١٧ - ٱلْإِسْرَاء
17 - Al-Isra (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
107
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ} يعني القرآن. وهذا من الله عز وجل على وجه التبكيت لهم والتهديد لا على وجه التخيير. {إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ} أي من قبل نزول القرآن وخروج النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهم مؤمنو أهل الكتاب؛ في قول ابن جريج وغيره. قال ابن جريج: معنى {إذا يتلى عليهم} كتابهم. وقيل القرآن. {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً} وقيل: هم قوم من ولد إسماعيل تمسّكوا بدينهم إلى أن بعث الله تعالى النبيّ عليه السلام، منهم زيد بن عمرو بن نُفيل وورقة بن نَوْفل. وعلى هذا ليس يريد أوتوا الكتاب بل يريد أوتوا علم الدِّين. وقال الحسن: الذين أوتوا العلم أمةُ محمد صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد: إنهم ناس من اليهود؛ وهو أظهر لقوله «مِنْ قَبْله». {إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} يعني القرآن في قول مجاهد. كانوا إذا سمعوا ما أنزل الله تعالى من القرآن سجدوا وقالوا: «سبحان ربّنا إن كان وعد ربّنا لمفعولاً». وقيل: كانوا إذا تلَوْا كتابهم وما أنزل عليه من القرآن خشعوا وسجدوا وسبحوا، وقالوا: هذا هو المذكور في التوراة، وهذه صفته، ووعد الله به واقع لا محالة، وجنحوا إلى الإسلام؛ فنزلت الآية فيهم. وقالت فرقة: المراد بالذين أوتوا العلم من قبله محمدٌ صلى الله عليه وسلم، والضمير في «قَبْله» عائد على القرآن حسب الضمير في قوله «قل آمنوا به». وقيل: الضميران لمحمد صلى الله عليه وسلم، واستأنف ذكر القرآن في قوله: «إذا يتلى عليهم».
البيضاوي
تفسير : {قُلْ ءامِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ } فإن إيمانكم بالقرآن لا يزيده كمالاً وامتناعكم عنه لا يورثه نقصاً وقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ } تعليل له أي إن لم تؤمنوا به فقد آمن به من هو خير منكم وهم العلماء الذين قرؤوا الكتب السابقة وعرفوا حقيقة الوحي وأمارات النبوة، وتمكنوا من الميز بين المحق والمبطل، أو رأوا نعتك وصفة ما أنزل إليك في تلك الكتب، ويجوز أن يكون تعليلاً لـ {قُلْ} على سبيل التسلية كأنه قيل: تسل بإيمان العلماء عن إيمان الجهلة ولا تكترث بإيمانهم وإعراضهم. {إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ } القرآن. {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا} يسقطون على وجوههم تعظيماً لأمر الله أو شكراً لإِنجاز وعده في تلك الكتب ببعثه محمد صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل وإنزال القرآن عليه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {قُلْ} يا محمد لهؤلاء الكافرين بما جئتهم به من هذا القرآن العظيم: {ءَامِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ} أي: سواء آمنتم به أم لا، فهو حق في نفسه، أنزله الله، ونوه بذكره في سالف الأزمان في كتبه المنزلة على رسله، ولهذا قال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ} أي: من صالحي أهل الكتاب، الذين تمسكوا بكتابهم ويقيمونه ولم يبدلوه ولا حرفوه {إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} هذا القرآن {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ} جمع ذقن، وهو أسفل الوجه {سُجَّدًا} أي: لله عز وجل؛ شكراً على ما أنعم به عليهم من جعله إياهم أهلاً أن أدركوا هذا الرسول الذي أنزل عليه هذا الكتاب، ولهذا يقولون: {سُبْحَانَ رَبِّنَآ} أي: تعظيماً وتوقيراً على قدرته التامة، وأنه لا يخلف الميعاد الذي وعدهم على ألسنة الأنبياء المتقدمين عن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ولهذا قالوا: {سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً}. وقوله: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ} أي: خضوعاً لله عز وجل، وإيماناً وتصديقاً بكتابه ورسوله {وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} أي: إيماناً وتسليماً، كما قال: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَءَاتَـٰهُمْ تَقُوَاهُمْ } تفسير : [محمد: 17]. وقوله: {وَيَخِرُّونَ} عطف صفة، على صفة لا عطف السجود على السجود، كما قال الشاعر:شعر : إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمام ولَيْثِ الكَتيبَةِ في المُزْدَحَمْ
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ } لكفار مكة {ءَامِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ } تهديد لهم {إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ } قبل نزوله وهم مؤمنو أهل الكتاب {إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قل آمنوا بِه أو لا تؤمنوا} يعني القرآن، وهذا من الله تعالى على وجه التبكيت لهم والتهديد، لا على وجه التخيير. {إن الذين أوتوا العلم من قَبله} فيهم وجهان: أحدهما: أنهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله الحسن. الثاني: أنهم أناس من اليهود، قاله مجاهد. {إذا يتلى عليهم يخرُّون للأذقان سُجّداً} فيه قولان: أحدهما: كتابهم إيماناً بما فيه من تصديق محمد صلى الله عليه وسلم. الثاني: القرآن كان أناس من أهل الكتاب إذا سمعوا ما أنزل منه قالوا: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا، وهذا قول مجاهد. وفي قوله {يخرُّون للأذقان} ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الأذقان مجتمع اللحيين. الثاني: أنها ها هنا الوجوه، قاله ابن عباس وقتادة. الثالث: أنها اللحى، قاله الحسن.
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ} أمة محمد صلى الله عليه وسلم أو قوم من اليهود، والمتلو عليهم كتابهم إيماناً بما فيه من تصديق محمد صلى الله عليه وسلم [أو] القرآن، كان ناس من أهل الكتاب قالوا: { أية : سُبْحَانَ رَبِّنَآ} تفسير : الآية [الإسراء: 108] {لِلأَذْقَانِ} الذقن مجتمع اللحيين، أو الوجوه ها هنا، أو اللحى "ح".
التستري
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً}[107] قال سهل: لا يؤثر شيء على السر مثل ما يؤثر عليه سماع القرآن، فإن العبد إذا سمع خشع سره، وأنار ذلك قلبه بالبراهين الصادقة، وزين جوارحه بالتذلل والانقياد، والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ} [الآية: 107]. قال سهل رحمه الله: لا يؤثر شىء على اليسر ما يؤثر عليه سماع القرآن فإن العبد إذا سمع القرآن خشع سره لسماعه، وأنار قلبه بالبراهين الصادقة، وزين جوارحه بالتذلل والانقياد.
القشيري
تفسير : إنْ آمنتم حَصَلَ النفعُ لكم، وإنْ جَحَدْتُم ففي إيمان مَنْ آمن مِنْ أوليائنا عنكم خَلَفٌ، وإنَّ الضَّرَرَ عائدٌ عليكم. وإنَّ مَنْ أَضأْنَا عليهم شموس إقبالنا لتُشْرِقُ أنوار معارفهم؛ فإذا تُليت عليهم آياتُنا سَجَدُوا بَدَلَ جُحْدِهم، واستجابوا بدل تمردهم، وقابلوا بالتصديق ما يقال لهم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً} اراد باوتوا العلم اوتوا المعرفة واوتوا الارواح الناطقة بالحق العارفة بالحق العالمة على الحق فى بدو امرها قبل الكون ومن قبل ظهور الشرائع والعبودية سامعة للحق من الحق بلا واسطة ولا حجاب اذا تتلى عليهم بعد كونهم فى الاشباح تكون مرعجة من محبة الله متحركة بشوق الله مستروحة بلذة خطاب الله عارفة بمراده خاضعة لامره اذا سمعوا كلام الحق استلذوا محبته فى قلوبهم فيهيجهم الى بذل الوجود والخضوع بين يدى جبروته فلا حيلة لهم الا وضع وجوههم على التراب خنوعا لجبروته ومعرفة بعظم ملكوته ويذكرون الله وينزهونه ويقدسون عن الاضداد والانداد وعن الشرك والشريك فى ملك ربوبيته وذلك قوله {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ} ثم زاد فى وصفهم بالخوف عنهم واجلال جلاله بنعت البكاء والخشية بقوله {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً} بكاؤهم من شوقهم الى جماله وحبا للقائه وتعظيما لعظمته ما اطيب هذا البكاء وما الذ هذا الخشوع بكاؤهم منه عليه يبكون من الفقدان فى الوجدان ومن الوجدان فى الفقدان ومن الحضور فى الغيبة الى الحضور والسرور بالشهود وحسن الاقبال عليه وخوف اعراضه عنهم وانشد فى هذا المعنى شعر : يا هلال السّماء كطرف كليل فاذا ما بدا اضاء طرفيه كنت ابكى علىّ منه فلما ان تولى بكيت منه عليه تفسير : قال سهل لا يوثر عليه سماع القران فان العبد اذا سمع القران خشع سره لسماعه وانار قلبه بالبراهين الصادقة وزين جوارحه بالتذلل والانقياد وقال ابو يعقوب السوسى البكاء على انواع بكاء من الله وهو ان يبكى شفقة لما جرى عليه من الحق فى الازل من السعادة والشقاوة وبكاء على الله وهو ان يبكى حسرة وتحسرا على ما يفوته من الحق ومن حظه منه وبكاء لله وهو البكاء عند ذكره وقربه ووعده ووعيده وبكاء بالله وهو ان يبكى بلاحظ منه فى بكائه وقال القاسم البكاء على وجوه بكاء الجهال على ما جهلوا وبكاء العلماء على ما قصروا وبكاء الصالحين مخافة الفوت وبكاء الائمة مخافة السبق وبكاء الفرسان من ارباب القلوب للهيبة والخشية وتواتر الانوار ولا بكاء للموحدين وقال الاستاد السماع موثر فى قلوب قوم مخيلا لاسرار آخرين فتاثير السماع فى قلوب العمل بالتبصير وتاثير لسماع فى اسماع الموحدين بالتحيير فيصبر العلماء بصحة الاستدلال ويحير الموحدين فى شهود الجمال والجلال.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل} للذين كفروا {آمنوا به} اى بالقرآن {او لا تؤمنوا} فان ايمانكم به لا يزيده كمالا وامتناعكم عنه لا يورثه نقصا شعر : حاجت مشاطه نيست روى دلارام را تفسير : والامر للتهديد كما فى تفسير الكاشفى {ان الذين اوتوا العلم من قبله} اى العلماء الذين قرأوا الكتب السالفة من قبل تنزيله وعرفوا حقيقة الوحى وامارات النبوة وتمكنوا من التمييز بين الحق والباطل والمحق والمطبل نحو عبد الله بن سلام واتباعه من اليهود والنجاشى واصحابه من النصارى {اذا يتلى} اى القرآن {عليهم يخرون للاذقان}[بيفتند برزنخهاى خود] اى يسقطون على وجوههم فاللام بمعنى على والاذقان الوجوه على سبيل التعبير عن الكل بالجزء مجاز {سجدا} اى حال كونهم ساجدين تعظيما لامر الله وهوتعليل لما يفهم من قوله آمنوا به اولا تؤمنوا من عدم المبالاة بذلك اى ان لم يتؤمنوا فقد آمن به احسن ايمان من هو خير منكم. قال البيضاوى ذكر الذقن لانه اول ما يلقى الارض من وجه الساجد واللام فيه لاختصاص الخرور به. قال سعدى المفتى فى حواشيه فيه بحث فانه ظاهر ان اول ما يلقى الارض من وجه الساجد جبهته وانفه الا ان يقال ان طريق سجدتهم غير ما عرفناه انتهى. يقول الفقير معنى اللقاء هنا كون الذقن اقرب شئ الى الارض من الانف والجبهة حال السجدة اذ الاقرب الى الارض بالنسبة الى حال الخرور الركبة ثم اليدان ثم الرأس واقرب اجزاء الرأس الذقن والاقرب الى السماء بالاضافة الى حال الرفع الرأس واقرب اجزاء الرأس الجبهة فافهم.
الطوسي
تفسير : ثلاث آيات في الكوفي خاصة، تمام الأولى سجداً، وآيتان فيما سوى ذلك. يقول الله تعالى لنبيه {قل} لهؤلاء الذين اقترحوا عليك الآيات؛ وقالوا {أية : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً}تفسير : على وجه التبكيت لهم في عدولهم عن نبيه وكفرهم به، وأنه لا يستضر بترك إِيمانهم، لأن عيبه راجع عليهم {آمنوا} بهذا القرآن الذي لو اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثله، وتعاونوا عليه لما قدروا عليه {أو لا تؤمنوا} وتجحدوه، فإِن إِيمانكم لن يزيد في خزائن الله شيئاً، ولا ترككم الايمان به ينقص ذلك، وإِن تكفروا به، فإِن الذين اوتوا العلم بالله وآياته من قبل نزوله من مؤمني أهل الكتاب، وهم الذين أسلموا {إِذا يتلى عليهم} من القرآن {يخرون} تعظيماً له وتكريماً، لعلمهم بأنه من عند الله، لاذقانهم سجداً بالأرض واختلفوا في المعني بقوله {يخرون للأذقان} فقال بعضهم: أراد به الوجوه روى ذلك عن ابن عباس وقتادة. وقال قوم يعني بذلك اللحى، حكي ذلك عن الحسن. وقوله {ويقولون سبحان ربنا إِن كان وعد ربنا لمفعولاً} حكاية من الله عن هؤلاء الذين أوتوا العلم من قبل نزول هذا القرآن خروا للاذقان سجوداً عند استماعهم القرآن يتلى عليهم تنزيها لله تعالى وتبرئة له مما يضيف اليه المشركون، ويقولون لم يكن وعد ربنا من ثواب وعقاب إِلا مفعولا حقَّاً يقيناً إِيماناً بالقرآن وتصديقاً له. والأذقان جمع ذقن، وهو مجمع اللحيين. وقال مجاهد وابن زيد: {الذين أوتوا العلم من قبله} إِلى قوله {خشوعاً} ناس من أهل الكتاب حيث سمعوا ما أنزل الله على محمد {قالوا سبحان ربنا إِن كان وعد ربنا لمفعولاً} وقال ابن جريج: إِذا يتلى عليهم كتابهم. وقال قوم {الذين أوتوا العلم} يعني به محمداً صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. ويراد بقوله {إِذا يتلى عليهم} يعني القرآن، لانه من سياق ذكر القرآن، ولم يكن يجري لغيره من الكتب ذكر، وهو الاقوى، لأن الآية فيها مدح لمن وصف بما فيها، وذلك لا يليق بالكفار إِلا أن يراد بذلك من آمن منهم وكان عالماً قبل ذلك بصحة القرآن اذ علموا بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل ويحتمل ذلك اذاً على ما بيناه. وقوله {ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً} يقول الله يخرّ هؤلاء الذين أوتوا العلم من مؤمني أهل الكتابين من قبل نزول الفرقان اذا يتلى عليهم القرآن {للأذقان يبكون ويزيدهم} ما في القرآن من المواعظ والعبر {خشوعاً يعني خضوعاً لأمر الله وطاعته واستكانة له.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ} يعنى سواء ايمانكم وعدم ايمانكم عندى وعند الله وانّما يعود نفعه اليكم {إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ} اى من قبل القرآن مثل اهل الكتاب الّذين علموا بعثتى وصدق كتابى من كتبهم قبل ظهورى او من قبل القرآن الّذى فى ولاية علىٍّ (ع) كالّذين تيقّنوا عظمة شأن علىٍّ (ع) من امّة محمّدٍ (ص) وهو فى موضع تعليلٍ للتّسوية يعنى انّ الحكمة فى نزول القرآن، الدّعوة والحكمة فى الدّعوة ايمان الخلق فاذا آمن من بعض الخلق فقد حصل الحكمة ولم يبطل الغاية وقد آمن به كثير فيستوى ايمانكم وعدم ايمانكم لانّ الّذين اتوا العلم آمنوا به و {إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ} اللاّم بمعنى على {سُجَّداً} تأثّراً به وانسلاخاً من بشريّتهم وشكراً لله لانجاز وعده وللوصول الى مطلوبهم.
الهواري
تفسير : قوله: {قُلْ ءَامِنُوا بِهِ} يعني القرآن. يقول: قل للمشركين آمنوا به { أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ} أي: من قبل هذا القرآن، يعني المؤمنين من أهل الكتاب { إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ} أي: القرآن { يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ} أي: للوجوه { سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً} أي: لقد كان وعد ربنا مفعولاً. { وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ} أي: للوجوه { يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ} أي: القرآن { خُشُوعاً}. والخشوع الخوف الثابت في القلب. قوله: { قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} وذلك أن المشركين قالوا: أما الله فنعرفه، وأما الرحمن فلا نعرفه، فقال الله: {قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} أي: إنه هو الله وهو الرحمن. { أَيّاً مَّا تَدْعُوا} يقول أي الاسمين دعوتموه به { فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى} وقال: (أية : وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالْرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي) تفسير : [الرعد:30]. ذكروا عن الحسن أنه قال: الله والرحمن اسمان ممنوعان لا يستطيع أحد من الخلق أن ينتحلهما. قوله: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً}. قال الكلبي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بمكة، كان يجتمع إليه أصحابه، فإذا صلّى بهم ورفع صوته سمع المشركون صوته فآذوه. وإن خفض صوته لم يُسمع من خلفه؛ فأمره الله أن يبتغي بين ذلك سبيلاً. وقال مجاهد: حتى لا يسمعك المشركون فيسبوك. وقال بعضهم: كان نبي الله، وهو بمكة، إذا سمع المشركون صوته رموه بكل خبث، فأمره الله أن يغض من صوته وأن يقتصد في صلاته. وكان يقال: ما أسمعتَ أذنيك فليس بتخافت. وذكر بعضهم قال: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} أي: في الدعاء والمسألة. وذكروا عن ابن عباس أنه قال: إن من الصلاة سرّاً، وإن منها جهراً، فلا تجهر فيما تسرّ فيه، ولا تسرَّ فيما تجهر فيه، وابتغ بين ذلك سبيلاً. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع أبا بكر وهو يصلّي من الليل وهو يخفي صوته، وسمع عمر وهو يجهر بصوته، وسمع بلالاً وهو يقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة فقال حديث : لأبي بكر: لم تخفي صوتك؟ قال: إن الذي أناجي ليس ببعيد. قال: صدقت. فقال لعمر: لم تجهر بصوتك؟ قال: أرضي الرحمن وأرغم الشيطان وأوقظ الوسنان. قال: صدقت. وقال لبلال: لم تقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة؟ قال: أخلط طيباً بطيب. قال: صدقت. فأمر أبا بكر أن يرفع من صوته، وأمر عمر أن يخفض من صوته، وأمر بلالاً إذا أخذ في سورة أن يفرغ منهاتفسير : . فأنزل الله: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً}.
اطفيش
تفسير : {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المعاندين المقترحين إِنكاراً عليهم وتهديداً {آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا} أمر ونهى للتهديد، وفى ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بالإِعراض عنهم، كأنه قيل: دعهم ولا تبال بهم، فإن إيمانهم به وعدمه لا يزيده ولا ينقصه. {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ} قبل القرآن قبل نزوله، وهم مؤمنو أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسى، وكعب الأحبار، ممن عرف حقيقة الوحى، وأمارات النبوة، وتمكن من الفرق بين الحق والباطل، أو رأَى نعتك فى الكتب السابقة، ولم يغلبه هواه عليك، وكعب الأحبار رضى الله عنه أدرك النبى صلى الله عليه وسلم، وآمن به إلا أنه لم يره فهو من التابعين، لا من الصحابة، وهذا تعليل آمنوا به أو لا تؤمنوا به أو لا تؤمنوا، كأنه قيل لا أبالى بكم، لأنه قد آمن به مَن هو خير منكم، وهومن مقول القول، أو مستأنف من الله عز وجل،تسلية له صلى الله عليه وسلم، بأن لا يبالى بكفر السفهاء لإيمان العلماء المحققين، فهم عضد لك. {إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ} ضمير يتلى للقرآن {يَخِرُّونَ} يسرعون بالسجود كسقوط الحجر، لا يملك الوقوف فى الجو تعظيما لأمر الله، وشكراً لإنجاز الله عز وجل، وبعد الفترة ما رغبوا فيه، واشتاقوا إليه من الحق، ووصف محمد فى الكتب قبله وكتابه. {لِلأَذْقَانِ} على الأذقان أو بالأذقان، متعلق بقوله: {سُجَّدًا} تعظيما وشكراً لإظهار الحق بعد خفائه، وقيل: المراد الانقياد لا سجوداً على الأرض ويجوز تعليقه بيخرون كما تعلق به الذى قبله، واختير لفظ اللام تلويحا إِلى اختصاص الذقن بالقرب من الأرض قبل سائر الوجه، فإن السجود بالرجلين، فالركبتين، فاليدين، فالذقن والأنف، فالجبهة، والرفع بالجبهة فالأنف، والذقن فاليدين بالركبتين، ولا يضر غير ذلك، وليس الاختصاص باللام المذكورة فى النحو حصراً بيانيًّا كإلا، وإنما، المراد على وجوههم، وعبر عن الوجه لجزئه وهو الذقن على أنه من الوجه أو مجاوره، على أنه ليس منه وهو مجتمع اللحيين أسف الوجه.
الالوسي
تفسير : {قُلْ} للذين كفروا {ءَامِنُواْ بِهِ} أي بالقرآن {أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ} أي به على معنى أن إيمانكم به وعدم إيمانكم به سواء لأن إيمانكم لا يزيده كمالاً وعدم إيمانكم لا يورثه نقصاً. {إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ} أي العلماء الذين قرؤوا الكتب السالفة من قبل تنزل القرآن وعرفوا حقيقة الوحي وأمارات النبوة وتمكنوا من تمييز الحق والباطل والمحق والمبطل أو رأوا نعتك ونعت ما أنزل إليك {إِذَا يُتْلَىٰ} أي القرآن {عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ} الخرور السقوط بسرعة، والأذقان جمع ذقن وهو مجتمع اللحيين ويطلق على ما ينبت عليه من الشعر مجازاً وكذا يطلق على الوجه تعبيراً بالجزء عن الكل قيل وهو المراد وروي عن ابن عباس فكأنه قيل يسقطون بسرعة على وجوههم. {سُجَّدًا} تعظيماً لأمر الله تعالى أو شكراً لإنجاز ما وعد به في تلك الكتب من بعثتك. والظاهر أن هنا خروراً وسجوداً على الحقيقة، وقيل: لا شيء من ذلك وإنما المقصود أنهم ينقادون لما سمعوا ويخضعون له كمال الانقياد والخضوع فأخرج الكلام على سبيل الاستعارة التمثيلية. وفسر الخرور للأذقان بالسقوط على الوجوه الزمخشري ثم قال ((وإنما ذكر الذقن لأنه أول ما يلقى الساجد به الأرض من وجهه)) وقيل: فيه نظر لأن الأول هو الجبهة والأنف ثم وجه بأنه إذا ابتدأ الخرور فأقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض هو الذقن، وكأنه أريد أول ما يقرب من اللقاء. وجوز أن تبقى الأذقان على حقيقتها والمراد المبالغة في الخشوع وهو تعفير اللحا على التراب أو أنه ربما خروا على الذقن كالمغشي عليهم لخشية الله تعالى، وقيل: لعل سجودهم كان هكذا غير ما عرفناه وهو كما ترى. وقال صاحب «الفرائد» المراد المبالغة في التحامل على الجبهة والأنف حتى كأنهم يلصقون الأذقان بالأرض وهو وجه حسن جداً. واللام على ما نص عليه الزمخشري للاختصاص وذكر أن المعنى جعلوا أذقانهم للخرور واختصوها به. ومعنى هذا الاختصاص على ما في «الكشف» أن الخرور لا يتعدى الأذقان إلى غيرها من الأعضاء المقابلة وحقق ذلك بما لا مزيد عليه. واعترض القول بالاختصاص بأنه مخالف لما سبق من قوله: إن الذقن أول ما يلقى الساجد به الأرض وأجيب بما أجيب. وتعقبه الخفاجي بأنه مبني على أن الاختصاص الذي تدل عليه اللام بمعنى الحصر وليس كذلك وإنما هو بمعنى تعلق خاص ولو سلم فمعنى الاختصاص بالذقن الاختصاص بجهته ومحاذيه وهي جهة السفل ولا شك في اختصاصه به إذ هو لا يكون لغيره فمعنى {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ} يقعون على الأرض عند التحقيق، والمراد تصوير تلك الحالة كما في قوله:شعر : فخر صريعاً لليدين وللفم تفسير : فتأمل. واختار بعضهم كون اللام بمعنى على. وزعم بعض عود ضميري {بِهِ} و{قَبْلِهِ} على النبـي صلى الله عليه وسلم ويأباه السباق واللحاق. وأخرج ابن المنذر وابن جرير أن ضمير {يُتْلَىٰ} لكتابهم ولا يخفى حاله. والظاهر أن الجملة الاسمية داخلة في حيز {قُلْ} وهي تعليل لما يفهم من قوله تعالى: {ءَامِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ} من عدم المبالاة بذلك أي إن لم تؤمنوا به فقد آمن به أحسن إيمان من هو خير منكم، ويجوز أن لا تكون داخلة في حيز {قُلْ} بل هي تعليل له على سبيل التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قيل تسل بإيمان العلماء عن إيمان الجهلة ولا تكترث بإيمانهم وإعراضهم وقد ذكر كلا الوجهين «الكشاف» قال في «الكشف» والحاصل أن المقصود التسلي والازدراء وعدم المبالاة المفيد للتوبيخ والتقريع مفرع عليه مدمج أو بالعكس والصيغة في الثاني أظهر والتعليل بقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} في الأول. وقال ابن عطية يتوجه في الآية معنى آخر وهو أن قوله سبحانه: {قُلْ ءامِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ} إنما جاء للوعيد والمعنى افعلوا أي الأمرين شئتم فسترون ما تجازون به ثم ضرب لهم المثل على جهة التقريع بمن تقدم من أهل الكتاب أي إن الناس لم يكونوا كما أنتم في الكفر بل كان الذين أوتوا التوراة والإنجيل والزبور والكتب المنزلة إذا يتلى عليهم ما أنزل عليهم خشعوا وآمنوا اهـ، وهو بعيد جداً ولا يخلو عن ارتكاب مجاز، وربما يكون في الكلام عليه استخدام.
ابن عاشور
تفسير : استئناف خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم ليلقنه بما يقوله للمشركين الذين لم يؤمنوا بأن القرآن منزل من عند الله، فإنه بعد أن أوضح لهم الدلائل على أن مثل ذلك القرآن لا يكون إلا منزلاً من عند الله من قوله: {أية : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} تفسير : [الإسراء: 88] فعجزوا عن الإتيان بمثله، ثم ببيان فضائل ما اشتمل عليه بقوله: {أية : ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل}تفسير : [الإسراء: 89]، ثم بالتعرض إلى ما اقترحوه من الإتيان بمعجزات أخر، ثم بكشف شبهتهم التي يموهون بها امتناعهم من الإيمان برسالة بشَر، وبَيّن لهم غلطهم أو مغالطتهم، ثم بالأمر بإقامة الله شهيداً بينه وبينهم، ثم بتهديدهم بعذاب الآخرة، ثم بتمثيل حالهم مع رسولهم بحال فرعون وقومه مع موسى وما عُجل لهم من عذاب الدنيا بالاستئصال، ثم بكشف شبهتهم في تنجيم القرآن؛ أعقب ذلك بتفويض النظر في ترجيح الإيمان بصدق القرآن وعدم الإيمان بقوله: {آمنوا به أو لا تؤمنون} للتسوية بين إيمانهم وعدمه عند الله تعالى. فالأمر في قوله: {آمنوا} للتسوية، أي إن شئتم. وجُزم {لا تؤمنوا} بالعطف على المجزوم. ومثله قوله في سورة الطور (16) {أية : فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم}تفسير : ، فحرف (لا) حرف نفي وليس حرف نهي، ولا يقع مع الأمر المراد به التسوية إلا كذلك، وهو كناية عن الإعراض عنهم وا حتقارهم وقلة المبالاة بهم، ويندمج فيه مع ذلك تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم. وجملة {إن الذين أوتوا العلم} تعليل لمعنى التسوية بين إيمانهم به وعدمه أو تعليل لفعل {قل}، أو لكليهما، شأن العلل التي ترد بعد جُمل متعددة، ولذلك فصلت. وموقع (إن) فيها موقع فاء التفريع، أي إنما كان إيمانكم بالقرآن وعدمُه سواء لأنه مستغن عن إيمانكم به بإيمان الذين أوتوا العلم من قبل نزوله، فهم أرجح منكم أحلاماً وأفضل مقاماً، وهم الذين أوتوا العلم، فإنهم إذا يسمعونه يؤمنون به ويزيدهم إيماناً بما في كتبهم من الوعد بالرسول الذي أنزل هذا عليه. وفي هذا تعريض بأن الذين أعرضوا عن الإيمان بالقرآن جهلة وأهل جاهلية. والمراد بالذين أوتوا العلم أمثالُ: ورقة بن نَوفل، فقد تسامع أهل مكة بشهادته للنبيء صلى الله عليه وسلم ومن آمن بعد نزول هذه السورة من مِثل: عبد الله بن سلام، ومعيقيب، وسَلمان الفارسي. ففي هذه الآية إخبار بمغيّب. وضمائر «به، ومن قبله، ويتلى» عائدة إلى القرآن. والكلام على حذف مضاف معلوم من المقام معهود الحذف، أي آمنوا بصدقة. ومن قبل نزوله. والخرور: سقوط الجسم. قال تعالى: {أية : فخر عليهم السقف من فوقهم}تفسير : [النحل: 26]. وقد تقدم في قوله: {أية : وخر موسى صعقاً}تفسير : في سورة الأعراف (143). واللام في {للأذقان} بمعنى (على) كما في قوله تعالى: {أية : وتله للجبين}تفسير : [الصافات: 103]، وقول تأبط شراً: شعر : ......................... صريعاً لليدين وللجران تفسير : وأصل هذه اللام أنها استعارة تبعية. استعير حرف الاختصاص لمعنى الاستعلاء للدلالة على مزيد التمكن كتمكن الشيء بما هو مختص به. والأذقان: جمع الذَقَن بفتح الذال وفتح القاف مجتمع اللحيين. وذكر الذقن للدلالة على تمكينهم الوجوه كلها من الأرض من قوة الرغبة في السجود لما فيه من استحضار الخضوع لله تعالى. و{سجداً} جمع ساجد، وهو في موضع الحال من ضمير {يخرون} لبيان الغرض من هذا الخرور، وسجودهم سجود تعظيم لله عند مشاهدة آية من دلائل علمه وصدق رسله وتحقيق وعده. وعطفت {ويقولون سبحان ربنا} على {يخرون} للإشارة إلى أنهم يجمعون بين الفعل الدال على الخضوع والقول الدال على التنزيه والتعظيم. ونظيره قوله: {أية : خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم}تفسير : [السجدة: 15]. على أن في قولهم: {سبحان ربنا} دلالة على التعجب والبهجة من تحقق وعد الله في التوراة والإنجيل بمجيء الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم. وجملة {إن كان وعد ربنا لمفعولا} من تمام مقولهم. وهو المقصود من القول، لأن تسبيحهم قبله تسبيح تَعجب واعتبار بأنه الكتاب الموعود به وبرسوله في الكتب السابقة. و (إن) مخففة من الثقيلة، وقد بطل عملها بسبب التخفيف، ووليها فعل من نواسخ المبتدأ جرياً على الغالب في استعمال المخففة. وقرن خبر الناسخ باللام الفارقة بين المخففة والنافية. والوعد باقٍ على أصله من المصدرية. وتحقيق الوعد يستلزم تحقيق الموعود به فحصل التصديق بالوعد والموعود به. ومعنى {مفعولا} أن الله يفعل ما جاء في وعده، أي يكونه ويحققه، وهذا السجود سجود تعظيم لله إذ حقق وعده بعد سنين طويلة. وقوله: {ويخرون للأذقان يبكون} تكرير للجملة باختلاف الحال المقترنة بها، أعيدت الجملة تمهيداً لذكر الحال. وقد يقع التكرير مع العطف لأجل اختلاف القيود، فتكون تلك المغايرة مصححة العطف، كقول مُرة بن عَداء الفقعسي: شعر : فَهَلاّ أعدُّوني لِمثلي تفاقدوا إذا الخصم أبْزى مائلُ الرأس أنكبُ وهلا أعدوني لِمثلي تفاقدوا وفي الأرض مبثوث شُجاع وعقربُ تفسير : فالخرور المحكي بالجملة الثانية هو الخرور الأول، وإنما خروا خروراً واحداً ساجدين باكين، فذكر مرتين اهتماماً بما صحبه من علامات الخشوع. وذكر {يبكون} بصيغة المضارع لاستحضار الحالة. والبكاء بكاء فرح وبهجة. والبكاء: يحصل من انفعال باطني ناشىء عن حزن أو عن خوف أو عن شوق. ويزيدهم القرآن خشوعاً على خشوعهم الذي كان لهم من سماع كتابهم. ومن السنة سجود القارىء والمستمع له بقصد هذه الآية اقتداء بأولئك الساجدين بحيث لا يذكر المسلم سجود أهل الكتاب عند سماع القرآن إلا وهو يرى نفسه أجدر بالسجود عند تلاوة القرآن.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمِنُواْ} (107) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤلاءِ الكَافِرِينَ بِالقُرْآنِ العَظِيمِ، الَّذِي جِئْتَهُمْ بِهِ: سَواءٌ آمَنْتُمْ بِهِ أَمْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ، فَهُوَ حَقٌّ فِي نَفْسِهِ، أَنْزَلَهُ اللهُ، وَنَوَّهَ بِذِكْرِهِ فِي الكُتُبِ السَّابِقَةِ لَهُ، الَّتِي أَنْزَلَهَا اللهُ عَلَى رُسُلِهِ السَّابِقِينَ. وَالصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، وَتَمَسَّكُوا بِكِتَابِهِمْ، وَلَمْ يُبَدِّلُوهُ، وَلَمْ يُحَرِّفُوهُ، إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمُ القُرْآنُ يَخِرُّونَ سَاجِدينَ للهِ شُكْراً لَهُ عَلَى إِنْجَازِهِ وَعْدَهُ بِإِرْسَالِكَ إِلَى النَّاسِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ ..} [الإسراء: 107] آمِنوا: أمر، ولا تؤمنوا: نَهْي. والأمر والنهي نوعان من الطلب، والطلب أن تطلب من الأدنى أن يفعل، والنهي أنْ تطلبَ من الأدنى ألاَّ يفعل، فإنْ كان الطلب من مُساو لك فهو التماس، وإنْ كان إلى أعلى منك فهو دعاء. لذلك حينما نقول للطالب أعرب: (رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ) يقول: اغفر فعل أمر، نقول له: أنت سطحيّ العبارة؛ لأن الأمر هنا من الأدنى للأعلى، من العبد لربه تبارك وتعالى، فلا يقال: أمر، إنما يقال: دعاء. والطاعة أن تمتثل الأمر والنهي، فهل نقول في قوله تعالى: {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ ..} [الإسراء: 107] أنها للتخيير، فإنْ آمنوا فقد أطاعوا، وكذلك إنْ لم يؤمنوا فقد أطاعوا أيضاً؟ نقول: الأمر والنهي هنا لا يُراد منه الطلب، بل يراد به التهديد أو التسوية كما تقول لابنك حين تلاحظ عليه الإهمال: ذاكر أو لا تذاكر، أنت حر؛ لا شكَّ أنك لا تقصد النهي عن المذاكرة، بل تقصد تهديده وحثّه على المذاكرة. فقوله: {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ ..} [الإسراء: 107] للتسوية، كما قال: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ..}تفسير : [الكهف: 29]. فهذا ليس أمراً بحيث أن الذي يفعل الأمر أو النهي يكون طائعاً، بل المراد هنا التهديد أو التسوية، فسواء آمنوا أو كفروا؛ لأن الحق سبحانه جعل في ذلك عزاءً لرسوله صلى الله عليه وسلم في إيمان أهل الكتاب. {إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ ..} [الإسراء: 107] أي: اليهود والنصارى الذين ارتاضوا بالكتب السماوية، واستمعوا للتوراة والإنجيل، ونقلوها إلى غيرهم من المعاصرين للقرآن فهؤلاء شاهدون بأن الرسول حَقٌّ بما عندهم من بشارة به في التوراة والإنجيل؛ لذلك يتركون دينهم ويسارعون إلى الإسلام؛ لأنهم يعلمون عِلْم اليقين أنه الدين الحق. ومن هؤلاء عبد الله بن سلام، وكان من علماء اليهود، وكان يعلم أوصاف رسول الله وزمن بَعْثته؛ لذلك قال: لقد عرفته حين رأيته كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشدّ. ولما اختمر الإسلام في نفسه ذهب إلى رسول الله وصارحه بما نوى من اعتناق الإسلام، وقال: حديث : يا رسول الله إن اليهود قوم بُهْتٌ فإن أعلنتُ إسلامي الآن قالوا فيَّ ما ليس فيَّ، فاسألهم عني وأنا ما زلت على دينهم، وانظر ما يقولون، فسألهم رسول الله: ما تقولون في ابن سلام؟ فقالوا: حَبْرنا وابن حَبْرنا، ووصفوه بخير الصفات، وأطيب الخصال، فقال عبد الله: يا رسول الله، أما وقد قالوا فيَّ ما قالوا فأشهد ألا إله إلا الله وأنك رسول الله، فإذا بهم يذمونه ويتهمونه بأخسِّ الخصال، فقال: يا رسول الله ألم أَقُلْ لك إنهم قوم بُهْتٌ . تفسير : إذن: ففي إيمان عبد الله بن سلام وغيره من اليهود والنصارى الذين عرفوا رسول الله بأوصافه في كتبهم وعرفوا موعد بعثته وأنه حق، في إيمان هؤلاء عَزَاءٌ لرسول الله حين كفر به قومه وكذّبوه لذلك قال تعالى: {أية : قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ}تفسير : [الرعد: 43]. ونحن مُكْتفون بشهادة هؤلاء؛ لأنهم قوم صادقون مع أنفسهم، صادقون مع أنبيائهم ومع كتبهم التي تلقوْهَا، فحينما بشَّرت بمحمد ووصفته لم ينكروا هذه الصفات ولم يُحرِّفوها، بل كانوا يسارعون إلى المدينة انتظاراً لمبعث النبي الجديد الذي سيظهر فيها، لقد كانوا يقولون لكفار مكة: لقد أظلَّ زمان نبي جديد نتبعه قبلكم، ونقتلكم به قَتْل عاد وإرم. {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [البقرة: 89] إلا أن الله أبقى للحق خلية، وجعل له خميرة استجابت لرسول الله، وتفاعلت مع الدين الجديد. وقوله تعالى: {إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ..} [الإسراء: 107] أي: القرآن {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً} [الإسراء: 107]. كلمة {يَخِرُّونَ} توحي بأنهم يسارعون إلى السجود، وكأنها عملية انفعالية غير إرادية ليس لهم فيها تصرُّف، فبمجرد سماع القرآن يرتمون على الأرض ساجدين؛ لأنهم تفاعلوا معه، واختمر الإيمان في نفوسهم. ليس ذلك وفقط، بل ويخرون {لِلأَذْقَانِ} جمع ذَقَن، وهي أسفل الفَكِّ السفلي، ومعلوم أن السجود يكون على الجبهة، أما هؤلاء فيسجدون بالوجه كله، وهذا دليل على الخضوع والاستسلام لله تعالى. ثم يقول الحق سبحانه: {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ ...}.
همام الصنعاني
تفسير : 1642- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ}: [الآية: 107]، قال: للوجوه. 1643- قال عبد الرزاق، وقال معمر، قال الحسن: لِلّحى.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):