Verse. 2135 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

وَقُرْاٰنًا فَرَقْنٰہُ لِتَقْرَاَہٗ عَلَي النَّاسِ عَلٰي مُكْثٍ وَّنَزَّلْنٰہُ تَنْزِيْلًا۝۱۰۶
Waquranan faraqnahu litaqraahu AAala alnnasi AAala mukthin wanazzalnahu tanzeelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقرآنا» منصوب بفعل يفسره «فرقناه» نزلناه مفرقا في عشرين سنة أو ثلاث «لتقرأه على الناس على مكث» مهل وتؤدة ليفهموه «ونزلناه تنزيلا» شيئا بعد شيء على حسب المصالح.

106

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ} مذهب سيبويه أن «قرآناً» منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر. وقرأ جمهور الناس «فَرَقناه» بتخفيف الراء، ومعناه بيناه وأوضحناه، وفرقنا فيه بين الحق والباطل؛ قاله الحسن. وقال ابن عباس: فصلناه. وقرأ ابن عباس وعليّ وابن مسعود وأبيّ بن كعب وقتادة وأبو رجاء والشعبيّ «فرّقناه» بالتشديد، أي أنزلناه شيئاً بعد شيء لا جملةً واحدة؛ إلا أن في قراءة ابن مسعود وأُبَيّ «فرقناه عليك». واختلف في كم نزل القرآن من المدّة؛ فقيل: في خمس وعشرين سنة. ابن عباس: في ثلاث وعشرين. أنس: في عشرين. وهذا بحسب الخلاف في سن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا خلاف أنه نزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة. وقد مضى هذا في «البقرة». {عَلَىٰ مُكْثٍ} أي تطاوُل في المدّة شيئاً بعد شيء. ويتناسق هذا القرآن على قراءة ابن مسعود، أي أنزلناه آية آية وسورةً سورة. وأمّا على القول الأول فيكون «على مكث» أي على ترسّل في التلاوة وترتيل؛ قاله مجاهد وابن عباس وابن جريج. فيعطي القارىء القراءة حقّها من ترتيلها وتحسينها وتطييبها بالصوت الحسن ما أمكن من غير تلحين ولا تطريب مؤد إلى تغيير لفظ القرآن بزيادة أو نقصان فإن ذلك حرام على ما تقدم أوّل الكتاب. وأجمع القراء على ضم الميم من «مكث» إلا ابن محيصن فإنه قرأ «مكث» بفتح الميم. ويقال. مَكْث ومُكْث ومِكْث؛ ثلاث لغات. قال مالك: «على مُكْث» على تثبّت وترسّلٍ. قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} مبالغة وتأكيد بالمصدر للمعنى المتقدم، أي أنزلناه نَجْماً بعد نجم؛ ولو أخذوا بجميع الفرائض في وقت واحد لنفروا.

البيضاوي

تفسير : {وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ } نزلناه مفرقاً منجماً. وقيل فرقنا فيه الحق من الباطل فحذف الجار كما في قوله: ويوماً شهدناه، وقرىء بالتشديد لكثرة نجومه فإنه نزل في تضاعيف عشرين سنة. {لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ } على مهل وتؤدة فإنه أيسر للحفظ وأعون في الفهم وقرىء بالفتح وهو لغة فيه. {وَنَزَّلْنَـٰهُ تَنْزِيلاً } على حسب الحوادث.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقُرْءَانًا } منصوب بفعل يفسره {فَرَقْنَٰهُ } نزّلناه مفرقاً في عشرين سنة أو وثلاث {لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ } مهل وتؤدة ليفهموه {وَنَزَّلْنَٰهُ تَنْزِيلاً } شيئا بعد شيء على حسب المصالح.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَرَقْنَاهُ} فرقنا فيه بين الحق والباطل و {فرَّقناه} أنزلناه مفرقاً آية آية {مُكْثٍ} تثبت وترتيل، أو كان ينزل منه شيء ثم يمكثون بعده ما شاء الله ثم ينزل شيء أخر، أو أن يمكث في قراءته عليهم مفرقاً شيئاً بعد شيء.

النسفي

تفسير : {وَقُرْآناً} منصوب بفعل يفسره {فَرَقْنَاهُ} أي فصلناه أو فرقنا فيه الحق من الباطل {لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ} على تؤدة وتثبت {وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} على حسب الحوادث {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا} أي اختاروا لأنفسكم النعيم المقيم أو العذاب الأليم. ثم علل بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ} أي التوراة من قبل القرآن {إِذَا يَتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} القرآن {يُخِرُّونَ للأذْقَانِ سُجَّداً} حال {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً} لقوله {آمنوا به أو لا تؤمنوا} أي أعرض عنهم فإنهم إن لم يؤمنوا به ولم يصدقوا بالقرآن فإن خيراً منهم وهم العلماء الذين قرءوا الكتب قد آمنوا به وصدقوه، فإذا تلي عليهم خروا سجداً وسبحوا الله تعظيماً لأمره ولإنجازه ما وعد في الكتب المنزلة وبشر به من بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن عليه وهو المراد بالوعد المذكور. «إن» بمعنى «إنه» وهي تؤكد الفعل كما أن «إن» تؤكد الاسم، وكما أكدت «إن» باللام في {أية : إنهم لمحضرون}تفسير : [الصافات: 158] أكدت «إن» باللام في {لمفعولا}

السيوطي

تفسير : أخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ أنه قرأ ‏{‏وقرآناً فرقناه‏} مثقلة‏.‏ قال‏:‏ نزل القرآن إلى سماء الدنيا في ليلة القدر من رمضان جملة واحدة، فكان المشركون إذا أحدثوا شيئاً، أحدث الله لهم جواباً‏.‏ ففرقه الله في عشرين سنة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم ومحمد بن نصر وابن الأنباري في المصاحف من طريق الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ نزل القرآن جملة واحده من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجمته السفرة على جبريل عشرين ليلة، ونجمه جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم عشرين سنة‏.‏ فقال المشركون‏:‏ لولا نزل عليه القرآن جملة واحده‏.‏ فقال الله {أية : ‏كذلك لنثبت به فؤادك‏} ‏تفسير : [الفرقان: 32‏] أي أنزلناه عليك متفرقاً ليكون عندك جواب ما يسألونك عنه، ولو أنزلناه عليك جملة واحدة ثم سألوك لم يكن عندك جواب ما يسألونك عنه‏. وأخرج البزار والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ أنزل القرآن جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا، ونزله جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم بجواب كلام العباد وأعمالهم‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر من طريق أبي العالية، عن ابن عباس أنه قرأها مثقلة، يقول‏:‏ أنزل آية آية‏. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن عمر رضي الله عنه قال‏:‏ تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات، فإن جبريل كان ينزل بالقرآن على النبي صلى الله عليه وسلم خمساً خمسا‏ً. وأخرج ابن عساكر من طريق أبي نضرة قال‏:‏ كان أبو سعيد الخدري رضي الله عنه يعلمنا القرآن خمس آيات بالغداة وخمس آيات بالعشي، ويخبر أن جبريل نزل بالقرآن خمس آيات خمس آيات‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قرأ ‏ {‏وقرآناً فرقناه‏} مخففاً، يعني بيّناه‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏وقرآناً فرقناه‏}‏ قال‏:‏ فصلناه ‏ {‏على مكث‏}‏ بأمد ‏ {‏يخرون للأذقان‏} ‏ يقول‏:‏ للوجوه‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد ‏ {‏على مكث‏} ‏ في ترسل‏. وأخرج ابن الضريس عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏وقرآناً فرقناه‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ لم ينزل في ليلة ولا ليلتين ولا شهر ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين، وكان بين أوله وآخره عشرون سنة، أو ما شاء الله من ذلك‏. وأخرج ابن الضريس من طريق قتادة، عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ كان يقال‏:‏ أنزل القرآن على نبي الله صلى الله عليه وسلم ثمان سنين بمكة وعشراً بعد ما هاجر‏.‏ وكان قتادة يقول‏:‏ عشر بمكة وعشر بالمدينة‏. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏إن الذين أوتوا العلم من قبله‏} ‏ هم ناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل الله على محمد‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏من قبله‏} ‏ من قبل النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏إذا يتلى‏}‏ ما أنزل عليهم من عند الله‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد ‏ {‏إذا يتلى عليهم‏} ‏ قال‏:‏ كتابهم‏. وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عبد الأعلى التيمي قال‏:‏ إن من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق، أن قد أوتي من العلم ما لا ينفعه؛ لأن الله نعت أهل العلم فقال‏:‏ ‏ {‏ويخرون للأذقان يبكون‏}. وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الجراح، عن أبي حازم‏:‏ ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عليه جبريل وعنده رجل يبكي، فقال‏:‏ من هذا‏؟‏ قال‏:‏ فلان‏.‏ قال جبريل‏:‏ إنا نزن أعمال بني آدم كلها إلا البكاء، فإن الله يطفئ بالدمعة نهوراً من نيران جهنم‏"‏‏. وأخرج الحكيم الترمذي، عن النضر بن سعد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لو أن عبداً بكى في أمة من الأمم، لأنجى الله تلك الأمة من النار ببكاء ذلك العبد‏؛‏ وما من عمل إلا له وزن وثواب إلا الدمعة، فإنها تطفئ بحوراً من النار‏.‏ وما اغرورقت عين بمائها من خشية الله، إلا حرم الله جسدها على النار، وإن فاضت على خده لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، عن الجعد أبي عثمان قال‏:‏ بلغنا أن داود عليه السلام قال‏:‏ ‏"‏إلهي‏.‏‏.‏‏.‏ ما جزاء من فاضت عيناه من خشيتك‏؟‏‏.‏‏.‏‏.‏ قال‏:‏ جزاؤه أن أؤمنه يوم الفزع الأكبر‏"‏‏.‏

اسماعيل حقي

تفسير : {وقرآنا} منصوب بمضمر يفسره قوله تعالى {فرقناه} نزلناه مفرقا. وبالفارسية [وبرا كنده فرستاديم قرآنرا يعنى آيت آيت وسوره سوره] {لتقرأه على الناس على مكث} اى مهل وتأن فانه ايسر للحفظ واعون على الفهم {ونزلناه} فى ثلاث وعشرين سنة {تنزيلا} على قانون الحكمة وحسب الحوادث وجوابات السائلين.

اطفيش

تفسير : {وَقُرْآناً فَرَقْناهُ} قرآنا حال من هاء فرقناه العائدة إِلى ما عادت إِليه هاء أنزلناه والعطف على أنزلناه أى وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وفرقناه قرآناً، وقيل النصب على الاشتغال الذى ظهر لى عند التأَمل هو الأَول ومعنى قرآنا مقروءاً أو معنى فرقناه أنزلنا مفرقاً منجما فى عشرين سنة بحسب المصالح من التسلية والموعظة وتعليم أمر الدين وجواب السؤال وغير ذلك، ويجوز كون فرقناه بمعنى بيناه ووضحناه على قدر ما تفهمون فلا تبقى لكم حجة، ويجوز على كون النصب على لاشتغال أن يقال إِن الهاء على نزع الخافض أى فرقنا فيه الحق والباطل أو فرقنا به الحق من الباطل، وقرأ ابن عباس وأُبى بن كعب والحسن بتشديد الراء لينص على كثرة نجومه فإِنه كما مر نزل فى ثلاث وعشرين سنة والتخفيف لفظ عام صالح للقلة والكثرة، هذا هو التحقيق لا ما قيل إِنه للقلة إِلا إن أراد أنها تتبادر منه {لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} على مهل فى قراءته وترتيل، هذا قول ابن عباس ومجاهد وابن جريج وابن زيد، وقيل على تطاول فى مدة نزوله وكل من ذلك أيسر للحفظ وأعون فى الفهم وقرأ بفتح الميم وهو لغة. {وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً} شيئاً بعد شئ على حسب المصالح والحوادث، وإِذا فسرنا المكث بالمهل والترتيل فى قراءته كان هذا تأْسيساً، وإِن فسرناه بتطاول مدة النزول كان هذا تأْكيداً ومعلوم أن التأْسيس أولى من التأَكيد ثم قرع المشركين بالحقارة ونوع من التوعد بقوله: {قُلْ} يا محمد للمشركين. {آمِنُوا بِهِ} أى بالقرآن. {أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا} فإِن إِيمانكم به لا يزيده كمالا وكفركم به لا يؤثره ونقصاناً بل نفع الإِيمان عائد لكم ومضرة الكفر به عائدة عليكم، مع أن خيراً منكم وأفضل قد آمن به مما يبلغ كفركم به وأنتم أسافل وأراذل كما أشار إِلى ذلك بقوله على طريق التعليل الجملى المستأْنف. {إِنَّ الَّذِينَ} كأَنه قال إِيمانكم وعدمه سواء لأَن الذين.. الخ ويجوز أن يكون تعليلا لقوله كأَنه قيل تسأل عن إِيمانهم به وكفرهم به بإِيمان العلماء لأَن الذين {أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ} أى من قبل القرآن أى من قبل نزوله وهم علماء أهل الكتاب المؤمنون ومن شابههم وهم كزيد ابن عمر بن نفيل، وسلمان الفارسى، وأبى ذر وغيرهم ممن كان يطلب الدين الحق قبل مبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويتطلع نحوه لاشتهار أن نبيا قرب مبعثه ولزيد بن عمر قصة فى صحيح الربيع بن حبيب والمراد بالعلم علم التوراة والإِنجيل المشتمل على نبوتك ورسالتك إِلى الكافة ونعتك وتمييز الحق والباطل. {إِذَا يُتْلَى عَلَيِْهِمْ} أى إِذ يتلو القرآن عليهم. {يَخِرُّونَ} يسقطون سقوطاً سريعاً كأَنه بدون اختبار {لِلأَذْقَانِ} متعلق بما بعده واللام بمعنى لى كما قال ابن هشام أو للاختصاص أى جعلوا أذقانهم للخرور واختصوها به والأَذقان جمع ذقن وهو أسفل الوجه حيث يجتمع اللحيان، وقيل المراد بالأَذقان الوجوه تعبيراً بالبعض عن الكل، وخص بالذكر لأَنه أول ما يلقى إِلى الأَرض ووجه الأَول أنه يسجد به بالقامة لو كان لا يصل الأَرض {سُجَّداً} حال من الواو أى يخرون على أذقانهم حال كونهم ساجدين لله تعظيماً لأَمره وشكراً لإِنجاز ما وعد به وبشر به فى الكتب المنزلة من بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - وإِنزال القرآن عليه وهو المراد بالوعد فى قوله إِن كان وعد ربنا لمفعولا.

اطفيش

تفسير : {وَقُرْآنًا} مفعول به لمحذوف حال معطوف على مبشراً أى وقارئا قرآنا، أو تاليا قرآنا، أو وذا قرآن أو مفعول لآتيناك محذوفا كما قال: "أية : ولقد آتينا موسى" تفسير : [الإسراء: 101] أو منصوب على الاشتغال، ولو كان نكرة لأن لها مسوغا، وهو التعظيم أى وفرقنا قرآنا. {فَرَقْنَاهُ} وعلى الحالية والمفعولية بآتيناك محذوفا يكون فرقناه نعتا لقرآنا ومعنى فرقناه أنزلنا شيئا فشيئا، أو تم شيئا فشيئا كقوله تعالى: {كذلك} أى شيئا بعد شئ "أية : لنثبت به فؤادك"تفسير : [الفرقان: 32]، ويدل له قوله عز وجل: {لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} على مهل، ليسهل حفظه وفهم معناه، ولأن نزوله كثيراً ما يكون بحسب الحوادث كالسؤال، وكبعض العامة من الناس كما قال: {وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} شيئا بعد شئ، على حسب الحوادث والدواعى، لا إنزال بمرة كالتوراة وسائر كتب الله فإنها أنزلت مكتوبة بمرة، ولو فسرنا فرقناه بقولنا: فرقنا الحق والباطل، لم يناسبه قوله لتقرأه إلخ مناسبة ظاهرة، مع أنه يحتاج اللفظ إلى تقدير الجار أى فرقنا فيه مع أنه ليس من محال تقديره، فتحصلنا على أن تنزيله شيئا بعد شئ، لعله أن يفهم وأن يسهل حفظه، وأن يوافق حدوده حدود الدواعى، ردًّا على اليهود: هلا نزل بمرة كالتوراة والزبور إِذ نزل فى عشرين سنة أو فى ثلاث وعشرين، قيل: أو فى خمس وعشرين على الخلاف فى سِنِّه صلى الله عليه وسلم، وكان ينزل خمس آيات خمس آيات كما قال عمر رضى الله عنه: تعلموا القرآن خمس آيات بأن جبريل كان ينزل به خمسا خمسا رواه البيهقى. قال أبو نصرة: كان أبو سعيد الخدرى: يعلمنا القرآن خمس آيات بالغداة، وخمس آيات بالعشى، ويخبر أن جبريل عليه السلام كان ينزل به خمسا خمسا. قال ابن عساكر: قلنا لعل هذا فى الغالب، وحين كان النزول لغير حادث حدث، وقد صح أنه ينزل أقل وأكثر، وعلى فى الموضعين متعلق بتقرأ لتخالف معناه، لأن الأول للاستعلاء المجازى والثانى بمعنى فى، أو يعلق الثانى فى محذوف حال من ضمير نقرأ.

الالوسي

تفسير : {وَقُرْءانًا} نصب بفعل مضمر يفسره قوله تعالى: {فَرَقْنَاهُ} فهو من باب الاشتغال ورجح النصب على / الرفع العطف على الجملة الفعلية ولو رفع على الابتداء في غير القرآن جاز إلا أنه لا بد له من ملاحظة مسوغ عند من لا يكتفي في صحة الابتداء بالنكرة بحصول الفائدة وعلى هذا أخرجه الحوفي. وقال ابن عطية: هو مذهب سيبويه، وقال الفراء: هو منصوب بِـ {أَرْسَلْنَاكَ} أي: ما أرسلناك إلا مبشرًا ونذيرًا وقرءانًا كما تقول رحمة لأن القرآن رحمة، ولا يخفى أنه إعراب متكلف لا يكاد يقوله فاضل. ومما يقضي منه العجب ما جوزه ابن عطية من نصبه بالعطف على الكاف في {أية : أَرْسَلْنَـٰكَ } تفسير : [الإسراء: 105]. وقال أبو البقاء وهو دون الأول وفوق ما عداه: إنه منصوب بفعل مضمر دل عليه {أية : ءاتَيْنَا} تفسير : [الإسراء: 101] السابق أو {أية : أَرْسَلْنَـٰكَ} تفسير : [الإسراء: 105] وجملة {فَرَقْنَاهُ} في موضع الصفة له أي آتيناك قرآناً فرقناه أي أنزلناه منجماً مفرقاً أو فرقنا فيه بين الحق والباطل فحذف الجار وانتصب مجروره على أنه مفعول به على التوسع كما في قوله:شعر : ويوماً شهدناه سليماً وعامراً تفسير : وروي ذلك عن الحسن، وعن ابن عباس بينا حلاله وحرامه، وقال الفراء: أحكمناه وفصلناه كما في قوله تعالى: {أية : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} تفسير : [الدخان: 4] وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وأبـي وعبد الله وأبو رجاء وقتادة والشعبـي وحميد وعمر بن فائد وزيد بن علي وعمرو بن ذر وعكرمة والحسن بخلاف عنه {فرقناه} بشد الراء ومعناه كالمخفف أي أنزلناه مفرقاً منجماً بيد أن التضعيف للتكثير في الفعل وهو التفريق، وقيل فرق بالتخفيف يدل على فصل متقارب وبالتشديد على فصل متباعد والأول أظهر. ولما كان قوله تعالى الآتي {عَلَىٰ مُكْثٍ} يدل على كثرة نجومه كانت القراءتان بمعنى، وقيل معناه فرقنا آياته بين أمر ونهي وحكم وأحكام ومواعظ وأمثال وقصص وأخبار مغيبات أتت وتأتي والجمهور على الأول. وقد أخرج ابن أبـي حاتم وابن الأنباري وغيرهما عن ابن عباس قال: نزل القرآن جملة واحدة من عند الله تعالى من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا فنجمته السفرة على جبريل عليه السلام عشرين ليلة ونجمه جبريل عليه السلام على النبـي صلى الله عليه وسلم عشرين سنة، وفي رواية أنه أنزل ليلة القدر في رمضان ووضع في بيت العزة في السماء الدنيا ثم أنزل نجوماً في عشرين، وفي رواية في ثلاث وعشرين سنة وفي أخرى في خمس وعشرين، وهذا الاختلاف على ما في «البحر» مبني على الاختلاف في سنه صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن الضريس من طريق قتادة عن الحسن كان يقول: أنزل الله القرآن على نبـي الله صلى الله عليه وسلم في ثماني عشرة سنة ثمان سنين بمكة وعشر بعد ما هاجر. وتعقبه ابن عطية بأنه قول مختل لا يصح عن الحسن. واعتمد جمع أن بين أوله وآخره ثلاثاً وعشرين سنة وكان ينزل به جبريل عليه السلام على ما قيل خمس آيات خمس آيات، فقد أخرج البيهقي في «الشعب» عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات فإن جبريل عليه السلام كان ينزل به خمساً خمساً. وأخرج ابن عساكر من طريق أبـي نضرة قال: كان أبو سعيد الخدري يعلمنا القرآن خمس آيات بالغداة وخمس آيات بالعشي ويخبر أن جبريل عليه السلام نزل به خمس آيات خمس آيات، وكان المراد في الغالب فإنه قد صح أنه نزل بأكثر من ذلك وبأقل منه. وقرأ أبـي وعبد الله {فرقناه عليك}. {لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ} أي تؤدة وتأن فإنه أيسر للحفظ وأعون على الفهم وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل أي تطاول في المدة وتقضيها شيئاً فشيئاً. والظاهر / تعلق لتقرأه بفرقناه و{على ٱلناس} بتقرأه و{عَلَىٰ مُكْثٍ} به أيضاً إلا أن فيه تعلق حرفي جر بمعنى بمتعلق واحد. وأجيب بأن تعلق الثاني بعد اعتبار تعلق الأول به فيختلف المتعلق. وفي «البحر» ((لا يبالي بتعلق هذين الحرفين بما ذكر لاختلاف معناهما لأن الأول في موضع المفعول به والثاني في موضع الحال أي متمهلاً مترسلاً)) ولما في ذلك من القيل والقال اختار بعضهم تعلقه بفرقناه، وجوز الخفاجي تعلقه بمحذوف أي تفريقاً أو فرقاً على مكث أو قراءة على مكث منك كمكث تنزيله، وجعله أبو البقاء في موضع الحال من الضمير المنصوب في {فَرَقْنَاهُ} أي متمكثاً. ومن العجيب قول الحوفي أنه بدل من {عَلَى ٱلنَّاسِ} وقد تعقبه أبو حيان بأنه لا يصح لأن {عَلَىٰ مُكْثٍ} من صفات القارىء أو من صفات المقروء وليس من صفات الناس ليكون بدلاً منهم. والمكث مثلث الميم وقرىء بالضم والفتح ولم يقرأ بالكسر وهو لغة قليلة، وزعم ابن عطية إجماع القراء على الضم. {وَنَزَّلْنَـٰهُ تَنْزِيلاً} على حسب الحوادث والمصالح فذكر هذا بعد قوله تعالى: {فَرَقْنَاهُ} الخ مفيد وذلك لأن الأول دال على تدريج نزوله ليسهل حفظه وفهمه من غير نظر إلى مقتض لذلك وهذا أخص منه فإنه دال على تدريجه بحسب الاقتضاء.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : أنزلناه}تفسير : [الإسراء: 105]. وانتصب {قرآناً} على الحال من الضمير المنصوب في {فرقناه} مقدمة على صاحبها تنويهاً الكون قرآناً، أي كونه كتاباً مقروءاً. فإن اسم القرآن مشتق من القراءة، وهي التلاوة، إشارة إلى أنه من جنس الكلام الذي يحفظ ويتلى، كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : تلك آيات الكتاب وقرآن مبين}تفسير : [الحجر: 1]، وقد تقدم بيانه. فهذا الكتاب له أسماء باختلاف صفاته فهو كتاب، وقرآن، وفرقان، وذكر، وتنزيل. وتجري عليه هذه الأوصاف أو بعضها باختلاف المقام، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : وقرآن الفجر} تفسير : [الإسراء: 78] وقوله: {أية : فاقرأوا ما تيسر من القرآن} تفسير : [المزمل: 20] باعتبار أن المقام للأمر بالتلاوة في الصلاة أو مطلقاً، وإلى قوله:{أية : تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} تفسير : [الفرقان: 1] في مقام كونه فارقاً بين الحق والباطل، ولهذا لم يوصف من الكتب السماوية بوصف القرآن غيرُ الكتاب المنزل على محمد. ومعنى {فرقناه} جعلناه فِرَقاً، أي أنزلناه منجماً مفرقاً غير مجتمع صبُرة واحدة. يقال: فرق الأشياء إذا باعد بينها، وفرق الصبرة إذا جزأها. ويطلق الفرق على البيان لأن البيان يشبه تفريق الأشياء المختلطة، فيكون {فرقناه} محتملاً معنى بيناه وفصلناه، وإذ قد كان قوله: {قرآناً} حالاً من ضمير {فرقناه} آل المعنى إلى: أنا فرقناه وأقرأناه. وقد عُلل بقوله: {لتقرأه على الناس على مكث}. فهما علتان: أن يُقرأ على الناس وتلك علة لجعله قرآناً، وأن يقرأ على مُكْث، أي مَهل وبطء وهي علة لتفريقه. والحكمة في ذلك أن تكون ألفاظه ومعانيه أثبت في نفوس السامعين. وجملة {ونزلناه تنزيلاً} معطوفة على جملة {وقرآنا فرقناه}. وفي فعل {نزلناه} المضاعف وتأكيده بالمفعول المطلق إشارة إلى تفريق إنزاله المذكور في قوله: {أية : وبالحق أنزلناه }تفسير : [الإسراء: 105]. وطوي بيان الحكمة للاجتزاء بما في قوله: {لتقرأه على الناس على مكث} من اتحاد الحكمة. وهي ما صَرح به قوله تعالى: {أية : كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا }تفسير : [الفرقان: 32]. ويجوز أن يراد: فرقنا إنزاله رعياً للأسباب والحوادث. وفي كلام الوجهين إبطال لشبهتهم إذ قالوا: {أية : لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة}تفسير : [الفرقان: 32].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ}. قرأ هذا الحرف عامة القرآء "فَرَقْنَاهُ" بالتخفيف: أي بيناه وأوضحناه، وفصلناه وفرقنا فيه بين الحق والباطل. وقرأ بعض الصحابة {فرقناه} بالتشديد: أي أنزلناه مفرقاً بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة. ومن إطلاق فرق بمعنى بين وفصل قوله تعالى: {أية : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}تفسير : [الدخان:4] الآية. وقد بين جل وعلا أنه بين هذا القرآن لنبيه ليقرأة على الناس على مكث، أي مهل وتؤدة وتثبت، وذلك يدل على أن القرآن لا ينبغي أن يقرأ إلا كذلك. وقد أمر تعالى بما يدل على ذلك في قوله: {أية : وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً}تفسير : [المزمل:4] ويدل لذلك أيضاً قوله: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً }تفسير : [الفرقان:32] وقوله تعالى: {وَقُرْآناً} منصوب بفعل محذوف يفسره ما بعده. على حد قوله في الخلاصة: شعر : فالسابق انصبه بفعل أضمرا حتما موافق لما قد أظهرا

د. أسعد حومد

تفسير : {وَقُرْآناً} {فَرَقْنَاهُ} {نَزَّلْنَاهُ} (106) - وَآتَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ قُرْآناً نَزَّلْنَاهُ عَلَيْكَ مُفَرَّقاً وَمُنَجَّماً لِتَتْلُوَهُ عَلَى النَّاسِ، وَتُبَلِّغَهُمْ إِيَّاهُ عَلَى مَهْلٍ (عَلَى مُكْثٍ)، لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ حِفْظِهِ، وَفَهْمِ أَحْكَامِهِ، وَالتَّمَعُّنِ فِيهَا لِتَرْسَخَ فِي عُقُولِهِمْ وَأَفْهَامِهِمْ. وَقَدْ نَزَّلْنَاهُ شَيْئاً فَشَيْئاً بِحَسَبِ الظُّرُوفِ وَالحَوَادِثِ وَالوَقَائِعِ (نَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً). وَفَرَّقْنَاهُ بِالتَّشْدِيدِ - كَذَلِكَ كَانَ يَقْرَؤُها ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَعْنَاهَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ آيَةً فَآيَةً مُفَسَّراً وَمُبَيَّناً لِتَتْلُوَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مَهَلٍ، وَتُبْلِغَهُمْ إِيَّاهُ عَلَى مَهَلٍ. فَرَقْنَاهُ بِالتَّخْفِيفِ - أَنْزَلْنَاهُ مُفَرَّقاً، أَوْ بَيَّنَّاهُ وَفَصَّلْنَاهُ. عَلَى مُكْثٍ - عَلَى تُؤدَةٍ وَتَأَنٍّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى {فَرَقْنَاهُ} أي: فصّلناه، أو أنزلناه مُفرّقاً مُنجّماً حَسْب الأحداث {عَلَىٰ مُكْثٍ} على تمهُّل وتُؤدَة وتأنٍّ. وقد جاءت هذه الآية للردِّ على الكفار الذين اقترحوا أن ينزل القرآن جملة واحدة، كما قال تعالى حكاية عنهم: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ..}تفسير : [الفرقان: 32]. وأول ما نلحظه عليهم أن أسلوبهم فضحهم، وأبان ما هُمْ فيه من تناقض، ألم يسبق لهم أن اتهموا الرسول بافتراء القرآن. وها هم الآن يُقِرُّون بأنه نزل عليه، أي: من جهة أعلى، ولا دَخْلَ له فيه، وقد سبق أن أوضحنا أنهم لا يتهمون القرآن، بل يتهمون رسول الله الذي نزل عليه القرآن. ثم يتولّى الحق سبحانه الردّ عليهم في هذا الاقتراح، ويُبيِّن أنه اقتراح باطل لا يتناسب وطبيعة القرآن، فلا يصح أن ينزل جملة واحدة كما اقترحوا للأسباب الآتية: 1-: {أية : كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ..}تفسير : [الفرقان: 32]. {كَذَلِكَ} أي: أنزلناه كذلك على الأمر الذي تنتقدونه من أنه نزل مُفرّقاً مُنجّماً حسْب الأحداث {أية : لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ..}تفسير : [الفرقان: 32] لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيتعرّض لكثير من تعنّتات الكفار، وسيقف مواقف مُحرِجة من تعذيب وتنكيل وسخرية واستهزاء، وهو في كل حالة من هذه يحتاج لتثبيت وتسلية. وفي نزول الوحي عليه يَوْماً بعد يَوْم، وحسْب الأحداث ما يُخفّف عنه، وما يزيل عن كاهله ما يعاني من مصاعب ومَشَاقِّ الدعوة وفي استدامة الوحي ما يصله دائماً بمَنْ بعثه وأرسله، أما لو نزل القرآن جملةً واحدة لكان التثبيت أيضاً مرة واحدة، ولَفقد رسول الله جانب الصلة المباشرة بالوحي، وهذا هو الجانب الذي يتعلق في الآية برسول الله. 2- {أية : وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً}تفسير : [الفرقان: 32] أي: نَزَّلْنَاه مُرتّلاً مُفرّقاً آيةً بعد آية، والرتل: هو المجموعة من الشيء. كما نقول: رتل من السيارات، وهكذا نزل القرآن مجموعة من الآيات بعد الأخرى، وهذه الطريقة في التنزيل تُيسِّر للصحابة حِفْظ القرآن وفَهْمه والعمل به، فكانوا رضوان الله عليهم يحفظون القدر من الآيات ويعملون بها، وبذلك تيسَّر لهم حفظ القرآن والعمل به، فكانت هذه الميْزَة خاصة بالصحابة الذين حفظوا القرآن، وما زلنا حتى الآن نُجزِّئ القرآن للحفظة، ونجعله ألواحاً، يحفظ اللوح تلو الآخر. 3- {أية : وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً}تفسير : [الفرقان: 33]. وهذه للمخالفين لرسول الله، وللمعاندين لمنهج الله الذين سيعترضون عليه، ويحاولون أن يستدركوا عليه أموراً، وأن يتهموا رسول الله، فلا بُدَّ من الردّ عليهم وإبطال حُجَجهم في وقتها المناسب، ولا يتأتّى ذلك إذا نزل القرآن جملة واحدة. {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ} أي: بشيء عجيب يستدركون به عليك {إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ} أي: ردّاً عليهم بالحق الثابت الذي لا جدالَ فيه. وإليك أمثلة لِردِّ القرآن عليهم رَدّاً حيّاً مباشراً. فلما اتهموا رسول الله وقالوا: {أية : إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً}تفسير : [الإسراء: 47] رَدَّ القرآن عليهم بقوله تعالى: {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}تفسير : [القلم: 1-4] والمسحور لا يكون أبداً على خُلق عظيم. ولما قالوا: {أية : مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ ..}تفسير : [الفرقان: 7] يردُّ القرآن عليهم بقوله تعالى:{أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ ..}تفسير : [الفرقان: 20]. فليس محمد صلى الله عليه وسلم بدعاً في هذه المسألة، فهو كغيره من الرسل الذين عُرِفت عنهم هذه الصفات، وفي هذا ما يؤكد سلامة الأُسْوة في محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه بشر مثل الذين أرسلنا إليهم من قبله، إنما لو كانت في محمد خاصية ليست في غيره ربّما اعترضوا عليها واحتجُّوا بها. لذلك كان من أدب النبي صلى الله عليه وسلم مع ربه ومع صحابته أنه قال: "حديث : إنما أنا بشر يرد عليَّ - أي بالوحي - فأقول: أنا لست كأحدكم، ويؤخذ مني فأقول: ما أنا إلا بشر مثلكم ". تفسير : فانظر إلى أيّ حدٍّ كان تواضعه صلى الله عليه وسلم؟ ولما اتهموا الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا: {أية : أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ ..}تفسير : [سبأ: 8] فردّ عليهم الحق سبحانه بقوله:{أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}تفسير : [هود: 13]. ثم يتنزّل معهم في هذا التحدي، ويترأف بهم: {أية : وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ..}تفسير : [البقرة: 23]. ثم يناقشهم في هذه المسألة بهذا الأدب الرفيع والنموذج العالي للحوار: {أية : قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ}تفسير : [هود: 35]. وفي آية أخرى يقول: {أية : قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ}تفسير : [سبأ: 25]. فانظر إلى هذا الأدب: رسول الله حين يتحدّث عن نفسه يقول {أَجْرَمْنَا} وحين يتحدث عن أعدائه لا ينسب إليهم الإجرام، بل يقول: {وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. هذا كله من الحق الذي جاء به القرآن ليردّ عن رسول الله اتهامات القوم، وبالله لو نزل القرآن جملةً واحدة، أكان من الممكن الردُّ على هذه الاتهامات ومجادلة القوم فيما يُثيرونه من قضايا؟ وإنْ كانت هذه الأمثلة خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرئة ساحته في مجال الدعوة إلى الله، فهناك أيضاً ما يتعلق بالأحكام والتشريع، فالقرآن نزل بالعقائد والأحكام والتشريعات، ونزل ليكون دائماً ثابتاً لا يتغير إلى يوم القيامة، ولن يُنسَخ منه حرف واحد كما حدث في الكتب السابقة عليه. فإن نظرتَ إلى العقائد وجدتَ الكلام فيها قاطعاً لا هوادةَ فيه، يأتي هكذا قَوْلاً واحداً، فالله واحد أحد لا شريك له، له صفات الكمال المطلق، وكذلك الحديث عن الملائكة والبَعْث والحساب. لكن تجد الأمر يختلف في الحديث عن العادات التي أَلِفها الناس في حركة الحياة، فهذه أمور تحتاج إلى تلطُّف وتدرُّج، ولا يناسبها القصْر والقَطْع. ألم تَرَ إلى المشرّع سبحانه حينما أراد أنْ يُحرِّم الخمر، كيف تدرّج في تحريمها على عدة مراحل حتى يجتثّ هذه العادة التي تحكّمتْ في نفوس الناس وتملَّكتهم، أكان يمكن معالجة هذه المسألة بهذه الطريقة إذا نزل القرآن جملة واحدة؟ انظر كيف لفتَ أنظارَ القوم بلُطْف إلى أن في الخمر شيئاً، فقال تعالى: {أية : وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً ..}تفسير : [النحل: 67]. ولما سمع بعض الصحابة هذه الآية قال: والله لكأن الله يُبيِّت للخمر شيئاً، لقد فهم بملكته العربية أن الله تعالى طالما وصف الرزق بأنه حسن، وسكت عن السَّكَر فلم يَصِفْه بالحُسْن، فإن وراء هذا الكلام أمراً في الخمر؛ لأنه يتلف نعمة الله ويُفسِدها على أصحابها. ثم يُحَوِّل هذه المسألة إلى عِظَة وإرشاد، فيقول: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ..}تفسير : [البقرة: 219]. وهكذا قرَّر لهم الحقيقة بعد أن سألوا هم عنها، وترك لهم حرية الاختيار، فالأمر ما زال عِظَة ونصيحة لا تشريعاً مُلْزماً، إلا أنه مهَّد الطريق للقطع بتحريمها بعد ذلك. ثم حدث من أحدهم أن صلّى وهو مخمور لا يدري ما يقول، فلما سمعوه يقول: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، فغمزه مَنْ بجواره وعرف أنه مخمور، ووصل خبره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل قوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ..}تفسير : [النساء: 43]. وبذلك أطال مدَّة الامتناع عن شُرْب الخمر، فالصلاة خمس مرات في اليوم والليلة، فإذاً لا بُدَّ من الامتناع عن الخمر قبل الصلاة بوقت كافٍ، وهكذا عوَّدهم الامتناع ودرَّبهم على الصبر عن هذه الآفة التي تمكَّنتْ منهم. ثم يتحيَّن الحق سبحانه فرصة منهم، حيث اجتمع القوم في مجلس من مجالس الشراب، ولما لعبتْ الخمر بالعقول تشاجروا حتى سالتْ دماؤهم، وعندها ذهبوا بأنفسهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه: يا رسول الله بيِّن لنا في الخمر رأياً شافياً، وهنا ينزل الوحي على رسول الله بالحكم القاطع: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ ..}تفسير : [المائدة: 90]. فكيف كانت معالجة هذه الآفة التي تمكّنتْ من الناس لو نزل القرآن جملة واحدة؟ إن الحق تبارك وتعالى بنزول القرآن مُفَرّقاً مُنجّماً حَسْب الأحداث، كأنه يُجري مشاركة بين آيات التنزيل والمنفعلين بها الذين يُصِرّون على تنفيذ مطلوباتها، حتى إنهم ليبادرون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسؤال، مع أنه صلى الله عليه وسلم قد نهاهم أن يبدأوه بالسؤال، كما قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ..}تفسير : [المائدة: 101]. ولكنهم مع هذا تغمزهم المسألة فيبادرون بها رسول الله، كما حكى القرآن: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ..}تفسير : [البقرة: 219]. {أية : وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ..}تفسير : [البقرة: 219]. {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ ..}تفسير : [البقرة: 189]. {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ ..}تفسير : [طه: 105]. إذن: وراء نزول القرآن مُفرّقاً مُنجّماً حِكَم بالغة يجب تدبُّرها، هذه الحِكَم ما كانت لتحدث لو نزل القرآن جملةً واحدةً. ثم يقول الحق سبحانه: {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ} قال الإمام زيد بن علي عليهما السلام فَرَقنَاهُ لِتَقْرَأَهُ أَي بَيّناهُ. وفَرَّقْناهُ أَي جَعلنَاه مُتفرقاً. وعَلَى مَكثٍ: يعني تَؤدةٍ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: وأنزلنا هذا القرآن مفرقًا، فارقًا بين الهدى والضلال، والحق والباطل. { لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ } أي: على مهل، ليتدبروه ويتفكروا في معانيه، ويستخرجوا علومه. { وَنزلْنَاهُ تَنزيلا } أي: شيئًا فشيئًا، مفرقًا في ثلاث وعشرين سنة. { ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا } فإذا تبين أنه الحق، الذي لا شك فيه ولا ريب، بوجه من الوجوه فـ: { قُلْ } لمن كذب به وأعرض عنه: { آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا } فليس لله حاجة فيكم، ولستم بضاريه شيئًا، وإنما ضرر ذلك عليكم، فإن لله عبادًا غيركم، وهم الذين آتاهم الله العلم النافع: { إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا } أي: يتأثرون به غاية التأثر، ويخضعون له. { وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا } عما لا يليق بجلاله، مما نسبه إليه المشركون. { إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا } بالبعث والجزاء بالأعمال { لَمَفْعُولا } لا خلف فيه ولا شك. { وَيَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ } أي: على وجوههم { يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ } القرآن { خُشُوعًا }. وهؤلاء كالذين من الله عليهم من مؤمني أهل الكتاب كعبد الله ابن سلام وغيره، ممن أمن في وقت النبي صلى الله عليه وسلم وبعد ذلك.

همام الصنعاني

تفسير : 1636- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ}: [الآية: 106] قال: نزل مُتفرّقاً ولم ينزل جمعاً كان بين أوله وآخره نحوٌ مِنْ عشرين سنة. 1637- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوريُّ عن عبيدٍ، عن مجاهد، في قوله تعالى: {لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ}: [الآية: 106]، قال: عَلَى تؤدةٍ. 1638- حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني الثوريّ أيضاً، قال: أخبرني منصور عن مجاهد، في قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً}: [الآية: 106]، قال بَعضُهُ عَلَى اثْرِ بَعْضٍ. 1639- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما قوله: {أية : وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً}تفسير : : [الفرقان: 32]؟ قال: الطرح هو النبذ، فإذا هو لا يوجب الترتيل. 1640- حدثنا عبد الرزاق، وأخبرني ابن طاوس عن أبيه، قال: الترتيل: تبيينه حتَّى تفقهه.