Verse. 2139 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

قُلِ ادْعُوا اللہَ اَوِ ادْعُوا الرَّحْمٰنَ۝۰ۭ اَيًّا مَّا تَدْعُوْا فَلَہُ الْاَسْمَاۗءُ الْحُسْنٰى۝۰ۚ وَلَا تَجْـہَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِہَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيْلًا۝۱۱۰
Quli odAAoo Allaha awi odAAoo alrrahmana ayyan ma tadAAoo falahu alasmao alhusna wala tajhar bisalatika wala tukhafit biha waibtaghi bayna thalika sabeelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

وكان صلى الله عليه وسلم يقول "" يا الله يا رحمن "" فقالوا: ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلها آخر معه فنزل (قل) لهم (ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) أي سموه بأيهما أو نادوه بأن تقولوا: يا الله يا رحمن (أيا) شرطية (ما) زائدة أي هذين (تدعوا) فهو حسن دل على هذا (فله) أي لمسماهما (الأسماء الحسنى) وهذان منها فإنها كما في الحديث "" الله لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدئ المعيد المحيي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الأحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعالي البر التواب المنتقم العفو الرءوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور" رواه الترمذي «ولا تجهر بصلاتك» بقراءتك بها فيسمعك المشركون فيسبوك ويسبوا القرآن ومن أنزله «ولا تخافت» تسر «بها» لينتفع أصحابك «وابتغ» اقصد «بين ذلك» الجهر والمخافتة «سبيلا» طريقا وسطا.

110

Tafseer

الرازي

تفسير : قال صاحب «الكشاف» المراد بهما الاسم لا المسمى و"أو" للتخيير بمعنى: {ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ } أي سموا بهذا الاسم أو بهذا أو اذكروا إما هذا وإما هذا والتنوين في {أَيّا } عوض عن المضاف إليه و {مَا } صلة للإبهام المؤكد لما في أي والتقدير أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم فله الأسماء الحسنى والضمير في قوله: {فَلَهُ } ليس براجع إلى أحد الإسمين المذكورين ولكن إلى مسماهما وهو ذاته عز وعلا والمعنى: أياً ما تدعوا فهو حسن فوضع موضعه قوله: {فَلَهُ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ } لأنه إذا حسنت أسماؤه فقد حسن هذان الإسمان لأنهما منها ومعنى حسن أسماء الله كونها مفيدة لمعاني التحميد والتقديس وقد سبق الاستقصاء في هذا الباب في آخر سورة الأعراف في تفسير قوله: { أية : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } تفسير : [الأعراف:180] واحتج الجبائي بهذه الآية فقال: لو كان تعالى هو الخالق للظلم والجور لصح أن يقال يا ظالم وحينئذ يبطل ما ثبت في هذه الآية من كون أسمائه بأسرها حسنة. والجواب: أنا لا نسلم أنه لو كان خالقاً لأفعال العباد لصح وصفه بأنه ظالم وجائر كما أنه لا يلزم من كونه خالقاً للحركة والسكون والسواد والبياض أن يقال يا متحرك ويا ساكن ويا أسود ويا أبيض فإن قالوا فيلزم جواز أن يقال يا خالق الظلم والجور قلنا فيلزمكم أن تقولوا يا خالق العذرات والديدان والخنافس وكما أنكم تقولون أن ذلك حق في نفس الأمر ولكن الأدب أن يقال يا خالق السموات والأرض فكذا قولنا هنا، ثم قال تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } وفيه مباحث: البحث الأول: قوله: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ } فيه أقوال. الأول: روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بالقراءة فإذا سمعه المشركون سبوه وسبوا من جاء به فأوحى الله تعالى إليه: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ } فيسمع المشركون فيسبوا الله عدواً بغير علم: {وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } فلا تسمع أصحابك وابتغ بين ذلك سبيلا. القول الثاني: روى أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالليل على دور الصحابة، وكان أبو بكر يخفي صوته بالقراءة في صلاته وكان عمر يرفع صوته، فلما جاء النهار وجاء أبو بكر وعمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر لم تخفي صوتك؟ فقال أناجي ربي، وقد علم حاجتي وقال لعمر لم ترفع صوتك؟ فقال أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يرفع صوته قليلاً وعمر أن يخفض صوته قليلاً. القول الثالث: معناه: ولا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها وابتغ بين ذلك سبيلاً بأن تجهر بصلاة الليل وتخافت بصلاة النهار. والقول الرابع: أن المراد بالصلاة الدعاء وهذا قول عائشة رضي الله عنها وأبي هريرة ومجاهد قالت عائشة رضي الله عنها هي في الدعاء وروى هذا مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية إنما ذلك في الدعاء والمسألة لا ترفع صوتك فتذكر ذنوبك فيسمع ذلك فتعير بها فالجهر بالدعاء منهى عنه والمبالغة في الإسرار غير جائزة والمستحب من ذلك التوسط وهو أن يسمع نفسه كما روي عن ابن مسعود أنه قال لم يخافت من أسمع أذنيه. والقول الخامس: قال الحسن لا تراه بعلانيتها ولا تسىء بسريتها. البحث الثاني: الصلاة عبارة عن مجموع الأفعال والأذكار والجهر والمخافتة من عوارض الصوت، فالمراد ههنا من الصلوات بعض أجزاء ماهية الصلاة وهو الأذكار والقرآن وهو من باب إطلاق اسم الكل لإرادة الجزء. البحث الثالث: يقال خفت صوته يخفت خفتاً وخفوتاً إذا ضعف وسكن وصوت خفيت أي خفيض ومنه يقال للرجل إذا مات قد خفت أي انقطع كلامه وخفت الزرع إذا ذبل وخفت الرجل يخافت بقراءته إذا لم يبين قراءته برفع الصوت وقد تخافت القوم إذا تساروا بينهم وأقول ثبت في كتب الأخلاق أن كلا طرفي الأمور ذميم والعدل هو رعاية الوسط ولهذا المعنى مدح الله هذه الأمة بقوله: { أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } تفسير : [البقرة: 143] وقال في مدح المؤمنين: { أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } تفسير : [الفرقان: 67] وأمر الله رسوله فقال: { أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ } تفسير : [الإسراء: 29] فكذا ههنا نهى عن الطرقين وهو الجهر والمخافتة وأمر بالتوسط بينهما فقال: {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً } ومنهم من قال الآية منسوخة بقوله: {أية : ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } تفسير : [الأعراف: 55] وهو بعيد واعلم أنه تعالى لما أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلا بأسمائه الحسنى علمه كيفية التحميد فقال: {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ ٱلذُّلّ وكبرهُ تكْبِيراً} فذكر ههنا من صفات التنزيه والجلال وهي السلوب ثلاثة أنواع من الصفات. النوع الأول: من الصفات أنه لم يتخذ ولداً والسبب فيه وجوه. الأول: أن الولد هو الشيء المتولد من جزء من أجزاء شيء آخر فكل من له ولد فهو مركب من الأجزاء والمركب محدث والمحدث محتاج لا يقدر على كمال الإنعام فلا يستحق كمال الحمد. الثاني: أن كل من له ولد فإنه يمسك جميع النعم لولده فإذا لم يكن له ولد أفاض كل تلك النعم على عبيده. الثالث: أن الولد هو الذي يقوم مقام الوالد بعد انقضائه وفنائه فلو كان له ولد لكان منقضياً ومن كان كذلك لم يقدر على كمال الإنعام في كل الأوقات فوجب أن لا يستحق الحمد على الإطلاق. والنوع الثاني: من الصفات السلبية قوله: {وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ } والسبب في اعتبار هذه الصفة أنه لو كان له شريك فحينئذ لا يعرف كونه مستحقاً للحمد والشكر. والنوع الثالث: قوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ ٱلذُّلّ } والسبب في اعتبار هذه الصفة أنه لو جاز عليه ولي من الذل لم يجب شكره لتجويز أن غيره حمله على ذلك الإنعام أو منعه منه، أما إذا كان منزهاً عن الولد وعن الشريك وكان منزهاً عن أن يكون له ولي يلي أمره كان مستوجباً لأعظم أنواع الحمد ومستحقاً لأجل أقسام الشكر ثم قال تعالى: {وَكَبّرْهُ تَكْبِيرًا } ومعناه أن التحميد يجب أن يكون مقروناً بالتكبير ويحتمل أنواعاً من المعاني. أولها: تكبيره في ذاته وهو أن يعتقد أنه واجب الوجود لذاته وأنه غني عن كل ما سواه. وثانيها: تكبيره في صفاته وذلك من ثلاثة أوجه. أولها: أن يعتقد أن كل ما كان صفة له فهو من صفات الجلال والعز والعظمة والكمال وهو منزه عن كل صفات النقائص. وثالثها: أن يعتقد أن كل واحد من تلك الصفات متعلق بما لا نهاية له من المعلومات وقدرته متعلقة بما لا نهاية له من المقدورات والممكنات. ورابعها: أن يعتقد أنه كما تقدست ذاته عن الحدوث وتنزهت عن التغير والزوال والتحول والانتقال فكذلك صفاته أزلية قديمة سرمدية منزهة عن التغير والزوال والتحول والانتقال. النوع الثالث: من تكبير الله تكبيره في أفعاله وعند هذا تختلف أهل الجبر والقدر فقال أهل السنة إنا نحمد الله ونكبره ونعظمه على أن يجري في سلطانه شيء لا على وفق حكمه وإرادته فالكل واقع بقضاء الله وقدرته ومشيئته وإرادته، وقالت المعتزلة إنا نكبر الله ونعظمه عن أن يكون فاعلاً لهذه القبائح والفواحش بل نعتقد أن حكمته تقتضي التنزيه والتقديس عنها وعن إرادتها وسمعت أن الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني كان جالساً في دار الصاحب بن عباد فدخل القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني فلما رآه قال سبحان من تنزه عن الفحشاء فقال الأستاذ أبو إسحاق: سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء. النوع الرابع: تكبير الله في أحكامه وهو أن يعتقد أنه ملك مطاع وله الأمر والنهي والرفع والخفض وأنه لا اعتراض لأحد عليه في شيء من أحكامه يعز من يشاء ويذل من يشاء. النوع الخامس: تكبير الله في أسمائه وهو أن لا يذكر إلا بأسمائه الحسنى ولا يوصف إلا بصفاته المقدسة العالية المنزهة. النوع السادس: من التكبير هو أن الإنسان بعد أن يبلغ في التكبير والتعظيم والتنزيه والتقديس مقدار عقله وفهمه وخاطره يعترف أن عقله وفهمه لا يفي بمعرفة جلال الله، ولسانه لا يفي بشكره، وجوارحه وأعضاؤه لا تفي بخدمته فكبر الله عن أن يكون تكبيره وافياً بكنه مجده وعزته. وهذا أقصى ما يقدر عليه العبد الضعيف من التكبير والتعظيم ونسأل الله تعالى الرحمة قبل الموت وعند الموت وبعد الموت إنه الكريم الرحيم وبالله العصمة والتوفيق وحسبنا الله ونعم الوكيل. قال المصنف رحمه الله تعالى: " تم تفسير هذه السورة يوم الثلاثاء بين الظهر والعصر يوم العشرين من شهر المحرم في بلدة غزنين سنة إحدى وستمائة والحمدلله والصلاة على نبيه محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً"

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} سبب نزول هذه الآية: حديث : أن المشركين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو «يا ألله يا رحمن» فقالوا: كان محمد يأمرنا بدعاء إله واحد وهو يدعو إلهينتفسير : ؛ قاله ابن عباس. وقال مكحول: حديث : تهجّد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقال في دعائه: «يا رحمن يا رحيم» فسمعه رجل من المشركين، وكان باليمامة رجل يسمى الرحمن، فقال ذلك السامع: ما بال محمد يدعو رحمان اليمامةتفسير : . فنزلت الآية مبيِّنة أنهما اسمان لمسمّى واحد؛ فإن دعوتموه بالله فهو ذاك، وإن دعوتموه بالرحمن فهو ذاك. وقيل: كانوا يكتبون في صدر الكتب: باسمك اللهم؛ فنزلت {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم «بسم الله الرحمن الرحيم» فقال المشركون: هذا الرحيم نعرفه فما الرحمن؛ فنزلت الآية. وقيل: إن اليهود قالت: ما لنا لا نسمع في القرآن اسما هو في التوراة كثير. يعنون الرحمن؛ فنزلت الآية. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف «أيًّا مَنْ تدعوا فله الأسماء الحسنى» أي التي تقتضي أفضل الأوصاف وأشرف المعاني. وحسنُ الأسماء إنما يتوجه بتحسين الشرع؛ لإطلاقها والنصّ عليها. وانضاف إلى ذلك أنها تقتضي معاني حساناً شريفة، وهي بتوقيف لا يصح وضع اسم الله بنظر إلا بتوقيف من القرآن أو الحديث أو الإجماع. حسبما بيناه في (الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى). قوله تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} فيه مسألتان: الأولى: اختلفوا في سبب نزولها على خمسة أقوال: الأول: ما روى ابن عباس في قوله تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مُتَوارٍ بمكة، وكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سَبُّوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به؛ فقال الله تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ} فيسمع المشركون قراءتك. «ولا تخافت بها» عن أصحابك. أسمعهم القرآن ولاتجهر ذلك الجهر. {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} قال: يقول بين الجهر والمخافتة؛ أخرجه البخاريّ ومسلم والترمذي وغيرهم. واللفظ لمسلم. والمخافتة: خفض الصوت والسكون؛ يقال للميت إذا بَرَد: خفت. قال الشاعر:شعر : لم يبق إلا نَفَس خافت ومُقْلَةٌ إنسانها باهت رَثَى لها الشامت مما بها يا وَيْحَ من يَرْثي له الشّامت تفسير : الثاني: ما رواه مسلم أيضاً عن عائشة في قوله عز وجل: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} قالت: أنزل هذا في الدعاء. الثالث: قال ابن سيرين: كان الأعراب يجهرون بتشهّدهم فنزلت الآية في ذلك. قلت: وعلى هذا فتكون الآية متضمنة لإخفاء التشهد، وقد قال ابن مسعود: من السنّة أن تخفي التشهد؛ ذكره ابن المنذر. الرابع: ما روي عن ابن سيرين أيضاً أن أبا بكر رضي الله عنه كان يُسِر قراءته، وكان عمر يجهر بها، فقيل لهما في ذلك؛ فقال أبو بكر: إنما أناجي ربي، وهو يعلم حاجتي إليه. وقال عمر: أنا أطرد الشيطان وأوقظ الوَسْنان؛ فلما نزلت هذه الآية قيل لأبي بكر: ارفع قليلاً، وقيل لعمر اخفض أنت قليلاً؛ ذكره الطبري وغيره. الخامس: ما روي عن ابن عباس أيضاً أن معناها ولا تجهر بصلاة النهار، ولا تخافت بصلاة الليل؛ ذكره يحيى بن سلام والزهراويّ. فتضمنت أحكام الجهر والإسرار بالقراءة في النوافل والفرائض، فأما النوافل فالمصلي مخيّر في الجهر والسر في الليل والنهار، وكذلك روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يفعل الأمرين جميعاً. وأما الفرائض فحكمها في القراءة معلوم ليلاً ونهاراً. وقول سادس: قال الحسن: يقول الله لا ترائي بصلاتك تحسّنها في العلانية ولا تسيئها في السر. وقال ابن عباس: لا تصلّ مرائياً للناس ولا تدعها مخافة الناس. الثانية: عبّر تعالى بالصلاة هنا عن القراءة كما عبر بالقراءة عن الصلاة في قوله: {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} لأن كل واحد منهما مرتبط بالآخر؛ لأن الصلاة تشتمل على قراءة وركوع وسجود فهي من جملة أجزائها؛ فعبر بالجزء عن الجملة وبالجملة عن الجزء على عادة العرب في المجاز وهو كثير؛ ومنه الحديث الصحيح: «حديث : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي» تفسير : أي قراءة الفاتحة على ما تقدّم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المنكرين صفة الرحمة لله عز وجل، المانعين من تسميته بالرحمن: {ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ} أي: لا فرق بين دعائكم له باسم الله، أو باسم الرحمن، فإنه ذو الأسماء الحسنى، كما قال تعالى: {أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ } تفسير : - إلى أن قال - {أية : لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الحشر: 22 - 24] الآية، وقد روى مكحول أن رجلاً من المشركين سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول في سجوده: «حديث : يا رحمن يا رحيم»تفسير : فقال: إنه يزعم أنه يدعو واحداً، وهو يدعو اثنين، فأنزل الله هذه الآية، وكذا روي عن ابن عباس، رواهما ابن جرير. وقوله: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ} الآية قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوارٍ بمكة: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} قال: كان إذا صلى بأصحابه، رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون، سبوا القرآن، وسبوا من أنزله ومن جاء به، قال: فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ} أي: بقراءتك، فيسمع المشركون، فيسبون القرآن {وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك، {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلاً} أخرجاه في "الصحيحين" من حديث أبي بشر جعفر بن إياس به، وكذا رواه الضحاك عن ابن عباس، وزاد: فلما هاجر إلى المدينة، سقط ذلك، يفعل أي ذلك شاء. وقال محمد بن إسحاق: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جهر بالقرآن وهو يصلي، تفرقوا عنه وأبوا أن يسمعوا منه، وكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو، وهو يصلي، استرق السمع دونهم فرقاً منهم، فإذا رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع، ذهب؛ خشية أذاهم، فلم يسمع، فإن خفض صوته صلى الله عليه وسلم لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئاً، فأنزل الله: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ} فيتفرقوا عنك {وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} فلا يسمع من أراد أن يسمع ممن يسترق ذلك منهم، فلعله يرعوي إلى بعض ما يسمع فينتفع به، {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلاً} وهكذا قال عكرمة والحسن البصري وقتادة: نزلت هذه الآية في القراءة في الصلاة، وقال شعبة عن الأشعث بن أبي سليم عن الأسود بن هلال عن ابن مسعود: لم يخافت بها من أسمع أذنيه. قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية عن سلمة بن علقمة عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ، خفض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته، فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟ قال: أناجي ربي عز وجل، وقد علم حاجتي، فقيل: أحسنت. وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال: أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان، قيل: أحسنت، فلما نزلت: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلاً} قيل لأبي بكر: ارفع شيئاً، وقيل لعمر: اخفض شيئاً، وقال أشعث بن سوار عن عكرمة عن ابن عباس: نزلت في الدعاء، وهكذا روى الثوري ومالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها: أنها نزلت في الدعاء، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو عياض ومكحول وعروة بن الزبير. وقال الثوري عن ابن عياش العامري عن عبد الله بن شداد قال: كان أعرابي من بني تميم إذا سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اللهم ارزقنا إبلاً وولداً» تفسير : قال: فنزلت هذه الآية: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا}. (قول آخر) قال ابن جرير: حدثنا أبو السائب، حدثنا حفص بن غياث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها: نزلت هذه الآية في التشهد: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا}، وبه قال حفص عن أشعث بن سوار عن محمد بن سيرين مثله. (قول آخر) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} قال: لا تصل مراءاة للناس، ولا تدعها مخافة الناس. وقال الثوري عن منصور عن الحسن البصري: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} قال: لا تحسن علانيتها، وتسىء سريرتها، وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن الحسن به، وهشيم عن عوف عنه به، وسعيد عن قتادة عنه كذلك. (قول آخر) قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلاً} قال: أهل الكتاب يخافتون، ثم يجهر أحدهم بالحرف، فيصيح به، ويصيحون هم به وراءه، فنهاه أن يصيح كما يصيح هؤلاء، وأن يخافت كما يخافت القوم، ثم كان السبيل الذي بين ذلك الذي سن له جبريل من الصلاة. وقوله: {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} لما أثبت تعالى لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى، نزه نفسه عن النقائص فقال: {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ} بل هو الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ ٱلذُّلِّ} أي: ليس بذليل فيحتاج إلى أن يكون له ولي أو وزير أو مشير، بل هو تعالى خالق الأشياء وحده لا شريك له، ومدبرها ومقدرها وحده لا شريك له. قال مجاهد في قوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ ٱلذُّلِّ} لم يحالف أحداً ولم يبتغ نصر أحد {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} أي: عظمه وأجلّه عما يقول الظالمون المعتدون علواً كبيراً. قال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر عن القرظي: أنه كان يقول في هذه الآية: {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} الآية، قال: إن اليهود والنصارى يقولون: اتخذ الله ولداً، وقالت العرب: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. وقال الصابئون والمجوس: لولا أولياء الله لذل، فأنزل الله هذه الآية: {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ ٱلذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} وقال أيضاً: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أهله هذه الآية: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} الآية، الصغير من أهله والكبير. قلت: وقد جاء في حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمى هذه الآية آية العز، وفي بعض الآثار أنها ما قرئت في بيت في ليلة فيصيبه سرق أو آفة، والله أعلم. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا بشر بن سيحان البصري، حدثنا حرب بن ميمون، حدثنا موسى بن عبيدة الزبيدي عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة قال: خرجت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ويده في يدي، أو يدي في يده، فأتى على رجل رث الهيئة، فقال: «حديث : أي فلان ما بلغ بك ما أرى؟» تفسير : قال: السقم والضر يا رسول الله، قال: «حديث : ألا أعلمك كلمات تذهب عنك السقم والضر؟» تفسير : قال: بلى، قال: ما يسرني بها أن شهدت معك بدراً أو أحداً، قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «حديث : وهل يدرك أهل بدر وأهل أحد ما يدرك الفقير القانع؟» تفسير : قال: فقال أبو هريرة: يا رسول الله إياي فعلمني، قال: «حديث : فقل يا أبا هريرة: توكلت على الحي الذي لا يموت، الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيراً» تفسير : قال: فأتى علي رسول الله وقد حسنت حالي، قال: فقال لي: «حديث : مهيم؟» تفسير : قال: قلت: يا رسول الله لم أزل أقول الكلمات التي علمتني، إسناده ضعيف، وفي متنه نكارة، والله أعلم. آخر تفسير سورة سبحان. و لله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : وكان صلى الله عليه وسلم يقول: يا الله يا رحمن، فقالوا: ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلٰهاً آخر معه فنزل {قُلْ } لهم {ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَٰنَ } أي سموه بأيهما أو نادوه، بأن تقولوا يا الله يا رحمن {أَيّا } شرطية {مَا } زائدة، أيَّ هذين {تَدْعُواْ } فهو حسن دلَّ على هذا {فَلَهُ } أي لمسماهما {ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ } وهذان منها، فإنها كما في الحديث. « حديث : الله الذي لا إلٰه إلا هو الرحمن الرحيم، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، العزيز الجبار المتكبر، الخالق البارىء المصور، الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم، القابض الباسط الخافض الرافع المعز المُذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العليُّ الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المعيد المحيي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المقدّم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعالي البرّ التواب المنتقم العفوّ الرؤوف، مالك الملك ذو الجلال والإِكرام، المقسط الجامع الغني المغني المانع الضارّ النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور » تفسير : رواه الترمذي قال تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ } بقراءتك فيها فيسمعك المشركون فيسبوك ويسبوا القرآن ومَنْ أنزله {وَلاَ تُخَافِتْ } تسرّ {بِهَا } لينتفع أصحابك {وَٱبْتَغِ } اقصد {بَيْنَ ذٰلِكَ } الجهر والمخافتة {سَبِيلاً } طريقاً وسطاً.

الشوكاني

تفسير : أراد سبحانه أن يعلم عباده كيفية الدعاء والخشوع فقال: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ } ومعناه: أنهما مستويان في جواز الإطلاق وحسن الدعاء بهما، ولهذا قال: {أَيَّا ما تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلاْسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ} التنوين في "أيا" عوض عن المضاف إليه، و"ما" مزيدة لتوكيد الإبهام في: "أيا" والضمير في "له" راجع إلى المسمى، وكان أصل الكلام: أيا ما تدعوا فهو حسن، فوضع موضعه فله الأسماء الحسنى للمبالغة، وللدلالة على أنها إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الإسمان، ومعنى حسن الأسماء: استقلالها بنعوت الجلال والإكرام، ذكر معنى هذا النيسابوري وتبعه أبو السعود. قال الزجاج: أعلمهم الله أن دعاءهم الله ودعاءهم الرحمٰن يرجعان إلى قول واحد، وسيأتي ذكر سبب نزول الآية، وبه يتضح المراد منها، ثم ذكر كيفية أخرى للدعاء فقال: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } أي: بقراءة صلاتك على حذف المضاف للعلم بأن الجهر والمخافتة من نعوت الصوت، لا من نعوت أفعال الصلاة، فهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء، يقال: خفت صوته خفوتاً: إذا انقطع كلامه وضعف وسكن، وخفت الزرع إذا ذبل، وخافت الرجل بقراءته: إذا لم يرفع بها صوته، وقيل معناه: لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها، والأوّل أولى {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ } أي: الجهر والمخافتة المدلول عليها بالفعلين {سَبِيلاً } أي: طريقاً متوسطاً بين الأمرين فلا تكن مجهورة ولا مخافتاً بها، وعلى التفسير الثاني يكون معنى ذلك: النهي عن الجهر بقراءة الصلوات كلها، والنهي عن المخافتة بقراءة الصلوات كلها، والأمر بجعل البعض منها مجهوراً به، وهو صلاة الليل والمخافتة بصلاة النهار، وذهب قوم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله: {أية : ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً }تفسير : [الأعراف: 55]. ولما أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلاّ بأسمائه الحسنى نبه على كيفية الحمد له فقال: {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا } كما تقوله اليهود والنصارى، ومن قال من المشركين: إن الملائكة بنات الله، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً {وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ } أي: مشارك له في ملكه وربوبيته كما تزعمه الثنوية ونحوهم من الفرق القائلين بتعدد الآلهة {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ ٱلذُّلّ } أي: لم يحتج إلى موالاة أحد لذل يلحقه فهو مستغنٍ عن الوليّ والنصير. قال الزجاج: أي لم يحتج أن ينتصر بغيره، وفي التعرّض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة إيذان بأن المستحق للحمد من له هذه الصفات، لأنه القادر على الإيجاد وإفاضة النعم لكون الولد مجبنة ومبخلة، ولأنه أيضاً يستلزم حدوث الأب لأنه متولد من جزء من أجزائه، والمحدث غير قادر على كمال الإنعام، والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يقدر على الاستقلال به، ومن لا يقدر على الاستقلال عاجز فضلاً عن تمام ما هو له، فضلاً عن نظام ما هو عليه، وأيضاً الشركة موجبة للتنازع بين الشريكين، فقد يمنعه الشريك من إفاضة الخير إلى أوليائه ومؤدية إلى الفساد: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22]. والمحتاج إلى وليّ يمنعه من الذلّ وينصره على من أراد إذلاله، ضعيف لا يقدر على ما يقدر عليه من هو مستغني بنفسه {وَكَبّرْهُ تَكْبِيرًا } أي: عظمه تعظيماً وصفه بأنه أعظم من كل شيء. وقد أخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ذات يوم فقال في دعائه: "يا ألله يا رحمٰن" فقال المشركون: انظروا إلى هذا الصابىء ينهانا أن ندعو إلهين، وهو يدعو إلهين، فأنزل الله {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي قال: إن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرحمٰن، وكان لهم كاهن باليمامة يسمونه الرحمٰن، فنزلت الآية. وهو مرسل. وأخرج ابن جرير عن مكحول: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يتهجد بمكة ذات ليلة يقول في سجوده: "يا رحمٰن يا رحيم" فسمعه رجل من المشركين، فلما أصبح قال لأصحابه: إن ابن أبي كبشة يدعو الليلة الرحمٰن الذي باليمن، وكان رجل باليمن يقال له: رحمٰن، فنزلت. وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق نهشل بن سعيد عن الضحاك، عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيَّا ما تَدْعُواْ } إلى آخر الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : هو أمان من السرق"تفسير : . وإن رجلاً من المهاجرين من أصحاب رسول الله تلاها حيث أخذ مضجعه، فدخل عليه سارق فجمع ما في البيت وحمله والرجل ليس بنائم حتى انتهى إلى الباب فوجد الباب مردوداً، فوضع الكارة، ففعل ذلك ثلاث مرات، فضحك صاحب الدار ثم قال: إني حصنت بيتي. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ } الآية قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوارٍ، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله لنبيه: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ } أي: بقراءتك، فيسمع المشركون، فيسبوا القرآن {وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً } يقول: بين الجهر والمخافتة. وأخرج ابن مردويه عنه قال: كان نبيّ الله صلى الله عليه وسلم يجهر بالقراءة بمكة فيؤذى، فأنزل الله {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ }. وأخرج ابن أبي شيبة عنه أيضاً نحوه. وأخرج أبو داود في ناسخه عنه نحوه. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عنه أيضاً قال: كان مسيلمة الكذاب قد سمي الرحمٰن، فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا صلى فجهر ببسم الله الرحمٰن الرحيم قال المشركون: يذكر إله اليمامة، فأنزل الله {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ }. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الشعب عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر كان إذا قرأ خفض، وكان عمر إذا قرأ جهر، فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟ قال: أنا أناجي ربي، وقد عرف حاجتي، وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال: أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، فلما نزل {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } قيل لأبي بكر: ارفع شيئاً، وقيل لعمر اخفض شيئاً. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبخاري، ومسلم وغيرهم عن عائشة قالت: إنما نزلت هذه الآية {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } في الدعاء. وأخرج ابن جرير، والحاكم عنها قالت: نزلت في التشهد. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن منيع، وابن جرير، ومحمد بن نصر، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس مثل حديث عائشة الأوّل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: إن اليهود والنصارى قالوا: اتخذ الله ولداً، وقالت العرب: لبيك لا شريك لك إلاّ شريكاً هو لك تملكه وما ملك، وقال الصابئون والمجوس: لولا أولياء الله لذلّ. فأنزل الله هذه الآية: {وقل ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } إلى آخرها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ ٱلذُّلّ } قال: لم يحالف أحداً ولم يبتغ نصر أحد. وأخرج أحمد، والطبراني عن معاذ بن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آية العزّ {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا }» الآية كلها. وأخرج أبو يعلى وابن السني عن أبي هريرة قال: «خرجت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ويده في يدي، فأتى عليّ رجل رثّ الهيئة فقال: "أي فلان ما بلغ بك ما أرى"؟ قال: السقم والضرّ، قال: "ألا أعلمك كلمات تذهب عنك السقم والضرّ؟ توكلت على الحي الذي لا يموت، ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا" إلى آخر الآية، فأتى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حسنت حاله فقال: "ممّ"؟ قال: لم أزل أقول الكلمات التي علمتني. وفي لفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك أبا هريرة. قال ابن كثير: وإسناده ضعيف وفي متنه نكارة. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم أهله هذه الآية: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا } إلى آخرها الصغير من أهله والكبير. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبد الكريم بن أبي أمية قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الغلام من بني هاشم إذا أفصح سبع مرات: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا } إلى آخر السورة. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف من طريق عبد الكريم، عن عمرو بن شعيب فذكره. وأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} في سبب نزولها قولان: أحدهما: قاله الكلبي. أن ذكر الرحمن كان في القرآن قليلاً وهو في التوراة كثير، فلما أسلم ناس من اليهود منهم ابن سلام وأصحابه ساءَهم قلة ذكر الرحمن في القرآن، وأحبوا أن يكون كثيراً فنزلت. الثاني: ما قاله ابن عباس أنه كان النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً يدعو "حديث : يا رحمن يا رحيم"، تفسير : فقال المشركون هذا يزعم أن له إِلهاً واحداً وهو يدعو مثنى، فنزلت الآية. {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً} فيه قولان: أحدهما: أنه عنى بالصلاة الدعاء، ومعنى ذلك ولا تجهر بدعائك ولا تخافت به، وهذا قول عائشة رضي الله عنها ومكحول. قال إبراهيم: لينتهين أقوام يشخصون بأبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم أبصارهم. الثاني: أنه عنى بذلك الصلاة المشروعة، واختلف قائلو ذلك فيما نهى عنه من الجهر بها والمخافتة فيها على خمسة أقاويل: أحدها: أنه نهى عن الجهر بالقراءة فيها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة كان يجهر بالقراءة جهراً شديداً، فكان إذا سمعه المشركون سبّوه، فنهاه الله تعالى عن شدة الجهر، وأن لا يخافت بها حتى لا يسمعه أصحابه، ويبتغي بين ذلك سبيلاً، قاله ابن عباس. الثاني: أنه نهى عن الجهر بالقراءة في جميعها وعن الإسرار بها في جميعها وأن يجهر في صلاة الليل ويسر في صلاة النهار. الثالث: أنه نهي عن الجهر بالتشهد في الصلاة، قاله ابن سيرين. الرابع: أنه نهي عن الجهر بفعل الصلاة لأنه كان يجهر بصلاته، بمكة فتؤذيه قريش، فخافت بها واستسر، فأمره الله ألاّ يجهر بها كما كان، ولا يخافت بها كما صار، ويبتغي بين ذلك سبيلاً، قاله عكرمة. الخامس: يعني لا تجهر بصلاتك تحسنها مرائياً بها في العلانية، ولا تخافت بها تسيئها في السريرة، قال الحسن: تحسّن علانيتها وتسيء سريرتها. وقيل: لا تصلّها رياءً ولا تتركها حياء. والأول أظهر. روي أن أبا بكر الصديق كان إذا صلى خفض من صوته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لم تفعل هذا"؟ تفسير : قال: أناجي ربي وقد علم حاجتي، فقال صلى الله عليه وسلم حديث : أحسنت. تفسير : وكان عمر بن الخطاب يرفع صوته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : لم تفعل هذا تفسير : فقال أُوقظ الوسنان وأطرد الشيطان فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : أحسنت. تفسير : فلما نزلت هذه الآية قال لأبي بكر: حديث : ارفع شيئا، تفسير : وقال لعمر: حديث : أخفض شيئاً . تفسير : قوله تعالى: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً} يحتمل وجهين: أحدهما: أمره بالحمد لتنزيه الله تعالى عن الولد. الثاني: لبطلان ما قرنه المشركون به من الولد. {ولم يكن له شريك في الملك} لأنه واحد لا شريك له في ملك ولا عبادة. {ولم يكن له وليٌّ من الذل} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لم يحالف أحداً. الثاني: لا يبتغي نصر أحد. الثالث: لم يكن له وليٌّ من اليهود والنصارى لأنهم أذل الناس، قاله الكلبي. {وكبره تكبيراً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: صِفه بأنه أكبر من كل شيء. الثاني: كبّره تكبيراً عن كل ما لا يجوز في صفته. الثالث: عظِّمْه تعظيماً والله أعلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ} كان ذكر الرحمن قليلاً في القرآن كثيراً في التوراة، فلما أسلم ابن سلام وأصحابه آثروا أن يكون ذكر الرحمن كثيراً في القرآن فنزلت، أو "حديث : دعا الرسول صلى الله عليه وسلم في سجوده فقال: "يا رحمن يا رحيم" "تفسير : ، فقالوا: هذا يزعم أن له إلهاً واحداً وهو يدعو مثنى مثنى فنزلت "ع" {بِصَلاتِكَ} بدعائك أو بالصلاة المشروعة، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يجهر في القراءة فيها بمكة فإذا سمعوه سبّوه فَنُهي عن شدة الجهر وعن المخافتة لئلا يسمع أصحابه ويبتغي بينهما سبيلاً "ع"، أو نُهي أن يجهر في الجميع ويسر في الجميع وأمر بالجهر في صلاة الليل والإسرار في صلاة النهار، أو عن الجهر بتشهد الصلاة، أو عن الجهر بفعل الصلاة، لأنه كان يجهر بها فتؤذيه قريش فخافت بها فأمر أن لا يجهر بها كما كان وأن لا يخافت بها كما صارت ويتخذ بينهما سبيلاً، أو الجهر بها تحسينها رياء والمخافتة إساءتها في الخلوة، أو لا يصليها رياء ولا يتركها حياء.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {قل ادعو الله أو ادعوا الرحمن} قال ابن عباس: سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فجعل يقول في سجوده: يا الله يا رحمن فقال أبو جهل: إن محمداً ينهانا عن آلهتنا وهو يدعو إلهين فأنزل الله هذه الآية ومعناه أنهما اسمان لله تعالى فسموه بهذا الاسم أو بهذا الاسم {أيّاً ما تدعوا} ما صلة ومعناه أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم، أو من جميع أسمائه {فله الأسماء الحسنى} يعني إذا حسنت أسماؤه كلها فهذان الاسمان منها ومعنى كونها حسنى أنها مشتملة على معاني التقديس، والتعظيم والتمجيد {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} (ق) عن ابن عباس في قوله: ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة وكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه سلم: ولا تجهر بصلاتك أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، ولا تخافت بها عن أصحابك فلا تسمعهم وابتغ بين ذلك سبيلاً زاد في رواية وابتغ بين ذلك سبيلاً أسمعهم، ولا تجهر حتى يأخذوا عنك القرآن وقيل نزلت الآية في الدعاء وهو قول عائشة والنخعي ومجاهد ومكحول. (ق) عن عائشة "ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها" قالت: نزل ذلك في الدعاء. وقيل: كان أعراب من بني تميم إذا سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: اللهم ارزقنا مالاً وولداً يجهرون بذلك فأنزل الله عز وجل "ولا تجهر بصلاتك أي لا ترفع صوتك بقراءتك ودعائك ولا تخافت بها" المخافتة خفض الصوت، والسكوت {وابتغ} أي اطلب {بين ذلك سبيلاً} أي طريقاً وسطاً بين الجهر والإخفاء. عن أبي قتادة "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: "مررت بك وأنت تقرأ القرآن وأنت تخفض من صوتك فقال إني أسمعت من ناجيت فقال ارفع قليلاً وقال لعمر مررت بك، وأنت تقرأ وأنت ترفع من صوتك فقال إني أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان فقال: أخفض قليلاً""تفسير : أخرجه الترمذي {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا} أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يحمده على وحدانيته. وقيل: معناه الحمد لله الذي عرفني أنه لم يتخذ ولداً وقيل إن كل من له ولد فهو يمسك جميع النعم لولده وإذا لم يكن له ولد أفاض نعمه على عبيده. وقيل: إن الولد يقوم مقام والده بعد انقضائه والله عز وجل يتعالى عن جميع النقائص فهو المستحق لجميع المحامد {ولم يكن له شريك في الملك} والسبب في اعتبار هذه الصفة أنه لو كان له شريك، لم يكن مستحقاً للحمد والشكر وكذا قوله {ولم يكن له ولي من الذل} ومعناه أنه لم يذل فيحتاج إلى ناصر يتعزز به {وكبره تكبيراً} أي وعظمه عن أن يكون له ولد أو شريك أو ولي. وقيل: إذا كان منزهاً عن الولد والشريك والولي كان مستوجباً لجميع أنواع المحامد. عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أول ما يدعى إلى الجنة يوم القيامة، الذين يحمدون الله في السراء والضراء"تفسير : عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الحمد لله رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده"تفسير : عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أفضل الدعاء الحمد لله وأفضل الذكر لا إله إلا الله"تفسير : أخرجه الترمذي. وقال حديث حسن غريب عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أحب الكلام إلى الله لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله لا يضرك بأيهن بدأت"تفسير : أخرجه مسلم. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ...} الآية: سبب نزول هذه الآية: أنَّ بعض المشركين سمع النبيَّ صلى الله عليه وسلم يدعو: يا اللَّه يا رَحْمَانَ، فقالوا: كان محمَّدٌ يأمرنا بدعاءِ إِلٰه واحدٍ، وهو يدْعو إِلَهْين، قاله ابن عباس، فنزلَتِ الآية مبيِّنةً، أنها أسماء لمسمًّى واحد، وتقدير الآية: أيُّ الأسماءِ تدعو به، فأنت مصيبٌ، فله الأسماءُ الحسنى، وفي «صحيحِ البخاريِّ» بسنده عن ابن عباس في قوله سبحانه: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } قَالَ: نَزَلَتْ ورسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُخْتَفٍ بمكَّةَ، كان إِذَا صَلَّى بأصحابه، رَفَعَ صَوْتَهُ بالقرآن، فإِذا سمعه المشْرِكُون، سَبُّوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به، فقال اللَّه تبارك وتعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ }، أي: بقراءتك، فيسمَعَ المشركونَ فيسبوا القرآن، {وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } عن أصحابك؛ فلا تسمعهم، {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلاً }، وأسند البخاريُّ عن عائشة: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } قالتُ: أنزل ذلك في الدعاءِ انتهى. قال الغَزَّاليُّ في «الإِحياء»: وقد جاءت أحاديثُ تقتضي استحبابَ السِّرِّ بالقرآن، وأحاديثُ تقتضي استحبابَ الجَهْر به، والجَمُع بينهما أنْ يقال: إِن التالي إِذا خاف على نفسه الرِّياءَ والتصنُّع أو تشويش مُصَل، فالسر أفضلُ، وإِن أَمِنَ ذلك، فالجهر أَفَضَلُ؛ لأن العمل فيه أكثر؛ ولأن فائدته أيضاً تتعدَّى إلى غيره؛ والخير المتعدِّي أفضلُ من اللازم؛ ولأنه يوقظ قَلْب القارىء، ويجمع همَّته إلى الفكْر فيه، ويصرف إِليه سَمْعَه، ويطرد عنه النوْمَ برفْعِ صوته، ولأنه يزيدُ في نشاطه في القراءة، ويقلِّل من كسله؛ ولأنه يرجو بجهره تيقُّظ نائمٍ، فيكون سَبَباً في إِعانته على الخير، ويسمعه بَطَّال غافلٌ، فينشط بسببه، ويشتاقُ لخدمة خالقه، فمهما حَضَرَتْ نيَّةٌ من هذه النيَّات، فالجهر أفضلُ، وإِن اجتمعتْ هذه النيَّاتُ، تضاعَفَ الأجر، وبكثرة النياتِ يزْكُو عمل الأبرار وتتضاعف أجورهم. انتهى. وقوله سبحانه: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ } هذه الآية رادَّة على كَفَرة العرب في قولهم: لولا أولياءُ اللَّه، لَذَلَّ - تعالى اللَّه عن قولهم - وقَّيد سبحانه نَفْيَ الولاية له بطريقِ الذُّلِّ، وعلى جهة الانتصار؛ إِذ ولايته سبحانه موجُوَدةٌ بفضله ورحمته لمن والى من صَالح عباده. قال مجاهد: المعنى لم يخالِفْ أحداً ولا ابتغى نصْرَ أحد سبحانه، لا إِلٰه إِلا هو وصلَّى اللَّه على سيدِّنا وموْلانا محمَّد وعلى آله وصَحْبه وسلَّم تسليماً.

البقاعي

تفسير : ولما كان إيمان أهل العلم الأول به وإذعانهم له وتركهم لأديانهم - التي أخذوها عن الأنبياء الآتين إليهم بالكتب لأجله بعد إقامة الدليل القاطع على أنه من عند الله - موجباً لكل من له أدنى إنسانية أن يؤمن به ويقبل عليه ويدعو من أنزله دون غيره دائماً، لا في أوقات الشدة فقط {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} وكانت أوقات الإجابة أولى بالدعاء من غيرها، وكانت حالة السجود لا سيما مع البكاء والخشوع أولاها "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" كان المعاندون من العرب كأنهم قالوا لأن ذلك من شأنهم ومن حقهم بعد ما قام من الأدلة: آمناً فعلِّمنا كيف ندعو وبأيّ اسم نهتف؟ ولما كان الجلالة هو الاسم الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى، وكان قد ورد في النحل من التنويه به ما لم يرد في غيرها لما تقدم من الأسرار مع أنه عد فيها من النعم ما لم يعد في غيرها، ومنها تعليم الإنسان البيان، وذلك أليق باسم الرحمن { أية : الرحمن علم القرآن} تفسير : [الرحمن: 1] الآيات، وكانت الرحمة دنيوية وأخروية من الخالق ومن الخلائق قد كررت في هذه السورة ثماني مرات {عسى ربكم أن يرحمكم}، {جناح الذل من الرحمة}، {وقل رب ارحمهما} {ابتغاء رحمة من ربك}، {ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم}، {إنه كان بكم رحيماً}، {إلا رحمة من ربك} خزائن رحمة ربي وكان ذلك ظاهراً في إرادة عمومها، فكان اسم الرحمن به أليق، وقع الجواب بقوله تعالى: {قل ادعوا الله} أي الملك الأعظم ذا الجلال والإكرام في ذات إحاطته {أو ادعوا الرحمن} في معنى استغراقه بالرحمة، أي سموا - أي أوقعوا الدعاء مسمين في حال دعائكم - ربكم الذي سبحتموه في السجود بأي اسم أردتم مما أذن فيه، فاهتفوا بهذا الاسم الدال على الجلال، واستحقاق مسماه الدعاء لذاته، أو بهذا الاسم الدال على الجمال واستحقاقه الدعاء لإنعامه، مطلقاً وفي حالة السجود {أيّاً ما تدعوا} أي به من أسمائه فقد حصلتم به على القصد، فإن المسمى واحد وإن تعددت أسماؤه الدالة على الشرف. ولما كان في الرحمن جمال ظاهر في باطنه جلال، لأن عموم الرحمة لبعض نعمة، ولبعض استدراج ونقمة، فكان لذلك جامعاً لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى، سبب عن ذكر كل من الاسمين: العلم الجامع، والوصف الواقع موقعه، قوله: {فله} أي المسمى بهذين الاسمين وحده، وهو الواحد الأحد {الأسماء الحسنى} هذان الاسمان وغيرهما مما ورد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو دال على التحميد والتمجيد والتقديس والتعظيم، فهذا الضمير استخدام، وقد تضمن هذا القول أن معنى اسم الرحمن أشمل من اسم الرحيم وإن كان بناء كل منهما للمبالغة؛ قال الإمام أبو الحسن الحرالي رحمه الله في شرحه للأسماء الحسنى: الرحمانية استغراق الخلق بالرحمة في إنشائهم، والرحيمية إجراء الخلق على ما يوافق حسهم ويلائم خَلقهم وخُلقهم ومقصد أفئدتهم، فإذا اختص ذلك بالبعض كان رحيمية، وإذا استغرق كان رحمانية ولاستغراق معنى اسم الرحمن لم يكن لتمام معناه وجود الخلق، فلم يجر بحق على أحد منهم، وإنما يوجد فيهم حظ خاص من معناه يجري عليهم به اسم الرحيم لا اسم الرحمن، فلذلك لحق اسم الرحمن في معنى استغراقه باسم الله في ذات إحاطته فقال تعالى {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} فإذا تحقق القلب اختصاصه بالله علماً كان أصلاً للفظ به قولاً فعلمت أنه لا رحمن إلا الله كما أنه لا إله إلا الله، ولحق باسم الإله فقد علم فقد التمام لمعناه في الخلق كما قد فقد أصل علم الاعتبار من معناه في اسم إله، والتوحيد في اسم الرحمن واجب لاحق بالفرض في توحيد الإله، ولذلك ولي اسم الله في موارده في الكتب وفي هذا التعديد أي الوارد في حديث الترمذي والبزار وغيرهما من أسماء الله الحسنى عن أبي هريرة رضي الله عنه - انتهى. وقد مر في آخر الحجر ما ينفع هنا. ولما ذكر السجود وعقبه بالدعاء، أشار إلى أنه في كل حالة حسن، وفي الصلاة أولى وأحسن، بعد أن ذكر قريباً الصلوات الخمس، وكان ربما فهم من قوله { إن قرءان الفجر كان مشهوداً}، ومن قوله: {إذا يتلى عليهم} قوة الجهر به قال تعالى: {ولا تجهر بصلاتك} أي بقراءتك فيها، أو سمى القراءة صلاة لأنها شرط فيها جهراً قوياً حتى تسمعه المشركون، فإن المخالفين قد عرف عنادهم فلا يؤمن سبهم للقرآن ولمن أنزله ولمن جاء به، بل كانوا يفعلون ذلك ويلغون، وربما صفقوا وصفروا ليغلطوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويخلطوا عليه قراءته {ولا تخافت} أي تسر {بها} إسراراً بليغاً كأنك تناظر فيه آخر بحيث لا تسمع من وراءك ليأخذوه عنك {وابتغ} أي اطلب بغاية جهدك {بين ذلك} أي الجهر والمخافتة التي أفهمت أداة البعد عظمة شأنهما {سبيلاً *} أي طريقاً وسطاً؛ روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مختفٍ بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم { ولا تجهر بصلاتك} أي بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن { ولا تخافت بها} عن أصحابك فلا تسمعهم - انتهى. أطلق هنا اسم الكل على الجزء إشارة إلى أن المقصود الصلاة وفيما تقدم اسم الجزء على الكل لأن المقصود الأعظم هناك القراءة في الفجر، وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن هذه الآية نزلت في الدعاء، وقد تقدم غير مرة أنه ليس ببدع أن يكون للشيء أسباب كثيرة. ولما تقدم إحاطة هذين الاسمين، أما الله فبجميع معاني الأسماء الحسنى، وأما الرحمن فبالرحمانية، المأمور بالدعاء بهما كل مخاطب، خصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالأمر بالتحميد الذي معناه الإحاطة واسمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم مشتق منه لاتصافه به حامداً ومحموداً، وبالتكبير عن كل ما يفهمه العباد من أسمائه الحسنى فقال تعالى: {وقل الحمد} أي الإحاطة بالأوصاف الحسنى {لله} أي الملك الأعظم {الذي لم يتخذ} لكونه محيطاً بالصفات الحسنى {ولداً} فإن ذلك لا يكون إلا للحاجة وبالحاجة وهي من أسوأ الأوصاف {ولم يكن} أي يوجد بوجه من الوجوه {له شريك في الملك} ولا ولد ولا غيره فإن ذلك لا يكون إلا بالعجز {ولم يكن له ولي} ناصر أعم من أن يكون ذلك الناصر ولداً أو شريكاً أو غيره: ثم قيده واصفاً بقوله تعالى: {من الذل} إفهاماً بأن له أولياء جاد عليهم بالتقريب وجعلهم أنصاراً لدينه رحمة منه لهم لا احتياجاً منه إليهم {وكبره} عن أن يشاركه أحد في شيء من الأشياء وعن كل ما يفهمه فاهم، ويصفه به واصف، والتكبير أبلغ لفظ للعرب في معنى التعظيم والإجلال - قاله أبو حيان. وأكد بالمصدر تحقيقاً له وإبلاغاً في معناه، أي فقال: {تكبيراً} عن أن يدرك أحد كنه معرفته أو يجهله أحد من كل وجه، بل احتجب سبحانه بكبريائه وجلاله فلا يعرف، وتجلى بإكرامه وكماله فلا ينكر، فكان صريح اتصافه بالحمد أنه تعالى متصف بجميع صفات الكمال، وصريح وصفه بنفي ما ذكر أنه منزه عن شوائب النقص وأنه أكبر من كل ما يخطر للعباد المطبوعين على النقص المجبولين على غزائز العجز، ولذلك وغيره من المعاني العظمى سمى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الآية آية العز كما رواه الإمام أحمد عن سهل عن أبيه رضي الله عنهما، وذلك عين ما افتتحت به السورة من التنزيه وزيادة - والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن عائشة رضي الله عنها قال‏:‏ "‏حديث : "‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر بالدعاء فجعل يقول‏:‏ يا الله‏.‏‏.‏‏.‏ يا رحمن‏.‏‏.‏‏.‏ فسمعه أهل مكة فأقبلوا عليه، فأنزل الله ‏{‏قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏"‏‏ "تفسير : . وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ ‏"‏صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ذات يوم، فدعا ربه فقال في دعائه‏:‏ يا الله‏.‏‏.‏‏.‏ يا رحمن‏.‏‏.‏‏.‏ فقال المشركون‏:‏ انظروا إلى هذا الصابئ، ينهانا أن ندعو إلهين وهو يدعو إلهين‏.‏ فأنزل الله ‏{‏قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن‏}‏ الآية‏"‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن إبراهيم النخعي قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في حرث في يده جريدة، فسأله اليهود عن الرحمن - وكان لهم كاهن باليمامة يسمونه الرحمن - فأنزلت ‏ {‏قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مكحول‏:‏ ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتهجد بمكة ذات ليلة يقول في سجوده‏:‏ يا رحمن‏.‏‏.‏‏.‏ يا رحيم‏.‏‏.‏‏.‏ فسمعه رجل من المشركين، فلما أصبح قال لأصحابه‏:‏ انظروا ما قال ابن أبي كبشة، يزعم الليلة الرحمن الذي باليمن - وكان باليمن رجل يقال له رحمن - فنزلت ‏{‏قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏"‏‏. وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق نهشل بن سعيد، عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏: ‏"حديث : ‏ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله‏:‏ ‏{‏قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى‏..‏‏.‏‏.‏‏} ‏إلى آخر الآية‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ‏‏هو أمان من السرق ‏"‏‏. تفسير : وإن رجلاً من المهاجرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تلاها، حيث أخذ مضجعه فدخل عليه سارق، فجمع ما في البيت وحمله - والرجل ليس بنائم - حتى انتهى إلى الباب فوجد الباب مردوداً، فوضع الكارة ففعل ذلك ثلاث مرات، فضحك صاحب الدار ثم قال‏:‏ إني أحصنت بيتي‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد ‏{‏أياً ما تدعوا‏} ‏ قال‏:‏ باسم من أسمائه، والله أعلم‏. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه والطبراني والبيهقي في سننه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ {‏ولا تجهر بصلاتك ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة متوار، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سبّوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ‏{‏ولا تجهر بصلاتك‏} ‏أي بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن {‏ولا تخافت بها‏}‏ عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك ‏{‏وٱبتغ بين ذلك سبيلا‏ً} يقول‏:‏ بين الجهر والمخافتة‏. وأخرج ابن إسحق وابن جرير والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جهر بالقرآن وهو يصلي، تفرقوا عنه وأبوا أن يستمعوا منه، فكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو وهو يصلي، استرق السمع دونهم فرقاً منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع، ذهب خشية أذاهم فلم يستمع‏.‏ فإن خفض رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يستمع الذين يستمعون من قراءته شيئا‏ً.‏ فأنزل الله ‏ {‏ولا تجهر بصلاتك‏}‏ فيتفرقوا عنك {‏ولا تخافت بها‏}‏ فلا تسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك، لعله يرعوي إلى بعض ما يستمع فينتفع به {‏وٱبتغ بين ذلك سبيلا‏ً}. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بالقراءة بمكة فيؤذي، فأنزل الله‏ {‏ولا تجهر بصلاتك‏}‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى عند البيت جهر بقراءته، فكان المشركون يؤذونه، فنزلت‏ {‏ولا تجهر بصلاتك‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى يجهر بصلاته، فآذى ذلك المشركين فأخفى صلاته هو وأصحابه‏.‏ فلذك قال الله‏:‏ ‏ {‏ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها‏}‏ وقال‏:‏ في الأعراف ‏{أية : واذكر ربك في نفسك}‏ ‏تفسير : [‏الأعراف: 205‏] الآية‏. وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها‏}‏ قال‏:‏ كان الرجل إذا دعا في الصلاة رفع صوته‏. وأخرج الطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كان مسيلمة الكذاب قد تسمّى الرحمن، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى فجهر ببسم الله الرحمن الرحمن، قال المشركون‏:‏ يذكر إله اليمامة‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏ولا تجهر بصلاتك‏}. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، عن سعيد رضي الله عنه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع صوته ببسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ وكان مسيلمة قد تسمّى الرحمن، فكان المشركون إذا سمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم قالوا‏:‏ قد ذكر مسيلمة إله اليمامة، ثم عارضوه بالمكاء والتصدية والصفير‏.‏ فأنزل الله ‏{‏ولا تجهر بصلاتك‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جهر بالقرآن شق ذلك على المشركين، فيؤذون النبي صلى الله عليه وسلم بالشتم - وذلك بمكة - فأنزل الله‏:‏ يا محمد ‏{‏ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها‏} لا تخفض صوتك حتى لا تسمع اذنيك {‏وابتغ بين ذلك سبيلا‏ً}‏ يقول‏:‏ اطلب الاعلان والجهر، وبين التخافت والجهر طريقا‏ً.‏‏.‏‏.‏ لا جهراً شديداً ولا خفضاً حتى لا تسمع أذنيك‏.‏ فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ترك هذا كله‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان، عن محمد بن سيرين قال‏:‏ نبئت أن أبا بكر رضي الله عنه كان إذا قرأ خفض‏.‏ وكان عمر رضي الله عنه إذا قرأ جهر‏.‏ فقيل لأبي بكر رضي الله عنه‏:‏ لم تصنع هذا‏؟‏ قال‏:‏ أناجي ربي وقد علم حاجتي‏.‏ وقيل لعمر رضي الله عنه‏:‏ لم تصنع هذا‏؟‏ قال‏:‏ اطرد الشيطان وأوقظ الوسنان‏.‏ فلما نزلت ‏ {‏ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها‏} ‏ قيل لأبي بكر رضي الله عنه‏:‏ ارفع شيئا‏ً.‏ وقيل لعمر رضي الله عنه‏:‏ اخفض شيئا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"حديث : كان أبو بكر رضي الله عنه إذا صلى من الليل خفض صوته جداً، وكان عمر رضي الله عنه إذا صلى رفع صوته جدا‏ً.‏ فقال عمر رضي الله عنه‏:‏ يا أبا بكر، لو رفعت من صوتك شيئاً‏.‏ وقال أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ يا عمر، لو خفضت من صوتك شيئاً‏.‏ فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بأمرهما فأنزل الله {‏ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها‏.‏‏.‏‏.‏‏} الآية‏.‏ فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهما فقال‏: ‏‏يا أبا بكر، ارفع من صوتك شيئا‏ً. وقال لعمر رضي الله عنه‏: اخفض من صوتك شيئا‏ً "‏‏. تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف، والبخاري ومسلم وأبو داود في الناسخ، والبزار والنحاس وابن نصر وابن مردويه والبيهقي في سننه، عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ إنما نزلت هذه الآية ‏{‏ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها‏} في الدعاء‏. وأخرج ابن جرير والحاكم، وعن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ نزلت هذه الآية في التشهد {‏ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها‏}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن عائشة رضي الله عنها في قوله‏:‏ {‏ولا تجهر بصلاتك‏}‏ قال‏:‏ نزلت في المسألة والدعاء‏. وأخرج محمد بن نصر وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى عند البيت رفع صوته بالدعاء وآذاه المشركون، فنزل ‏ {‏ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها‏}. وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في تاريخه وابن المنذر وابن مردويه، عن دراج أبي السمح‏:‏ أن شيخاً من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : ‏{‏ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها‏}‏ إنما نزلت في الدعاء، لا ترفع صوتك في دعائك فتذكر ذنوبك فتسمع منك فتعير بها‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن منيع وابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏‏ {‏ولا تجهر بصلاتك‏}‏ قال‏:‏ نزلت في الدعاء، كانوا يجهرون بالدعاء‏:‏ اللهم ارحمني‏.‏ فلما نزلت، أمروا أن يخافتوا ولا يجهروا‏. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر، عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه قال‏:‏ كان أعراب من بني تميم إذا سلم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا‏:‏ اللهم ارزقنا إبلاً وولداً‏.‏ فنزلت هذه الآية‏ {‏ولا تجهر بصلاتك‏}. وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ {‏ولا تجهر بصلاتك‏}‏ قال‏:‏ ذلك في الدعاء والمسألة‏. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏ولا تجهر بصلاتك‏} ‏ ولا تصلِّ مراياة الناس ‏ {‏ولا تخافت بها‏} ‏ قال‏:‏ لا تدعها مخافة الناس‏. وأخرج ابن عساكر عن الحسن رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها‏} ‏قال‏:‏ لا تُصلِّها رياء ولا تدعها حياء‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏ولا تجهر بصلاتك‏} ‏لا تجعلها كلها جهراً ‏{‏ولا تخافت بها‏} قال‏:‏ لا تجعلها كلها سرا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي داود في المصاحف، عن أبي رزين رضي الله عنه قال‏:‏ في قراءة عبد الله بن عمر {‏ولا تخافت‏}‏ بصوتك ولا تعال به‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير، عن ابن مسعود قال‏:‏ لم يخافت من أسمع أذنيه‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال‏:‏ العلم خير من العمل، وخير الأمور أوسطها، والحسنة بين تلك السيئتين، وذلك لأن الله تعالى يقول‏:‏‏ {‏ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا‏ً}. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي قلابة قال‏:‏ خير الأمور أوسطها‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ} [الآية: 110]. ما دعا اللهُ أحدٌ قط إلا إيمانًا وإما دعوة حقيقة فلا. قال الواسطى رحمة الله عليه: أسماؤه لا تدخل تحت الحصر، وذاته ليس بمشار إليه ولا بموصوف حقيقة إلا صفة المدح، والحق هو الخارج عن الأوهام والأفهام فأنى له النعوت والأفهام فأنى له النعوت والصفات.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ}. مِنْ عظيم نعمته - سبحانه - على أوليائه تَنَزُّهُهم بأسرارهم في رِياض ذِكْرِه بتعداد أسمائه الحسنى من روضة إلى روضة، ومن مَأَنَسٍ إلى مأنس. ويقال الأغنياءُ ترددهم في بساتينهم، والأولياءُ تنزههم في مشاهد تسبيحهم، يستروحون إلى ما يلوح لأسرارهم من كشوفات جلاله وجماله. قوله جلّ ذكره: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً}. لا تجهر بجميعها، ولا تخافت بكُلِّها، وارفع صوتك في بعضها دون بعض. ويقال ولا تجهر بها جهراً يَسْمَعهُ الأعداءُ، ولا تخافت بها حيث لا يسمع الأولياء. {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً}: يكون للأحباب مسموعاً، وعن الأجانب ممنوعاً. ويقال: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ}: بالنهار، {وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا}: بالليل.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ} ان الله سبحانه دعى عباده الى معرفة الاسمين الخاصين اللذين فيهما اسرار جميع الاسماء والصفات والذات والنعوت والافعال فالله اسمه هو اسم عين جمع الجمع والرحمن اسم عين الجمع فالرحمن مندرج تحت اسمه الله لانه عين الكل واذا قلت الله ذكرت عين الكل فالقول اخبر والخبر اثر والاثر ذكر والذكر فكر والفكر وقوع نو رالفعل ونور العقل مقرون بنور الصفة ونور الصفة مقرون بنور الذات فاذا سميت ذكرته واذا ذكرته فنيت الصورة فى فعله بنعت الخشوع واذا افنيت الصورة ذكره العقل ففنى العقل فى الاسم والنعت واذا فنى العقل ذكره القلب بالصفة والوصف وفنى القلب فى الصفة واذا فنى القلب ذكره الروح بالذات ففنيت الروح القدم واذا فنيت الروح ذكره السر بباطن العلم ففى السر فى الغيب وذكره سر السر فى غيب غيبه فلم يبق فى البين رسم ولا اسم ولا وصف من حيث العبودية وبقى الاسم والمسمى واحد فى واحد قال تعالى كلشئ هالك الا وجهه فاذا كان العبد فى قوله الله هكذا اوفى قوله الرحمن هكذا فهو مصدر صفة القدم والبقاء وهو مصدر المقدرة والحياة فاذا قال الله يفنى الكل واذا قال الرحمن يبقى الكل من حيث الاتصاف والاتحاد فالاتصاف بالرحمانية يكون والاتحاد بالالوهية يكون قال الحسين ما دعى الله احد قط الا ايمان فاما دعوة حقيقة فلا قال الواسطى اسماؤه لا تدخل تحت الحصر وذاته ليس بمشار اليه ولا بموصوف بصفة حقيقة الا بصفة المدح والحق وهو الخارج عن الاوهام والافهام فانى له النعوت والصفات وقال الاستاد من عظيم نعمته سبحانه على اوليائه تنزيههم باسرارهم فى رياض ذكره بتعداد اسماء الحسنى فينقلبون من روضة الى روضة ومن مانس الى امانس ويقال الاغنياء ترددهم فى بساتينهم وتنزههم فى منابت رياحينهم والفقراء تنزههم فى مشاهدة تسبيحهم يسترحون الى ما يلوح لاسرارهم من كشوفات جلاله وجماله ثم ان الله سبحانه امر حبيبه وصفيه عليه الصلاة والسّلام بان يحمده لانه كان اهل المدح والحمد بالحقيقة لا غير امره بحمده بان اخبره عن تنزيه قدمه عن اشارة كل مبتدى الى ابتداء لان ابتداءه منزه عن كل ابتداء فان ابتداء قدمه هو القدم وقدم القدم ومنزه عن حصر الزمن وقدم قدمه مع تنزيهه عن العدد وعلة الابتداء لم يكن محلا للحوادث بقوله {لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} بدأ الكل من حواشى حرفيه النون وكافه فكافه ولونه منزه عن ان يكون محلا لحمل الحدثان واخذه من حيث المباشرة بدأ حين === بامر القدم فظهر الكون من نيران الكاف والنون حيث اظهرها من العدم بالقدم فاذا قطع الخيال والاوهام عن درك الاولية روح الاسرار باحديته عن كل ضد وند بان يزول عزته عن تعالى الاضداد عليه فقرع اسرار الموحدين عن نقائص الفناء ودخولها فى بقائه بقوله {وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مَّنَ ٱلذُّلِّ} فاذا افرد نفسه عن النقائص والنكايد وعلل الحوادث فردانية حقيقة منزهة عن اوهام المشيرين اليه بعلل الخيال والوهم والعدد والمدد امره بان يكبره ويعظمه من كل خاطر ممزوج بالتشبيه والتعطيل بقوة ظهور كبريائه فى قلبه لا من حيث العلم والصورة بقوله {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} تعالى الله وتعالى كبريائه عن ان يكون فى ملكه متكبرا وفى ساحة جلاله متعظم قال ابن عطا عظم منته واحسانه فى قلبك بعلمك بتقصيرك فى شكره وقال بعضهم اعلم انك لا تطيق ان تكبره الاية فاستغث به ليدل قلبك على مواقف التعظيم.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل ادعوا الله او ادعوا الرحمن} - روى - ان اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم انك لتقل ذكر الرحمن وقد اكثر الله فى التوراة فنزلت. والدعاء بمعنى التسمية لا بمعنى النداء والمراد بالله والرحمن الاسم لا المسمى واو للتخيير والمراد انهما سيان فى حسن الاطلاق والافضاء الى المقصود. والمعنى سموا بهذا الاسم او بهذا واذكروا اما هذا واما هذا {ايا ما تدعوا}[هر كدام را بخوانيد وبدان حق را خوانده باشيد] والتنوين عوض عن المضاف اليه وما صلة لتأكيد ما فى أى من الابهام اى أى هذين الاسمين سميتم وذكرتم {فله} اى للمسمى لان التسمية لمسمى هذين الاسمين وهو ذاته تعالى لا للاسم {الاسماء الحسنى} حسن جميع اسمائه يستدعى حسن ذينك الاسمين. والحسنى تأنيث الاحسن لان حكم الاسماء حكم المؤنث نحو الجماعة الحسنى وكونها حسنى لدلالتها على صفات الجلال والجمال. قال فى بحر العلوم معنى كونها احسن الاسماء انها متسقلة بمعانى التقديس والتمجيد والتعظيم والربوبية والاليهة والافعال التى هى النهاية فى الحسن. وقال بعضهم نزلت هذه الآية حين سمع المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يا الله يا رحمن فقالوا انه ينهانا ان نعبد الهين وهو يدعو الها آخر فالمراد هو التسوية بين اللفظين بانهما مطلقان على ذات واحدة وان اختلف معناهما واعتبار اطلاقهما والتوحيد انما هو للذات الذى هو المعبود واو للاباحة لان الاباحة يجوز فيها الجمع بين الفعلين دون التخيير والله اعلم. قال المولى الفنارى رحمه الله ان لاسم الجلالة اختصاصا وضعيا واستعماليا وللرحمن اختصاصا استعماليا وقولهم رحمن اليمامة مسيلمة تعنت فى كفرهم كما لو سموه الله مثلا انتهى. وقال الامام السهيلى رحمه الله فى كتاب التعريف والاعلام كان مسيلمة قديما يتكذب ويتسمى بالرحمن وقد قيل انه تسمى بالرحمن قبل مولد عبد الله والد النبى صلى الله عليه وسلم ثم عمر عمرا طويلا الى ان قتل باليمامة قتله وحشى فى خلافة ابى بكر رضى الله عنه انتهى - روى - ان بعض الجبابرة سمى نفسه بلفظ الجلالة فصهر ما فى بطنه من دبره وهلك من ساعته لان هذا الاسم الجليل لا يليق الا لجناب الحق تعالى ولهذا لم يشاركه فيه احد كما قال تعالى {أية : هل تعلم له سميا}تفسير : اى مشاركا له فى هذا الاسم وقال فرعون مصر للقبط انا ربكم الاعلى ولم يقدر ان يقول انا الله تعالى. قال حضرة الهدائى قدس سره استمداد جميع الاسماء من الاسم الرحمن الذى هو مقام خاتم النبوة والشفاعة العامة واليه ينتهى كل الاسماء واستمداده من اسم الذات فينبغى للسالك ان لا يقصر بالعبادة فى مراتب بعض الاسماء حتى يصل الى المسمى ويجمع جميع الاسماء ويكون فوق الكل: وفى المثنوى شعر : دست شد بالاى دست اين تاكجا تابيزدان كه اليه المنتهى كان يكى درياست بى غور وكران جملة درياها جوسيلى بيش ان تفسير : {ولا تجهر بصلاتك} اى بقراءة صلاتك فى المسجد الحرام بحيث تسمع المشركين فان ذلك يحملهم على سب القرآن ومن انزله ومن جاء به واللغو فيه ففيه حذف المضاف لان الجهر والمخافتة صفتان تعتقبان على الصوت لا غير والصلاة افعال واذكار او هو من تسمية الجزء بالكل مجازا {ولا تخافت بها} اى بقراءتها بحيث لا تسمع من خلفك من المؤمنين. قال الكاشفى [وآواز فمدار رآن] {وابتغ} اطلب {بين ذلك} اى بين الجهر والمخافتة على الوجه المذكور {سبيلا} امرا وسطا فان خيرا الامور اوساطها والتعبير عن ذلك بالسبيل باعتبار انه امر يتوجه اليه المتوجهون ويؤمه المتقدون فيوصلهم الى المطلوب - روى - ان ابا بكر رضى الله عنه كان يخفت ويقول انا جى ربى وقد علم حاجتى وعمر رضى الله عنه يجهر بها ويقول اطرد الشيطان واوقظ الوسنان فلما نزلت امر رسول الله صلى الله عليه وسلم ابا بكر ان يرفع قليلا وعمر ان يخفض قليلا.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولا تجهرْ} بقراءة صلاتك، بحيث تُسمع المشركين، فإن ذلك يحملهم على السب واللغو فيها، {ولا تُخافت} أي: تُسر {بها}؛ حتى لا تُسمع من خلفك من المؤمنين، {وابتغ بين ذلك سبيلاً}؛ واطلب بين المخافتة والإجهار طريقًا قصدًا، فإنَّ خير الأمور أوسطها. والتعبير عن ذلك بالسبيل باعتبار أنه طريق يتوجه إليه المتوجهون، ويؤمه المقتدون ليوصلهم إلى المطلوب. رُوي أن أبا بكر رضي الله عنه كان يخفت، ويقول: أُنَاجِي ربِّي، وَقَدْ عَلِمَ حَاجَتِي. وعُمَرُ رضي الله عنه كان يجهر، ويقول: أطردُ الشَّيْطَانَ وأُوقِظُ الوَسْنَانَ. فلما نزلت، أَمَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أبا بَكْرٍ أَنْ يَجْهَر قليلاً، وعمر أن يَخْفِض قليلاً. وقيل: المعنى: {ولا تجهر بصلاتك} كلها، {ولا تُخافت بها} بأسرها، {وابتغِ بين ذلك سبيلاً}؛ بالمخافتة نهارًا والجهر ليلاً. وقيل: {بصلاتك}؛ بدعائك. وذهب قوم إلى أنها منسوخة؛ لزوال علة السب واللغو؛ بإظهار الدين وإخفاء الشرك وبطلانه؛ فالحمد لله على ذلك كما قال تعالى: {وقل الحمدُ لله الذي لم يتخذ ولدًا} كما يزعم اليهود والنصارى وبنو مدلج؛ حيث قالوا: عُزير ابن الله، والمسيح ابن الله، والملائكة بنات الله. تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، {ولم يكن له شريك في الملك}؛ في الألوهية؛ كما تقول الثنوية القائلون بتعدد الآلهة. {ولم يكن له وَلِيٌّ من الذُّلِّ} أي: لم يكن له ناصر ينصره {من الذُّل} أي: لم يذل فيحتاج إلى ولي يُواليه؛ ليدفع ذلك عنه. وفي التعرض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة؛ إيذان بأن المستحق للحمد من هذه نعوته، دون غيره؛ إذ بذلك يتم الكمال، وما عداه ناقص حقير، ولذلك عطف عليه: {وكبِّره تكبيرًا} عظيمًا، وفيه تنبيه على أن العبد وإن بالغ في التنزيه والتمجيد، واجتهد في العبادة والتحميد، ينبغي أن يعترف بالقصور عن حقه في ذلك. رُوي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علَّمه هذه الآية: (وقل الحمد لله...) الخ. والله تعالى أعلم. الإشارة: الإجهار بالذكر والقراءة والدعاء، مباح لأهل البدايات، لمن وجد قلبه في ذلك، وأما النهي الذي في الآية فمنسوخ؛ لأن الصحابة، حين هاجروا من مكة، رفعوا أصواتهم بالقراءة والتكبير. لكن المداومة عليه من شأن أهل البُعد عن الحضرة، وأما أهل القُرب فالغالب عليهم السكوت أو المخافتة؛ قال تعالى: {أية : وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً} تفسير : [طه: 108]. وأما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام لأبي بكر رضي الله عنه بالإجهار قليلاً، وعمر بالخفض قليلاً؛ فإخراج لهم عن مرادهم؛ تربيةً لهم. وختم السورة بآية العز؛ إشارة إلى أن من أسرى بروحه، أو بجسده إلى الملأ الأعلى كان عاقبته العز والرفعة في الدارين.

الطوسي

تفسير : هذا أمر من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن {قل} يا محمد لمشركي قومك المنكرين لنبوّتك الجاحدين لدعائك وتسميتك الله تعالى بالرحمن {ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} أيها القوم {أيّاً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} معناه بأي أَسمائه تعالى تدعون ربكم به، وانما تدعون واحد، فله الاسماء الحسنى، وانما أمره بذلك؛ لان مشركي قومه لما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله تارة بأنه الله وتارة بأنه الرحمن، فظنوا أنه يدعو إِلهين حتى قال بعضهم: الرحمن رجل باليمامة، فأنزل الله هذه الآية احتجاجاً لنبيه صلى الله عليه وسلم بذلك، وانه شيء واحد، وإِن اختلفت أسماؤه وصفاته، وبه قال ابن عباس ومكحول ومجاهد وغيرهم. (وما) في قوله {أيّاً ما} يحتمل أن يكون صلة، كقوله {أية : عمّا قليل ليصبحن نادمين}،تفسير : ويحتمل أن يكون بمعنى أي كررت لاختلاف لفظها، كما قالوا: ما رأينا كالليلة ليلة. وقوله {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً}نهي من الله تعالى عن الجهر العظيم في حال الصلاة، وعن المخافتة الشديدة وأمر بأن يتخذ بين ذلك سبيلاً. وحدّ أصحابه الجهر فيما يجب الجهر فيه بأن يسمع غيره، والمخافتة بأن يسمع نفسه. واختلفوا في الصلاة التي عنى بها بالآية في قوله {ولا تجهر بصلاتك} فقال الحسن لا تجهر بإِشاعتها عند من يؤذيك، ولا تخافت بها عند من يلتمسها منك. وقال قوم: لا تجهر بدعائك ولا تخافت، ولكن بين ذلك، قالوا: والمراد بالصلاة الدعاء، ذهبت اليه عائشة، وابن عباس، وأبو عياض، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن شداد، والزبير، ومكحول. وروي عن ابن عباس - في رواية أخرى - أن النبيّ كان إِذا صلى يجهر في صلاته، فسمعه المشركون فشتموه وآذوه وآذوا أصحابه، فأمر الله بترك الجهر، وكان ذلك بمكة في اول الامر، وبه قال سعيد بن جبير. وقال قوم: أراد لا تجهر بتشهدك في الصلاة ولا تخافت به، روي ذلك عن عائشة - في رواية أخرى - وبه قال ابن سيرين. وقال قوم: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بمكة جهراً فأمر بإِخفاتها، ذهب اليه عكرمة والحسن البصري، وقال قوم: معناه لا تجهر بصلاتك تحسنها مراآة، في العلانية، ولا تخافت بها، تثني في القيام بها في السريرة، روي ذلك عن الحسن وقتادة وابن عباس في رواية. وبه قال ابن زيد وابن وهب. وقال الطبري: يحتمل أن يكون المراد لا تجهر بصلاتك صلاة النهار العجماء، ولا تخافت بها، يعني صلاة الليل التي تجهر فيها بالقراءة، قال: وهذا محتمل غير انه لم يقل به أحد من أهل التأويل. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم قل يا محمد {الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً} فيكون مربوباً لا ربّاً، لأن ربّ الأرباب لا يجوز أن يكون له ولد {ولم يكن له شريك} في ملكه فيكون عاجزاً محتاجاً الى غيره ليعينه فيكون ضعيفاً، ولا يجوز أن يكون الإِله بهذه الصفة {ولم يكن له وليّ من الذل} معناه لم يكن له حليف حالفه لينصره على من يناوئه، لان ذلك صفة ضعيف عاجز، ولا يجوز أن يكون الإِله بهذه الصفة، ثم أمره بأن يعظمه تعظيماً لا يساويه تعظيم، ولا يقاربه لعلوّ منزلته. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه كان يعلم أهله هذه الاية. وما قلناه هو قول مجاهد وسعيد بن جبير وابن عباس. وقال محمد بن كعب القرطي: في هذه الآية ردّ على اليهود والنصارى حين قالوا اتخذ الله الولد - وعلى مشركي العرب حيث قالوا: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إِلا شريك هو لك. وعلى الصابئين والمجوس حين قالوا: لولا اولياء الله لذل الله. فأنزل الله رداً لقولهم أجمعين. وليس لأحد أن يقول: كيف يحمد الله على ان لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، والحمد إِنما يستحق على فعل ما له صفة التفضل، وذلك أن الحمد في الآية ليس هو على أن لم يفعل ذلك. وإِنما هو حمد على أفعاله المحمودة، ووجه الى من هذه صفته، لا من أجل أن ذلك صفته، كما تقول: أنا أشكر فلاناً الطويل الجميل، ليس انك تشكره على جماله وطوله، بل على غير ذلك من فعله. ومعنى {وكبره تكبيراً} صفه بصفاته التي لا يشركه فيها أحد. وقيل: كبره عن كل ما لا يليق وصفه به.

الجنابذي

تفسير : {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ}. اعلم، انّ القرآن ذو وجوهٍ بحسب التّنزيل وذو بطونٍ بحسب التّأويل، وانّ اسماءه اللّفظيّة عناوين لاسمائه الكونيّة وهى مظاهر لاسمائه الحقيقيّة الّتى هى مبادى اسمائه الكونيّة وارباب انواعها والظّاهرة فيها، والاسماء الحقيقيّة عنوانات لحقيقة الوجود المطلق كما انّ اسماءه الكونيّة واللّفظيّة والكتبيّة عنوانات لتلك الحقيقة باعتبار تلك الاسماء الحقيقيّة. وانّ الحقّ الاوّل تعالى مسمّىً بالله باعتبار انطواء الكثرات فيه، ومسمّىً بالرّحمن باعتبار اظهاره للكثرات والمراتب والحدود، وانّ فعله المعبّر عنه بالمشيّة والولاية الكلّيّة مظهر لله باعتبار انطواء الكثرات فيه ومظهر للرّحمن باعتبار انبساطه على الكثرات ويسمّى المشيّة بالاعتبار الاوّل عرشاً وبالاعتبار الثّانى كرسيّاً ولذلك يعبّر عنها حين الاضافة الى الكثرات بالكرسىّ كما قال: {أية : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} تفسير : [البقرة:255] وحين الاضافة الى الحقّ الاوّل تعالى بالعرش {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} تفسير : [طه:5]، وكون العرش مظهراً لله باعتبار انطواء الكثرات فيه لا ينافى كونه منسوباً اليه الرّحمن لانّه باعتبار مغايرته له تعالى من جانب الكثرات فاضافته تعالى اليه مثل اضافة الكرسىّ الى الكثرات، والحقّ الاوّل باعتبار وصف الرّحمن مصدر له ومضاف اليه، وكلّ من مراتب الجبروت والملكوت مظهر لله وللرّحمن بالاعتبارين المذكورين. والمراتب عاليها مظهر لله من حيث اجمال الكثرات فيه بالنّسبة الى دانيها. ودانيها مظهر للرّحمن من حيث التّفصيل بالنّسبة الى العالى، ولمّا كان الانسان منطوياً فيه جميع الاسماء والمراتب كان من حيث روحه مظهراً لله ومن حيث نفسه مظهراً للرّحمن ان لم يصر بالتّنزّل مظهراً للشّيطان، وهكذا فى جملة مراتبه. وخلفاء الله الّذين هم اكمل افراد الانسان مظاهر لله وللرّحمن بالاعتبارين؛ فالنّبىّ باعتبار ولايته مظهرٌ لله تعالى ومن حيث نبوّته ورسالته مظهرٌ للرّحمن، بل النّبوّة من حيث وجهتها الى الولاية مظهرٌ لله، تعالى ومن حيث وجهتها الى الرّسالة مظهرٌ للرّحمن، وشخص النّبىّ من حيث اخذ الميثاق والبيعة من العباد مظهرٌ لله، وتابعه المعاضد له فى تعليم العباد طريق الوصول اليه والبيعة معه مظهر للرّحمن، وهكذا خلفاؤهما المأذونون منهما فى اخذ الميثاق والبيعة من الخلق، ويسمّى النّبىّ وخليفته من تلك الحيثيّة شيخ الارشاد، والتّابع وخليفته من تلك الحيثيّة شيخ الدّلالة، والعباد المطيعون من حيث نشأتهم فى الجذب مظاهر لله ومن حيث حالهم فى السّلوك مظاهر للرّحمن، والدّعاء قد يطلق على التّسميّة ويكون متعدّياً الى مفعولين، وقد يطلق على الذّكر ويكون متعدّياً الى مفعولٍ واحدٍٍ، وقد يطلق على دعوة الغير لاحضاره ومجيئه بنفسه بحيث يكون المدعوّ بنفسه مطلوباً، وقد يطلق على دعوة الغير فى المهمّات؛ وبالمعنى الاوّل يقال: دعوت ابنى زيداً، وبالثّانى يقال: يدعون الله باللّيل والنّهار، كما يقال بالثّالث والرّابع: يدعون الله مطلقاً او فى مهمّاتهم، ومعنى الآية تنزيلاً سمّو الله، الله او الرّحمن بحذف المفعول الاوّل، ووجه اسقاط المفعول امكان التّعميم بين وجوه التّنزيل وبطون التّأويل، وقد نقل فى نزوله انّه (ص) كان فى المسجد الحرام وقال "حديث : يا الله يا رحمن"تفسير : ، فقال المشركون انّه ينهانا عن الاشراك وهو يدعو آلهين؛ فنزلت. ونقل ايضاً: انّ اليهود قالوا له (ص): انّك لتكثر ذكر الله ولا تذكر الرّحمن وفى التّوراة تكرّر ذكر الرّحمن؛ فنزلت. او معنى الآية اذكروا لفظ الله، او اذكروا لفظ الرّحمن، او اذكروا الذّات باعتبار جمعه للكمالات، او باعتبار انبساطه على الكثرات، او ادعوا الذّات بعنوان اوصافه الجلاليّة او بعنوان اوصافه الجماليّة فانّ الله وان كان امام الاسماء تماماً لكنّه باعتبار انطواء الكثرات المعتبر فيه ادلّ على اوصاف الجلال، والرّحمن امام اوصاف الجمال، ومعنى الآية تأويلاً ادعو مظهر اسم الله او مظر اسم الرّحمن لا فرق بينهما فى جميع مراتبهما، وادعوا الولىّ (ع) او النّبىّ (ص) وادعو فى مقام الجذب او فى مقام السّلوك {أَيّاً مَّا تَدْعُواْ} يؤدّبكم اليه لانّ اسماء الوجود وعنوانات الحقّ ومظاهر النّور لا شركة لغيره فيها {فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ} لا لغيره بخلاف الاسماء السّوءى الّتى هى اسماء العدم وعنوانات الحدود والتّعيّنات ومظاهر الشّرور والظّلمات فانّها لغيره لا له، والله والرّحمن ومظاهرهما من الاسماء الحسنى {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ} لا تتجاوز فى اعلان الصّوت عن المعتاد حين التّخاطب مع الاحباب بحيث تسمع من بَعُد عنك {وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} بحيث لا تسمع نفسك، كذا فسّر فى اخبارنا {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} متوسّطاً يعنى اقرء قراءةً تسمعها نفسك ومن قرب منك ولا تسمعها من بعد عنك فانّ السّمع له حقّ فى الصّلاة وهو سماع اذكاره وسنّة الاحباب عدم الجهر بالخطاب، ولمّا كان الصّلاة الحقيقيّة هى الولاية والنّبوّة قالبها والرّسالة قالب النّبوّة، وقبول الولاية والرّسالة من القوالب، وصورة الصّلاة القالبيّة والقلبيّة ايضاً من القوالب صحّ تفسير الصّلاة بكلٍّ منها، وصحّ جعل الخطاب عامّاً وخاصّاً بمحمّد (ص)، وصحّ تفسير الاجهار والاخفات بما يناسب كلاًّ منها، وقد اشير الى التّعميم فى بعض الاخبار.

الأعقم

تفسير : {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن}، قيل: تهجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات ليلة بمكة وكان يقول: يا رحمان يا رحيم، فقال المشركون: كان يدعو إلهاً واحداً والآن يدعو إلهين؟! فنزلت الآية، وقيل: قال المشركون: أما الرحيم فنعرفه وأما الرحمان فلا نعرفه: فنزلت {أيَّاً ما تدعو} يعني بأي الاسمين دعوته لأن جميع ذلك يفيد التعظيم {فله الأسماء الحسنى} يعني جميع أسماؤه حسن لأن الأسماء عن أفعاله أو عن صفاته فمن وصفه بصفة ذاته فكونه قادر عالم حي قديم أو بصفات ترجع إلى أفعاله وكلها حسنة كقوله: خالق ورازق وعدل ومحسن ومنشئ {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً}، قيل: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا رفع صوته بالقرآن فمنعه المشركون وسبوا القرآن، وقيل: كان يجهر بقراءته القرآن فقالوا: لا تجهر بالقرآن بالمسجد فتؤذي آلهتنا فتهجو ربك فنزلت الآية، وقيل: كان يصلي في دار أبي سفيان بن حرب عند الصفا ويجهر بصلاته فمرّ به أبو جهل، فقال: لا تفتري على الله فخفض صوته فقال: أفلا يرون كيف رددته فنزلت الآية، ومعنى لا تجهر بصلاتك كلها {ولا تخافت بها} كلها {وابتغ بين ذلك سبيلاً} بأن تجهر بصلاة الليل وتخافت بصلاة النهار، روي ذلك عن الهادي (عليه السلام)، وقيل: لا تجهر بصلاتك عند من يؤذيك، وابتغ: أي اطلب، بين ذلك سبيلاً: طريقاً وهو ما أمرك الله تعالى {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك}، قيل: قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى، المسيح ابن الله، وقالت الأعراب: لبيك لا شريك لك إلا شريك لك هو لك، وقالت المجوس: لولا أولياء الله لذل، ومعنى شريك في الملك: أي في الإِلهية {ولم يكن له ولي من الذل} أي ناصر {وكبّره تكبيراً} أي عظّمه تعظيماً وقل في الصلاة الله أكبر.

اطفيش

تفسير : {قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} أى سموا ربكم الله وسموه الرحمن فالدعاء بمعنى التسمية ومفعوله الأَول محذوف فى الموضعين كما رأيت والتسمية ذكر الاسم أى ذكروه أى الاسمين شئتم فإِن أو للتخيير هذا ما ظهر لى مطابقاً للقاعدة وليس الأَمر كما قال بعض: يجوز أن يكون المعنى نادوه بأن تقولوا: يا الله أويا رحمن ولو كان كذلك قيل دعوانا يا الله أو يا رحمن أو بيا الله أو بالرحمن، وسبب نزول الآية على ما روى حديث : عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل يقول فى سجوده ذات ليلة يا الله يا رحمن فسمعه أبو جهل، فقال إِن محمداً ينهانا عن آلهتنا وهو يدعو إِلهينتفسير : ، وفى رواية ينهانا أن نعبد الهين وهو يدعو إلهاً آخر مع الله فنزلت الآية تسوية بين اللفظين فإِنهما مطلقان على ذات واحدة وإِن اختلفا مفهوماً فإِن مفهوم الله لمستحق للعبادة ومفهوم الرحمن كثير الرحمة والتوحيد إِنما هو للذات الذى هو المستحق للعبادة، وقيل سبب نزولها أن اليهود قالوا: إِنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله فى التوراة ذكره فنزلت تسوية بينهما فى حسن الإِطلاق والإِفضاء إِلى المقصود ولو كان ذكر الرحمن فى القرآن أقل، وهذا أحسن جواباً لقوله: {أياً ما تدعوا}... الخ. وقيل سبب نزولها قول المشركين: أما الظاهر فنعرفه وأما الرحمن فلا نعرفه، وقوله {قل ادعو الله}... إِلى آخر السورة للنشاط فى الطاعات تقوم ليلة الخميس وتتوضأ وتصلى ركعتين ثم تكتب ذلك فى جام زجاج بزعفران وماء ورد وتمحوه بماء ورد وتملأه ماء وتقول عليه يا مقلب القلوب ويا عالم الخفوت ويا من لا ينسى من ذكره من الذاكرين ويا من لا يخيب السائلين ويا مجيب دعوة المضطر إِذا دعاه ويكشف السوء، هب لى نشاطاً فى العمل، وأجرنى من الفشل والكسل، ووفقنى فى القول والعمل، ثم تقرأ الآية سبع مرات وتصلى الفجر ثم تدعو بزوال ذلك، ثم تصلى الصبح تقرأ فى صلاته والضحى، وألم نشرح ثم تشرب بقية الماء يزول عنك الهم والغم والحزن والقسوة والكسل والفشل وينشرح صدرك وترى فى نفسك أخلاقاً حسنة بإِذن الله. {أَيَّا مَّا} أيا اسم شرط معرب مفعول لتدعوا جازم لهُ والتنوين عوض عن المضاف إِليه وما صلة لتأْكيد الإِيهام فى أى، ووقف حمزة والكسائى على أياً ووقف الباقون على ما. {تَدْعُوا} المعنى أى واحد ما من الاسمين سميتم. {فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} كنت أقول الجواب محذوف تقديره أيّاً ما تدعوا أنتم لحق حتى رأيت مثلهُ للزمخشرى والقاضى واللفظ له هكذا كان أصل الكلام أياً ما تدعو فهو حسن فوضع موضعه فله الأَسماء الحسنى للمبالغة والدلالة على ما هو الدليل عليه .ا. هـ قال الزمخشرى وضع موضعه قولهُ لهُ الأَسماء الحسنى لأَنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان لأَنهما منها - انتهى. والحسنى مؤنث الأَحسن ومعنى كونها حسنى أنها دالة على صفات الجلال كالحمد والقدس والعظمة وصفات الإِكرام كالرزق والإِنعام والعفو والغفران. {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِك} أراد بالصلاة القراءة من الصلاة فإِن كل جزء من الصلاة يسمى صلاة لأَن الصلاة اسم مصدر بمعنى المصدر ألا ترى أنك تقول فلان يصلى، تقوله وهو فى أى جزء من أجزاء الصلاة وهذا ما ظهر لى وهذا إِن شاء الله أولى من تقدير مضاف أى ولا تجهر بقراءة صلاتك، ومن ملاحظة معنى ولا تجهر بقراءتك فى صلاتك، وقيل المراد بالصلاة الدعاء، أسند البخارى ومسلم عن عائشة أنها قالت نزل: ولا تجهر بصلاتك لا تخافت بها فى الدعاء، وهكذا قال النخعى ومجاهد ومكحول وقيل كان أعراب من بنى تميم إِذا سلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صلاته قالوا: اللهم ارزقنا مالا وولداً، يجهرون بذلك، فنزل ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها، والمشهور أن المراد الصلاة الشرعية وإِنما نهاه عن الجهر فى الصلاة، لأَن المشركين كانوا يسمعونه فيسبونه ويسبون القرآن ومن أنزله، وهكذا روى ابن عباس وأثبته البخارى ومسلم وأصحابنا، قال بعض أيضاً يلغون فيها، وهكذا حكمهم فى الدعاء يلغون ويسبون وذلك فى مكة، وروى أنه كان يصلى بأصحابه مكتتمين سنتين قبل الهجرة وصلى بهم صلاة الفجر والعشاء ركعتين مع كل سجدة، فعل ذلك فى أول ما أتاه الوحى ستة أشهر وكان يصلى بهم فى دار رجل من قريش كان فى أسفل الصفا يقال له عبد الله ابن أرقم، ويكنى أبا الأَرقم فيأْتيه المشركون فيستمعون إِلى قراءته فيلقون عليه النتن فيؤذيه وأصحابه، وإِن رفع صوته بالقراءة آذوه بالسب. {وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} لا تسرر بها ليستمع من خلفك من المؤمنين ووردت أحاديث تقتضى استحباب الجهر بالقرآن مطلقاً وأخرى تقتضى استحباب السر به، وذكر منها بعضاً فى الصحيح الذى هو تكملة لصحيح الربيع بن حبيب وذكرت أوجها من الجمع بينهما، وذكر الغزالى أنه إِذا خاف الرياء أو تشويش مصل فالسر أفضل والا فالجهر أفضل، لأَن فيه زيادة عمل يعنى تكثير الصوت، ولأَن فائدته تتعدى إِلى غيره ولأَنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همته إِلى الفكر فيه ويصرف إِليه سمعه ويطرد عنه النوم يزيد فى النشاط، فإِذا اجتمعت هذه النيات تضاعف الأَجر لأَنه يتضاعف بكثرتها ويزكو، وقيل الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : ادعوا ربكم تضرعاً وخفية}، تفسير : وهو رواية عن ابن عباس. وقال الكلبى منسوخة بقوله فاصدع بما تؤمر، وعن الحسن لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها وهو رواية عن ابن عباس. {وَابْتَغِ} اطلب واقصد. {بَيْنَ ذَلِكَ} المذكور من الجهر والسر. {سَبِيلاً} طريقاً وسطاً استماع أصحابك، ومن قال لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها، قال معنى ابتغاء السبيل بين ذلك الجهر فى صلاة الجهر والسر فى صلاة السر والمشهور غير هذا، وعن أبى قتادة الأَنصارى حديث : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لأَبى بكر: مررت بك تقرأ وأنت تخفض الصوت. فقال: إِنى سمعت من ناجيت. فقال: ارفع قليلا. وقال لعمر: مررت بك وأنت تقرأ ترفع صوتك. فقال: إِنى أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان. فقال: أخفض قليلاتفسير : . أخرجه الترمذى، ورواه الزمخشرى وذكر فى كلام أبى بكر: أناجى ربى وقد علم حاجتى وذكر ذلك أبو داود وغيره، وذكر الشيخ هود وزاد فى كلام عمر أرضى الرحمن، مع ما تقدم وذكر فيه أنه قال أيضاً إِنه سمع بلالا يقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة وأنه كلما أجابه واحد قال: صدقت فيجيبه بما مر، وقال لبلال إِذا أخذت فى سورة فلا تخرج منها.

اطفيش

تفسير : {قُلِ} يا محمد للمشركين {ادْعُوا} سموا واذكروا بنداء ولا نداء {اللهَ} لفظ الجلالة {أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} لفظ الرحمن {أَيّاً مَا تَدْعُوا} أيًّا منهما تذكروا {فَلَهُ} فللمعنى بهما أى أصبتم وأحسنتم، وناب عنه التعليل وهو قوله فله {الأسْمَاءَ الْحُسْنَى} أى أيًّا ما تذكروا أصبتم، لأن له الأسماء الحسنى، ومنها الاسمان، فالضمير فى له عائد إلى واجب الوجود وهو الله، لا لقوله: الله، ولا لقوله: الرحمن؛ لأن المراد بهما اللفظ، أو عائد إلى أحدهما على طريق الاستخدام، وأو للإباحة لحصول الفضيلة فى الجمع بين ذكر الله، أو لفظ الرحمن، وإذا لم تحصل الفضيلة فى الجمع بين شيئين كانت للتخيير، وما صلة لتأكيد عموم أيًّا. قيل: سمع المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا الله، يا رحمن. فقالوا: ينهانا محمد أن نعبد إِلهين وهو يدعو إِلها آخر مع الله، فنزلت الآية. ويروى عن ابن عباس: سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فجعل يقول فى سجوده: يا الله يا رحمان، فقال أبو جهل: إِن محمداً ينهانا عن آلهتنا وهو يدعو إِلهين، فأَنزل الله هذه الآية. وقيل: إن اليهود قالوا: لا يكثر محمد ذكر الرحمن، وهو كثير فى التوراة، أى لمراعاة ما خلق الله تعالى فى موسى عليه الصلاة والسلام من الشدة، فنزلت الآية، وقدم لفظ الجلالة لأنه أعظم، ومن قال لا إله إلا الرحمن محمد رسول الله لم يكفه فى التوحيد، وإنما يكفى لا إله إلا الله محمد رسول الله، وحسن الأسماء الحسنى دلالتها على محاسن المعانى، وصفات الجلال، والإحسان إلى الخلق، والحسنى اسم تفضيل كما أن الأحسن اسم تفضيل. وعن ابن عباس: قراءة "قل ادعو الله" الآية حفظ للمنزل قرأها رجل من المهاجرين حين اضطجع، فجمع سارق ما فى بيته، فوجد الباب مغلقا، فوضع المتاع فرآه مفتوحا، فجعل يفعل ذلك ثلاثاً، فضحك الرجل وقال: بيتى محصَّن، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من مسلم يقرؤها عند منامه بين شياطين وهوام فتضره ". تفسير : {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ} بقراءة صلاتك فحذف المضاف، أو سماها باسم محلها أو الجزء باسم الكل. {وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} فى الصلاة وغيرها، وكذا غيرها نفى الجهر يسمع المشركون فيسبون القرآن ومنزله، ومَن يقرؤه، ويصفقون ويرفعون أصواتهم للتخليط عليهم، "أية : وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه"تفسير : [فصلت: 26] إِلخ وفى الخفاء به أى الإسرار أعنى ضعف الصوت، يفوت سماع الحاضرين معك فى الصلاة أو غيرها من المسلمين. {وَابْتَغِ} اطلب واقصد {بَيْنَ ذَلِكَ} بين المذكورين من الجهر والخفاء {سَبِيلاً} والتوسط محمود. روى الترمذى أن أبا بكر يخفت ويقول: أناجى ربى وقد علم حاجتى وعمر يجهر ويقول: أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، ويروى أنهما كانا كذلك، وسأَلهما صلى الله عليه وسلم فقالا ما ذكر، وبلال يقرأ من هذه السورة، ومن هذه، وسأَله فقال: أخلط طيبا بطيب، فقال: "حديث : إِذا دخلت سورة فأتمها" تفسير : فنزلت الآية. وأمر الصديق ببعض الرفع، وعمر ببعض الخفض. وقيل: لا تجهر بصلاتك كلها، ولا تخافت بها كلها، بل خافت بها نهاراً، واجهر بها ليلا، وهذا لا يناسبه كل المناسبة قوله: {وابتغ بين ذلك سبيلاً} وأيضا الفجر نهار ولا يخافت فيه. ونقول يخافت: فى الثالثة من المغرب، والأخيرتين من العشاء، ولا يجهر فى ركعة فيها الفاتحة وحدها إلا بالتكبير، والإمام يجهر بسمع الله لمن حمده فى ذلك، ليؤخذ عنه، والمأموم يسره فى ذلك. وعن ابن عباس: لا تخفض حتى لا تُسمع أذنيك. عن أبى هريرة: لا تُسمع أذنيك فى صلاة السر، وأسمعهما فى صلاة الجهر، والإمام يُسمع مَن يصلى به ما قدر، ولا نسخ فى الآية.

الالوسي

تفسير : {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ} أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: حديث : صلى صلى الله عليه وسلم بمكة ذات يوم فدعا الله تعالى فقال في دعائه: يا الله يا رحمن فقال المشركون: انظروا إلى هذا الصابـىء ينهانا أن ندعو إلٰهين وهو يدعو إلٰهين تفسير : فنزلت. وعن الضحاك أنه قال: قال أهل الكتاب للرسول صلى الله عليه وسلم: إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله تعالى في التوراة هذا الاسم فنزلت. والمراد على الأول التسوية بين اللفظين بأنهما عبارتان عن ذات واحد وإن اختلف الاعتبار والتوحيد إنما هو للذات الذي هو المعبود وهو يلائم قوله تعالى فيما بعد: {أية : وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ} تفسير : [الإسراء: 111] وعلى الثاني التسوية في حسن الإطلاق والإفضاء إلى المقصود فإن أهل الكتاب فهموا أحسنية الرحمن لكونه أحب إليه تعالى إذ أكثر ذكره في كتابهم وكأن حكمة ذلك أن موسى عليه السلام كان غضوباً كما دلت عليه الآثار فأكثر له من ذكر الرحمن ليعامل أمته بمزيد الرحمة لأن الأنبياء عليهم السلام يتخلقون بأخلاق الله تعالى. قال القاضي البيضاوي: وهذا أجوب لقوله تبارك اسمه {أَيّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ} لأن توصيف الأسماء بالحسنى يفهم منه أن المقول لهم ذلك يظنون أحسنية اسم من اسم لا التغاير. وقال صاحب «الكشف»: الغرض على الوجهين التسوية بين اللفظين في الحسن والاختلاف إنما هو بأن الاستواء في الحسن رد لمن قال: إنك لتقل الخ بأن الإتيان بأحد الحسنين كاف أو لمن قال: ينهانا أن ندعو إلٰهين وهو يدعو بأن الاختلاف بين اللفظين الدالين على كماله تعالى لا بين كاملين فالأجوبية ممنوعة انتهى. وتعقب بأن أنسبية التوصيف بالحسنى للثاني ظاهرة مما لا تكاد تنكر. ووجه الطيبـي الأجوبية بأن اعتراض اليهود كان تعييراً للمسلمين على ترجيح أحد الاسمين على الآخر واعتراض المشركين كان تعييراً على الجمع بين اللفظين. وقوله تعالى: {أَيّا مَّا تَدْعُواْ} يطابق الرد على اليهود لأن المعنى أي اسم من الاسمين دعوتموه فهو حسن وهو لا ينطبق على اعتراض المشركين ثم قال: هذا مسلم إذا كان (أو) للتخيير ويجوز أن تكون للإباحة والانطباق حينئذٍ ظاهر فإن المشركين حظروا الجمع بين الاسمين فيكون ردهم بإباحة الجمع بين الأسماء المتكاثرة فضلاً عن الجمع بين الاسمين على أن الجواب بالتخيير في الرد على أهل الكتاب غير مطابق لأنهم اعترضوا بالترجيح. وأجيب بالتسوية لأن (أو) تقتضيها، وكان الجواب العتيد أن يقال: إنما رجحنا الله على الرحمن في الذكر لأنه جامع لجميع صفات الكمال بخلاف الرحمن، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى تتمة الكلام فيما يتعلق بهذا. ومنع الأجوبية أيضاً الجلبـي بأن تقديم الخبر في قوله تعالى: {فَلَهُ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ} يقتضي أجوبية الأول إذ معناه هذه الأسماء لله تعالى لا لغيره كما زعم المشركون إلا أن يقال أو للتخيير وهو غير مسلم بل يتعين كونها للإباحة لأنها كما قال الرضي وغيره يجوز الجمع فيها بين المتعاطفين والاقتصار على أحدهما وفي التخيير لا يجوز الجمع وهو هنا جائز. ودفع بأن المعنى لله تعالى أسماء متفقة في الحسن لأنها لا تختلف مدلولاتها بالذات بخلاف غيره سبحانه فإن أسماءه تختلف فالقصر إذا كان بأن لم يكن التقديم لمجرد التشويق ناظر إلى الوصف لا للأسماء وهذا / لا يتوقف على تسليم التخيير، ثم إنه لا مانع من إرادته بل أي تقتضيه لأنها لأحد الشيئين فإذا قلت لأحد: أي الأمرين تفعل فافعل لم تأمره بفعلهما بل بفعل أحدهما وأما الدلالة على جواز الجمع فمن خارج النظم ودلالة العقل لأنهما إذا لم يتنافيا جاز الجمع بينهما، ومن هنا تعلم أنه لا حاجة إلى حمل التخيير في كلام من عبر به على غير الاصطلاح المشهور الذي هو اصطلاح النحاة فيه إذا قوبل بالإباحة بأن يقال: مراده به التسوية بين الاسمين في الدلالة على ذات واحدة وسواء فيه الإفراد والجمع، قال في «التلويح»: وفي التخيير قد يجوز الجمع بحكم الإباحة الأصلية وهذا يسمى التخيير على سبيل الإباحة اهـ. والظاهر أن الحق مع مانع الأجوبية والقائل بالإباحة فتدبر. والدعاء على ما اختاره أبو حيان وجماعة بمعنى النداء، وقال الزمخشري ((هو بمعنى التسمية لا بمعنى النداء وهو يتعدى إلى مفعولين تقول دعوته زيداً ثم يترك أحدهما استغناءً عنه فتقول دعوت زيداً)) والأصل على ما قيل أن يتعدى إلى الثاني بالباء لكنه يتسع فيحذف الباء والمفعول الآخر هنا محذوف أي سموه بهذا الاسم أو بهذا الاسم وكذا يقال في الدعاء الثاني، وعلل ذلك بأنه لو حمل على الحقيقة المشهورة يلزم إما الاشتراك إن تغاير مدلولا الاسمين أو عطف الشيء على نفسه بأو وهو إنما يجوز بالواو إن اتحدا، وبحث فيه بأنا نختار الثاني ولا يلزم ما ذكر لأنه قصد اللفظ كما تقول نادى النبـي صلى الله عليه وسلم بمحمد أو بأحمد مع أن اختلاف مفهوميهما يكفي لصحته، وما روي في سبب النزول أولاً ينادي على ما قيل على إرادة النداء، وقيل إن كانت الآية رداً على المشركين فهو بمعنى التسمية وإن كانت رداً على اليهود فهو بمعنى النداء وجعل الطيبـي لذلك تفسير الزمخشري إياه بالتسمية مؤذناً بميله إلى أنها رد على المشركين وفي ذلك تأمل. و {أَيّا} اسم شرط جازم منصوب بتدعوا وجازم له فهو عامل ومعمول من جهتين والتنوين عوض عن المضاف إليه المحذوف والتقدير أي هذين الاسمين و{ما} حرف مزيد للتأكيد، وقيل إنها اسم شرط مؤكد به. وقرأ طلحة بن مصرف {مِنْ} بدل {ما} وخرج على زيادتها على مذهب الكسائي أو جعلها أداة شرط والجمع بين أداتي الشرط كالجمع بين حرفي الجر في قوله:شعر : فأصبحن لا يسألنني عن بما به تفسير : شاذ. وجملة {فَلَهُ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ} واقعة موقع جواب الشرط وهي في الحقيقة تعليل له، وكأن أصل الكلام أياً ما تدعوه به فهو حسن لأن له سبحانه الأسماء الحسنى اللاتي منها هذان، وفي العدول عن حق الجواب إقامة الشيء بدليله وفيه مبالغة لا تخفى، وهذا التقدير ظاهر على القول الثاني في سبب النزول ويقدر على القول الأول فيه فمدلوله واحد ونحوه، ولا حاجة إلى ذلك بل يقدر على القولين فهو حسن على ما سمعت عن صاحب «الكشف». وقال الطيبـي وقد حمل (أو) على الإباحة وجعل الخطاب للمشركين: التقدير قل سموا ذاته المقدسة بالله وبالرحمن فهما سيان في استصواب التسمية بهما فبأيهما سميته فأنت مصيب وإن سميته بهما جميعاً فأنت أصوب لأن له الأسماء الحسنى وقد أمرنا سبحانه بأن ندعوه بها في قوله تعالى: {أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا} تفسير : [الأعراف: 180] فجواب الشرط الأول قولنا فأنت مصيب ودل على الشرط الثاني وجوابه قوله تعالى: {فَلَهُ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ} والآية على هذا فن من فنون الإيجاز الذي هو من حلية التنزيل، وعلى تقدير فهو حسن حسبما سمعت أولاً من باب الإطناب اهـ وهو كما ترى. ((ونقل في «البحر» أن منهم من وقف على {أَيّا} على معنى أي اللفظين تدعوه به جاز ثم استأنف فقال {ما تدعوا / فله الأسماء الحسنى}. وتعقبه بأن هذا لا يصح لأن {ما} لا يطلق على آحاد ذوي العلم ولأن الشرط يقتضي عموماً وهو لا يصح هنا)) وضمير {فَلَهُ} عائد على المسمى أو المنادي المفهوم من الكلام والقرينة عقلية وهي أن الأسماء تكون للمسمى وللمنادى لا للاسم واللفظ المنادى به، وسيأتي إن شاء الله تعالى عن محي الدين قدس سره غير ذلك في باب الإشارة. ووصف الأسماء بالحسنى لدلالتها على ما هو جامع لجميع صفات الكمال بحيث لا يشذ منها شيء وما هو من صفات الجلال والجمال والإكرام. هذا واعلم أن الظاهر مما روي عن اليهود أنهم لا ينكرون حسن سائر أسمائه تعالى وإنما يزعمون أن الرحمن منها أحب أسمائه تعالى إليه وأعظمها وأشرفها لكثرة ذكره تعالى إياه في التوراة واختلاف أسمائه عزت أسماؤه في الشرف والعظم مما ذهب إليه المسلمون أيضاً. ويدل عليه تخصيصه صلى الله عليه وسلم بعض الأسماء بأنه الاسم الأعظم فقد روى: «حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يدعو وهو يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد فقال عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده لقد سأل الله تعالى باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى» تفسير : وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال: اسم الله تعالى الأعظم في هاتين الآيتين {أية : وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [البقرة: 163] وفاتحة آل عمران [آل عمران: 1-2] {أية : الم * ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ} تفسير : ونص حجة الإسلام الغزالي في أوائل كتابه «المقصد الأسنى» على أن الله أعظم الأسماء التسعة والتسعين لأنه دال على الذات الجامعة لصفات الإلٰهية كلها وسائر الأسماء لا يدل آحادها إلا على آحاد المعاني من علم أو قدرة أو فعل أو غيره ولأنه أخص الأسماء إذ لا يطلقه أحد على غيره تعالى لا حقيقة ولا مجازاً وسائر الأسماء قد يسمى به غيره عز وجل كالقادر والعليم والرحيم وغيرها. واسمه تعالى الرحمن لا يسمى به غيره تعالى أيضاً وهو من هذا الوجه قريب من اسم الله سبحانه وإن كان مشتقاً من الرحمة قطعاً ولذا جمع عز وجل بينهما في قوله سبحانه {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ} اهـ. وقال في أواخره: فإن قيل ما بال تسعة وتسعين من أسمائه تعالى اختصت بأن من أحصاها دخل الجنة مع أن الكل أسماء الله تعالى فنقول: الأسامي يجوز أن تتفاوت فضيلتها لتفاوت معانيها في الجلالة والشرف فتكون تسعة وتسعون منها تجمع أنواعاً من المعاني المنبئة عن الجلال لا يجمع ذلك غيرها مختص بزيادة شرف انتهى. وقال الإمام الرازي في هذه الآية: تخصيص هذين الاسمين يعني الله والرحمن بالذكر يدل على أنهما أشرف من سائر الأسماء، وتقديم اسم الله على اسم الرحمن يدل على قولنا: الله أعظم الأسماء إلى غير ذلك مما ذكره غير واحد من الأجلة. والآية إنما تصلح بحسب الظاهر رداً لما فهمه اليهود إذا كان المراد منها نفي التفاوت الذي زعموه وحينئذ يقع التعارض بينها وبين ما يدل على التفاوت من الأخبار، وقد يجعل هذا وجهاً لاختيار كون سبب النزول قول المشركين ولعل أثره أصح، وما نقلناه فيما سبق عن العلامة الطيبـي مؤيد لما قلناه. واحتج الجبائي بالآية على أنه تعالى ليس خالق الظلم وإلا لصح اشتقاق اسم له سبحانه منه وحينئذ يبطل ما دلت عليه الآية من كون أسمائه تعالى بأسرها حسنى. وأجيب بمنع الملازمة لأن الظلم ليس صفته عز وجل وكونه خالقاً له لا يصحح الاشتقاق منه وإلا لصح الاشتقاق من الطول والقصر والسواد والبياض لأنه تعالى خالق لذلك بالاتفاق، نعم لا ينبغي أن يقال لله تبارك وتعالى خالق القبيح للزوم الأدب معه سبحانه ويقال خالق كل شيء / وما هو من أسمائه جلت أسماؤه الخالق لا خالق كذا فافهم سلك الله تعالى بنا وبك الطريق الأقوم. وهذه الآية على ما قيل من آيات الحفظ بناء على ما أخرج البيهقي في «الدلائل» من طريق نهشل بن سعيد عن الضحاك عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله تعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ} إلى آخر الآية هو أمان من السرق وأن رجلاً من المهاجرين تلاها حين أخذ مضجعه فدخل عليه سارق فجمع ما في البيت وحمله والرجل ليس بنائم حتى انتهى إلى الباب فوجده مردوداً فوضع الكارة وفعل ذلك ثلاث مرات فضحك صاحب الدار ثم قال: إني أحصنت بيتي. {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن حبان وغيرهم عن ابن عباس قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ} أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن {وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك وابتغ بين ذلك سبيلاً يقول بين الجهر والمخافتة. وظاهره أن المراد بالصلاة القراءة التي هي أحد أجزائها مجازاً، ويجوز أن يكون الكلام على تقدير مضاف أي بقراءة صلاتك. والظاهر أن المراد بالقراءة ما يعم البسملة وغيرها وبعض الأخبار يفيد ظاهره تخصيصها بالبسملة، فقد أخرج ابن أبـي شيبة في «المصنف» عن سعيد قال: كان النبـي صلى الله عليه وسلم يرفع صوته ببسم الله الرحمن الرحيم وكان مسيلمة قد تسمى الرحمن فكان المشركون إذا سمعوا ذلك من النبـي صلى الله عليه وسلم قالوا: قد ذكر مسيلمة إلٰه اليمامة ثم عارضوه بالمكاء والتصدية والصفير فأنزل الله تعالى هذه الآية، ولا يخفى على هذه الرواية أشدية مناسبة الآية لما قبلها. وأخرج ابن أبـي حاتم عن الربيع قال: حديث : كان أبو بكر إذا صلى من الليل خفض صوته جداً وكان عمر إذا صلى من الليل رفع صوته جداً فقال عمر: يا أبا بكر لو رفعت من صوتك شيئاً؛ وقال أبو بكر: يا عمر لو خفضت من صوتك شيئاً فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بأمرهما فأنزل الله تعالى الآية فأرسل عليه الصلاة والسلام إليهما فقال: يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئاً وقال لعمر اخفض من صوتك شيئاًتفسير : ، وفي رواية أنه قيل لأبـي بكر: لم تصنع هذا؟ فقال: أناجي ربـي وقد عرف حاجتي، وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال: أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان. وأمر التجوز أو حذف المضاف على هذا مثله على الأول وكذا على ما أخرجه ابن أبـي حاتم عن ابن عباس أن المعنى لا تجهر بصلاتك كلها ولاتخافت بها كلها وابتغ بين ذلك سبيلاً بالجهر في بعض كالمغرب والعشاء والمخافتة في بعض كما فيما عدا ذلك. وقيل الصلاة بمعنى الدعاء لما أخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت: إنما نزلت هذه الآية {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} في الدعاء، وأخرج نحوه ابن أبـي شيبة عن مجاهد، وروى ذلك عن ابن عباس أيضاً ابن جرير وابن المنذر وجماعة وكانوا يجهرون باللهم ارحمني. وأخرجوا عن عبد الله بن شداد أن أعراباً من بني تميم كانوا إذا سلم النبـي صلى الله عليه وسلم قالوا - أي جهراً - اللهم ارزقنا إبلاً وولداً فنزلت. وفي رواية أخرى عن عائشة أن الصلاة هنا التشهد وكان الأعراب كما نقل عن ابن سيرين يجهرون بتشهدهم فنزلت، وقيل: الصلاة على حقيقتها الشرعية فقد أخرج ابن عساكر عن الحسن أنه قال: المعنى لا تصل الصلاة رياء ولا تدعها حياء، وروى نحوه ابن أبـي حاتم والطبراني عن ابن عباس أيضاً، والأكثرون على التفسير المروي عنه أولاً. والمخافتة إسرار الكلام / بحيث لا يسمعه المتكلم، ومن هنا قال ابن مسعود كما أخرجه عنه ابن أبـي شيبة وابن جرير: لم يخافت من اسمع أذنيه. وخفت وهو من باب ضرب وخافت بمعنى يقال خفت يخفت خفتاً وخفوتاً وخافت مخافتة إذا أسر وأخفى. والتعبير عن الأمر الوسط بالسبيل باعتبار أنه أمر يتوجه إليه المتوجهون ويؤمه المقتدون ويوصلهم إلى المطلوب، وقد جاء عن عبد الله بن الشخير وأبـي قلابة «خير الأمور أوساطها». والآية على ما يقتضيه كلام الأكثرين محكمة، وقيل منسوخة بناء على ما أخرجه ابن مردويه وابن أبـي حاتم عن ابن عباس من أنه صلى الله عليه وسلم أمر بمكة بالتوسط بأن لا يجهر جهراً شديداً ولا يخفض حتى لا يسمع أذنيه فلما هاجر إلى المدينة سقط ذلك، وقيل هي منسوخة بقوله تعالى: {أية : ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} تفسير : [الأعراف: 55] وهو كما ترى. ولا يخفى عليك حكم رفع الصوت بالقراءة فوق الحاجة وحكم المخافتة بالمعنى الذي سمعته المسطوران في كتب الفقه فراجعها إن لم يكن ذلك على ذكر منك. وأخرج ابن أبـي داود في «المصاحف» عن أبـي رزين قال قرأ عبد الله {ولا تخافت بصوتك وتلا تعالِ به}.

ابن عاشور

تفسير : {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ} لا شك أن لنزول هذه الآية سبباً خاصاً إذ لا موجب لذكر هذا التخيير بين دعاء الله تعالى باسمه العَلَم وبين دعائه بصفة الرحمان خاصة دون ذكر غير تلك الصفة من صفات الله مثل: الرحيم أو العزيز وغيرهما من الصفات الحسنى. ثم لا بد بعد ذلك من طلب المناسبة لوقوعها في هذا الموضع من السورة. فأما سبب نزولها فروى الطبري والواحدي عن ابن عباس قال: «حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً يدعو يا رحمان يا رحيم، فقال المشركون: هذا يزعم أنه يدعو واحداً وهو يدعو مثنى مثنى، فأنزل الله تعالى: {قل ادعوا اللَّه أو ادعو الرحمٰن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى}تفسير : . وعليه فالاقتصار على التخيير في الدعاء بين اسم الله وبين صفة الرحمان اكتفاء، أي أو الرحيم. وفي «الكشاف»: عن ابن عباس حديث : سمع أبو جهل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا الله يا رحمان. فقال أبو جهل: إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهاً آخرتفسير : . وأخرجه ابن مردويه. وهذا أنسب بالآية لاقتصارها على اسم الله وصفة الرحمان. وأما موقعها هنا فيتعين أن يكون سبب نزولها حدثَ حين نزول الآية التي قبلها. والكلام رد وتعليم بأن تعدد الأسماء لا يقتضي تعدد المسمى، وشتان بين ذلك وبين دعاء المشركين آلهة مختلفة الأسماء والمسميات، والتوحيد والإشراك يتعلقان بالذوات لا بالأسماء. و (أي) اسم استفهام في الأصل، فإذا اقترنت بها (ما) الزائدة أفادت الشرط كما تفيده كيف إذا اقترنت بها (ما) الزائدة. ولذلك جزم الفعل بعدها وهو {تدعوا} شرطاً، وجيء لها بجواب مقترن بالفاء، وهو {فله الأسماء الحسنى}. والتحقيق أن {فله الأسماء الحسنى} علة الجواب. والتقدير: أي اسم من أسمائه تعالى تَدعون فلا حرج في دعائه بعدة أسماء إذ له الأسماء الحسنى وإذ المسمى واحد. ومعنى {ادعوا اللَّه أو ادعوا الرحمن} ادعوا هذا الاسم أو هذا الاسم، أي اذكروا في دعائكم هذا أو هذا، فالمسمى واحد. وعلى هذا التفسير قد وقع تجوز في فعل {ادعوا} مستعملاً في معنى اذكروا أو سموا في دعائكم. ويجوز أن يكون الدعاء مستعملاً في معنى سمّوا، وهو حينئذٍ يتعدى إلى مفعولين. والتقدير: سموا ربكم اللّهَ أو سموه الرحمان، وحذف المفعول الأول من الفعلين وأبقي الثاني لدلالة المقام. {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} لا شك أن لهذه الجملة اتصالاً بجملة {قل ادعو الله أو ادعوا الرحمن} يؤيد ما تقدم في وجه اتصال قوله: {قل ادعوا الله أو ادعو الرحمن} بالآيات التي قبله، فقد كان ذلك بسبب جهر النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه باسم الرحمان. والصلاة: تحتمل الدعاء، وتحتمل العبادة المعروفة. قود فسرها السلف هنا بالمعنيين. ومعلوم أن من فسر الصلاة بالعبادة المعروفة فإنما أراد قراءتها خاصة لأنها التي توصف بالجهر والمخافتة. وعلى كلا الاحتمالين فقد جهر النبي صلى الله عليه وسلم بذكر الرحمان، فقال فريق من المشركين: ما الرحمان؟ وقالوا: إن محمداً يدعو إلهين، وقام فريق منهم يسب القرآن ومن جاء به، أو يسب الرحمان ظناً أنه رب آخر غيرُ الله تعالى وغيرُ آلهتهم، فأمر الله رسوله أن لا يجهر بدعائه أو لا يجهر بقراءة صلاته في الصلاة الجهرية. ولعل سفهاء المشركين توهموا من صدع النبي صلى الله عليه وسلم بالقراءة أو بالدعاء أنه يريد بذلك التحكك بهم والتطاول عليهم بذكر الله تعالى مجرداً عن ذكر آلهتهم فاغتاظوا وسبوا، فأمره الله تعالى بأن لا يجهر بصلاته هذا الجهر تجنباً لما من شأنه أن يثير حفائظهم ويزيد تصلبهم في كفرهم في حين أن المقصود تليين قلوبهم. والمقصود من الكلام النهي عن شدة الجهر. وأما قوله تعالى: {ولا تخافت بها} فالمقصود منه الاحتراس لكيلا يجعل دعاءه سراً أو صلاته كلها سراً فلا يبلغ أسماع المتهيئين للاهتداء به، لأن المقصود من النهي عن الجهر تجنب جهر يُتوهم منه الكفارُ تحككاً أو تطاولاً كما قلنا. والجهر: قوة صوت الناطق بالكلام. والمخافتة مفاعلة: من خَفَتَ بكلامه، إذا أسر به. وصيغة المفاعلة مستعملة في معنى الشدة، أي لا تُسرها. وقوله: {ذلك} إشارة إلى المذكور، أي الجهر والمخافتة المعلومين من فعلي {تجهر - وتخافت} أي اطلب سبيلاً بين الأمرين ليحصل المقصود من إسماع الناس القرآن وينتفي توهم قصد التطاول عليهم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ}. أمر الله جل وعلا عباده في هذه الآية الكريمة: أن يدعوه بما شاؤوا من أسمائه، إن شاؤوا! قالوا: يا الله، وإن شاؤوا قالوا: يا رحمن، إلى غير ذلك من أسمائه جل وعلا. وبين هذا المعنى في غير هذا الموضع. كقوله: {أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [الأعراف:180]، وقوله: {أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلاَمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [الحشر:22-24]. وقد بين جل وعلا في غير هذا الموضع: أنهم تجاهلوا اسم الرحمن في قوله: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ}تفسير : [الفرقان:60] الآية. وبين لهم بعض أفعال الرحمن جل وعلا في قوله: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ}تفسير : [الرحمن:1-4] ولذا قال بعض العلماء: إن قوله {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآن} جواب لقولهم: {قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰن} الآية. وسيأتي لهذا إن شاء الله زيادة إيضاح "في سورة الفرقان".

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 110- قل لهؤلاء المشركين: سموا الله باسم الله أو اسم الرحمن فأى اسم تسمونه فهو حسن، وهو تعالى له الأسماء الحسنى، ولا شبهة لكم فى أن تعدد الأسماء يستوجب تعدد المسمى. وإذا قرأت القرآن فى صلاتك فلا ترفع صوتك به، لئلا يسمع المشركون فيسبوك ويؤذوك، ولا تسر به فلا يسمع المؤمنون، وكن وسطا فى قراءتك. 111- وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا لعدم حاجته إليه، ولم يكن له شريك فى الملك، لأنه - وحده - منشئه، ولم يكن له ناصر يعطيه عزة من ذُلٍّ لحقه، وعظِّم ربك تعظيماً يليق به.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ادعوا الله أو ادعوا الرحمن: أي سموه بأيهما ونادوه بكل واحد منهما الله أو الرحمن. أيا ما تدعوا: أي إن تدعوه بأيهما فهو حسن لأن له الأسماء الحسنى وهذان منها. ولا تجهر بصلاتك: أي بقراءتك في الصلاة كراهة أن يسمعها المشركون فيسبوك ويسبوا القرآن ومن أنزله. ولا تخافت بها: أي ولا تسر به إسراراً حتى ينتفع بقراءتك أصحابك الذين يصلون وراءك بصلاتك. وابتغ بين ذلك سبيلاً: أي اطلب بين السر والجهر طريقاً وسطاً. لم يتخذ ولداً: كما يقول الكافرون. ولم يكن له شريك: كما يقول المشركون. ولم يكن له ولي من الذل: أي لم يكن له ولي ينصره من أجل الذل إذ هو العزيز الجبار مالك الملك ذو الجلال والإِكرام. وكبره تكبيرا: أي عظمه تعظيماً كاملاً عن اتخاذ الولد والشريك والولي من الذل. معنى الآيات: كان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه يا الله. يا رحمن، يا رحمن يا رحيم فسمعه المشركون وهم يتصيدون له أية شبهة ليثيروها ضده فلما سمعوه يقول: يا الله، يا رحمن قالوا: أنظروا إليه كيف يدعو إلهين وينهانا عن ذلك فأنزل الله تعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ} أي قل لهم يا نبينا ادعوا الله أو ادعوا الرحمن فالله هو الرحمن الرحيم {أَيّاً مَّا تَدْعُواْ} منهما الله أو الرحمن فهو الله ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى وقوله تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} أي وسطاً بين السر والجهر، وذلك أن المشركين كانوا إذا سمعوا القرآن سبُّوا قارئه ومن أنزله، فأمر الله تعالى رسوله والمؤمنون تابعون له إذا قرأوا في صلاتهم أن لا يجهروا حتى لا يسمع المشركون قراءتهم ولا يسروا حتى لا يحرم سماع القرآن من يصلي وراءهم فأمر رسول الله بالتوسط بين الجهر والسر. وقوله تعالى: {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً}. أي أمر الله تعالى الرسول أن يحمد الله الذي لم يتخذ ولداً كما زعم ذلك بعض العرب، إذ قالوا الملائكة بنات الله! وكما زعم ذلك اليهود إذ قالوا عزير بن الله والنصارى إذ قالوا عيسى بن الله! {وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ} كما قال المشركون من العرب: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك! {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ} كما قال الصابئون والمجوس: لولا أولياء الله لذل الله! {وَكَبِّرْهُ} أنت أو عظمه يا رسولنا تعظيماً من أن يكون له وصف النقص والافتقار والعجز. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- إن لله الأسماء الحسنى وهي مائة اسم إلا اسماً واحداً فيدعى الله تعالى وينادى بأيها، وكلها حسنى كما قال تعالى في سورة الأعراف: {أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا} تفسير : [الآية: 180]. 2- بيان ما كان عليه المشركون في مكة من بغض للرسول والقرآن والمؤمنين.. 3- مشروعية الأخذ بالاحتياط للدين كما هو للدنيا. 4- وجوب حمد الله تعالى والثناء عليه وتنزيهه عن كل عجز ونقص. 5- هذه الآية {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ} تسمى آية العز هكذا سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

د. أسعد حومد

تفسير : (110) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤلاءِ المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ صِفَةَ الرَّحْمَن ِللهِ عَزَّ وَجَلَّ، المُعَارِضِينَ تَسْمِيَتَهُ بِالرَّحْمنِ: لاَ فَرْقَ بَيْنَ دُعَائِكُمْ لَهُ بِاسْمِ اللهِ، أَوْ بِاسْمِ الرَّحْمَنِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى ذُو الأَسْمَاءِ الحُسْنَى. وَلاَ تَجْهَرْ أَيُّهَا الرَّسُولُ بِصَلاَتِكَ، وَلاَ تَرْفَعْ صَوْتَكَ بِالقُرْآنِ فَيَسْمَعُكَ المُشْرِكُونَ، فَيَسُبُّوا القُرْآنَ. وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا عَنْ أَصْحَابِكَ، فَلاَ تُسْمِعَهُمُ القُرآنَ، لِيَأْخُذُوا عَنْكَ، وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً وَسَطاً. (وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ وَالرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم مُتَوارٍ فِي مَكَّةَ، فَكَانَ إِذا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالقُرْآنِ، فَلَمَّا سَمِعَ المُشْرِكُونَ ذلِكَ سَبُّوا القُرْآنَ، وَسَبُّوا مَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ). لاَ تُخَافِتْ بِهَا - لاَ تُسِرَّ بِهَا حَتَّى لاَ يَسْمَعَكَ مَنْ خَلْفَكَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {ٱدْعُواْ} اذكروا، أو نادوا، أو اطلبوا {ٱللَّهَ} عَلَم على واجب الوجود سبحانه، ومعنى: عَلَم على واجب الوجود أنها إذا أُطْلِقَتْ انصرفتْ للذات الواجبة الوجود وهو الحق سبحانه، كما نُسمِّي شخصاً، فإذا أُطْلِق الاسم ينصرف إلى المسمَّى. والأسماء عندنا أنواع كثيرة: إما اسم، أو كُنْية، أو لَقَب. الاسم: وهو أغلب الأعلام، ويُطلَق على المولود بعد ولادته ويُعرَف المولود به. والكُنْية: وتُطلَق على الإنسان، وتُسبَق بأب أو أم أو ابن أو بنت، كما نقول: أبو بكر، وأم المؤمنين. واللقب: وصف يُشْعِر بالمدح أو الذم، كما نقول: الصِّديق، الشاعر، الفاروق. فإذا كان الاسم معه شريك غيره لا بُدَّ لتمييزه من وَصْفه وَصْفاً يُعْرف به، كما يحدث أن يألف شخص أن يسمي أولاده جميعاً: محمد فالتسمية في هذه الحالة لا تُشخِّص ولا تُعيِّن المسمّي؛ لذلك لا بُدَّ أن نصف كل واحد منهم بصفة فنقول: محمد الكبير، محمد الصغير. محمد المهندس. فإذا أُطلِق الاسم بصفته ينصرف إلى شخص معين. وإذا كُنّا نحن نُسمِّي أولادنا: فإن الحق سبحانه سَمَّى نفسه بأسمائه التي قال عنها: الأسماء الحُسْنى، وكلمة (حُسْنى) أفعل تفضيل للمؤنث، مثل: كبرى. والمذكر منها أحسن. لكن لماذا وَصَف أسماءه تعالى بالحسنى؟ الاسم يُبيِّن المسمّى، لكن الأسماء عند البشر قد لا تنطبق على المسمَّى الذي أُطلِقت عليه، فقد نُسمِّي شخصاً "سعيد" وهو شقي، أو نسمي شخصاً "ذكي" وهو غبي. وهذا ليس بحَسنٍ في الأسماء، الحسَن في الاسم أنْ يطابق الاسم المسمَّى، ويتوفّر في الشخص الصفة التي أُطلِقت عليه، فيكون الشخص الذي سميناه "سعيد" سعيداً فعلاً. وهكذا يكون الاسم حسناً، لكنه لا يأخذ الحُسْن الأعلى؛ لأن الحُسن الأعلى لأسماء الله التي سَمّى بها نفسه، فله الكمال المطلق. فهذه - إذن - لا تتأتَّى في تسمية البشر، فكثيراً ما تجد "عادل" وهو ظالم، و"شريف" وليس بشريف؛ لذلك قلنا: شعر : وَأَقْبَحُ الظُّلْمَ بَعْد الشِّرْكِ منزلةً أنْ يظلم اسمٌ مُسمّى ضِدّه جُعلاَ فَشَارِع كعِمَادِ الدين تَسْمِيةً لكِنْه لِعِنَادِ الدِّينِ قَدْ جُعِلاَ تفسير : فالاسم قد يظلم المسمَّى كما حدث أنْ سَمَّوْا الشارع (عماد الدين)، وهذا الشارع كان في الماضي بُؤْرَة للفِسْق والفجور، وما أبعده سابقاً عن هذه التسمية. فلفظ الجلالة (الله) عَلَم على واجب الوجود، وبعد ذلك جاءت صفات غلبت عليه، بحيث إذا أُطلِقَتْ لا تنصرف إلا إليه. فإذا قُلْنا: العزيز على إطلاقه فإنها لا تنصرف إلا لله تعالى، لكن يمكن أن نقول فلان العزيز في قومه، فلان الرحيم بمَنْ معه، فلان النافع لمَنْ يتصل به، إنما لو قُلْت: النافع على إطلاقه فهو الله سبحانه وتعالى. لذلك؛ حَلَّتْ الصفات محلَّ اسم الذات {ٱللَّهَ}؛ لأنها إذا أُطْلِقَتْ لا تنصرف إلا لله تعالى، فأسماءُ الله الحُسْنى هي في الأصل صفات له سبحانه. ولو تأملنا هذه الأسماء لوجدناها على قسمين: أسماء ذات، وأسماء صفات فعلية، اسم الذات لا يتصف الله بمقابله، فالعزيز مثلاً اسم ذات فلا نقول في مقابله الذليل، والحيّ اسم ذات فلا نقول: الميت. أما اسم الصفة الفعلية فيكون له مقابل، فالمعزّ صفة فعل يعني يُعِزّ غيره، ومقابلها المذلّ، والضَّارّ مقابلها النافع، والمحيي مقابلها المميت وهكذا .. إنْ وجدتَ للاسم مقابلاً فاعلم أنه اسمٌ لصفة الفعل من الله تعالى، وإذا لم يكن له مقابل فهو اسم ذات. لكن تقف مثلاً عند السَّتَّار وهي صفة فعل لأنه يستر غيره، لكن ليس لها مقابل فلا نقول الفضَّاح، لماذا؟ لأنه تبارك وتعالى يريد أنْ يتخلق خَلْقه بهذه الصفة، وأنْ يُربِّب صفة الستر عند الناس للناس، فلو علم الناس، عن أحد أمراً فاضحاً لزهدوا في كل ما يأتي من عنده ولو كان حسنة، وبذلك يُحرَم المجتمع من طاقات كثيرة من الخير. لكن حين تستر على صاحب العيب عيبه، فإنك تعطي للمجتمع فرصة لينتفع بما لديه من صفات الخير؛ لذلك الله تعالى يُعصَى ويحب أن يُستَر على عبده العاصي؛ لكي يستمر دولاب الحياة؛ لأنه لا يوجد أحد له كمال إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وصدق القائل: شعر : مَنْ ذَا الذِي مَا سَاءَ قَطُّ وَمَنْ لَهُ الحُسْنى فَقَطْ تفسير : إذن: فمن الحكمة أن يأمر الله تعالى بستر غَيْب خَلْقه عن خَلْقه حتى تستمر حركة الحياة؛ لأن الإنسان ابنُ أغيار، وقلبه سريعاً ما يتقلب، ولربما لو عرفتُ عنك شيئاً مستوراً لتغيَّرْتُ لك وأنت كذلك، ولربما تقطعت بيننا حبال المودة، إنما بالستر ينتفع كُلٌّ مِنّا بالآخر. ومن هنا قالوا: لو تكاشفتم ما تدافنتم، أي: لو تكشفتْ الأسرار، وعرف كُلٌّ منكم عَيْب أخيه ما دفنتم مَنْ يموت منكم، وهذا منتهى ما يمكن تصوُّره من التقاطع بين الناس. فقوله تعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ ..} [الإسراء: 110] فاختار هذا الاسم بالذات {ٱللَّهَ} العَلَم على واجب الوجود، وهو اسم ذات لا يدلُ على صفة معينة، لكنه يحمل في طياته كل صفات الكمال فيه، فإنْ كانت للأسماء الأخرى مجالات، فالقادر في القدرة، والحكيم في الحكمة، والقابض في القبض، والعزيز في العِزّة. فإن لكل اسم مجالاً وسيالاً، فإن {ٱللَّهَ} هو الاسم الجامع لكل الصفات. لذلك في الحديث النبوي الشريف: "حديث : كُلُّ شيء لا يُبدأ باسم الله فهو أبتر ". تفسير : لماذا؟ لأنك حين تُقدِم على أيِّ فعل تحتاج أولاً إلى حكمة لتعرف من خلالها لماذا تفعل، وتحتاج إلى قدرة تُعينك على إنجازه، وتحتاج إلى علم بمصير هذا الفعل وعاقبته، إذن: تحتاج إلى صفات كثيرة، فحين تُقبِل على العمل لا تَقُل: يا حكيمُ يا قادرُ يا عليمُ، إنما الحق سبحانه يُريحك، ويكفي أن تقولَ في الإقدام على الفعل: باسم الله. لأنك ذكرتَ الاسم الجامع لكلِّ صفات الكمال. {أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ ..} [الإسراء: 110] واختار الرحمن دون الجبار أو القهار؛ لأن الرحمة صفة التحنين للخلق، فالحق سبحانه وتعالى يُظهِر هذه الصفة لعباده حتى في أسماء الجبار والقهار؛ لأنها من خَدَم الرحمة ومن أسبابها؛ لأن العبد إذا عرف لله: صفة الجبروت، وصفة القهر، وصفة الانتقام انتهى عن أسباب الوقوع تحت طائلة هذه الصفات، فكأنه يرحم عباده حتى بصفات القهر والانتقام. ومن هذا قول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ ..}تفسير : [البقرة: 179] لأنه إذا علم القاتل أنه سيُقتل انتهى عن القتل. وفي الأثر: "القتل أنْفَى للقتل". إذن: فتشريع القصاص وإقامة الحدود والعقوبات لا لتعذيب الخلق، وإنما رحمة بهم حتى يقفوا بعيداً عن ارتكاب ما يُوجِب القصاص أو الحد أو العقوبة، حتى الذي يقهره الله مرحوم أيضاً؛ لأنه ما دام قال: أنا قهار. فاحذرني، فهو بذلك يرحمه لأنه يُحذِّره من أسباب الوقوع فيما يستوجب غضبه وانتقامه. وكذلك اختار اسم {ٱلرَّحْمَـٰنَ} لأن مجال التكليف كله الرحمة، وما نزل المنهج من الله إلا لينظم حياة الناس ويُحقِّق لهم السعادة في حركة الحياة، فيتكامل الخَلْق فيما بينهم، ويتعاونون، ويتساندون ولا يتعاندون، ويكونون جميعاً على قلب رجل واحد، هذه غاية المنهج الإلهيّ في دنيا الناس أنْ يعيشَ المجتمع المسلم آمناً سالماً. فالرحمانية الإلهية هي الغالبة في كل التشريع، وهي السِّمَة العامة، أَلاَ ترى قوله تعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [الرحمن: 1-2]. فالقرآن الذي نزل لِيُنظّم حياة الناس ويحكمها، ويصلح حركة الحياة، ويضع السلام بينك وبين الله، وبينك وبين نفسك، وبينك وبين الناس، هذا القرآن مظهر من مظاهر هذه الرحمانية الإلهية. وقد اعترض بعض المستشرقين على قوله تعالى في سورة الرحمن: {أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}تفسير : [الرحمن: 13] والآلاء هي النعم، وأنها جاءت تذييلاً لقوله تعالى: {أية : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ}تفسير : [الرحمن: 35] فالآية تتحدث عن النار والشواظ، فكيف تُختم هذه الخاتمة التي تدلُّ على النعمة؟ ولو تدبَّر القوم ما اعترضوا؛ لأن في النار والتحذير منها والتخويف بها نعمة، كأن القرآن يقول لك: إياك أنْ تفعل ما يُوجِب النار والشُّواظ فتقلع وترتدع من قريب، أليست هذه من نعم الله على عباده؟ أليست رحمة بهم؟ وماذا كنتم ستقولون إنْ لم يُقدِّم لكم الحق سبحانه تحذيراً وإنذاراً، ثم فاجأكم بالعذاب؟ ونقف على لطيفة أخرى لاستخدام اسم الله {ٱلرَّحْمَـٰنَ} في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً}تفسير : [الفرقان: 59]. أي: بعد أن خلق الخَلْق كله بسمائه وأرضه وما فيهما استوى على العرش؛ لأن الاستواء على العرش يعني أن كل شيء تَمَّ له سبحانه خَلْقاً وإيجاداً، وانتهى إلى الجلوس على العرش، وهذا تمثيل بالملوك الذين لا يجلسون على العرش إلا بعد أنْ يستتبّ لهم الأمر، فجلوس الملك على العرش يعني أنه الأوحد الذي لا يعارضه أحد. فالحق سبحانه يُنبِّهنا بقوله: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱلرَّحْمَـٰنُ ..}تفسير : [الفرقان: 59] واختار صفة الرحمة لِيُوحِي لنا أن قعوده على العرش لا يعني القَهْر والجبروت، إنما قعد على عرشه رحمةً بكم، قعد على العرش ليُنظّم حياتكم، ويرحم بعضكم ببعض، فتسعدوا بالحياة، فالاستواء هنا لا استواءَ قهر وغلبة، بل استواء رحمة لمصلحتكم أنتم. وفي آية أخرى قال: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ}تفسير : [طه: 5] وقد ورد استواؤه سبحانه على العرش في سبعة مواضع في كتاب الله، نظمها الناظم في قوله: شعر : وَذكْـرُ اسـْتواء الله في كَلمـاتِهِ علَى العَرْشِ فِي سَبْع مَواضِعَ فَاعْدُدِ فَفِي سُورَة الأعرافِ ثمة يُونُس وفِي الرعْدِ مع طَه فلْلعَدِّ أكدِ وَفِي سُـورة الفـُرْقانِ ثمة ســَجْدة كَذَا فِي الحديدِ افْهَمُوا فَهْم مؤيَّد تفسير : وكل صفة من صفات جلاله سبحانه إنما هي في خدمة رحمانيته، لأنه يُخَوِّف عباده بصفات الجلال حتى لا يقعوا في المخالفة، فيأخذوا نعمة الله في الدنيا، ويسعدوا بها، ويأخذوا نعيم الآخرة فيسعدوا بها، فهي - إذن - الرحمانية المستولية والسمة العامة لمنهج الله في الدنيا والآخرة. وفي الحديث "حديث : في آخر ليلة من رمضان يتجلى الجبار بالمغفرة .."تفسير : ولم يقُلْ: تجلى الغفار بالمغفرة، فلماذا آثر صفة الجبار في مجال المغفرة؟ قالوا لأن المغفرة تُوحِي بوجود ذنب، والذنب يقتضي العقوبة، وهذه من اختصاص صفة الجبار، فهل تغلَّبتْ صفة الغفار على صفة الجبار، وأخذت اختصاصها؟ لا بل تشفع صفة الغفار عند صفة الجبار: الموقف لكِ أيتها الصفة، لكن نستسمحك في أن نشفع في هؤلاء، فكأن صفات الجمال تشفع عند صفات الجلال. لذلك، فالذين يُفسِّرون الحديث يقولون: شفع المؤمنون، وشفع الأنبياء، وشفعت الملائكة، وبقيت شفاعة أرحم الراحمين فعند مَنْ سيشفع أرحم الراحمين؟ قالوا: تشفع ذاته عند ذاته، وهكذا تشفع صفة الجمال (الغفار) عند صفة الجلال (الجبار) تبارك وتعالى. ثم يقول تعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ ..} [الإسراء: 110] فأيُّ اسم تدعو به لأن أسماءه كلها حُسْنى، لكن ليكُنْ عندك ذكاء في الدعاء، فتدعو بما يناسب حاجتك، فإنْ أردت عِلْماً فقُلْ: يا عالم علِّمني، وإنْ كنتَ ضعيفاً فقُلْ: يا قوي قَوِّني، وإنْ أردتَ العزة فَقُلْ: يا عزيز أعِزَّني وهكذا .. فإن أردتَ الاختصار فقُلْ: يا الله. تكفيك كل شيء. ثم يقول تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} [الإسراء: 110] الصلاة يراد بها كل أعمال الصلاة {وَلاَ تَجْهَرْ} فالجهر منهيٌّ عنه، وكذلك {وَلاَ تُخَافِتْ} أي: لا تُسِرَّها بحيث لا يَسْمعك من خلفك، وهذا منهيّ عنه أيضاً. فكِلاَ الطرفين مذموم، وخَيْر الأمور الوسط. ونُوضِّح هنا: إذا كان الجهر بالصلاة منهيّاً عنه فارتفاع الصوت عالياً من باب أَوْلَى، فلا يليق أبداً رَفْع الصوت بالصلاة، ثم استعمال الميكروفونات أيضاً، وما تُسبِّبه من إزعاج للناس. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}تفسير : [الأعراف: 204]. فأنت حين ترفع صوتك بالقرآن، وخاصة في الميكروفون تلزم الناس بالإنصات، وتُوقِعهم في الإثم والحرج، أو تعطل مصالحهم، ولعل غيرك في هذا الوقت يريد أن يقرأ هو الآخر، أو يستغفر، أو يُسبِّح أو يصلي، فكيف تجعل الأمر المندوب عندك حاكماً على غيرك؟ هذا لا يجوز، بل اترك الناس وشئونهم فكل منهم حُرّ فيما يتنفّل به، ولا تكُنْ من الذين قال الله في حقهم: {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}تفسير : [الكهف: 103-104]. كالذي يُشعِل الميكروفون قبل صلاة الفجر، ويأخذ في إنشاد كلام ما نزل به الشرع، يزعج به الناس، ويُقلق به المريض، ولا يراعي للناس حُرْمة. فمتى يفيق المسلمون؟ ومتى يتنبهون إلى هذه البدع التي تُشوِّش على الناس وتُفسِد عليهم عبادتهم؟ أما إنْ كان رَفْع الصوت بالقرآن لغرض دنيوي ومكْسَب شخص، وأن نجعل الأمر مَعْرضاً للأصوات، ومِضْماراً للسباق، إنْ كان الأمر استغلالاً للدين لحساب الدنيا والعياذ بالله، فقد دخل صاحبه في شريحة أخرى من الإثم، عافانا الله وإياكم. والحق سبحانه يقول: {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} [الإسراء: 110]. أي: بين الجهر والإسرار، واسلك سبيل الوسطية التي جاء بها الشرع، وتأسّ برسول الله صلى الله عليه وسلم حينما كان يتفقد الصحابة ليلاً فوجد أبا بكر - رضي الله عنه - يقرأ، ولا يكاد يسمع صوته، فلما سأله. قال: يا رسول الله، أناجي ربي وهو عالم بي، فلما ذهب إلى عمر - رضي الله عنه - وجده يقرأ بصوت عالٍ، فلما سأله قال: يا رسول الله أزجر به الشيطان. عندها أمر صلى الله عليه وسلم أبا بكر أنْ يرفع صوته قليلاً، وأمر عمر أن يخفض صوته قليلاً. وهذا الاعتدال وهذه الوسطية أُمِرْنَا بها حتى في الدعاء، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ}تفسير : [الأعراف: 205]. فكلمة: {بَيْنَ ذٰلِكَ ..} [الإسراء: 110] البينية هذه تكاد تشيع في كل أحكام الدين؛ لأن القرآن جاء لأمة وَسَط بالأمور الوسط في كل شئون الحياة، ففي قمة المسائل وهي الأمور العَقَدية مثلاً يقف الإسلام موقفَ الوسطية بين مَنْ يُنكِرون وجود الإله ومن يقول بآلهة متعددة، فينفي هذه وهذه ويقول بوجود إله واحد أحد لا شريكَ له. وفي الإنفاق يختار الوسط، فيقول: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}تفسير : [الفرقان: 67]. وبذلك ضمن لأهله نظاماً اقتصادياً ناجحاً يُثري حياة الجماعة، ويَرْقَى بحياة الفرد، وقد لخّص هذا المنهج الاقتصادي في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً}تفسير : [الإسراء: 29]. فالممسك المقتّر الذي يقبض يده عن الإنفاق يتسبّب في رُكود البضائع وتوقف حركة الحياة، وهذا خطر على المجتمع، وفي التبذير خطر على الفرد حيث ينفق كل مَا معه، ولا يُبقي على شيء يرتقي به في الحياة، فإذا لم تتبع هذا المنهج الحكيم فسوف تقعد ملوماً على الإمساك، محسوراً على التبذير الذي فوّتَ عليك فرصة الترقِّي مثل الآخرين. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : بقول تعالى لعباده: { ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ } أي: أيهما شئتم. { أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى } أي: ليس له اسم غير حسن، أي: حتى ينهى عن دعائه به، أي: اسم دعوتموه به، حصل به المقصود، والذي ينبغي أن يدعى في كل مطلوب، مما يناسب ذلك الاسم. { وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ } أي: قراءتك { وَلا تُخَافِتْ بِهَا } فإن في كل من الأمرين محذورًا. أما الجهر، فإن المشركين المكذبين به إذا سمعوه سبوه، وسبوا من جاء به. وأما المخافتة، فإنه لا يحصل المقصود لمن أراد استماعه مع الإخفاء { وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ } أي: بين الجهر والإخفات { سَبِيلا } أي: تتوسط فيما بينهما. { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ } له الكمال والثناء والحمد والمجد من جميع الوجوه، المنزه عن كل آفة ونقص. { الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ } بل الملك كله لله الواحد القهار، فالعالم العلوي والسفلي، كلهم مملوكون لله، ليس لأحد من الملك شيء. { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ } أي: لا يتولى أحدًا من خلقه ليتعزز به ويعاونه، فإنه الغني الحميد، الذي لا يحتاج إلى أحد من المخلوقات، في الأرض ولا في السماوات، ولكنه يتخذ أولياء إحسانًا منه إليهم ورحمة بهم {أية : الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور }. تفسير : { وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } أي: عظمه وأجله بالإخبار بأوصافه العظيمة، وبالثناء عليه، بأسمائه الحسنى، وبتمجيده بأفعاله المقدسة، وبتعظيمه وإجلاله بعبادته وحده لا شريك له، وإخلاص الدين كله له. تم تفسير سورة الإسراء ولله الحمد والمنة والثناء الحسن على يد جامعه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن سعدي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين أمين وصلى الله على محمد وسلم تسليمًا وذلك في 7 جمادى الأولى سنة 1344. المجلد الخامس من تيسير الكريم الرحمن من تفسير كلام المنان لجامعه الفقير إلى الله عبد الرحمن بن ناصر السعدي.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 529 : 31 : 17 - سفين عن أشعث بن أبي الشعثآء عن الأسود بن هلال عن عبد الله بن مسعود في قوله {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} قال، لم يخافت من أسمع أذنيه. [الآية 110]. 530 : 32 : 19 - سفين عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في قوله {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} قال، في الدعاء. 531 : 33 : 20 - سفين عن أبي هاشم عن مجاهد أنه كان إذا رأى قوما يدعون قد رفعوا أصواتهم، حصبهم وتأول {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا}. 532 : 34 : 21 - سفين عن إبراهيم الهجري عن أبي عياض قال، هو الدعاء. 533 : 35 : 22 - سفين عن عبيد عن إبراهيم مثله. 534 : 36 : 23 - سفين عن سالم عن عطاء مثله.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ} [110] 320- أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، نا هُشيم، أنا أبو بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس في قوله عز وجل: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} قال: حديث : نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مُخْتفٍ بمكة، فكان إذا صلى بأصحابه / رفع صوته بالقراءة، فإذا سمع المشركون سبُّوا القرآن ومن أنزله، ومن جاء به، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ} أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبُّوا القرآن، {وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} أصحابك فلا يسمعون {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} . تفسير : 321- أنا هارون بن إسحاق، نا عَبدة، عن هشام، عن أبيه. وأنا شعيب بن يوسف، قال: نا يحيى، عن هشام بن عُروة قال: أخبرني أبي، عن عائشة، في قوله جل وعز {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا}: نزلت في الدعاء.

همام الصنعاني

تفسير : 1641- حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني معمر، قال: أخبرني سَمَّاك بن الفضل، عن بعض أهْلِ المدينةِ في قولهِ تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ}: [الآية: 110]، قال: هي منسوخة نسَخَها قوله تعالى: {أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ}تفسير : : [الأعراف: 205]. 1644- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا}: [الآية: 110]، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يَرْفَعُ صوته في الصَّلاَةِ، فيرمى بالخبث، فقال: لا تَرْفَعْ صَوْتَكَ فتؤذي ولا تخافتْ، {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً}. 1645- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، في قوله: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا}: [الآية: 110]، قال: في الدعاء. 1646- قال عبد الرزاق، قال معمر، وكان الحسن يقول: لا تُحْسِنْ عَلاَنيتها، وتسيء سَرِيرَتَها.