولد، وعن الشَّريك، وعن أن يكون له وليٌّ يلي أمرهُ، كان مستوجباً لأعظم أنواع الحمد والشُّكر. قوله: {مَّنَ ٱلذُّلِّ}: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها صفة لـ "وليّ"، والتقدير: وليٌّ من أهل الذلِّ، و المراد بهم: اليهود والنصارى؛ لأنهم أذلُّ الناس. والثاني: أنها تبعيضية. الثالث: أنها للتعليل، أي: من أجل الذلِّ، وإلى هذين المعنيين نحا الزمخشريُّ فإنه قال: "وليٌّ من الذلِّ: ناصر من الذلِّ، ومانع له منه؛ لاعتزازه به، أو لم يوالِ أحداً لأجل مذلَّة به؛ ليدفعها بموالاته". وقد تقدَّم الفرق بين الذُّلّ والذِّلّ في أول هذه السورة [الآية: 24]. فصل في معنى قوله: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} معنى قوله: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً}، أي: أنَّ التمجيد يكون مقروناً بالتكبير، والمعنى: عظِّمه عن أن يكون له شريكٌ، أو وليٌّ؛ قال - عليه الصلاة والسلام - "حديث : أحَبُّ الكلام إلى الله تعالى أربع: لا إله إلا الله، و الله أكبر، وسبحان الله، والحمدُ لله لا يضرك بأيِّهنَّ بدأت ". تفسير : فصل روى أبي بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورة بني إسرائيل، فَرَقَّ قَلبهُ عِندَ ذِكْر الوالدين أعْطِيَ في الجنَّة قِنْطَاريْنِ مِنَ الأجْرِ، والقِنطَارُ ألْفُ أوقيَّةٍ، ومِائتَا أوقيَّةٍ، كلُّ أوقيَّةٍ خيرٌ من الدُّنْيَا وما فِيهَا ". تفسير : وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: قول العبد: "الله أكبرُ خيرٌ من الدنيا وما فِيهَا" وهذه الآية خاتمة التَّوراة. وروى مطرفٌ، عن عبد الله بْنِ كعبٍ، قال: "افتُتِحَتِ التَّوراةُ بفَاتحةِ سُورةِ الأنعامِ، وخُتمَتْ بِخاتمَةِ هذه السُّورةِ". وروى عمرُو بنُ شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا أفْصَحَ الغلام من بني عَبْدِ المطَّلبِ، عَلَّمهُ: الحَمدُ للهِ الَّذي لَمْ يتَّخذْ ولداً الآية. وقال عبدُ الحميدِ بنُ واصلٍ: سَمعْتُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال: "حديث : مَنْ قَرَأ: {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} الآية، كَتبَ الله لهُ من الأجْرِ مِثلَ الأرْض والجِبالِ؛ لأنَّ الله تعالى يَقُولُ فيمَنْ زَعمَ أنَّ لهُ ولداً: {تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً} ".

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ} [الآية: 105]. قال جعفر: الحق أنزل على قلوب خواصه من مكنون فوائده، وعجائب بره، ولطائف صنعه ما نور به أسرارهم، وطهر به قلوبهم، وزين جوارحهم وبالحق نَزّلَ عليهم هذه اللطائف. وقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً} [الآية: 105]. قال ابن عطاء: مبشرًا لمن أعرض عنك، نذيرًا لمن أقبل عليك يبشرهم لسعة رحمة الله عليهم ليقبلوا عليه وينذرهم سخط ربهم لئلا يتكلوا على أعمالهم. وقال أبو بكر بن طاهر: يبشرهم برحمتنا وينذرهم بسخطنا.

القشيري

تفسير : القرآن حقٌ، ونزوله بحق، ومُنَزِّلهُ حق، والمُنَزَّلُ عليه حق، فالقرآن بحقِّ أنزل ومِنْ حقِِّ نزل وعلى حقِّ نزل. وقد فَرَّق القرآنَ لِيُهَوِّنَ عيه - صلوات الله عليه - حِفَْظَه، وليكثر تردد الرسول من ربِّه عليه، وليكون نزوله في كل وقت وفي كل حادثة وواقعة دليلاً على أنه ليس مما أعان عليه غيره.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ} اى بحق الربوبية على العبودية انزلنا القران على قلوب الصديقين والمقربين ليعرفهم ذاتنا وصفاتنا الازلية الابدية ويدور اسرارهم فى عالم الغيوب لترى اسرارنا وخزائن ملكنا وعجائب قدرتنا فى جميع الذرات لان القران مفاتيح الذات والصفات وخزائن الملك والملكوت وبحق العبودية نزل القران ليعرفهم منازلها ومقاماتها من الصدق والاخلاص وجميع المعاملات لتسرى على بحارها الارواح القدسية والقلوب الروحانية والعقول الصافية والابدان المقدسة لعرفان مكان الخضوع والفناء فى الحق {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً} لاهله وحامله بحسن القبول واليقين والمعرفة والتمكين {وَنَذِيراً} لمن تقاعد عن امره ولم يعرف مكانه قال جعفر الحق انزل على قلوب خواصه من مكنون فوائده وعجائب بره ولطائف صنعه ما نور بها اسرارهم وطهر بها قلوبهم وزين بها جوارحهم وبالحق نزل عليهم هذه اللطائف وقال ابن عطا مبشرا لمن اقبل عليك ونذيرا لمن اعرض عنك.

اسماعيل حقي

تفسير : {وبالحق انزلناه وبالحق نزل} وازجشم ما غائب شد باز كشتيم وقصه بعرض شيخ رسانيديم دست بران موضع نهاد واين كلمات بكفت فى الحال شفا يافت وكفته اند آن كس خضر عليه السلام بود اثر حكمت اين كار طيبيان الهبست]. وفى التأويلات النجمية انزال القرآن كان بالحق لا بالباطل وذلك لانه تعالى لما خلق الارواح المقدسة فى احسن تقويم ثم بالنفخة رده الى اسفل سافلين وهو القالب الانسانى احتاجت الارواح فى الرجوع الى اعلى عليين قرب الحق وجواره الى حبل تعتصم به فى الرجوع فانزل الله القرآن وهو حبله المتين وقال {أية : واعتصموا بحبل الله جميعا}تفسير : وبالحق نزل ليضل به اهل الشقاوة وبالرد والجحود والامتناع عن الاعتصام به ويبقى فى الاسفل حكمة بالغة منه ويهدى به اهل السعادة بالقبول والايمان والاعتصام به والتخلق بخلقه الى ان يصل به الى كمال قربه فيعتصم به كما قال {أية : واعتصموا بالله هو مولاكم}تفسير : {وما ارسناك الا مبشرا} للمطيع بالثواب {ونذيرا} للعاصى من العقاب فلا عليك الا التبشير والانذار. وفى التأويلات النجمية {مبشرا} لاهل السعادة بسعادة الوصول والعرفان عند التمسك بالقرآن {ونذيرا} لاهل الشقاوة بشقاوة البعد والحرمان والخلود فى النيران عند الانفصام عن حبل القرآن وترك الاعتصام به [سلمى قدس سره فرموده كه مزده دهنده آنراكه ازماروى بكرداند وبيم كننده آنراكه روى بما آورد يعنى بدكارانرا بشارت دهدبست رحمت وكمال عفوما تاروى بدركاه ما آرند شعر : حافظا رفت او بهر كنهكار نست نا اميدى مكن اى دوست كه فاسق باشى تفسير : نيكانرا انذار كند از اثر هيبت وجلال تابر اعمال خود اعتماد ننمايند شعر : زاهد غرور داشت سلامت نبرد راه رنده ازره نياز بدار السلام رفت

ابن عجيبة

تفسير : قلت: تقديم المعمول، هو {بالحق}: يُؤذن بالحصر. و {قرآنًا}: مفعول بمحذوف يُفسره ما بعده. يقول الحقّ جلّ جلاله: في شأن القرآن: {وبالحقِّ أنزلناه وبالحق نَزَل} أي: ما أنزلنا القرآن إلا ملتبسًا بالحق، المقتضي لإنزاله، وما نزل إلا بالحق الذي اشتمل عليه من الأمر والنهي، والمعنى: أنزلناه حقًا مشتملاً على الحق. أو: ما أنزلناه من السماء إلا محفوظًا بالرصَد من الملائكة، وما نزل على الرسول إلا محفوظًا من تخليط الشياطين. ولعل المراد: عدم اعتراء البطلان له أولاً وآخرًا. {وما أرسلناك إِلا مبشرًا} للمطيعين بالثواب، {ونذيرًا} للعاصين بالعقاب، وهو تحقيق لحقية بعثه - عليه الصلاة والسلام - إثر تحقيق حقية إنزال القرآن. {وقرآنًا فَرَقْنَاهُ} أي: أنزلناه مفرقًا منجمًا في عشرين سنة، أو ثلاث وعشرين. قال القشيري: فرَق القرآن؛ ليهون حفظه، ويكثر تردد الرسول عليه من ربه، وليكون نزوله في كل وقت، وفي كل حادثة وواقعة؛ دليلاً على أنه ليس مما أعانه عليه غيره. هـ. {لتقرأه على الناس على مُكْثٍ}؛ على مهلٍ وتؤدة وتثبتٍ؛ فإنه أيسر للحفظ، وأعون على الفهم، {ونزلناه تنزيلاً} على حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، والحوادث الواقعة. {قل} للذين كفروا: {آمِنُوا به أو لا تُؤمنوا}، فإنَّ إيمانكم لا يزيده كمالاً، وامتناعكم منه لا يزيده نقصانًا. أو: أُمِرَ باحتقارهم وعدم الاكتراث بهم، كأنه يقول: سواء آمنتم به أو لم تؤمنوا؛ لأنكم لستم بحجة، وإنما الحجة لأهل العلم، وهم: المؤمنون من أهل الكتاب، الذين أشار إليهم بقوله: {إِن الذين أُوتوا العلم من قَبْلِهِ} أي: العلماء الذين قرأوا الكتب السالفة من قبل تنزيله، وعرفوا حقيقة الوحي وأمارات النبوة، وتمكنوا من التمييز بين الحق والباطل، والمحق والمبطل، {إِذا يُتلى عليهم} القرآن {يَخرُّون للأذقانِ} أي: يسقطون على وجوههم {سُجَّدًا}؛ تعظيمًا لأمر الله، أو شكرًا لإنجازه ما وعد في تلك الكتب؛ من نعتك، وإظهارك، وإنزال القرآن عليك. والأذقان: جمع ذقن، وهو: أسفل الوجه حيث اللحية. وخصها بالذكر؛ لأنها أول ما تلقى في الأرض من وجه الساجد. والجملة: تعليل لما قبلها من قوله: {آمِنُوا به أو لا تؤمنوا}؛ من عدم المبالاة. والمعنى: إن لم تؤمنوا فقد آمن منْ هو أعلى منكم وأحسن إيمانًا منكم. ويجوز أن يكون تعليلاً لقُل، على سبيل التسلية للرسول - عليه الصلاة والسلام -، كأنه يقول: تسلّ بإيمان العلماء عن إيمان الجهلة، ولا تكترث بإيمانهم وإعراضهم. {ويقولون} في سجودهم: {سبحان ربِّنا} عن خلْف وعده؛ {إِن كان وعْدُ ربنا لمفعولاً} أي: إن الأمر والشأن كان وعد ربنا مفعولاً لا محالة، {ويَخِرُّون للأذقانِ} كرره؛ لاختلاف السبب، فإن الأول: لتعظيم الله وشكر إنجاز وعده. والثاني: لِمَا أثر فيهم من مواعظ القرآن، {يَبْكُونَ}: حال، أي: حال كونهم باكين من خشية الله، {ويزيدهم} القرآنُ {خشوعًا}، كما يزيدهم علمًا بالله تعالى. الإشارة: وبالحق أنزلناه، أي بالتعريف بأسرار الربوبية، وبالحق نزل؛ لتعليم آداب العبودية. أو: بالحق أنزلناه، يعني: علم الحقيقة، وبالحق نزل علم الشريعة والطريقة. وما أرسلناك إلا مبشرًا لأهل الإخلاص بالوصول والاختصاص، ونذيرًا لأهل الخوض بالطرد والبعد. وقرآنا فرقناه، لتقرأه نيابة عنا، كي يسمعوه منا بلا واسطة، عند فناء الرسوم والأشكال، ونزّلناه، للتعريف بنا تنزيلاً، قل آمنوا به؛ لتدخلوا حضرتنا، أو لا تؤمنوا، فإن أهل العلم بنا قائمون بحقه، خاشعون عند تلاوته، متنعمون بشهودنا عند سماعه منا. وبالله التوفيق. ولما كان القرآن مشتملاً على أسماء كثيرة من أسماء الله الحسنى، وكان عليه الصلاة والسلام يقول في دعائه: "يا الله، يا رحمن"، قالوا: إنه ينهانا عن عبادة إلٰهين، وهو يدعو إلهًا آخر. وقالت اليهود: إنك لتُقل ذكر الرحمن، وقد أكثر الله تعالى ذكره في التوراة، فأنزل الله ردًا على الفريقين. {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ...} قلت: "أي" شرطية، و {ما}: زائدة؛ تأكيدًا لما في "أيًّا" من الإبهام، وتقدير المضاف: أيَّ الأسماء تدعو به فأنت مُصيب. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قُلْ} يا ممد للمؤمنين: {ادعوا الله أو ادعوا الرحمن}؛ نادوه بأيهما شئتم، أو سموه بأيهما أردتم. والمراد: إما التسوية بين اللفظين؛ فإنهما عبارتان عن ذاتِ واحد، وإن اختلف الاعتبار، والتوحيد إنما هو للذات، الذي هو المعبود بالحق، وإما أنهما سيان في حسن الإطلاق والوصول إلى المقصود، فلذلك قال: {أَيَّا مَا تدعو}؛ أيَّ اسم تدعو به تصب، {فله الأسماءُ الحسنى} فيكون الجواب محذوفًا، دلَّ عليه الكلام. وقيل: التقدير أيًّا ما تدعو به فهو حسن، فوضع موضعه: {فله الأسماء الحسنى}؛ للمبالغة والدلالة على ما هو الدليل عليه؛ إذ حسن جميع الأسماء يستدعي حسن ذَيْنِك الاسمين، وكونها حسنى؛ لدلالتها على صفات الكمال من الجلال والجمال؛ إذ كلها راجعة إلى حسن ذاتها، وكمالها؛ جمالاً وجلالاً. قال في شرح المواقف: ورد في الصحيحين: "حديث : إنَّ للهِ تِسْعَةً وتَسْعِينَ اسْمًا، مائةً إلاَّ وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ"تفسير : ، وليس فيها تعيين تلك الأسماء. لكن الترمذي والبيهقي عيَّناها. وهي الطريقة المشهورة، ورواية الترمذي: "الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ المصور، الغفار القهار، الوهاب الرزاق، الفتاح العليم، القابض الباسط، الخافض الرافع، المعز المذل، السميع البصير، الحكم العدل، اللطيف الخبير، الحليم العظيم، الغفور الشكور، العلي الكبير، الحفيظ المقيت، الحسيب الجليل، الكريم الرقيب، المجيب، الواسع الحكيم، الودود المجيد، الباعث الشهيد، الحق الوكيل، القوي المتين، الولي الحميد، المحصي المبدئ المعيد، المحيي المميت، الحي القيوم، الواجد الماجد، الواحد، الأحد الصمد، القادر المقتدر، المقدم المؤخر، الأول الآخر، الظاهر الباطن، الوالي المتعالي، البر التواب، المنتقم العفو الرؤوف، مالك الملك ذو الجلال والإكرام، المقسط الجامع، الغني المغني المانع، الضار النافع، النور الهادي، البديع الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور". وقد ورد التوقيف بغيرها، أمَّا في القرآن؛ فكالمولى، والنصير والغالب، والقاهر والقريب، والرب والأعلى، والناصر والأكرم، وأحسن الخالقين، وأرحم الراحمين، وذي الطول، وذي القوة، وذي المعارج، وغير ذلك. وأما في الحديث، فكالمنان، والحنان، وقد ورد في رواية ابن ماجة أسماء ليست في الرواية المشهورة؛ كالقائم، والقديم، والوتر، والشديد، والكافي، وغيرها. وإحصاؤها: إما حفظها؛ لأنه إما يحصل بتكرار مجموعها وتعدادها مرارًا، وإما ضبطها؛ حصرًا وعلمًا وإيمانًا وقيامًا بحقوقها، وإما تعلقًا وتخلقًا وتحققًا. وقد ذكرنا في شرح الفاتحة الكبير كيفية التعلق والتخلق والتحقق بها. وفي ابن حجر: أن أسماء الله مائة، استأثر الله بواحد، وهو الاسم الأعظم، فلم يُطلع عليه أحدًا، فكأنه قيل: مائة لكن واحد منها عند الله. وقال غيره: ليس الاسم الذي يكمل المائة مخفيًا، بل هو الجلالة. وممن جزم بذلك البيهقي، فقال: الأسماء الحسنى مائة، على عدد درجات الجنة، والذي يكمل المائة: "الله"، ويؤيده قوله تعالى: {أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَى} تفسير : [الأعرَاف: 180]. فالتسعة والتسعون لله؛ فهي زائدة عليه وبه تكمل المائة. هـ. قلت: ولعله ذكر اسمًا آخر يكمل التسعة والتسعين. وإلا فهو مذكور في الرواية المتقدمة من التسعة والتسعين. والله تعالى أعلم. الإشارة: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن}، قال الورتجبي: إن الله سبحانه دعا عباده إلى معرفة الاسمين الخاصين، الذين فيهما أسرار جميع الأسماء والصفات والذات، والنعوت والأفعال؛ فالله اسمُهُ، وهو اسمُ عَيْنِ جَمْعِ الجَمعِ، والرحمن اسم عين الجمع؛ فالرحمن مندرج تحت اسمه: "الله"؛ لأَنه عين الكل، وإذا قلت: الله؛ ذكرت عين الكل. ثم قال: وإذا قال "الله"؛ يفنى الكل، وإذا قال: "الرحمن"؛ يبقى الكل، من حيث الاتصاف والاتحاد، فالاتصاف بالرحمانية يكون، والاتحاد بالألوهية يكون. ثم قال: عن الأستاذ: من عظيم نعمه سبحانه على أوليائه: أنه يُنزههم بأسرارهم في رياض ذكره؛ بتعداد أسمائه الحسنى، فيتنقلون من روضة إلى روضة، ومن مأنس إلى مأنس، ويقال: الأغنياء تنزههم في بساتينهم، وتنزههم في منابت رياحِينهم. والفقراء تنزههم في مشاهد تسبيحهم، ويستروحون إلى ما يلوح لأسرارهم من كشوفات جلاله وجماله. هـ. قلت: والعارفون تنزههم في مشاهدة أسرار محبوبهم، وما يكشف لهم من روض جماله وجلاله. وبالله التوفيق. ثمَّ أمر باخفاء قراءته عن المشركين

الطوسي

تفسير : قوله {وبالحق أنزلناه} يعني القرآن أنزله الله يأمر فيه بالعدل وبالانصاف، والأخلاق الجميلة والأمور الحسنة الحميدة، وينهي فيه عن الظلم وأنواع القبائح والأخلاق الذميمة. {وبالحق نزل} معناه بما ذكرناه من فنون الحق نزل القرآن من عند الله على نبيه صلى الله عليه وسلم. قال البلخي: يجوز أن يكون أراد موسى، ويكون ذلك كقوله {أية : وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد}تفسير : ويجوز أن يكون أراد الآيات فكنى عنها بالهاء وحدها، دون الهاء والألف؛ ويريد أنزلنا ذلك، كما قال أبو عبيدة قال أنشدني رؤبة: شعر : فيه خطوط من سواد وبلق كأنه في العين توليع البهق تفسير : فقلت له: إِن أردت الخطوط فقل كأنها، وإِن أردت السواد والبياض فقل كأنهما، قال: فقال لي: كأن ذلك وتلك. ثم قال {وما أرسلناك} يا محمد {إِلا مبشراً} للمطيعين بالجنة {ونذيراً} أَي مخوفاً للعصاة من النار. وقوله {وقرآناً فرقنا} قرأه أهل الأمصار بالتخفيف. وحكي عن ابن عباس بتشديد الراء، بمعنى نزلناه شيئاً بعد شيء، آية بعد آية، وقصة بعد قصة. ومعنى {فرقناه} فصلنا فيه الحلال والحرام، وميزنا بينهما، وهو قول ابن عباس. وقال أُبي بن كعب معناه بيناه. وقال الحسن وقتادة: فرق الله فيه بين الحق والباطل. ومن قرأ بالتشديد، قال ابن عباس وقتادة وابن زيد: إِن معناه أنزل متفرقاً لم ينزل جميعاً، وكان بين أوله وآخره نحو من عشرين سنة. ونصب {قرآناً} على معنى وأحكمنا قرآناً {فرقناه} أو آتيناك قرآناً. وقال بعضهم: نصب بمعنى ورحمة كأنه قال {وما أرسلناك إِلا مبشراً ونذيراً} ورحمة، قال لأن القرآن رحمة. وقوله {لتقرأه على الناس على مكث} معناه على توئدة، فترتله وتبينه ولا تعجل في تلاوته، فلا يفهم عنك، وهو قول ابن عباس ومجاهد وابن زيد، ويقال في المكث لغات: مكث بضم الميم وعليه القراء، وبفتح الميم وسكون الكاف، وبفتح الميم وكسر الكاف، وحكي مكثِى مقصور ومكاثاء ممدود. وقوله {ونزلناه تنزيلاً} أي أنزلناه شيئاً بعد شيء، وهو قول الحسن وقتادة وقوله {ونزلناه تنزيلاً} يدل على أن القرآن محدث، لأن القديم لا يجوز وصفه بالمنزل والتنزيل، لأن ذلك من صفات المحدثين. وقيل في معنى {على مكث} أنه كان ينزل منه شيء ثم يمكثون ما شاء الله وينزل شيء آخر.

الجنابذي

تفسير : {وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ} بسبب الحقّ او بالغاية الحقّة او متلبّساً بالحقّ، والضّمير امطلق القرآن او لقرآن الولاية {وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً وَقُرْآناً} اى امراً مجتمعاً مجملاً عظيماً {فَرَقْنَاهُ} فصّلناه فى صورة الحروف والالفاظ ونزّلناه نجوماً {لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ} فانّه اقرب الى القبول والحفظ {وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} عن مقام جمعه الّذى هو المشيّة والولاية الى الاقلام اجمالاً ثمّ الى الالواح ثمّ الى الاكوان فى صور الموجودات الكونيّة، وفى صور الحروف والاصوات والنّفوس والكتابات، ويجوز ان يراد بالقرآن الامر بالولاية مخصوصاً وان يراد بتفريقه تنزيله اشارةً مثل انّما وليّكم الله، واطيعوا الرّسول، وتصريحاً مثل بلّغ ما انزل اليك فى علىّ (ع).

اطفيش

تفسير : {وَبِالْحَقِّ} لا بغيره. {أَنزَلْنَاهُ} أى أنزلنا القرآن ولم يجر له ذكر، ولكن دل عليه الإِنزال، وقوله: وقرآناً فرقناه. على أن قرآناً حال من الهاء بعده والتقديم للحصر أى وما نزلناه إِلا ملتبسا بالحكمة المقتضية لإِنزاله. {وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} التقديم أيضاً للحصر أى وما نزل إِلا بالحق الذى اشتمل عليه من الهداية إِلى كل خير محفوظاً من تخليط الشياطين لا يأْتيه الباطل من أول الأَمر ولا من آخره، هذا ما ظهر لى ثم رأيت قولا لبعض مشتملا على ما عدا قولى محفوظاً وقولا نصه: وما أنزلناه من السماء إلا محفوظاً، بالرصد من الملائكة وما نزل على الرسول إِلا محفوظا بهم من تخليط الشياطين ويظهر لى وجه آخر فليبادر معناه أنزلناه بالحق لا بغيره ونزل بذلك الحق الذى أنزلناه {وَمَا أرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً} للمؤمن المطيع بالجنة. {وَنذِيراً} لغيره بالنار وليس عليك شئ، وراء التبشير والإِنذار من إِكراه على الدين أو توفيق أو خذلان أو التمكن من إِنزال الآيات متى شئت أو شاءوا وقوله {وما أرسلناك} .. إِلى قوله: {تنزيلا}. لزوال الغم والهم وضيق الصدر وأحلام السوء والوسوسة وحديث النفس والوهم الفاسد ومن أراد زوال ذلك عاجلا صام عشرة أيام أو شاء، وليفطر على حلال ثم يصلى العشاء الآخرة ثم يقرأ الآية على كوز ماء عشر مرات ويشرب منه وينام فإِذا استيقظ شرب منه ثلاث جرع ويشرب الباقى فى السحور ثم يتاو الآية مرة.

اطفيش

تفسير : {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ} الباء للملابسة، والتقديم للحصر، وهو حال من الهاء أو من نا، أو متعلق بأنزل. {وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} هو كالأول، والحق واحد، لأنه معرفة أعيدت، وهو للأول كالمطاوع نحو: وصلته فاتصل، كأنه قيل: توجهت إِرادتنا لإنزاله. فنزل، أو أردنا إنزاله فنزل، وذلك أنه قد يريد أحد الشئ ويشرع له، ولا يكون، ويعالجه فلا يتفق له تعالى الله عن المعالجة فنفى الله ذلك بقوله: "وبالحق نزل" أو المعنى ولم يتغير، والهاء وضمير نزل عائدان إلى القرآن فى قوله: "أية : بمثل هذا القرآن" تفسير : [الإسراء: 88] ولو بعد كما جرى فى كلام العرب ذكر شئ، واستطراد أشياء بعده ثم العود إليه أو إلى القرآن المعلوم، كقوله تعالى: "أية : إنا أنزلناه فى ليلة القدر" تفسير : [القدر: 1] ولو لم يجر له ذكر قريبًا ويقويه. {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ مُبَش‍ِّرًا} للمؤمنين بالجنة {وَنَذِيرًا} للكافرين بالنار عليك التبليغ فقط، وما عليك من عنادهم واجتراحهم شئ، أو المعنى ما أنزلناه إلا بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا بالحكمة والهداية، إلى كل خير، والمعانى التى شملها، فالحقان متغايران، كما إذا قلنا: ما أنزلناه من السماء إلا محفوظًا بالرصد من الملائكة، وما نزل على الرسول إِلا محفوظًا بهم من تخليط الشياطين، وكما إذا فسرنا الحق الأول بالتوحيد، والثانى بالوعد والوعيد والأمر والنهى، وأجيز عود الهاء، وضمير نزل إلى موسى كقوله عز وجل: "أية : وأنزلنا الحديد"تفسير : [الحديد: 25] أو إلى كتابه، أو يقدر مضاف أى أنزلنا كتابه أو إِلى الوعد أو إِلى الآيات التسع. وعلى هذا أفرد الضمير مذكراً لأنهن بمعنى الدليل، والعود إلى القرآن أولى، فيعلق الكلام إلى قوله: "أية : قل لئن اجتمعت" تفسير : [الإسراء: 88] إلخ أو إلى قوله: "أية : ولقد صرفنا" تفسير : [الإسراء: 89].

الالوسي

تفسير : {وَبِٱلْحَقّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقّ نَزَلَ} عود إلى شرح حال القرآن الكريم فهو مرتبط بقوله تعالى: {أية : لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ} تفسير : [الإسراء: 88] الآية وهكذا طريقة العرب في كلامها تأخذ في شيء وتستطرد منه إلى آخر ثم إلى آخر ثم إلى آخر ثم تعود إلى ما ذكرته أولاً والحديث شجون فضمير الغائب للقرآن وأبعد من ذهب إلى أنه لموسى عليه السلام، والآية مرتبطة بما عندها، والإنزال فيها كما في قوله تعالى: {أية : وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ} تفسير : [الحديد: 25] وقد حمله بعضهم على هذا المعنى فيما قبل أو للآيات التسع وذكر على المعنى أو للوعد المذكور آنفاً. والظاهر أن الباء في الموضعين للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال من ضمير القرآن واحتمال أن يكون أولاً حالاً من ضميره تعالى خلاف الظاهر. والمراد بالحق الأول على ما قيل الحكمة الإلٰهية المقتضية لإنزاله وبالثاني ما اشتمل عليه من العقائد والأحكام ونحوها، أي ما أنزلناه إلا ملتبساً بالحق المقتضي لإنزاله وما نزل إلا ملتبساً بالحق الذي اشتمل عليه. وقيل الباء الأولى للسببية متعلقة بالفعل بعد والثانية للملابسة، وقيل: هما للسببية فيتعلقان بالفعل وقال أبو سليمان الدمشقي: الحق الأول التوحيد والثاني الوعد والوعيد والأمر والنهي. وقيل الحق في الموضعين الأمر المحفوظ الثابت، والمعنى ما أنزلناه من السماء إلا محفوظاً بالرصد من الملائكة وما نزل على الرسول إلا محفوظاً بهم من تخليط الشياطين، وحاصله أنه محفوظ حال الإنزال وحال النزول وما بعده لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وأبعد من جوز كون المراد بالحق الثاني النبـي صلى الله عليه وسلم ومعنى نزوله به نزوله عليه وحلوله عنده من قولهم نزل بفلان ضيف، وعلى سائر الأوجه لا تخفى فائدة ذكر الجملة الثانية بعد الأولى، وما يتوهم من التكرار مندفع ونحا الطبري إلى أن الجملة الثانية توكيد للأولى من حيث المعنى لأنه يقال أنزلته فنزل وأنزلته فلم ينزل إذا عرض له مانع من النزول فجاءت الجملة الثانية مزيلة لهذا الاحتمال وتحاشي بعضهم من إطلاق التوكيد لما بين الإنزال والنزول من المغايرة وادعى أنه لو كانت الثانية توكيداً للأولى لما جاز العطف لكمال الاتصال. {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشّرًا} للمطيع بالثواب {وَنَذِيرًا} للعاصي من العقاب فلا عليك إلا التبشير والإنذار لا هداية الكفرة المقترحين وإكراههم على الدين ولعل الجملة لتحقيق حقية بعثته صلى الله عليه وسلم إثر تحقيق حقية القرآن ونصب ما بعد {إِلاَّ} على الحال.

ابن عاشور

تفسير : {وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ} عود إلى التنويه بشأن القرآن فهو متصل بقوله: {أية : ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا}تفسير : [الإسراء: 89]. فلما عطف عليه{أية : وقالوا لن نؤمن لك }تفسير : [الإسراء: 90] الآيات إلى هنا وسمحت مناسبة ذكر تكذيب فرعون موسى عليه السلام عاد الكلام إلى التنويه بالقرآن لتلك المناسبة. وقد وُصف القرآن بصفتين عظيمتين كل واحدة منهما تحتوي على ثناء عظيم وتنبيه للتدبر فيهما. وقد ذُكر فعل النزول مرتين، وذكر له في كل مرة متعلق متماثل اللفظ لكنه مختلف المعنى، فعلق إنزال الله إياه بأنه بالحق فكان معنى الحق الثابت الذي لا ريب فيه ولا كذب، فهو كقوله تعالى: {أية : ذلك الكتاب لا ريب فيه}تفسير : [البقرة: 2] وهو رد لتكذيب المشركين أن يكون القرآن وحياً من عند الله. وعلق نزول القرآن، أي بلوغه للناس بأنه بالحق فكان معنى الحق الثاني مقابلَ الباطل، أي مشتملاً على الحق الذي به قوام صلاح الناس وفوزهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {أية : وقل جاء الحق وزهق الباطل }تفسير : [الإسراء: 81]، وقوله:{ أية : إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله }تفسير : [النساء: 105]. وضمائر الغيبة عائدة إلى القرآن المعروف من المقام. والباء في الموضعين للمصاحبة لأنه مشتمل على الحق والهدي، والمصاحبة تشبه الظرفية. ولولا اختلاف معنى الباءين في الآية لكان قوله: {وبالحق نزل} مجرد تأكيد لقوله: {وبالحق أنزلناه} لأنه إذا أنزل بالحق نزل به ولا ينبغي المصير إليه ما لم يتعين. وتقديم المجرور في المَوضعين على عامله للقصر رداً على المنكرين الذين ادعوا أنه أساطير الأولين أو سحر مبين أو نحو ذلك. {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً} جملة معترضة بين جملة {وبالحق أنزلناه} وجملة {أية : وقرآنا فرقناه }تفسير : [الإسراء: 106]. أي وفي ذلك الحق نفع وضر فأنت به مبشر للمؤمنين ونذير للكافرين. والقصر للرد على الذين سألوه أشياء من تصرفات الله تعالى والذين ظنوا أن لا يكون الرسول بشرا.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ}. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أنزل هذا القرآن بالحق: أي متلبساً به متضمناً له. فكل ما فيه حق. فأخباره صدق، وأحكامه عدل. كما قال تعالى: {أية : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً}تفسير : [الأنعام:115] وكيف لا! وقد أنزله جل وعلا بعلمه. كما قال تعالى: {أية : لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ}تفسير : [النساء:166] الآية، وقوله: {وَبِٱلْحَقِّ نَزَل} يدل على أنه لم يقع فيه تغيير ولا تبديل في طريق إنزاله. لأن الرسول المؤتمن على إنزاله قوي لا يغلب عليه حتى يغير فيه، أمين لا يغير ولا يبدل. كما أشار إلى هذا بقوله: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ}تفسير : [الشعراء:193-194] الآية، وقوله: {أية : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}تفسير : [التكوير:19-21] الآية، وقوله: في هذه الآية: {لَقَوْلُ رَسُولٍ} أي لتبليغه عن ربه. بدلالة لفظ الرسول لأنه يدل على أنه مرسل به.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وبالحق أنزلناه: أي القرآن. وبالحق نزل: أي نزل ببيان الحق في العبادات والعقائد والأخبار والمواعظ والحكم والأحكام. وقرآناً فرقناه: أن نزلناه مفرقاً في ظرف ثلاث وعشرين سنة لحكمة اقتضت ذلك. على مكث: أي على مهل وتؤده ليفهمه المستمع إليه. ونزلناه تنزيلاً: أي شيئاً فشيئاً حسب مصالح الأمة لتكمل به ولتسعد عليه. أوتوا العلم من قبله: أي مؤمنوا أهل الكتاب من اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي. للأذقان سجداً: أي سجداً على وجوههم، ومن سجد على وجهه فقد خرَّ على ذقنه ساجداً. إن كان وعد ربنا لمفعولاً: منجزاً، واقعاً، فقد أرسل النبي الأمي الذي بشرت به كتبه وأنزل عليه كتابه. معنى الآيات: يقول تعالى: {وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ} أي ذلك الكتاب الذي جحد به الجاحدون، وكذب به المشركون أنزلناه بالحق الثابت حيث لا شك أنه كتاب الله ووحيه إلى رسوله، {وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ} فكل ما جاء فيه ودعا إليه وأمر به. وأخبر عنه من عقائد وتشريع وأخبار ووعد ووعيد كله حق ثابت لا خلاف فيه ولا ريبة منه. وقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً} أي لم نرسلك لخلق الهداية في قلوب عبادنا ولا لإِجبارهم بقوة السلطان على الإِيمان بنا وتوحيدنا، وإنما أرسلناك للدعوة والتبليغ {مُبَشِّراً} من أطاعنا بالجنة ومنذراً من عصانا مخوفاً من النار. وفي هذا تقرير لرسالته صلى الله عليه وسلم ونبوته وقوله تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ} أي أنزلنا القرآن وفرقناه في خلال ثلاث وعشرين سنة لحكمة منا اقتضت ذلك وقوله {لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ} آيات بعد آيات ليكون ذلك أَدْعَى إلى فهم من يسمعه ويستمع إليه، وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} أي شيئاً فشيئاً حسب مصالح العباد وما تتطلبه تربيتهم الروحية والانسانية ليكملوا به، عقولاً وأخلاقاً وأرواحاً ويسعدوا به في الدارين وقوله تعالى: {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ} أي قل يا رسولنا للمنكرين للوحي القرآني مِنْ قومك، آمنوا به أو لا تؤمنوا فإن إيمانكم به كعدمه لا يغير من واقعه شيئاً فسوف يؤمن به ويسعد عليه غيركم إن لم تؤمنوا أنتم به وهاهم أولاء الذين أوتوا العلم من قبله من علماء أهل الكتابين اليهود والنصارى قد آمنوا به، يريد أمثال عبدالله بن سلام وسلمان الفارسي والنجاشي أصحم الحبشي وإنهم {إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} أي يُقرأ عليهم {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً} أي يخرون ساجدين على أذقانهم ووجوههم ويقولون حال سجودهم {سُبْحَانَ رَبِّنَآ} أي تنزيهاً له أن يخلف وعده إذ وعد أنه يبعث نبي آخر الزمان وينزل عليه قرآناً، {إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً} إقراراً منهم بالنبوة المحمدية والقرآن العظيم، أي ناجزاً إذ وعد بإرسال النبي الخاتم وإنزال الكتاب عليه فأنجز ما وعد، وهكذا وعد ربنا دائماً ناجز لا يتخلف، وقوله {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ} أي عندما يسمعون القرآن لا يسجدون فحسب بل يخرون يبكون ويزيدهم سماع القرآن وتلاوته خشوعاً في قلوبهم واطمئناناً في جوارحهم لأنه الحق سمعوه من ربهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- القرآن حق من الله وما نزل به كله الحق. 2- الندب إلى ترتيل القرآن لا سيما عند قراءته على الناس لدعوتهم إلى الله تعالى. 3- تقرير نزول القرآن مفرقاً في ثلاث وعشرين سنة. 4- تقرير النبوة المحمدية بنزول القرآن وإيمان من آمن به من أهل الكتاب. 5- بيان حقيقة السجود وأنه وضع الوجه على الأرض. 6- مشروعية السجود للقارئ أو المستمع وسنية ذلك عند قراءة هذه الآية وهي {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً} فيخر ساجداً مكبراً في الخفض وفي الرفع قائلاً: الله أكبر ويسبح ويدعو في سجوده بما يشاء.

القطان

تفسير : فرقناه: انزلناه مفرقا. على مكث: على مهل وبتأَنٍ يخرّون للاذقان: يسقطون على وجوههم. خفت الرجل بقراءته: لم يرفع صوته بها. لاتخافت بها: اقرأها بوضوح. ولقد انزل الله هذا القرآن قائما بالحق، فنزل ليقر الحق في الارض ويثبته، فالحق مادة، والحق غايته. فأنزلناه مؤيدا بالحكمة الآلهية. وما ارسلناك ايها النبي الا بمشرا من آمن بالجنة، ونذيرا لمن جحد بالنار. وقد فرقنا هذا القرآن ونزلناهُ منجَّما على مدة طويلة، لتقرأه على الناس على مهل، ليفهموه. نزلناه شيئا بعد شيء تنزيلا مؤكدا لا شبهة فيه. ثم هدد الله تعالى اولئك الجاحدين على لسان نبيه بقوله: {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ}. قل لاولئك الضالين اختاروا لانفسكم ما تحبون من الايمان بالقرآن وعدمه، ان الذين اوتوا العلم وقرأوا الكتب السابقة، يخرون لله سجدا، شكرا له على انجاز وعده بارسالك، حين يتلى عليهم القرآن، ويقولون في سجودهم: {سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً} ان وعده كان محققا. ويخرون للاذقان باكين من خشية الله اذا يتلى عليهم، ويزيدهم ما فيه من العبر والمواعظ خشوعا وخضوعا. وهنا موضع سجدة. قُلْ ايها الرسول لهؤلاء المشركين: سموا الله، او سموا الرحمن فبأيّ اسم تسمونه فهو حسن، لان كل اسمائه حسن، ثم امر رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام أن يقرأ بصلاته صلاة متوسطة لا يرفع صوته بها ولا يسر كثيرا. وتختم السورة كما بدئت بحمد الله وتقرير وحدانيته بلا ولد ولا شريك، وتنزيهه عن الحاجة الى الولي والنصير، وهو العلي الكبير. {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مَّنَ ٱلذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً}. فالله سبحانه وتعالى غني عن كل معين ان نصير او شريك او ولد، وهو مالك هذا الملك، وهو اكبر من كل شيء، فكبره تكبيرا.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَنْزَلْنَاهُ} {أَرْسَلْنَاكَ} (105) - وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا هذا القُرْآنَ قَائِماً عَلَى الحَقِّ، وَمُتَضَمِّناً لَهُ، فَفِيهِ أَمْرٌ بِالعَدْلِ، وَالإِنْصَافِ وَمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ، وَفِيهِ نَهْيٌّ عَنِ الظُّلْمِ، وَعَنْ ذَميمِ الأَخْلاقِ وَالأَفْعَالِ (وَبِالحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ)، وَأَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ مَحْفُوظاً مَحْرُوساً لَمْ يُزَدْ فِيهِ وَلَمْ يُنْقَصْ مِنْهُ، وَقَدْ أَنْزَلْنَاهُ لِيُقِرَّ الحَقَّ فِي الأَرْضِ (وَبِالحَقِّ نَزَلَ)، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ إِلاَّ مُبَشِّراً لِمَنْ أَطَاعَكَ مِنَ المُؤْمِنينَ بِالخَيْرِ وَالجَنَّةِ وَحُسْنِ الْعَاقِبَةِ. وَمُنْذِراً لِمَنْ عَصَاكَ، وَكَذَّبَكَ، مِنَ الكَافِرِينَ، بِالعُقُوبَةِ وَالعَذَابِ الأَلِيمِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ ..} [الإسراء: 105]. الحق من حقَّ الشيء. أي: ثبت، فالحقّ هو الشيء الثابت الذي لا يطرأ عليه التغيير أبداً، أما الباطل فهو مُتغير مُتلوّن لأنه زَهُوق، والباطل له ألوان متعددة، والحق ليس له إلا لون واحد. لذلك لما ضرب الله لنا مثلاً للحق والباطل، قال سبحانه: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ}تفسير : [الرعد: 17]. فإنْ رأيت في عَصْر من العصور خَوَرَاً يصيب أهل الحق، وعُلُواً يحالف أهل الباطل فلا تغتر به، فهو عُلُوّ الزَّبَد الذي يعلو صَفْحة الماء، ولا ينتفع الناس به، وسرعان ما تُلقِى به الريح هنا وهناك لتجلوَ صفحة الماء الناصعة المفيدة، أما الزَّبَد فيذهب جُفَاءً دون فائدة، ويمكث في الأرض الماء الصافي الذي ينتفع الناس به في الزراعة ونحوها. وهكذا الباطل مُتغيِّر مُتقلِّب لا ينتفع به، والحق ثابت لا يتغير لأنه مَظْهرية من مَظْهريات الحق الأعلى سبحانه، وهو سبحانه الحق الأعلى الذي لا تتناوله الأغيار. وقوله: {أَنْزَلْنَاهُ ..} [الإسراء: 105]. ونلاحظ هنا أن ضمير الغائب في {أَنْزَلْنَاهُ} لم يتقدَّم عليه شيء يُوضِّح الضمير ويعود إليه، صحيح أن الضمير أعْرفُ المعارف، لكن لا بُدَّ له من مرجع يرجع إليه. وهنا لم يُسبق الضمير بشيء، كما سُبق بمرجع في قوله تعالى: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ..}تفسير : [الإسراء: 88]. فهنا يعود الضمير في {بِمِثْلِهِ} إلى القرآن الذي سبق ذكره. نقول: إذا لم يسبق ضمير الغائب بشيء يرجع إليه، فلا بُدَّ أن يكون مرجعه مُتعيّناً لا يختلف فيه اثنانِ، كما في قوله تعالى: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 1]. فهو ضمير للغائب لم يسبق بمرجع له؛ لأنه لا يرجع إلا إلى الله تعالى، وهذا أمر لا يُختَلفُ عليه. كذلك في قوله تعالى: {وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ ..} [الإسراء: 105]. أي: القرآن؛ لأنه شيء ثابت مُتعيّن لا يُختَلف عليه. وجاء الفعل أنزل للتعدية، فكأن الحق سبحانه كان كلامه - وهو القرآن - محفوظاً في اللوح المحفوظ، إلى أنْ يأتيَ زمان مباشرة القرآن لمهمته، فأنزله الله جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، كما قال تعالى: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر: 1]. وهذا هو المراد من قوله {أَنزَلْنَاهُ} ثم نُنزِّله مُنَجَّماً حَسْب الأحداث في ثلاث وعشرين سنة مُدَّة الدعوة كلها، فكلما حدث شيء نزل القسط أو النجم الذي يعالج هذه الحالة. و {أَنْزَلْنَاهُ ..} [الإسراء: 105] أي: نحن، فالمراد الحق سبحانه وتعالى هو الذي حفظه في اللوح المحفوظ، وهو الذي أنزله، وأنزله على الأمين من الملائكة الذي اصطفاه لهذه المهمة. {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ}تفسير : [الشعراء: 193] أي: جبريل - عليه السلام - الذي كرَّمه الله وجعله روحاً، كما جعل القرآن روحاً في قوله: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ..}تفسير : [الشورى: 52]. وقال عنه أيضاً: {أية : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}تفسير : [التكوير: 19]. والكريم لا يكتم شيئاً مِمّا أُوحى إليه: {أية : ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}تفسير : [التكوير: 20-21]. هذه صفات جبريل الذي نزل بالوحي من الحق سبحانه، ثم أوصله لمن؟ أوصله للمصطفى الأمين من البشر: {أية : وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ}تفسير : [التكوير: 22-25]. إذن: فالقرآن الذي بين أيدينا هو هو الذي نزل من اللوح المحفوظ، وهو الحق الثابت الذي لا شَكَّ فيه، والذي لم يتغيّر منه حرفٌ واحدٌ، ولن يجد فيه أحد ثُغْرة للاتهام إلى أنْ تقومَ الساعة. ثم يقول تعالى: {وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ ..} [الإسراء: 105] الأولى كانت: {وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ ..} [الإسراء: 105]. أي: الوسائل التي نزل بها كلها ثابتة، وكلها حَقٌّ لا رَيْبَ فيه ولا شَكَّ {وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ ..} [الإسراء: 105] أي: مضمونه، وما جاء به القرآن هو أيضاً حقٌّ ثابت: لأن القرآن نزل معجزة، ونزل كتاب منهج، معجزة حق لأنه تحدّى الفُصَحاء والبلغاء وأهل اللغة، فأعجزهم في كل مراحل التحدي، والقرآن يحتوي على منهج حق. وأول شيء في منهج القرآن أنّه تكلّم عن العقائد التي هي الأصْل الأصيل لكل دين، فقبل أنْ أقول لك: قال الله، وأَمَر الله لا بُدَّ أن تعرف أولاً مَنْ هو الله، ومَنْ الرسول الذي بلَّغ عن الله، فالعقائد هي ينبوع السُّلوكيات. إذن: تعرّض القرآن للإلهيات، وأوضح أن الله تعالى إله واحد له صفات الكمال المطلق، وتعرَّض للملائكة وللنبوات والمعجزات والمعاد واليوم الآخر، كُلُّ هذا في العقائد؛ لأن الإسلام حرصَ أولاً على تربية العقيدة، فكانت الدعوة في مكة تُركّز على هذا الجانب دون غيره من جوانب الدين لِيُربّيَ في المسلمين هذا الأصل الأصيل، وهو الاستسلام لله، وإلقاء الزمام إليه سبحانه وتعالى. والإنسان لا يُلقي زمام حركته إلا لمَنْ يثق به، فلا بُدَّ إذنْ من معرفة الله تعالى، ثم الإيمان به تعالى، ثم التصديق للمبلّغ عن الله. وفي القرآن أيضاً أحكامٌ وشرائع ثابتة لا تتغير، ولن تُنسَخ بشريعة أخرى؛ لأنها الشريعة الخاتمة، كما قال تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً ..}تفسير : [المائدة: 3]. إذن: نزل القرآن بما هو حَقٌّ من: إلهيات وملائكة ونبوّات ومعجزات وأحكام وشرائع، كلها حَقٌّ ثابت لا شَكَّ فيه، فنزل الحق الثابت من الله بواسطة مَنِ اصطفاه من الملائكة وهو جبريل على مَنِ اصطفاه من الناس وهو محمد، وفي طي ما نزل الحق الثابت الذي لا يتغير. وصدق الحق سبحانه حين قال: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}تفسير : [الحجر: 9]. ونسوق هنا دليلاً عصرياً على أن كتاب الله جاء بالحق الثابت الذي لا يتغير على مَرِّ العصور، ففي ألمانيا استحدث أحد رجال القانون قانوناً للتعسف في استعمال الحق، وظنّوا أنهم جاءوا بجديد، واكتشفوا سلاحاً جديداً للقانون ليعاقب مَنْ له حَقّ ويتعسّف في استعمال حقه. ثم سافر إلى هناك محام من بني سويف للدراسة، فقرأ عن القانون الجديد الذي ادعَوْا السبق إليه، فأخبرهم أن هذا القانون الذي تدَّعُونه لأنفسكم قانون إسلامي ثابت وموجود في سُنّة رسول الله، فعمدوا إلى كتب السيرة، فوجدوا قصة الرجل الذي شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلاً له نخلة يمتلكها داخل بيته، أو أنها تميل في بيته، فأخذها ذريعة وجعل منها مسمار جحا، وأخذ يقتحم على صاحب البيت بيته بحجة أنه يباشر نخلته، فماذا كان حكم الرسول في هذه المسألة؟ هذا الرجل له حَقٌّ في النخلة، فهي مِلْكٌ له لكنه تعسَّف في استعمال حقه، وأتى بما لا يليق من المعاملة، فالمفروض ألاَّ يذهب إلى نخلته إلا لحاجة، مثل: تقليمها، أو تلقيحها، أو جمع ثمارها. لقد أحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل وقال له: "حديث : إما أن تهبَ له هذه النخلة، وإما أنْ تبيعها له، وإما قطعناها ". تفسير : أليس ذلك من الحق الذي سبق به الإسلام؟ وأليس دليلاً على استيعاب شرع الله لكل كبيرة وصغيرة في حياة الناس؟ أَضِفْ إلى ذلك ما قاله بعض العلماء من أهل الإشراقات في معنى: {وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ} أي: وعلى الحق الذي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل القرآن كما تقول: ذهبت إلى القاهرة ونزلت بفلان. أي: نزلت عنده أو عليه. ثم يقول تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً} [الإسراء: 105]. والبشارة تكون بالخير، والنذارة تكون بالشر، ويُشترط في التبشير والإنذار أن تُعطَى للمبشَّر أو للمُنْذَر فرصة يراجع فيها نفسه، ويُعدّل من سلوكه، وإلا فلا فائدة، ولا جدوى منهما، فتُبشّر بالجنة وتُنذَر بالنار في مُتَّسَع من الوقت ليتمكن هذا من العمل للجنة، ويتمكن هذا من الإقلاع عن سبيل النار. ومثال ذلك: أنك تُبشِّر ولدك بالنجاح والمستقبل الباهر إن اجتهد، وتحذره من الفشل إن أهمل، وهذا بالطبع لا يكون ليلة الامتحان، بل في مُتَّسَع أمامه من الوقت لينفذ ما تريد. والحق سبحانه وتعالى هنا يخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بحقيقة مهمته كرسول عليه البلاغ بالبشارة والنذارة، فلا يُحمِّل نفسه فوق طاقتها؛ لأنه ليس مُلْزَماً بإيمان القوم، كما قال تعالى: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً}تفسير : [الكهف: 6]. أي: مُهلكها حُزْناً على عدم إيمانهم، وفي آية أخرى قال: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}تفسير : [الشعراء: 3]. فكأنه سبحانه يُخفِّف العِبْءَ عن رسوله، ويدعوه ألاَّ يُتعِب نفسه في دعوتهم، فما عليه إلا البلاغ، وعلى الله تبارك وتعالى الهداية للإيمان. لكن حِرْص رسول الله على هداية قومه نابع من قضية تحكمه وتستولي عليه لخَّصها في قوله: "حديث : والله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ". تفسير : فالنبي صلى الله عليه وسلم كامل الإيمان، ويحب لقومه أن يكونوا كذلك، حتى أعداؤه الذين وقفوا في وجه دعوته كان إلى آخر لحظة في الصراع يرجو لهم الإيمان والنجاة؛ لذلك لما مُكِّن منهم لم يعاجلهم بالعقوبة، بل قال: "حديث : بل أرجو أن يُخرِج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يُشرك به شيئاً ". تفسير : وفعلاً صدق الله ورسوله، وجاء من ذريات هؤلاء مَنْ حملوا راية الدين، وكانوا سيوفاً على أعدائه، أمثال عكرمة بن أبي جهل، وعمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، وكثير من المسلمين كانوا حريصين على قَتْل هؤلاء حال كفرهم في معارك الإسلام الأولى، وهم لا يعلمون أن الله لم يُمكِّنهم من هؤلاء لحكمة، إنهم سوف يكونون معك من سيوف الإسلام وقادته. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ ...}.

الجيلاني

تفسير : ثم قال سبحانه في حق القرآن ونزوله وعظم قدر من أنزل إليه: {وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ} أي: ما أنزلنا القرآن إلا ملتبساً بالحق المطابق للواقع بلا عروض الباطل عليه أصلاً {وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ} أي: ما نزل فيه من الأحكام والأوامر والنواهي والعبر والأمثال والرموز والإشارات والمعارف والحقائق، كلها نزل بالحق الصريح الثابت الخالص عن توهم الباطل مطلقاً {وَ} أيضاً {مَآ أَرْسَلْنَاكَ} يا أكمل الرسل على كافة البرايا {إِلاَّ مُبَشِّراً} بالحق للمؤمن المطيع بأنواع الخيرات واللذات الروحانية المعنوية {وَنَذِيراً} [الإسراء: 5] بالحق للكافر الجاحد عن أنواع العذاب العقاب الجسمانية والروحانية، وأرسلناك عليهم؛ لتكون داعياً لهم إلى التوحيد والعرفان تالياً لهم. {وَقُرْآناً} فرقاناً بين الحق والباطل والهداية والضلال {فَرَقْنَاهُ} أي: فرقنا إنزاله مفرقاً منجماً {لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ} لدى الحاجة {عَلَىٰ مُكْثٍ} مهلٍ وتؤدةٍ، فإنها أسهل وأيسر للحفظ والفهم {وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} [الإسراء: 106] على حسب الوقائع ومقتضى الزمان والمورد في عرض عشرين سنة. {قُلْ} يا أكمل الرسل للطاعنين في القرآن، المائلين عن حقيته جهلاً وعناداً على سبيل التهديد والتوبيخ: {آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ} أي: سواء منكم الإيمان بالقرآن وعدم الإيمان به؛ لأنكم جهلاء عما فيه من الحقائق والمعارف، غفلاء عن الرموز والإشارات المودعة فيه، فتصديقكم وتكذيبكم لا يجدي نفعاص، ولا يورث ضراً، إنما العبرة لذوي الخبرة {إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} من لدن حكيمٍ عليمٍ بحقية ما فيه، وما في جميع الكتب الإلهية، وهم الأنبياء والأولياء المجبولون على فطرة التوحيد والعرفان، كانوا يؤمنون به ويصدقون به {مِن قَبْلِهِ} أي: قبل نزوله، وبعد نزوله كذلك {إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ} ويسقطون {لِلأَذْقَانِ سُجَّداً} [الإسراء: 107] متذللين، واضعين جباههم وأذقانهم على تراب المذلة تعظيماً لأمر الله، وشكراً له لإنجازه وعده. {وَيَقُولُونَ} في حين سجودهم منزِّهين مسبِّحين: {سُبْحَانَ رَبِّنَآ} وتعالى عن أن يأتي الخُلْف فيما عهدنا، أو عن أن يعجز عن إتيان ما وَعَدَنا {إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً} [الإسراء: 108] أي: إنه كان وعد ربنا إلى وعدنا به في الكتب السالفة من إرسال رسولٍ بأوصافٍ مخصوصةٍ مع كتابٍ جامعٍ لما في الكتب السالفة، ناسخٍ لها، خاتمٍ للرسالة العامة والتشريع الشامل، لذلك صار دينه ناسخاً لجميع الأديان، فقد أنجز سبحانه وعده بإرسال هذا النبي الأمي الموعود. {وَيَخِرُّونَ} أيضاً العالمون العارفون بحقية القرآن بعد تأملهم، وتوغلهم في حِكَمِه وأحكامه وحقائقه ومعارفه {لِلأَذْقَانِ} حال كونهم {يَبْكُونَ} من خشية الله {وَ} بالجملة: {يَزِيدُهُمْ} التأمل والتدبر فيه على وجه التدقيق والتعمق {خُشُوعاً} [الإسراء: 109] وخضوعاً؛ لاطلاعهم على سرائر شهِدَت بها أذواقهم، وذاق حلاوتَها وجدانُهم وسرائرُهم. {قُلِ} يا أكمل الرسل للمحجوبين الغافلين عن سر سريان الوحدة الذاتية الإلهية في المظاهر كلها والمجالي برمتها: {ٱدْعُواْ ٱللَّهَ} أي: سمُّو الذات الأحدية باسم الله المستجمع لجميع الصفات إجمالاً {أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ} أي: سموه باسم الصفات التي اتصفت بها الذات الأحدية تفصيلاً {أَيّاً مَّا تَدْعُواْ} وتسَمُّوا من أسماء الذات والصفات {فَلَهُ} أي: لله المنزله عن سِمَة الكثرة والحدوث مطلقاً، ووصمه الشركة والتعدد رأساً عن {ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ} الكاملة الدالة على أحدية ذاته، غايته في الباب أنها باعتبار شؤونه وتجلياته، إذ الاسم والمسمى كلاهما يتحدان عن سقوط الإضافات ورفع التعينات؛ إذ لا يتصور التعدد دون جنابه إلا وهما واعتباراً. {وَ} إذا كان الكل من المسميات راجعة إلى الذات الأحدية بعد رفع التعينات وسقوط الإضافات {لاَ تَجْهَرْ} أيها العارف المتمكن في مقام التوحيد، الراشح فيه بلا تلوين وتقييد ولا تعقل {بِصَلاَتِكَ} وميلك نحو الحق بَوحاً وشطحاً، ولا تقل في حال صحوك إفاقتك كلامَ أرباب السكر والحيرة {وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} أيضاً خيفةً وشحاً على ذوي الاستعداد الاسترشاد {وَٱبْتَغِ} وأختر يا صاحب التمكين {بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} [الإسراء: 110] مقتصداً معتدلاً مائلاً عن كلا طرفي الإفراط والتفريط؛ إذ الخير في كل الأمور أوسطها وأعدلها. {وَقُلِ} بعدما تحققتَ وتمكنتَ في مقر التوحيد شكراً لما أنعمك الحق الوصل إليه، وأمكنك التحقق دونه والورود عليه: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي} توحد بذاته ونقدس بأسمائه وصفاته، وتفرد بألوهيته، واستقل بوجوده وربوبيته إلى حيث {لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} يخلف عنه لكونه صمداً قيوماً أزلياً سرمدياً، لا يعرضه الفناء ولا يعتريه الانصرام والانقضاء {وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ} والملكوت يظاهره أو يزاحمه ويخاصمه؛ إذ لا شيء في الوجود سواه {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ} يولي أمره ويعين عليه حين ما لحقه {مِّنَ ٱلذُّلِّ} المسقطِ لعزه الأصلي وعِظَمِهِ الحقيقي الأزلي؛ إذ لا تغيرَ ولا تبدلَ في ذاته أصلاً. {وَ} بالجملة: {كَبِّرْهُ تَكْبِيراً} [الإسراء: 111] ذاتياً حقيقياً وعظِّمه تعظيماً صورياً ومعنوياً؛ إذ لا وجود للغير معه حتى يتصور هناك النسبة والإضافة، بل هو أجل وأكبر لذاته بلا توهم الإضافة فيه. اهدنا بفضلك سواء سبيلك إلى توحيدك، واجعلنا من زممرة أرباب تمييزك وتمجيدك. خاتمة السورة. عليك أيها الموحد المحقق في مقام تمجيد الحق وتحميده. مكّنك الله بما أوصاك إليه وقررك دونه. أن تعظمَ الحقَ غاية التعظيم، وتكبره كمال التكبير والتكريم، واعلم أن تعظيمه إنما هو بتعظيم مظاهره ومجاليه؛ إذ ما من ذرةٍ من ذرائر الكائنات إلا وقد ظهر الحق فيه، وتجلى عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، فلك أن تتواضع وتتذلل عند المظاهر طوعاً ورغبةً، ولا تتكبر عليها، ولا تتعظم دونها؛ إذ التكبر والتفوق على ذرةٍ صغيرةٍ من أمارات عدم الوصول إلى مرتبة اليقين الحقي ومقرِّ التوحيد الحقيقي. وذلك إنما يحصل لك بعد رفع مقتضيات أوصافك البشرية بموتك الإرادي الاختياري، وهو إنما يحصل بالرياضات الشاقة القالعة لدرن الهوى والغفلات، وترك العادات الراسخات في نفوس أصحاب الجهالات، والركون إلى العزلة والخلوات، والانقطاع عن رسوم أصحاب التخمينات والتقليدات، والتبتل نحو الحق في عموم الأوقات والحالات. وفقنا الله وإياكم سلوك طريق التوحيد، ورزقنا الوصول إلى منزلة التجريد والتفريد، وجعلنا من زمرة أهل المحبة والولاء الوالهين في مقام التمجيد والتحميد، إنك قريب مجيب حميد مجيد.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن القرآن وما فيه من الحق والفرقان بقوله تعالى: {وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ} [الإسراء: 105] إشارة إلى إنزال القرآن كان بالحق لا بالباطل؛ وذلك لأنه تعالى لما خلق الأرواح المقدسة {أية : فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} تفسير : [التين: 4]، ثم بالنفخة ردها إلى {أية : أَسْفَلَ سَافِلِينَ} تفسير : [التين: 5] وهو قالب الإنسان احتاجت الأرواح في الرجوع إلى أعلى عليين قرب الحق وجواره إلى حبل يعتصم به بالرجوع؛ فأنزل الله القرآن وهو الحبل المتين وقال: {أية : وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 103]. {وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ} [الإسراء: 105] ليضل به أهل الشقاوة بالرد والجحود والامتناع عن الاعتصام به، ويبقي به في الأسفل حكمة بالغة منهم، ويهدي به أهل السعادة بالقبول والإيمان والاعتصام به، والتخلق بخُلقه إلى أن يصل إلى كمال قربه، فيعتصم به كما قال: {أية : وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ} تفسير : [الحج: 78]. {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ} تفسير : [الفرقان: 56] {أية : إِلاَّ مُبَشِّراً} تفسير : [الفرقان: 56] لأهل السعادة بسعادة الوصول والعرفان عند التمسك بالقرآن {أية : وَنَذِيراً} تفسير : [الفرقان: 56] لأهل الشقاوة بشقاوة البعد والحرمان والخلود في النيران عند الانفصام عن حبل القرآن وترك الاعتصام به {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ} [الإسراء: 106] أي: على أهل الغفلة والنسيان {عَلَىٰ مُكْثٍ} [الإسراء: 106] وهذا كمال العناية بأن فرقه آية آية وسورة سورة في الإنزال بالتدريج ليعلموا بها ويتخلقوا بالتأني والتدبر. {وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} [الإسراء: 106] على قانون الحكمة ليبلغ به أهل السعادة والشقاوة إلى أعلى درجات القرب وأسفل دركات البعد، وإظهار اللطف والقهر. ثم قال: {قُلْ} [الإسراء: 107] لأهل السعادة {آمِنُواْ بِهِ} [الإسراء: 107] إظهاراً للطفنا أو {قُلْ} [الإسراء: 107] لأهل الشقاوة {أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ} [الإسراء: 107] إظهاراً لقهرنا، فإن الحكمة في تكوين الفريقين إظهار اللطف والقهر {إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} [الإسراء: 107] يعني: العلماء بالله إذا آتاهم الله العلم بإصابة رشاش نوره في عالم الأرواح {مِن قَبْلِهِ} [الإسراء: 107] من قبل نزول القرآن {إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} [الإسراء: 107] يعني: خطاب {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} تفسير : [الأعراف: 172] {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً} [الإسراء: 107] للتواضع والتذلل عند الإجابة إذ قالوا: {أية : بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172]. {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ} [الإسراء: 108] على ما وعدنا ربنا في الأزل بقوله: {أية : وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ} تفسير : [البقرة: 217] يا أهل الشقاوة {أية : عَن دِينِهِ} تفسير : [البقرة: 217] أي: الإيمان وقبول القرآن {أية : فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} تفسير : [المائدة: 54] {إِن كَانَ} [الإسراء: 108] أي: قد كان {وَعْدُ رَبِّنَا} [الإسراء: 108] في الأزل {لَمَفْعُولاً} [الإسراء: 108] إلى الأبد. ثم كرر قوله: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ} [الإسراء: 109] أي: إذا تتلى عليهم مرة أخرى في عام العودة يخرون بالأبدان على وجوههم و {يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً} [الإسراء: 109] يشير إلى أنه في عالم الأرواح كان التواضع والسجود؛ لأنه من شأن الأرواح، ولكن لم يكن البكاء والخشوع؛ لأنه من شأن الأبدان، وإنما أرسلت الأرواح إلى الأبدان لتحصيل هذه المنافع في العبودية وبقوله تعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ} [الإسراء: 110] يشير إلى أن الله اسم الذات والرحمن اسم الصفة {أَيّاً مَّا تَدْعُواْ} [الإسراء: 110] أي: بأي اسم من أسماء الذات والصفات تدعونه {فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ} [الإسراء: 110] أي: كل من أسمائه حسن فادعوه حسناً، وهو أن تدعوه بالإخلاص. {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ} [الإسراء: 110] أي: بدعائك وعبادتك رياءً وسمعةً {وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} [الإسراء: 110] أي: ولا تخفضها بالكلية عن نظرهم لئلا يحرموا عن المتابعة والأسوة الحسنة {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} [الإسراء: 110] وهو إظهار الفرائض بالجماعات في المساجد، وإخفاء النوافل وُحْداناً في البيوت {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} [الإسراء: 111] فيكون كمال عنايته وعواطف إحسانه مخصوصاً بولده ويحرم عباده منه {وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ} [الإسراء: 111] فيكون مانعاً من إصابة الخير إلى عباده وأوليائه {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ} [الإسراء: 111] فيكون محتاجاً إليه فينعم عليه دون من استغنى عنه، بل أولياؤه الذين آمنوا وجاهدوا في الله حق جهاده وكبروا الله وعظموه بالمحبة والطلب والعبودية وهو معنى قوله: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} [الإسراء: 111].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: وبالحق أنزلنا هذا القرآن الكريم، لأمر العباد ونهيهم، وثوابهم وعقابهم، { وَبِالْحَقِّ نزلَ } أي: بالصدق والعدل والحفظ من كل شيطان رجيم { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا } من أطاع الله بالثواب العاجل والآجل { وَنَذِيرًا } لمن عصى الله بالعقاب العاجل والآجل، ويلزم من ذلك بيان ما بشر به وأنذر.