Verse. 2140 (AR)

١٧ - ٱلْإِسْرَاء

17 - Al-Isra (AR)

وَقُلِ الْحَمْدُ لِلہِ الَّذِيْ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَّلَمْ يَكُنْ لَّہٗ شَرِيْكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّہٗ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْہُ تَكْبِيْرًا۝۱۱۱ۧ
Waquli alhamdu lillahi allathee lam yattakhith waladan walam yakun lahu shareekun fee almulki walam yakun lahu waliyyun mina alththulli wakabbirhu takbeeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«شريك في الملك» في الألوهية «ولم يكن له ولي» ينصره «من» أجل «الذل» أي لم يذل فيحتاج إلى ناصر «وكبره تكبيرا» عظمه عظمة تامة عن اتخاذ الولد الشريك والذل وكل ما لا يليق به وترتيب الحمد على ذلك للدلالة على أنه المستحق لجميع المحامد لكمال ذاته وتفرده في صفاته وروى الإمام أحمد في مسنده عن معاذ الجهني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (آية العز الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك) إلى آخر السورة والله تعالى أعلم قال مؤلفه هذا آخر ما كملت به تفسير القرآن الكريم الذي ألفه الشيخ الإمام العالم المحقق جلال الدين المحلي الشافعي رضي الله عنه وقد أفرغت لمكمل وعليه في الآي المتشابهة الاعتماد والمعول فرحم الله امرأ نظر بعين الإنصاف إليه ووقف فيه على خطأ فأطلعني عليه وقد قلت: حمدت الله ربي إذ هداني لما أبديت مع عجزي وضعفي فمن لي بالخطأ فأرد عنه ومن لي بالقبول ولو بحرف هذا ولم يكن قط في خلدي أن أتعرض لذلك لعلمي بالعجز عن الخوض في هذه المسالك وعسى الله أن ينفع به نفعا جما ويفتح به قلوبا غلفا وأعينا وآذانا صما وكأني بمن اعتاد المطولات وقد أضرب عن هذه التكملة وأصلها حسما وعدل إلى صريح العناد ولم يوجه إلى دقائقها فهما «ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى» رزقنا الله به هداية إلى سبيل الحق وتوفيقا واطلاعا على دقائق كلماته وتحقيقا وجعلنا به «مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا» وفرغ من تأليفه يوم الأحد عاشر شوال سنة سبعين وثمانمائة وكان الابتداء في يوم الأربعاء مستهل رمضان من السنة المذكورة وفرغ من تبييضه يوم الأربعاء سادس صفر سنة إحدى وسبعين وثمانمائة والله أعلم قال الشيخ شمس الدين محمد بن أبي بكر الخطيب الطوخي أخبرني صديقي الشيخ العلامة كمال الدين المحلي أخو شيخنا الشيخ جلال الدين المحلي رحمهما الله تعالى أنه رأى أخاه الشيخ جلال الدين المذكور في النوم وبين يديه صديقنا الشيخ العلامة المحقق جلال الدين السيوطي مصنف هذه التكملة وقد أخذ الشيخ هذه التكملة في يده وتصفحها ويقول لمصنفها المذكور أيهما أحسن وضعي أو وضعك فقال: وضعي فقال: انظر وعرض عليه مواضع فيها وكأنه يشير إلى اعتراض فيها بلطف ومصنف هذه التكملة كلما أورد عليه شيئا يجيبه والشيخ يبتسم ويضحك قال شيخنا الإمام العلامة جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي مصنف هذه التكملة: الذي أعتقده وأجزم به أن الوضع الذي وضعه الشيخ جلال الدين المحلي رحمه الله تعالى في قطعته أحسن من وضعي أنا بطبقات كثيرة كيف وغالب ما وضعته هنا مقتبس من وضعه ومستفاد منه لا مرية عندي في ذلك وأما الذي رئي في المنام المكتوب أعلاه فلعل الشيخ أشار به إلى المواضع القليلة التي خالفت وضعه فيها لنكتة وهي يسيرة جدا ما أظنها تبلغ عشرة مواضع منها أن الشيخ قال في سورة ص: والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه وكنت تبعته أولا فذكرت هذا الحد في سورة الحجر ثم ضربت عليه لقوله تعالى «ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي» الآية فهي صريحة أو كالصريحة في أن الروح من علم الله تعالى لا نعلمه فالإمساك عن تعريفها أولى ولذا قال الشيخ تاج الدين بن السبكي في جمع الجوامع: والروح لم يتكلم عليها محمد صلى الله عليه وسلم فنمسك عنها ومنها أن الشيخ قال في سورة الحج: الصابئون فرقة من اليهود فذكرت ذلك في سورة البقرة وزدت أو النصارى بيانا لقول ثان فإنه المعروف خصوصا عند أصحابنا الفقهاء وفي المنهاج وإن خالفت السامرة اليهود والصابئة النصارى في أصل دينهم وفي شرحه أن الشافعي رضي الله عنه نص على أن الصابئين فرقة من النصارى ولا أستحضر الآن موضعا ثالثا فكأن الشيخ رحمه الله تعالى يشير إلى مثل هذا والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

111

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} هذه الآية رادة على اليهود والنصارى والعرب في قولهم أفذاذاً: عزير وعيسى والملائكة ذرية الله سبحانه؛ تعالى الله عن أقوالهم! {وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ} لأنه واحد لا شريك له في ملكه ولا في عبادته. {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مَّنَ ٱلذُّلِّ} قال مجاهد: المعنى لم يحالف أحداً ولا ابتغى نصر أحد؛ أي لم يكن له ناصر يجيره من الذل فيكون مدافعاً. وقال الكلبي: لم يكن له وليّ من اليهود والنصارى؛ لأنهم أذل الناس، رداً لقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه. وقال الحسن بن الفضل: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مَّنَ ٱلذُّلِّ} يعني لم يذلّ فيحتاج إلى وليّ ولا ناصر لعزته وكبريائه. {وكبّره تكبيراً} أي عظمة تامة. ويقال: أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال: الله أكبر؛ أي صفه بأنه أكبر من كل شيء. قال الشاعر: شعر : رأيتُ الله أكبر كل شيء محاولة وأكثرهم جنوداً حديث : وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا دخل في الصلاة قال: «الله أكبر» تفسير : وقد تقدّم أوّل الكتاب. وقال عمر بن الخطاب: قول العبد الله أكبر خير من الدنيا وما فيها. وهذه الآية هي خاتمة التوراة. روى مطرِّف عن عبد الله بن كعب قال: افتتحت التوراة بفاتحة سورة الأنعام وختمت بخاتمة هذه السورة. وفي الخبر: «حديث : أنها آية العز»تفسير : ؛ رواه معاذ بن جبل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه «وقل الحمد لله الذي» الآية. وقال عبد الحميد بن واصل: سمعت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من قرأ وقل الحمد لله الآية كتب الله له من الأجر مثل الأرض والجبال لأن الله تعالى يقول فيمن زعم أن له ولداً تكاد السموات يتفطّرن منه وتنشق الأرض وتَخِرّ الجبال هَدًّا»تفسير : . وجاء في الخبر. حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً شكا إليه بالدَّين بأن يقرأ «قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن» ـ إلى آخر السورة ثم يقول ـ توكلت على الحي الذي لا يموت؛ ثلاث مرات.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ } في الألوهية {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ } ينصره {مِّنَ } أجل {ٱلذُّلِّ } أي لم يذل فيحتاج إلى ناصر {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } عظِّمه عَظَمة تامة عن اتخاذ الولد والشريك والذل وكل ما لا يليق به، وترتيب الحمد على ذلك للدلالة على أنه المستحق لجميع المحامد لكمال ذاته وتفرّده في صفاته، روى الإِمام أحمد في مسنده عن معاذ الجهني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: « حديث : آية العزِّ: الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك » تفسير : إلى آخر السورة والله أعلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَلَمْ يَكُن لُّهُ وَلِىٌّ} لم يحالف أحداً، أو لا يطلب نصر أحد، أو لا ولي له من اليهود والنصارى لأنهم أذل الناس {وَكَبِّرْهُ} عن كل ما لا يجوز عليه، أو صفه بأنه أكبر من كل شيء، أو عظمه تعظيماً.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال‏:‏ إن اليهود والنصارى قالوا {أية : اتخذا الله ولدا‏ً}‏ ‏تفسير : [‏البقرة: 116‏] وقالت العرب‏:‏ لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك‏.‏ وقال الصابئون والمجوس‏:‏ لولا أولياء الله لذل، فأنزل الله هذه الآية {‏وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا‏ً}‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ {‏ولم يكن له ولي من الذل‏}‏ قال‏:‏ لم يخف أحداً ولم يبتغ نصر أحد‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله‏:‏ {‏وكبره تكبيرا‏ً}‏ قال‏:‏ كبره أنت يا محمد على ما يقولون تكبيرا‏ً. وأخرج أحمد والطبراني، عن معاذ بن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏آية العز‏:‏ ‏{‏وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏"‏ تفسير : الآية كلها‏. وأخرج أبو يعلى وابن السني، ‏ ‏"حديث : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏: ‏خرجت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ويدي في يده، فأتى على رجل رث الهيئة فقال‏:‏ أي فلان، ما بلغ بك ما أرى‏؟‏ قال‏:‏ السقم والضر‏.‏ قال‏:‏ ألا أعلمك كلمات تذهب عنك السقم والضر‏؟‏‏.‏‏.‏‏.‏ قل‏:‏ توكلت على الحي الذي لا يموت، و ‏ {‏الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا‏ً} ‏ فأتى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حسنت حالته، فقال‏:‏ مهيم‏؟‏ فقال‏:‏ لم أزل أقول الكلمات التي علمتني‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الفرج، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن إسماعيل بن أبي فديك رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : ما كربني أمر إلا تمثل لي جبريل عليه السلام فقال‏:‏ يا محمد، قل توكلت على الحي الذي لا يموت و ‏{‏الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم يعلم أهله هذه الآية ‏{‏الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا‏ً} إلى آخرها‏.‏ الصغير من أهله والكبير‏. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبد الكريم بن أبي أمية قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الغلام من بني هاشم إذا أفصح سبع مرات ‏{‏الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً‏}‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف من طريق عبد الكريم، عن عمرو بن شعيب رضي الله عنه قال‏:‏ كان الغلام إذا أفصح من بني عبد المطلب، علمه النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية سبع مرات‏ {‏الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا‏ً}‏ الآية‏. وأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده‏. وأخرج ابن السني والديلمي، ‏ ‏"‏حديث : عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها‏: إذا أخذت مضجعك فقولي‏:‏ الحمد لله الكافي‏.‏‏.‏‏.‏ سبحان الله الأعلى‏.‏‏.‏‏.‏ حسبي الله وكفى ما شاء الله‏.‏‏.‏‏.‏ قضى، سمع الله لمن دعا، ليس من الله ملجأ ولا وراء الله ملتجأ‏.‏‏.‏‏.‏ توكلت على ربي وربكم‏.‏‏.‏‏.‏ ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها‏.‏‏.‏‏.‏ إن ربي على صراط مستقيم ‏{‏الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا‏ً}‏ من يقولها عند منامه ثم ينام وسط الشياطين والهوام فلا تضره‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ إن التوراة كلها في خمس عشرة آية من بني إسرائيل، ثم تلا {لا تجعل مع الله إلهاً آخر‏} ‏ والله أعلم‏.

ابو السعود

تفسير : {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} كما يزعم اليهودُ والنصارى وبنو مليح، حيث قالوا: عزيرٌ ابنُ الله والمسيحُ ابنُ الله والملائكةُ بناتُ الله تعالى عن ذلك علواً كبـيراً {وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ} أي الألوهيةِ كما يقوله الثنويةُ القائلون بتعدد الآلهة {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ ٱلذُّلّ} ناصرٌ ومانعٌ منه لاعتزازه، أو لم يوالِ أحداً من أجل مذلةٍ ليدفعها به، وفي التعرض في أثناء الحمدِ لهذه الصفاتِ الجليلة إيذانٌ بأن المستحقَّ للحمد مَنْ هذه نعوتُه دون غيره، إذ بذلك يتم الكمالُ والقُدرةُ التامةُ على الإيجاد، وما يتفرّع عليه من إفاضة أنواعِ النعم وما عداه ناقصٌ مملوكٌ نعمةٌ أو منقماً عليه، ولذلك عُطف عليه قولُه تعالى: {وَكَبّرْهُ تَكْبِيرًا} وفيه تنبـيهٌ على أن العبدَ وإن بالغ في التنزيه والتمجّد واجتهد في الطاعة والتحميد ينبغي أن يعترِف بالقصور في ذلك. رُوي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أفصح الغلامُ من بني عبد المطلب علّمه هذه الآية الكريمة. وعنه عليه الصلاة والسلام: « حديث : من قرأ سورةَ بني إسرائيلَ فرقّ قلبُه عند ذكرِ الوالدَين كان له قنطارٌ في الجنة » تفسير : والقنطارُ ألفُ أوقية ومائتا أوقية والحمد لله سبحانه وله الكبرياء والعظمة والجبروت.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} [الآية: 111]. قال ابن عطاء: عظِّم منته وإحسانه فى قلبك يعلمك بتقصيرك فى شكره. قال بعضهم: اعلم أنك لا تطيق أن تكبره الآية، فاستفت به ليدل على مواقف التعظيم.

القشيري

تفسير : احْمَدْه بذكر تقدسه عن الولد، وأنه لا شريك له؛ ولا ولي له من الذل؛ إما على أنه لم يَذَلَّ فيحتاج إلى ولي، أو على أنه لم يوالِ أحداً من أجل مذلة به فيدفعها بموالاته. ويقال اشكره على نعمته العظيمة حيث عرَّفك بذلك. ويقال له الأولياءُ ولكن لا يعتريهم بِذُلِّهم، إذ يصيرون بعبادته أَعِزَّةً. {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} بأَنْ تَعْلَمَ أَنَّك تصل إليه به لا بتكبيرك.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا} لان الولادة من صفات الاجسام لا غير وهو رد لليهود والنصارى وبنى مدلج حيث قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله والملائكة بنات الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا {ولم يكن له شريك فى الملك} فى ملك العالم اى الالوهية فان الكل عبيده والعبد لا يصلح ان يكون شريكا لسيده فى ملكه وهو رد للثنوية القائلين بتعدد الآلهة: وفى المثنوى شعر : واحد اندر ملك اورا يارنى بند كانش را جز اوسالارنى نيست خلقش را دكر كس مالكى شر كتش دعوى كند جزهالكى تفسير : {ولم يكن له ولى من الذل} لم يوال احدا من اجل مذلة به ليدفعها بموالاته فانه محال انه يذل فيحتاج الى احد يتعزز به ويدفع عنه المذلة اذ له العزة كلها فليس له مذلة دلالة ولا له احتياج الى ولى يدفع الذل عنه وهو رد للمجوس والصابئين فى قولهم لولا اولياء الله لذل الله تعالى عن ذلك. وفى الاسئلة المقحمة كيف جعل عدم الولد علة استحقاق الحمد الجواب ان هذا ليس بتعليل لوجوب الحمد انما هو بيان من يقع له الحمد كما تقول الحمد لله الاول الآخر الحمد لله رب العالمين انتهى. وفى الكشاف كيف رتب الحمد على نفى الولد والشريك والذل اى مع انه لم يكن من الجميل الاختيارى قلت ان من هذا وصفه هو الذى يقدر على ايلاء كل نعمة فهو الذى يستحق جنس الحمد {وكبره تكبيرا} عظمه تعظيما او قل الله اكبر من الاتخاذ والشريك والولى. وقال الكاشفى [يعنى حق را بزر كتر دان ازوصف واصافان ومعرفت عارفان شعر : فكرها عاجزست زا وصافش عقلها هرزه ميزند لافش عقل عقلست جان جانست او آن كزو برترست آنت او تفسير : وكان النبى صلى الله عليه وسلم اذا افصح الغلام من بنى عبد المطلب علمه هذه الآية وكان يسميها آية العزة. قال فى التأويلات النجمية {أية : قل ادعوا الله او ادعوا الرحمن} تفسير : يشير الى ان الله اسم الذات والرحمن اسم الصفة {أية : ايا ما تدعوا}تفسير : اى بأى اسم من اسم الذات والصفات تدعونه {أية : فله الاسماء الحسنى}تفسير : اى كل اسم من اسمائه حسن فادعوه حسنا وهو ان تدعوه بالاخلاص {أية : ولا تجهر بصلاتك} تفسير : اى بدعائك وعبادتك رياء وسمعة {أية : ولا تخافت بها}تفسير : اى ولا تخفها بالكلية عن نظر لئلا يحرموا المتابعة والاسوة الحسنة {أية : وابتغ بين ذلك سبيلا}تفسير : وهو اظهار الفرائض بالجماعات فى المساجد واخفاء النوافل وحدانا فى البيوت {وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا} فيكون كمال عنايته وعواطف احسانه مخصوصا بولده ويحرم عباده معه {ولم يكن له شريك فى الملك} فيكون مانعا له من اصابة الخير الى عباده واوليائه {ولم يكن له ولى من الذل} فيكون محتاجا اليه فينعم عليه دون ما استغنى عنه بل اولياؤه الذين آمنوا وجاهدوا فى الله حق جهاده. وكبروا الله وعظموه بالمحبه والطلب والعبودية وهو معنى قوله {وكبره تكبيرا} انتهى [علم الهدى فرموده كه حق سبحانه دوست نكيرد تابمدد ايشان ازدل بعز رسد بلكه دوست كيرد تابلطف وى از حضيض مذلت تاباوج عزت ترقى كند] كما قال الله تعالى {أية : الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور}تفسير : وهذه الولاية عامة مشتركة بين جميع المؤمنين وترقيهم من الجهل الى العلم وقال تعالى {أية : ألا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}تفسير : وهذه الولاية خاصة بالواصلين الى الله من اهل السلوك وترقيهم من العلم الى العين ومن العين الى الحق. قال فى شرح الحكم العطائية ان عباد الله المخلصين قسمان قوم اقامهم الحق لخدمته وهم العباد والزهاد واهل الاعمال والاوراد وقوم خصهم بمحبته وهم اهل المحبة والوداد والصفاء واتباع المراد وكل فى خدمته وتحت طاعته وحرمته اذ كلهم قاصد وجهه ومتوجه اليه قال الله تعالى {أية : كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك}تفسير : وهذا عام فى كل طريق وظاهر فى كل فريق {أية : وما كان عطاء ربك محظورا}تفسير : فيحجر او يحصر فى نوع واحد او صفة واحدة. وقد قال يحيى بن معاذ رضى الله عنه الزاهد صيد الحق من الدنيا والعارف صيد الحق من الجنة. وقال ابو يزيد البسطامى قدس سره اطلع الله سبحانه الى قلوب اوليائه فمنهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة فشغلهم بالعبادة: قال الحافظ شعر : درين جمن نكنم سرز نش بخودرويى جنانكه برورشم ميدهند ميرويم تفسير : تمت سورة الاسراء فى اوسط جمادى الاولى من سنة خمس ومائة والف.

الجنابذي

تفسير : {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مَّنَ ٱلذُّلِّ} بعد امره بالتّوسّط فى الاقوال او الافعال امره بالتّوسّط فى توصيفه تعالى بالجمع بين التّشبيه والتّنزيه قولاً واعتقاداً وشهوداً فأمره تعالى بالحمد اى ملاحظة ظهوره تعالى فى كلّ شيءٍ وفيءٍ مع تنزيهه عن اصول النّقائص، وهى كون الثّانى له سواء كان تحت يده او مقابلاً له او مستعلياً عليه محتاجاً اليه وكان هو عاجزاً فانّ الذّلّ ينشأ من العجز عن دفع الضّرّ او جلب النّفع، ولمّا كان ذلك موهماً لتوصيفه ومعرفته امره ثانياً بتكبيره عن التّوصيف والمعرفة فقال {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} عن كلّ ما يوهم النّقص او التّوصيف، ولذلك ورد فى جواب من قال: الله اكبر من كلّ شيءٍ عن الصّادق (ع): وكان ثمّة شيءٌ فيكون اكبر منه؟! فقيل: وما هو؟ - قال: اكبر من ان يوصف.

الهواري

تفسير : قوله: { وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} يتكثر به من القلة. { وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ} أي: خلق معه شيئاً. {وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ} أي: يتعزز به { وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} أي: وعظّمه تعظيماً. ذكروا أن نبي الله عليه الصلاة والسلام كان يعلّمها الصغير والكبير من أهله. وذكروا عن كعب قال: فتحت التوراة بـ (أية : الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) تفسير : [الأنعام:1] وختمت بـ {الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً}. [ذكروا عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلّى ركعتي الفجر قال: حديث : اللهم إنا نشهد أنك لست بإله استحدثناه، ولا برب يَبيدُ ذكره، ولا مليك معه شركاء يقضون معه، ولا كان قبلك إله ندعوه ونتضرع إليه، ولا أعانك على خلقنا أحد فنشك فيك، لا إله إلا أنت، اغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنتتفسير : ].

اطفيش

تفسير : {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلهِ} قال - صلى الله عليه وسلم -حديث : أول من يدعى إِلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله فى السراء والضراءتفسير : . رواه ابن عباس، قال عبد الله بن عمر عنه - صلى الله عليه وسلم - حديث : الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبد لا يحمدهتفسير : ، وقال جابر بن عبد الله عنه - صلى الله عليه وسلم - حديث : أن أفضل الدعاء الحمد لله، وأفضل الذكر لا إِله ألا اللهتفسير : ، أخرجه الترمذى، وقال حسن غريب وروى سمرة بن جندب عنه - صلى الله عليه وسلم - حديث : أحب الكلام إِلى الله أربع: لا إِله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، لا يضرك بأيهن ابتدأت تفسير : أخرجه مسلم. {الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} لعدم احتياجه ولعدم اتخاذ الصاحبة ولاستحالة ذلك عنه لأَنه نقص وشبه بالمخلوق ولزم معه حد ونهاية واتخاذ الولد ولادته تعالى وتقدس عنه - وذلك رد على من يقول الملائكة بنات الله، ومن يقول عزير ابن الله ومن يقول المسيح ابن الله ويجوز أن يكون المراد التبنى كما يتبنى الإِنسان ولد غيره والله منزه عن ذلك لعدم احتياجه إِلى ما يريده الإِنسان ممن يتبناه. {وَلَمْ يَكُن لَّهْ شَرِيكٌ فِى المُلْكِ} أى ملك الدنيا والآخرة وإِنما يتملكه من يتملكه بهبة الله سبحانه وهو المالك له حقيقة، كذا أقول ورأيت لغيرى تفسير الملك بالالوهية وهذا رد على من جعل له شريكاً. {وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِىٌ} ناصر يليه فى الدفع عنه. {مِّنَ الذُّلِّ} مصدر ذلك ضد عز ومن للتعليل يعلق بيكن كأَنه قال أن كون ولى له من المذلة منتف فإِنه لا ذلك يلحقه فضلا عن أن يكون له ولى يدفع عنه الذى كما قال مجاهد لم يخالف أحداً ولا ابتغى نصر أحد ويجوز تعليقها بولى على أنها للابتداء لتضمنه معنى ناصر ودفع ومانع أى لم يكن له مانع من الذل لعدم الذل أصلا فضلا عن أن يتصور دفعه عنه ويجوز بقاؤها لتعليل مع تعليقه بولى على معنى أن ولاية أحد له لأَجل ذل يلحقه منتفية لعدم لحوق ذلك له ويجوز أن يكون المعنى لأولى له من الذل بل له أولياء ولوه بالطاعة ووليهم بالرضى عنهم وفيه من الأَوجه السابقة كلها على هذا أيضاً وزعم بعض أن العرب كانوا يقولون لولا أن الله أنصار الذل فنزلت الآية رادة عليهم وإِن قلت ما وجه التعليق الحمد بتلك الصفات السلبية قلت وجهه أن من يتخذ الولد يمسك النعم لولده ويبخل بها عن غيره والله تعالى منزه عن الولد فافاض نعمه علينا وأن الود يقوم مقام والده بعد موته والله منزه عن الولد والموت فالنعم أبداً بيده يعطيناها وأنه لو كان له شريك لم يجد ولم نجد أن يعطينا ما يجب ونحب وكان ملكه غير تام تعالى عن ذلك فلا يستحق الحمد التام تعالى عن ذلك وكذا لو كان دليلا لم يجد الدفع عنا كل الدفع فيصيبنا ونحن عبيده ما لا يحب تعالى عن ذلك كذا ظهر لى فتأَمله، وقال جار الله والقاضى: علق الحمد بتلك الصفات لأَن من ذلك وصفه هو الذى يقدر على كل نعمة إِيلاء فهو الذى يستحق جنس الحمد لأَنه كامل الذات المنفرد بالإِيجاد المنعم على الإِطلاق وما عداه ناقص مملوك إِما نعمه وإِما منعم عليه ولذلك عطف على قل بقوله {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} عظمه تعظيماً عاماً عن كل ما يليق به من ذلك وغيره فالعبد وإِن بالغ فى تعظيمه تعالى وتنزيهه وتحميده وطاعته يجب عليه أن يعترف بالقصور عن حق الله جل وعلا فى ذلك قال معاذ الجهنى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِنه كان يقول: حديث : آية العز {الحمد لله الذى لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك فى الملك} إِلى آخر السورةتفسير : ، رواه أحمد وكان صلى الله عليه وسلم - إِذا أفصح الغلام من بنى عبد المطلب علمه هذه الآية وذكروا أيضاً أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يعلمهن الصغير والكبير من أهله. وعن كعب: فتحت التوراة بالحمد لله الذى خلق السماوات إِلى قوله يعدلون وختمت بالحمد لله الذى لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك فى الملك ولم يكن له ولى من الذل وكبره تكبيراً والله أعلم.

اطفيش

تفسير : {وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِى الْمُلْكِ} أمره الله عز وجل بالحمد له، لتنزهه عن صفات النقص، وانفراده بالملك العام، وإنعامه، والملك الخلق والرزق، والإبقاء والإحياء والإماتة، والزيادة والنقص، والعبادة، وكل موجود سواه فهو ملكه، وليس معنى الملك كونه إلها إلا أن يراد لازم الألوهية، وهو أنه يملك كل شئ من الأجسام والأعراض، ولا ولد له، كما زعم اليهود والنصارى فى عزير وعيسى، وبعض العرب، والنصارى فى الملائكة، ولا شريك له كما تقول الثنوية وقريش وغيرهم. {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِىٌّ مِنَ الذُّلِّ} لا ولى له يدفع عنه الذل، لأنه عزيز بل لا ذل له فضلا عن أن يكون له أحد بلى أمره من أجل الذل. {وَكَبَّرَهُ تَكْبِيرًا} عن كل نقص، وكل كامل يكون ناقصا بالنسبة إليه، وكل معصية وقعت فبإرادته وعلمه، وخلقه لها، وإلا لزم النقصان، بأن وقع فى مُلكه ما لم يرده. التقى عبد الجبار المعتزلى الهمدانى مع القاضى أبى إسحاق الإسفرايينى فقال: سبحان من تنزه عن الفحشاء، يعيب عليه اعتقاده أن الله خلق المعصية فأجابه الإسفرايينى فقال: سبحان مَن لا يجرى فى ملكه إلا ما يشاء، ووقع مثل هذا لأبى عبيدة، مسلم رحمه الله مع بعض المعتزلة أيضا. وكان صلى الله عليه وسلم إذا أفصح الغلام من بنى عبد المطلب علّمه هذه الآية. وعن عمر رضى الله عنه إذا قال العبد: الله أكبر فهو خير له من الدنيا وما فيها. ويقال: افتتحت التوراة بفاتحة سورة الأنعام، واختتمت بخاتمة هذه السورة وفى مسند أحمد، عن معاذ الجهينى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "آية العز {الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك ولم يكن له ولى من الذل وكبره تكبيراً}.

الالوسي

تفسير : {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} رد على اليهود والنصارى وبني مليح حيث قالوا: عزير ابن الله والمسيح ابن الله تعالى والملائكة بنات الله سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً. ونفى اتخاذ الولد ظاهر في نفي التبني ويعلم منه نفي أن يكون له سبحانه ولداً لصلب من باب أولى، وقد نفى ذلك صريحاً في قوله تعالى {أية : لَمْ يَلِدْ} تفسير : [الإخلاص: 3] {وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ} ظاهره أنه رد على الثنوية وهم المشركون في الربوبية، ويجوز أن يكون كناية عن نفي الشركة في الألوهية فيكون رداً على الوثنية {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ ٱلذُّلّ} أي ناصر ومانع له سبحانه من الذل لاعتزازه تعالى بنفسه فمن صلة لولي وضمن معنى المنع والنصر أو لم يوال تعالى أحداً من أجل مذلة فالولاية بمعنى المحبة على أصلها ومن تعليلية. وليس المعنى على الوجهين نفي الذل والنصر في الأول والموالاة والذل في الثاني على أسلوب ـ لا يهتدي بمناره ـ بل المراد أنه تعالى إذا اتخذ عبداً له ولياً فذلك محض الاصطناع في شأن العبد لا أن هناك حاجة، وكذلك نصر الله تعالى كمال للناصر لا أن ثمة حاجة ألا ترى إلى قوله سبحانه: {أية : إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ} تفسير : [محمد: 7] وإلى هذا ذهب صاحب «الكشف» وهو حسن. وجعل ذلك على الوجهين الفاضل الطيبـي من ذاك الأسلوب. وفي «الحواشي الشهابية» في بيان ثاني الوجهين أن المراد نفي أن يكون له تعالى مولى يلتجىء هو سبحانه إليه، وأما الولي الذي يوصف به المؤمن فليس الولاية فيه بهذا المعنى بل بمعنى من يتولى أمره لمحبته له تفضلاً منه عز وجل ورحمة فغاير بين الولايتين، ولعل الحق مع صاحب «الكشف». ومن عجيب ما قيل إن {مِّنَ ٱلذُّلِّ} في موضع الصفة لولي ومن فيه للتبعيض وان الكلام على حذف مضاف أي لم يكن له ولي من أهل الذل والمراد بهم اليهود والنصارى، ولعمري انه لا ينبغي أن يلتفت إليه. وربما يتوهم أن المقام مقام التنزيه لا مقام الحمد لأنه يكون على الفعل الاختياري وبه وما ذكر من الصفات العدمية ويدفع بأنه لاق وصفه تعالى بما ذكر بكلمة التحميد لأنه يدل على نفي الإمكان المقتضي للاحتياج وإثبات أنه تعالى الواجب الوجود لذاته الغني عما سواه المحتاج إليه ما عداه فهو الجواد المعطي لكل قابل ما يستحق فهو تعالى المستحق للحمد دون غيره عز وجل، وهذا الذي عناه الزمخشري وقال في «الكشف»: لك أن تتخذ نفي هذه الصفات وهي ذرائع منع المعروف أما الولد فلأنه مبخلة، وأما الشريك فلأنه مانع من التصرف كيف يشاء، وأما الاحتياج إلى من يعتز به أو يذب عنه فأظهر رديفاً لإثبات أضدادها على سبيل / الكناية وهو وجه حسن؛ ولو حمل الكلام على ظاهره أيضاً لكان له وجه وذلك لأن قول القائل الحمد لله فيه ما ينبىء أن الإلٰهية تقتضي الحمد فإذا قلت الحمد لله المنزه عن النقائص مثلاً يكون قد قويت معنى الإلٰهية المفهومة من اللفظ فيكون وصفاً لائقاً مؤيداً لاستحقاقه تعالى الحمد من غير نظر إلى مدخلية الوصف في الحمد بالاستقلال وهذا بين مكشوف إلا أن الزمخشري حاول أن ينبه على مكان الفائدة الزائدة اهـ. وتعقب بأن ما ذكره من أن في الحمد لله ما ينبىء أن الإلٰهية تقتضي الحمد لا يتم على مذهب مانعي الاشتقاق في الاسم الكريم وفيه تأمل. والآية على ما قال العلامة الطيبـي من التقسيم الحاصر لأن المانع من إيتاء النعم إما فوقه سبحانه وتعالى أو دونه أو مثله عز وجل فبني الكلام على الترقي وبدىء من الأدون وختم بالأعلى فنفي الكل فمنه ولد الكثرة وله القل والدق والجل تعالى كبرياؤه وعظمت نعماؤه. ولدلالة ما تقدم على أنه تعالى هو الكامل وما عداه ناقص استحق التكبير ولذا عطف عليه قوله سبحانه وتعالى {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} والتكبير أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال. وفي الأمر بذلك بعدما تقدم مؤكداً بالمصدر المنكر من غير تعيين لما يعظم به تعالى إشارة إلى أنه مما لا تسعه العبارة ولا تفي به القوة البشرية وإن بالغ العبد في التنزيه والتمجيد واجتهد في العبادة والتحميد فلم يبق إلا الوقوف بأقدام المذلة في حضيض القصور والاعتراف بالعجز عن القيام بحقه جل وعلا وإن طالت القصور. وروى غير واحد أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم الغلام من بني عبد المطلب إذا أفصح {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} إلى آخر الآية سبع مرات وسماها عليه الصلاة والسلام كما أخرج أحمد والطبراني عن معاذ آية العز، وأخرج أبو يعلى وابن السني عن أبـي هريرة قال: حديث : خرجت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ويدي في يده فأتى على رجل رث الهيئة فقال: أي فلان ما بلغ بك ما أرى قال: السقم والضر قال صلى الله عليه وسلم ألا أعلمك كلمات تذهب عنك السقم والضر توكلت على الحي الذي لا يموت {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} الآية فأتى عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام وقد حسنت حالته فقال: مهيم. فقال: لم أزل أقول الكلمات التي علمتنيتفسير : . وأخرج ابن أبـي الدنيا في كتاب «الفرج» والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن إسمٰعيل بن أبـي فديك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما كربني أمر إلا مثل لي جبريل عليه السلام فقال: يا محمد قل: توكلت على الحي الذي لا يموت و{ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا}» تفسير : إلى آخر الآية، وأخرج ابن السني والديلمي عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها أن النبـي عليه الصلاة والسلام قال لها إذا أخذت مضجعك فقولي: «حديث : الحمد لله الكافي سبحان الله الأعلى حسبـي الله وكفى ما شاء الله قضى سمع الله لمن دعا ليس من الله ملجأ ولا وراء الله ملتجى توكلت على ربـي وربكم {مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [هود: 56]، {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} ـ إلى {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} ثم قال صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم يقرأها عند منامه ثم ينام وسط الشياطين والهوام فتضره» تفسير : هذا وما ألطف المناسبة بين ابتداء هذه السورة وهذا الختام وليس ذلك بدعاً في كلام اللطيف العلام. ومن باب الإشارة في الآيات: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ} [الإسراء: 73] إلى آخره تنبيه لحبيبه صلى الله عليه وسلم عن الوقوع فيما يخل بحفظ شرائط المحبة وفيه إشارة إلى إيصاله إلى مقام التمكين {أَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ} الآية، ذكر أن الصلاة على خمسة أقسام صلاة المواصلة والمناغاة في مقام الخفي وصلاة المشاهدة في مقام الروح وصلاة المناجاة في مقام السر وصلاة الحضور في مقام القلب وصلاة المطاوعة والانقياد في مقام النفس. فدلوك الشمس إشارة إلى زوال شمس الوحدة عن الاستواء على وجود العبد بالفناء المحض فإنه لا صلاة في حال الاستواء إذ لا وجود / للعبد حينئذ ولا شعور له بنفسه، وإنما تجب بالزوال وحدوث ظل وجود العبد سواء عند الاحتجاب بالخلق وهو حالة الفرق قبل الجمع أو عند البقاء وهو حالة الفرق بعد الجمع، وغسق الليل إشارة إلى غسق ليل النفس وقرآن الفجر إشارة إلى قرآن فجر القلب، وأدل الصلوات وألطفها صلاة المواصلة وأفضلها صلاة الشهود المشار إليها بصلاة العصر وأخفها صلاة السر المشار إليها بصلاة المغرب وأشدها تثبيتاً للنفس صلاة النفس المشار إليها بصلاة العشاء وأزجرها للشيطان صلاة الحضور المشار إليها بالفجر {أية : إنَّ قُرآنَ الفَجْرِ كَانَ مشْهُوداً} تفسير : [الإسراء: 78] أي تشهده ملائكة الليل والنهار؛ وهذا إشارة إلى نزول صفات القلب وأنوارها وذهاب صفات النفس وزوالها، {وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ } أي زيادة على الفرائض الخمس خاصة بك قيل لكونه علامة مقام النفس فيجب تخصيصه بزيادة الطاعة لزيادة احتياج هذا المقام إلى الصلاة بالنسبة إلى سائر المقامات، وقيل إنما خص صلى الله عليه وسلم بالتهجد لأن الليل وقت خلوة المحب بالحبيب وهو عليه الصلاة والسلام الحبيب الأعظم، والخليل المكرم {أية : عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا} تفسير : [الإسراء: 79] وهو مقام إلحاق الناقص بالكامل والكامل بالأكمل {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي} حضرة الوحدة في عين الجمع {مُدْخَلَ صِدْقٍ} إدخالاً مرضياً بلا آفة زيغ البصر إلى الالتفات إلى الغير أصلاً؛ {وَأَخْرِجْنِى } إلى فضاء الكثرة عند الرجوع إلى التفصيل بالوجود الموهوب الحقاني {مُخْرَجَ صِدْقٍ} سالماً من آفة التلوين والانحراف عن جادة الاستقامة {أية : وَٱجْعَل لّى مِن لَّدُنْكَ سُلْطَـٰناً نَّصِيرًا} تفسير : [الإسراء: 80] حجة ناصرة بالتثبيت والتمكين {وَقُلْ} إذا زالت نقطة الغين عن العين {جَاء ٱلْحَقُّ} أي ظهر الوجود الثابت وهو الوجود الواجبـي {أية : وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ} تفسير : [الإسراء: 81] وهو الوجود الإمكاني، ففي الحديث الصحيح أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد:شعر : إلا كل شيء ما خلا الله باطل تفسير : ويقال الحق العلم والباطل الجهل والحق ما بدا من الإلهام والباطل هواجس النفس ووساوس الشيطان. وقال فارس: كل ما يحملك على سلوك سبيل الحقيقة فهو حق وكل ما يحجبك ويفرق عليك وقتك فهو باطل {وَنُنَزّلُ مِنَ ٱلْقُرْءانِ مَا هُوَ شِفَاء} من أمراض الصفات الذميمة {وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ} بالغيب يفيدهم الكمالات والفضائل العظيمة فالأول إشارة إلى التخلية والثاني إلى التحلية، ويقال هو شفاء من داء الشك لضعفاء المؤمنين ومن داء النكرة للعارفين ومن وجع الاشتياق للمحبين ومن داء القنوط للمريدين والقاصدين، وأنشدوا:شعر : وكتبك حولي لا تفارق مضجعي وفيها شفاء للذي أنا كاتم تفسير : {وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ} الباخسين حظوظهم من الكمال بالميل إلى الشهوات النفسانية {أية : إَلاَّ خَسَارًا} تفسير : [الإسراء: 82] بزيادة ظهور أنفسهم بصفاتها من إنكار ونحوه {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَـٰنِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} فاحتجب بالنعمة عن المنعم ولم يشكر {أية : وَإِذَا مَسَّهُ الشرُّ كان يَئوساً} تفسير : [الإسراء: 83] لجهله بعظيم قدرة الله تعالى ولم يصبر {أية : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} تفسير : [الإسراء: 84] على طريقته التي تشاكل استعداده وكل اناء بالذي فيه يرشح {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى} أي من عالم الإبداع وهو عالم الذوات المقدسة عن الشكل واللون والجهة والأين فلا يمكن إدراك المحجوبين لها {أية : وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 85] وهو علم المحسوسات {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ} بنوره بمقتضى العناية الأزلية {فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} دون غيره {وَمَن يُضْلِلْ} بمنع ذلك النور عنه {فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ} تعالى يهدونه أو يحفظونه من قهره عز وجل {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} لانجذابهم إلى الجهة السفلية {أية : عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا} تفسير : [الإسراء: 97] لأنها أحوال تناسب أحوالهم في الدنيا {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا} تفسير : [الإسراء: 107] لعلمهم بحقيته، ووقوفهم على ما أودع فيه من الأسرار {أية : وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ} تفسير : [الإسراء: 109] لعظمته أو شوقاً لمنزله وحباً للقائه، قال أبو يعقوب السوسي: البكاء على أنواع بكاء من الله تعالى وهو أن يبكي خوفاً مما جرى به القلم في الفاتحة ويظهر في الخاتمة وبكاء على الله عز وجل وهو أن يبكي تحسراً على ما يفوته من الحق تعالى، وبكاء لله تبارك وتعالى وهو أن يبكي عند ذكره سبحانه وذكر وعده ووعيده وبكاء بالله تعالى وهو أن يبكي بلا حظ منه في بكائه. وقال القاسم: البكاء على وجوه بكاء الجهال على ما جهلوا وبكاء العلماء على ما قصروا وبكاء الصالحين مخافة الفوت، وبكاء الأئمة مخافة السبق وبكاء الفرسان من أرباب القلوب للهيبة والخشية ولا بكاء للموحدين. وفي الآية إشارة ما إلى السماع ولا أشرف من سماع القرآن فهو الروح والريحان {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ} قيل دعاء الله بالفناء في الذات ودعاء الرحمن بالفناء في الصفة وصفة الرحمانية هي أم الصفات وبها استوى سبحانه على عرشه، ومن ذلك يعلم أنه ليس المراد من الإيجاد إلا رحمة الموجودين {أَيّا مَّا تَدْعُواْ} أي أياً ما طلبت من هذين المقامين {فَلَهُ} تعالى في هذين المقامين {أية : ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الإسراء: 110] لا لك إذ لست هناك بموجود أما في الفناء في الذات فظاهر وأما في الفناء في الصفة المذكورة فلأن الرحمن لا يصلح اسماً لغير تلك الذات ولا يمكن ثبوت تلك الصفة لغيرها، ولا يخفى عليك أن ضمير (له) على هذا التأويل عائد على ما عاد إليه على التفسير. وفي «الفتوحات المكية» أنه تعالى جعل الأسماء الحسنى لله كما هي للرحمن غير أن الاسم له معنى وصورة فيدعى الله بمعنى الاسم ويدعي الرحمن بصورته لأن الرحمن هو المنعوت بالنفس وبالنفس ظهرت الكلمات الإلٰهية في مراتب الخلاء الذي ظهر فيه العالم فلا ندعوه إلا بصورة الاسم وله صورتان صورة عندنا من أنفاسنا وتركيب حروفنا وهي التي ندعوه بها وهي أسماء الأسماء الإلٰهية وهي كالخلع عليها ونحن بصورة هذه الأسماء مترجمون عن الأسماء الإلٰهية ولها صور من نفس الرحمن من كونه قائلاً ومنعوتاً بالكلام وخلف تلك الصور المعاني التي هي كالأرواح للأسماء الإلٰهية التي يذكر الحق بها نفسه وهي من نفس الرحمن فله الأسماء الحسنى وأرواح تلك الصور هي التي لاسم الله خارجة عن حكم النفس لا تنعت بالكيفية وهي لصور الأسماء النفسية الرحمانية كالمعاني للحروف، ولما علمنا هذا وأمرنا بأن ندعوه سبحانه وخيرنا بين الاسمين الجليلين فإن شئنا دعوناه بصور الأسماء النفسية الرحمانية وهي الهمم الكونية التي في أرواحنا وإن شئنا دعوناه بالأسماء التي من أنفاسنا بحكم الترجمة فإذا تلفظنا بها أحضرنا في نفوسنا أما الله فننظر المعنى وأما الرحمن فننظر صورة الاسم الإلٰهي النفسي الرحماني كيفما شئنا فعلنا فإن دلالة الصورتين منا ومن الرحمن على المعنى واحد سواء علمنا ذلك أو لم نعلمه اهـ، وهو كلام يعسر فهمه إلا على من شاء الله تعالى بيد أن ليس فيه حمل الدعاء على ما سمعت {وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} فضلاً عن أن يكون له سبحانه ولد بطريق التولد {وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ} فلا مدخل لغيره تعالى في ملكية شيء على الحقيقة وما يوجد بسبب ليس السبب إلا آلة له ولا تملك الآلة شيئاً بل لا شيء إلا وهو صنعه تعالى على الحقيقة والسرير مثلاً وإن أضيف إلى النجار من حيث الصنعة إلا أنه في الحقيقة آلة كالقدوم ولا يضاف العمل إلى الآلة على الحقيقة كذا قيل. وللشيخ قدس سره كلام في هذا المقام يفصح عن بعض هذا ذكره في الباب الثامن والتسعين بعد المائة فارجع إليه وتدبر، وكذا له كلام في قوله سبحانه {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ ٱلذُّلّ} لكن يغني عنه ما قدمناه {وَكَبّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111] قال بعضهم: تكبيره تعالى أن تعلم أنك لا تطيق أن تكبره إلا به. وقال ابن عطاء تكبيره عز وجل بتعظيم منته وإحسانه في القلب بالعلم بالتقصير في الشكر وكيف يوفي / أحد شكره تعالى ونعمه جل وعلا لا تحصى وآلاؤه لا تستقصى. هذا وقد تم بفضل الله تعالى تفسير هذه السورة الكريمة.

ابن عاشور

تفسير : لما كان النهي عن الجهر بالدعاء أو قراءة الصلاة سداً لذريعة زيادة تصميمهم على الكفر أعقب ذلك بأمره بإعلان التوحيد لقطع دابر توهم من توهموا أن الرحمان اسم لمسمى غير مسمى اسم الله، فبعضهم توهمه إلهاً شريكاً، وبعضهم توهمه مُعيناً وناصراً، أمر النبي بأن يقول ما يقلع ذلك كله وأن يعظمه بأنواع من التعظيم. وجملة {الحمد لله} تقتضي تخصيصه تعالى بالحمد، أي قصر جنس الحمد عليه تعالى لأنه أعظم مستحق لأن يحمد. فالتخصيص ادعائي بادعاء أن دواعي حمد غير الله تعالى في جانب دواعي حمد الله بمنزلة العدم، كما تقدم في سورة الفاتحة. و (مِن) في قوله: {من الذل} بمعنى لام التعليل. والذل: العجز والافتقار، وهو ضدّ العز، أي ليس له ناصر من أجل الذل. والمراد: نفي الناصر له على وجه مؤكد، فإن الحاجة إلى الناصر لا تكون إلا من العجز عن الانتصار للنفس. ويجوز تضمين (الولي) معنى (المانع) فتكون (من) لتعدية الاسم المضمن معناه. ومعنى {كبره} اعتقد أنه كبير، أي عظيم العِظم المعنوي الشامل لوجوب الوجود والغِنى المطلق، وصفات الكمال كلها الكاملة التعلقات، لأن الاتصاف بذلك كله كمال، والاتصاف بأضداد ذلك نقص وصغار معنوي. وإجراء هذه الصلات الثلاث على اسم الجلالة الذي هو متعلق الحمد لأن في هذه الصلاة إيماء إلى وجه تخصيصه بالحمد. والإتيان بالمفعول المطلق بعد {كَبّره} للتوكيد، ولما في التنوين من التعظيم، ولأنّ من هذه صفاته هو الذي يقدر على إعطاء النعم التي يعجز غيره عن إسدائها.

الشنقيطي

تفسير : أمر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة الناس على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. لأن أمر القدوة أمر لاتباعه كما قدمنا - أن يقولوا: "الحمد لله" أي كل ثناء جميل لائق بكماله وجلاله، ثابت له، مبيناً أنه منزه عن الأولاد والشركاء والعزة بالأولياء، سبحانه وتعالى عن ذلك كله علواً كبيراً. فبين تنزهه عن الولد والصاحبة في مواضع كثيرة. كقوله: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص:1] إلى آخر السورة، وقوله: {أية : وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً}تفسير : [الجن:3]، وقوله: {أية : بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}تفسير : [الأنعام:101]، وقوله: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً}تفسير : [مريم:88-92] الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة. وبيَّن في مواضع أخر: أنه لا شريك له في ملكه، أي ولا في عبادته. كقوله: {أية : وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ}تفسير : [سبأ:22]، وقوله: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر:16]، وقوله: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [الملك:1]، وقوله: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ}تفسير : [آل عمران:26] الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة. ومعنى قوله في هذه الآية {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مَّنَ ٱلذُّلِّ} يعني أنه لا يذل فيحتاج إلى ولي يعزبه. لأنه هو العزيز القهار، الذي كل شيء تحت قهره وقدرته، كما بينه في مواضع كثيرة كقوله: {أية : وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ}تفسير : [يوسف:21] الآية، وقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}تفسير : [البقرة:220] والعزيز: الغالب. وقوله: {أية : وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}تفسير : [الأنعام:18] والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقوله {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} أي عظمه تعظيماً شديداً. ويظهر تعظيم الله في شدة المحافظة على امتثال أمره واجتناب نهيه، والمسارعة إلى كل ما يرضيه، كقوله تعالى: {أية : وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ }تفسير : [البقرة:185] ونحوها من الآيات، والعلم عند الله تعالى. وروى ابن جرير في تفسير هذه الآية الكريمة عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم الصغير والكبير من أهله هذه الآية {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} الآية. وقال ابن كثير: قلت وقد جاء في حديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمى هذه الآية آية العز. وفي بعض الآثار: أنها ما قرئت في بيت في ليلة فيصيبه سرق أو آفة، والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

د. أسعد حومد

تفسير : (111) - لَمَّا أَثْبَتَ اللهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ الأَسْمَاءَ الحُسْنَى، نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ النَّقَائِصِ، فَقَالَ: الحَمْدُ للهِ الذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ، فَهُوَ تَعَالَى لَيْسَ ذَلِيلاً فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، أَوْ وَلِيٌّ أَوْ حَلِيفٌ، أَوْ وَزِيرٌ، أَوْ مُشِيرٌ، بَلْ هُوَ اللهُ تَعَالَى، خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، وَمُدَبِّرُهُ وَمُقَدِّرُهُ، وَلاَ شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: احْمدِ اللهَ، وَعَظِّمْهُ، وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فما المحمود عليه في الآية؟ الحق سبحانه يقول: {أية : ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ..}تفسير : [الإسراء: 111]. فكَوْنه سبحانه لم يتخذ ولداً نعمة كبيرة على العباد يجب أنْ يحمدوه عليها، فإنْ كان له ولد فسوف يخصُّه برعايته دون باقي الخَلْق، فقد تنزّه سبحانه عن الولد، وجعل الخَلْق جميعهم عياله، وكلُّهم عنده سواء، فليس من بينهم مَنْ هو ابن لله أو مَنْ بينه وبين الله قرابة، وأحبّهم إليه تعالى أتقاهم له، وهكذا ينفرد الخَلْق بكل حنان ربهم وبكل رحمته. ثم، ما الحكمة من اتخاذ الولد؟ الناس يتخذون الولد ويحرصون على الذَّكَر، خاصة لأمرين: أن يكون الولد ذكرى وامتداداً لأبيه بعد موته، كما قال الشاعر: شعر : أَبُنيّ يَا أنَا بَعْدَمَا أقْضِي تفسير : والحق سبحانه وتعالى باقٍ دائمٌ، فلا يحتاج لمَنْ يُخلِّد ذكراه، أو يكون امتداداً له، تعالى الله عن ذلك عُلواً كبيراً، فالحمد لله أنه لم يتخذ ولداً. أو يكون الولد للعِزْوة والمكاثرة والتقوّى به من ضعف، والحق سبحانه وتعالى هو الغالب القهار، فلا يحتاج إلى عِزْوة أو كثرة، لذلك يأمرنا سبحانه أن نُمجِّده لأنه لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، والمتأمل في حال الملوك والسلاطين يجد أكثر فسادهم إما من الولد وإما من الصاحبة. ثم يقول سبحانه: {وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ ..} [الإسراء: 111]. وهذا أيضاً من النعم التي تستوجب الحمد، ولك أنْ تتصوّر لو أن لله تعالى شريكاً في الملْك، كم تكون حَيْرة العباد، فأيُّهما تُطيع وأيهما تُرضِي؟ لقد أوضح لنا الحق سبحانه هذه المسألة في هذا المثل الذي ضربه لنا: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ..}تفسير : [الزمر: 29]. لذلك، ففي أعراف الناس وأمثالهم يقولون: (المركب التي بها ريسين تغرق) وكَوْنه سبحانه واحداً لا شريك له يجعلك تطمئن إلى أمره ونَهْيه فتُطيعه وأنت مطمئن، فأوامره سبحانه نافذة لا مُعقِّب لها، ولا مُعترِض عليها، فليس هناك إله آخر يأمرك بأمر مخالف، أليست هذه نعمة تستوجب الحمد؟ وأيضاً فإن الحق سبحانه يقول: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ ..} [الإسراء: 111]. الوليّ: هو الذي يليك، وأنت لا تجعل أمرك إلا لمن تثق به أنه يجلب لك نَفْعاً، أو يدفع عنك ضُرّاً، أو ينصرك أمام عدو، أو يُقوِّي ضعفك، فإذا لم يكُنْ لك ذاتية تحقق بها ما تريد تلجأ لمن له ذاتية، وتحتمي برحابه، وتجعل ولاءك له. والحق سبحانه ليس له وليٌّ يلجأ إليه ليعزه؛ لأنه سبحانه العزيز المعِزّ القائم بذاته سبحانه، ولا حاجة له إلى أحد. ثم يقول تعالى: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً} [الإسراء: 111]. لأن عظمة الحق سبحانه في نفس المؤمن أكبر من كل شيء، وأكبر من كل كبير؛ لذلك جُعلتْ (الله أكبر) شعار أذانك وصلاتك، فلا بُدَّ أن تُكبِّر الله، وتجعله أكبر مِمّا دونه من الأغيار، فإنْ ناداك وأنت في أيّ عمل فقُلْ: الله أكبر من عملي، وإنْ ناداك وأنت في حضرة عظيم، فقل: الله أكبر من أيِّ عظيم، كبِّره تكبيراً بأن تُقدِّم أوامره ونواهيه على كُلِّ أمر، وعلى كل نَهْي. ولا تنسَ أنك إن كبَّرْتَ الحق سبحانه وتعالى أعززْتَ نفسك بعزة الله التي لا يعطيها إلا لمَنْ يُخلص العبودية له سبحانه، فَضْلاً عن أن العبودية لله شرفٌ للعبد، وبها يأخذ العبد خَيْر سيده، أما العبودية للبشر فهي مذمومة مكروهة، وهي مذلة وهوان، حيث يأخذ السيد خير عبده. وصدق الشاعر حين قال: شعر : حَسْبُ نَفْسِي عِزّاً بأنِّي عَبْدٌ يَحْتفِي بي بلاَ مَواعِيدَ رَبُّ هُوَ في قُدْسِهِ الأعَزِّ وَلكِنْ أَنَا ألْقَى متَى وأَينَ أحِبُّ تفسير : فكم تتحمل من المشقة والعنت في مقابلة عظيم من عظماء الدنيا، أما في مقابلة رب العزة سبحانه، فبمجرد أنْ آمنتَ به أصبح الزمام في يدك تلقاه متى شئتَ، وفي أيِّ مكان أردتَ، وتُحدّثه في أيّ أمر أحببتَ، فأيُّ عِزَّة بعد هذا؟ ولذلك كانت حيثية الرفعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسراء والمعراج أنه عبد لله، حيث قال تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ..}تفسير : [الإسراء: 1]. فالعزة في العبودية لله، والعزة في السجود له تعالى، فعبوديتك لله تعصمك من العبودية لغيره، وسجودك له تعالى يعصمك من السجود لغيره، أَلاَ ترى قول الشاعر: شعر : وَالسُّــجُودُ الذِي تَجْـتَوِيه مِنْ أُلُوفِ السُّجودِ فِيهِ نَجَاةٌ تفسير : إذن: فكبِّر الله تكبيراً وعَظِّمه، والتجئ إليه، فَمن التجأ إلى الله تعالى كان في معيته، وأفاض عليه الحق من صفاته، وعصمه من كَيْد الآخرين وقهرهم. وسبق أنْ ضربنا مثلاً بالولد الصغير الذي يعتدي عليه أقرانه إنْ سار وحده، فإنْ كان في يد أبيه فلا يجرؤ أحد على الاعتداء عليه. فعليك - إذن - أن تكون دائماً في معيّة ربك تأمن كيد الكائدين ومكْر الماكرين، ولا ينالك أحدٌ بسوء، فإن ابتلاه الله بشيء فكأنما يقول له: أبتليك بنعمتي لتأخذ من ذاتي، لأن الصحيح المعَافَى إنْ كان في معية نعمة الله، فالمبتلى في معية الله ذاته. ألم يَقُلْ الحق سبحانه في الحديث القدسي: "حديث : يا بن آدم مرضْتُ فلم تَعُدْني، قال: يا رب وكيف أعودك وأنت ربُّ العالمين؟ فيقول: أما علمتَ أن عبدي فلاناً مرض فلم تَعُدْه، أما علمتَ أنك لو عُدْتَهُ لوجدتني عنده ". تفسير : فالمريض الذي يأنس بزائريه ويسعد بهم ويرى في زيارتهم تخفيفاً من آلامه ومواساة له في شدته، ما باله إن أنس بالله وكان في جواره وكلاءته، والله الذي لا إله إلا هو لا يشعر بوخْز المرض أبداً، ويستحي أن يتأوّه من ألم، ولا ييأس مهما اشتد عليه البلاء؛ لأنه كيف يتأوه من معية الله؟ وكيف ييأس والله تعالى معه؟ إذن: كبِّره تكبيراً. أي: اجعل أمره ونَهْيه فوق كل شيء، وقُلْ: الله أكبر من كل كبير حتى الجنة قل: الله أكبر من الجنة. أَلاَ ترى قَوْل رابعة العدوية: شعر : كُلُّهُمْ يعبدُونَك من خَوْف نارٍ ويَروْن النجاةَ حَظّاً جَزِيلا أَوْ بِأَنْ يَسْكُنُوا الجِنَانَ فَيَحْظَوْا بقُصُورٍ ويَشْرَبُوا سَلْسَبِيلا لَيْسَ لِي بالجنانِ وَالنَّارِ حَظٌّ أنَا لاَ أَبْتغِي بِحُبّي بَدِيلاً تفسير : وفي الحديث القدسي: "حديث : أَولَوْ لَم أخلق جنة وناراً، أما كنتُ أهلاً لأنْ أُعبد؟ ". تفسير : فالله تعالى بذاته سبحانه أكبر من أيّ شيء، حتى إن كانت الجنة، ففي آخر سورة الكهف يقول تعالى: {أية : فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً}تفسير : [الكهف: 110]. فلم يَقُلْ: مَنْ كان يرجو جزاء ربه، أو جنة ربه، أو نعيم ربه، إن المؤمن الحق لا ينظر إلى النعيم، بل يطمع في لقاء المنعِم سبحانه، وهذا غاية أمانيه. وفي حديث آخر يقول الحق سبحانه للملائكة: "حديث : أما رأيتم عبادي، أنعمتُ عليهم بكذا وكذا، وأسلب عنهم نعمتي ويحبونني ". تفسير : وبهذه الآية خُتِمَتْ سورة الإسراء، فجعلنا الحق سبحانه نختمها بما أنعم علينا من هذه النعم الثلاث، وليس هذه هي كل نعم الله علينا، بل لله تعالى علينا نِعَم لا تُعَدّ ولا تُحصَى، لكن هذه الثلاث هي قِمة النعم التي تستوجب أنْ نحمده عليها. فالحمد لله الذي لم يتخذ ولداً؛ لأنه لم يلد ولم يولد وهو واحد أحد، والحمد لله الذي لم يتخذ شريكاً لأنه واحد، والحمد لله الذي لم يكُنْ له وليٌّ من الذل لأنه القاهر العزيز المعز، ولهذا يجب أن نُكبِّر هذه الإله تكبيراً في كل نعمة نستقبلها منه سبحانه.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ} معناهُ لَم يَكنْ لَهُ حَليفٌ وَلاَ نَاصرٌ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 535 : 37 : 33 - سفين عن إبراهيم عن مجاهد في قوله {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ} قال، لم يكن له حليف ولا ناصر من خلقه. [الآية 111].