١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: أما الكلام في حقائق قولنا: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } فقد سبق، والذي أقوله ههنا أن التسبيح أينما جاء فإنما جاء مقدماً على التحميد، ألا ترى أنه يقال: سبحان الله والحمد لله إذا عرفت هذا فنقول: إنه جل جلاله ذكر التسبيح عندما أخبر أنه أسرى بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال: { أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً } تفسير : [الإسراء: 1] وذكر التحميد عندما ذكر أنه أنزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ } وفيه فوائد: الفائدة الأولى: أن التسبيح أول الأمر لأنه عبارة عن تنزيه الله عما لا ينبغي وهو إشارة إلى كونه كاملاً في ذاته والتحميد عبارة عن كونه مكملاً لغيره، ولا شك أن أول الأمر هو كونه كاملاً في ذاته. ونهاية الأمر كونه مكملاً لغيره. فلا جرم وقع الابتداء في الذكر بقولنا {سبحان الله} ثم ذكر بعده {الحمد لله} تنبيهاً على أن مقام التسبيح مبدأ ومقام التحميد نهاية. إذا عرفت هذا فنقول: ذكر عند الإسراء لفظ التسبيح وعند إنزال الكتاب لفظ التحميد. وهذا تنبيه على أن الإسراء به أول درجات كماله وإنزال الكتاب غاية درجات كماله، والأمر في الحقيقة كذلك لأن الإسراء به إلى المعراج يقتضي حصول الكمال له، وإنزال الكتاب عليه يقتضي كونه مكملاً للأرواح البشرية وناقلاً لها من حضيض البهيمية إلى أعلى درجات الملكية، ولا شك أن هذا الثاني أكمل. وهذا تنبيه على أن أعلى مقامات العباد مقاماً أن يصير (العبد) عالماً في ذاته معلماً لغيره ولهذا روي في الخبر أنه عليه الصلاة والسلام قال: « حديث : من تعلم وعلم فذاك يدعى عظيماً في السموات » تفسير : . الفائدة الثانية: أن الإسراء عبارة عن رفع ذاته من تحت إلى فوق وإنزال الكتاب عليه عبارة عن إنزال نور الوحي عليه من فوق إلى تحت، ولا شك أن هذا الثاني أكمل. الفائدة الثالثة: أن منافع الإسراء به كانت مقصورة عليه ألا ترى أنه تعالى قال هنالك: { أية : لِنُرِيَهُ مِنْ ءايَـٰتِنَا } تفسير : [الإسراء: 1] ومنافع إنزال الكتاب عليه متعدية، ألا ترى أنه قال: {لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مّن لَّدُنْهُ وَيُبَشّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } والفوائد المتعدية أفضل من القاصرة. المسألة الثانية: المشبهة استدلوا بلفظ الإسراء في السورة المتقدمة وبلفظ الإنزال في هذه السورة على أنه تعالى مختص بجهة فوق. والجواب عنه مذكور بالتمام في سورة الأعراف في تفسير قوله تعالى: { أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } تفسير : [الأعراف: 54]. المسألة الثالثة: إنزال الكتاب نعمة عليه ونعمة علينا، أما كونه نعمة عليه فلأنه تعالى أطلعه بواسطة هذا الكتاب الكريم على أسرار علوم التوحيد والتنزيه وصفات الجلال والإكرام وأسرار أحوال الملائكة والأنبياء وأحوال القضاء والقدر، وتعلق أحوال العالم السفلي بأحوال العالم العلوي، وتعلق أحوال عالم الآخرة بعالم الدنيا، وكيفية نزول القضاء من عالم الغيب، وكيفية ارتباط عالم الجسمانيات بعالم الروحانيات، وتصيير النفس كالمرآة التي يتجلى فيها عالم الملكوت وينكشف فيها قدس اللاهوت فلا شك أن ذلك من أعظم النعم، وأما كون هذا الكتاب نعمة علينا فلأنه مشتمل على التكاليف والأحكام والوعد والوعيد والثواب والعقاب، وبالجملة فهو كتاب كامل في أقصى الدرجات فكل واحد ينتفع به بمقدار طاقته وفهمه فلما كان كذلك وجب على الرسول وعلى جميع أمته أن يحمدوا الله عليه فعلمهم الله تعالى كيفية ذلك التحميد فقال: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ } ثم إنه تعالى وصف الكتاب بوصفين فقال: {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً } وفيه أبحاث: البحث الأول: أنا قد ذكرنا أن الشيء يجب أن يكون كاملاً في ذاته ثم يكون مكملاً لغيره ويجب أن يكون تاماً في ذاته ثم يكون فوق التمام بأن يفيض عليه كمال الغير إذا عرفت هذا فنقول في قوله: {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } إشارة إلى كونه كاملاً في ذاته وقوله: {قَيِّماً } إشارة إلى كونه مكملاً لغيره لأن القيم عبارة عن القائم بمصالح الغير ونظيره قوله في أول سورة البقرة في صفة الكتاب: { أية : لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2] فقوله: {لاَ رَيْبَ فِيهِ } إشارة إلى كونه في نفسه بالغاً في الصحة وعدم الإخلال إلى حيث يجب على العاقل أن لا يرتاب فيه وقوله: {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } إشارة إلى كونه سبباً لهداية الخلق وإكمال حالهم فقوله: {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } قائم مقام قوله: {لاَ رَيْبَ فِيهِ } وقوله: {قَيِّماً } قائم مقام قوله: {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } وهذه أسرار لطيفة. البحث الثاني: قال أهل اللغة العوج في المعاني كالعوج في الأعيان، والمراد منه وجوه: أحدها: نفي التناقض عن آياته كما قال: { أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً } تفسير : [النساء: 82]. وثانيها: أن كل ما ذكر الله من التوحيد والنبوة والأحكام والتكاليف فهو حق وصدق ولا خلل في شيء منها ألبتة. وثالثها: أن الإنسان كأنه خرج من عالم الغيب متوجهاً إلى عالم الآخرة وإلى حضرة جلال الله وهذه الدنيا كأنها رباط بني على طريق عالم القيامة حتى أن المسافر إذا نزل فيه اشتغل بالمهمات التي يجب رعايتها في هذا السفر ثم يرتحل منه متوجهاً إلى عالم الآخرة فكل ما دعاه في الدنيا إلى الآخرة ومن الجسمانيات إلى الروحانيات ومن الخلق إلى الحق ومن اللذات الشهوانية الجسدانية إلى الاستنارة بالأنوار الصمدانية فثبت أنه مبرأ عن العوج والانحراف والباطل فلهذا قال تعالى: {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا }. الصفة الثانية: للكتاب وهي قوله: {قَيِّماً } قال ابن عباس يريد مستقيماً وهذا عندي مشكل لأنه لا معنى لنفي الإعوجاج إلا حصول الاستقامة فتفسير القيم بالمستقيم يوجب التكرار وأنه باطل، بل الحق ما ذكرناه وأن المراد من كونه: {قَيِّماً } أنه سبب لهداية الخلق وأنه يجري مجرى من يكون قيماً للأطفال، فالأرواح البشرية كالأطفال، والقرآن كالقيم الشفيق القائم بمصالحهم. البحث الثالث: قال الواحدي جميع أهل اللغة والتفسير قالوا هذا من التقديم والتأخير والتقدير: أنزل على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً. وأقول قد بينا ما يدل على فساد هذا الكلام لأنا بينا أن قوله: {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } يدل على كونه كاملاً في ذاته، وقوله: {قَيِّماً } يدل على كونه مكملاً لغيره وكونه كاملاً في ذاته متقدم بالطبع على كونه مكملاً لغيره فثبت بالبرهان العقلي أن الترتيب الصحيح هو الذي ذكره الله تعالى وهو قوله: {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً } فظهر أن ما ذكروه من التقديم والتأخير فاسد يمتنع العقل من الذهاب إليه. البحث الرابع: اختلف النحويون في انتصاب قوله: {قَيِّماً } وذكروا فيه وجوهاً. الأول: قال صاحب «الكشاف» لا يجوز جعله حالاً من الكتاب لأن قوله: {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } معطوف على قوله: {أَنَزلَ } فهو داخل في حيز الصلة فجعله حالاً من {الكتاب} يوجب الفصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة، وأنه لا يجوز. قال: ولما بطل هذا وجب أن ينتصب بمضمر والتقدير: ولم يجعل له عوجاً وجعله قيماً. الوجه الثاني: قال الأصفهاني الذي نرى فيه أن يقال قوله: {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } حال وقوله: {قَيِّماً } حال أخرى وهما حالان متواليان والتقدير أنزل على عبده الكتاب غير مجعول له عوجاً قيماً. الوجه الثالث: قال السيد صاحب «حل العقد» يمكن أن يكون قوله: {قَيِّماً } بدلاً من قوله: {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } لأن معنى: {لَّمْ يَجْعَلِ لَّهُ عِوَجَا } أنه جعله مستقيماً فكأنه قيل: أنزل على عبده الكتاب وجعله قيماً. الوجه الرابع: أن يكون حالاً من الضمير في قوله: {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } أي حال كونه قائماً بمصالح العباد وأحكام الدين، واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه: أنزل على عبده الكتاب الموصوف بهذه الصفات المذكورة أردفه ببيان ما لأجله أنزله فقال: {لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مّن لَّدُنْهُ } وأنذر متعد إلى مفعولين كقوله: {أية : إِنَّا أَنذَرْنَـٰكُمْ عَذَاباً قَرِيباً } تفسير : [النبأ: 40] إلا أنه اقتصر ههنا على أحدهما وأصله {لّيُنذِرَ } ـ الذين كفروا ـ {بَأْسًا شَدِيدًا } كما قال في ضده: {وَيُبَشّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } والبأس مأخوذ من قوله تعالى: { أية : بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } تفسير : [الأعراف:165] وقد بؤس العذاب وبؤس الرجل بأساً وبآسة وقوله: {مِن لَّدُنْهُ } أي صادراً من عنده قال الزجاج وفي: لدن لغات يقال لدن ولدي ولد والمعنى واحد، قال وهي لا تتمكن تمكن عند لأنك تقول هذا القول صواب عندي ولا تقول صواب لدني وتقول عندي مال عظيم والمال غائب عنك ولدني لما يليك لا غير وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بسكون الدال مع إشمام الضم وكسر النون والهاء وهي لغة بني كلاب ثم قال تعالى: {وَيُبَشّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا } واعلم أن المقصود من إرسال الرسل إنذار المذنبين وبشارة المطيعين، ولما كان دفع الضرر أهم عند (ذوي) العقول من إيصال النفع لا جرم قدم الإنذار على التبشير في اللفظ، قال صاحب «الكشاف» وقرىء {ويبشر} بالتخفيف والتثقيل وقوله: {مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا } يعني خالدين وهو حال للمؤمنين من قوله: {أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا }، قال القاضي: الآية دالة على صحة قولنا في مسائل، أحدها: أن القرآن مخلوق وبيانه من وجوه. الأول: أنه تعالى وصفه بالإنزال والنزول وذلك من صفات المحدثات فإن القديم لا يجوز عليه التغير. الثاني: وصفه بكونه كتاباً والكتب هو الجمع وهو سمي كتاباً لكونه مجموعاً من الحروف والكلمات وما صح فيه التركيب والتأليف فهو محدث. الثالث: أنه تعالى أثبت الحمد لنفسه على إنزال الكتاب والحمد إنما يستحق على النعمة والنعمة محدثة مخلوقة. الرابع: أنه وصف الكتاب بأنه غير معوج وبأنه مستقيم والقديم لا يمكن وصفه بذلك فثبت أنه محدث مخلوق. وثانيها: مسألة خلق الأعمال فإن هذه الآيات تدل على قولنا في هذه المسألة من وجوه. الأول: نفس الأمر بالحمد لأنه لو لم يكن للعبد فعل لم ينتفع بالكتاب إذ الانتفاع به إنما يحصل إذا قدر على أن يفعل ما دل الكتاب على أنه يجب فعله ويترك ما دل الكتاب على أنه يجب تركه وهو إنما يفعل ذلك لو كان مستقلاً بنفسه، أما إذا لم يكن مستقلاً بنفسه لم يكن لعوج الكتاب أثر في اعوجاج فعله ولم يكن لكون الكتاب قيماً أثر في استقامة فعله، أما إذا كان العبد قادراً على الفعل مختاراً فيه بقي لعوج الكتاب واستقامته أثر في فعله. والثاني: أنه تعالى لو كان أنزل بعض الكتاب ليكون سبباً لكفر البعض وأنزل الباقي ليؤمن البعض الآخر فمن أين أن الكتاب قيم لا عوج فيه؟ لأنه لو كان فيه عوج لما زاد على ذلك. والثالث: قوله: {لّيُنذِرَ } وفيه دلالة على أنه تعالى أراد منه صلى الله عليه وسلم إنذار الكل وتبشير الكل وبتقدير أنه يكون خالق الكفر والإيمان هو الله تعالى لم يبق للإنذار والتبشير معنى لأنه تعالى إذا خلق الإيمان فيه حصل شاء أو لم يشأ وإذا خلق الكفر فيه حصل شاء أو لم يشاء فبقي الإنذار والتبشير على الكفر والإيمان جارياً مجرى الإنذار والتبشير على كونه طويلاً قصيراً وأسود وأبيض مما لا قدرة له عليه. والرابع: وصفه المؤمنين بأنهم يعملون الصالحات فإن كان ما وقع خلق الله تعالى فلا عمل لهم ألبتة. الخامس: إيجابه لهم الأجر الحسن على ما عملوا فإن كان الله تعالى يخلق ذلك فيهم فلا إيجاب ولا استحقاق. المسألة الرابعة: قال قوله: {لّيُنذِرَ } يدل على أنه تعالى إنما يفعل أفعاله لأغراض صحيحة وذلك يبطل قول من يقول إن فعله غير معلل بالغرض، واعلم أن هذه الكلمات قد تكررت في هذا الكتاب فلا فائدة في الإعادة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً} ذكر ابن إسحاق:حديث : أن قريشاً بعثوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود وقالوا لهما: سَلاهم عن محمد وصِفَا لهم صفته وأخبراهم بقوله؛ فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علمٌ ليس عندنا من علم الأنبياء؛ فخرجا حتى قدما المدينة، فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصفا لهم أمره، وأخبراهم ببعض قوله، وقالا لهم: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا. فقالت لهما أحبار يهود: سَلُوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبيّ مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقوِّل، فروا فيه رأيكم؛ سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان أمرهم؛ فإنه قد كان لهم حديثٌ عَجَب. وسلوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه. وسلوه عن الروح، ما هي؛ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبيّ، وإن لم يفعل فهو رجل متقوِّل فاصنعوا في أمره ما بدا لكم. فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط حتى قدما مكة على قريش فقالا: يا معشر قريش! قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها، فإن أخبركم عنها فهو نبيّ، وإن لم يفعل فالرجل متقوِّل، فروا فيه رأيكم. فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، قد كانت لهم قصة عجب، وعن رجل كان طوّافاً قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وأخبرنا عن الروح ما هي؟ قال فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخبركم بما سألتم عنه غداً» ولم يستثن. فانصرفوا عنه، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون خمس عشرة ليلة، لا يحدث الله إليه في ذلك وَحْياً ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وَعَدَنا محمد غداً، واليوم خمس عشرة ليلة، وقد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه؛ وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُكْثُ الوحي عنه، وشقّ عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل عليه السلام من عند الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية، والرجل الطواف والروح. قال ابن إسحاق: فذُكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: «لقد احتبست عني يا جبريل حتى سُؤت ظنًّا» فقال له جبريل: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} [مريم: 64]تفسير : . فافتتح السورة تبارك وتعالى بحمده، وذكر نبوّة رسوله صلى الله عليه وسلم لما أنكروا عليه من ذلك فقال: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ} يعني محمداً، إنك رسول منّي، أي تحقيق لما سألوا عنه من نبوّتك. {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَاقَيِّماً} أي معتدلاً لا اختلاف فيه. {لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ} أي عاجل عقوبته في الدنيا، وعذاباً أليماً في الآخرة، أي من عند ربك الذي بعثك رسولاً. {وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً} أي دار الخلد لا يموتون فيها، الذين صدّقوك بما جئت به مما كذّبك به غيرهم، وعملوا بما أمرتهم به من الأعمال. {وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} يعني قريشاً في قولهم: إنا نعبد الملائكة وهي بنات الله. {مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ} الذين أعظموا فراقهم وعيب دينهم. {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} أي لقولهم إن الملائكة بنات الله. {إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} لحزنه عليهم حين فاته ما كان يرجوه منهم، أي لا تفعل. قال ابن هشام: «باخع نفسك» مُهْلك نفسك؛ فيما حدّثني أبو عبيدة. قال ذو الرُّمّة:شعر : ألا أيّهذا الباخِعُ الوَجْدُ نفسَه بشيء نَحَتْه عن يَدَيْه المَقادِرُ تفسير : وجمعها باخعون وبخعة. وهذا البيت في قصيدة له. وتقول العرب: قد بخعت له نُصْحي ونَفْسي، أي جَهَدت له. {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} قال ابن إسحاق: أي أيّهم أتبع لأمري وأعمل بطاعتي. {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً} أي الأرض، وإن ما عليها لفانٍ وزائل،وإن المرجع إليّ فأجزي كلاًّ بعمله؛ فلا تأس ولا يحزنك ما ترى وتسمع فيها. قال ابن هشام: الصّعيد وجه الأرض، وجمعه صُعُد. قال ذو الرُّمّة يصف ظبياً صغيراً.شعر : كأنه بالضُّحَا تَرمي الصعيدَ به دبّابةٌ في عِظام الرأس خُرطوم تفسير : وهذا البيت في قصيدة له. والصعيد أيضاً: الطريق، وقد جاء في الحديث: «حديث : إياكم والقعود على الصُّعدات» تفسير : يريد الطرق. والجُرُز: الأرض التي لا تنبت شيئاً، وجمعها أجراز. ويقال: سَنَةٌ جُرُز وسنون أجراز؛ وهي التي لا يكون فيها مطر. وتكون فيها جدوبة ويبس وشدّة. قال ذو الرمّة يصف إبلاً:شعر : طَوَى النَّحْزُ والأجراز ما في بطونها فما بقِيتْ إلا الضّلوع الجراشِعُ تفسير : قال ابن إسحاق: ثم استقبل قصة الخبر فيما سألوه عنه من شأن الفتية فقال: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً} أي قد كان من آياتي فيما وضعت على العباد من حجتي ما هو أعجب من ذلك. قال ابن هشام: والرقيم الكتاب الذي رُقِم بخبرهم، وجمعه رُقُم. قال العَجّاج:شعر : ومُسْتَقَــرِّ المصحـف المُرَقَّـمِ تفسير : وهذا البيت في أُرْجوزة له. قال ابن إسحاق: ثم قال: {إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً}. ثم قال: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ} أي بصدق الخبر {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً} أي لم يشركوا بي كما أشركتم بي ما ليس لكم به علم. قال ابن هشام: والشَّطَطُ الغُلُوّ ومجاوزة الحق. قال أعشى بني قيس بن ثَعْلبة:شعر : أتنتهون ولا يَنْهَى ذَوِي شَطَطٍ كالطعن يذهب فيه الزَّيْت والفُتُلُ تفسير : وهذا البيت في قصيدة له. قال ابن إسحاق: {هَـٰؤُلاۤءِ قَوْمُنَا ٱتَّخَذْواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ}. قال ابن إسحاق: أي بحجة بالغة. {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاَّ ٱللَّهَ فَأْوُوا إِلَى ٱلْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّىءْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ} قال ابن هشام: تزاور تميل؛ وهو من الزَّور. وقال أبو الزحف الكُلَيْبيّ يصف بلداً:شعر : جَدْب المُنَدَّى عن هَوانَا أزْوَرُ يُنْضِي المطايا خِمْسُه العَشَنْزَرُ تفسير : وهذان البيتان في أرجوزة له. و«تقرضهم ذات الشمال» تجاوزهم وتتركهم عن شمالها. قال ذو الرُّمّة:شعر : إلى ظُعُن يَقْرِضن أقواز مُشْرِفٍ شِمالاً وعن أيْمانِهن الفوارِسُ تفسير : وهذا البيت في قصيدة له. والفجوة: السّعة، وجمعها الفجاء. قال الشاعر:شعر : ألبسْتَ قومَك مَخْزاة ومنقصةً حتى أبِيحُوا وحَلُّوا فَجْوة الدار تفسير : {ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} أي في الحجة على من عرف ذلك من أمورهم من أهل الكتاب ممن أمر هؤلاء بمسألتك عنهم في صدق نبوّتك بتحقيق الخبر عنهم. {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ} قال ابن هشام: الوصيد الباب. قال العبسي واسمه عبد بن وهب:شعر : بأرضِ فَلاةٍ لا يُسَدُّ وَصيدُها عليّ ومعروفي بها غير مُنْكَرِ تفسير : وهذا البيت في أبيات له. والوصيد أيضاً الفناء، وجمعه وصائد ووُصُد ووصدان. {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً} إلى قوله: {ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ} أهل السلطان والملك منهم. {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً سَيَقُولُونَ} يعني أحبار اليهود الذين أمروهم بالمسألة عنهم. {ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ} أي لا تكابرهم {إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً} فإنهم لا علم لهم بهم. {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً} أي لا تقولنّ لشيء سألوك عنه كما قلت في هذا إني مخبركم غدا، واستثن مشيئة الله، واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربّي لخبر ما سألتموني عنه رَشَدا، فإنك لا تدري ما أنا صانع في ذلك. {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً} أي سيقولون ذلك. {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} أي لم يخف عليه شيء مما سألوك عنه. قلت: هذا ما وقع في السيرة من خبر أصحاب الكهف ذكرناه على نَسَقه. ويأتي خبر ذي القرنين، ثم نعود إلى أوّل السورة فنقول: قد تقدّم معنى الحمد لله. وزعم الأخفش والكسائيّ والفرّاء وأبو عبيد وجمهور المتأوّلين أن في أوّل هذه السورة تقديماً وتأخيراً، وأن المعنى: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيّماً ولم يجعل له عوجاً. و«قَيِّماً» نصب على الحال. وقال قتادة: الكلام على سياقه من غير تقديم ولا تأخير، ومعناه: ولم يجعل له عوجاً ولكن جعلناه قيّماً. وقول الضحاك فيه حُسْن، وأن المعنى: مستقيم، أي مستقيم الحكمة لا خطأ فيه ولا فساد ولا تناقض. وقيل: «قيماً» على الكتب السابقة يصدّقها. وقيل: «قيّماً» بالحجج أبداً. «عوجاً» مفعول به؛ والعوج (بكسر العين) في الدين والرأي والأمر والطريق. وبفتحها في الأجسام كالخشب والجدار؛ وقد تقدّم. وليس في القرآن عوج، أي عيب، أي ليس متناقضاً مختلفاً، كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} تفسير : [النساء: 82] وقيل: أي لم يجعله مخلوقاً؛ كما روي عن ابن عباس في قوله تعالى: {أية : قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} تفسير : [الزمر: 28] قال: غير مخلوق. وقال مقاتل: «عِوَجاً» اختلافاً. قال الشاعر:شعر : أدوم بودّي للصديق تكرُّماً ولا خير فيمن كان في الودّ أعْوَجَا تفسير : {لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً} أي لينذر محمد أو القرآن. وفيه إضمار، أي لينذر الكافرين عقاب الله. وهذا العذاب الشديد قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة. {مِّن لَّدُنْهُ} أي من عنده. وقرأ أبو بكر عن عاصم «من لدنه» بإسكان الدال وإشمامها الضم وكسر النون، والهاء موصولة بياء. الباقون «لدُنْهُ» بضم الدال وإسكان النون وضم الهاء. قال الجوهري: وفي «لدن» ثلاث لغات: لَدُن، ولَدَى، ولَدُ. وقال:شعر : مِـن لَـدُ لِحْيَيْـه إلى مُنْحُـوره تفسير : المنحور لغة في المَنْحَر. قوله تعالى: {وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ} أي بأن لهم. {أَجْراً حَسَناً} وهي الجنة: {مَّاكِثِينَ} دائمين. {فِيهِ أَبَداً} لا إلى غاية. وإن حملت التبشير على البيان لم يحتج إلى الباء في «بأن». والأجر الحسن: الثواب العظيم الذي يؤدي إلى الجنة.
البيضاوي
تفسير : { ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ } يعني القرآن، رتب استحقاق الحمد على إنزاله تنبيهاً على أنه أعظم نعمائه، وذلك لأنه الهادي إلى ما فيه كمال العباد والداعي إلى ما به ينتظم صلاح المعاش والمعاد. {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } شيئاً من العوج باختلال في اللفظ وتناف في المعنى، أو انحراف من الدعوة إلى جانب الحق وهو في المعاني كالعوج في الأعيان.
ابن كثير
تفسير : قد تقدم في أول التفسير أنه تعالى يحمد نفسه المقدسة عند فواتح الأمور وخواتمها؛ فإنه المحمود على كل حال، وله الحمد في الأولى والآخرة، ولهذا حمد نفسه على إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه أعظم نعمة أنعمها الله على أهل الأرض، إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور، حيث جعله كتاباً مستقيماً، لا اعوجاج فيه ولا زيغ، بل يهدي إلى صراط مستقيم واضحاً بيناً جلياً نذيراً للكافرين، بشيراً للمؤمنين، ولهذا قال: {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} أي: لم يجعل فيه اعوجاجاً ولا ميلاً، بل جعله معتدلاً مستقيماً، ولهذا قال: {قِيَمًا} أي: مستقيماً {لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ} أي: لمن خالفه وكذبه ولم يؤمن به ينذره بأساً شديداً عقوبة عاجلة في الدنيا وآجلة في الأخرى {مِن لَّدُنْهُ} أي: من عند الله الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد {وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: بهذا القرآن الذين صدقوا إيمانهم بالعمل الصالح {أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} أي: مثوبة عند الله جميلة {مَّاكِثِينَ فِيهِ} في ثوابهم عند الله، وهو الجنة، خالدين فيه {أَبَدًا} دائماً لا زوال له ولا انقضاء. وقوله: {وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا} قال ابن إسحاق: وهم مشركو العرب في قولهم: نحن نعبد الملائكة، وهم بنات الله {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} أي: بهذا القول الذي افتروه وائتفكوه {وَلاَ لأَبَآئِهِمْ} أي: لأسلافهم {كَبُرَتْ كَلِمَةً} نصب على التمييز، تقديره: كبرت كلمتهم هذه كلمة. وقيل: على التعجب، تقديره: أعظم بكلمتهم كلمة كما تقول: أكرم بزيد رجلاً قاله بعض البصريين، وقرأ ذلك بعض قراء مكة: كبرت كلمة، كما يقال: عظم قولك، وكبر شأنك، والمعنى على قراءة الجمهور أظهر، فإن هذا تبشيع لمقالتهم، واستعظام لإفكهم، ولهذا قال: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} أي: ليس لها مستند سوى قولهم، ولا دليل لهم عليها إلا كذبهم وافتراؤهم، ولهذا قال: {إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا} وقد ذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه السورة الكريمة، فقال: حدثني شيخ من أهل مصر قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة عن عكرمة عن ابن عباس قال: بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد، وصفوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى أتيا المدينة، فسألوا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفوا لهم أمره وبعض قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، قال: فقالوا لهم: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن، فهو نبي مرسل، وإلا، فرجل متقول، فتروا فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم؟ فإنهم قد كان لهم حديث عجيب، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نَبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم بذلك، فهو نبي، فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم، فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش، فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور، فأخبروهم بها، فجاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أخبرنا، فسألوه عما أمروهم به، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أخبركم غداً عما سألتم عنه» تفسير : ولم يستثن، فانصرفوا عنه، ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحياً، ولا يأتيه جبرائيل عليه السلام، حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غداً، واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها، لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه، وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبرائيل عليه السلام من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف، وقول الله عز وجل: {أية : وَيَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ} تفسير : [الإسراء: 85] الآية.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلْحَمْدُ } وهو الوصف بالجميل، ثابت {لِلَّهِ } تعالى وهل المراد الإِعلام بذلك للإِيمان به أو الثناء أو هما؟ احتمالات، أفيدها الثالث {ٱلَّذِى أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ } محمد صلى الله عليه وسلم {ٱلْكِتَٰبَ } القرآن {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ } أي فيه {عِوَجَا } اختلافاً أو تناقضاً، والجملة حال من(الكتاب).
الشوكاني
تفسير : علّم عباده كيف يحمدونه على إفاضة نعمه عليهم، ووصفه بالموصول يشعر بعليّة ما في حيز الصلة لما قبله ووجه كون إنزال الكتاب، وهو القرآن نعمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كونه اطلع بواسطته على أسرار التوحيد، وأحوال الملائكة والأنبياء، وعلى كيفية الأحكام الشرعية التي تعبده الله وتعبد أمته بها، وكذلك العباد كان إنزال الكتاب على نبيهم نعمة لهم لمثل ما ذكرناه في النبيّ: {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } أي: شيئاً من العوج بنوع من أنواع الاختلال في اللفظ والمعنى، والعوج بالكسر في المعاني، وبالفتح في الأعيان كذا قيل، ويرد عليه قوله سبحانه: {أية : لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً } تفسير : [طه: 107]، يعني: الجبال، وهي من الأعيان. قال الزجاج: المعنى في الآية: لم يجعل فيها اختلافاً كما قال: {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً }تفسير : [النساء: 82]. والقيم: المستقيم الذي لا ميل فيه، أو القيم بمصالح العباد الدينية والدنيوية، أو القيم على ما قبله من الكتب السماوية مهيمناً عليها، وعلى الأوّل يكون تأكيداً لما دل عليه نفي العوج، فربّ مستقيم في الظاهر لا يخلو عن أدنى عوج في الحقيقة، وانتصاب {قيماً} بمضمر، أي جعله قيماً، ومنع صاحب الكشاف أن يكون حالاً من الكتاب، لأن قوله {ولم يجعل} معطوف على {أنزل} فهو داخل في حيز الصلة، فجاعله حالاً من الكتاب فاصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة. وقال الأصفهاني: هما حالان متواليان إلا أن الأوّل جملة والثاني مفرد، وهذا صواب لأن قوله: {وَلَمْ يَجْعَل } لم يكن معطوفاً على ما قبله بل الواو للحال، فلا فصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة، وقيل: إن {قيماً} حال من ضمير {لم يجعل له}. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: أنزل على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً، ثم أراد سبحانه أن يفصل ما أجمله في قوله قيماً فقال: {لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا } وحذف المنذر للعلم به مع قصد التعميم، والمعنى: لينذر الكافرين، والبأس: العذاب، ومعنى {مِن لَّدُنْهُ }: صادراً من لدنه نازلاً من عنده. روى أبو بكر، عن عاصم: أنه "قرأ من لدنه" بإشمام الدال الضمة، وبكسر النون والهاء، وهي لغة الكلابيين. وروى أبو زيد عن جميع القراء فتح اللام وضم الدال وسكون النون {وَيُبَشّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَاتِ }، قرىء "يبشر" بالتشديد والتخفيف، وأجرى الموصول على موصوفه المذكور، لأن مدار قبول الأعمال هو الإيمان {أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا } وهو الجنة حال كونهم {مَّاكِثِينَ فِيهِ } أي: في ذلك الأجر {أَبَدًا } أي: مكثاً دائماً لا انقطاع له، وتقديم الإنذار على التبشير لإظهار كمال العناية بزجر الكفار. ثم كرر الإنذار وذكر المنذر لخصوصه وحذف المنذر به، وهو البأس الشديد، لتقدّم ذكره فقال: {وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا } وهم: اليهود والنصارى وبعض كفار قريش، القائلون بأن الملائكة بنات الله، فذكر سبحانه أوّلاً قضية كلية، وهي إنذار عموم الكفار، ثم عطف عليها قضية خاصة هي بعض جزئيات تلك الكلية، تنبيهاً على كونها أعظم جزئيات تلك الكلية. فأفاد ذلك أن نسبة الولد إلى الله سبحانه أقبح أنواع الكفر. {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ } أي: بالولد، أو اتخاذ الله إياه، و"من" مزيدة لتأكيد النفي، والجملة في محل نصب على الحال أو هي مستأنفة، والمعنى: ما لهم بذلك علم أصلاً {وَلاَ لآبَائِهِمْ } علم، بل كانوا في زعمهم هذا على ضلالة، وقلدهم أبناؤهم فضلوا جميعاً {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } انتصاب {كلمة} على التمييز، وقرىء بالرفع على الفاعلية. قال الفراء: كبرت تلك الكلمة كلمة. وقال الزجاج: كبرت مقالتهم كلمة، والمراد بهذه الكلمة هي: قولهم اتخذ الله ولداً. ثم وصف الكلمة بقوله: {تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } وفائدة هذا الوصف استعظام اجترائهم على التفوّه بها، والخارج من الفم وإن كان هو مجرد الهوى، لكن لما كانت الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهوى أسند إلى الحال ما هو من شأن المحل. ثم زاد في تقبيح ما وقع منهم فقال: {إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا } أي: ما يقولون إلا كذباً لا مجال للصدق فيه بحال. ثم سلى رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: {فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِمْ } قال الأخفش والفراء: البخع: الجهد. وقال الكسائي: بخعت الأرض بالزراعة: إذا جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة، وبخع الرجل نفسه إذا نهكها. وقال أبو عبيدة: معناه: مهلك نفسك، ومنه قول ذي الرمة:شعر : ألا أيها ذا الباخع الوجد نفسه تفسير : فيكون المعنى على هذه الأقوال: لعلك مجهد نفسك أو مضعفها أو مهلكها {عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِمْ } على فراقهم ومن بعد توليهم وإعراضهم {إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ } أي: القرآن وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله. وقرىء بفتح "أن". أي: لأن لم يؤمنوا {أَسَفاً } أي: غيظاً وحزناً وهو مفعول له أو مصدر في موضع الحال، كذا قال الزجاج. {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأرْضِ زِينَةً لَّهَا } هذه الجملة استئناف. والمعنى: إنا جعلنا ما على الأرض مما يصلح أن يكون زينة لها من الحيوانات والنبات والجماد، كقوله سبحانه: {أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأرْضِ جَمِيعاً } تفسير : [البقرة: 29]، وانتصاب {زينة} على أنها مفعول ثانٍ لـ {جعل}، واللام في {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } متعلقة بـ {جعلنا}، وهي إما للغرض أو للعاقبة، والمراد بالابتلاء: أنه سبحانه يعاملهم معاملة لو كانت تلك المعاملة من غيره لكانت من قبيل الابتلاء والامتحان. وقال الزجاج: {أيهم} رفع بالابتداء إلا أن لفظه لفظ الاستفهام، والمعنى: لنمتحن أهذا أحسن عملاً أم ذاك؟ قال الحسن: أيهم أزهد، وقال مقاتل: أيهم أصلح فيما أوتي من المال. ثم أعلم سبحانه أنه مبيد لذلك كله ومفنيه فقال: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } أي: لجاعلون ما عليها من هذه الزينة عند تناهي عمر الدنيا {صعيداً}: تراباً. قال أبو عبيدة: الصعيد: المستوي من الأرض. وقال الزجاج: هو الطريق الذي لا نبات فيه. قال الفراء: الجرز: الأرض التي لا نبات فيها، ومن قولهم: امرأة جرزاً: إذا كانت أكولاً. وسيفاً جرازاً: إذا كان مستأصلاً، وجرز الجراد والشاة والإبل: الأرض إذا أكلت ما عليها. قال ذو الرمة:شعر : طوى النحز والإجراز ما في بطونها تفسير : ومعنى النظم: لا تحزن يا محمد مما وقع من هؤلاء من التكذيب، فإنا قد جعلنا ما على الأرض زينة لاختبار أعمالهم، وإنا لمذهبون ذلك عند انقضاء عمر الدنيا فمجازوهم إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ } الآية قال: أنزل الكتاب عدلاً قيماً {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } ملتبساً. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك {قَيِّماً } قال: مستقيماً. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة {مِن لَّدُنْهُ } أي: من عنده. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي {حَسَنًا } يعني: الجنة {وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا } قال: هم اليهود والنصارى. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: اجتمع عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبوجهل والنضر بن الحارث وأمية بن خلف والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب وأبو البحتري في نفر من قريش، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كبر عليه ما يرى من خلاف قومه إياه، وإنكارهم ما جاء به من النصيحة، فأحزنه حزناً شديداً، فأنزل الله سبحانه: {فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ }. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه {بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ } يقول: قاتل نفسك، وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي مثله. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد {أَسَفاً } قال: جزعاً. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة {أَسَفاً } قال: حزناً. وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأرْضِ زِينَةً لَّهَا } قال: الرجال. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير من قوله مثله. وأخرج أبو نصر السجزي في الإبانة من طريق مجاهد عن ابن عباس في الآية قال: العلماء زينة الأرض. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: هم الرجال العباد العمال لله بالطاعة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم والحاكم في التاريخ، وابن مردويه عن ابن عمر قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } فقلت: ما معنى ذلك يا رسول الله؟ قال: حديث : ليبلوكم أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرعكم في طاعة الله»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: ليختبرهم {أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } قال: أيهم أتمّ عقلاً. وأخرج عن الحسن {أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } قال: أشدهم للدنيا تركاً، وأخرج أيضاً عن الثوري قال: أزهدهم في الدنيا. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } قال: يهلك كل شيء ويبيد. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة قال: الصعيد: التراب والجبال التي ليس فيها زرع. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: يعني بالجرز: الخراب.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب} يعني على محمد القرآن، فتمدح بإنزاله لأنه أنعم عليه خصوصاً، وعلىالخلق عموماً. {ولم يجعل له عوجاً} في {عوجاً} ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني مختلفاً، قاله مقاتل، ومنه قول الشاعر: شعر : أدوم بودي للصديق تكرُّماً ولا خير فيمن كان في الود أعوجا تفسير : الثاني: يعني مخلوقاً، قاله ابن عباس. الثالث: أنه العدول عن الحق الى الباطل، وعن الاستقامة إلى الفساد، وهو قول علي بن عيسى. والفرق بين العوج بالكسر والعوج بالفتح أن العوج بكسر العين ما كان في الدين وفي الطريق وفيما ليس بقائم منتصب، والعوج بفتح العين ما كان في القناة والخشبة وفيما كان قائماً منتصباً. {قيِّماً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه المستقيم المعتدل، وهذ قول ابن عباس والضحاك. الثاني: أنه قيم على سائر كتب الله تعالى يصدقها وينفي الباطل عنها. الثالث: أنه المعتمد عليه والمرجوع إليه كقيم الدار الذي يرجع إليه في أمرها، وفيه تقديم وتأخير في قول الجميع وتقديره: أنزل الكتاب على عبده قيماً ولم يجعل له عوجاً ولكن جعله قيماً. {لينذر بأساً شديداً من لدنه} يحتمل وجهين: أحدهما: أنه عذاب الاستئصال في الدنيا. الثاني: أنه عذاب جهنم في الآخرة.
ابن عطية
تفسير : كان حفص عن عاصم يسكت عند قوله {عوجاً} سكتة خفيفة، وعند {أية : مرقدنا} تفسير : [ص: 52] في سورة يس، وسبب هذه البدأة في هذه السورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سألته قريش عن المسائل الثلاث، الروح، والكهف، وذي القرنين، حسبما أمرتهم بهن يهود، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم غداً أخبركم، بجواب سؤالكم، ولم يقل إن شاء الله، فعاتبه الله عز وجل بأن استمسك الوحي عنه خمسة عشر يوماً، فأرجف به كفار قريش، وقالوا: إن محمداً قد تركه ربه الذي كان يأتيه من الجن، وقال بعضهم: قد عجز عن أكاذيبه إلى غير ذلك، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ منه، فلما انقضى الأمد الذي أراد الله عتاب محمد إليه، جاءه الوحي من الله بجواب الأسئلة وغير ذلك، فافتتح الوحي بحمد الله {الذي أنزل على عبده الكتاب} أي بزعمكم أنتم يا قريش، وهذا كما تقول لرجل يحب مساءتك فلا يرى إلا نعمتك الحمد لله الذي أنعم علي وفعل بي كذا على جهة النقمة عليه، و {الكتاب} هو القرآن، وقوله {ولم يجعل له عوجاً} أي لم يزله عن طريق الاستقامة، و"العوج" فقد الاستقامة، وهو بكسر العين في الأمور والطرق وما لا يحس متنصباً شخصاً، و"العوج" بفتح العين في الأشخاص كالعصا والحائط ونحوه، وقال ابن عباس: معناه ولم يجعله مخلوقاً، وقوله {ولم يجعل له عوجاً} يعم هذا وجميع ما ذكره الناس من أنه لا تناقض فيه ومن أنه لا خلل ولا اختلاف فيه. وقوله {قيماً} نصب على الحال من {الكتاب}، فهو بمعنى التقديم، مؤخر في اللفظ، أي أنزل الكتاب قيماً، واعترض بين الحال وذي الحال قوله: {ولم يجعل له عوجاً} وذكر الطبري هذا التأويل عن ابن عباس، ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مضمر تقديره أنزله أو جعله {قيماً}، وفي بعض مصاحف الصحابة "ولم يجعل له عوجاً لكن جعله قيماً" قاله قتادة، ومعنى "قيم" مستقيم، هذا قول ابن عباس والضحاك، وقيل معناه أنه قيم على سائر الكتب بتصديقها، ذكره المهدوي، وهذا محتمل وليس من الاستقامة ويصح أن يكون معنى "قيم" قيامه بأمر الله عز وجل على العالم، وهذا المعنى يؤيده ما بعده من النذارة والبشارة اللذين عما العالم. و"البأس الشديد" عذاب الآخرة، ويحتمل أن يندرج معه في النذارة عذاب الدنيا ببدر وغيرها، ونصبه على المفعول الثاني، والمعنى لينذر العالم، وقوله {من لدنه} أي من عنده ومن قبله، والضمير في {لدنه} عائد على الله تعالى، وقرأ الجمهور من "لدُنْهُ" بضم الدال وسكون النون وضم الهاء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر "من لدْنِهِ" بسكون الدال وإشمام الضم فيها وكسر النون والهاء، وفي "لدن" لغات، يقال "لدن" مثل سبع، "ولدْن" بسكون الدال "ولُدن" بضم اللام، "ولَدَن" بفتح اللام والدال وهي لفظة مبنية على السكون، ويلحقها حذف النون مع الإضافة، وقرأ عبد الله وطلحة "ويَبْشُر" بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين، وقوله {أن لهم أجراً} تقديره بأن لهم أجراً، والأجر الحسن نعيم الجنة، ويتقدمه خير الدنيا، و {ماكثين} حال من الضمير في {لهم} و {أبداً} ظرف لأنه دال على زمن غير متناه. قال القاضي أبو محمد: وقد أشرت في تفسير هذه الآية إلى أمر اليهود قريشاً بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن المسائل الثلاث، وينبغي أن تنص كيف كان ذلك. ذكر ابن إسحاق عن ابن عباس بسند، أنه قال: بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط، إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهما سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى أتيا المدينة، فسألا أحبار اليهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت لهما أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقول، فروا فيه رأيكم، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول وما كان من أمرهم؟ فإنه كان لهم حديث عجيب، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح. فأقبل النضر وعقبة إلى مكة وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وكان الأمر ما ذكرناه، وقوله {وينذر الذين قالوا اتخذ الله} الآية، أهل هذه المقالة هم بعض اليهود في عزير، والنصارى في المسيح، وبعض العرب في الملائكة، والضمير في {به} يحتمل أن يعود على القول الذي يتضمنه {قالوا} المتقدم، وتكون جملة قوله {ما لهم به من علم} في موضع الحال، أي قالوا جاهلين، ويحتمل أن يعود على "الولد" الذي ادعوه، فتكون الجملة صفة للولد، قاله المهدوي، وهو معترض لأنه لا يصفه إلا القائل، وهم ليس في قصدهم أن يصفوه، والصواب عندي أنه نفي مؤتنف أخبر الله تعالى بجهلهم في ذلك، فلا موضع للجملة من الإعراب، ويحتمل أن يعود على الله عز وجل، وهذا التأويل أذم لهم وأقضى بالجهل التام عليهم، وهو قول الطبري. وقوله {ولا لآبائهم} يريد الذين أخذ هؤلاء هذه المقالة عنهم، وقرأ الجمهور "كبرت كلمةً" بنصب الكلمة، كما تقول نعم رجلاً زيد، وفسر "الكلمة" ووصفها بالخروج من أفواههم، وقال بعضهم: نصبها على التفسير على حد نصب قوله تعالى {أية : وساءت مرتفقاً} تفسير : [الكهف: 29] وقالت فرقة نصبها على الحال، والتقدير {كبرت} فريتهم أو نحو هذا {كلمة}، وسميت هذه الكلمات {كلمة} من حيث هي مقالة واحدة، كما يقولون للقصيدة كلمة، وهذه المقالة قائمة في النفس معنى واحداً، فيحسن أن تسمى كلمة، وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر وابن محيصن والقواس عن ابن كثير "كبرت كلمةٌ" برفع الكلمة على أنها فاعلة بـ {كبرت}، وقوله {إن يقولون} أي ما يقولون.
ابن عبد السلام
تفسير : {عَبْدِهِ} محمد صلى الله عليه وسلم، والكتاب: القرآن تمدح بإنزاله عليه خصوصاً وعلى الخلق عموماً. {عِوَجَا} ملتبساً، أو مختلفاً، أو عادلاً عن الحق والاستقامة والبلاغة إلى الباطل والفساد والعي، والعِوَج بكسر العين في الدين والطريق وما ليس بقائم منتصب، وبفتحها في القناة والخشبة وما كان قائماً منتصباً.
النسفي
تفسير : {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ } محمد صلى الله عليه وسلم {ٱلْكِتَـٰبِ } القرآن، لقن الله عباده ووفقهم كيف يثنون عليه ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم وهي نعمة الإسلام، وما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } أي شيئاً من العرج والعوج في المعاني كالعوج في الأعيان، يقال في رأيه عوج وفي عصاه عوج، والمراد نفي الاختلاف والتناقض عن معانيه وخروج شيء منه من الحكمة {قَيِّماً } مستقيماً وانتصابه بمضمر وتقديره، جعله قيماً لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة، وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة ــ وفي أحدهما غنى عن الآخر ــ التأكيد، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج عند التصفح، أو قيماً على سائر الكتب مصدقا لها شاهداً بصحتها {لّيُنذِرَ } «أنذر» متعدٍ إلى مفعولين كقوله: {أية : إِنَّا أَنذَرْنَـٰكُمْ عَذَاباً قَرِيباً }تفسير : [النبأ: 40] فاقتصر على أحدهما، وأصله لينذر الذين كفروا{بَأْسًا } عذاباً {شَدِيداً } وإنما اقتصر على أحد مفعولي «أنذر» لأن المنذر به هو المسوق إليه فاقتصر عليه {مِن لَّدُنْهُ } صادراً من عنده {وَيُبَشّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ } أي بأن لهم {أَجْرًا حَسَنًا } أي الجنة، {ويبشر} حمزة وعليَّ.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب} أثنى الله سبحانه وتعالى على نفسه بإنعامه على خلقه وعلم عباده كيف يثنون عليه، ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم وهي الإسلام وما أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم وفوزهم خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذكر لأن إنزال القرآن كان نعمة عليه على الخصوص وعلى سائر الناس على العموم {ولم يجعل له عوجاً} أي لم يجعل له شيئاً من العوج قط والعوج في المعاني، كالعوج في الأعيان والمراد نفي الاختلاف والتناقض عن معانيه وقيل معناه لم يجعله مخلوقاً روي عن ابن عباس في قوله تعالى: {أية : قرآناً عربياً غير ذي عوج}تفسير : [الزمر: 28] قال غير مخلوق.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {من لدنه} بإشمام الدال {شيئاً} بالضم وكسر النون ووصل الهاء بالياء: يحيى. الآخرون بضم الدال وسكون النون وضم الهاء {ويبشر} مخففاً. حمزة وعلي. الباقون بالتشديد. {هيىء لنا} {ويهيىء لكم} بتليين الهمزة فيهما إلا أوقية والأعشى في الوقوف {فاووا} بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف {مرفقاً} بفتح الميم وكسر الفاء: أو جعفر ونافع وابن عامر والأعشى والبرجمي، الآخرون على العكس {تزاور} خفيفاً بحذف تاء التفاعل: عاصم وحمزة علي وخلف {تزور} بتشديد الراء: ابن عامر مثل "تحمر" ويعقوب. الباقون {تزوار} بتشديد الزاي لإدغام التاء فيه {المهتدي} كما مر في "سبحان" {ولملئت} مشددة للمبالغة: أبو جعفر ونافع وابن كثير، وقرأ أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف غير مهموز: {بورقكم} بسكون الراء: أبو عمرو وحمزة وحماد وأبو بكر والخزاز عن هبيرة وعباس بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف الآخرون بكسر الراء مظهراً {ربي أعلم} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو {أن يهديني} و {أن ترني} و {وأن يؤتيني} و {أن تعلمني} بالياآت في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح. وزمعة. وروى ابن شنبوذ عن قنبل كلها بالياء في الحالين. وعن البزي وابن فليح كلها بغير ياء - في الحالين - وافقهم أبو جعفر ونافع وأبو عمرو بالياء في الوصل {ثلثمائة سنين} بالإضافة: حمزة وعلي وخلف الباقون بالتنوين {ولا تشرك} بالتاء على النهي: ابن عامر وروح وزيد. الآخرون {ولا يشرك} بياء الغيبة ورفع الكاف. الوقوف: {عوجاً} ه ط لأن {قيماً} ليس بصفة له ولكنه انتصب بمحذوف دل عليه المتلو وهو أنزل أي أنزله قيما، وللوصل وجه وهو أن يكون حالاً من الكتاب أو العبد وما بينهما اعتراض {حسناً}، ه لا {أبداً} ه {ولداً} ج ه، لأن ما بعده يحتمل الصفة أو ابتداء وإخبار، والوقف أوضح ليكون ادعاء الولد مطلقاً كما هو الظاهر {لآبائهم} ط {من أفواههم} ط {كذبا} ه {أسفا} ه {عملا} ه {جرزا}، ه ط لتمام القصة ما بعده استفهام تقرير وتعجيب {عجباً} ه {رشدا} ه {عددا}، لا للعطف {أمدا} ه {بالحق} ط {هدى} والوصل أولى للعطف {شططاً} ه {آلهة} ط لابتداء التحضيض {بين} ط {كذبا} ه {مرفقاً} ه {فجوة منه} ط {آيات الله} ط {فهو المهتد} ج {مرشداً} ه {رقود} قف والأولى الوصل على أن ما بعده حال أي رقدوا ونحن نقلبهم {الشمال} قف والوصل أحسن على أن المعنى نقلبهم وكلبهم باسط {بالوصيد} ط {رعباً} ه {بينهم} ط {كم لبثتم} ط {بعض يوم} ط {أحداً} ه {أبداً} ه {لا ريب فيها} ج لأن "إذا" يصلح أن يكون طرفاً للإعثار عليهم وأن يكون منصوباً بإضمار "اذكر" {بنياناً} ط {بهم} ط {مسجداً} ه {رابعهم كلبهم} ج فصلاً بين المقالتين مع اتفاق الجملتين {بالغيب} ج لوقوع العارض {كلبهم} ط {قليل} ه {ظاهراً} ص {أحداً} ه {يشاء الله} ز لاتفاق الجملتين مع عارض الظرف والاستثناء {رشداً} ه {تسعاً} ه {لبثوا} ج لاحتمال أن ما بعده مفعول "قل" أو إخبار مستأنف {والأرض} ط لابتداء التعجب {وأسمع} ط {من ولى} ط لمن قرأ {ولا تشرك} على النهي، ومن قرأ على الغيبة إخباراً جوز وقفه لاختلاف الجملتين {أحداً} ه. التفسير: ألصق الحمد والتكبير المذكورين في آخر السورة المتقدمة بالحمد على أجزل نعمائه على العباد وهي نعمة إنزال الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم. قال بعض العلماء: نزه نفسه في أوّل سورة "سبحان" عمَّا لا ينبغي وهو إشارة إلى كونه كاملاً في ذاته، وحمد نفسه في أول هذه السورة وهو إشارة إلى كونه مكملاً لغيره، وفيه تنبيه على أن مقام التسبيح مبدأ ومقام التحميد نهاية موافقاً لما ورد في الذكر "سبحان الله والحمد لله". وفيه أن الإسراء أول درجات كماله من حيث إنه يقتضي حصول الكمال له وإنزال الكتاب غاية درجات كماله لأن فيه تكميل الأرواح البشرية ونقلها من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية ولا شك أن المنافع المتعدية أفضل من القاصرة كما ورد في الخبر: "حديث : من تعلم وعلم وعمل فذاك يدعى عظيماً في السموات"تفسير : وإنزال الكتاب على النبي صلى الله عليه وسلم نعمة عليه وعلينا. أما أنه نعمة عليه فلأنه اطلع بواسطته على أسرار التوحيد ونعوت الجلال والإكرام وأحوال الملائكة والأنبياء وسائر النفوس المقدسة، وعلى كيفية القضاء والقدر وتعلق أحوال العالم السفلي بالعالم العلوي والشهادة بالغيب وارتباط أحدهما بالآخر. وأما أنه نعمة علينا فلأنا نستفيد منه أيضاً مثل ذلك ونعرف منه الأحكام الشرعية المفضية إلى إصلاح المعاش والمعاد. وفي انتصاب {قيماً} وجوه فاختار صاحب الكشاف أن يكون منصوباً بمضمر أي جعله وأنزله قيماً. وأبى أن يكون حالاً لأن العطف يدل على تمام الكلام وجعله حالاً يدل على نقصانه. قال جامع الأصفهاني: هما حالان متواليان إلا أن الأولى جملة والثانية مفرد. وقيل: حال من الضمير في قوله: {ولم يجعل له} وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة هي التأكيد، فرب مستقيم في الظاهر لا يخرج عن أدنى عوج في الحقيقة هذا تفسير ابن عباس. ويحتمل أن يراد أنه قيم على سائر الكتب مصدّق لها شاهد بصحتها، وأنه قيم بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع والأحكام، وعلى هذا يكون قوله: {ولم يجعل له عوجاً} إشارة إلى أنه كامل في ذاته، مبرأ عن الاختلاف والتناقض، مشتمل على كل ما هو في نفس الأمر حق وصدق. وقوله: {قيماً} إشارة إلى أنه مكمل لغيره مصلح بحسن بيانه وإرشاده لأحوال معاشه ومعاده، فتكون الآية نظير قوله في أول "البقرة". {لا ريب فيه هدى للمتقين} ثم أراد أن يفصل ما أجمله في قوله فيما قال: {لينذر بأساً شديداً من لدنه} وحذف المنذر للعلم به بعمومه ولتطهير اللسان عن ذكره أي لينذر الذين كفروا عذاباً إليماً صادراً من عنده. والأجر الحسن الجنة بدليل قوله: {ماكثين فيه} وهو حال من الضمير في {لهم} ثم كرر الإنذار وذكر المنذر لخصوصه وحذف المنذر به وهو البأس الشديد لتقدم ذكره. وقد تذكر قضية كلية ثم يعطف عليها بعض جزئياتها تنبيهاً على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي. ففي عطف الإنذار المخصوص على الإنذار المطلق دليل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله تعالى على ما زعم بعض كفار قريش من أن الملائكة بنات الله، وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله. ثم قال: {ما لهم به} أي بالولد أو باتخاذ الله إياه {من علم ولا لآبائهم} وانتفاء العلم بالشي إما بالجهل بالطريق الموصل إليه. وإما لأنه في نفسه محال فلا يتعلق به العلم لذلك وهو المراد في الآية، أي قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط وتقليد لآبائهم الذين هم مثلهم في الجهالة. قال جار الله: الضمير في قوله: {كبرت} يعود إلى قولهم "اتخذ الله ولداً" وسميت {كلمة} كما يسمون القصيدة بها. قلت: ويجوز أن يعود إلى مضمر ذهني يفسره الظاهر كقوله "ربه رجلاً ونعمت امرأة عندي". قال الواحدي: انتصبت {كلمة} على التمييز وذلك أنك لو قلت: كبرت المقالة أو الكلمة جاز أن يتوهم أنها كبرت كذباً أو جهلاً أو افتراءً، فلما قلت: كلمة فقد ميزتها من محتملاتها. وقرىء بالرفع على الفاعلية كما يقال "عظم قولك". قال أهل البيان: النصب أقوى وأبلغ لإفادته التعب من جهتين: من جهة الصيغة ومن جهة التمييز كأنه قيل: ما أكبرها كلمة. وفي وصف الكلمة بقوله: {يخرج من أفواههم} مبالغة أخرى من وجهين: الأول أن كثيراً من وساوس الشيطان وهواجس القلوب لا يتمالك العقلاء أن يتفوهوا به حياء وخجلاً، فبين الله تعالى أن هذا المنكر لم يستحيوا من إظهاره والنطق به فما أشنع فعلتهم وما أعظم فحشهم. الثاني أن هذا الذي يقولونه لا يحكم به عقلهم وفكرهم ألبتة لكونه في غاية البطلان، وكأنه شيء يجري على لسانهم بطريق التقليد: احتج النظام على مذهبه أن الكلام جسم بأن الخروج عبارة عن الحركة من خواص الأجسام. والجواب أن الخارج من الفم هو الهواء لأن الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهواء فأسند إلى الحال ما هو من شأن المحل مجازاً. ثم زاد في تقبيح صورتهم بقوله: {إن يقولون إلا كذباً} وفيه إبطال قول من زعم أن الكذب هو الخبر الذي يطابق المخبر عنه مع علم قائله بأنه غير مطابق وذلك لأن القيد الأخير غير موجود ههنا مع أنه تعالى سماه كذباً. ثم سلى رسول الله صلى الله عيله وسلم بقوله: {فلعلك باخع} قال الليث: بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظاً: وقال الأخفش والفراء: أصل البخع الجهد. يروى أن عائشة ذكرت عمر فقالت: بخع الأرض أي جهدها حتى أخذ ما فيها من أموال الملوك. وقال الكسائي: بخعت الأرض بالزراعة إذ جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة، وبخع الرجل نفسه إذا نهكها و{أسفاً} منصوب على المصدر أي تأسف أسفاً وحذف الفعل لدلالة الكلام عليه. وقال الزجاج: هو مصدر في موضع الحال أو مفعول له أي لفرط الحزن شبهه وإياهم حين لم يؤمنوا بالقرآن وأعرضوا عن نبيهم برجل فارقته أحبته فهو يتساقط حسرات عليهم. والحاصل أنه قيل له لا تعظم حزنك عليهم بسبب كفرهم فإنه ليس عليك إلا البلاغ، فأما تحصيل الإيمان فيهم فليس إليك. قال القاضي، أطلق الحديث على القرآن فدل ذلك على أنه غير قديم. وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الحروف والأصوات وإنما النزاع في الكلام النفسي، قوله سبحانه: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها} قال أهل النظم: كأنه تعالى يقول: إني خلقت الأرض وزينتها ابتلاء للخلق بالتكاليف، ثم إنهم يتمردون ويكفرون ومع ذلك فلا أقطع عنهم مواد هذه النعم، فأنت أيضاً يا محمد لا تترك الاشتغال بدعوتهم بعد أن لا تأسف عليهم وما على الأرض المواليد الثلاثة أعنى المعادن والنبات والحيوان وأشرفها الإنسان. وقال القاضي: الأولى أن لا يدخل المكلف فيه لأن ما على الأرض ليس زينة لها بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها الغرض الابتلاء، فالذي له الزينة يكون خارجاً عن الزينة. ومضى أنه مجاز بالصورة والمراد أنه تعالى يعاملهم معاملة لو صدرت تلك المعاملة عن غيره لكان من قبيل الابتلاء والامتحان. وقد مر هذا البحث بتمامه في سورة البقرة في تفسير قوله: {أية : وإذ ابتلى إبراهيم ربه} تفسير : [البقرة: 124]. واللام في {لنبلوهم} للغرض عند المعتزلة، أو العاقبة أو استتباع الغاية عند غيرهم حذراً من لزوم الاستكمال. قال الزجاج {أيهم} رفع بالابتداء لأن لفظه لفظ الاستفهام والمعنى لنمتحن هذا {أحسن عملاً} أم ذلك. ثم زهد في الميل إلى زينة الأرض بقوله: {وإنا لجاعلون ما عليها} من هذه الزينة {صعيداً جرزاً} أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته وإماتة سكانه. قال أبو عبيد: الصعيد المستوي من الأرض التي لا نبات فيها من قولهم "امرأة جروز" إذا كانت أكولاً، "وسيف جراز" إذا كان مستأصلاً وجرز الجراد والشاه والإبل الأرض إذا أكملت ما عليها. ثم إن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنه الرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل الامتحان فقال سبحانه {أم حسبت} يعني بل أظننت يا إنسان أنهم كانوا عجباً من آياتنا فقط فلا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب، فإن من كان قادراً على تخليق السموات والأرض ثم تزيين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان، ثم جعلها بعد ذلك صعيداً خالياً عن الكل كيف تستبعدون قدرته وحفظه ورحمته بالنسبة إلى طائفة مخصوصة. وقال جار الله: يعني أن ذلك التزيين وغيره أعظم من قصة أصحاب الكهف يعني أنه ذكر أولاً عظيم قدرته، ثم أضرب عن ذلك موبخاً للإنسان. والحاصل أنك تعجب من هذا الأدنى فكيف بما فوقه، والكهف الغار الواسع في الجبل، والرقيم اسم كلبهم، وعن سعيد بن جبير ومجاهد أنه لوح من حجارة أو رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف، فعلى هذا يكون اللفظ عربياً "فعيلاً" بمعنى "مفعول" ومثله ما روي أن الناس رقموا حديثهم نقرأ في الجبل. وعن السدي أنه القرية التي خرجوا منها. وقيل: هو الوادي أو الجبل الذي فيه الكهف. والعجب مصدر وصف به أو المراد ذات عجب. وقوله: {إذ أوى الفتية إلى الكهف} صاروا إليه وجعلوه مأواهم منصوب بإضمار "اذكر" بـ{حسبت} لفساد المعنى، ولا يبعد أن يتعلق بـ {عجباً} والتنوين في {رحمة} إما للتعظيم أو للنوع. وتقديم {من لدنك} للاختصاص أي رحمة مخصوصة بأنها من خزائن رحمتك وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء {وهيىء لنا} أي أصلح لنا من قولك هيئات الأمر فتهيأ {من أمرنا} الذي نحن عليه من مفارقة الكفار {رشداً} أي أمر إذا رشد حتى نكون بسببه راشدين غير ضالين فتكون "من" للابتداء. ويجوز أن تكون للتجريد كما في قولك "رأيت منك أسداً" أي اجعل أمرنا رشداً كله. {فضربنا على آذانهم} قال المفسرون: أي أنمناهم والأصل فيه أن المفعول محذوف وهو الحجاب كما يقال: "بنى على امرأته" أي بنى عليها القبة. و {سنين} ظرف زمان و {عدداً} أي ذوات عدد وهو مصدر وصف به والمراد بهذا الوصف إما القلة لأن الكثير قليل عند الله {أية : وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون} تفسير : [الحج: 47] وإما الكثرة. قال الزجاج: إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج إلى العدد وإذا كثر احتاج إلى أن يعدّ {ثم بعثناهم} أيقظناهم {لنعلم} ليظهر معلومنا وفعل العلم معلق لما في "أي" من معنى الاستفهام فارتفع {أي الحزبين} على الابتداء وخبره {أحصى} وهو فعل ماض و "ما" في {لما لبثوا} مصدرية أي أحصى {أحداً} للبثهم فيكون الجار والمجرور صفة للأمد فلما قدم صار حالاً منه. وقيل: اللام "زائدة" و "ما" بمعنى الذي وأمداً تمييز والتقدير: أحصى لما لبثوه أمداً والأمد الغاية. وزعم بعضهم أن {أحصى} أفعل تفضيل كما في قولهم "أعدى من الجرب" و "أفلس من ابن المذلق"، ولم يستصوبه في الكشاف لأن الشاذ لا يقاس عليه. واختلفوا في تعيين الحزبين فعن عطاء عن ابن عباس أن أصحاب الكهف حزب والملوك الذين تداولوا المدينة ملكاً بعد ملك حزب. وقال مجاهد: الحزبان من أصحاب الكهف. وذلك أنهم لما انتبهوا اختلفوا فقال بعضهم: {لبثنا يوماً أو بعض يوم} وقال آخرون: {ربكم أعلم بما لبثتم} وذلك حين حدسوا أن لبثهم قد تطاول. وقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم {نحن نقص عليك نبأهم بالحق} أي على وجه الصدق {أنهم فتية} شباب {آمنوا بربهم} أي بي فوضع الظاهر موضع المضمر {وزدناهم هدى} أي بالتوفيق والتثبيت {وربطنا على قلوبهم} قوّيناهم بإلهام الصبر على فراق الخلائق والأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران {إذ قاموا} وفي هذا القيام أقوال: فعن مجاهد أنهم اجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد فقال رجل منهم:هو أكبر القوم إني لأجد في نفسي شيئاً ما أظن أحداً يجده، أجد أن ربي رب السموات والأرض. فقالوا: نحن كذلك في أنفسنا فقاموا جميعاً {فقالوا ربنا رب السموات والأرض} وقال أكثر المفسرين: إنه كان لهم ملك جبار - يقال له دقيانوس - وكان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين يديه {فقالوا ربنا رب السموات والأرض} وعن عطاء ومقاتل أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم. والشطط الإفراط في الظلم والإبعاد فيه من شط إذا بعد والمراد قولاً ذا شطط أي بعيد عن الحق. {هؤلاء} مبتدأ و {قومنا} عطف بيان أبو بدل {اتخذوا} خير وهو إخبار في معنى إنكار. وفي اسم الإشارة تحقير لهم {لولا يأتون عليهم} هلا يأتون على حقيقة إلهيتهم أو على عبادتهم {بسلطان بين} بحجة ظاهرة، استدل بعدم الدليل على عدم الشركاء والأضداد فاستدل بعض العلماء بذلك على أن هذه طريقة صحيحة، ويمكن أن يجاب بأنه إنما ذكر ذلك على سبيل التبكيت، فمن المعلوم أن الإتيان بسلطان على عباده الأوثان محال، وفيه دليل على فساد التقليد ويؤكده قوله {فمن أظلم من افترى على الله كذباً} بنسبة الشريك إليه وخاطب بعضهم بعضاً حين صمم عزمهم على الفرار بالدين. وقوله: {وما يعبدون} عطف على المضمير المنصوب يعني وإذا اعتزلتموهم ومعبوديهم. وقوله: {إلا الله} استثناء منقطع على الدهر، ويجوز أن يكون متصلاً بتاءً على أن المشركين يقرون بالخالق الأكبر. وقيل هو كلام معترض إخبار من الله تعالى عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله فـ "ما" نافية. قال الفراء {فأووا إلى الكهف} جواب "إذا" ومعناه إذهبوا إليه واجعلوا مأواكم {ينشر لكم ربكم من رحمته} يبسطها لكم و{مرفقاً} على القراءتين مشتق من الارتفاق الانتفاع. وقيل: فتح الميم أقيس وكسرها أكثر. وقيل: المرفق بالكسر ما ارتفعت به، والمرفق بالفتح الأمر الرافق. وكان الكسائي ينكر في مرفق اليد إلا كسر الميم. قالوا ذلك ثقة بفضل الله وتوكلاً عليه، وإما لأنه أخبرهم نبي في عصرهم منهم أو من غيرهم. {وترى الشمس} أيها الإنسان {إذا طلعت تزاور} أصله من الزور بفتح الواو وهو الميل ومنه زاره إذا مال إليه. والمراد أن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم. والفجوة المتسع إن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم. والفجوة المتسع من المكان ومنه الحديث "حديث : فإذا وجد فجوة نص"تفسير : وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح وإلى هذا الحجب أشار بقوله: {ذلك من آيات الله} وثانيهما أن باب ذلك الكهف كان مفتوحاً إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف، وإذا غربت كانت على يساره فلذلك كانت الشمس لا تصل إليهم. ثم إنهم كانوا مع ذلك في منفسح من الغار ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم، واعترض بأن عدم وصول الشمس إليهم لا يكون آية من آيات الله على هذا التقدير. وأجيب بأن المشار إليه حفظهم في ذلك الغار مدة طويلة، والمقصود من بيان وضع الغار تعيين مكانهم. ثم بين الله سبحانه لطفه بهم بصون أبدانهم عن الفساد في تلك المدة المديدة كما لطف بهم في أول الأمر بالهداية فكان فيه ثناء عليهم وتذكير لغيرهم إن الهداية وضدها كليهما بمشيئة الله وعنايتها الأزلية وبلطفه وقهره الذي سبق به القلم, قال جار الله: فيه تنبيه على أن من سلك طريق الراشدين المهديين فهو الذي أصاب الفلاح، ومن تعرض للخسران فلن يجد من يليه ويرشده. ثم حكى طرفاً آخر من غرائب أحوالهم فقال {وتحسبهم أيقاظاً} هي جمع يقظ بكسر القاف كأنكاد في جمع نكد {وهم رقود} جمع راقد كقعود في قاعد. واستبعده في التفسير الكبير. وقيل: عيونهم مفتحة وهم نيام فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظاً. وقال الزجاج: لكثرة تقلبهم. وقيل: لهم تقلبتان في السنة. وقيل: تقلبة واحدة في يوم عاشوراء. وعن مجاهد: يمكثون رقوداً على أيمانهم سبع سنين ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقوداً سبع سنين، وفائدة تقلبهم ظاهرة وهي أن لا تأكل لحومهم الأرض. قال ابن عباس: وتعجب منه الإمام فخر الدين قال: وإن الله تعالى قادر على حفظهم من غير تقليب. وأقول: لا ريب في قدرة الله تعالى ولكن الوسائط معتبرة في أغلب الأحوال {وكلبهم باسط} حكاية الحال الماضية ولهذا عمل في المفعول به. والوصيد الفناء وقيل العتبة أو الباب. قال السدي: الكهف لا يكون له عتبة ولا باب وإنما أراد أن الكلب منه موضع العتبة من البيت. عن ابن عباس: هربوا ليلاً من ملكهم فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم ومعه كلبه. وقال كعب: مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك ثلاث مرات فقال لهم الكلب: ما تريدون مني أنا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم. وقال عبيد ابن عمرو: كان ذلك كلب صيدهم والاطلاع على الشيء الإشراف عليه. قال الزجاج قوله {فراراً} منصوب على المصدر لأنه بمعنى التولية. وسبب الرعب هيبة ألبسهم الله إياهم. وقيل طول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم ووحشة مكانهم منه يحكى أن معاوية غزا الروم فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال له ابن عباس: ليس لك ذلك قد منع الله منه من هو خير منك؟ فقال: {لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً} فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم فبعث ناساً فقال لهم: اذهبوا فانظروا ففعلوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله ريحاً فأخرجتهم {وكذلك} إشارة إلى المذكور قبله أي وكما أنمناهم تلك النومة وفعلنا بهم ما فعلنا من الكرامات كذلك {بعثناهم} وفيه تذكير لقدرته على الإنامة والبعث جميعاً، ثم ذكر غاية بعثهم فقال: {ليتساءلوا} أي ليقع التساؤل بينهم والاختلاف والتنازع في مدة اللبث غرض صحيح لما فيه من انكشاف الحال وظهور آثار القدرة {قال قائل منهم كم لبثتم} قال ابن عباس: وهو رئيسهم يمليخارد علم ذلك إلى الله تعالى حين رأى التغير في شعورهم وأظفارهم وبشرتهم. والفاء في {فابعثوا} للتسبيب كأنه قيل: واذ قد حصل اليأس من تعيين مدة اللبث فخذوا في شيء آخر مما يهمكم. والورق الفضة مضروبة أو غير مضروبة. وفي تزودهم الورق عند فرارهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان في سفره وحضره لا ينافي التوكل على الله. والمدينة طرسوس. قال في الكشاف: {أيها} معناه أيّ أهلها {أزكى طعاماً} وأقول: يحتمل أن يعود الضمير إلى الأطعمة ذهناً كقوله: "زيد طيب أباً" على أن الأب هو زيد، ويجوز أن يراد أي أطعمة المدينة أزكى طعاماً على الوجه المذكور. عن ابن عباس: يريد ما حل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوساً وفيهم قوم يخفون أديانهم. وقال مجاهد: احترزوا من المغصوب لأن ملكهم كان ظلماً. وقيل: أيها أطيب وألذ. وقيل: الرخص {وليتلطف} وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن. والأظهر أنهم طلبوا اللطف في أمر التخفي حتى لا يعرف. يؤيده قوله {ولا يشعرون بكم أحد} أي لا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور ويسبب له {إنهم إن يظهروا} يطلعوا على مكانكم أو {عليكم يرجموكم} يقتلوكم أخبث القتلة وهي الرجم وكأنه كانت عادتهم {أو يعيدوكم في ملتهم} بالإكراه العنيف. وقال في الكشاف: العود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم يقولون ما عدت أفعل كذا يريدون ابتداء الفعل. قلت: يحتمل أن يكون العود ههنا على معناه الأصلي لاحتمال أن يكون أصحاب الكهف على ملة أهل المدينة قبل أن هداهم الله. وفي "أذن" معنى الشرط كأنه قال: إن رجعتم إلى دينهم فلم تفلحوا أبداً، قال المحققون: لا خوف على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين. ففي الأول هلاك الدنيا، وفي الثاني هلاك الآخرة. وإنما نفى الفلاح على التأبيد مع أن كفر المكره لا يضر، لأنهم خافوا أن يجرهم ظاهر الموافقة إلى الكفر القلبي، وكما أنمناهم وبعثناهم {أعثرنا عليهم} سمى الإعلام إعثاراً والعلم عثوراً لأن من كان غافلاً عن شيء فعثر به نظر إليه وعرفه وكان الإعثار سبباً لحصول العلم واليقين. وفي سبب الإعثار قولان: أحدهما أنه طالت شعورهم وأظفارهم طولاً مخالفاً للعادة وتغيرت بشرتهم فعرفوا بذلك. والأكثرون قالوا: إن ذلك الرجل لما ذهب بالورق إلى السوق وكانت دارهم دقيانوسية اتهموه بأنه وجد كنزاً فذهبوا به إلى الملك فقال له: من أين وجدت هذه الدراهم؟ قال: بعت به أمس شيئاً من التمر. فعرف الملك أنه ما وجد كنزاً وأن الله بعثه بعد موته فقص عليه القصة. ثم ذكر سبحانه غاية الإعثار فقال: {ليعلموا أن وعد الله حق} يروى أن ملك ذلك العصر من كان ينكر البعث إلا أنه كان مع كفره منصفاً فجعل الله أمر الفتية دليلاً للملك. وقيل: بل اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال بعضهم: الجسد والروح يبعثان جميعاً. وقال آخرون: الروح تبعث وأما الجسد فتأكله الأرض. ثم إن ذلك الملك كان يتضرع أن يظهر له آية يستدل بها على ما هو الحق في المسألة فأطلعه الله تعالى على أمر أصحاب الكهف حتى تقرر عنده صحة بعث الأجساد، لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث. فالمراد بالتنازع هو اختلافهم في حقيقة البعث. والضمائر في قوله: {إذ يتنازعون بينهم أمرهم} تعود إلى تلك الأمة. وقيل: أراد إذ يتنازع الناس بينهم أمر أصحاب الكهف ويتكلمون في قصتهم، أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا كيف يخفون مكانهم وكيف يسدون الطريق إليهم. {فقالوا ابنوا} على باب كهفهم {بنياناً} يروى أنه انطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم وحمدوا الله على آياته الدالة على البعث. ثم قالت الفتية للملك: نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإنس ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم، فألقى الملك عليهم ثيابه وأمر فجعل لكل واحد تابوتاً من ذهب فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج وبنى على باب الكهف مسجداً. فيكون فيه دليل على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله تعالى ومعترفين بالعبادة والصلاة، وقيل: إن الكفار قالوا: إنهم كانوا على ديننا ونتخذ عليهم بنياناً، والمسلمين قالوا: بل كانوا على ديننا فنتخذ عليهم مسجداً، وقيل: إنهم تنازعوا في عددهم وأسمائهم. قال جار الله: {ربهم أعلم بهم} من كلام المتنازعين كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقته قالوا ذلك، أو هو من كلام الله عز وجل رد القول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا عوافيهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب. والذين غلبوا على أمرهم المسلمون وملكهم المسلم لأنهم بنوا عليهم مسجداً يصلى فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم وكانوا أولى بهم بالبناء عليهم حفظاً لتربتهم بها وضناً بها {سيقولون} يعنى الخائضين في قصتهم من المؤمنين ومن أهل الكتاب المعاصرين وكان كما أخبر فكان معجزاً، يروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعقوبياً هم {ثلاثة رابعهم كلبهم} وقال العاقب وكان نسطورياً هم {خمسة وسادسهم كلبهم} فزيف الله قولهما بأن قال: {رجماً بالغيب} أي يرمون رمياً بالخبر الخفي يقال: فلان يرمي بالكلام رمياً أي يتكلم من غير تدبر. وكثيراً ما يقال رجم بالظن. مكان قولهم ظن. وقال المسلمون. هم سبعة ثامنهم كلبهم. قال العلماء: وهذا قول محقق عرفه المسلمون بأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لسان جبرائيل عليه السلام. والذي يدل عليه أمور منها ما روي عن علي عليه السلام أنهم سبعة تقرأ أسماؤهم. يمليخا ومكشلينيا ومشلينيا - هؤلاء أصحاب يمين الملك - وكان عن يساره مرنوس ودبرنوش وشادنوش. وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره، والسابع الراعي الذي وافقهم واسمه كفشططوش. واسم مدينتهم أفسوس، واسم كلبهم قطمير. وقيل ريان. عن ابن عباس: أن أسماء أصحاب الكهف تصلح للطلب والهرب وإطفاء الحريق تكتب في خرقة ويرمى بها في وسط النار، ولبكاء الطفل تكتب وتوضع تحت رأسه في المهد، وللحرث تكتب على القرطاس. وترفع على خشب منصوب في وسط الزرع، وللضربان وللحمى المثلثة والصداع الغنى والجاه. والدخول على السلاطين تشد على الفخذ اليمنى، ولعسر الولادة تشد على فخذها الأيسر، ولحفظ المال والركوب في البحار والنجاة من القتل. ومنها قول صاحب الكشاف إن الواو في قوله {وثامنهم} هي التي تدخل على الجملة والواقعة صفة للنكرة في قولك "جاءني رجل ومعه آخر" كما تدخل على الجملة الواقعة حالاً من المعرفة في قولك "مررت بزيد ومعه سيف" وفائدته توكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر لأن الواو مقتضاها الجمعية وكأنهم وصفوا بكونهم سبعة مرتين بخلاف القولين الأولين فإنهم وصفوا بما وصفوا مرة واحدة. ولقائل أن يقول: إن العاطف لا يوسط بين الوصف والموصوف ألبتة لشدة الاتصال بينهما، ومقتضى الواو هو الحالة المتوسطة بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع. بل الواو للعطف عطف الجملة على الجملة وإما للحال وجاز لأنهم لم يسوغوا إذا الحال نكرة، لا مكان التباس الحال بالصفة في نحو قولك "رأيت رجلاً راكباً" وههنا الالتباس مرتفع لمكان الواو. ومنها بعضهم إن الضمير في قوله: {ويقولون سبعة} لله تعالى والجمع للتعظيم. ومنها قول ابن عباس حين وقعت الواو انقطعت العدّة أي لم تبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات. ومنها أنه خص القولين الأولين بزيادة قوله: {رحيماً بالغيب} وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، فمن البعيد أن يذكر الله تعالى جملة الأقوال الباطلة ولا يذكر الحق على أنه سبحانه منعه عن المناظرة معهم وعن الاستفتاء منهم في هذا الباب، وهذا المنع إنما يصح إذا علمه حكم هذه الواقعة. وأيضاً الله تعالى قال: {ما يعلمهم إلا قليل} ويبعد أن لا يحصل العلم بذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ويحصل لغير النبي صلى الله عليه وسلم كعلي وابن عباس حسين قال: أنا من أولئك القليل. وقد عرفت قولهما في هذا الباب. وإذا حصل فالظاهر أنه حصل بهذا الوحي لأن الأصل فيما سواه العدم. وقيل: الضمير في {سيقولون} لأهل الكتاب خاصة أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا ولا علم بذلك إلا في قليل منهم وقوله سبحانه في الموضعين الأخيرين و{يقولون} بغير السين لا ريب أنهما للاستقبال أيضاً إلا أن ذلك يحتمل أن يكون لأجل الصيغة التي تصلح له، وأن يكون لتقدير السين بحكم العطف كما تقول: قد أكرم وأنعم أي وقد أنعم. أما فائدة تخصيص الواو في قوله: {وثامنهم} فقد عرفت آنفاً وقد يقال: إن لعدد السبعة عند العرب تداولاً على الألسنة في مظان المبالغة من ذلك قوله تعالى: {أية : إن تستغفر لهم سبعين مرة} تفسير : [التوبة: 8] لأن هذا العدد سبعة عقودٍ، فإذا وصلوا إلى الثامنة ذكروا لفظاً يدل على الاستئناف كقوله في أبواب الجنة {أية : وفتحت أبوابها} تفسير : [الزمر: 73] وكقوله {أية : ثيبات وأبكاراً} تفسير : [التحريم: 5] وزيف القفال هذا الوجه بقوله تعالى: {أية : هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر} تفسير : [الحشر: 22] وذلك لم يذكر الواو في النعت الثامن. والانصاف أن هذا التزييف ليس في موضعه لأن وجود الواو هو الذي يفتقر إلى التوجيه، وأما عدمه فعلى الأصل وبين التوجيه والإيجاب بون بعيد، والقائل بصدد الأول دون الأخير. ثم نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الجدال مع أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف ثم قال: {الأمراء ظاهراً} فقال جار الله: أي جد إلا غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد من غير تجهيل ولا تعنيف. وقال في التفسير الكبير: المراد أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد بل يقول هذا التعيين لا دليل عليه فوجب التوقف. ثم نهاه عن الاستفتاء منهم في شأنهم لأن المفتي يجب أن يكون أعلم من المستفتي وههنا الأمر بالعكس ولا سيما في باب واقعة أصحاب الكهف كما بينا. ولنذكر ههنا مسألة جواز الكرامات وما تتوقف هي عليه فنقول: الولي مشتق من الولي وهو القرب. فقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" كعليم وقدير وذلك أنه توالت طاعاته من غير تخلل معصية. وقيل: بمعنى "مفعول" كقتيل وذلك أن الحق سبحانه تولى حفظه وحراسته وقرب منه بالفضل والإحسان، فإذا ظهر فعل خارق للعادة على إنسان فإن كان مقروناً بدعوى الإلهية كما نقل أن فرعون كانت تظهر على يده الخوارق، وكما ينقل أن الدجال سيكون منه ذلك فهذا القسم جوزه الأشاعرة لأن شكله وخلقه يدل على كذبه فلا يفضي إلى التلبيس وإن كان مقروناً بدعوى النبوة. فإن كان صادقاً وجب أن لا يحصل له المعارض، وإن كان كاذباً وجب. ويمكن أن يقال: إن الكاذب يستحيل أن يظهر منه الفعل الخارق وإليه ذهب جمهور المعتزلة، وخالفهم أبو الحسين البصري وصاحبه محمود الخوارزمي وجوزا ظهور خوارق العادات على من كان مردوداً على طاعة الله وسموه بالاستدراج. وقد يفرق بين النبي الصادق والساحر الخبيث بالدعاء إلى الخير والشر وإن كان مقروناً بدعوى الولاية فصاحبه هو الولي، ومن المحققين من لم يجوّز للولي دعوى الولاية لأنه مأمور بالإخفاء كما أن النبي مأمور بالإظهار. ثم إن المعتزلة أنكروا كرامات الأولياء وأثبتها أهل السنة مستدلين بالقرآن والأخبار والآثار والمعقول. أما القرآن فكقصة مريم ونبأ أصحاب الكهف. قال القاضي: لا بد أن يكون في ذلك الزمان نبي تنسب إليه تلك الكرامات. وأجيب في التفسير الكبير بأن إقدامهم على النوم أمر غير خارق للعادة حتى يجعل ذلك معجزة لأحد، وأما قيامهم من النوم بعد ثلثمائة سنة فهذا أيضاً لا يمكن جعله معجزة لأن الناس لا يصدقونهم في هذه الواقعة لأنهم لا يعرف كونهم صادقين في هذه الدعوى إلا إذا بقوا طول هذه المدة وعرفوا أن هؤلاء الذين جاؤا في هذا الوقت هم الذين ناموا قبل ذلك بثلثمائة وتسع سنين، وكل هذه الشرائط لم توجد فامتنع جعل هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء، فلم يبق إلا أن تجعل كرامة لهم. ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون نفس بعثهم معجز النبي هذا الزمان؟ وأما أن ذلك البعث بعد نوم طويل فيعرف بأمارات أخر كما مر من حديث الدرهم وغيره. وأما الأخبار فمنها ما أخرج في الصحاح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:حديث : لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصبي في زمان جريج وصبي آخر. أما عيسى فقد عرفتموه، وأما جريج فكان رجلاً عابداً في بني إسرائيل وكانت له أم وكان يوماً يصلي إذ اشتاقت إليه أمه فقالت: يا جريج فقال: يا رب الصلاة خير أم رؤيتها ثم صلى. فدعته ثانياً مثل ذلك حتى كان ذلك ثلاث مرار. وكان يصلي ويدعها فاشتد ذلك على أمة فقالت: اللَّهم لا تمته حتى تريه المومسات. وكانت في بني إسرائيل زانية فقالت لهم: أنا أفتن جريجاً حتى يزني فأتته فلم تقدر عليه شيئاً وكان هناك راع يأوى بالليل إلى أصل صومعته فأرادت الراعي على نفسها فأتاها فولدت غلاماً وقالت: ولدي هذا من جريج. فأتاه بنو إسرائيل وكسروا صومعته وشتموه فصلى ودعا ثم نخس الغلام. قال أبو هريرة: كأنى أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين قال بيده يا غلام من أبوك؟ فقال: فلان الراعي فندم القوم على ما كان منهم واعتذروا إليه وقالوا نبني صومعتك من ذهب وفضة فأبى عليهم وبناها كما كانت. وأما الصبي الآخر فإن امرأة كانت معها صبي ترضعه إذ مر بها شاب جميل ذو شارة فقالت: اللَّهم اجعل ابني مثل هذا فقال الصبي: اللَّهم لا تجعلني مثله. ثم مر بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت فقالت: اللَّهم لا تجعل ابني مثل هذه. فقال: اللَّهم اجعلني مثلها. فقالت له أمه في ذلك فقال: إن الراكب جبار من الجبابرة وإن هذه قيل لها سرقت ولم تسرق وزنيت ولم تزن هي تقول حسبي الله"تفسير : . ومنها ما روي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم فأواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار فقالوا إنه والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فقال رجل منهم كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما فناما في ظل شجرة يوماً فلم أبرح عنهما وحلبت لهما غبوقهما فجئتهما به فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أغبق قبلهما فقمت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى ظهر الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللَّهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه. ثم قال الآخر اللَّهم إنه كانت لي ابنة عم وكانت أحب الناس إليّ فأردتها عن نفسها فامتنعت حتى ألمت سنة من السنين فجاءتني وأعطيتها مالاً عظيماً على أن تخلي بيني وبين نفسها فلما قدرت عليها قالت لا آذن لك أن تفك الخاتم إلا بحقه فتحرجت من ذلك العمل وتركتها وتركت المال معها اللَّهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم قال الثالث اللَّهم إني استأجرت أجراء أعطيتهم أجورهم غير رجل واحد منهم ترك الذي له وذهب فثمرت أجرته حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أدّ إليّ أجرتي فقلت له كل ما ترى من الإبل والغنم والرقيق من أجرتك فقال يا عبد الله لاتستهزىء بي فقلت إني لا أستهزىء بأحد فأخذ ذلك كله اللَّهم إن كنت فعلته ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة عن الغار فخرجوا يمشون"تفسير : وهذا حديث صحيح متفق عليه. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره"تفسير : . ولم يفرق بين شيء وشيء فيما يقسم به على الله. ومنها رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : بينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها إذا التفتت البقرة وقالت إني لم أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث فقال الناس: سبحان الله! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر"تفسير : . ومنها رواية أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : بينا رجل سمع رعداً أو صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان قال فغدوت إلى تلك الحديقة فإذا رجل قائم فيها فقلت له: ما اسمك؟ قال: فلان ابن فلان. فقلت: فما تصنع بحديقتك هذه إذا صرمتها؟ قال: ولم تسأل عن ذلك؟ قلت: لأني سمعت صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان. قال: أما إذ قلت فإني أجعلها أثلاثاً فأجعل لنفسي ولأهلي ثلثاً وأجعل للمساكين وأبناء السبيل ثلثاً وأنفق عليها ثلثاً"تفسير : وأما الآثار فمن كرامات أبي بكر الصديق أنه لما حملت جنازته إلى باب قبر النبي صلى الله عليه وسلم ونودي السلام عليك يا رسول الله هذا أبو بكر بالباب فإذا الباب قد فتح فإذا هاتف يهتف من القبر أدخلوا الحبيب إلى الحبيب. ومن كرامات عمر ما روي أنه بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً يدعى سارية بن حصين. فبينا عمر يوم الجمعة يخطب جعل يصيح في خطبته يا سارية الجبل الجبل. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: وكتبت تاريخ هذه الكلمة. فقدم رسول ذلك الجيش. فقال: يا أمير المؤمنين غدونا يوم الجمعة في وقت الخطبة فدهمونا فإذا بإنسان يصيح يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزم الله الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة. قال بعض العلماء: كان ذلك بالحقيقة معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه قال لأبي بكر وعمر: أنتما مني بمنزلة السمع والبصر. فلما كان عمر بمنزلة البصر لا جرم قدر على رؤية الجيش من بعد. ومنها ما روي أن نيل مصر كان في الجاهلية يقف في كل سنة مرة واحدة وكان لا يجري حتى يلقى فيه فيه جارية حسناء. فلما جاء الإسلام كتب عمرو بن العاص بهذه الحالة إلى عمر. فكتب عمر على الخزف: من عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت تجري بأمرك فلا حاجة لنا فيك، وإن كنت تجري بأمر الله فاجر على بركة الله. وأمر أن يلقى الخزف في النيل فجرى ولم يقف بعد ذلك. ووقعت الزلزلة بالمدينة فضرب عمر الدرة على الأرض وقال: اسكني بإذن الله فسكنت. ووقعت النار في بعض دورالمدينة فكتب عمر على خزفة: يا نار اسكني بإذن الله تعالى فألقوها في النار فانطفأت في الحال. ويروى أن رسول ملك الروم جاء إلى عمر وطلب داره فظن أن داره مثل قصور الملوك فقالوا: ليس له ذلك إنما هو في الصحراء يضرب اللبن. فلما ذهب إلى الصحراء رأى عمر واضعاً درته تحت رأسه وهو نائم على التراب فتعجب الرسول من ذلك وقال في نفسه: أهل الشرق والغرب يخافون منه وهو على هذه الصفة فسل سيفه ليقتله فأخرج الله أسدين من الأرض فقصداه فخاف فألقى السيف فانتبه عمر وأسلم الرجل. قال أهل السير: لم يتفق لأحد من أول عهد إلى الآن ما تيسر له فإنه مع غاية بعده عن التكلفات كيف قدر على تلك السياسات، ولا شك أن هذا من أعظم الكرامات. وأما عثمان فعن أنس قال: مررت في طريق فوقعت عيني على امرأة ثم دخلت على عثمان فقال: ما لي أراكم تدخلون عليّ وآثار الزنا عليكم؟! فقلت: أوحي نزل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا ولكن فراسة صادقة. وقيل: لما طعن بالسيف فأول قطرة سقطت من دمه سقطت على المصحف على قوله: {أية : فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} تفسير : [البقرة: 137]. ويروى أن جهجاهاً الغفاري انتزع العصا من يده وكسرها في ركبته فوقعت الآكلة في ركبته. وأما علي صلوات الله عليه فيروى أن واحداً من أصحابه سرق وكان عبداً أسود فأتي به إلى علي عليه السلام فقال: أسرقت؟ قال: نعم. فقطع يده فانصرف من عند علي رضي الله عنه فلقيه سلمان الفارسي وابن الكواء فقال ابن الكواء: من قطع يدك؟ قال: أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين وختن الرسول وزوج البتول. فقال: قطع يدك وتمدحه. قال: ولم لا أمدحه وقد قطع يدي بحق وخلصني من النار. فسمع سلمان ذلك فأخبر به علياً رضي الله عنه فدعا الأسود ووضع يده على ساعده وغطاه بمنديل ودعا بدعوات، فسمعنا صوتاً من السماء ارفع الرداء عن اليد فرفعنا الرداء فإذا اليد كما كانت بإذن الله تعالى. وأما سائر الصحابة فعن محمد بن المنذر أنه قال: ركبت البحر فانكسرت السفينة التي كنت فيها فركبت لوحاً من ألواحها فطرحني اللوح في أجمة فيها أسد، فخرج إليّ أسد فقلت: يا أبا الحرث أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فتقدم ودلني على الطريق ثم همهم فظننت أنه يودعني ورجع. وروى ثابت عن أنس أن أسيد بن حضير ورجلاً آخر من الأنصار خرجاً من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذهب من الليل قطع، وكانت ليلة مظلمة وفي يد كل واحد منهما عصاه فأضاءت عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئها، فلما افترقا أضاءت لكل واحد منهما عصاه حتى مشى في ضوئها وبلغ منزله. وقيل لخالد بن الوليد إن في عسكرك من يشرب الخمر فركب فرسه ليلاً فطاف في العسكر فرأى رجلاً على فرس ومعه زق من خمر فقال: ما هذا؟ فقال: خل. فقال خالد: اللَّهم اجعله خلاً. فذهب الرجل إلى أصحابه وقال: أتيتكم بخمر ما شربت العرب مثلها. فلما فتحوا فإذا هي خل. فقالوا: والله ما جئتنا إلا بخل. فقال: هذه والله دعوة خالد. ومن الوقائع المشهورة أن خالد بن الوليد أكل كفاً من السم على اسم الله وما ضره. وعن ابن عمر أنه كان في بعض أسفاره فلقي جماعة على طريق خائفين من السبع فطرد السبع عن طريقهم ثم قال: إنما يسلط على ابن آدم ما يخافه ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط عليه شيء. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي في غزاة فحال بينه وبين المطلوب قطعة من البحر فدعا باسم الله الأعظم فمشوا على الماء. وفي كتب الصوفية من هذا الباب روايات كثيرة ولا سيما في كتاب تذكرة الأولياء ومن أرادها فليطالعها. وأما المعقول فهو أن الرب حبيب العبد والعبد حبيب الرب لقوله {أية : يحبهم ويحبونه} تفسير : [المائدة: 54] فإذا بلغ العبد في طاعته مع عجزه إلى حيث يفعل كل ما أمره الله. فأي بعد في أن يفعل الرب مع غاية قدرته وسعة جوده مرة واحدة ما يريد العبد. وأيضاً لو امتنع إظهار الكرامة فذلك إما لأجل أن الله تعالى ليس أهلاً له فذلك قدح في قدرته، وإما لأن المؤمن ليس أهلاً له وهو بعيد لأن معرفة الله والتوفيق على طاعته أشرف العطايا وأجزلها، وإذا لم يبخل الفياض بالأشرف فلأن لا يبخل بالأدون أولى ومن هنا قالت الحكماء: إن النفس إذا قويت بحسب قوتها العلمية والعملية تصرفت في أجسام العالم السفلي كما تتصرف في جسده. قلت: وذلك أن النفس نور ولا يزال يتزايد نوريته وإشراقه بالمواظبة على العلم والعمل وفيضان الأنوار الإلهية عليه حتى ينبسط ويقوى على إنارة غيره والتصرف فيه، والوصول إلى مثل هذا المقام هو المعني بقول علي بن أبي طالب صلوات الله عليه. والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة ربانية. حجة المنكرين للكرامات أن ظهور الخوارق دليل على النبوة، فلو حصل لغير النبي لبطلت هذه الدلالة. وأجيب بالفرق بين المعجز والكرامة بأن المعجز مقرون بدعوى النبوة والكرامة مقرونة بدعوى الولاية. وأيضاً النبي يدعي المعجزة ويقطع بها. والولي إذا ادعى الكرامة لا يقطع بها، وأيضاً أنه يجب نفي المعارضة عن المعجزة ولا يجب نفيها عن الكرامة. جميع هذا عند من يجوّز للولي دعوى الولاية، وأما من لا يجوّز ذلك من حيث إن النبي مأمور بالإظهار لضرورة الدعوة والولي ليس كذلك ولكن إظهاره يوجب طلب الإشهار والفخر المنهي عنهما، فإنه يفرق بينهما بأن المعجز مسبوق بدعوى النبوة، والكرامة غير مسبوقة بشيء من الدعاوى قالوا: قال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله سبحانه: "حديث : لن يتقرب إليّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم"تفسير : لكن المتقرب إلى الله بأداء الفرائض لا يحصل له شيء من الكرامات، فالمتقرب إليه بأداء النوافل أولى بأن لا يحصل له ذلك. وأجيب بأن الكلام في المتقرب إليه بأداء الفرائض والنوافل جميعاً. قالوا: قال تعالى: {أية : وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس} تفسير : [النحل: 7] فالقول بطيّ الأرض للأولياء طعن في الآية وطعن في محمد صلى الله عليه وسلم حين لم يصل من المدينة إلى مكة إلا في أيام. وأجيب بأن الآية وردت على ما هو المعهود المتعارف وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير كالمستثناة من ذلك العموم، وإن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يكن قاصراً عن رتبة بعض الأولياء ولكنه لم يتفق له ذلك، أو لعله اتفق له في غير ذلك السفر قالوا: إذا ادعى الولي على إنسان درهماً فإن لم يطالبه بالبينة كان تاركاً لقوله: "حديث : البينة على المدعي."تفسير : وإن طالبه كان عبثاً لأن ظهور الكرامة عليه دليل قاطع على أنه لا يكذب ومع الدليل القاطع لا يجوز العمل بالظن. والجواب مثل ما مر من أن النادر لا يحكم به. قالوا: لو جاز ظهور الكرامة على بعض الأولياء لجاز على كلهم، وإذا كثرت الكرامات انقلب خرق لعادة وفقاً لها. وأجيب بأن المطيعين فيهم قلة لقوله تعالى: {أية : وقليل من عبادي الشكور} تفسير : [سبأ: 13] والولي فيهم أعز من الكبريت الأحمر، واتفاق الكرامة للولي أيضاً على سبيل الندرة فكيف يصير ما يظهر عليه معتاداً؟! في الفرق بين الكرامات والاستدراج هو أن يعطيه الله كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله وقد يسمى مكراً وكيداً وضلالاً وإملاء، والفرق أن صاحب الكرامة لا يستأنس بها ولكنه يخاف سوء الخاتمة، وصاحب الاستدراج يسكن إلى ما أوتي ويشتغل به، وإنما كان الاستئناس بالكرامات قاطعاً للطريق لأنه حينئذ اعتقد أنه مستحق لذلك وأن له حقاً على الخالق فيعظم شأنه في عينه ويفتخر بها لا بالمكرم، ولا ريب أن الإعجاب مهلك ولهذا وقع إبليس فيما وقع، والعبد الصالح هو الذي يزداد تذللـه وتواضعه بين يدي مولاه بازدياد آثار الكرامة والولاية عليه، قرأ المقرئ في مجلس الأستاذ أبى علي الدقاق {أية : إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} تفسير : [فاطر: 10] فقال: علامة رفع العمل أن لا يبقى منه في نظرك شيء، فإن بقي فهو غير مرفوع. واختلف في أن الولي هل يعرف كونه ولياً؟. قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: لا يجوز لأن ذلك يوجب الأمن {أية : ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} تفسير : [يونس: 62] والأمن ينافي اعتقاد قهارية الله تعالى ويقتضي زوال العبودية الموجب لسخط الله. وكيف يأمن الولي وقد وصف الله عباده المخلصين بقوله: {أية : ويدعوننا رغباً ورهباً} تفسير : [الأنبياء: 90] وأيضاً إن طاعة العباد ومعاصيهم لا تؤثر في محبة الحق وعداوته لأنها محدثة متناهية وصفاته قديمة غير متناهية، والمحدث المتناهي لا يغلب القديم غير المتناهي. فقد يكون العبد في عين المعصية ونصيبه في الأزل هو المحبة وقد يكون في عين الطاعة ونصيبه المبغضية، ولهذا لا يحصل الجزم بكيفية الخاتمة. قيل: من هنا قال سبحانه: {أية : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} تفسير : [الأنعام: 160] ولم يقل من عمل حسنة. ومن كانت محبته لا لعلة امتنع أن يصير عدوّاً لعلة المعصية وبالعكس، ومحبة الحق وعداوته من الأسرار التي لا يطلع عليها إلا الله أو من أطلعه عليها الله. وقال الأستاذ أبو علي الدقاق وتلميذه أبو القاسم القشيري: إن للولاية ركنين: أحدهما انقياد للشريعة في الظاهر، والثاني كونه في الباطن مستغرقاً في نور الحقيقة فإذا حصل هذان الأمران وعرف الإنسان ذلك عرف لا محالة كونه ولياً، وعلامته أن يكون فرحه بطاعة الله واستئناسه بذكر الله. قلت: لا ريب أن مداخل الأغلاط في هذا الباب كثيرة، ودون الوصول إلى عالم الربوبية حجب وأستار من نيران وأنوار، فالجزم بالولاية خطر والقضاء بالمحبة عسر والله تعالى أعلم. قال المفسرون: إن اليهود حين قالت لقريش: سلوا محمداً عن مسائل ثلاثة عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فسألوهن قال صلى الله عليه وسلم: حديث : أجيبكم عنها غداً ولم يستثن فاحتبس الوحي عنه خمس عشرة ليلة.تفسير : وقيل: أربعين يوماً ثم نزل قوله: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً} أي لأجل شيء تعزم عليه ليس فيه بيان أنه ماذا {إلا أن يشاء الله} فقال العلماء: إنه لا يمكن أن يكون من تمام قوله {إني فاعل} إذا يصير المعنى إلا أن يشاء الله أن لا أفعله أي إلا أن تعرض مشيئة الله دون فعله وهذا ليس منهياً عنه. فالصواب أن يقال: إنه من تمام قوله: {ولا تقولن} ثم إن قدر المراد إلا أن يشاء الله أن تقول إني فاعل ذلك غداً أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد بعينه.وقوله: {إلا أن يشاء الله} أن تقوله بأن يأذن لك في ذلك الإخبار كان معنى صحيحاً، ولكنه لا يكون موافقاً لسبب النزول. فالمعنى الموافق هو أن يكون قوله هذا في موضع الحال أي لا تقولنه إلا متلبساً بأن يشاء الله يعني قائلاً إن شاء الله. وهذا نهي تأديب لنبيه صلى الله عليه وسلم لأن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غداً لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد أو يعوقه عن ذلك عائق، فلو لم يقل إن شاء الله صار كاذباً في هذا الوعد والكذب منهي وجوز في الكشاف أن يكون {إن شاء الله} في معنى كلمة تأبيد كأنه قيل: ولا تقولنه أبداً. قال أهل السنة: في صحة الاستثناء بل في وجوبه دلالة على أن إرادة الله تعالى غالبة وإرادة العبد مغلوبة ويؤكده أنه إذا قال المديون القادر على أداء الدين: والله لأقضين هذا الدين غداً ثم قال: إن شاء الله فإذا جاء الغد ولم يقض لم يحنث بالاتفاق، وما ذاك إلا لأن الله ما شاء ذلك الفعل مع أنه أمره باداء الدين، وإنما لم يقع الطلاق في قول الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، لأن مشيئة الله غير معلومة فيلزم الدور لتوقف العلم بالمشيئة على العلم بوقوع الطلاق وبالعكس. واستدل القائلون بأن المعدوم شيء بقوله: {ولا تقولن لشيء} وذلك أن الشيء الذي سيفعله غداً معدوم مع أنه سماه شيئاً في الحال. وأجيب بأنه مجاز كقوله: {أية : أعصر خمراً} تفسير : [يوسف: 36] {واذكر ربك} أي مشيئة ربك {إذا نسيت} كلمة الاستثناء. ثم تنبهت لها، وللعلماء في مدة النسيان إلى الذكر خلاف، فعن ابن عباس: يستثني ولو بعد سنة ما لم يحنث. وعن سعيد بن جبير: ولو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة وهو قول ابن عباس بعينه. وعن طاوس: هو استثناء ما دام في مجلسه. وعن عطاء: يستثني على مقدار حلب ناقة غزيرة. وعند عامة الفقهاء لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً. قالوا: إن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعهد والعقد فإذا أتى بالعهد وجب عليه الوفاء بمقتضاه خالفنا هذا الدليل فيما إذا كان الاستثناء متصلاً بناء على أن المستثنى منه مع الاستثناء وأداته كالكلام الواحد، فإذا كان منفصلاً لم يمكن هذا التوجيه فوجب الرجوع إلى أصل الدليل. وقيل: أراد واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، وفيه بعث على الاهتمام بها. وقيل: اذكر إذا اعتراك النسيان في بعض الأمور لتذكر المنسي، أو اذكره إذا تركت بعض ما أمرك به ليس لهذين القولين شديد ارتباط بما قيل، وكذا قوله من حمله على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها. واختلفوا في المشار إليه بقوله: {لأقرب من هذا} الظاهر عند صاحب الكشاف أن المراد إذا نسيت شيئاً فاذكر ربك، وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه {رشداً} وأدنى خيراً ومنفعة. وقيل: إن ترك قوله "إن شاء الله" ليس بحسن وذكره أحسن. فقوله "هذا" إشارة إلى الترك وأقرب منه ذكر هذه الكلمة، وقيل: إنه إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف ومعناه لعل الله يؤتيني من البينات والحجج على أني صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشداً من نبئهم، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والأخبار بالمغيبات ما هو أعظم وأدل. عن قتادة. أن قوله سبحانه: {ولبثوا في كهفهم} حكاية لأهل الكتاب و{قل الله أعلم بما لبثوا} رد عليه ويؤيده قراءة عبد الله {وقالوا لبثوا} والجمهور على أنه بيان لما أجمل في قوله: {فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً} والمراد من قوله {قل الله أعلم} أن لا تتجاوزوا الحق الذي أخبر الله به ولا تلتفتوا إلى ما سواه من اختلافات أهل الأديان نظيره قوله: {قل ربي أعلم بعدّتهم} بعد قوله: {سبعة وثامنهم كلبهم} قال النحويون: سنين عطف بيان لثلثمائة لأن مميز مائة وأخواتها مجرور مفرد. وقيل: فيه تقديم وتأخير أي لبثوا سنين ثلثمائة. ومن قرأ بالإضافة فعلى وضع الجميع موضع الجميع موضع الواحد في التمييز كما مر في قوله: {أية : وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً} تفسير : [الأعراف: 160] قوله: {وازدادوا تسعاً} أي تسع سنين لدلالة لما قبله عليه دون أن يقول "ولبثوا ثلثمائة سنة وتسع سنين". فعن الزجاج المراد ثلثمائة بحساب السنين الشمسية وثلثمائة وتسع بالسنين القمرية وهذا شيء تقريبي. وقيل: إنهم لما استكملوا ثلثمائة سنة قرب أمرهم من الانتباه. ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين، ثم أكد قوله: {الله أعلم بما لبثوا} بقوله: {له غيب السموات والأرض} أي ليس لغيره ما خفى فيهما من أحوالهما وأحوال سكانهما وهو مختص بذلك. ثم زاد في المبالغة فجاء بما دل على التعجب من إدراكه للمبصرات والمسموعات. والضمير في قوله: {مالهم} لأهل السموات والأرض. وفيه بيان لكمال قدرته وأن الكل تحت قهره وتسخيره وأنه لا يتولى أمورهم غيره {ولا يشرك في حكمه} وقضائه قبل أصحاب الكهف {أحداً} منهم ومن قرأ {لا نشرك} على النهي فهو عطف معطوف على {لا تقولن} والمراد أنه لا يسأل أحداً عما أخبره الله به من نبأ أصحاب الكهف. واقتصر على بيانه. وقيل: الضمير في مالهم لأصحاب الكهف أي أنه هو الذي حفظهم في ذلك النوم الطويل وتولى أمرهم. وقيل: ليس للمختلفين في مدة لبثهم من دون الله من يتولى أمورهم فكيف يعلمون هذه الواقعة من دون إعلامه؟! وقيل: فيه نوع تهديد لأنهم لما ذكروا في هذا الباب أقوالاً على خلاف قول الله فقد استوجبوا العقاب فبين الله تعالى أنه: {ليس لهم من دونه ولي} يمنع العقاب عنهم. واعلم أن الناس اختلفوا في زمان لبث أصحاب الكهف في مكانهم فقيل: كانوا قبل موسى عليه السلام وأنه ذكرهم في التوراة فلهذا سألت اليهود ما سألوا وقيل: دخلوا الكهف قبل المسيح وأخبروه بخبرهم ثم لبثوا في الوقت الذي بين عيسى ومحمد عليهما السلام. وحكى القفال عن محمد بن إسحق أنهم دخلوا كهفهم بعد عيسى. وقيل: إنهم لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة. وذكر أبو علي بن سينا في باب الزمان من كتاب الشفاء إن أرسطا طاليس الحكيم زعم أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف ثم قال أبو علي: ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف. وأما المكان فحكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم أن الواثق أنفذه إلى ملك الروم ليعرف أحوال أصحاب الكهف، فوجهه مع طائفة إلى ذلك الموضع قال: وإن الرجل الموكل بذلك المقام فزعني من الدخول عليهم، فدخلت فرأيت الشعور على صدورهم فعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة الحافظة لأبدان الموتى عن البلى كالصبر وغيره. قلت: حين لم يملأ الخوارزمي رعباً من الاطلاع عليهم حصل القطع بأنهم ليسوا أصحاب الكهف والرقيم، ولو صح ما حكينا عن معاوية حين غزا الروم حصل ظن غالب بأنهم منهم والله تعالى أعلم. التأويل: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب} والعبد الحقيقي من يكون حراً عن الكونين وهو محمد صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "حديث : أمتي أمتي"تفسير : يوم يقول كل نبي " نفسي نفسي"، ولأنه هو الذي صحح نسبة العبودية كما ينبغي أطلق عليه اسم العبد مطلقاً وقيد لسائر الأنبياء كما قال: {أية : عبده زكريا} تفسير : [مريم: 2]، {أية : واذكر عبدنا داود} تفسير : [ص: 17]، ولأنه كان خلقه القرآن قيل: {ولم يجعل له} أي لقلبه {عوجاً} لا يستقيم فيه القرآن، ومن استقامة قلبه نال ليلة المعراج رتبة {فأوحى إلى عبده ما أوحى}[النجم: 10] بلا واسطة جبرائيل، ونال قلبه الاستقامة بأمر التكوين بقوله: {أية : فاستقم كما أمرت} تفسير : [هود: 112] {أجراً حسناً}. هو التمتع من حسن الله وجماله. {لعلك باخع نفسك} كان من عادته عليه الصلاة والسلام أن يبالغ في المأمور به حتى ينهى عنه، بالغ في الدعوة والشفقة على أمته حتى قيل له لا تبخع نفسك، وبالغ في الإنفاق إلى أن أعطى قميصه فقعد عرياناً فنهى عنه بقوله: {أية : ولا تبسطها كل البسط} تفسير : [الإسراء: 29] {إنا جعلنا ما على الأرض زينة} أي زينا الدنيا وشهواتها للخلق ملائماً لطبائعهم وجعلناها محل ابتلاء للمحب وللسائل {لنبلوهم أيهم أحسن عملاً} في تركها ومخالفة هوى نفسه طلباً لله ومرضاته. ثم أخبر عن سعادة السادة الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على المولى بقوله: {أم حسبت} ومعناه لا تعجب من حالهم فإن في أمتك من هو أعجب حالاً منهم، ففيهم أصحاب الخلوات الذين كهفهم بيت الخلوة، ورقيمهم قلوبهم المرقومة برقم المحبة فإنهم أووا إلى الكهف خوفاً من لقاء دقيانوس وفراراً منه، فهؤلاء أووا إلى الخلوة شوقاً إلى لقائي وفراراً إليّ. وإنهم طلبوا النجاة من شر. والخروج من الغار بالسلامة بقولهم {ربنا آتنا} الآية. فهؤلاء طلبوا الخلاص من شر نفوسهم والخروج من ظلمات الغار المجازي للوصول إلى نور الوجود الحقيقي. {فضربنا} على آذان باطنه وحواسهم الآخر في مدة الخلوة لمحو النقوش الفاسدة عن ألواح نفوسهم وانتقاشها بالعلوم الدينية والأنوار الإلهية ليفنيهم الله عنهم ويبقيهم به وهو سر قوله: {ثم بعثناهم} أي أحييناهم بنا {لنعلم أي الحزبين} أصحاب الخلوة أم أصحاب السلوة: {أحصى} أي أكثر فائدة وأتم عائدة لأمد لبثهم في الدنيا التي هي مزرعة الآخرة {وزدناهم هدى} فإنهم كانوا يريدون الإيمان الغيبي فأنمناهم {ثم بعثناهم} حتى صار الإيمان إيقاناً والغيب عياناً {اتخذوا من دونه آلهة} من الدنيا والهوى. {وترى الشمس إذا طلعت} قال الشيخ المحقق نجم الدين. المعروف: بداية هذا أخبار من أصناف ألطافه بأضيافه، وفيه إشارة إلى أن نور ولايتهم يغلب نور الشمس ويرده عن الكهف كما يغلب نور المؤمن نار جهنم لقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن المؤمن إذا ورد النار تستغيث النار وتقول: حزباً مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" تفسير : {وهم في فجوة منه} في متسع وفراغ من ذلك النور يدفع عنهم كل ضر ويراعيهم عن بلى أجسادهم وثيابهم. قلت: يحتمل أن يراد أن شمس الروح أو المعرفة والولاية إذا طلعت من أفق الهداية وأشرقت في سماء الواردات - وهو حالة السكر وغلبات الوجد - لا تنصرف في حال خلوتهم إلى أمر يتعلق بالعقبى وهو جانب اليمين {وإذا غربت} أي سكنت تلك الغلبات وظهرت حالة الصحو لا تلتفت همم أرواحهم إلى أمر يتعلق بالدنيا وهو جانب الشمال، بل تنحرف عن الجهتين إلى المولى وهم في حال دفاع وفراغ ما يشغلهم عن الله {وتحسبهم إيقاظاً} متصرفين في أمور الدنيا {وهم رقود} عنها لأنهم يتصرفون فيها لأجل الحق لا لحظ النفس، أو تحسبهم أيقاظاً مشغولين بأمور الآخرة لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، وهم رقود متصرفون في أمور الدنيا لأن الناس بهم يرزقون ويمطرون. وفي قوله: {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال} إشارة إلى أنهم في التسليم لمقلب القلوب في الأحوال كلها كالميت بين يدي الغسال. قيل: في الآية دلالة على أن المريد الذي يربيه الله بلا واسطة المشايخ تكامل أمره في ثلثمائة وتسع سنين، والذي يربيه بواسطتهم تم أمره في أربعينات معدودة ولهذا تكون ثمرة البساتين الزهر وثمرة الجبال وفي قوله: {وكلبهم باسط} إشارة أن أكلب نفوسهم نائمة معطلة عن الأعمال بها. ربيت القلوب والأرواح معنى أن هذا النوع من التربية من قبيل القدرة الإلهية التي اختصهم بها، ويمكن أن يراد أن نفوسهم صارت بحيث تطيعهم في جميع الأحوال وتحرسهم عما يضرهم {ولملئت منهم رعباً} بما شاهدت عليهم من آثار الأنوار التي زدناهم، ولجلاليب الهيبة والعظمة التي ألبسناهم {لبثنا يوماً أو بعض يوم} لأن أيام الوصال قصيرة، فما رأوا أنهم في دهشة الوصال وحياة الأحوال {قالوا ربكم أعلم بما لبثتم} لأنه كان حاضراً معكم وأنتم غيب عنكم {فابعثوا أحدكم} من العجب أنهم ما احتاجوا مدة ثلثمائة وتسع سنين بما نالوا من غذاء الروح كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني"تفسير : . فلما رجعوا من عند الله الحق إلى عبدية أنفسهم احتاجوا إلى الغذاء الجسماني {أزكى طعاماً} لما رجعوا إلى العالم الجسماني، تعللوا من جمال الله بمشاهدة كل جميل وتوسلوا إلى تلك الملاطفات بلطافة الأغذية الجسمانية وزكائها. {ولا يشعرنّ بكم أحد} فيه أن أرباب المعرفة والمحبة يجب أن يحترزوا عن شعور أهل الغفلة والسلوة {ليعلموا أن وعد الله حق} بإحياء القلوب الميتة حق قدره، الأمر فيما أظهر وأبدى أو أسر وأخفى. {سيقولون} أن القوى والأركان الأصلية للإنسان {ثلاثة} الحيوانية والطبيعية والنفسانية التي منشؤهن القلب والكبد والدماغ. {رابعهم كلبهم} هو النفس الناطقة. {ويقولون خمسة} هو الحواس الظاهرة {سادسهم} النفس {ويقولون سبعة} هو الحواس الظاهرة مع الوهم المدرك للمعاني والخيال المدرك للصور {وثامنهم كلبهم} هو النفس المدرك للكليات {قل ربي أعلم بعدتهم} لأن القوى الباطنة والظاهرة وأفاعيلها وغاياتها لا يعلمهن إلا الله سبحانه ومن أطلعه الله عليه وذلك قوله: {ما يعلمهم إلا قليل} والله أعلم بالصواب.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ } كان حفْصٌ عن عاصم يَسْكُتُ عند قوله: {عِوَجَا} سكتةً خفيفة، وعند { أية : مَّرْقَدِنَا } تفسير : في يس [يس:52] وسبب هذه البداءة في هذه السورة أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لما سألته قريشٌ عن المسائِلِ الثَّلاثِ: الرُّوحِ، وأصحابِ الكهف، وذِي القَرْنَيْنِ، حسب ما أمرتهم به يهود - قال لهم صلى الله عليه وسلم: « غَداً أُخْبِرُكُمْ بِجَوَابِ مَا سَأَلْتُمْ » ولم يقلْ: إِن شاء اللَّه، فعاتَبَهُ اللَّه عزَّ وجلَّ، وأمسك عنه الوحْيَ خَمْسَةَ عَشَرَ يوماً، وأرجف به كُفَّار قريشٍ، وشَقَّ ذلك على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وبلَغَ منه، فلما انقضى الأمَدُ الذي أراد اللَّهُ عِتَابَ نبيِّه، جاءه الوحْيُ بجوابِ ما سألوه، وغير ذلك، فافتتح الوحْي بـــ {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ }، وهو القرآن. وقوله: {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا }، أي: لم ينزله عن طريق الاستقامة، «والعِوَج» فَقُدُ الاستقامة، ومعنى {قَيِّماً }، أي: مستقيماً؛ قاله ابن عباس وغيره، وقيل: معنا أنه قَيِّم على سائر الكتب بتصديقها، ولم يرتضه * ع *، قال: ويصح أن يكون معنى «قيِّم» قيامَهُ بأمر اللَّه على العَالَمِ وهذا معنى يؤيِّده ما بعْده من النِّذارة والبشارة اللتَيْن عمتا العالَمَ، «والبأس الشديد» عذاب الآخرة، ويحتملُ أنْ يندرج معه في النِّذارة عذابُ الدنيا ببَدْرٍ وغيرها، و {مِّن لَّدُنْهُ }، أي: من عنده، والمعنى: لينذر العالَمَ و«الأجر الحسن» نعيمُ الجنة، ويتقدَّمه خير الدنيا. وقوله تعالى: {إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا }، أي: ما يقولون، فهي النافية.
ابن عادل
تفسير : قال ابن الخطيب: تقدم الكلام في الحمد، والذي أقوله ها هنا: إن التسبيح أينما جاء فإنما جاء مقدماً على التحميد؛ ألا ترى أنه يقال: "سبحان الله والحمد لله". وإذا عرف هذا، فنقول: إنه تعالى - جلَّ جلاله - ذكر التسبيح عندما أخبر أنَّه أسرى بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ} تفسير : [الإسراء: 1] وذكر التحميد عندما ذكر إنزال الكتاب عليه فقال: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَٰبَ}. ثم قال: والمشبهة استدلوا بلفظ الإسراء في السورة المتقدمة وبلفظ الإنزال في هذه السورة على أنه تعالى مختص بجهة فوق. والجواب عنه مذكور في سورة الأعراف في تفسير قوله {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} تفسير : [الأعراف: 54]. واعلم: أنه تعالى أثنى على نفسه بإنعامه على خلقه، وخصَّ رسوله صلى الله عليه وسلم بالذكر؛ لأنَّ إنزال الكتاب القرآن عليه كان نعمةً عليه على الخصوصِ وعلى سائر الناسِ على العمومِ. أما كونه نعمة عليه؛ فلأنه تعالى أطلعه بواسطة هذا الكتاب الكريم على أسرار علم التَّوحيد والتَّنزيه وصفات الجلال وأحوال الملائكة وأحوال الأنبياءِ وأحوالِ القضاء والقدر، وتعلُّق أحوال العالم السفليِّ بأحوال العالم العلوي، وتعلق أحوال عالم الآخرة بعالم الدنيا، وكيفية نزول القضاء من عالم الغيب، وذلك من أعظم النِّعم، وأمَّا كونه نعمة علينا؛ فلأنه مشتملٌ على التكاليفِ والأحكامِ والوعد [والوعيد] والثوابِ والعقاب، فكلُّ واحدٍ ينتفعُ به بمقدار طاقته وفهمه. قوله: {وَلَمْ يَجْعَل}: في هذه الجملة أوجهٌ، أحدها: أنها معطوفة على الصلة قبلها. والثاني: أنها اعتراضية بين الحال وهي "قَيِّما" وبين صاحبها وهو "الكتاب". والثالث: أنها حالٌ من "الكتاب"، ويترتب على هذه الأوجه القول في "قَيِّماً". قوله: {قَيِّماً}: فيه أوجه: الأول: أنه حال من "الكتاب". والجملة من قوله "ولم يجعل" اعتراض بينهما. وقد منع الزمخشري ذلك فقال: "فإن قلت: بم انتصب "قَيِّماً"؟ قلت: الأحسن أن ينتصب بمضمرٍ، ولم يجعل حالاً من "الكتاب" لأن قوله "ولم يجعل" معطوف على "أنْزلَ" فهو داخلٌ في حيِّز الصلةِ، فجاعله حالاً فاصلٌ بين الحالِ وذي الحال ببعض الصلة"، وكذلك قال أبو البقاء. وجواب هذا ما تقدَّم من أن الجملة اعتراضٌ لا معطوفة على الصِّلة. الثاني: أنه حالٌ من الهاءِ في "لهُ". قال أبو البقاءِ: "والحالُ مؤكدة. وقيل: منتقلة". قال شهاب الدين: القول بالانتقالِ لا يصحُّ. الثالث: أنه منصوب بفعلٍ مقدرٍ، تقديره: جعله قيِّماً. قال الزمخشري: "تقديره: ولم يجعل له عوجاً، جعله قيِّماً، لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة". قال: "فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامةِ وفي أحدهما غِنًى عن الآخر؟. قلت: فائدته التأكيد فرُبَّ مستقيم مشهودٌ له بالاستقامةِ، ولا يخلو من أدنى عوجٍ عند السَّيرِ والتصفُّح". الرابع: أنه حالٌ ثانية، والجملة المنفيَّة قبله حال أيضاً، وتعدد الحال لذي حال واحد جائزٌ. والتقدير: أنزله غير جاعلٍ له عوجاً قيماً. والخامس: أنه حالٌ أيضاً، ولكنه بدلٌ من الجملة قبله لأنها حال، وإبدال المفرد من الجملة إذا كانت بتقدير مفرد جائز، وهذا كما أبدلت الجملة من المفرد في قوله: "عَرفْتُ زيداً أبو مَنْ هو". والضمير في "لَهُ" فيه وجهان، أحدهما: أنه للكتاب، وعليه التخاريج المتقدمة. والثاني: أنه يعود على "عَبدِه"، وليس بواضحٍ. وقرأ العامة بتشديد الياء، وأبانُ بن تغلب بفتحها خفيفة. وقد تقدَّم القولُ فيها. ووقف حفص على تنوين "عِوَجاً" يبدله ألفاً، ويسكت سكتةً لطيفة من غير قطع نفس، إشعاراً بأنَّ "قيِّماً" ليس متصلاً بـ "عوجاً"، وإنما هو من صفة الكتاب. وغيره لم يعبَأ بهذا الوهم فلم يسكت اتِّكالاً على فهم المعنى. قلت: قد يتأيَّد ما فعله حفصٌ بما في بعض مصاحف الصحابة: "ولم يَجْعلْ له عوجاً، لكن جعله قيِّماً". وبعض القراء يطلق فيقول: يقف على "عِوَجاً"، ولم يقولوا: يبدل التنوين ألفاً، فيحتمل ذلك، وهو أقرب لغرضه فيما ذكرت. ونقل أبو شامة عن ابن غلبون وأبي علي الأهوازيِّ، يعني الإطلاق. ثم قال: "وفي ذلك نظرٌ - أي في إبدال التنوين ألفاً - فإنه لو وقف على التنوين لكان أدلَّ على غرضه، وهو أنه واقفٌ بنيَّة الوصل". انتهى. وقال الأهوازيُّ: "ليس هو وقفاً مختاراً، لأنَّ في الكلام تقديماً وتأخيراً، معناه: أنزل على عبده الكتاب قيِّماً ولم يجعل له عوجاً". قال شهاب الدين: دعوى التقديم والتأخير وإن كان قال به غيره كالبغوي والواحدي وغيرهما إلاَّ أنَّها مردودةٌ لأنَّها على خلاف الأصل، وقد تقدَّم تحقيقه. وفعل حفصٌ في مواضع من القرآن مثل فعله هنا من سكتةٍ لطيفةٍ نافية لوهم مخلٍّ. فمنها: أنَّه كان يقف على "مَرْقدِنا"، ويبتدىء: {أية : هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ} تفسير : [يس: 52]. قال: لئلاَّ يتوهَّم أنَّ "هذا" صفة لـ "مَرْقدِنا" فالوقف يبين أنَّ كلام الكفار انقضى، ثم ابتدىء بكلامِ غيرهم. قيل: هم الملائكة. وقيل: المؤمنون. وسيأتي في يس ما يقتضي أن يكون "هذا" صفة لـ "مَرْقدِنا" فيفوتُ ذلك. ومنها: {أية : وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} تفسير : [القيامة: 27]. كان يقف على نون "مَنْ" ويبتدىء "راقٍ" قال: "لئلاَّ يتوهَّم أنها كلمة واحدة على فعَّال اسم فاعل للمبالغة من مرق يمرُق فهو مرَّاق". ومنها: {أية : بَلْ رَانَ} تفسير : [المطففين: 14] كان يقف على لام بل، ويبتدىء "ران" لما تقدَّم. قال المهدويُّ: "وكان يلزمُ حفصاً مثل ذلك، فيما شاكل هذه المواضع، وهو لا يفعله، فلم يكن لقراءته وجهٌ من الاحتجاج إلا اتباعُ الأثر في الرواية". قال أبو شامة: "أولى من هذه المواضعِ بمراعاةِ الوقفِ عليها: {أية : وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً} تفسير : [يونس: 65]، ينبغي الوقف على "قَولهُم" لئلاَّ يتوهَّم أنَّ ما بعده هو المقولُ"، وكذا {أية : أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ} تفسير : [غافر: 6، 7] ينبغي أن يعتنى بالوقف على "النَّار" لئلا تتوهَّم الصفة. قال شهابُ الدين: وتوهُّمُ هذه الأشياء من أبعد البعيد. وقال أبو شامة أيضاً: "ولو لزم الوقفُ على اللام والنون ليظهرا للزمَ ذلك في كلِّ مدغمٍ". يعني في "بل رانَ" وفي "مَنْ راقٍ". فصل المعنى: ولم يجعل له عوجاً [قيِّماً]، أي مختلفاً. قال تعالى: {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} تفسير : [النساء: 82]. قال أهل اللغة: العوج في المعاني كالعوج في الأعيان، فالمراد منه نفيُ التَّناقضِ. وقيل: معناه لم يجعلهُ مخلوقاً. روي عن ابن عبَّاس أنَّه قال في قوله تعالى: {أية : قُرْءَاناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} تفسير : [الزمر: 28] أي غير مخلوقٍ. وقوله: "قيماً" فيما نقل عن ابن عباسٍ أنه قال: يريد مستقيماً [قال ابن الخطيب:] وهذا عندي مشكلٌ؛ لأنَّه لا معنى لنفي الاعوجاج إلاَّ حصول الاستقامةِ، فتفسير القيّم بالمستقيم يوجبُ التكرار، بل الحق أن يقال: المرادُ من كونه قيِّماً سبباً لهداية الخلق، وأنَّه يجري بحذوِ من يكون قيّماً للأطفال، فالأرواح البشرية كالأطفالِ، والقرآن كالقيِّم المشفق القيم بمصالحهم. قوله: "ليُنْذِرَ" في هذه اللام وجهان، أظهرهما: أنها متعلقة بـ "قيِّماً" قاله الحوفيُّ. والثاني: - وهو الظاهرُ - أنَّها تتعلق بـ "أنْزلَ". وفاعل "لِيُنذِرَ" يجوز أن يكون "الكتاب" وأن يكون الله، وأن يكون الرسول. و "أنْذَرَ" يتعدَّى لاثنين: {أية : إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً} تفسير : [النبأ: 40] {أية : فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً} تفسير : [فصلت: 13]. ومفعوله الأول محذوف، يقدره الزمخشري: "ليُنْذِرَ الذين كفروا"، وغيره: "ليُنذِرَ العباد"، أو "ليُنذرَكم"، أو لينذر العالم. وتقديره أحسن لأنه مقابل لقوله "ويُبشِّر المؤمنين"، وهم ضدُّهم. وكما حذف المنذر وأتى بالمنذر به هنا، حذف المنذر به وأتى بالمنذرِ في قوله {أية : وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ} تفسير : [الكهف: 4] فحذف الأول من الأول لدلالةِ ما في الثاني عليه، وحذف الثاني من الثاني لدلالة ما في الأول عليه، وهو في غاية البلاغة، ولمَّا لم تتكرَّر البشارة ذكر مفعوليها فقال: {وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً}. قوله: {مِّن لَّدُنْهُ} قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ بسكون الدَّال مشمَّة الضمَّ وكسر النون والهاء موصلة بياء، فيقرأ "مِنْ لَدْنهِي" والباقون يضمون الدال، ويسكنون النون ويضمون الهاء، وهم على قواعدهم فيها: فابن كثيرٍ يصلها بواوٍ نحو: منهُو وعنهُو، وغيره لا يصلها بشيءٍ. وجه أبي بكرٍ: أنَّه سكن الدال تخفيفاً كتسكين عين "عَضُد" فالنون ساكنة، فالتقى ساكنان فكسر النون لالتقاءِ الساكنين، وكان حقُّه أن يكسر الأول على القاعدة المعروفة إلا أنه يلزم منه العودُ إلى ما فرَّ منه، وسيأتي لتحقيق هذا بيانٌ في قوله تعالى: {أية : وَيَخْشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقْهِ}تفسير : [النور: 52] في سورة النور، لمَّا كسر النون إتباعاً على قاعدته ووصلها بياء. وأشم الدال إشارة إلى أصلها في الحركة. والإشمامُ هنا عبارة عن ضمِّ الشفتين من غير نطقٍ، ولهذا يختصُّ به البصير دون الأعمى، هكذا قرَّرهُ القراء وفيه نظر؛ لأنَّ الإشمام المشار إليه إنما يتحقق عند الوقف على آخر الكلمة فلا يليق إلاَّ بأن يكون إشارة إلى حركة الحرفِ الآخر المرفوع إذا وقف عليه نحو: "جاء الرجل"، وهكذا قدَّره النحويون. وأمَّا كونه يؤتى به في وسط الكلمة فلا يتصوَّر إلا أن يقف المتكلم على ذلك الساكن ثم ينطق بـ "ياء" الكلمة. وإذا جرَّبت نطقك في هذا الحرف الكريم وجدت الأمر كذلك، لا ينطقُ به بالدال الساكنة مشيراً إلى ضمها إلا حتى يقف عليها، ثم يأتي بـ "ياء" في الكلمة. فإن قلت: إنَّما آتي بالإشارة إلى الضمة بعد فراغي من الكلمةِ بأسرها. قيل لك: فاتت الدلالة على تعيين ذلك الحرف المشار إلى حركته. فالجواب عن هذا بأنه ليس في الكلمة ما يصلح أن يشار إلى حركته وهو الدال. وقد تقدَّم في "يوسف" أن الإشمام في {أية : لاَ تَأْمَنَّا} تفسير : [يوسف: 11] إذا فسَّرناه بالإشارة إلى الضمة: منهم من يفعله قبل كمال الإدغام، ومنهم من يفعله بعده، وهذا نظيره. وتقدَّم أنَّ الإشمام يقع بإزاءِ معانٍ أربعةٍ تقدَّم تحقيقها. و "مِنْ لدُنه" متعلق بـ "ليُنْذِرَ". ويجوز تعلقه بمحذوفٍ نعتاً لـ "بَأساً"، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في "شديداً". والبأس مأخوذ من قوله: {أية : بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} تفسير : [الأعراف: 165] و {مِّن لَّدُنْهُ} أي: صادراً من عنده. فصل قال الزجاج: وفي "لدُن" لغات يقال: لَدُ، ولدُنْ، ولَدَى بمعنى واحدٍ، وهي لا تتمكن ممكن "عند"؛ لأنَّك تقول هذا القول الصَّواب عندي، ولا يقال: صوابٌ لدني، ويقال: عندي مالٌ عظيمٌ، [والمال] غائب عنك، ولدني لما يليك لا غير. وقرىء "ويُبشِّرُ" بالرفع على الاستئناف. والمراد بالأجر الحسن الجنة. قوله: {مَّاكِثِينَ}: حالٌ: إمَّا من الضمير المجرور في "لهُم"، أو المرفوع المستتر فيه، أو من "أجراً" لتخصصه بالصفة، إلاَّ أنَّ هذا لا يجيءُ إلاَّ على رأيِ الكوفيين. فإنهم لا يشترطون بروزَ الضمير في الصفة الجارية على غير من هي له إذا أمن اللَّبسُ، ولو كان حالاً منه عند البصريِّين لقال: ماكثين هم فيه. ويجوز على رأي الكوفيين أن يكون صفة ثانية لـ "أجْراً". قال أبو البقاء: وقيل: هو صفة لـ "أجْراً"، والعائد الهاء في "فيه". ولم يتعرَّض لبروزِ الضمير ولا لعدمه بالنسبة إلى المذهبين. و "أبداً" منصوبٌ على الظرف بـ "مَاكثِينَ". فصل اعلم أنَّ المقصود من إرسالِ الرسل إنذارُ المذنبين وبشارة المطيعين، ولمَّا كان دفع الضرِّ أهمَّ عند ذوي العقول من إيصالِ النَّفع، لا جرم قدَّم الإنذار في اللفظ. قال الزمخشريُّ: قرىء "ويُبشِّرُ" بالتخفيف والتَّثقيل و {مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً} بمعنى خالدين. فصل قال القاضي: دلت الآية على صحَّة قوله في مسائل: أحدها: أنَّ القرآن مخلوقٌ وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى وصفه بالإنزال والنزولِ، وذلك من صفاتِ المحدثات، فإنَّ القديم لا يجوز عليه التغييرُ. والثاني: أنَّه وصفه بكونه كتاباً، و الكتب هو الجمع، وسمِّي كتاباً لكونه مجموعاً من الحروفِ والكلماتِ، وما صحَّ فيه [من] التركيب والتأليف فهو محدثٌ. الثالث: أنَّه تعالى أثبت الحمد لنفسه، على إنزالِ الكتاب، والحمد إنَّما يستحقُّ على النعمةِ، والنعمةُ محدثة [مخلوقة]. الرابع: أنَّه وصفهُ بأنه غير معوجٍّ وبأنَّه مستقيمٌ، والقديم لا يمكن وصفه بذلك، فثبت أنَّه محدثٌ مخلوقٌ. وثانيها: خلق الأعمال؛ فإنَّ هذه الآية تدلُّ على قولنا في هذه المسألة من وجوهٍ: الأول: نفس الأمر بالحمد؛ لأنَّه لو لم يكن للعبد فعلٌ لم ينتفع بالكتاب، إذ الانتفاع به إنما يحصل إذا قدر أن يفعل ما دلَّ الكتاب على أنه يجب فعله، ويترك ما دلَّ الكتاب على أنه يجب تركهُ، وهذا إنَّما كان يعقل لو كان مستقلاً بنفسه. أمَّا إذا لم يكن مستقلاً بنفسه لم يكن لعوج الكتاب أثرٌ في اعوجاج فعله، ولم يكن لكون الكتاب "قيِّماً" أمرٌ في استقامةِ فعله كان العبدُ قادراً على الفعل مختاراً فيه. والثاني: أنَّه تعالى لو أنزل بعض الكتاب ليكون سبباً لكفر البعض، وأنزل الباقي ليؤمن البعضُ الآخر، فمن أين أن ذلك الكتاب قيمٌ لا عوج فيه؟ لأنه لو كان فيه عوجٌ لما زاد على ذلك. والثالث: قوله: "لِيُنذِرَ" وفيه دلالة على أنَّه تعالى أراد منه صلى الله عليه وسلم إنذارَ الكلِّ وتبشير الكلِّ، وبتقدير أن يكون خالق الكفر والإيمان هو الله تعالى لم يبق للإنذارِ والتبشير فائدة؛ لأنَّه تعالى إذا خلق الإيمان حصل شاء العبدُ أو لم يشأ، وإذا خلق الكفر [حصل] شاء العبد أو لم يشأ، فيصيرُ الإنذار والتبشيرُ على الكفر والإيمان جارياً مجرى الإنذارِ والتبشير على كونه طويلاً وقصيراً وأبيض وأسود ممَّا لا قدرة للعبد عليه. الرابع: وصفه المفسرون بأنَّ المؤمنين يعملون الصالحاتِ فإن كان خلقاً لله تعالى، فلا علم لهم به ألبتة. الخامس: إيجابه لهم الأجر الحسن على ما علموا؛ فإن الله تعالى قادرٌ بخلق ذلك فيهم، فلا إيجاب ولا استحقاق. المسألة الثالثة: دلَّت الآية على أنَّه تعالى يفعل أفعاله لأغراض صحيحةٍ، وذلك يبطل قول من يقول: إنَّ فعلهُ غيرُ مُعلَّلٍ بالغرضِ. فصل واعلم أن هذه الكلمات قد تكررت في هذا الكتاب فلا فائدة في الإعادة.
البقاعي
تفسير : لما ختمت تلك بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالحمد عن التنزه عن صفات النقص لكونه أعلم الخلق بذلك، بدئت هذه بالإخبار باستحقاقه سبحانه الحمد على صفات الكمال التي منها البراءة عن كل نقص، منبها بذلك على وجوب حمده بما شرع من الدين على هذا الوجه الأحكم بهذا الكتاب القيم الذي خضعت لجلاله العلماء الأقدمون، وعجز عن معارضته الأولون والآخرون، الذي هو الدليل على ما ختمت به تلك من العظمة والكمال، والتنزه والجلال، فقال ملقنا لعباده حمده، معلما لهم كيف يثنون عليه، مفقها لهم في اختلاف العبارات باختلاف المقامات: {الحمد} أي الإحاطة بصفات الكمال {لله} أي المستحق لذلك لذاته. ولما أخبر باستحقاقه ذلك لذاته، أخبر بأنه يستحقه أيضاً لصفاته وأفعاله، فقال تعالى: {الذي} ولما كان المراد وصف جملة الكتاب بالإعجاز من غير نظر إلى التفريق واللتدريج، عبر بالإنزال دون التنزيل فقال: {أنزل} وعدل عن الخطاب بأن يقول: عليك، كما يقول: فلعلك باخع نفسك، كما في ذلك من الوصف بالعبودية والإضافة إليه سبحانه من الإعلام بتشريفه صلى الله عليه وعلى آله وسلم والتنبيه على علة تخصيصه بالإنزال عليه كما تقدم في سورة البقرة، فقال. مقدماً له على المنزل لأن المراد الدلالة على صحة رسالته بما لا يحتاج فيه قريش إلى سؤال اليهود ولا غيرهم من تخصيصه بما لا يقدر عليه غيره: {على عبده} وإشارة إلى أنه الذي أسرى به إلى حضرات مجده ليريه من آياته {الكتاب} الجامع لمعاني الكتب المشار إليه في آخر التي قبلها بما أشير إليه من العظمة كما آتى موسى التوراة الآمرة بالعدل في الأحكام، وداود الزبور الحادي إلى الزهد والإحسان، على ما أشير إليه في {سبحان}. ولما كان الجامع لا يخلو من عوج أو قابلية له إلا أن كان من علام الغيوب، نفى القابلية والإمكان دلالة على أنه من عنده لينتفي العوج بطريق الأولى فقال تعالى: {ولم} أي والحال أنه لم {يجعل له} ولم يقل: فيه {عوجاً *} أي شيئاً من عوج، أي بل هو مستقيم في جميع معانيه من غير اختلاف أصلاً، هادٍ إلى كل صواب، لأن العوج - بالكسر: فقد الاستقامة في المعاني، وبالفتح في الأعيان؛ وأتبعه حالاً أخرى له بقوله تعالى: {قيماً} تصريحاً باللازم تأكيداً له، ومقيداً أنه مهيمن على ما قبله من الكتب مقيم لغيره، وقد مضى في الفاتحة ثم في الأنعام عن الإمام سعد الدين التفتازاني الشافعي رحمه الله أن كل سورة افتتحت بالحمد فللإشارة إلى نعمة من أمهات النعم التي هي إيجاد وإبقاء أولاً، وإيجاد وإبقاء ثانياً، وأنه أشير في الفاتحة لكونها أم الكتاب إلى الأربع، وفي الأنعام إلى الإيجاد الأول وهو ظاهر، وفي هذه السورة إلى الإبقاء الأول، فإن نظام العالم وبقاء النوع الإنساني يكون بالنبي والكتاب. انتهى. ويؤيده أنه في هذه السورة ذكر أنه انتظم بأهل الكهف أمر من اطلع عليهم من أهل زمانهم ثم بالخضر عليه السلام كثير من الأحوال، ثم بذي القرنين أمر جميع أهل الأرض بما يسر له من الأسباب التي منها السد الذي بيننا وبين ياجوج وماجوج الذين يكون بهم. إذا أخرجهم الله تعالى - فساد الأرض كلها، ثم ذكر في التي تليهما من أهل وده واصطفائه من اتبعهم لنظام العالم بما وفقهم له من طاعته، وبصرهم به من معرفته، واستمر كذلك في أكثر السور حتى ذكر السورة التي أشار فيها إلى الإيجاد الثاني، وأتبعها بالتي أشار فيها إلى الإبقاء الثاني، ولما كان إبقاء الأول يقتضي مهلة لبلوغ حد التكليف وإجراء القلم ثم مهلة أخرى يكون فيها العمل والاستعداد لما لأجله كان هذا الوجود من العرض على الرحمن، للجزاء بالإساءة أو الإحسان، ومهلة أخرى يُحبس فيها السابق من الخلائق إلى ورود مشرع الموت لانتظار اللاحق، إلى بلوغ ما ضرب سبحانه من الآجال، لأزمان الإمهال، وقيام الناس أجمعين، لرب العالمين، وهو البرزخ وكان ما قبل التكليف شبيهاً بالعدم إلا في تعلم الكتاب والتوحيد والاجتماع على أهل الدين والوفاء بما تقدموا فيه بالعهد من الأحكام، ودربوا عليه من الحلال والحرام، أشير إليه بما بين الفاتحة والأنعام التي هي سورة الإيجاد الأول من السور الأربع، وكأن سن الاحتلام كان أول الإيجاد من الإعدام، وأشير إلى بقية العمر وهو زمان التكليف بما بين الأنعام وهذه السورة من السور التي ذُكِرَ فيها مصارع الأولين وأخبار الماضين تحذيراً من مثل أحوالهم، لمن نسج على منوالهم، وختمت بالتحميد مقترناً بالتوحيد إشارة إلى أنه يجب الاجتهاد في أن يختم الأجل في أعلى ما يكون من خصال الدين، وأشير إلى مهلة البرزخ بما بين هذه وسورة الإيجاد الثاني من السور التي ذكر في غالبها مثل ذلك، وأكثر فيها كلها من ذكر الموت وما بعده من البرزخ الذي يكون لانقطاع العلائق باجتماع الخلائق، لأجل التجلي في رد العظمة، والكشف البليغ عن نفوذ الكلمة، والتحلي بالحكم باستقرار الفريقين في دار النعيم أو غار الجحيم، وأكثر فيما بين هذه وبين سبأ من أمر البعث كثرة ليست فيما مضى حتى صدر بعضها به، وبناها عليه كسورتي الأنبياء{ أية : اقترب للناس حسابهم } تفسير : [الأنبياء: 1] والحج {أية : إن زلزلة الساعة شيء عظيم}تفسير : [الحج: 1] ولما لم يكن بين البعث وما بعده مهلة لشيء من ذلك، عقب سورة الإيجاد الثاني بسورة الإبقاء الثاني من غير فاصل ولا حاجز ولا حائل - والله أعلم. ولما وصف الكتاب بما له من العظمة في جميع ما مضى من أوصافه من الحكمة والإحكام، والتفصيل والبيان، والحقية، والإخراج من الظلمات إلى النور، والجمع لكل معنى والتبيان لكل شيء، أتبعه ذكر فائدته مقدماً ما هو الأهم من درء المفسدة بالإنذار، لأنه مقامه كما هو ظاهر من { سبحان} فقال: {لينذر} وقصره على المفعول الأول ليعم كل من يصح قبوله الإنذار ولو تقديراً، وليفيد أن الغرض بيان المنذر به لا المنذر {بأساً شديداً} كائناً {من لدنه} أي أغرب ما عنده من الخوارق بما في هذا الكتاب من الإعجاز لمن خالف أمره من عذاب الدنيا والآخرة كوقعة بدر وغيرها المفيد لإدخال الإسلام عليهم وهم كارهون، بعد ما كانوا فيه من القوة وهو من الضعف {ويبشر المؤمنين} أي الراسخين في هذا الوصف {الذين يعملون الصالحات} وهو ما أمر به خالصاً له، وذلك من أسنان مفتاح الإيمان {أن لهم} أي من حيث هم عاملون {أجراً حسناً *} وهو النعيم، حال كونهم {ماكثين فيه أبداً *} بلا انقطاع أصلاً، فإن الأبد زمان لا آخر له، فجمعت هاتان العلتان جميع معاني الكتاب فإنه لا يكون كذلك إلا وقد جمع أيضاً جميع شرائع الدين وأمر المعاش وأمر المعاد وما يعنيهم فعله أو تركه أو اعتقاده، وما يتبع ذلك، وذلك هو القيم، أي المستقيم في نفسه، المقيم لغيره. ولما كان الغالب على الإنسان المخالفة للأوامر، لما جبل عليه من النقائص، كان الإنذار فأهم أعاده لذلك ولأن المقام له كما مضى، ذاكراً فيه بعض المتعلق المحذوف من الآية التي قبلها، تبكيتاً لليهود المضلين لهؤلاء العرب ولمن قال بمقالتهم فقال تعالى: {وينذر} واقتصر هنا على المفعول الأول ليذهب الفكر في الثاني الذي عبر عما يحتمل تقديره به فيما مضى بـ {لدنه} - كل مذهب فيكون أهول {الذين قالوا اتخذ الله} أي تكلف ذو العظمة التي لا تضاهى كما يتكلف غيره أن أخذ {ولداً *} وهم بعض اليهود والنصارى والعرب؛ قال الأصبهاني: وعادة القرآن جارية بأنه إذا ذكر قصة كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيهاً على كون ذلك لبعض أعظم جزئيات ذلك الكل، ولم أجعل الآية من الاحتباك لنقص المعنى، ثم استأنف معللاً في جواب من كأنه قال: ما لهم خصوا به الوعيد الشديد؟ فقال تعالى: {ما لهم به} أي القول {من علم} أصلاً لأنه مما لا يمكن أن يعلق العلم به لأنه لا وجود له ولا يمكن وجوده، ثم قرر هذا المعنى وأكد بقوله تعالى: {ولا لأبائهم} الذين هم مغتبطون بتقليدهم في الدين حتى في هذا الذي لا يتخيله عاقل، ولو أخطؤوا في تصرف دنيوي لمن يتبعوهم فيه، تنبيهاً عل أنه لا يحل لأحد أن يقول على الله تعالى ما لا علم له به، ولا سيما في أصول الدين، ثم هول أمر ذلك بقوله تعالى: {كبرت} أي مقالتهم هذه {كلمة} أي ما أكبرها من كلمة! وصوّر فظاعة اجترائهم على النطق بها بقوله تعالى: {تخرج من أفواههم} أي لم يكفهم خطورها في نفوسهم، وترددها في صدورهم، حتى تلفظوا بها، وكان تلفظهم بها على وجه التكرير - بما أشار إليه التعبير بالمضارع؛ ثم بين ما أفهمه الكلام من أنه كما أنهم لا علم لهم بذلك لا علم لأحد به أصلاً، لأنه لا وجود له فقال تعالى: {إن} أي ما {يقولون إلا كذباً *} أي قولاً لا حقيقة له بوجه من الوجوه. وقال ابن الزبير في برهانه: من الثابت المشهور أن قريشاً بعثوا إلى اليهود بالمدينة يسألونهم في أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأجابت يهود بسؤاله عن ثلاثة أشياء، قالوا: فإن أجابهم فهو نبي، وإن عجز فالرجل متقول فرؤا فيه رأيكم، وهي الروح، وفتية ذهبوا في الدهر الأول وهم أهل الكهف، وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، فأنزل الله عليه جواب ما سألوه، وبعضه في سورة الإسراء { أية : ويسئلونك عن الروح} تفسير : [الإسراء: 85] الآية، واستفتح سبحانه وتعالى سورة الكهف بحمده، وذكر نعمة الكتاب وما أنزل بقريش وكفار العرب من البأس يوم بدر وعام الفتح، وبشارة المؤمنين بذلك وما منحهم الله تعالى من النعيم الدائم، وإنذار القائلين بالولد من النصارى وعظيم مرتكبهم وشناعة قولهم { إن يقولون إلا كذباً} وتسلية نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أمر جميعهم {فلعلك باخع نفسك} [ الكهف:6]، والتحمت الآي أعظم التحام، وأحسن التئام، إلى ذكر ما سأل عنه الكفار من أمر الفتية {أية : أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً} تفسير : [ الكهف: 9] ثم بسطت الآي قصتهم، وأوضحت أمرهم، واستوفت خبرهم؛ ثم ذكر سبحانه أمر ذي القرنين وطوافه وانتهاء أمره، فقال تعالى { أية : ويسئلونك عن ذي القرنين}تفسير : [ الكهف: 83] الآيات، وقد فصلت بين القصتين بمواعظ وآيات مستجدة على أتم ارتباط، وأجل اتساق، ومن جملتها قصة الرجلين وجنتي أحدهما وحسن الجنتين وما بينهما وكفر صاحبهما واغتراره، وهما من بني إسرائيل، ولهما قصة، وقد أفصحت هذه الآي منها باغترار أحدهما بما لديه وركونه إلى توهم البقاء، وتعويل صاحبه على ما عند ربه ورجوعه إليه وانتهاء أمره - بعد المحاورة الواقعة في الآيات بينهما - إلى إزالة ما تخيل المفتون بقاءه، ورجع ذلك كأن لم يكن، ولم يبق بيده إلا الندم، ولا صح له من جنته بعد عظيم تلك البهجة سوى التلاشي والعدم، وهذه حال من ركن إلى ما سوى المالك، ومن كل شيء إلا وجهه سبحانه وتعالى فان وهالك { أية : إنما الحياة الدنيا لعب ولهو} تفسير : [محمد: 36] { أية : ففروا إلى الله}تفسير : [ الذاريات: 50] ثم أعقب ذلك بضرب مثل الحياة الدنيا لمن اعتبر واستبصر، وعقب تلك الآيات بقصة موسى والخضر عليها السلام إلى تمامها، وفي كل ذلك من تأديب بني إسرائيل وتقريعهم وتوبيخ مرتكبهم في توقفهم عن الإيمان وتعنيفهم في توهمهم عند فتواهم لكفار قريش بسؤاله عليه السلام عن القصص الثلاث أن قد حازوا العلم وانفردوا بالوقوف على ما لا يعلمه غيرهم، فجاء جواب قريش بما يرغم الجميع ويقطع دابرهم، وفي ذكر قصة موسى والخضر إشارة لهم لو عقلوا، وتحريك لمن سبقت له منهم السعادة، وتنبيه لكل موفق في تسليم الإحاطة لمن هو العليم الخبير، وبعد تقريعهم وتوبيخهم بما أشير إليه عاد الكلام إلى بقية سؤالهم فقال تعالى { يسئلونك عن ذي القرنين} إلى آخر القصة، وليس بسط هذه القصص من مقصودنا وقد حصل، ولم يبق إلا السؤال عن وجه انفصال جوابهم ووقوعه في السورتين مع أن السؤال واحد، وهذا ليس من شرطنا فلننسأه بحول الله إلى موضعه إن قدر به - انتهى. وقد تقدم في سورة الإسراء من الجواب عن هذا أن الروح ضمت إليها، لأنه من سر الملكوت كالإسراء، وبقي أنه لما أجمل سبحانه أمرها لما ذكر من عظيم السر، وعيب عليهم اشتغالهم بالسؤال وترك ما هو من عالمها، وهو أعظم منها ومن كل ما برز إلى الوجود من ذلك العالم من الروح المعنوي الذي به صلاح الوجود كله، وهو القرآن العظيم، وعظم أمره بما ذكر في الإسراء إلى أن اقتضى الحال في إنهاء عظمته أن يدل على إصلاح الوجود به بما حرره وفصله وقرره من أمر السؤالين الباقيين اللذين هما من ظاهر الملك فيما ضم إليهما مما تم به الأمر، واتضح به ما له من جليل القدر، كان الأكمل في ذلك أن يكون ما انتظم به ذلك سورة على حدتها، ولما كان أمر أهل الكهف من حفظ الروح في الجسد على ما لم يعهد مثله ثم إفاضتها، قدم الجواب عن السؤال عنهم ليلي أمر الروح، وختم بذي القرنين لإحاطة أمره بما طاف من الأرض، ولما جعل من السد علماً على انقضاء شأن هذه الدار وختام أمرها، وطي ما برز من نشرها ـ والله سبحانه وتعالى أعلم. ولما كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم شديد الحرص على إيمانهم شفقة عليهم وغيرة على المقام الإلهي الذي ملأ قلبه تعظيماً له، خفض عليه سبحانه بقوله تعالى: {فلعلك باخع} أي فتسبب عن قولهم هذا، المباين جداً لما تريد لهم، الموجب لإعراضهم عنك أنك تشفق أنت ومن يراك على تلك الحالة من أتباعك من أن تكون قاتلاً {نفسك} من شدة الغم والوجد، وأشار إلى شدة نفرتهم وسرعة مفارقتهم وعظيم مباعدتهم بقوله تعالى: {على ءاثارهم} أي حين تولوا عن إجابتك فكانوا كمن قوضوا خيامهم وأذهبوا أعلامهم {إن لم يؤمنوا}. ولما صور بعدهم، صور قرب ما دعاهم إليه ويسر تناوله بقوله تعالى: {بهذا الحديث} أي القيم المتجدد تنزيله على حسب التدريج {أسفاً *} منك على ذلك، والأسف: أشد الحزن والغضب؛ ثم بين علة إرشاده إلى الإعراض عنهم بغير ما يقدر عليه من التبليغ للبشارة والنذارة بأنهم لم يخرجوا عن مراده سبحانه، وأن الإيمان لا يقدر على إدخاله قلوبهم غيره فقال تعالى: {إنا} أي لا نفعل ذلك لأنا {جعلنا} بما لنا من العظمة {ما على الأرض} من المواليد الثلاثة: الحيوان والمعدن والنبات {زينة لها} بأن حسنّاه في العيون، وأبهجنا به النفوس، ولولا مضرة الحيوانات المؤذية من الحشرات وغيرها كانت الزينة بها ظاهرة، والظاهر أنه لو أطاع الناس كلهم لذهبت مضرتها فبدت زينتها، كما يكون على زمن عيسى عليه السلام حيث تصير لعباً للولدان. ولما أخبر بتزيينها، أخبر بعلته فقال تعالى: {لنبلوهم} أي نعاملهم معاملة المختبر الذي يسأل لخفاء الأمر عليه بقوله تعالى: {أيهم أحسن عملاً *} أي بإخلاص الخدمة لربه، فيصير ما كنا نعلمه منهم ظاهراً بالفعل تقام به عليهم الحجة على ما يتعارفونه بينهم بأن من أظهر موافقة الأمر فيما نال من الزينة حاز المثوبة، ومن اجترأ على مخالفة الأمر بما آتيناه منها فعمل على أنها للتنعم بها فقط استحق العقوبة. ولما كان دعاء الزينة إلى حقيقة الحياة الدنيا من اللهو واللعب ظاهراً لموافقته لما طبعت عليه النفوس من الهوى لم يحتج إلى التنبيه عليه أكثر من لفظ الزينة. ولما كان دعاءها إلى الزهد فيها والإعراض عنها جملة والاستدلال بها على تمام علم صانعها وشمول قدرته على إعادة الخلائق كما ابتدأهم وغير ذلك خفياً، لكونه مستوراً عن العقول بهوى النفوس، نبه عليه بقوله تعالى: {وإنا لجاعلون} أي بما لنا من العظمة ثابت لنا هذا الوصف دائماً {ما عليها} من جميع تلك الزينة لا يصعب علينا شيء منه {صعيداً} أي تراباً بأن نهلك تلك الزينة بإزالة اخضرارها فيزول المانع من استيلاء التراب عليها ثم نسلط عليها الشموس والرياح فيردها بذلك إلى أصلها تراباً {جُرُزاً *} أي يابساً لا ينبت شيئاً بطبعه، وكذا نفعل بمن سبب تسليط البلاء عليه من الحيوان آدمياً كان أو غيره سواء. ولما كان من المشاهد إعادة النبات بإذن الله تعالى بإنزال الماء عليه إلى الصورة النباتية التي هي الدليل على إحياء الموتى مرة بعد مرة ما دامت الأرض موجودة على هذه الصورة، طوي ذكر ذلك ستراً لهذا البرهان المنير عن الأغبياء المشغولين بالظواهر، علماً منه سبحانه بظهوره لأولي البصائر.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق علي، عن ابن عباس في قوله: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيماً} قال: أنزل الكتاب عدلاً قيماً ولم يجعل له عوجاً ملتبساً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً} قال: هذا من التقديم والتأخير، أنزل على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: {قيماً} قال: مستقيماً. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {لينذر بأساً شديداً} قال: عذاباً شديداً. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {من لدنه} أي من عنده. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً} يعني، الجنة. وفي قوله: {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً} قال: هم اليهود والنصارى.
ابو السعود
تفسير : {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ} محمد صلى الله عليه وسلم {ٱلْكِتَـٰب} أي الكتابَ الكاملَ الغنيَّ عن الوصف بالكمال المعروفِ بذلك من بـين الكتبِ، الحقيقَ باختصاص اسمِ الكتابِ به، وهو عبارةٌ عن جميع القرآنِ أو عن جميع المُنْزَل حينئذ كما مر مراراً، وفي وصفه تعالى بالموصول إشعارٌ بعلّية ما في حيز الصلةِ لاستحقاق الحمدِ وإيذانٌ بعِظم شأنِ التنزيلِ الجليلِ، كيف لا وعليه يدور فَلكُ سعادةِ الدارين، وفي التعبـير عن الرسول عليه الصلاة والسلام بالعبد مضافاً إلى ضمير الجلالةِ تنبـيهٌ على بلوغه عليه الصلاة والسلام إلى أعلى معارجِ العبادةِ وتشريفٌ وإشعارٌ بأن شأنَ الرسولِ أن يكون عبداً للمرسِل لا كما زعمت النصارى في حق عيسى عليه السلام، وتأخيرُ المفعول الصريح عن الجار والمجرور مع أن حقه التقديمُ عليه ليتصل به قوله تعالى: {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} أي شيئاً من العِوَج بنوع اختلالٍ في النظم وتَنافٍ في المعنى أو انحرافٍ عن الدعوة إلى الحق وهو في المعاني كالعِوَج في الأعيان، وأما قوله تعالى: { أية : لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً} تفسير : [طه: 107] مع كون الجبالِ من الأعيان فللدِلالة على انتفاء ما لا يُدرك من العوج بحاسة البصر، بل إنما يوقف عليه بالبصيرة بواسطة استعمالِ المقايـيسِ الهندسيةِ ولمّا كان ذلك مما لا يُشعَر به بالمشاعر الظاهرةِ عُدّ من قبـيل ما في المعاني، وقيل: الفتحُ في اعوجاج المنتصِبِ كالعُود والحائِط، والكسرُ في اعوجاج غيرِه عيناً كان أو معنى. {قَيِّماً} بالمصالح الدينيةِ والدنيويةِ للعباد على ما ينبىء عنه ما بعده من الإنذار والتبشيرِ فيكون وصفاً له بالتكميل بعد وصفِه بالكمال، أو على ما قبله من الكتب السماويةِ شاهداً بصِحتها ومهيمناً عليها أو متناهياً في الاستقامة، فيكون تأكيداً لما دل عليه نفيُ العِوج مع إفادة كونِ ذلك من صفاته الذاتيةِ اللازمةِ له حسبما تنبىء عنه الصيغةُ لا أنه نُفي عنه العوجُ مع كونه من شأنه، وانتصابُه على تقديرِ كونِ الجملةِ المتقدمةِ معطوفةً على الصلة بمضمر ينبىء عنه نفيُ العِوَج تقديرُه جعلَه قيماً، وأما على تقدير كونها حاليةً فهو على الحالية من الكتاب إذ لا فصلَ حينئذ بـين أبعاضِ المعطوفِ عليه بالمعطوف وقرىء قيماً {لّيُنذِرَ} متعلقٌ بأنزل والفاعلُ ضميرُ الجلالة كما في الفعلين المعطوفين عليه، والإطلاقُ عن ذكر المفعولِ الأول للإيذان بأن ما سيق له الكلامُ هو المفعولُ الثاني وأن الأولَ ظاهرٌ لا حاجةَ إلى ذكره، أي أنزل الكتابَ لينذر بما فيه الذين كفروا به {بَأْسًا} أي عذاباً {شَدِيدًا مّن لَّدُنْهُ} أي صادراً من عنده نازلاً من قِبله بمقابلة كفرِهم وتكذيبهم، وقرىء من لدْنِه بسكون الدال مع إشمام الضمةِ وكسر النونِ لالتقاء السَاكنين وكسر الهاءِ للإتباع {وَيُبَشّرُ} بالتشديد وقرىء بالتخفيف {ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي المصدقين به {ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} الأعمالَ الصالحةَ التي بـيّنت في تضاعيفه، وإيثارُ صيغةِ الاستقبال في الصلة للإشعار بتجدد الأعمالِ الصالحة واستمرارِها، وإجراءُ الموصولِ على موصوفه المذكورِ لما أن مدارَ قَبولِ الأعمالِ هو الإيمان {أَنَّ لَهُمْ} أي بأن لهم بمقابلة إيمانِهم وأعمالِهم المذكورة {أَجْرًا حَسَنًا} هو الجنةُ وما فيها من المثوبات الحُسنى.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ} [الآية: 1]. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزار يقول: سمعت ابن عطاء يقول فى قوله: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ}، قال: أضاف الكلّ بالكلية إلى نفسه، وقال: على عبده المخلص وحقيقة العبد الذى لا ملك له. وقيل: العبد الذى لا يرى غير سيده. وقيل: العبد الذى لا ينازع سيده شيئًا. وقيل العبد الذى لا يهتم بشىء ولا يسكن إلى شىء، ولا يأمن من شىء. قال أبو حفص: العبد القائم إلى أوامر سيده على حد النشاط حديث جعله محل أمره. وقال أبو عثمان: العبد الذى لا يملك شيئًا ولا يرعى لنفسه شيئًا. وقال الجريرى: حقيقة العبد هو المتخلق بأخلاق سيده. وقال ابن عطاء: الكتاب منشور ظاهر فيه أسرار باطنه.
القشيري
تفسير : إذ حُمِلَ {ٱلْحَمْدُ} هنا على معنى الشكر فإنزالُ الكتابِ من أَجَلِّ نِعَمِهِ، وكتابُ الحبيب لدى الحبيب أجلُّ مَوْقِعٍ وأشرفُ محلِّ، وهو من كمال إنعامه عليه، وإن سمَّاه - عليه السلام - عَبْدَه فهو من جلائل نَعمه عليه لأَنَّ من سمَّاه عَبْدَهَ جَعَلَه من جملة خواصِّه. وإذا حُمِلَ {ٱلْحَمْدُ} في هذه الآية على معنى المدح كان الأمر فيه بمعنى الثناء عليه - سبحانه، بأنَّه الملِكُ الذي له الأمرُ والنهيُ والحكمُ بما يريد، وأنه أعدَّ الأحكامَ التي في هذا الكتاب للعبيد، وسمَّاه صلى الله عليه وسلم عبدَه لمَّا كان فانياً عن حظوظه، خالصاً لله بقيامه بحقوقه.
البقلي
تفسير : {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} حمد نفسه سبحانه فى الازل وكان موصوفا بحمده الازلى قبل حمد الحامدين له حمدا يكافى كتابه الذى انزل على عبده ولو وكل حمده الى عبده لانزال كتابه عليه لذهب به حمده عن وجود الكون ولم يطق ان يحمل وارد حمده بحكمة واستحقاق حمده فشكر نفسه لما من على عبده ليسهل على عبده طريق عبوديته لان حمد القديم لا يحتمل الا القديم شرفه على الانام لما مَّن عليه من العرفان وسماه عبده واى تكرمة اكرم من هذا ولا يليق الحدثان بعبودية الذى يفنى اول سطرات عظمته الكون كانه مسألة تعليم لعباده اى احمدوا الله الذى عرف عبده الكلام الازلى بعد ان وهبه استعداد سماع كلامه وقبول وحيه وقوة رؤيته حتى يعبّر عنه بلسان غير معوج وغير مفهوم ولو انزل عليهم باللسان الازلى من يفهم ذلك من العرش الى الثرى الا متصف بصفاته فالحمد وجب على الجمهور حيث شاهدوا بصفاته وكلامه على عبده وانطقه بمراده من كتابه قال ابن عطا اضاف الكل بالكلية الى نفسه وقال على عبده اى على عبده المخلص وحقيقة العبد الذى لا ملك له وقال ايضا الكتاب منشور ظاهر فيه اسرار باطنه.
اسماعيل حقي
تفسير : {الحمد لله} اللام للاستحقاق اى هو المستحق للمدح والثناء والشكر كله لان كل وجود شئ نعمة من نعمه فلا منعم الا هو. قال القيصرى رحمه الله الحمد قولى وفعلى وحالى اما القولى فحد اللسان وثناؤه عليه بما اثنى به الحق على نفسه على لسان انبيائه عليهم السلام واما الفعلى فهو الاتيان بالاعمال البدنية من العبادات والخيرات ابتغاء لوجه الله تعالى وتوجها الى جنابه الكريم لان الحمد كان يجب على الانسان باللسان كذلك يجب عليه بحسب مقابلة كل عضو بل على كل عضو كالشكر وعند كل حال من الاحوال كما قال النبى عليه السلام "حديث : الحمد لله على كل حال"تفسير : وذلك لا يمكن الا باستعمال كل عضو فيما خلق لاجله على الوجه المشروع عبادة للحق تعالى وانقيادا لامره لا طلبا لحظوظ النفس ومرضاته واما الحالى فهو الذى يكون بحسب الروح والقلب كالاتصاف بالكمالات العلمية والعملية والتخلق بالاخلاق الالهية لان الناس مأمورون بالتخلق بلسان الانبياء صلوات الله عليهم لتصير الكمالات ملكة نفوسهم وذواتهم وفى الحقيقة هذا حمد الحق نفسه فى مقامه التفصيلى المسمى بالمظاهر من حيث عدم مغايرتها له واما حمده ذاته فى مقامه الجمعى الالهى قولا فهو ما نطق به فى كتبه وصحفه من تعريفاته نفسه بالصفات الكمالية وفعلا فهو اظهار كمالاته الجمالية والجلالية من غيبه الى شهادته ومن باطنه الى ظاهره ومن علمه الى عينه فى مجالى صفاته ومحال آيات اسمائه وحالا فهو تجلياته فى ذات بالفيض الاقدس الاولى وظهور النور الازلى فهو الحامد والمحمود جمعا وتفصيلا: قال المولى الجامى شعر : آنجا كه كمال كبرياى تو بود عالم نمى ازبحر عطاى توبود ما راجه حد حمد وثناى توبود هم حمد وثناى تو سزاى توبود تفسير : {الذى انزل على عبده} محمد الذى يستأهل ان يكون عبدا مطلقا حقيقيا حرا ان جميع ما سوى الله ولذا يقول "حديث : امتى امتى"تفسير : يوم يقول كل نبى نفسى نفسى وفيه اشعار بان شأن الرسول ان يكون عبدا للمرسل لا كما زعمت النصارى فى حق عيسى عليه السلام {الكتاب} اى القرآن الحقيق باسم الكتاب وهو فى اللغة جمع الحروف ورتب استحقاق الحمد على انزاله تنبيها على انه من اعظم نعمائه اذ فيه سعادة الدارين {ولم يجعل له} اى القرآن {عوجا}[جيزى از كجى] اى شيئا من العوج بنوع اختلال فى النظم وتناف فى المعنى او عدول عن الحق الى الباطل واختار حفص عن عاصم السكت على عوجا وهو وقفة لطيفة من غير تنفس لئلا يتوهم ان ما بعده صفة له واختار السكت ايضا على مرقدنا اذ لا يحسن القطع بالكلية بين مقوليهم ولا الوصل لئلا يتوهم ان هذا اشارة الى مرقدنا فافهم.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {قَيّمًا}: حال من الكتاب، والعامل فيه: "أنزل"، ومنعه الزمخشري؛ للفصل بين الحال وذي الحال، واختار أن العامل فيه مضمر، تقديره: جعله قيّمًا، و "لينذر": يتعلق بأنزل، أو بقيّمًا. والفاعل: ضمير الكتاب، أو النبي صلى الله عليه وسلم، و "بأسًا": مفعول ثان، وحذف الأول، أي: لينذر الناس بأسًا، كما حذف الثاني من قوله: {ويُنذر الذين قالوا...} الخ؛ لدلالة هذا عليه، و {مِن عِلْم}: مبتدأ مجرور بحرف زائد، أو فاعل بالمجرور؛ لاعتماده على النفي، و "كلمة": تمييز. يقول الحقّ جلّ جلاله: {الحمدُ لله} أي: الثناء الجميل حاصل لله، والمراد: الإعلام بذلك؛ للإيمان به، أو الثناء على نفسه، أو هما معًا. ثم ذكر وجه استحقاقه له، فقال: {الذي أَنزل على عبده الكتابَ} أي: الكتاب الكامل المعروف بذلك من بين سائر الكتب، الحقيق باختصاص اسم الكتاب، وهو جميع القرآن. رتَّب استحقاق الحمد على إنزاله؛ تنبيهًا على أنه أعظم نعمائه، وذلك لأنه الهادي إلى ما فيه كمال العباد، والداعي إلى ما به ينتظم صلاح المعاش والمعاد. وفي التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد، مضافًا إلى ضمير الجلالة تنبيه على بلوغه صلى الله عليه وسلم إلى معاريج العبادة وكمال العبودية أقصى غاية الكمال، حيث كان فانيًا عن حظوظه، قائمًا بحقوقه، خالصًا في عبوديته لربه. {ولم يجعلْ له} أي: للكتاب {عِوَجًا}؛ شيئًا من العوج، باختلافٍ في اللفظ، وتناقض في المعنى، وانحراف في الدعوة. قال القشيري: صانه عن التناقض والتعارض، فهو كتابٌ عزيزٌ من ربِّ عزيز، ينزل على عَبْدٍ عزيز. قَيّمًا: مستقيمًا متناهيًا في الاستقامة، معتدلاً لا إفراط فيه ولا تفريط، فهو تأكيد لما دل عليه نفي العوج، مع إفادته كون ذلك من صفاته الذاتية، حسبما تُنبئ عنه الصيغة. أو قَيّمًا بالمصالح الدينية والدنيوية للعباد، على ما ينبئ عنه ما بعده من الإنذار والتبشير، فيكون وصفًا له بالتكميل، بعد وصفه بالكمال، أو: قَيّمًا على ما قبله من الكتب السماوية، وشاهدًا بصحتها ومهيمنًا عليها. {ليُنذر}: ليُخوّف اللهُ تعالى به، أو الكتاب، والأول أوْلى؛ لتناسب المعطوفين بعده، أي: أنزل الكتاب لينذر بما فيه الذين كفروا {بأسًا}: عذابًا {شديداً من لدنه} أي: صادرًا من عنده، نازلاً من قِبَله، في مقابلة كفرهم وتكذيبهم. {ويُبشِّر} بالتشديد والتخفيف، {المؤمنين}: المصدقين به، {الذين يعملون} أي: العُمال {الصالحاتِ} التي تَنْبَثُّ في تضاعيفه {أنَّ لهم} أي: بأن لهم في مقابلة إيمانهم وأعمالهم {أجرًا حسنًا}، هو الجنة وما فيها من المثوبات الحسنى، {ماكثين فيه} أي: في ذلك الأجر {أبدًا} على سبيل الخلود. والتعبير بالمضارع في الصلة - أعني: الذين يعملون -؛ للإشعار بتجدد الأعمال الصالحات واستمرارها، وإجراء الموصول على الموصوف بالإيمان؛ إيماءً بأن مدار قبول الأعمال هو الإيمان. وتقديم الإنذار على التبشير؛ لإظهار كمال العناية بزجر الكفار عما هم عليه، مع مراعاة تقديم التخلية على التحلية. وتكرير الإنذار بقوله تعالى: {ويُنذرَ الذين قالوا اتخذ اللهُ ولدًا}: متعلق بفرقة خاصة، ممن عمَّهُ الإنذار السابق، من مستحقي البأس الشديد؛ للإيذان بكمال فظاعة حالهم، لغاية شناعة كفرهم وضلالهم، أي: وينذر، من بين سائر الكفرة، هؤلاء المتفوهين بمثل هذه القولة العظيمة، وهم كفار العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله، واليهود القائلون: عزير ابن الله، والنصارى القائلون: المسيح ابن الله. {ما لهم به من عِلْمٍ} أي: ما لهم باتخاذه الولد شيء من علم أصلاً؛ لضلالهم وإضلالهم، {ولا لآبائهم} الذين قلدوهم، فتاهوا جميعًا في تيه الجهالة والضلالة، أو: ما لهم علم بما قالوا، أصواب أم خطأ، بل إنما قالوه؛ رميًا بقولٍ عن عمى وجهالة، من غير فكر ولا روية، كقوله تعالى: {أية : وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} تفسير : [الأنعَام: 100]. أو: ما لهم علم بحقيقة ما قالوا، وبعِظَم رتبته في الشناعة، كقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} تفسير : [مريَم: 88-90]، وهو الأنسب لقوله: {كَبُرتْ كلمةٌ} أي: عظمت مقالتهم هذه في الكفر والافتراء؛ لما فيها من نسبته سبحانه إلى ما لا يكاد يليق بجناب كبريائه؛ لما فيه من التشبيه والتشريك، وإيهام احتياجه تعالى إلى ولد يُعينه ويخلفه. فما أقبحها مقالة {تخرج من أفواههم} أي: يتفوهون بها من غير حقيقة ولا تحقيق لمعناها، {إن يقولون إِلا كذبًا}: ما يقولون في ذلك إلا قولاً كذبًا، لا يكاد يدخل فيه إمكان الصدق أصلاً. الإشارة: من كملت عبوديته لله، وصار حُرًّا مما سواه، بحيث تحرر من رق الأكوان، وأفضى إلى مقام الشهود والعيان، أنزل الله على قلبه علم التحقيق، وسلك به منهاج أهل التوفيق، منهاجًا قيمًا، لا إفراط فيه ولا تفريط، محفوظًا في باطنه من الزيغ والإلحاد، وفي ظاهره من الفساد والعناد، قد تولى الله أمره وأخذه عنه، فهو على بينة من ربه فيما يأخذ ويذر. فإن أَذِنَ له في التذكير وقع في مسامع الخلق عبارتُه، وجليت إليهم إشارته، فبَشَّر وأنذر، ورغّب وحذّر، يُبشر أهل التوحيد والتنزيه بنعيم الجنان، وبالنظر إلى وجه الرحمن، ويُنذر أهل الشرك بعذاب النيران، وبالذل والهوان، نعوذ بالله من موارد الفتن. ولما كانت قريش تتفوه بشيء من هذه الكلمات التي شنع الله على من تفوه بها
الطوسي
تفسير : قرأ ابو بكر {لدنه} باسكان الدال واشمال الضمة، وكسر النون والهاء وإيصالها بياء. الباقون بضم الدال وسكون النون وضم الهاء من غير واو، إلا ابن كثير، فانه كان يصل الهاء بواو. واعلم أن {لدن} اسم غير متمكن، ومعناه (عند)، قال الله تعالى {أية : من لدن حكيم خبير} تفسير : فالنون ساكنة في كل أحوالها، والهاء إذا أتت بعد حرف ساكن لم يجز فيها إلا الضم نحو (منه) فالاصل (منهو) و (لهو) فهو كقول ابن كثير، غير أنهم حذفوا الواو اختصاراً، وإنما أسكن ابو بكر الدال استثقالا للضم كما قالوا "في كرم زيد": قد كرم زيد، فلما سكن الدال التقى ساكنان، النون والدال، فكسر النون لالتقاء الساكنين، وكسر الهاء لمجاورة حرف مكسور، ووصلها بهاء كما تقول: مررت به، ولو فتح النون لالتقاء الساكنين لجاز، بعد أن أسكن الثاني كقول الشاعر: شعر : عجبت لمولود وليس له أب ومن ولد لم يلده ابوان تفسير : يعني آدم وعيسى. فلا يتوهم أن عاصماً كسر النون علامة للجزم، لان {لدن} لا تعرب. وحكى ابو زيد: جئت فلاناً لدن غدوة - بفتح الدال -. يقول الله تعالى لخلقه قولوا {الحمد لله الذي} خص برسالته محمداً (صلى الله عليه وسلم) وانتجبه لابلاغها عنه، وبعثه الى خلقه نبياً رسولا، وانزل عليه كتاباً قيما، ولم يجعل له عوجاً. وقيل في معنى قوله {قيماً} قولان: أحدهما - معتدلا مستقيما. الثاني - أنه قيم على سائر الكتب يصدقها ويحفظها. والأول قول ابن عباس. فعلى هذا "قيما" مؤخر، والمراد به التقدم، وتقديره أنزل الكتاب قيماً، ولم يجعل له عوجاً أي اختلافاً. وقال الضحاك: معناه مستقيماً. وقال ابن اسحاق: معناه معتدلا لا اختلاف فيه. وقال قتادة: أنزل الله الكتاب قيماً، ولم يجعل عوجاً. وفي بعض القراءات {ولكن جعله قيماً} وكسرت العين من قوله "عوجاً" لأن العرب تقول: عوجاً - بكسر العين - في كل اعوجاج كان في دين أو فيما لا يرى شخصه قائماً ولا يدرك عياناً منتصباً كالعوج في الدين، ولذلك كسرت العين في هذا الموضع. وكذلك العوج في الطريق، لانه ليس بالشخص المنتصب. فأما ما كان في الاشخاص المنتصبة فان عينها تفتح كالعوج في القناة والخشبة ونحوها. وقال ابن عباس: معنى قوله {ولم يجعل له عوجاً} أي لم يجعله ملتبساً. ولا خلاف بين أهل العربية ان قوله {قيماً} وإن كان مؤخراً فتقديره الى جنب الكتاب. وإنما افتتح الله تعالى هذه السورة بذكر نفسه بما هو أهله، وبالخبر عن انزال كتابه على رسوله، ليخبر المشركين من أهل مكة بأن محمداً (صلى الله عليه وسلم) رسوله، لأن المشركين كانوا سألوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن أشياء لقنوها إياهم اليهود، من قريظه والنضير، وأمروهم أن يسألوه عنها، وقالوا: إن اخبركم بها فهو نبي، وإن لم يخبركم فهو مقتول، فوعدهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الجواب عنها، موعداً فأبطأ - على قول بعضهم - الوحي عنه بعض الابطاء وتأخر مجيء جبرائيل (ع) عنه، عن ميعاده القوم فتحدث المشركون بأنه اخلفهم موعده، وأنه مقتول، فأنزل الله هذه السورة جواباً عن مسائلهم، وافتتح أولها بذكره تكذبباً للمشركين فيما تحدثوا بينهم من احدوثتهم - ذكر ذلك محمد بن اسحاق باسناده عن عكرمة عن ابن عباس - وكان الذين ذهبوا الى اليهود وسألوهم عن أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) النضر بن الحارث بن كلدة، وعقبة بن أبي معيط، وكانت المسائل التي لقنوهم إياها: أن قالوا: سلوه عن ثلاثة اشياء، فان أخبركم بهن، فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فانه مقتول، سلوه عن فتية ذهبوا فى الدهر الأول، ما كان أمرهم؟ فانه كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الارض ومغاربها، ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فان اخبركم بذلك فانه نبي مبعوث، فاتبعوه، وإن لم يخبر كم فانه مقتول. فرجعا الى مكة واجتمعا مع قريش فجاؤا الى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فسألوه عنها، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) اخبركم بذلك. وقال بعضهم: انه قال: اخبركم غداً بما سألتم، ولم يستثن، وانصرفوا عن النبي (صلى الله عليه وسلم) فمكث رسول الله خمس عشرة ليلة لا ينزل الله اليه في ذلك وحياً، ولا يأتيه جبرائيل (ع) حتى اوجف أهل مكة، وتكلموا في ذلك، فشق ذلك على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأنزل الله عليه جبرائيل ومعه (سورة الكهف) يخبره فيها عما سألوه عنه من أمر الفتية، والرجل الطواف، وانزل عليه {أية : ويسألونك عن الروح...} تفسير : الآية. فروى ابن إسحاق أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أفتتح السورة، فقال {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيماً} أي معتدلا، لا اختلاف فيه. وقوله {لينذر بأساً شديداً من لدنه، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً} معناه أنزل على عبده القرآن معتدلا مستقيماً لا عوج فيه، لينذركم أيها الناس بأساً شديداً من أمر الله. ومعنى البأس العذاب العاجل والنكال الحاضر، والسطوة. ومعنى {من لدنه} من عند الله، وهو قول ابن اسحاق، وقتادة. ومفعول {لينذر} محذوف، لدلالة الكلام عليه، وتقديره: لينذركم بأساً كلما قال {أية : يخوف أولياءه} تفسير : وتقديره يخوفكم أولياءه، ومعنى {ويبشر المؤمنين} يعني المصدقين بالله ورسوله {الذين يعملون الصالحات} يعني ما أمرهم الله به من الطاعات، وهي الاعمال الصالحات، والانتهاء عما نهاهم عنه {أن لهم أجراً حسناً} يعني ثواباً جزيلاً من الله على ايمانهم بالله ورسوله، وعملهم في الدنيا بالطاعات واجتناب المعاصي، وذلك الثواب هو الجنة. وقوله {ما كثين فيه أبداً} أي لابثين فيه ابداً خالدين مؤبدين لا ينتقلون عنه ولا ينقلبون، ونصب {ماكثين} على الحال من قوله {إن لهم أجراً حسناً} في هذه الحال، في حال مكثهم في ذلك الاجر.
الجنابذي
تفسير : {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ} اضافة العبد للعهد يعنى محمّداً (ص) والمراد بالكتاب كتاب النّبوّة وصورته القرآن او القرآن وبعد اشعاره بمحموديّته على جميع ما يحمد عليه بتعليق الحمد على الله المشعر بجميع الاوصاف الحميدة ذكر معظم ما يحمد عليه من الاوصاف وهو انزال كتاب النّبوّة الّذى به قوام المعاش والمعاد {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} العوج كعنب الاعوجاج من كلّ شيءٍ من الاجسام المحسوسة وغيرها، او العوج محرّكةً اعوجاج الاجسام الّتى من شأنها الاستقامة كالحائط والعصا، والعوج كعنب خاصّة بالمعانى، والمعنى لم يجعل لكتاب النّبوّة انحرافاً عن الاستقامة نزولاً وصعوداً لانّه نازل منه على الاستقامة ومنته اليه على الاستقامة وذاهب بمن توسّل به الى الله على الاستقامة.
الأعقم
تفسير : {الحمد لله} أمرٌ من الله على نعمه في الدين {الذي أنزل على عبده الكتاب} يعني محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {ولم يجعل له عوجاً}، قيل: ملتبساً، وقيل: مختلفاً حتى يكون بعضه حقاً وبعضه باطلاً... وبعضه محدثاً {قيماً} على سائر الكتب يصدقها وينفي الباطل عنها، وقيل: جعله قيماً دائماً، والقيّم: الذي لا تناقص فيه ولا فساد {لينذر بأساً شديداً} أي عذاباً شديداً لمن كفروا {ويبشر المؤمنين} المصدّقين {الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً} يعني الثواب الدائم، وقيل: الأجر الحسن الجنة {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً}، قيل: هم قريش قالوا: الملائكة بنات الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله {كبرت كلمة} عظمت هذه الكلمة عند الله {تخرج من أفواههم} {فلعلك} يا محمد {باخع نفسك} أي مهلك نفسك غيظاً وحسرة {على آثارهم} أي بعد موتهم، وقيل: على الدين، وقيل: باخع نفسك قائل على آثارهم على أدبارهم عنك وتكذيبهم إياك {إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً} يعني القرآن أسفاً حزناً، وقيل: غيظاً {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها} أي حلية قيل: هي الأشجار والأنهار، وقيل: الذهب والفضة والأواني والدواب والمواشي وسائر ما ينتفع به، وقيل: أراد به الرجال خاصة {لنبلوهم} أي نعاملهم معاملة المبتلي والابتلاء والامتحان والاختيار نظائر، وقيل: الابتلاء فيه أن يستعمل تلك الزينة في طاعته دون معاصيه {أيهم أحسن عملاً} يعني يكون الجزاء على قدر الأعمال {وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً} يعني مخربون الأرض بعد عمارتها {صعيداً} تراباً، وقيل: الصعيد وجه الأرض، وقيل: الأرض المستوية، والجرز: اليابس الذي لا ينبت فيه، وقيل: الأرض المحصودة مما كان عليها.
الهواري
تفسير : تفسير سورة الكهف وهي مكية كلها. {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: { الحَمْدُ لِلَّهِ} حمد نفسه وهو أهل للحمد. { الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ} أي: محمد عليه السلام { الكِتَابَ} أي: القرآن { وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجاً قَيِّماً}. فيها تقديم. يقول: أنزل على عبده الكتاب قيّماً ولم يجعل له عوجاً. ذكروا أن مجاهداً قال: أنزله قيماً لا عوج فيه ولا اختلاف. { لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً} أي: عذاباً شديداً. { مِّن لَّدُنْهُ} أي: من عنده، من عند الله. { وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً} أي: عند الله في الجنة. وقال في آية أخرى: (أية : وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا) تفسير : [الأنعام:132]. قوله: { مَّاكِثِينَ فِيهِ} أي: في ذلك الثواب، وهو الجنة. { أَبَداً}. {وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ} أن لله ولداً {وَلاَ لأبَائِهِمْ} قبلهم الذين كانوا في الشرك. { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ}. هي على قراءة النصب عمل في باب كان. وكان الحسن يقرأها بالرفع {كَبُرَتْ كَلِمَةٌ}، أي: كبُرت تلك الكلمة أن قالوا: إن لله ولداً. قال: { إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً}.
اطفيش
تفسير : {الحَمْد لِلهِ} أى يوصف بالجميل ثبات لله والمراد تلقين العباد كيف يثنون على الله على أعظم الحمد وهو إنزال القرآن فإن تعليق الحكم بالمشتق يشعر بمليته وقد علق الحمد على إنزال الكتاب والموصول الاسمى وصلته كشئ واحد كلاهما وصف. ويجوز أن يكون المراد الإعلام بالثناء ليؤمنوا به وأن يراد ذلك كله. وقد ذكرت ما شاء الله من مسائل الحمد والشكر والمدح فى حاشية أبى مسألة عند كلامه على الشكر والحمد آخر الكتاب. قيل: إن الحمد اللغوى الثناء باللسان على الجميل الاختيارى عَلَى جهة التبجيل من نعمة وغيرها والعرفى فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث إنه منعم سواء كان باللسان أو الأركان والشكر اللغوى والحمد العرفى صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه به من سمع وبصر وغيرهما إلى ما خلق لأجله من العبادة فبين الحمدين عموم وخصوص من وجه يجتمعان فى الثناء باللسان فى مقابلة الإحسان وينفرد اللغوى فى الثناء باللسان لا فى مقابلة الإحسان والعرفى فى الثناء، بالجَنان والأركان وبين الشكرين عموم مطلق يجتمعان فى فعل منبئ عن تعظيم البارى سبحانه وتعالى وينفرد اللغوى فى فعل منبئ عن تعظيم غيره. وبين الحمد اللغوى والشكر اللغوى عموم من وجه يجتمعان فى اللسان فى مقابلة الإحسان وينفرد الحمد فى غير الإحسان والشكر فى الجَنان والأركان وبين الحمد العرفى والشكر العرفى العموم المطلق يجتمعان فى تعظيم غيره وبين الحمد اللغوى والشكر العرفى العموم المطلق كذلك لأنه كما تحقق صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه تحقق الثناء باللسان من غير عكس كلى وبين الحمد العرفى والشكر اللغوى التساوى كلما صدق هذا صدق هذا على عدم اشتراط وصول النعمة إلى الشاكر فى الشكر اللغوى وإن اشترط فالعموم المطلق والعرفى من اللغوى وهذا جدول يجمعها: بين الحمد اللغوى والحمد العرفى عموم وخصوص من وجه وبين الشكر اللغوى والشكر العرفى عموم مطلق وبين الحمد اللغوى والشكر اللغوى عموم وخصوص من وجه وبين الحمد العرفى والشكر العرفى العموم المطلق وبين الحمد اللغوى والشكر العرفى العموم المطلق وبين الحمد العرفى والشكر اللغوى التساوى. ومن كتب الآية إلى قوله "أبدا" فى إناء طاهر ومحاها ورشها فى حيطان منزله لا ينال الأرض منها شئ فى أول كل شهر جلب الرزق له وعمر منزله وجمع شمله. {الَّذِى أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ} محمد. {الكِتَابَ} القرآن علق الحمد بإنزال الكتاب لأن إنزاله نعمه عظيمة للعباد فى دنياهم وآخراهم. {وَلَمْ يَجْعَل لَهُ} أى للكتاب ويجوز كون اللام بمعنى فى. {عِوَجاً} ميلا عن الاستقامة فى لفظه ولا فى معناه فلفظه فى غاية الفصاحة ومعانيه صحيحة بليغة غير متنافية. وقد فسر العوج بالاختلاف وبالالتباس وبالناقص. وزعموا عن ابن عباس وغيره أن المراد لم يجعله مخلوقا. وهو كذب عنه والمحفوظ عنه على صحة أنه مخلوق وهو الصواب وكذا روى عنه فى قوله عز وعلا {أية : غير ذي عوج}. تفسير : قال ابن الأثير: العوج بالكسر فى المعانى وبالفتح فى الأجسام وذلك مشهور وهو أول ما حفظت فى المسألة. وقال الجوهرى وغيره: إنه بالكسر لما فى أرض أو دين أو معاش وبالفتح لما ينصب كالحائط والعود. وقال أبو عمرو الشيبانى: هو بالكسر فى المعانى والأجسام وبالفتح المصدر والواو فى {ولم يجعل له عوجا} للحال والجملة حال من الكتاب أو للعطف والجملة على أنزل.
اطفيش
تفسير : {الْحَمْدُ للهِ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} أخبر بأن الله أهل للحمد أو المراد قل على طريق الإنشاء: الحمد لله إلخ، أو المراد ذلك كله جمعاً بين الحقيقة والمجاز، وهو ضعيف من جهة هذا الجمع، وفيه زيادة الفائدة، والأولان أولى، رتب الحمد فى آخر السورة قبل هذه على الفضائل، لأنه الذى يستحقه لكماله قدرة وسلطاناً، ونزاهة، ورتبه أول هذه السورة على الفواضل، وهو الإنعام بإنزال القرآن الذى تعلقت به منافع الدنيا والآخرة كلها. وفى تسميته بعبد وإضافته لله تشريف له صلى الله عليه وسلم، وإيذان بأن شأن الرسول أن يكون عبداً لمرسله لا إلها، كما زعمت النصارى فى عيسى عليه السلام، والكتاب القرآن كله، ما أنزل وما سينزل، لأنه كحبل ممتد، أو غلب النازل على ما سينزل. {وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} ما من العوج باختلال فى اللفظ وتنافٍ فى المعنى وانحرافٍ عن الحق، وهو فى المعانى كاللفظ والعِرض والدين بالكسر، كالعوج بالفتح فى الجسم كالحائط والعود، كذا قيل، واعترض بقوله تعالى: "أية : لا ترى فيها عِوجًا"تفسير : [طه: 107] بالكسر مع أن الأرض جسم؟ وأجيب بأن المراد هنا ما خفى من الاعوجاج حتى احتاج إلى مقياس الحق بما هو عقلى، ودّ بأن رؤية البصر المجردة تنافى هذا فقيل: المكسور أعم من المفتوح، وقيل: لا فرق بينهما.
الالوسي
تفسير : بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ} محمد صلى الله عليه وسلم {ٱلْكِتَـٰبَ} الكامل الغني عن الوصف بالكمال المعروف بذلك من بين سائر الكتب الحقيق باختصاص اسم الكتاب به، وهو إما عبارة عن جميع القرآن ففيه تغليب الموجود على المترقب وإما عبارة عن جميع المنزل حينئذ فالأمر ظاهر. وفي وصفه تعالى بالموصول إشعار بعلية ما في حيز الصلة لاستحقاق الحمد الدال عليه اللام على ما صرح به ابن هشام وغيره وإيذان بعظم شأن التنزيل الجليل كيف لا وهو الهادي إلى الكمال الممكن في جانبـي العلم والعمل. وفي التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد مضافاً إلى ضميره تعالى من الإشارة إلى تعظيمه عليه الصلاة والسلام، وكذا تعظيم المنزل عليه ما فيه، وفيه أيضاً إشعار بأن شأن الرسول أن يكون عبداً للمرسل لا كما زعمت النصارى في حق عيسى عليه السلام. وتأخير المفعول الصريح عن الجار والمجرور مع أن حقه التقديم عليه ليتصل به قوله تعالى: {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ} أي للكتاب {عِوَجَا} أي شيئاً من العوج باختلال اللفظ من جهة الإعراب ومخالفة الفصاحة وتناقض المعنى وكونه مشتملاً على ما ليس بحق أو داعياً لغير الله تعالى. والعوج وكذا العوج الانحراف والميل عن الاستقامة إلا أنه قيل هو بكسر العين ما يدرك بفتح العين وبفتح العين ما يدرك بفتح العين فالأول الانحراف عن الاستقامة المعنوية التي تدرك بالبصيرة كعوج الدين والكلام، والثاني الانحراف عن الاستقامة الحسية التي تدرك بالبصر كعوج الحائط والعود وأورد عليه قوله تعالى في شأن الأرض {أية : لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً } تفسير : [طه: 107] فإن الأرض محسوسة واعوجاجها وكذا استقامتها مما يدرك بالبصر فكان ينبغي على ما ذكر فتح العين. وأجيب بأنه لما أريد به هنا ما خفي من الاعوجاج حتى احتاج إثباته إلى المقاييس الهندسية المحتاجة إلى إعمال البصيرة ألحق بما هو عقلي صرف فأطلق عليه ذلك لذلك وتعقب بأن (لا ترى) ظاهر في أن المنفي ما يدرك بالبصر فيحتاج إلى أن يراد به الإدراك. وعن ابن السكيت أن المكسور أعم من المفتوح. / واختار المرزوقي في «شرح الفصيح» أنه لا فرق بينهما.
سيد قطب
تفسير : القصص هو العنصر الغالب في هذه السورة. ففي أولها تجيء قصة أصحاب الكهف، وبعدها قصة الجنتين، ثم إشارة إلى قصة آدم وإبليس. وفي وسطها تجيء قصة موسى مع العبد الصالح. وفي نهايتها قصة ذي القرنين، ويستغرق هذا القصص معظم آيات السورة، فهو وارد في إحدى وسبعين آية من عشر ومائة آية؛ ومعظم ما يتبقى من آيات السورة هو تعليق أو تعقيب على القصص فيها. وإلى جوار القصص بعض مشاهد القيامة، وبعض مشاهد الحياة التي تصور فكرة أو معنى، على طريقة القرآن في التعبير بالتصوير. أما المحور الموضوعي للسورة الذي ترتبط به موضوعاتها، ويدور حوله سياقها، فهو تصحيح منهج النظر والفكر. وتصحيح القيم بميزان هذه العقيدة. فأما تصحيح العقيدة فيقرره بدؤها وختامها. في البدء: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. قيماً. لينذر بأساً شديداً من لدنه؛ ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً وينذر الذين قالوا: اتخذ الله ولداً. ما لهم به من علم ولا لآبائهم. كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً}. وفي الختام: {أية : قل: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ أنما إلـهكم إلـه واحد، فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً }. تفسير : وهكذا يتساوق البدء والختام في إعلان الوحدانية وإنكار الشرك، وإثبات الوحي، والتمييز المطلق بين الذات الإلهية وذوات الحوادث. ويلمس سياق السورة هذا الموضوع مرات كثيرة في صور شتى: في قصة أصحاب الكهف يقول الفتية الذين آمنوا بربهم: {ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلـهاً لقد قلنا إذاً شططا}. وفي التعقيب عليها: {ما لهم من دونه من ولي، ولا يشرك في حكمه أحداً}. وفي قصة الجنتين يقول الرجل المؤمن لصاحبه وهو يحاوره: {أية : أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً، لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداً }.. تفسير : وفي التعقيب عليها: {أية : ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصراً، هنالك الولاية لله الحق، هو خير ثواباً وخير عقباً }. تفسير : وفي مشهد من مشاهد يوم القيامة: {أية : ويوم يقول: نادوا شركائي الذين زعمتم، فدعوهم فلم يستجيبوا لهم، وجعلنا بينهم موبقاً }. تفسير : وفي التعقيب على مشهد آخر: {أية : أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلاً }. تفسير : أما تصحيح منهج الفكر والنظر فيتجلى في استنكار دعاوى المشركين الذين يقولون ما ليس لهم به علم، والذين لا يأتون على ما يقولون ببرهان. وفي توجيه الإنسان إلى أن يحكم بما يعلم ولا يتعداه، وما لا علم له به فليدع أمره إلى الله. ففي مطلع السورة: {وينذر الذين قالوا: اتخذ الله ولداً، ما لهم به من علم ولا لآبائهم} والفتية أصحاب الكهف يقولون: {هـؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة. لولا يأتون عليهم بسلطان بين!} وعندما يتساءلون عن فترة لبثهم في الكهف يكلون علمها لله: {قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم}. وفي ثنايا القصة إنكار على من يتحدثون عن عددهم رجماً بالغيب: {سيقولون: ثلاثة رابعهم كلبهم؛ ويقولون: خمسة سادسهم كلبهم ـ رجماً بالغيب ـ ويقولون: سبعة وثامنهم كلبهم. قل: ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل؛ فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً، ولا تستفت فيهم منهم أحدًا}. وفي قصة موسى مع العبد الصالح عندما يكشف له عن سر تصرفاته التي أنكرها عليه موسى يقول: {أية : رحمة من ربك وما فعلته عن أمري}تفسير : فيكل الأمر فيها لله. فأما تصحيح القيم بميزان العقيدة، فيرد في مواضع متفرقة، حيث يرد القيم الحقيقية إلى الإيمان والعمل الصالح، ويصغر ما عداها من القيم الأرضية الدنيوية التي تبهر الأنظار. فكل ما على الأرض من زينة إنما جعل للابتلاء والاختبار، ونهايته إلى فناء وزوال: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً، وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً}. وحمى الله أوسع وأرحب، ولو أوى الإنسان إلى كهف خشن ضيق. والفتية المؤمنون أصحاب الكهف يقولون بعد اعتزالهم لقومهم: {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون ـ إلا الله ـ فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته، ويهيىء لكم من أمركم مرفقاً} والخطاب يوجه إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليصبر نفسه مع أهل الإيمان؛ غير مبال بزينة الحياة الدنيا وأهلها الغافلين عن الله {أية : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا؛ واتبع هواه وكان أمره فرطاً. وقل: الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر }.. تفسير : وقصة الجنتين تصور كيف يعتز المؤمن بإيمانه في وجه المال والجاه والزينة. وكيف يجبه صاحبها المنتفش المنتفخ بالحق، ويؤنبه على نسيان الله: {أية : قال له صاحبه وهو يحاوره: أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً؟ لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداً. ولولا إذ دخلت جنتك قلت: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله. إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً. فعسى ربي أن يؤتيني خيراً من جنتك، ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيداً زلقاً، أو يصبح ماؤها غوراً فلن تستطيع له طلباً }. تفسير : وعقب القصة يضرب مثلاً للحياة الدنيا وسرعة زوالها بعد ازدهارها: {أية : واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء، فاختلط به نبات الأرض، فأصبح هشيماً تذروه الرياح، وكان الله على كل شيء مقتدراً }. تفسير : ويعقب عليه ببيان للقيم الزائلة والقيم الباقية: {أية : المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً }. تفسير : وذو القرنين لا يذكر لأنه ملك، ولكن يذكر لأعماله الصالحة. وحين يعرض عليه القوم الذين وجدهم بين السدين أن يبني لهم سداً يحميهم من يأجوج ومأجوج في مقابل أن يعطوه مالاً، فإنه يرد عليهم ما عرضوه من المال، لأن تمكين الله له خير من أموالهم {أية : قال: ما مكني فيه ربي خير}.تفسير : وحين يتم السد يرد الأمر لله لا لقوته البشرية: {أية : قال: هـذا رحمة من ربي، فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقاً }. تفسير : وفي نهاية السورة يقرر أن أخسر الخلق أعمالاً، هم الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه؛ وهؤلاء لا وزن لهم ولا قيمة وإن حسبوا أنهم يحسنون صنعاً: {أية : قل: هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً؟ أولـئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً }. تفسير : وهكذا نجد محور السورة هو تصحيح العقيدة. وتصحيح منهج الفكر والنظر. وتصحيح القيم بميزان العقيدة. ويسير سياق السورة حول هذه الموضوعات الرئيسية في أشواط متتابعة: تبدأ السورة بالحمد لله الذي أنزل على عباده الكتاب للإنذار والتبشير. تبشير المؤمنين وإنذار الذين قالوا: اتخذ الله ولداً؛ وتقرير أن ما على الأرض من زينة إنما هو للابتلاء والاختبار، والنهاية إلى زوال وفناء.. ويتلو هذا قصة أصحاب الكهف. وهي نموذج لإيثار الإيمان على باطل الحياة وزخرفها، والالتجاء إلى رحمة الله في الكهف، هرباً بالعقيدة أن تمس. ويبدأ الشوط الثاني بتوجيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وأن يغفل الغافلين عن ذكر الله.. ثم تجيء قصة الجنتين تصور اعتزاز القلب المؤمن بالله، واستصغاره لقيم الأرض.. وينتهي هذا الشوط بتقرير القيم الحقيقية الباقية. والشوط الثالث يتضمن عدة مشاهد متصلة من مشاهد القيامة تتوسطها إشارة قصة آدم وإبليس.. وينتهي ببيان سنة الله في إهلاك الظالمين، ورحمة الله وإمهاله للمذنبين إلى أجل معلوم. وتشغل قصة موسى مع العبد الصالح الشوط الرابع. وقصة ذي القرنين الشوط الخامس. ثم تختم السورة بمثل ما بدأت: تبشيراً للمؤمنين وإنذاراً للكافرين، وإثباتاً للوحي وتنزيها لله عن الشريك. فلنأخذ في الشوط الأول بالتفصيل: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً. قيماً. لينذر بأساً شديداً من لدنه، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً، وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً، ما لهم به من علم ولا لآبائهم. كبرت كلمة تخرج من أفواههم. إن يقولون إلا كذباً. فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهـذا الحديث أسفاً.. إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا، وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا}.. بدء فيه استقامة، وفيه صرامة. وفيه حمد لله على إنزاله الكتاب {على عبده} بهذه الاستقامة، لا عوج فيه ولا التواء، ولا مداراة ولا مداورة: {لينذر بأساً شديداً من لدنه}. ومنذ الآية الأولى تتضح المعالم، فلا لبس في العقيدة ولا غموض: الله هو الذي أنزل الكتاب، والحمد له على تنزيله، ومحمد هو عبد لله. فالكل إذن عبيد، وليس لله من ولد ولا شريك. والكتاب لا عوج له.. {قيماً}.. يتكرر معنى الاستقامة مرة على طريق نفي العوج، ومرة عن طريق إثبات الاستقامة. توكيداً لهذا المعنى وتشديداً فيه. والغرض من إنزال الكتاب واضح صريح: {لينذر بأساً شديداً من لدنه، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً}. ويغلب ظل الإنذار الصارم في التعبير كله. فهو يبدأ به على وجه الإجمال: {لينذر بأساً شديداً من لدنه}. ثم يعود إليه على وجه التخصيص: {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً}.. وبينهما تبشير للمؤمنين {الذين يعملون الصالحات} بهذا القيد الذي يجعل للإيمان دليله العملي الظاهر المستند إلى الواقع الأكيد. ثم يأخذ في كشف المنهج الفاسد الذي يتخذونه للحكم على أكبر القضايا وأخطرها. قضية العقيدة: {ما لهم به من علم ولا لآبائهم}.. فما أشنع وما أفظع أن يفضوا بهذا القول بغير علم، هكذا جزافاً: {كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً}.. وتشترك الألفاظ بنظمها في العبرة وجرسها في النطق في تفظيع هذه الكلمة التي يقولونها. فهو يبدأ بكلمة {كبرت} لتجبه السامع بالضخامة والفظاعة وتملأ الجو بهما. ويجعل الكلمة الكبيرة تمييزاً لضميرها في الجملة: {كبرت كلمة} زيادة في توجيه الانتباه إليها. ويجعل هذه الكلمة تخرج من أفواههم خروجاً كأنما تنطلق منها جزافاً وتندفع منها اندفاعاً {تخرج من أفواههم}. وتشارك لفظة {أفواههم} بجرسها الخاص في تكبير هذه الكلمة وتفظيعها، فالناطق بها يفتح فاه في مقطعها الأول بما فيه من مد: {أفوا...} ثم تتوالى الهاءان فيمتلئ الفم بهما قبل أن يطبق على الميم في نهاية اللفظة: {أفواههم}. وبذلك يشترك نظم الجملة وجرس اللفظة في تصوير المعنى ورسم الظل. ويعقب على ذلك بالتوكيد عن طريق النفي والاستثناء: {إن يقولون إلا كذباً}: ويختار للنفي كلمة: {إن} لاكلمة {ما} لأن في الأولى صرامة بالسكون الواضح، وفي لفظ {ما} شيء من الليونة بالمد.. وذلك لزيادة التشديد في الاستنكار، ولزيادة التوكيد لكذب هذه الكلمة الكبيرة.. وفيما يشبه الإنكار يخاطب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي كان يحزنه أن يكذب قومه بالقرآن ويعرضوا عن الهدى، ويذهبوا في الطريق الذي يعلم ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه مود بهم إلى الهلاك.. فيما يشبه الإنكار يقول للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {فلعلك باخع نفسك على آثارهم. إن لم يؤمنوا بهـذا الحديث أسفاً}! أي فلعلك قاتل نفسك أسفاً وحزناً عليهم، إن لم يؤمنوا بهذا القرآن. وما يستحق هؤلاء أن تحزن عليهم وتأسف. فدعهم فقد جعلنا ما على الأرض من زخرف ومتاع، وأموال وأولاد.. جعلناه اختباراً وامتحاناً لأهلها، ليتبين من يحسن منهم العمل في الدنيا، ويستحق نعمتها، كما يستحق نعيم الآخرة: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً}. والله يعلم. ولكنه يجزي على ما يصدر من العباد فعلاً، وما يتحقق منهم في الحياة عملاً. ويسكت عمن لا يحسنون العمل فلا يذكرهم لأن مفهوم التعبير واضح. ونهاية هذه الزينة محتومة. فستعود الأرض مجردة منها، وسيهلك كل ما عليها، فتصبح قبل يوم القيامة سطحاً أجرد خشناً جدباً: {وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً}. وفي التعبير صرامة، وفي المشهد الذي يرسمه كذلك. وكلمة {جرزا} تصور معنى الجدب بجرسها اللفظي. كما أن كلمة {صعيدا} ترسم مشهد الاستواء والصلادة! ثم تجيء قصة أصحاب الكهف، فتعرض نموذجاً للإيمان في النفوس المؤمنة. كيف تطمئن به، وتؤثره على زينة الأرض ومتاعها، وتلجأ به إلى الكهف حين يعز عليها أن تعيش به مع الناس. وكيف يرعى الله هذه النفوس المؤمنة، ويقيها الفتنة، ويشملها بالرحمة. وفي القصة روايات شتى، وأقاويل كثيرة. فقد وردت في بعض الكتب القديمة وفي الأساطير بصور شتى. ونحن نقف فيها عند حد ما جاء في القرآن، فهو المصدر الوحيد المستيقن. ونطرح سائر الروايات والأساطير التي اندست في التفاسير بلا سند صحيح. وبخاصة أن القرآن الكريم قد نهى عن استفتاء غير القرآن فيها، وعن المراء فيها والجدل رجماً بالغيب. وقد ورد في سبب نزولها ونزول قصة ذي القرنين أن اليهود أغروا أهل مكة بسؤال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنهما وعن الروح. أو أن أهل مكة طلبوا إلى اليهود أن يصوغوا لهم أسئلة يختبرون بها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد يكون هذا كله أو بعضه صحيحاً. فقد جاء في أول قصة ذي القرنين: {ويسألونك عن ذي القرنين. قل: سأتلوا عليكم منه ذكراً} ولكن لم تجيء عن قصة أصحاب الكهف مثل هذه الإشارة. فنحن نمضي في القصة لذاتها وهي واضحة الارتباط بمحور السورة كما بينا. إن الطريقة التي اتبعت في عرض هذه القصة من الناحية الفنية هي طريقة التلخيص الإجمالي أولاً، ثم العرض التفصيلي أخيراً. وهي تعرض في مشاهد وتترك بين المشاهد فجوات يعرف ما فيها من السياق. وهي تبدأ هكذا: {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً. إذ أوى الفتية إلى الكهف، فقالوا: ربنا آتنا من لدنك رحمة، وهيىء لنا من أمرنا رشداً. فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً، ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً}. وهو تلخيص يجمل القصة، ويرسم خطوطها الرئيسية العريضة. فنعرف أن أصحاب الكهف فتية ـ لا نعلم عددهم ـ آووا إلى الكهف وهم مؤمنون. وأنه ضرب على آذانهم في الكهف ـ أي ناموا ـ سنين معدودة ـ لا نعلم عددها ـ وأنهم بعثوا من رقدتهم الطويلة. وأنه كان هناك فريقان يتجادلان في شأنهم ثم لبثوا في الكهف فبعثوا ليتبين أي الفريقين أدق إحصاء. وأن قصتهم على غرابتها ليست بأعجب آيات الله. وفي صفحات هذا الكون من العجائب وفي ثناياه من الغرائب ما يفوق قصة أصحاب الكهف والرقيم. وبعد هذا التلخيص المشوق للقصة يأخذ السياق في التفصيل. ويبدأ هذا التفصيل بأن ما سيقصه الله منها هو فصل الخطاب في الروايات المتضاربة، وهو الحق اليقين: {نحن نقص عليك نبأهم بالحق. إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى. وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا: ربنا رب السماوات والأرض، لن ندعوا من دونه إلـهاً. لقد قلنا إذا شططاً. هـؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة. لولا يأتون عليهم بسلطان بين. فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً؟ وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا ـ الله ـ فأووا إلى الكهف، ينشر لكم ربكم من رحمته، ويهيىء لكم من أمركم مرفقاً}. هذا هو المشهد الأول من مشاهد القصة. {إنهم فتية آمنوا بربهم}.. {وزدناهم هدى} بإلهامهم كيف يدبرون أمرهم. {وربطنا على قلوبهم} فإذا هي ثابتة راسخة، مطمئنة إلى الحق الذي عرفت. معتزة بالإيمان الذي اختارت {إذ قاموا}.. والقيام حركة تدل على العزم والثبات. {فقالوا ربنا رب السماوات والأرض}.. فهو رب هذا الكون كله {لن ندعو من دونه إلهاً}.. فهو واحد بلا شريك. {لقد قلنا إذن شططاً}.. وتجاوزنا الحق وحدنا عن الصواب. ثم يلتفتون إلى ما عليه قومهم فيستنكرونه، ويستنكرون المنهج الذي يسلكونه في تكوين العقيدة: {هـؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة. لولا يأتون عليهم بسلطان بين؟}.. فهذا هو طريق الاعتقاد: أن يكون للإنسان دليل قوي يستند إليه، وبرهان له سلطان على النفوس والعقول. وإلا فهو الكذب الشنيع، لأنه الكذب على الله: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً؟}. وإلى هنا يبدو موقف الفتية واضحاً صريحاً حاسماً، لا تردد فيه ولا تلعثم.. إنهم فتية، أشداء في أجسامهم، أشداء في إيمانهم. أشداء في استنكار ما عليه قومهم.. ولقد تبين الطريقان، واختلف المنهجان، فلا سبيل إلى الالتقاء، ولا للمشاركة في الحياة. ولا بد من الفرار بالعقيدة. إنهم ليسوا رسلاً إلى قومهم فيواجهوهم بالعقيدة الصحيحة ويدعوهم إليها، ويتلقوا ما يتلقاه الرسل. إنما هم فتية تبين لهم الهدى في وسط ظالم كافر، ولا حياة لهم في هذا الوسط إن هم أعلنوا عقيدتهم وجاهروا بها، وهم لا يطيقون كذلك أن يداروا القوم ويداوروهم، ويعبدوا ما يعبدون من الآلهة على سبيل التقية ويخفوا عبادتهم لله. والأرجح أن أمرهم قد كشف. فلا سبيل لهم إلا أن يفروا بدينهم إلى الله، وأن يختاروا الكهف على زينة الحياة. وقد أجمعوا أمرهم فهم يتناجون بينهم: {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون ـ إلا الله ـ فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته، ويهيىء لكم من أمركم مرفقاً}.. وهنا ينكشف العجب في شأن القلوب المؤمنة. فهؤلاء الفتية الذين يعتزلون قومهم، ويهجرون ديارهم، ويفارقون أهلهم. ويتجردون من زينة الأرض ومتاع الحياة. وهؤلاء الذين يأوون إلى الكهف الضيق الخشن المظلم. هؤلاء يستروحون رحمة الله. ويحسون هذه الرحمة ظليلة فسيحة ممتدة. {ينشر لكم ربكم من رحمته} ولفظة {ينشر} تلقي ظلال السعة والبحبوحة والانفساح. فإذا الكهف فضاء فسيح رحيب وسيع تنتشر فيه الرحمة وتتسع خيوطها وتمتد ظلالها، وتشملهم بالرفق واللين والرخاء.. إن الحدود الضيقة لتنزاح، وإن الجدران الصلدة لترق، وإن الوحشة الموغلة لتشف، فإذا الرحمة والرفق والراحة والارتفاق. إنه الإيمان.. وما قيمة الظواهر؟ وما قيمة القيم والأوضاع والمدلولات التي تعارف عليها الناس في حياتهم الأرضية؟ إن هنالك عالماً آخر في جنبات القلب المغمور بالإيمان، المأنوس بالرحمن. عالماً تظلله الرحمة والرفق والاطمئنان والرضوان. ويسدل الستار على هذا المشهد. ليرفع على مشهد آخر والفتية في الكهف وقد ضرب الله عليهم النعاس. {وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال، وهم في فجوة منه. ذلك من آيات الله. من يهد الله فهو المهتد. ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود. ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال. وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد. لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً، ولملئت منهم رعباً}. وهو مشهد تصويري عجيب، ينقل بالكلمات هيئة الفتية في الكهف، كما يلتقطها شريط متحرك. والشمس تطلع على الكهف فتميل عنه كأنها متعمدة. ولفظ {تزاور} تصور مدلولها وتلقي ظل الإرادة في عملها. والشمس تغرب فتجاوزهم إلى الشمال وهم في فجوة منه.. وقبل أن يكمل نقل المشهد العجيب يعلق على وضعهم ذاك بأحد التعليقات القرآنية التي تتخلل سياق القصص لتوجيه القلوب في اللحظة المناسبة: {ذلك من آيات الله}.. وضعهم هكذا في الكهف والشمس لا تنالهم بأشعتها وتقرب منهم بضوئها. وهم في مكانهم لا يموتون ولا يتحركون. {من يهد الله فهو المهتد. ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً}.. وللهدى والضلال ناموس. فمن اهتدى بآيات الله فقد هداه الله وفق ناموسه وهو المهتدي حقاً. ومن لم يأخذ بأسباب الهدى ضل، وجاء ضلاله وفق الناموس الإلهي فقد أضله الله إذن، ولن تجد له من بعد هادياً. ثم يمضي السياق يكمل المشهد العجيب. وهم يقلبون من جنب إلى جنب في نومتهم الطويلة. فيحسبهم الرائي أيقاظاً وهم رقود. وكلبهم ـ على عادة الكلاب ـ باسط ذراعية بالفناء قريباً من باب الكهف كأنه يحرسهم. وهم في هيئتهم هذه يثيرون الرعب في قلب من يطلع عليهم. إذ يراهم نياماً كالأيقاظ، يتقلبون ولا يستيقظون. وذلك من تدبير الله كي لا يعبث بهم عابث، حتى يحين الوقت المعلوم. وفجأة تدب فيهم الحياة. فلننظر ولنسمع: {وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم. قال قائل منهم: كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم. قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم، فابعثوا أحدكم بورقكم هـذه إلى المدينة، فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحداً. إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم، ولن تفلحوا إذاً أبداً}.. إن السياق يحتفظ بالمفاجأة في عرض القصة، فيعرض هذا المشهد، والفتية يستيقظون وهم لا يعرفون كم لبثوا منذ أن أدركهم النعاس.. إنهم يفركون أعينهم، ويلتفت أحدهم إلى الآخرين فيسأل: كم لبثتم؟ كما يسأل من يستيقظ من نوم طويل. ولا بد أنه كان يحس بآثار نوم طويل. {قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم}! ثم رأوا أن يتركوا هذه المسألة التي لا طائل وراء البحث فيها، ويدعوا أمرها لله ـ شأن المؤمن في كل ما يعرض له مما يجهله ـ وأن يأخذوا في شأن عملي. فهم جائعون. ولديهم نقود فضية خرجوا بها من المدينة: {قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم، فابعثوا أحدكم بورقكم هـذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاماً، فليأتكم برزق منه}.. أي فليختر أطيب طعام في المدينة فليأتكم بشيء منه. وهم يحذرون أن ينكشف أمرهم ويعرف مخبؤهم، فيأخذهم أصحاب السلطان في المدينة فيقتلوهم رجماً ـ بوصفهم خارجين على الدين لأنهم يعبدون إلهاً واحداً في المدينة المشركة! ـ أو يفتنوهم عن عقيدتهم بالتعذيب. وهذه هي التي يتقونها. لذلك يوصون الرسول أن يكون حذراً لبقاً: {وليتلطف ولا يشعرن بكم أحداً. إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذاً أبدا}.. فما يفلح من يرتد عن الإيمان إلى الشرك، وإنها للخسارة الكبرى. وهكذا نشهد الفتية يتناجون فيما بينهم، حذرين خائفين، لا يدرون أن الأعوام قد كرت، وأن عجلة الزمن قد دارت، وأن أجيالاً قد تعاقبت، وأن مدينتهم التي يعرفونها قد تغيرت معالمها، وأن المتسلطين الذين يخشونهم على عقيدتهم قد دالت دولتهم، وأن قصة الفتية الذين فروا بدينهم في عهد الملك الظالم قد تناقلها الخلف عن السلف؛ وأن الأقاويل حولهم متعارضة؛ حول عقيدتهم، وحول الفترة التي مضت منذ اختفائهم. وهنا يسدل على مشهدهم في الكهف ليرفع على مشهد آخر. وبين المشهدين فجوة متروكة في السياق القرآني. ونفهم أن أهل المدينة اليوم مؤمنون، فهم شديدو الحفاوة بالفتية المؤمنين بعد أن انكشف أمرهم بذهاب أحدهم لشراء الطعام، وعرف الناس أنه أحد الفتية الذين فروا بدينهم منذ عهد بعيد. ولنا أن نتصور ضخامة المفاجأة التي اعترت الفتية ـ بعد أن أيقن زميلهم أن المدينة قد مضى عليها العهد الطويل منذ أن فارقوها؛ وأن الدنيا تبدلت من حولهم فلم يعد لشيء مما ينكرونه ولا لشيء مما يعرفونه وجود! وأنهم من جيل قديم مضت عليه القرون. وأنهم أعجوبة في نظر الناس وحسهم، فلن يمكن أن يعاملوهم كبشر عاديين. وأن كل ما يربطهم بجيلهم من قرابات ومعاملات ومشاعر وعادات وتقاليد.. كله قد تقطع، فهم أشبه بالذكرى الحية منهم بالأشخاص الواقعية.. فيرحمهم الله من هذا كله فيتوفاهم. لنا أن نتصور هذا كله. أما السياق القرآني فيعرض المشهد الأخير، مشهد وفاتهم، والناس خارج الكهف يتنازعون في شأنهم: على أي دين كانوا، وكيف يخلدونهم ويحفظون ذكراهم للأجيال. ويعهد مباشرة إلى العبرة المستقاة من هذا الحادث العجيب: {وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق، وأن الساعة لا ريب فيها. إذ يتنازعون بينهم أمرهم، فقالوا: ابنوا عليهم بنياناً ربهم أعلم بهم. قال الذين غلبوا على أمرهم: لنتخذن عليهم مسجداً}. إن العبرة في خاتمة هؤلاء الفتية هي دلالتها على البعث بمثل واقعي قريب محسوس. يقرب إلى الناس قضية البعث. فيعلموا أن وعد الله بالبعث حق، وأن الساعة لا ريب فيها.. وعلى هذا النحو بعث الفتية من نومتهم وأعثر قومهم عليهم. وقال بعض الناس: {ابنوا عليهم بنياناً} لا يحدد عقيدتهم {ربهم أعلم بهم} وبما كانوا عليه من عقيدة. وقال أصحاب السلطان في ذلك الأوان: {لنتخذن عليهم مسجداً} والمقصود معبد، على طريقه اليهود والنصارى في اتخاذ المعابد على مقابر الأنبياء والقديسين. وكما يصنع اليوم من يقلدونهم من المسلمين مخالفين لهدى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ {حديث : لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد }. تفسير : ويسدل الستار على هذا المشهد. ثم يرفع لنسمع الجدل حول أصحاب الكهف ـ على عادة الناس يتناقلون الروايات والأخبار، ويزيدون فيها وينقصون، ويضيفون إليها من خيالهم خيالهم جيلاً بعد جيل، حتى تتضخم وتتحول، وتكثر الأقاويل حول الخبر الواحد أو الحادث الواحد كلما مرت القرون: {سيقولون: ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون: خمسة سادسهم كلبهم ـ رجماً بالغيب، ويقولون: سبعة وثامنهم كلبهم. قل: ربي أعلم بعدتهم. ما يعلمهم إلا قليل. فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً، ولا تستفت فيهم منهم أحداً}.. فهذا الجدل حول عدد الفتية لا طائل وراءه. وإنه ليستوي أن يكونوا ثلاثة أو خمسة أو سبعة، أو أكثر. وأمرهم موكول إلى الله، وعلمهم عند الله. وعند القليلين الذين تثبتوا من الحادث عند وقوعه أو من روايته الصحيحة. فلا ضرورة إذن للجدل الطويل حول عددهم. والعبرة في أمرهم حاصلة بالقليل وبالكثير. لذلك يوجه القرآن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى ترك الجدل في هذه القضية، وإلى عدم استفتاء أحد من المتجادلين في شأنهم. تمشياً مع منهج الإسلام في صيانة الطاقة العقلية أن تبدد في غير ما يفيد. وفي ألا يقفو المسلم ما ليس له به عليم وثيق. وهذا الحادث الذي طواه الزمن هو من الغيب الموكول إلى علم الله، فليترك إلى علم الله. وبمناسبة النهي عن الجدل في غيب الماضي، يرد النهي عن الحكم على غيب المستقبل وما يقع فيه؛ فالإنسان لا يدري ما يكون في المستقبل حتى يقطع برأي فيه: {ولا تقولن لشيء: إني فاعل ذلك غداً ـ إلا أن يشاء الله ـ واذكر ربك إذا نسيت، وقل: عسى أن يهدين ربي لأقرب من هـذا رشداً}.. إن كل حركة وكل نأمة، بل كل نفس من أنفاس الحي، مرهون بإرادة الله. وسجف الغيب مسبل يحجب ما وراء اللحظة الحاضرة؛ وعين الإنسان لا تمتد إلى ما وراء الستر المسدل؛ وعقله مهما علم قاصر كليل. فلا يقل إنسان: إني فاعل ذلك غداً. وغداً في غيب الله وأستار غيب الله دون العواقب. وليس معنى هذا أن يقعد الإنسان، لا يفكر في أمر المستقبل ولا يدبر له؛ وأن يعيش يوماً بيوم، لحظة بلحظة. وألا يصل ماضي حياته بحاضره وقابله.. كلا. ولكن معناه أن يحسب حساب الغيب وحساب المشيئة التي تدبره؛ وأن يعزم ما يعزم ويستعين بمشيئة الله على ما يعزم، ويستشعر أن يد الله فوق يده، فلا يستبعد أن يكون لله تدبير غير تدبيره. فإن وفقه الله إلى ما اعتزم فبها. وإن جرت مشيئة الله بغير ما دبر لم يحزن ولم ييأس، لأن الأمر لله أولاً وأخيراً. فليفكر الإنسان وليدبر؛ ولكن ليشعر أنه إنما يفكر بتيسير الله، ويدبر بتوفيق الله، وأنه لا يملك إلا ما يمده الله به من تفكير وتدبير. ولن يدعو هذا إلى كسل أو تراخ، أو ضعف أو فتور؛ بل على العكس يمده بالثقة والقوة والاطمئنان والعزيمة. فإذا انكشف ستر الغيب عن تدبير لله غير تدبيره، فليتقبل قضاء الله بالرضى والطمأنينة والاستسلام. لأنه الأصل الذي كان مجهولاً له فكشف عنه الستار. هذا هو المنهج الذي يأخذ به الإسلام قلب المسلم. فلا يشعر بالوحدة والوحشة وهو يفكر ويدبر.. ولا يحس بالغرور والتبطر وهو يفلح وينجح، ولا يستشعر القنوط واليأس وهو يفشل ويخفق. بل يبقى في كل أحواله متصلاً بالله، قوياً بالاعتماد عليه، شاكراً لتوفيقه إياه، مسلماً بقضائه وقدره. غير متبطر ولا قنوط. {واذكر ربك إذا نسيت}.. إذا نسيت هذا التوجيه والاتجاه فاذكر ربك وارجع إليه. {وقل: عسى أن يهدين ربي لأقرب من هـذا رشدا}.. من هذا المنهج الذي يصل القلب دائماً بالله، في كل ما يهم به وكل ما يتوجه إليه. وتجيء كلمة {عسى} وكلمة {لأقرب} للدلالة على ارتفاع هذا المرتقى، وضرورة المحاولة الدائمة للاستواء عليه في جميع الأحوال. وإلى هنا لم نكن نعلم: كم لبث الفتية في الكهف. فلنعرفه الآن لنعرفه على وجه اليقين: {ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين، وازدادوا تسعاً. قل: الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض. أبصر به وأسمع}.. فهذا هو فصل الخطاب في أمرهم، يقرره عالم غيب السماوات والأرض. ما أبصره، وما أسمعه! سبحانه. فلا جدال بعد هذا ولا مراء. ويعقب على القصة بإعلان الوحدانية الظاهرة الأثر في سير القصة وأحداثها: {ما لهم من دونه من ولي. ولا يشرك في حكمه أحداً}.. وبتوجيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى تلاوة ما أوحاه ربه إليه، وفيه فصل الخطاب ـ وهو الحق الذي لا يأتيه الباطل ـ والاتجاه إلى الله وحده، فليس من حمى إلا حماه. وقد فر إليه أصحاب الكهف فشملهم برحمته وهداه: {واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحداً}.. وهكذا تنتهي القصة، تسبقها وتتخللها وتعقبها تلك التوجيهات التي من أجلها يساق القصص في القرآن. مع التناسق المطلق بين التوجيه الديني والعرض الفني في السياق.
ابن عاشور
تفسير : موقع الافتتاح بهذا التحميد كموقع الخطبة يفتتح بها الكلام في الغرض المهم. ولما كان إنزال القرآن على النبي أجزل نَعماء الله تعالى على عباده المؤمنين لأنه سبب نجاتهم في حياتهم الأبدية، وسبب فوزهم في الحياة العاجلة بطيب الحياة وانتظام الأحوال والسيادة على الناس، ونعمة على النبي بأن جعله واسطة ذلك ومبلَغه ومبينه؛ لأجل ذلك استحق الله تعالى أكمل الحمد إخباراً وإنشاءً. وقد تقدم إفادة جملة {الحمد لله} استحقاقه أكمل الحمد في صدر سورة الفاتحة. وهي هنا جملة خبرية، أخبر الله نبيئَه والمسلمين بأن مستحق الحمد هو الله تعالى لا غيره، فأجرى على اسم الجلالة الوصف بالموصول تنويهاً بمضمون الصلة ولما يفيده الموصول من تعليل الخبر. وذكر النبي صلى الله عليه وسلم بوصف العبودية لله تقريب لمنزلته وتنويه به بما في إنزال الكتاب عليه من رفعة قدره كما في قوله تعالى: { أية : تبارك الذي نزل الفرقان على عبده } تفسير : [الفرقان: 1]. والكتاب: القرآن. فكل مقدار منزل من القرآن فهو {الكتاب}. فالمراد بالكتاب هنا ما وقع إنزاله من يوم البعثة في غار حراء إلى يوم نزول هذه السورة، ويلحق به ما ينزل بعد هذه الآية ويزاد به مقداره. وجملة {ولم يجعل له عوجاً} معترضة بين {الكتاب} وبين الحال منه وهو {قيماً}. والواو اعتراضية. ويجوز كون الجملة حالاً والواو حالية. والعِوج ــــ بكسر العين وفتحها وبفتح الواو ــــ حقيقته: انحراف جسم ما عن الشكل المستقيم، فهو ضد الاستقامة. ويطلق مجازاً على الانحراف عن الصواب والمعاني المقبولة المستحسنة. والذي عليه المحققون من أيمة اللغة أن مكسور العين ومفتوحها سواء في الإطلاقين الحقيقي والمجازي. وقيل: المكسورُ العيننِ يختص بالإطلاق المجازي وعليه درج في «الكشاف». ويبطله قوله تعالى لما ذكر نسف الجبال { أية : فيذرها قاعاً صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتاً } تفسير : [طه: 106 107] حيث اتفق القراء على قراءته بكسر العين. وعن ابن السكيت: أن المكسور أعم يجيء في الحقيقي والمجازي وأن المفتوح خاص بالمجازي. والمراد بالعِوج هنا عوج مدلولات كلامه بمخالفتها للصواب وتناقضها وبعدها عن الحكمة وإصابة المراد. والمقصود من هذه الجملة المعترضة أو الحالية إبطال ما يرميه به المشركون من قولهم: افتراه، وأساطير الأولين، وقول كاهن، لأن تلك الأمور لا تخلو من عوج، قال تعالى: { أية : أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } تفسير : [النساء: 82]. وضمير {له} عائد إلى {الكتاب}. وإنما عدي الجعل باللام دون (في) لأن العوج المعنوي يناسبه حرف الاختصاص دون حرف الظرفية لأن الظرفية من علائق الأجسام، وأما معنى الاختصاص فهو أعم. فالمعنى: أنه متصف بكمال أوصاف الكتب من صحة المعاني والسلامة من الخطأ والاختلاف. وهذا وصف كمال للكتاب في ذاته وهو مقتض أنه أهل للانتفاع به، فهذا كوصفه بــــ { أية : أنه لا ريب فيه } تفسير : في سورة البقرة (2). و {قيماً} حال من {الكتاب} أو من ضميره المجرور باللام، لأنه إذا جعل حالاً من أحدهما ثبت الاتصاف به للآخر إذ هما شيء واحد، فلا طائل فيما أطالوا به من الإعراب. والقيم: صفة مبالغة من القيام المجازي الذي يطلق على دوام تعهد شيء وملازمة صلاحه، لأن التعهد يستلزم القيام لرؤية الشيء والتيقظ لأحواله، كما تقدم عند قوله تعالى: { أية : الحي القيوم } تفسير : في سورة البقرة (255). والمراد به هنا أنه قيم على هدي الأمة وإصلاحها، فالمراد أن كماله متعدّ بالنفع، فوزانه وزان وصفه بأنه { أية : هدى للمتقين } تفسير : في سورة البقرة: (2). والجمع بين قوله: {ولم يجعل له عوجاً} وقوله: {قيماً} كالجمع بين { أية : لا ريب فيه } تفسير : [البقرة: 2] وبين { أية : هدى للمتقين } تفسير : [البقرة: 2] وليس هو تأكيداً لنفي العوج. {لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ} {لينذر} متعلق بــــ {أنزل}. والضمير المرفوع عائد إلى اسم الجلالة، أي لينذر الله بأساً شديداً من لدنه، والمفعول الأول لــــ {ينذر} محذوف لقصد التعميم، أو تنزيلاً للفعل منزلة اللازم لأن المقصود المنذَر به وهو البَأس الشديد تهويلاً له ولتهديد المشركين المنكرين إنزال القرآن من الله. والبأس: الشدة في الألم. ويطلق على القوة في الحرب لأنها تؤلم العدو. وقد تقدم في قوله تعالى: { أية : والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس } تفسير : من سورة البقرة (177). والمراد هنا: شدة الحال في الحياة الدنيا، وذلك هو الذي أطلق على اسم البأس في القرآن، وعليه درج الطبري. وهذا إيماء بالتهديد للمشركين بما سيلقونه من القتل والأسر بأيدي المسلمين، وذلك بأس من لدنه تعالى لأنه بتقديره وبأمره عباده أن يفعلوه، فاستعمال (لدن) هنا في معنييه الحقيقي والمجازي. وليس في جعل الإنذار ببأس الدنيا علّةً لإنزال الكتاب ما يقتضي اقتصار عِلل إنزاله على ذلك، لأن الفعل الواحد قد تكون له علل كثيرة يذكر بعضُها ويُترك بعض. وإنما آثَرْتُ الحمل على جعل اليأس الشديد بأسَ الدنيا للنقصي مما يرد على إعادة فعل { أية : وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا } تفسير : [الكهف: 4] كما سيأتي. ويجوز أن يراد بالبأس عذابُ الآخرة فإنه بأس شديد، ويكون قوله: {من لدنه} مستعملاً في حقيقته. وبهذا الوجه فسر جمهور المفسرين. ويجوز أن يراد بالبأس الشديد ما يشمل بأس عذاب الآخرة وبأس عذاب الدنيا، وعلى هذا درج ابن عطية والقرطبي، ويكون استعمال من {لدنه} في معنييه الحقيقي والمجازي، أما في عذاب الآخرة فظاهر، وأما في عذاب الدنيا فلأن بعضه بالقتل والأسر وهما من أفعال الناس ولكن الله أمر المسلمين بهما فهما من لدنه. وحذف مفعول {ينذر} لدلالة السياق عليه لظهور أنه ينذر الذين لم يؤمنوا بهذا الكتاب ولا بالمنزل عليه، ولدلالة مقابله عليه في قوله: {ويبشر المؤمنين}. عطف على قوله: {لينذر بأساً}، فهو سبب آخر لإنزال الكتاب أثارته مناسبة ذكر الإنذار ليبقى الإنذار موجهاً إلى غيرهم. وقوله: {أن لهم أجراً حسناً} متعلق بــــ {يبشر}بحذف حرف الجر مع (أن)، أي بأن لهم أجراً حسناً. وذكر الإيمان والعمل الصالح للإشارة إلى أن استحقاق ذلك الأجر بحصول ذلك لأمرين. ولا يتعرض القرآن في الغالب لحالة حصول الإيمان مع شيء من الأعمال الصالحة كثيرٍ أو قليلٍ، ولحُكْمِهِ أدلة كثيرة. والمكث: الاستقرار في المكان، شُبه ما لهم من اللذات والملائمات بالظرف الذي يستقر فيه حالُّهُ للدلالة على أن الأجر الحسن كالمحيط بهم لا يفارقهم طرفة عين، فليس قوله: {أبداً} بتأكيدٍ لمعنى {ماكثين} بل أفيد بمجموعها الإحاطة والدوام.
الشنقيطي
تفسير : علم الله جل وعلا عباده في أول هذه السورة الكريمة أن يحمدوه على أعظم نعمة أنعمها عليهم. وهي إنزاله على نبينا صلى الله عليه وسلم هذا القرآن العظيم، الذي لا اعوجاج فيه. بل هو في كمال الاستقامة. أخرجهم به من الظلمات إلى النور. وبين لهم فيه من العقائد، والحلال والحرام، وأسباب دخول الجنة والنار، وحذرهم فيه من كل ما يضرهم، وحضهم فيه على كل ما ينفعهم، فهو النعمة العظمى على الخلق، ولذا علمهم ربهم كيف يحمدونه على هذه النعمة الكبرى بقوله: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ} الآية. وما أشار له هنا من عظيم الإنعام والامتنان على خلقه بإنزال هذا القرآن العظيم، منذراً من لم يعمل به، ومبشراً من عمل به - ذكره جل وعلا في مواضع كثيرة، كقوله: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً}تفسير : [النساء: 174-175]، وقوله: {أية : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [العنكبوت: 51]، وقوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤمِنِينَ}تفسير : [النمل: 76-77]، وقوله: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الإسراء: 82]، وقوله: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ}تفسير : [فصلت: 44] الآية، وقوله تعالى {أية : إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 106-107]، وقوله: {أية : وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ}تفسير : [القصص: 86] الآية، وقوله:{أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} تفسير : [فاطر: 32]. وهو تصريح منه جل وعلا بأن إيراث هذا الكتاب فضل كبير والآيات بمثل هذا كثيرة جداً. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} أي لم يجعل في القرآن عوجاً. أي لا اعوجاج فيه ألبته، لا من جهة الألفاظ، ولا من جهة المعاني. أخباره كلها صدق، وأحكامه عدل، سالم من جميع العيوب في ألفاظه ومعانيه، وأخباره وأحكامه. لأن قوله "عوجا" نكرة في سياق النفي. فهي تعم نفي جميع أنواع العوج. وما ذكره جل وعلا هنا من أنه لا اعوجاج فيه - بينه في مواضع أخر كثيرة كقوله: {أية : وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}تفسير : [الزمر: 27-28]، وقوله: {أية : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}تفسير : [الأنعام: 115]. فقوله "صدقاً" أي في الأخبار، وقوله "عدلاً" أي في الأحكام وكقوله تعالى: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً}تفسير : [النساء: 82]. والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً. وقوله في هذه الآية الكريمة: {قَيِّماً} أي مستقيماً لا ميل فيه ولا زيغ. وما ذكره هنا من كونه {قَيَّماً} لا ميل فيه ولا زيغ - بينه أيضاً في مواضع أخر، كقوله {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ}تفسير : [البينة: 1-3]، وقوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}تفسير : [الإسراء: 9] الآية، وقوله: {أية : وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [يونس: 37]. وقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [يوسف: 111] وقوله {أية : الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة: 1-2]، وقوله {أية : الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}تفسير : [هود: 1] وقوله: {أية : وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا}تفسير : [الشورى: 52] إلى غير ذلك من الآيات. وهذا الذي فسرنا به قوله تعالى {قَيَّماً} هو قول الجمهور وهو الظاهر. وعليه فهو تأكيد في المعنى لقوله {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} لأنه قد يكون الشيء مستقيماً في الظاهر وهو لا يخلو من اعوجاج في حقيقة الأمر. ولذا جمع تعالى، بين نفي العوج وإثبات الاستقامة. وفي قوله "قيماً" وجهان آخران من التفسير: الأول - أن معنى كونه "قيماً" أنه قيم على ما قبله من الكتب السماوية، أي مهيمن عليه وعلى هذا التفسير فالآية كقوله تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ}تفسير : [المائدة: 84] الآية. ولأجل هيمنته على ما قبله من الكتب قال تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}تفسير : [النمل: 76] الآية. وقال {أية : قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}تفسير : [آل عمران: 93] وقال {أية : يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ}تفسير : [المائدة: 15] الآية. الوجه الثاني - أن معنى كونه "قيماً": أنه قيم بمصالح الخلق الدينية والدنيوية. وهذا الوجه في الحقيقية يستلزمه الوجه الأول. واعلم أن علماء العربية اختلفوا في إعراب قوله "قَيِّماً" فذهب جماعة إلى أنه حال من الكتاب. وأن في الآية تقديماً وتأخيراً، وتقريره على هذا: أنزل على عبده الكتاب في حال كونه قيماً ولم يجعل له عوجاً. ومنع هذا الوجه من الإعراب الزمخشري في الكشاف قائلاً: إن قوله {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} [الكهف: 1]معطوف على صلة الموصول التي هي جملة {أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ} [الكهف: 1] والمعطوف على الصلة داخل في حيز الصلة. فجعل "قَيِّماً" حال من "الكتاب" يؤدي إلى الفصل بين الحال وصاحبها ببعض الصلة، وذلك لا يجوز. وذهب جماعة آخرون إلى أن "قَيِّماً" حال من "الكتاب" وأن المحذور الذي ذكره الزمخشري منتف. وذلك أنهم قالوا: إن جملة {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} ليست معطوفه على الصلة، وإنما هي جملة حالية. وقوله "قَيِّماً" حال بعد حال، وتقريره: أن المعنى أنزل على عبده الكتاب في حال كونه غير جاعل فيه عوجاً، وفي حال كونه قيماً. وتعدد الحال لا إشكال فيه، والجمهور على جواز تعدد الحال مع اتحاد عامل الحال وصاحبها، كما أشار له في الخلاصة بقوله: شعر : والحال قد يجيء ذا تعدد لمفرد فاعلم وغير مفرد تفسير : وسواء كان ذلك بعد العطف أو بدون عطف. فمثاله مع العطف: قوله تعالى: {أية : أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [آل عمران: 39] ومثاله بدون عطف قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً}تفسير : [الأعراف: 150] الآية. وقول الشاعر: شعر : على إذا ما جئت ليلى بخفية زيارة بيت الله رجلان حافيا تفسير : ونقل عن أبي الحسن بن عصفور منع تعدد الحال ما لم يكن العامل فيه صيغة التفضيل في نحو قوله: هذا بسراً أطيب منه رطباً. ونقل منع ذلك أيضاً عن الفارسي وجماعة. وهؤلاء الذين يمنعون تعدد الحال يقولون: إن الحال الثانية إنما هي حال من الضمير المستكن في الحال الأولى. والأولى عندهم هي العامل في الثانية. فهي عندهم أحوال متداخلة، أو يجعلون الثانية نعتاً للأولى وممن اختار أن جملة {ولم يجعل} حالية، وأن {قّيِّماً} حال بعد حال الأصفهاني. وذهب بعضهم إلى أن قوله {قَيِّماً} بدل من قوله {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} لأن انتفاء العوج عنه هو معنى كونه قيماً. وعزا هذا القول الرازي وأبو حيان لصاحب حل العقد، وعليه فهو بدل مفرد من جملة. كما قالوا: في عرفت زيداً أبو من. أنه بدل جملة من مفرد. وفي جواز ذلك خلاف عند علماء العربية. وزعم قوم أن {قَيِّماً} حال من الضمير المجرور في قوله {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} واختار الزمخشري وغيره أن {قَيَّماً} منصوب بفعل محذوف، وتقديره: ولم يجعل له عوجاً وجعله قّيِّماً، وحذف ناصب الفضلة إذا دل عليه المقام جائز. كما قال في الخلاصة: شعر : ويحذف الناصبها إن علما وقد يكون حذفه ملتزماً تفسير : وأقرب أوجه الإعراب في قوله "قَيِّماً" أنه منصوب بمحذوف، أو حال ثانية من "الكتاب" والله تعالى أعلم. وقوله في هذه الآية الكريمة: {لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً} اللام فيه متعلقة بـ {أَنْزَلَ} [الكهف:1] وقال الحوفي: هي متعلقة بقوله {قَيِّماً} والأول هو الظاهر. والإنذار: الإعلام المقترن بتخويف وتهديد. فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذاراً. والإنذار يتعدى إلى مفعولين، كما في قوله تعالى: {أية : فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ}تفسير : [الليل: 14]، وقوله {أية : إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً}تفسير : [النبأ: 40] الآية. وفي أول هذه السورة الكريمة كرر تعالى الإنذار، فحذف في الموضع الأول مفعول الإنذار الأول، وحذف في الثاني مفعول الثاني، فصار المذكور دليلاً على المحذوف في الموضعين. وتقدير المفعول الأول المحذوف في الموضع الأول: لينذر الذين كفروا بأساً شديداً من لدنه. وتقدير المفعول الثاني المحذوف في الموضع الثاني: وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً بأساً شديداً من لدنه. وقد أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى أن هذا القرآن العظيم تخويف وتهديد للكافرين. وبشارة للمؤمنين المتقين. إذ قال في تخويف الكفرة به {لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ} وقال {وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} الآية. وقال في بشارته للمؤمنين: {وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً} الآية. وهذا الذي ذكره هنا من كونه إنذاراً لهؤلاء وبشارة لهؤلاء بينه في مواضع أخر كقوله: {أية : فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلَسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً}تفسير : [مريم: 97]، وقوله: {أية : الۤمۤصۤ كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الأعراف: 1-2]. وقد أوضحنا هذا المبحث في أول سورة "الأعراف". وأوضحنا هنا لك المعاني التي ورد بها الإنذار في القرآن. والبأس الشديد الذي أنذرهم إياه: هو العذاب الأليم في الدنيا والآخرة والبشارة: الخبر بما يسر. وقد تطلق العرب البشارة على الإخبار بما يسوء، ومنه قوله تعالى: {أية : فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [لقمان: 7] ومنه قول الشاعر: شعر : وبشرتني يا سعد أن أحبتي جفوني وقالوا الود موعده الحشر تفسير : وقول الآخر: شعر : يبشرني الغراب ببين أهلي فقلت له ثكلتك من بشير تفسير : والتحقيق: أن إطلاق البشارة على الإخبار بما يسوء، أسلوب من أساليب اللغة العربية. ومعلوم أن علماء البلاغة يجعلون مثل ذلك مجازاً، ويسمونه استعارة عنادية، ويقسمونها إلى تهكمية وتمليحية كما هو معروف في محله. وقوله في هذه الآية الكريمة: {ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ} بينت المراد به آيات أخر، فدلت على أن العمل لا يكون صالحاً إلا بثلاثة أمور: الأول - أن يكون مطابقاً لما جاء به النَّبي صلى الله عليه وسلم. فكل عمل مخالف لما جاء به صلوات الله وسلامه عليه فليس بصالح، بل هو باطل، قال تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ}تفسير : [الحشر: 7] الآية، وقال: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ}تفسير : [النساء: 80] وقال: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ}تفسير : [آل عمران: 31] الآية، وقال: {أية : أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ}تفسير : [الشورى: 21] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. الثاني - أن يكون العامل مخلصاً في عمله لله فيما بينه وبين الله، قال تعالى: {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}تفسير : [البينة: 5] الآية، وقال: {أية : قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ ٱلدِّينَ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلْمُسْلِمِينَ قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلِ ٱللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ} تفسير : [الزمر: 11-15] إلى غير ذلك من الآيات. الثالث - أن يكون العمل مبنياً على أساس الإيمان والعقيدة الصحيحة، لأن العمل كالسقف، والعقيدة كالأساس، قال تعالى: {أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ}تفسير : [النحل: 97]. الآية، فجعل الإيمان قيداً في ذلك. وبين مفهوم هذا القيد في آيات كثيرة، كقوله في أعمال غير المؤمنين: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً}تفسير : [الفرقان: 23]، وقوله: {أية : أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ}تفسير : [النور: 39] الآية، وقوله: {أية : أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ}تفسير : [إبراهيم: 18] الآية، إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. والتحقيق: أن مفرد الصالحات في قوله: {يعملون الصالحات}، وقوله: {أية : وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}تفسير : [البقرة: 25] ونحو ذلك - أنه صالحة، وأن العرب تطلق لفظة الصالحة على الفعلة الطيبة. كإطلاق اسم الجنس لتناسى الوصيفة، كما شاع ذلك الإطلاق في الحسنة مراداً بها الفعلة الطيبة. ومن إطلاق العرب لفظ الصالحة على ذلك قول أبي العاص بن الربيع في زوجه زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم: شعر : بنت الأمين جزاك الله صالحة وكل بعل سيثنى بالذي علما تفسير : وقول الحطيئة: شعر : كيف الهجاء ولا تنفك صالحة من آل لأم بظهر الغيب تأتيني تفسير : وسئل إعرابي عن الحب فقال: شعر : الحب مشغلة عن كل صالحة وسكرة الحب تنفي سكرة الوسن تفسير : وقوله في هذه الآية الكريمة: {أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً} أي وليبشرهم بأن لهم أجراً حسناً. الأجر: جزاء العمل، وجزاء عملهم المعبر عنه هنا بالأجر: هو الجنة. ولذا قال {مَّاكِثِينَ فِيهِ} [الكهف:3] وذكر الضمير في قوله {فِيهِ} لأنه راجع إلى الأجر وهو مذكر، وإن كان المراد بالأجر الجنة: ووصف أجرهم هنا بأنه حسن، وبين أوجه حسنه في آيات كثيرة. كقوله {أية : ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ}تفسير : [الواقعة: 13-16] إلى قوله - {أية : ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ}تفسير : [الواقعة: 39-40]، وكقوله: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ }تفسير : [السجدة: 17] الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً معلومة. وقوله في هذه الآية الكريمة: {مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً} أي خالدين فيه بلا انقطاع. وقد بين هذا المعنى في مواضع أخر كثيرة، كقوله: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}تفسير : [هود: 108] أي غير مقطوع، وقوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ}تفسير : [ص: 54] أي ما له من انقطاع وانتهاء، وقوله: {أية : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ}تفسير : [النحل: 96]، وقوله: {أية : وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}تفسير : [الأعلى: 17] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في الآية الكريمة: {وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} أي ينذرهم بأساً شديداً {مِّن لَّدُنْهُ} [الكهف: 2] أي من عنده كما تقدم. وهذا من عطف الخاص على العام، لأن قوله {لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ} [الكهف: 2] شامل للذين قالوا اتخذ الله ولداً، ولغيرهم من سائر الكفار. وقد تقرر في فن المعاني: أن عطف الخاص على العام إذا كان الخاص يمتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة أو قبيحة - من الإطناب المقبول، تنزيلاً للتغاير في الصفات منزلة التغاير في الذوات. ومثاله في الممتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة قوله تعالى: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ}تفسير : [البقرة: 98] الآية، وقوله: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ}تفسير : [الأحزاب: 7]. ومثاله في الممتاز بصفات قبيحة الآية التي نحن بصددها، فإن {الذين قالوا اتخذ الله ولداً} امتازوا عن غيرهم بفرية شنعاء. ولذا ساغ عطفهم على اللفظ الشامل لهم ولغيرهم. والآيات الدالة على شدة عظم فريتهم كثيرة جداً. كقوله هنا: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} [الكهف:5] الآية، وكقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً}تفسير : [مريم: 88-92]، وقوله: {أية : أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً} تفسير : [الإسراء: 40] والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة. وقد قدمنا أن القرآن بين أن الذين نسبوا الولد لله سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً ثلاثة أصناف من الناس: اليهود، والنصارى، قال تعالى: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ}تفسير : [التوبة: 30] الآية. والصنف الثالث مشركو العرب. كما قال تعالى عنهم: {أية : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ}تفسير : [النحل: 57]، والآيات بنحوها كثيرة معلومة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ} يعني أن ما نسبوه له جلَّ وعلا من اتخاذ الولد لا علم لهم به. لأنه مستحيل. والآية تدل دلالة واضحة على أن نفي الفعل لا يدل على إمكانه. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى {أية : وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}تفسير : [البقرة: 57] لأن ظلمهم لربنا وحصول العلم لهم باتخاذه الولد - كل ذلك مستحيل عقلاً. فنفيه لا يدل على إمكانه. ومن هذا القبيل قول المنطقيين: السالبة لا تقتضي وجود الموضوع، كما بيناه في غير هذا الموضع. وما نفاه عنهم وعن آبائهم من العلم باتخاذه الولد سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً - بينه في مواضع أخر، كقوله: {أية : وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ}تفسير : [الأنعام: 100]، وقوله في آبائهم: {أية : أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}تفسير : [المائدة: 104] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} يعني أن ما قالوه بأفواههم من أن الله اتخذ ولداً أمر كبير عظيم. كما بينا الآيات الدالة على عظمه آنفاً. كقوله: {أية : إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً}تفسير : [الإسراء: 40]، وقوله: {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً}تفسير : [مريم: 90] الآية. وكفى بهذا كبراً وعظماً. وقال بعض علماء العربية: إن قوله {كبرت كلمة} معناه التعجب. فهو بمعنى ما أكبرها كلمة. أو أكبر بها كلمة. والمقرر في علم النحو: أن "فعل" بالضم تصاغ لإنشاء الذم والمدح، فتكون من باب نعم وبئس، ومنه قوله تعالى: {كبرت كلمة} الآية. وإلى هذا أشار في الخلاصة بقوله: شعر : واجعل كبئس ساء واجعل فعلاً من ذي ثلاثة كنعم مسجلا تفسير : وقوله "كنعم" أي اجعله من باب "نعم" فيشمل بئس. وإذا تقرر ذلك ففاعل "كبر" ضمير محذوف و {كلمة} نكرة مميزة للضمير المحذوف. على حد قوله في الخلاصة. شعر : ويرفعان مضمراً يفسره مميز كنعم قوماً معشره تفسير : والمخصوص بالذم محذوف، والتقدير: كبرت هي كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة التي فاهوا بها، وهي قولهم: اتخذ الله ولداً، وأعرب بعضهم {كلمة} بأنها حال، أي كبرت فريتهم في حال كونها كلمة خارجة من أفواههم. وليس بشيء. وقال ابن كثير في تفسيره {تخرج من أفواهِهم} أي ليس لها مستند سوى قولهم ولا دليل لهم عليها إلا كذبهم وافتراؤهم، ولذا قال: {إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً}. وهذا المعنى الذي ذكره ابن كثير له شواهد في القرآن. كقوله: {أية : يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}تفسير : [آل عمران: 167] ونحو ذلك من الآيات. والكذب مخالفة الخبر للواقع على أصح الأقوال. فائدة لفظة "كبر" إذا أريد بها غير الكبر في السن فهي مضمومة الباء في الماضي والمضارع، كقوله هنا {كبرت كلمة} الآية. وقوله: {أية : كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}تفسير : [الصف: 3]، وقوله: {أية : أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ}تفسير : [الإسراء: 51] ونحو ذلك. وإن كان المراد بها الكبر في السن فهي مكسورة الباء في الماضي، مفتوحتها في المضارع على القياس، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ}تفسير : [النساء: 6]، وقول المجنون: شعر : تعشقت ليلى وهي ذات ذوائب ولم يبد للعينين من ثديها حجم صغيرين نرعى إليهم يا ليت أننا إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر اليهم تفسير : وقوله في هذا البيت "صغيرين" شاهد عند أهل العربية في إتيان الحال من الفاعل والمفعول معاً. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {كبرت كلمة} يعني بالكلمة: الكلام الذي هو قولهم {ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} [الكهف: 4]. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الله يطلق اسم الكلمة على الكلام أوضحته آيات أخر. كقوله: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا}تفسير : [المؤمنون: 100] الآية، والمراد بها قوله: {أية : قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ }تفسير : [المؤمنون: 99-100]. وقوله: {أية : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}تفسير : [هود: 119] وما جاء لفظ الكلمة في القرآن إلا مراداً به الكلام المفيد. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {عِوَجَا} [الكهف: 1] هو بكسر العين في المعاني كما في هذه الآية الكريمة. وبفتحها فيما كان منتصباً كالحائط. قال الجوهري في صحاحه: قال ابن السكيت: وكل ما كان ينتصب كالحائط والعود قيل فيه "عوج" بالفتح. والعِوج - بالكسر - ما كان في أرض أو دين أو معاش، يقال في دينه عوج اهـ. وقرأ هذا الحرف حفص عن عاصم في الوصل {عوجا} بالسكت على الألف المبدلة من التنوين سكتة يسيرة من غير تنفس، إشعاراً بأن {قَيِّماً} [الكهف: 2] ليس متصلاً بـ {عوجا} في المعنى بل للإشارة إلى أنه منصوب بفعل مقدر، أي جعله قيماً كما قدمنا. وقرأ أبو بكر عن عاصم {مِّن لَّدُنْهُ} [الكهف: 2] بإسكان الدال مع إشمامها الضم وكسر النون والهاء ووصلها بياء في اللفظ. وقوله: {وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ} [الكهف: 2] قرأه الجمهور بضم الياء وفتح الباء الموحدة وكسر الشين مشددة. وقرأه حمزة والكسائي "يبشر" بفتح الياء وإسكان الباء الموحدة وضم الشين.
الواحدي
تفسير : {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً} اختلافاً والتباساً. {قيماً} مستقيماً. يريد: أنزل على عبده الكتاب قيِّماً، ولم يجعل له عوجاً {لينذر} الكافرين {بأساً} عذاباً {شديداً من لدنه} من قِبَلِه، وقوله: {أجراً حسناً} يعني: الجنَّة.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- الثناء الجميل مستحق لله تعالى الذى أنزل على عبده محمد صلى الله تعالى عليه وسلم القرآن، ولم يجعل فيه شيئاً من الانحراف عن الصواب، بل كان فيه الحق الذى لا ريب فيه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الحمد لله: الحمد الوصف بالجميل، والله عَلَم على ذات الرب تعالى. الكتاب: القرآن الكريم. ولم يجعل له عوجاً: أي ميلاً عن الحق والاعتدال في ألفاظه ومعانيه. قيما: أي ذا اعتدال لا إفراط فيه ولا تفريط في كل ما حواه ودعا إليه من التوحيد والعبادة والآداب والشرائع والأحكام. بأساً شديداً: عذاباً ذا شدة وقسوة وسوء عذاب في الآخرة. من لدنه: من عنده سبحانه وتعالى. أجراً حسنا: أي الجنة إذ هي أجر المؤمنين العاملين بالصالحات. كبرت كلمة: أي عظمت فرية وهي قولهم الملائكة بنات الله. إن يقولون إلا كذباً: أي ما يقولون إلا كذباً بحتاً لا واقع له من الخارج. باخع نفسك: قاتل نفسك كالمنتحر. بهذا الحديث أسفاً: أي بالقرآن من أجل الأسف الذي هو الحزن الشديد. معنى الآيات: أخبر تعالى في فاتحة سورة الكهف بأنه المستحق للحمد، وأن الحمد لله وذكر موجب ذلك، وهو إنزاله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب الفخم العظيم وهو القرآن العظيم الكريم فقال: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ} وقوله تعالى، {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} أي ولم يجعل لذلك الكتاب العظيم عوجاً أي ميلاً عن الحق والاعتدال في ألفاظه ومعانية فهو كلام مستقيم محقق للآخذ به كل سعادة وكمال في الحياتين. وقوله {قَيِّماً} أي معتدلا خاليا من الإِفراط والتفريط قيما على الكتب السابقة مهيمناً عليها الحق فيها ما أحقه والباطل ما أبطله. وقوله {لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ} أي أنزل الكتاب الخالي من العوج القيم من أجل أن ينذر الظالمين من أهل الشرك والمعاصي عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة ينزل بهم من عند ربهم الذين كفروا به وأشركوا وعصوه وكذبوا رسوله وعصوه. ومن أجل أن يبشر بواسطته أيضاً {ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ} أي يخبرهم بما يسرهم ويفرح قلوبهم وهو أن لهم عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً وقوله تعالى: {وَيُنْذِرَ} بصورة خاصة أولئك المتقولين على الله المفترين عليه بنسبتهم الولد إليه فقالوا: {ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} وهم اليهود والنصارى وبعض مشركي العرب الذين قالوا إن الملائكة بنات الله! هذا ما دل عليه قوله تعالى: {وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداًً} وهو قول تَوَارَثُوهُ لا علم لأحد منهم به، وإنما هو مجرد كذب يتناقلونه بينهم لذا قبح الله قولهم هذا وعجّب منه العقلاء، فقال: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} أي عظم قولهم {ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} كلمة قالوها تخرج من أفواههم لا غير إذ لا واقع لها أبداً، وقرر الانكار عليهم فقال: {إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} أي ما يقولون إلا الكذب البحت الذي لا يعتمد على شيء من الصحة البتة. وقوله {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} يعاتب الله تعالى رسوله ويخفف عنه ما يجده في نفسه من الحزن على عدم إيمان قومه واشتدادهم في الكفر والتكذيب وما يقترحونه عليه من الآيات أي فلعلك يا رسولنا قاتل نفسك على إثر رفض قومك للإيمان بك وبكتابك وما جئت به من الهدى، حزناً عليهم، وجزعاً منهم، فلا تفعل واصبر لحكم ربك فإنه منجز وعده لك بالنصر على قومك المكذبين لك. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب حمد الله تعالى على آلائه وعظيم نعمه. 2- لا يحمد إلا من له ما يقتضي حمده، وإلا كان المدح كذباً وزوراً. 3- عظم شأن القرآن الكريم وسلامته من الافراط والتفريط والانحراف في كل ما جاء به. 4- بيان مهمة القرآن وهي البشارة لأهل الإِيمان والإِنذار لأهل الشرك والكفران. 5- التنديد بالكذب على الله ونسبة ما لا يليق بجلاله وكماله إليه كالولد ونحوه. 6- تحريم الانتحار وقتل النفس من الحزن أو الخوف ونحوه من الغضب والحرمان.
القطان
تفسير : عوجا: العِوج بكسر العين عدم الاستقامة. قيّما: مستقيما، معتدلا. البأس: العذاب. من لدنه: من عنده. كبرتْ كلمة: ما اعظمها من مقالة في الكفر، ومعنى الكلام الاستغراب والتعجب. فلعلك باخعٌ نفسَك: لعلك مهلكٌ نفسك. على آثارهم: من بعدهم. صعيدا جرزا: تراباً لا يُنبت. ان الله تعالى يحمد نفسه المقدسة عند فواتح الأمور وخواتمها، ولهذا حمد نفسه على إنزاله القرآنَ على رسوله الكريم، وهو اعظم نعمة أنعمها الله على أهل الارض. فبه أَخرجهم من الظلمات الى النور، ولم يجعل فيه اعوجاجا لا باختلال ألفاظه، ولا بتباين معانيه، بل جعله مستقيما معتدلا، لا إفراط فيه ولا تفريط، لينذر الجاحدين بعذاب شديد من عنده، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الاعمال الصالحة بأن لهم ثوابا جزيلا. {مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً} مقيمين فيه ابدا. وينذر على الخصوص الذين قالوا إن الله اتخذ ولدا، وهو منزه عن الولد والشريك. ولا دليل لديهم على قولهم هذا لا هم ولا آباؤهم، فما أعظمَ هذا الافتراء، وما اكبر هذه الكلمة التي تفوهوا بها! وما قولهم هذا الا محض اختلاق وكذب. {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ} لا تهلك نفسك أيها النبي أسفاً وحسرة عليهم. لأنهم لم يؤمنوا بالقرآن، أبلغهم رسالة ربك، فمن اهتدى منهم فلنفسه، ومن ضل فانما يضل عليها. إنا خلقناهم للخير والشر، وصيرنا ما فوق الارض زينة لها ومنفعة لأهلها، لنرى من يحسن منهم ومن يسيء، ويمتاز افراد الطبقتين بعضهم عن بعض بحسب درجات اعمالهم. {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً} وانا لجاعلون الارض وما عليها تراباً لا نبات فيه عند انقضاء الدنيا. والخلاصة ان {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}تفسير : [الرحمن:27].
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابَ} (1) - يَحْمَدُ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ الكَرِيمَةِ عِنْدَ فَوَاتِحِ الأُمُورِ وَعِنْدَ خَوَاتِيمِهَا، وَهُنَا يَحْمَدُ نَفْسَهُ عَلَى إِنْزَالِهِ القُرْآنَ (الكِتَابَ) عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ أَعْظَمُ نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ، إِذْ أَخْرَجَهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النَّوْرِ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ كِتَابَهُ مُسْتَقِيماً لاَ عِوَجَ فِيهِ وَلاَ زَيْغَ. عِوَجاً - اخْتِلاَفاً، أَوِ اخْتِلاَلاً أَوِ انْحِرافاً عَنِ الحَقِّ.
الثعلبي
تفسير : {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ} : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيّماً مستقيماً. قال ابن عباس: عدلاً. الفرّاء: قيّماً على الكتب كلّها ناسخاً لشرائعها. {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا}: مختلفاً {لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً} أي لتنذركم بأساً شديداً {مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً} وهي الجنّة. {مَّاكِثِينَ}: مقيمين { فِيهِ أَبَداً * وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً * مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً} نصب على التمييز والقطع، قديره: كبرت الكلمة كلمةً، {تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ}: ما يقولون {إِلاَّ كَذِباً}. {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ}: قاتل نفسك {عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ}: القرآن {أَسَفاً}: حزناً وجزعاً وغضباً. {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ} من كل شيء {زِينَةً لَّهَا}، قال الضحّاك من الزاكية خاصّة زينة لها {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} أي أزهد فيها. {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً}: مستوياً {جُرُزاً}: يابساً أملس لا تنبت شيئاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ختم الحق سبحانه سورة الإسراء بالحمد، وبدأ سورة الكهف بالحمد، والحمد لله دائماً هو الشعار الذي أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم في خير الكلمات: "سبحان الله والحمد لله" سبحان الله بُدئتْ بها سورة الإسراء، والحمد لله بُدئت بها سورة الكهف. سبحان الله تنزيه لذاته سبحانه أن يكون له شريك، لا في الذات، ولا في الأفعال، ولا في الصفات، والحمد لله كذلك تكبرة للذات، وبعد ذلك جاء العطاء من الذات فقُلْنا: الحمد لله، فسبحان الله تنزيه، والحمد لله شكر على العطاء. والحمد يشترك معه في المعنى العام: ثناء وشُكْر ومدح، إلا أن هذه الألفاظ وإنْ تقاربت في المعنى العام فلكُلٍّ منها معناه الخاص، وكل هذه الألفاظ فيها ثناء، إلا أن الشكر يكون من مُنعَم عليه بنعمة خاصة به، كأن يُسدي لك إنسان جميلاً لك وحدك، فتشكره عليه. أما الحمد فيكون على نعمة عامة لك ولغيرك، فرُقْعة الحمد أوسع من رُقْعة الشكر، أما المدح فقد تمدح ما لا يعطيك شيئاً، كأن تمدح مثلاً الشكل الجميل لمجرد أنه أعجبك. فقَوْلُ الحق: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} بالألف واللام الدالة على الحصر، فالمراد الحمد المطلق الكامل لله، الحمد المستوعب لكل شيء، حتى إنَّ حمدك لأيِّ إنسان قدَّم لك جميلاً فهو - إذا سَلْسَلْتَهُ - حَمْدٌ لله تعالى الذي أعان هذا الإنسان على أن يحسن إليك، فالجميل جاء من حركته، وحركته موهوبة له من خالقه، والنعمة التي أمدّك بها موهوبة من خالقه تعالى، وهكذا إذا سلسلتَ الحمد لأيِّ إنسان في الدنيا تجده يصل إلى المنعِم الأول سبحانه وتعالى. وكلمة {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} هذه هي الصيغة التي علمنا الله أنْ نحمدَهُ بها، وإلا فلو ترك لنا حرية التعبير عن الحمد ولم يُحدِّد لنا صيغة نحمده ونشكره بها لاختلف الخَلْق في الحمد حَسْب قدراتهم وتمكّنهم من الأداء وحَسْب قدرتهم على استيعاب النعم، ولوجدنا البليغ صاحب القدرة الأدائية أفصح من العيي والأُمّي. فتحمّل الله عنا جميعاً هذه الصيغة، وجعلها متساوية للجميع، الكل يقول {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} البليغ يقولها، والعيي يقولها، والأُمّي يقولها. لذلك يقول صلى الله عليه وسلم وهو يحمد الله ويُثنِي عليه: "حديث : سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك ". تفسير : فإنْ أردنا أنْ نُحصي الثناء عليك فلن نستطيع؛ لأن الثناء عليك لا يعرف مداه إلا أنت، ولا يُحصيه غيرك، ولا نملك إلا أنْ نقولَ ما علَّمتنا من حمدك: الحمد لله. إذن: فاستواء الناس جميعاً في الحمد لله نعمة كبرى في ذاتها تستحق الحمد، فنقول: الحمد لله على ما عَلِمنا من الحمد لله، والحمْد الأول أيضاً نعمة، وبذلك نقول: الحمد لله على ما عَلِمنا من الحمد لله بالحمد لله. وهكذا، لو تتبعتَ الحمدَ لوجدته سلسلةً لا تنتهي، حَمْد على حَمْد على حَمْد على حَمْد، فيظل الله محموداً دائماً، يظل العبد حامداً إلى ما لا نهاية. والحمد لله استهل بها الحق سبحانه خَمْس سور من القرآن: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الفاتحة: 2]. {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}تفسير : [الأنعام: 1]. {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ ..} [الكهف: 1]. {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ ..}تفسير : [سبأ: 1]. {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ..}تفسير : [فاطر: 1]. ولكن، لكُلِّ حَمْد في كل سورة حيثية خاصة، فالحمد في الأولى لأن الله ربُّ العالمين، وربٌّ يعني الخالق والمتولي للتربية، خلق من عدم، وأمدَّ من عُدم، وتولّى تربية عباده، فهو رَبٌّ لكل العالمين؛ لذلك يجب أنْ نحمدَ الله على أنه هو الربُّ الذي خلق العالمين، وأمدَّهم بفضله. وفي الثانية: نحمده سبحانه الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، وهذه آيات من آيات الله ونِعَم من نِعَمه، فالسماوات والأرض فيها قيام البشر كله بما يمدُّ حياتهم بالقوت، ويستبقي نوعهم بالتكاثر. والظلمات والنور مِنَ نعم الله، وهما متكاملان لا متضادان، فَلِلْظُّلمة مهمة، كما أن للنور مهمة، الظلمة للسكون والراحة، والنور للسعي والحركة، ولا يمكن لسَاعٍ أنْ يسعى ويجدّ في عمل، إلا إذا ارتاح وسكن وجدَّد نشاطه، فتقابُل الظلمة والنور للتكامل، فالحياة لا تستقيم في ظلام دائم، كما أنها لا تستقيم في نور دائم. وفي السورة الثالثة من السور التي افتتحها الحق سبحانه بـ {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} - والتي نحن بصددها - أراد الحق سبحانه أنْ يُوضّح أنه لم يُربِّ الخلْق تربية مادية فقط، بل هناك تربية أعلى من المادة تربية روحية قيمية، فذكر هنا الحيثية الحقيقية لخَلْق الإنسان، فهو لم يُخلق لمادته فحسْب، ولكن لرسالة أسمى، خلق ليعرف القيم والرب والدين، وأنْ يعملَ لحياة أخرى غير هذه الحياة المادية، فقال تعالى: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ ..} [الكهف: 1]. فحيثية الحمد هنا إنزالُ الكتاب الذي يجمع كل القيم. وقلنا: إن الحق سبحانه محمود برحمانيته قبل أنْ يخلق الخَلْق وضع له النماذج التي تُصلِح حركة الحياة، كما قال تعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ}تفسير : [الرحمن: 1-4]. فتعليم القرآن جاء قبل خَلْق الإنسان، إذن: وضع الحق سبحانه لعباده المنهج المنظِّم لحياتهم قبل أن يخلقَهم، لعِلْمه سبحانه بطبيعة خَلْقه، وبما يصلحهم، كالمخترع للآلة الذي يعلم مهمتها ويُحدِّد قانون صيانتها، فالكتاب الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو المهمة الأساسية، فيجب أنْ تُوطّن عليها نفسك، وتعلَم أنه المنظِّم لحياتك، وبه قانون صيانتك. وقوله: {عَلَىٰ عَبْدِهِ ..} [الكهف: 1] كما قلنا: في سورة الإسراء: إن العبودية كانت حيثية الرِّفْعة في الإسراء والمعراج، فقال سبحانه: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ ..}تفسير : [الإسراء: 1]. فالعبودية رفعتْه إلى حضرته تعالى؛ لأنه كان عبداً بحقّ، وهذا يعني إنزال الكتاب عليه، فكان عبداً بحق قبل أن يُسرَى به، وحمل منهج الله أولاً فالتفتَ لربه لَفْتةً أراد أنْ يلفتَ بها سواه، فأخلص هو أولاً في العبودية، وتحمَّل ما تحمّل، فكان من جزائه أن يرتفع إلى مقام الحضرة فَعُرِج به، وهناك أعطاه الله الصلاة لينزلَ بها إلى الخَلْق ليرفع بها صوته إلى المقام الذي سعى إليه بالمعراج. إذن: فالنبي تناول ليناوِل، وتناول لأنه أخلصَ العبودية، فصعد إلى حضرة ربه، وأخذ فريضة الصلاة وبلَّغها لقومه، وكأنه يقول لهم: مَنْ أراد أن يلتقي بالله، فليدخل في الصلاة. و {ٱلْكِتَابَ..} [الكهف: 1] هو القرآن الكريم، لكن سورة الكهف ترتيبها الثامنة عشرة بين سور المصحف من المائة والأربعة عشرة سورة، أي: أن القرآن لم يكتمل بعد، فلماذا قال تعالى {ٱلْكِتَابَ} وهو لم يكتمل بعد؟ نقول: الكتاب يُطلَق ويُرَادُ به بعضه، كما في قوله تعالى: {أية : فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ}تفسير : [القيامة: 18] فالآية الواحدة تُسمَّى قرآناً، والسورة تُسمَّى قرآناً، والكل نُسمِّيه قرآناً. أو: يكون المراد أَنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ، ثم نزَّله بعد ذلك مُنَجَّماً حَسْب الوقائع، فالمراد هنا الإنزال لا التنزيل. وقوله تعالى: {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} [الكهف: 1] أي: جعله مستقيماً، لا عِوجَ فيه، كما قال في آية أخرى: {أية : قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ..} تفسير : [الزمر: 28] والاعوجاج، أن يأخذ الشيءُ امتداداً مُنْحنياً ملتوياً، أما الاستقامة فهي الامتداد في نفس الاتجاه، لا يميل يميناً أو شمالاً، ومعلوم أن الخطَّ المستقيم يمثل أقرب مسافة بين نقطتين، ولا تستقيم حياة الناس في الدنيا إلا إذا ساروا جميعاً على منهج مستقيم يعصمهم من التصادم في حركة الحياة. فالحق سبحانه وتعالى خلق الخَلْق متكاملين، فكُلٌّ منهم لديه موهبة يحتاجها الآخرين، فهذا طبيب، وهذا مهندس، وهذا نجار، وهذا خياط، ولا يستطيع أحد أن يقومَ بذاته أو يستغني عن مواهب غيره، فلا بُدَّ أن يتواجه الناس في الحياة، وأنْ يتكاملوا. هذا التواجه إنْ لم يُنظِّم وتوضع له قوانين مرور دقيقة لتصادمت حركات الناس، كما يحدث على الطريق الملتوي كثير المنحنيات، فالقادم من هنا لا يرى القادم من هناك، فيحدث التصادم. إذن: لا بُدَّ من استقامة الطريق ليرى كلٌّ مِنّا الآخر، فلا يصطدم به. والمنهج الإلهي هو الطريق المستقيم الذي يضمن الحركة في الحياة. وقد ذُكِر الاعوجاج أيضاً في قوله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً}تفسير : [طه: 105-107]. أي: أرضاً مستوية خالية من أي شيء{أية : لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً}تفسير : [طه: 107] أي: مستقيمة {أية : وَلاۤ أَمْتاً}تفسير : [طه: 107]. أي: مُسْتوية لا يُوجد بها مرتفعات ومنخفضات تعوق الرؤية أيضاً وتسبب التصادم، وهذا ما يُسمِّيه رجال المرور (العقبة). ثم يقول الحق سبحانه واصفاً القرآن الكريم: {قَيِّماً لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ...}.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {بَاخِعٌ} قاتلٌ ومهلكٌ قال الليث: بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظاً وأصلُ البخع الجهد كما قال الفراء {جُرُزاً} الجُرُز: الأرض التي لا نبات عليها {ٱلْكَهْفِ} النقب المتسع في الجبل وإِذا لم يكن متسعاً فهو غار {وَٱلرَّقِيمِ} اللوح الذي كتبت فيه أسماء أصحاب الكهف {شَطَطاً} الشطط: الجور والغلو وتعدي الحد قال الفراء: اشتط في الأمر جاوز الحد، وشطَّ المنزل بَعُدَ {تَّزَاوَرُ} تتنحَّى وتميل من الازورار بمعنى الميل قال عنترة "وازْورَّ من وقع القنا بلبانه" {بِٱلوَصِيدِ} الفِناء أي فناء الكهف {فَجْوَةٍ} متَّسع من المكان {بِوَرِقِكُمْ} الوَرِق: اسمٌ للفضة سواءً كانت مضروبةً أم لا {أَعْثَرْنَا} أطلعنا {تُمَارِ} تجادل والمراءُ: المجادلة. التفسِير: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ} أي الثناء الكامل مع التعظيم والإِجلال لله الذي أنزل على رسوله محمد القرآن نعمةً عليه وعلى سائر الخلق {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} أي لم يجعل فيه شيئاً من العوج لا في ألفاظه ولا في معانيه، وليس فيه أي عيبٍ أو تناقض {قَيِّماً} أي مستقيماً لا اختلاف فيه ولا تناقض قال الطبري: هذا من المُقدَّم والمؤخر أي أنزل الكتاب قيّماً ولم يجعل له عِوَجاً يعني مستقيماً لا اختلاف فيه ولا تفاوت، ولا اعوجاج ولا ميل عن الحق، {لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ} أي لينذر بهذا القرآن الكافرين عذاباً شديداً من عنده تعالى {وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ} أي ويبشّر المصدقين بالقرآن الذين يعملون الأعمال الصالحة {أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً} أي أن لهم الجنة وما فيها من النعيم المقيم {مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً} أي مقيمين في ذلك النعيم الذي لا انتهاء له ولا انقضاء {وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} أي ويخوّف أولئك الكافرين الذين نسبوا لله الولد عذابه الأليم قال البيضاوي: خصَّهم بالذكر وكَّرر الإِنذار استعظاماً لكفرهم، وإِنما لم يذكر المُنْذَر به استغناءً بتقدم ذكره {مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} أي ما لهم بذلك الافتراء الشنيع شيءٌ من العلم أصلاً {وَلاَ لآبَائِهِمْ} أي ولا لأسلافهم الذي قلَّدوهم فتاهوا جميعاً في بيداء الجهالة والضلالة {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} أي عظمت تلك المقالة الشنيعة كلمة قبيحة ما أشنعها وأفظعها؟ خرجت من أفواه أولئك المجرمين، وهي في غاية الفساد والبطلان {إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} أي يقولون إلا كذباً وسفهاً وزوراً {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ} أي فلعلك قاتلٌ نفسك يا محمد ومهلكها غمّاً وحزناً على فراقهم وتوليهم وإِعراضهم عن الإِيمان {إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} أي إن لم يؤمنوا بهذا القرآن حسرةً وأسفاً عليهم، فما يستحق هؤلاء أن تحزن وتأسف عليهم، والآية تسليةٌ للنبي عليه السلام {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا} أي جعلنا ما عليها من زخارف ورياش ومتاع وذهب وفضة وغيرها زينة للأرض كما زينا السماء بالكواكب {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} أي لنختبر الخلق أيهم أطوع لله وأحسن عملاً لآخرته {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً} أي سنجعل ما عليها من الزينة والنعيم حطاماً وركاماً حتى تصبح كالأرض الجرداء التي لا نبات فيها ولا حياة بعد أن كانت خضراء بهجة قال القرطبي: الآية وردت لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: لا تهتم يا محمد للدنيا وأهلها فإِنا إِنما جعلنا ذلك امتحاناً واختباراً لأهلها، فمنهم من يتدبر ويؤمن ومنهم من يكفر، ثم إن يوم القيامة بين أيديهم، فلا يعظمنَّ عليك كفرُهم فإِنا سنجازيهم {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً}؟ بدء قصة أصحاب الكهف، والكهفُ الغار المتسع في الجبل، والرقيمُ اللوح الذي كتب فيه أسماء أصحاب الكهف على المشهور والمعنى: لا تظننَّ يا محمد أن قصة أهل الكهف - على غرابتها - هي أعجبُ آيات الله، ففي صفحات هذا الكون من العجائب والغرائب ما يفوق قصة أصحاب الكهف قال مجاهد: أحسبت أنهم كانوا أعجب آياتنا؟ قد كان في آياتنا أعجب منهم {إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ} أي اذكر حين التجأ الشبان إلى الغار في الجبل وجعلوه مأواهم {فَقَالُواْ رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً} أي أعطنا من خزائن رحمتك الخاصة مغفرة ورزقاً {وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً} أي أصلح لنا أمرنا كلَّه واجعلنا من الراشدين المهتدين {فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً} أي ألقينا عليهم النوم في الغار سنين عديدة {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً} أي ثم أيقظناهم من بعد نومهم الطويل لنرى أيَّ الفريقين أدقُّ إحصاءً للمدة التي ناموها في الكهف؟ قال في التسهيل: والمراد بالحزبين: أصحابُ الكهف، والذين بعثهم الله إليهم حتى رأوهم وقال مجاهد: الحزبان من أصحاب الكهف لما استيقظوا اختلفوا في المدة التي لبثوها في الكهف فقال بعضهم: يوماً أو بعض يوم وقال آخرون: ربكم أعلم بما لبثتم، والقول الأول مروي عن ابن عباس {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ} أي نحن نقص عليك يا محمد خبرهم العجيب على وجه الصدق دون زيادةٍ ولا نقصان {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} أي إنهم جماعة من الشبان آمنوا بالله فثبتناهم على الدين وزدناهم يقيناً {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} أي قوينا عزمهم وألهمناهم الصبر حتى أصبحت قلوبهم ثابتة راسخة، مطمئنة إلى الحق معتزةً بالإِيمان {إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي حين قاموا بين يدي الملك الكافر الجبار من غير مبالاة فقالوا ربنا هو خالق السماوات والأرض لا ما تدعونا إليه من عبادة الأوثان والأصنام {لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً} أي لن نشرك معه غيره فهو واحد بلا شريك {لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً} أي لئن عبدنا غيره نكون قد تجاوزنا الحقَّ، وحُدنا عن الصواب، وأفرطنا في الظلم والضلال {هَـٰؤُلاۤءِ قَوْمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً} أي هؤلاء أهل بلدنا عبدوا الأصنام تقليداً من غير حجة {لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} أي هلاّ يأتون على عبادتهم لها ببرهان ظاهر، والغرض من التحضيض {لَّوْلاَ} التعجيز كأنهم قالوا إنهم لا يستطيعون أن يأتوا بحجة ظاهرة على عبادتهم للأصنام فهم إذاً كذبة على الله {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} استفهام بمعنى النفي أي لا أحد أظلم ممن كذب على الله بنسبة الشريك إليه تعالى {وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ} أي وإِذْ اعتزلتم أيها الفتية قومكم وما يعبدون من الأوثان غير الله تعالى {فَأْوُوا إِلَى ٱلْكَهْفِ} أي التجئوا إلى الكهف {يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ} أي يبسط ربكم ويوسّعْ عليكم رحمته {وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً} أي يُسهّل عليكم أسباب الرزق وما ترتفقون به من غداء وعشاء في هذا الغار {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ} أي ترى أيها المخاطب الشمس إذا طلعت تميل عن كهفهم جهة اليمين {وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ} أي وإِذا غربت تقطعهم وتُبعد عنهم جهة الشمال والغرض أن الشمس لا تصيبهم عند طلوعها ولا عند غروبها كرامةً لهم من الله لئلا تؤذيهم بحرها {وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ} أي في متَّسع من الكهف وفي وسطه بحيث لا تصيبهم الشمس لا في ابتداء النهار، ولا في آخره {ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} أي ذلك الصنيع من دلائل قدرة الله الباهرة قال ابن عباس: لو أن الشمس تطلع عليهم لأحرقتهم، ولو أنهم لا يُقلَّبون لأكلتهم الأرض {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ} أي من يُوفقه الله للإيمان ويرشده إلى طريق السعادة فهو المهتدي حقاً {وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً} أي ومن يضلله الله بسوء عمله فلن تجد له من يهديه {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ} أي لو رأيتهم أيها الناظر لظننتهم أيقاظاً لتفتح عيونهم وتقلبهم والحال أنهم نيام {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ} أي ونقلبهم من جانب إلى جانب لئلا تأكل الأرض أجسامهم {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ} أي وكلبهم الذي تبعهم باسطٌ يديه بفناء الكهف كأنه يحرسهم {لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} أي لو شاهدتهم وهم على تلك الحالة لفررت منهم هارباً رعباً منهم، وذلك لما ألبسهم الله من الهيبة، فرؤيتهم تثير الرعب إذ يراهم الناظر نياماً كالأيقاظ، يتقلبون ولا يستيقظون {وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ} أي كما أنمناهم كذلك بعثناهم من النوم وأيقظناهم بعد تلك الرقدة الطويلة التي تشبه الموت ليسأل بعضهم بعضاً عن مدة مكثهم وإِقامتهم في الغار {قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} أي قال أحدهم: كم مكثنا في هذا الكهف؟ فقالوا مكثنا فيه يوماً أو بعض يوم قال المفسرون: إنهم دخلوا في الكهف صباحاً وبعثهم الله في آخر النهار فلما استيقظوا ظنوا أن الشمس قد غربت فقالوا لبثنا يوماً، ثم رأوها لم تغرب فقالوا أو بعض يوم، وما دروا أنهم ناموا ثلاثمائة وتسع سنين {قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} أي قال بعضهم، الله أعلم بمدة إقامتنا ولا طائل وراء البحث عنها فخذوا بما هو أهم وأنفع لكم فنحن الآن جياع {فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ} أي فأرسلوا واحداً منكم إلى المدينة بهذه النقود الفضية {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ} أي فليختر لنا أحلَّ وأطيب الطعام فليشتر لنا منه {وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً} أي وليتلطف في دخول المدينة وشراء الطعام حتى لا يشعر بأمرنا أحد {إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ} أي إن يظفر يقتلوكم بالحجارة أو يردوكم إلى دينهم الباطل {وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً} أي وإِن عدتم إلى دينهم ووافقتموهم على كفرهم فلن تفوزوا بخيرٍ أبداً، وهكذا يتناجى الفتية فيما بينهم خائفين حذرين أن يظهر عليهم الملك الجبار فيقتلهم أو يردهم إلى عبادة الأوثان فيوصون صاحبهم بالتلطف بالدخول والخروج وأخذ الحيطة والحذر {وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا} أي وكما بعثناهم من نومهم كذلك أطلعنا الناس عليهم ليستدلوا بذلك على صحة البعث ويوقنوا أن القيامة لا شك فيها، فتكون قصة أصحاب الكهف حجة واضحة ودلالة قاطعة على إمكان البعث والنشور فإن القادر على بعث أهل الكهف بعد نومهم ثلاثمائة عام قادر على بعث الخلق بعد مماتهم {إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} أي حين تنازع القوم في أمر أهل الكهف بعد أن أطلعهم الله عليهم ثم قبض أرواحهم {فَقَالُواْ ٱبْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً} أي قال بعض الناس: ابنوا على باب كهفهم بنياناً ليكون علَماً عليهم {رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} أي الله أعلم بحالهم وشأنهم {قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً} أي قال الفريق الآخر وهم الأكثرية الغالبة: لنتخذنَّ على باب الكهف مسجداً نصلي فيه ونعبد الله فيه {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} أي سيقول هؤلاء القوم الخائضون في قصتهم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب هم ثلاثة رجال يتبعهم كلبهم {وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ} أي ويقول البعض: إِنهم خمسةٌ سادسهم الكلب قذفاً بالظنِّ من غير يقين ولا علم كمن يرمي إلى مكان لا يعرفه {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} أي ويقول البعض إنهم سبعةٌ والثامن هو الكلب {قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم} أي الله أعلم بحقيقة عددهم {مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ} أي لا يعلم عدتهم إلا قليل من الناس قال ابن عباس: أنا من ذلك القليل، كانوا سبعةً إن الله عدَّهم حتى انتهى إلى السبعة قال المفسرون: إن الله تعالى لما ذكر القول الأول والثاني أردفه بقوله {رَجْماً بِٱلْغَيْبِ} ولما ذكر القول الأخير لم يقدح فيه بشيء فكأنه أقر قائله ثم نبَّه رسوله إلى الأفضل والأكمل وهو ردُّ العلم إلى علام الغيوب {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً} أي فلا تجادل أهل الكتاب في عدتهم إلا جدال متيقنٍ عالم بحقيقة الخبر {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً} أي لا تسأل أحداً عن قصتهم فإِنَّ فيما أوحي إليك الكفاية {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} أي لا تقولنَّ لأمرٍ عزمت عليه إني سأفعله غداً إلا إذا قرنته بالمشيئة فقلت إن شاء الله قال ابن كثير: سبب نزول الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن قصة أصحاب الكهف قال: (غداً أجيبكم) فتأخر الوحي عنه خمسة عشر يوماً {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} أي أذا نسيت أن تقول إن شاء الله ثم تذكرت فقلها لتبقى نفسك مستشعرةً عظمة الله {وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً} أي لعلَّ الله يوفقني ويرشدني إلى ما هو أصلح من أمر ديني ودنياي {وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً} أي مكثوا في الكهف نائمين ثلاثمائة وتسع سنين، وهذا بيانٌ لما أُجمل في قوله تعالى {سِنِينَ عَدَداً} {قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ} أي الله أعلم بمدة لبثهم في الكهف على وجه اليقين {لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي هو تعالى المختص بعلم الغيب وقد أخبرك بالخبر القاطع عن أمرهم الحكيمُ الخبير {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} أي ما أبصره بكل موجود، وما أسمعه لكل مسموع، يدرك الخفيات كما يدرك الجليات {مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ} أي ليس للخلق ناصرٌ ولا معين غيره تعالى {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً} أي ليس له شريك ولا مثيل ولا نظير، ولا يقبل في قضائه وحكمه أحداً لأنه الغنيّ عما سواه. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين {يُبَشِّرَ.. وَيُنْذِرَ} وبين {يَهْدِ..ويُضْلِلْ} وبين {أَيْقَاظاً..ورُقُودٌ} وبين {ذَاتَ ٱليَمِينِ..وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ}. 2- الطباق المعنوي بين {فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ..ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ} لأن معنى الأول أنمناهم والثاني أيقظناهم. 3- الجناس الناقص بين {قَامُواْ..وقَالُواْ}. 4- الإِطناب بذكر الخاص بعد العام {لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيدا} {وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} لشناعة دعوى الولد لله، وفيه من بديع الحذف وجليل الفصاحة حذف المفعول الأول أي لينذر الكافرين بأساً شديداً، ثم ذكر المفعول الأول وحذف الثاني في قوله {وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} عذاباً شديداً فحذف العذاب لدلالة الأول عليه وحذف من الأول المنذرين لدلالة الثاني عليه، وهذا من ألطف الفصاحة. 5- صيغة التعجب {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ}. 6- الاستعارة التمثيلية {بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ} شبَّه حاله عليه السلام مع المشركين بحال من فارقته الأحباب فهمَّ بقتل نفسه أو كاد يهلك نفسه حزناً ووجداً عليهم. 7- الاستعارة التبعية {فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ} شبّهت الإِنامة الثقيلة بضرب الحجاب على الآذان كما تضرب الخيمة على السكان وكذلك يوجد استعارة في {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} لأن الربط هو الشد والمراد شددنا على قلوبهم كما تشد الأوعية بالأوكية.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ} الآية هذه السورة مكية وقيل فيها آيات مدنية وسبب نزولها حديث : أن قريشاً بعثت النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة فقالوا لهما سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته فإِنهم أهل الكتاب الأول وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء فخرجا حتى أتيا المدينة فسألاهم فقالت اليهود سلوه عن ثلاث فإِن أخبركم بهن فهو نبي مرسل وإن لم يفعل فالرجل متقول فرؤا فيه رأيكم سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم فإِنه كان لهم أمر عجيب وسلوه عن رجل طوّاف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان بناؤه وسلوه عن الروح فأقبل النضر وعقبة إلى مكة فسألاه فقال غداً أخبركم ولم يقل إن شاء الله فاستمسك الوحي عنه خمسة عشر يوماً فارجف به كفار قريش وقالوا ان محمد تركه رئيه الذي كان يأتيه من الجن وقال بعضهم: وقد عجز عن أكاذيبه فشق ذلك عليه فلما انقضى ذلك جاءه الوحي بجواب الأسئلة وغيرها تفسير : ومناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها أنه لما قال وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ذكر المؤمنين أنه يزيدهم خشوعاً وأنه تعالى أمره بالحمد له وأنه لم يتخذ ولداً وأمره تعالى بحمده على إنزال هذا الكتاب السالم من العوج القيم على كل الكتب المنذر من اتخذ ولداً المبشر المؤمنين بالأجر الحسن ثم استطرد إلى حديث كفار قريش والتفت من الخطاب في قوله: وكبره تكبيرا إلى الغيبة في قوله: على عبده لما في عبده من الإِضافة المقتضية تشريفه ولم يجىء التركيب أنزل عليك والكتاب القرآن * قال الزمخشري: ولم يجعل له معطوفة على أنزل فهي داخلة في الصلة ورتب على هذا أن الأحسن في انتصاب قيماً أن ينتصب بفعل مضمر ولا يجعل حالاً من الكتاب لما يلزم من ذلك وهو الفصل بين الحال وذى الحال ببعض الصلة وقدره جعله قيماً وقال ابن عطية قيما نصب على الحال من الكتاب فهو بمعنى التقديم مؤخر في اللفظ أي أنزل الكتاب قيماً واعترض بين الحال وذي الحال قوله ولم يجعل له عوجاً أما إذا قلنا بأن الجملة المنفية اعتراض فهو جائز ويفصل بجمل الاعتراض بين الحال وصاحبها والصحيح أنهما حالان من الكتاب الأولى جملة والثانية مفردة وكثير من أصحابنا على منع ذلك وفي ذلك أعاريب أخر ذكرت في البحر والعوج في المعاني كالعوج في الأشخاص ونكر عوجاً ليعم جميع أنواعه لأنها نكرة في سياق النفي والمعنى أنه في غاية الاستقامة لا تناقض ولا اختلاف في معانيه ولا حواشيه ولا عي في تراكيبه ومبانيه وقيماً بمصالح العباد وشرائع دينهم وأصدر معائشهم ومعادهم ولذلك جاء بعده لينذر وليبشر فيجوز أن يتعلقا بقوله قيماً ويجوز أن يتعلقا بأنزل والبأس الشديد عذاب الآخرة ويحتمل أن يندرج فيه ما يلحقهم من عذاب الدنيا من لدنه تقدم الكلام في أول هود والأجر الحسن الجنة ولما كنى عن الجنة بقوله أجراً حسناً قال ماكثين فيه، أي مقيمين فجعله ظرفاً لإِقامتهم ولما كان المكث لا يقتضي التأبيد قال أبداً وهو ظرف دال على زمن متناه وانتصب ماكثين على الحال وذو الحال هو الضمير في لهم والذين نسبوا الولد إلى الله تعالى بعض اليهود في عزير وبعض النصارى في المسيح وبعض العرب في الملائكة والضمير في به الظاهر أنه عائد على الولد الذي ادعوه. {مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} أي ما لهم بقولهم هذا من علم فالجملة في موضع الحال أي قالوا جاهلين من غير فكر ولا روية ولا نظر فيما يجوز ويمتنع * وقرأ الجمهور: {كَلِمَةً} بالنصب فالظاهر انتصابها على التمييز وفاعل كبرت مضمر يعود على المقالة المفهومة من قوله: قالوا اتخذ الله ولدا وفي ذلك معنى التعجب أي ما أكبرها كلمة والجملة بعدها صفة لها تفيد استعظام اجترائهم على النطق بها وإخراجها من أفواههم فإِن كثيراً مما يشوش به الشيطان في القلوب ويحدث به النفس لا يمكن أن يتفوه به بل يصرف عنه الكفر فكيف بمثل هذا المنكر وسميت كلمة كما يسمون القصيدة كلمة وان نافية أي ما يقولون وكذباً نعت لمصدر محذوف أي قولاً كذباً. {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} لعل للترجي في المحبوب وللإِشفاق في المحذور * وباخع قال الفراء بخع يبخع بخعاً وبخوعاً أهلك من شدة الموجدة وأصله الجهد والظاهر أنها هنا للإِشفاق أشفق أن يبخع الرسول نفسه عليهم لكونهم لم يؤمنوا وقوله. على آثارهم استعارة فصيحة من حيث لهم إدبار وتباعد عن الإيمان وإعراض عن الشرع وكأنهم من فرط إدبارهم قد بعدوا في إدبارهم بحزن عليهم ومعنى على آثارهم من بعدهم أي بعد يأسك من إيمانهم أو بعد موتهم على الكفر ويقال: مات فلان على أثر فلان أي بعده والإِشارة بهذا الحديث إلى القرآن، قال الله تعالى: {أية : نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً}تفسير : [الزمر: 23] وأسفا مفعول من أجله وأصله حزناً وارتباطاً قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا} بما قبلها هو على سبيل التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه تعالى أخبر أنه خلق ما على الأرض من الزينة للابتلاء والاختبار أي الناس أحسن عملاً وليسوا على نمط واحد في الاستقامة واتباع الرسل لا بد أن يكون فيهم من هو أحسن عملاً ومن هو أسوأ عملاً فلا تغتم ولا تحزن على من قضيت عليه بأنه يكون أسوأ عملاً ومع كونهم يكفرون بي لا أقطع عنهم مواد هذه النعم التي خلقتها وجعلناها بمعنى خلقنا والظاهر أن ما يراد به العموم فيما لا يعقل وزينة كل شىء بحسبه * وانتصب زينة على الحال أو الفعول من أجله إن كان جعلنا بمعنى خلقنا وأوجدنا وإن كان بمعنى صيرنا فانتصب على أنه مفعول ثان وأيهم يحتمل أن تكون الضمة فيها إعراباً فتكون أيهم مبتدأ وأحسن خبره والجملة في موضع المفعول لنبلوهم ويكون قد علق بيبلوهم إجراء لها مجرى العلم لأن الابتداء والاختبار سبب العلم ويحتمل أن تكون الضمة فيها على مذهب سيبويه لوجود شرط جواز البناء في أي وهو كونها مضافة قد حذف صدر صلتها فأحسن خبر مبتدأ محذوف تقديره هو أحسن ويكون أيهم موصولاً في موضع نصب بدلاً من الضمير في ليبلوهم والمفضل عليه محذوف تقديره ممن ليس أحسن عملاً. {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ} أي مصيرون ما عليها مما كان زينة لها أو ما عليها مما هو أعم من الزينة وغيره. {صَعِيداً} تراباً جزراً لا نبات فيه وهذا إشارة إلى التزهيد في الدنيا والرغبة عنها وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما تضمنته أيدي المترفين من زينتها إذ مآل ذلك كله إلى الفناء والمحاق. {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ} الآية أم هنا هي المنقطعة فتقدر ببل والهمزة قيل للإِضراب عن الكلام الأول والمعنى الانتقال من كلام إلى آخر لا بمعنى الإِبطال والهمزة للاستفهام وزعم بعض النحويين أن أم هنا بمعنى الهمزة فقط والظاهر في أم حسبت أنه خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال مجاهد: لم ينهه عن التعجب وإنما أراد كل آياتنا كذلك وأهل الكهف هم الفتية الذين ذكرهم الله بعد ذلك والكهف هو الغار الذي في الجبل يستتر فيه. {وَٱلرَّقِيمِ} قيل هو اسم الكلب الذي كان معهم وقيل اسم قصر وقيل هذا الكهف هو في الروم وقيل في الشام * وبالأندلس في جهة غرناطة بقرب قرية تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة وأكثرهم قد انجرد لحمه وبعضهم متماسك وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من علم شأنهم ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف * قال ابن عطية: دخلت إليهم ورأيتهم منذ أربع وخمسمائة وهم بهذه الحالة وعليهم مسجد وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم كأنه قصر مخلق وبقي بعض جدرانه وهو في فلاة من الأرض خربة وبأعلى غرناطة مما يلي القبلة أثار قديمة يقال لها مدينة دقيوس وجدنا في آثارها غرائب من قبور ونحوها وإنما سهل ذكر هذا مع بعده لأنه عجب يتخلد ذكره ما شاء الله "انتهى" قال والدي فسح الله في مدته وحين كنا بالأندلس كان الناس يزورون هذا الكهف ويذكرون أنهم يغلطون في عددهم إذا عدوهم وإن معهم كلباً ورحل الناس إلى، لوشة لزيارتهم وأما ما ذكر من مدينة دقيوس التي بقبلي غرناطة فقد مررت عليها مراراً لا تحصى وشاهدت فيها حجارة كباراً ويترجح كون أهل الكهف بالأندلس لكثرة دين النصارى بها حتى أنها هي بلاد مملكتهم العظمى ولأن الاخبار بما هو في أقصى مكان عن أرض الحجاز أبعد أن لا يعرفه أحد إلا بوحي من الله تعالى والعامل في إذا قيل اذكر وقيل عجباً ومعنى أوى جعلوه مأوى لهم ومكان اعتصام ثم دعوا الله تعالى أن يؤتيهم رحمة من عنده وهي الرزق ولفظ الفتية يشعر بأنهم كانوا شباناً وكذلك روي أنهم كانوا شباناً من أبناء الأشراف والعظماء مطوقين مسورين بالذهب ذوي ذوائب وهم من الروم اتبعوا دين عيسى وأصحابنا الأندلوسيون تكثر في ألفاظهم تسمية نصارى الأندلس بالروم وقل من ينطق بلفظ النصارى * وقال بعض أدبائهم يخاطب ملك الأندلس الآن ابن الأحمر: شعر : حميت حمى الاسلام في أرض غربة وقد نشبت للروم فيها المخالب تفسير : ومفعول ضربنا محذوف تقديره حجاباً من أن يسمعوا وهو كناية عن النوم وانتصب سنين على الظرف والعامل فيه فضربنا وعدداً مصدر وصف به والظاهر منه الدلالة على الكثرة لأنه لا يحتاج إلى أن يعد إلا ما كثر لا ما قل * قال الزمخشري: ويحتمل أن يريد القلة لأن الكثير عنده قليل كقوله لم يلبثوا إلا ساعة من نهار انتهى هذا تحريف في التشبيه لأن لفظ الآية كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار فهذا تشبيه لسرعة انقضاء ما عاشوا في الدنيا إذا رأوا العذاب كما قال الشاعر: شعر : كأن الفتى لم يعر يوماً إذا اكتسى ولم يك صعلوكاً إذا ما تموّلا تفسير : {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ} أي أيقظناهم من نومهم وليعلم أي ليظهر لهم ما علمناه من أمرهم أي الحزبين قال ابن عباس هم الملوك الذين تداولوا ملك المدينة حزب وأهل الكهف حزب وقيل ذلك * قال الزمخشري: وقرىء: ليعلم وهو معلق منه لأن ارتفاعه بالابتداء بإِسناد يعلم إليه وفاعل يعلم مضمون الجملة كما أنه مفعول يعلم "انتهى" لا يجوز ما ذكره على مذهب البصريين لأن الجملة إذ ذاك تكون في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله وهو قائم مقام الفاعل وكما أن تلك الجملة وغيرها من الجمل لا تقوم مقام الفاعل فكذلك لا يقوم ما ناب عنه وللكوفين مذهبان أحدهما أنه يجوز الإِسناد إلى الجملة مطلقاً والثاني أنه لا يجوز إلا إذا كان الفعل مما يصح تعليقه وأي الحزبين مبتدأ وأحصى خبره، وهو أفعل التفضيل ولما متعلق به وأمدا مفعول أحصى غلط ابن عطية فأورد فيما بني من الرباعي ما أعطاه للحال وآتاه للخير وهي أسود من القار وماؤه أبيض من اللبن وفهو لما سواها أضيع قال: وهذه كلها أفعل من الرباعي. "انتهى" وأسود وأبيض ليس بناؤهما من الرباعي وفي بناء أفعل التعجب وأفعل التفضيل ثلاثة مذاهب يبنى مطلقاً وهو ظاهر كلام سيبويه وقد جاء منه ألفاظ لا يبنى منه مطلقاً وما ورد حمل على الشذوذ والتفضيل بين أن يكون الهمزة للنقل فلا يجوز أو لغير النقل كأشكل الأمر وأظلم الليل فيجوز أن يقول ما أشكل هذه المسألة وما أظلم هذا الليل وهذا اختيار ابن عصفور من أصحابنا ودلائل هذه المذاهب مذكورة في كتب النحو قال الزمخشري: فإِن قلت فما تقول فيمن جعله من أفعل التفضيل قلت ليس بالوجه السديد وذلك أن بناءه من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس ونحو أعدى من الجرب وأفلس من ابن المذلق شاذ والقياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع فكيف به فيه ولأن أمدا لا يخلوا إما أن ينتصب بأفعل فأفعل لا يعمل وإما أن ينصب بلبثوا فلا يسر عليه المعنى فإِن زعمت أني أنصبه بإِضمار فعل يدل عليه أحصى كما أضمر في قوله: شعر : وأضرب منا بالسيوف القوانسا تفسير : على يضرب القوانس فقد أبعدت التناول وهو قريب حيث أثبت أن يكون أحصى فعلاً ثم رجعت مضطراً إلى تقديره وإضماره "انتهى" أما دعواه الشذوذ فهو مذهب أبي عليّ وقد ذكرنا أن الظاهر مذهب سيبويه جواز بنائه من أفعل مطلقاً وأنه مذهب أبي إسحاق وأن التفضيل اختيار ابن عصفور وقول غيره والهمزة في أحصى ليست للنقل وأما قوله فأفعل لا يعمل ليس بصحيح لأنه يعمل في التمييز وأمدا تمييز وهكذا أعربه من زعم أن أحصى أفعل التفضيل كما نقول زيد أقطع الناس سيفاً ولم يعربه مفعولاً به وأما قوله وأما أن ينتصب بلبثوا فلا يسد عليه المعنى أي لا يكون سديداً فقد ذهب الطبري إلى أن نصب أمداً بلبثوا قال ابن عطية: وهذا غير متوجه "انتهى" وقد يتجه ذلك أن الأمد هو الغاية ويكون عبارة عن المدة كقوله: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} تفسير : [البقرة: 106] ما يفتح الله للناس من رحمة، ولما سقط الحرف وصل إليه الفعل وأما قوله: فإِن زعمت إلى آخره، فنقول: لا يحتاج إلى هذا الزعم لأن لقائل ذلك أن يسلك مذهب الكوفيين في أن أفعل التفضيل ينتصب المفعول به فالقوانس عندهم منصوب بأضرب نصب المفعول به وأما تأويله بضرب القوانس فقول البصريين وكذلك ذهب بعض النحويين إلى أن قوله أعلم من يضل من منصوبة بأعلم نصب المفعول به ولو كثر وجود * وأضرب منا بالسيوف القوانسا * لكنا نقيسه ويكون معناه صحيحاً لأن أفعل التفضيل مضمن معنى المصدر فيعمل بذلك التضمن ألا ترى أن المعنى يزيد ضربنا بالسيوف على ضرب غيرنا. {نَحْنُ نَقُصُّ} بدأ بقصتهم أولاً مختصرة ثم ذكرها مفصلة مطولة. {نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ} أي على وجه الصدق وجاء بلفظ نحن نقص موازناً لقوله: لنعلم ثم قا ل: {آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ} ففيه إضافة الرب وهو السيد والناظر في مصلحة عبيده ولم يأت التركيب آمنوا بنا للاشعار بتلك الرتبة وهي أنهم مربوبون له مملوكون ثم قال: وزدناهم ولم يأت التركيب وزادهم لما في لفظة نا من العظمة والجلالة وزيادته تعالى لهم هدى هو تيسيرهم للعمل الصالح والانقطاع إليه ومباعدة الناس والزهد في الدنيا وهذه زيادة على الإِيمان الذي حصل لهم. {وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} أي ثبتناها وقويناها على الصبر على هجرة الوطن والنعيم والفرار بالدين إلى غار في مكان قفر لا أنيس فيه ولا ماء ولا طعام والربط مقابلة الإِنحلال ومنه فلان رابط الجأش إذا كانت نفسه لا تتفرق عند الفزع والخوف واللام في لقد لام تأكيد وإذا حرف جواب وجراء أي لقد قلنا ان دعونا من دونه إلهاً قولاً شططاً أي ذا شطط وهو التعدي والجور فشططاً نعت لمصدر محذوف. {هَـٰؤُلاۤءِ قَوْمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً} ولما وحدوا الله ورفضوا ما دونه من الآلهة أخذوا في ذم قومهم وسوء فعلهم وأنهم لا حجة لهم في عبادة غير الله ثم عظموا جرم من افترى على الله كذباً والضمير في من دونه عائد على الله ولولا حرف تحضيض بمعنى هلا صحبه الإِنكار والسلطان الحجة والبرهان. {وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ} خطاب من بعضهم لبعض والاعتزال يشمل مفارقة أوطان قومهم ومعتقداتهم فهو اعتزال جسماني وقلبي وما معطوف على المفعول في اعتزلتموهم أي واعتزلتم معبوداتهم وإلا الله استثناء متصل إن كان قومهم يعبدون الله مع آلهتهم لاندراج لفظ الجلالة في قوله: وما يعبدون أو منقطع إن كانوا لا يعرفون الله ولا يعبدونه لعدم اندراجهم في معبوداتهم. {يَنْشُرْ لَكُمْ} المعنى أنه يبسط عليكم رحمته. {وَيُهَيِّئْ لَكُمْ} ما ترتفقون به في أمر عيشكم. {وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت} الآية هنا جمل محذوفة دل عليها ما تقدم والتقدير فأووا إلى الكهف فألقى الله تعالى عليهم النوم واستجاب دعاءهم وأرفقهم في الكهف بأشياء وقرىء: تزاور بإِدغام تاء تزاور في الزاء وقرىء: تزور على وزن تحمر وقرىء: تزاور بحذف التاء على وزن تفاعل وبإِدغام التاء في الزاي والمعنى تزوغ وتميل وذات اليمين جهة يمين الكهف وحقيقة المسالمة باليمين يعني يمين الداخل إلى الكهف أو يمين الفتية وتقرضهم أي لا تقربهم من معنى القطيعة وهم في فجوة أي متسع من الكهف. {ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} هذه الصفة مع الشمس يقتضي أنه كان لهم حاجب من جهة الجنوب وحاجب من جهة الدبور وهم في زاوية وقال عبد الله بن مسلم كان باب الكهف ينظر إلى بنات نعش وعلى هذا كان أعلا الكهف مستوراً من المطر. {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً} جمع يقظ بمعنى منتبه من النوم. {وَهُمْ رُقُودٌ} جملة حالية وقيل كانت أعينهم مفتحة فيحسبهم الرائي أنهم منتبهون والظاهر أن قوله: ونقلبهم خبر مستأنف وقيل إنما وقع الحسبان من جهة تقلبهم ولا سيما إذا كان من اليمين إلى الشمال ومن الشمال إلى اليمين وذات منصوب على الظرف وأصلها صفة للجهة كأنه قال جهة ذات اليمين والظاهر أن قوله: وكلبهم أريد به الحيوان المعروف الذي تبعهم والوصيد باب الكهف * قال الزمخشري: باسط ذراعيه حكاية حال ماضية لأن اسم الفاعل لا يعمل وحجج الفريقين مذكورة في علم النحو والخطاب في لو اطلعت لمن هو في قوله: وترى الشمس وتحسبهم إيقاظاً ومغنى لوليت أي أعرضت بوجهك عنهم ولوليتهم كشحك وانتصب فراراً على المصدر اما لفررت محذوفة واما لوليت لأنه بمعنى لفررت واما مفعولاً من أجله وانتصاب رعباً على أنه مفعول ثان. {وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا} الآية الكاف للتشبيه والإِشارة بذلك قيل للمصدر المفهوم من فضربنا على آذانهم أي مثل جعلنا أنا متهم هذه المدة الطويلة جعلنا بعثهم آية واللام في ليتساءلوا للصيرورة والمآل لا للتعليل والقائل في قوله: كم لبثتم قيل كبيرهم وقيل صاحب نفقتهم وكم سؤال عن العدد والمعنى كم يوماً أقمتم نائمين والظاهر صدور الشك من المسئولين وقيل أو للتفصيل * قال بعضهم: لبثنا يوماً، وقال بعضهم بعض يوم والسائل أحس في خاطره طول نومهم ولذلك سأل قيل ناموا أول النهار واستيقظوا آخر النهار وجوابهم هذا مبني على غلبة الظن والقول بالظن الغالب لا يعد كذباً ولما عرض لهم الشك في الاخبار ردوا علم لبثهم إلى الله تعالى ولما انتبهوا من نومهم أخذهم ما يأخذ من نام طويلاً من الحاجة إلى الطعام واتصل فابعثوا بحديث التساؤل كأنهم قالوا: خذوا فيما يهمكم ودعوا علم ذلك إلى الله تعالى والمبعوث قيل هو تمليخاً وكانوا قد استصحبوا حين خرجوا دارهم لنفقتهم وكانت حاضرة عندهم فلهذا أشاروا إليها بقولهم: هذه والمدينة هي مدينتهم التي خرجوا منها. {وَلْيَتَلَطَّفْ} في اختفائه وتخيله مدخلاً ومخرجاً. {وَلاَ يُشْعِرَنَّ} أي لا يفعل ما يؤذي من غير قصد منه إلى الشعور منا سمي ذلك إشعاراً منه بهم لأنه سبب فيه والجملة في موضع نصب بفلينظر معلق عنها الفعل بأيها استفهام مبتدأ وأزكى خبره ويجوز أن يكون أيها موصولاً مبنياً مفعولاً بينظر على مذهب سيبويه وأزكى خبر مبتدأ محذوف وطعاماً تمييز وأزكى قال يمان بن رياب: أرخص والضمير في أنهم عائد على ما دل عليه المعنى من كفار تلك المدينة والظهور هنا الاطلاع والعلم بمكانهم والظاهر أنه الرجم بالحجارة أو يعيدوكم في ملتهم يدخولكم فيها مكرهين ولا يلزم من العود إلى الشىء التلبس به. {وَلَن تُفْلِحُوۤاْ} إن دخلتم في دينهم. {وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} الآية قبل هذا الكلام جمل محذوفة التقدير فبعثوا أحدهم ونظر أيها أزكى طعاماً وتلطف ولم يشعر بهم أحداً فاطلع الله تعالى أهل المدينة على حالهم وقصة ذهابه إلى المدينة وما جرى له مع أهلها وحمله إلى الملك وادعائهم عليه أنه أصاب كنزاً من كنوز الأقدمين وحمل الملك ومن ذهب إليهم مذكور في التفاسير وأعثرنا عليهم وتقدم الكلام في أعثرنا في قوله: فإِن عثر ومفعول أعثرنا محذوف تقديره أعثرناهم عليهم والضمير في ليعلموا عائد على مفعول أعثرنا ووعد الله هو البعث لأن حالهم في نومهم وانتباههم بعد المدة المتطاولة كمال من يموت ثم يبعث. و{لاَ رَيْبَ فِيهَا} أي لا شك ولا ارتياب في قيامها والمجازاة فيها وكان الذين أعثروا على أهل الكهف قد دخلتهم فتنة في أمر الحشر وبعث الأجساد من القبور فشك في ذلك بعض الناس واستبعدوه وقالوا: يحشر الأرواح فشق ذلك على ملكهم وبقي حيران لا يدري كيف يبين أمره لهم حتى لبس المسوح وقعد على الرماد وتضرع إلى الله تعالى في حجة وبيان فأعثر الله على أهل الكهف فلما بعثهم الله وتبين للناس أمرهم سر الملك بذلك ورجع من كان في شك من بعث الأجساد إلى اليقين وإلى هذا وقعت الإِشارة بقوله: إذ يتنازعون بينهم أمرهم وإذ معمولة لأعثرنا أو ليعلموا والظاهر أن سيقولون عائد على من تقدم ذكرهم وهم المتنازعون في حديثهم قبل ظهورهم عليهم فأخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بما كان من اختلاف قومهم في عددهم وانتصب رجماً على أنه مصدر لفعل مضمر أي يرجمون بذلك وثلاثة خبر مبتدأ محذوف والجملة بعده صفة أي هم ثلاثة أشخاص. {رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} إسم فاعل أضيف إلى الضمير والمعنى أنه ربعهم أي جعلهم أربعة وصيرهم إلى هذا العدد والكلام في قوله: خمسة وسادسهم كالكلام فيما تقدم والواو في وثامنهم للعطف على الجملة السابقة أي يقولون هم سبعة وثامنهم كلبهم ثم أخبر وإخباراً ثانياً أن ثامنهم كلبهم فيهما جملتان * وقال الزمخشري: فإِن قلت فما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة ولم دخلت عليها دون الأولين قلت هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما يدخل على الواقعة حالاً عن المعرفة في نحو قولك جاءني رجل ومعه آخر ومررت بزيد وفي يده سيف ومنه قوله: جل وعلا {أية : وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الحجر: 4] وفائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر وهي الواو التي أديت بالذين قالوا سبعة وثامنهم كلبهم قالوا عن ثبات علم وطمأنينة نفس ولم يرجعوا بالظن كما غيرهم "انتهى". وكون الواو تدخل على الجملة الواقعة صفة دالة على لصوق الصفة بالموصوف وعلى ثبوت اتصاله بها شىء لا يعرفه النحويون بل قرروا أنه لا تعطف الصفة التي ليست بجملة على صفة أخرى إلا إذا اختلفت المعاني حتى يكون العطف دالاً على المغايرة فأما إذا لم يختلف فلا يجوز العطف على هذا في الأسماء المقدرة وأما الجمل التي تقع صفة فهي أبعد من أن يجوز ذلك فيها ولما أخبر تعالى عن مقالتهم واضطرابهم في عددهم أمره أن يقول ربي أعلم بعدتهم أي لا يخبر بعددهم إلا من بعلمهم حقيقة وهو الله ما يعلمهم إلا قليل والمثبت في حق الله تعالى الأعلمية وفي حق القليل العالمية فلا تعارض ثم نهاه عن الجدال فيهم أي في عدتهم والمراء وسمي مراجعته لهم مراء على سبيل المقابلة لمماراة أهل الكتاب له في ذلك وقيده بقوله: ظاهراً، أي غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم ما أوحي إليك فحسب من غير تجهيل ولا تعنيف كما قال تعالى: {أية : وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [النحل: 125] ثم نهاه أن يسأل أحداً من أهل الكتاب عن قصتهم لا سؤال متعنت لأنه خلاف ما أمرت به من الجدال بالتي هي أحسن ولا سؤال مسترشد لأنه تعالى قد أرسلك بأن أوحى إليك قصتهم ثم نهاه أن يخبر بأنه يفعل في الزمن المستقبل شيئاً إلا ويقرن بمشيئته تعالى وتقدم في سبب النزول كونه لم يقل ذلك مقروناً بالمشيئة وإلا أن يشاء الله استثناء لا يمكن حمله على ظاهره لأنه يكون داخلاً تحت القول فيكون من المقول ولا ينهاه الله أن يقول: إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله لأنه كلام صحيح في نفسه لا يمكن أن ينهى عنه فاحتيج في تأويل هذا الظاهر إلى تقدير والظاهر أمره تعالى بذكر الله إذا عرض له النسيان والإِشارة بقوله لأقرب من هذا أي الشىء المنسي أي أذكر ربك عند نسيانه بأن تقول عسى أن يهديني ربي إلى شىء آخر بدل هذا المسس أقرب منه رشداً وأدنى خيراً.
الجيلاني
تفسير : {ٱلْحَمْدُ} المشتمل المتضمن على عموم الاثنينية والتوصيف بالأوصاف الجميلة حقيقٌ لائقٌ { لِلَّهِ} أي: للذات المستجمع لجميع مراتب الكمال، المستحق لجميع المحامد استحقاقاً ذاتياً ووصفياً؛ لأنه {ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ} المستجمع لجميع مرابت الكمال، المستظل بظلّ الألوهية، المستحق لرتبة الخلافة والنيابة عنه سبحاه بالأصالة؛ يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم. {ٱلْكِتَابَ} الجامع لجميع أوصاف الكمال إجمالاً وتفصيلاً، المشتمل لعموم الأحكام المتعلقة لها، المترتبة عليها في النشأة الأولى والأخرى، مع كونه محتوياً على ما في الكتب السالفة من الأوامر والنواهي، مع زياداتٍ خلت عنها تلك الكتب من الرموز والإشارات المتعلقة بالتوحيد الذاتي المسقطِ لعرق الإضافات والكثرات مطلقاً {وَ} بيَّن لهم فيه طريق التوحيد الذاتي على الوجه الأبلغ الأقوم؛ بحيث {لَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} [الكهف: 1] وانحرافاً في تبيينه. بل جعله {قَيِّماً} مستقيماً معتدلاً بين طرفي الإفراط والتفريط المذمومين عقلاً وشرعاً، وإنما أنزله إلى عبده وحبيبه صلى الله عليه وسلم {لِّيُنْذِرَ} بإنذاراته الكافرين الذين كفروا بالله وجحدوا في توحيده، وعملوا السيئات المبعدة عن طريق النجاة {بَأْساً شَدِيداً} وعذاباً أليماً عظيماً صادراً {مِّن لَّدُنْهُ} أي: من عند الله العزيز المنتقم بطشاً لهم وانتقاماً منهم {وَيُبَشِّرَ} أيضاً بتبشراته {ٱلْمُؤْمِنِينَ} الموحدين {ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ} المقربة لهم إلى مرتبة التوحيد الصادرة عنهم على مقتضى يقينهم وعرفانهم {أَنَّ لَهُمْ} أي: أن لهم {أَجْراً حَسَناً} [الكهف: 2] هو التحقق بشرف اللقاء والفوز بمطالعة جمال الله والاستغراق بملاحظة وجهه الكريم. {مَّاكِثِينَ فِيهِ} أي: في الأجر الحسن دائمين {أَبَداً} [الكهف: 3] مؤيداً مخلداً بلا تبديل وتغيير، مزيدين المحبة واللذة والشوق، متعطشين إلى زلال التفريد بلا رواءٍ أصلاً، كما أخبر سبحانه عن حال أولئك الوالهين بقوله: "حديث : أَلاْ طَالَ شَوْقُ الأَبْرَارِ إِلَى لِقَائِيْ ". تفسير : {وَيُنْذِرَ} أيضاً أشدّ إنذارٍ بأسوأ عذابٍ ووبالٍ {ٱلَّذِينَ قَالُواْ} من فرط إسرافهم في الشرك والجحود وهم اليهود والنصارى: {ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ} الواحد الأحد الصمد، المنزه عن الأهل والولد {وَلَداً} [الكهف: 4] حيث قال اليهود، عزير ابن الله، والنصارى: المسيح ابن الله. مع أنه {مَّا لَهُمْ بِهِ} بالله باتخاذه ولداً {مِنْ عِلْمٍ} يقينٍ أو ظنٍ متعلقٍ به وبمعناه، وبما يترتب عليه من النقص المنافي لوجوب الوجود؛ إذ اتخاذه إنما هو للإخلاف والمظاهرة والتزيين، وكلاهما محالان على الله لا يليقان بجنابه، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً {وَلاَ لآبَائِهِمْ} يعني: وإن ادعوا في إثبات الولد لله تقليد الآباء والأسلاف، فليس لهم أيضاً علمُ بنقصه وعدم لياقته بجناب الحق المنزل المقدس في ذاته عن أمارات النقصان وعلامات الإمكان. وبالجملة: {كَبُرَتْ} أي: جلَّت وعظُمت في الكفر وسوء الأدب مع الله {كَلِمَةً} أي: مقالتهم هذه مع أنها {تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} هفوةً بلا علم وتأملٍ، بل {إِن يَقُولُونَ} أي: ما يقولون ويقصدون بقولهم هذا {إِلاَّ كَذِباً} [الكهف: 5] وافتراء يفترونه على الله، وينسبونه إلى كتابهم ظلماً وزوراً. وبعدما كان حالهم في الافتراء والمراء على هذا المنوال، وشدة غيظهم وشكيمتهم مع الله على هذا المثال: {فَلَعَلَّكَ} يا أكمل الرسل بمحبتك ومودتك إيمانهم وانقيادهم، وبرجائك وتحننك إلى بيعتهم ومتابعتهم {بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} أي: قاتلها ومهلكها {عَلَىٰ آثَارِهِمْ} عندما انصرفوا عنك وذهبوا {إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ} أي: إن هم لم يؤمنوا ولم يصدِّقوا {بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} اي: القرآن {أَسَفاً} [الكهف: 6] يعني: أهلكت نفسك بكثرة التأسف والتحزن على ذهابهم وانصرافهم عنك، وعدم إيمانهم وانقيادهم بك، وإنْ بعثك وحَداك إلى إيمانهم واتباعهم غناهم ورئاستُهم وترفههم وجاههم وثروتهم وسيادتُهم بين الناس، فاعلم أنه لا اعتداد لها ولا اعتبار بما يترتب عليها. {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ} من الأصول الثلاثة التي هي الحيوان والنبات والمعدن، وما يتفرع عليها من أنواع اللذات والشهوات الجسمية الوهمية {زِينَةً لَّهَا} أو زخرفةً عليها {لِنَبْلُوَهُمْ} ونختبرهم أي: أرباب التكاليف والتدابير، المجبولين على فطرة المعرفة والتوحيد {أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} [الكهف: 7] وأتم رشداً وعقلاً في الإعراض عنها، وعدم الالتفات إليها والاجتناب عن لذاتها الوهمية التي هي على التقضي والانصرام، وشهواتها المورثة لأنواع الحزن والآلام وأمانيها، المستلزمة لأصناف الجرائم والآثام، مع أن الضروري منها كِنّ حجْرة، ولبْس خِرقةٍ، وسدّ جوعة، وباقيها حطام ليس لها دوام، مورثة لآثام وآلام. {وَ} متى علمت أن ما في الأرض ليس إلا زينةً وزخرفة ستفْنى وتفوت عن قريبٍ، فاعلم يقيناً {إِنَّا} بشدة حولنا وقوتنا، وكمال قدرتنا وسطوتنا {لَجَاعِلُونَ} أي: مصيّرون مبدّلون جميع {مَا عَلَيْهَا} من الذخائر والزخارف {صَعِيداً} تراباً مرتفعة أملسَ {جُرُزاً} [الكهف: 8] خاليةً منقطعةً من النبات بحيث لا تنبت أصلاً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} [الكهف: 1] إشارة إلى أن الحمد والمدح والثناء والشكر كله لله أي: هو المستحق به ولا يصلح ذلك لغيره؛ لأن وجوده كل شيء نعمة فلا منعم إلا هو {ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ} [الكهف: 1] أي: على من يحسن عليه اسم العبد مطلقاً يعني محمداً صلى الله عليه وسلم وهذه كرامة لم يكرم بها الله قبل نبياً مرسلاً ولا ملكاً مقرباً، فإنه تعالى ذكره في مواضع من القرآن بعبده مطلقاً من غير أن يسميه بكليم آخر مع عبده، كما قال: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً} تفسير : [الإسراء: 1] وما ذكر أحداً من الأنبياء بالعبد إلا وقد سماه باسمه كما قال: {أية : عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ} تفسير : [مريم: 2]. والعبد الحقيقي من يكون حراً من الكونين وهو محمد صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "حديث : أمتي أمتي" تفسير : يوم يقول كل نبي نفسي نفسي، فكان هو العبد الحقيقي الذي لم يكن لنفسه، بل كان بكليته لمولاه. وفيه معنى آخر أن الحمد واجب على النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزل القرآن على قلبه وهو مخصوص بذلك من الأنبياء، فإن الكتب أنزلت عليهم في الصحف والألواح وإذا اختص بالعبد مطلقاً {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} [الكهف: 1] أي: ولم يجعل قلب محمد متعرجاً لا يستقيم فيه القرآن يدل على هذا التأويل قوله: "حديث : لا يستقيم إيمان أحدكم حتى يستقيم قلبه" تفسير : فتقدير الكلام: قل يا محمد {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل} [الكهف: 1] لقلبه {عِوَجَا} [الكهف: 1] لا يستقيم فيه القرآن بل {قَيِّماً} [الكهف: 2] أي: القرآن قائم فيه حتى صار خلقه القرآن. ومن استقامة قلبه نال ليلة المعراج رتبة {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ} تفسير : [النجم: 10] بلا واسطة جبريل، ونال قلبه الاستقامة بالقرآن بأمر الله علماً، وهو أمر التكوين بقوله: {أية : فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} تفسير : [هود: 112] {لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً} [الكهف: 2] أي: لينذركم عذاباً وهو عذاب البعد {شَدِيداً} من لدنه من قرلابه، فإن أشد العذاب عذاب البعد والانقطاع والحرمان {وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ} [الكهف: 2] أي: الخالصات لله {أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً} [الكهف: 2] وهو التمتع من حسن الله وجماله {مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً} [الكهف: 3] بلا انقطاع وتغير حال {وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً * مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ} [الكهف: 4-5] يعني: لا يقتضي العلم أن يتخذ الله ولداً؛ لأنه منزه عن الولد وإنما قالوا بالجهل: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} [الكهف: 5] أي: كبرت كلمة كفر وكذب قالوها عند الله وهي أكبر الكبائر إذ نسبوها إلى الله، وكذبوا عليه وكذبوه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : الحمد لله هو الثناء عليه بصفاته، التي هي كلها صفات كمال، وبنعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، وأجل نعمه على الإطلاق، إنزاله الكتاب العظيم على عبده ورسوله، محمد صلى الله عليه وسلم فحمد نفسه، وفي ضمنه إرشاد العباد ليحمدوه على إرسال الرسول إليهم، وإنزال الكتاب عليهم، ثم وصف هذا الكتاب بوصفين مشتملين، على أنه الكامل من جميع الوجوه، وهما نفي العوج عنه، وإثبات أنه قيم مستقيم، فنفي العوج يقتضي أنه ليس في أخباره كذب، ولا في أوامره ونواهيه ظلم ولا عبث، وإثبات الاستقامة، يقتضي أنه لا يخبر ولا يأمر إلا بأجل الإخبارات وهي الأخبار، التي تملأ القلوب معرفة وإيمانا وعقلا كالإخبار بأسماء الله وصفاته وأفعاله، ومنها الغيوب المتقدمة والمتأخرة، وأن أوامره ونواهيه، تزكي النفوس، وتطهرها وتنميها وتكملها، لاشتمالها على كمال العدل والقسط، والإخلاص، والعبودية لله رب العالمين وحده لا شريك له. وحقيق بكتاب موصوف. بما ذكر، أن يحمد الله نفسه على إنزاله، وأن يتمدح إلى عباده به. وقوله { لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ } أي: لينذر بهذا القرآن الكريم، عقابه الذي عنده، أي: قدره وقضاه، على من خالف أمره، وهذا يشمل عقاب الدنيا وعقاب الآخرة، وهذا أيضا، من نعمه أن خوف عباده، وأنذرهم ما يضرهم ويهلكهم. كما قال تعالى -لما ذكر في هذا القرآن وصف النار- قال: {أية : ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون } تفسير : فمن رحمته بعباده، أن قيض العقوبات الغليظة على من خالف أمره، وبينها لهم، وبين لهم الأسباب الموصلة إليها. { وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا } أي: وأنزل الله على عبده الكتاب، ليبشر المؤمنين به، وبرسله وكتبه، الذين كمل إيمانهم، فأوجب لهم عمل الصالحات، وهي: الأعمال الصالحة، من واجب ومستحب، التي جمعت الإخلاص والمتابعة، { أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا } وهو الثواب الذي رتبه الله على الإيمان والعمل الصالح، وأعظمه وأجله، الفوز برضا الله ودخول الجنة، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وفي وصفه بالحسن، دلالة على أنه لا مكدر فيه ولا منغص بوجه من الوجوه، إذ لو وجد فيه شيء من ذلك لم يكن حسنه تاما. ومع ذلك فهذا الأجر الحسن { مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا } لا يزول عنهم، ولا يزولون عنه، بل نعيمهم في كل وقت متزايد، وفي ذكر التبشير ما يقتضي ذكر الأعمال الموجبة للمبشر به، وهو أن هذا القرآن قد اشتمل على كل عمل صالح، موصل لما تستبشر به النفوس، وتفرح به الأرواح. { وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا } من اليهود والنصارى، والمشركين، الذين قالوا هذه المقالة الشنيعة، فإنهم لم يقولوها عن علم و[لا] يقين، لا علم منهم، ولا علم من آبائهم الذين قلدوهم واتبعوهم، بل إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس{ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } أي: عظمت شناعتها واشتدت عقوبتها، وأي شناعة أعظم من وصفه بالاتخاذ للولد الذي يقتضي نقصه، ومشاركة غيره له في خصائص الربوبية والإلهية، والكذب عليه؟!! {أية : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } تفسير : ولهذا قال هنا: { إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا } أي: كذبا محضا ما فيه من الصدق شيء، وتأمل كيف أبطل هذا القول بالتدريج، والانتقال من شيء إلى أبطل منه، فأخبر أولا أنه { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ } والقول على الله بلا علم، لا شك في منعه وبطلانه، ثم أخبر ثانيا، أنه قول قبيح شنيع فقال: { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } ثم ذكر ثالثا مرتبته من القبح، وهو: الكذب المنافي للصدق. ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على هداية الخلق، ساعيا في ذلك أعظم السعي، فكان صلى الله عليه وسلم يفرح ويسر بهداية المهتدين، ويحزن ويأسف على المكذبين الضالين، شفقة منه صلى الله عليه وسلم عليهم، ورحمة بهم، أرشده الله أن لا يشغل نفسه بالأسف على هؤلاء، الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، كما قال في الآية الأخرى: {أية : لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين } تفسير : وقال {أية : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } تفسير : وهنا قال { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ } أي: مهلكها، غما وأسفا عليهم، وذلك أن أجرك قد وجب على الله، وهؤلاء لو علم الله فيهم خيرا لهداهم، ولكنه علم أنهم لا يصلحون إلا للنار، فلذلك خذلهم، فلم يهتدوا، فإشغالك نفسك غما وأسفا عليهم، ليس فيه فائدة لك. وفي هذه الآية ونحوها عبرة، فإن المأمور بدعاء الخلق إلى الله، عليه التبليغ والسعي بكل سبب يوصل إلى الهداية، وسد طرق الضلال والغواية بغاية ما يمكنه، مع التوكل على الله في ذلك، فإن اهتدوا فبها ونعمت، وإلا فلا يحزن ولا يأسف، فإن ذلك مضعف للنفس، هادم للقوى، ليس فيه فائدة، بل يمضي على فعله الذي كلف به وتوجه إليه، وما عدا ذلك، فهو خارج عن قدرته، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله له: {أية : إنك لا تهدي من أحببت } تفسير : وموسى عليه السلام يقول: {أية : رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي } تفسير : الآية، فمن عداهم من باب أولى وأحرى، قال تعالى: {أية : فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر }.
همام الصنعاني
تفسير : 1649- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمرن عن قتادة، عن عِكْرِمة قال: كانَ أصْحَابُ الكهْفِ أبناء مُلُوك والرُّوم، فضرَبَ الله على صَفَحَاتهم، ورزقهم الله الإسْلاَمَ، فتعوَّذوا بدينهم واعْتَزَلُوا قَوْمَهم، حتى انَتَهوا إلى الكَهْفِ، فَضَرَب الله على [سُمُخاتهم]، فلبثوا دهراً طويلاً، حتى هلكت أمتُهم، وجاءت أمة مسلمة، وكان ملكهم مسلماً فاختلفوا في الروج والجسد، فقال قائل: تبعث الروح والجسد جميعاً، وقال قائل: تبعث الروح، فأما الجسد فتأكله الأرضُ ولا يكونُ شيئاً، فشَقَّ على مَلِكِهم اختلافهُم، فانطلق فَلبِسَ المسوح وجَلَسَ على الرماد ثم دعا الله فقال: أي رب، قد ترى اختلاف هؤُلاء، فابعث إيهم آية تبين لهم، فبعث الله أصحاب الكهف فبعثوا أحدهم، يشتري لهُم طعاماً، فدخل السوق فجَعَل ينكِرُ الوُجوه، ويعرف الطرق، ورأى الإيمان بالمدينة ظاهراً، فانْطَلَق وهُوَ مستخفٍ، تحى أتلا رجُلاً يشتيري منه طعاماً، فلما نظر الرَّجُل إلى الوَرقَ أنكرها، وقال حسبت أنه قال: كأنَّهَا أخفاف الرتع: يعني الإبل الصغار فقال له الفتى: أليس ملككم فلان، فقال الرجل: بل ملكنا فلان، فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك، فأخبره الفتى خبر أصحابه، فعبث الملك في النار، فجمعهم فقال: إنكم قد اختلفتم في الروح والجسد، وإن الله قد بعث لكم آية، فهذا رجل من قوم فلان - يعني ملكهم الذي مضى -. فقال الفتى: انطلقوا بي إلى أصحابي، فركب الملك، وركب معه الناس. حتى انتهى إلى الكهف، فقال الفتى: دعوني أجخل إلى أصحابي. فلما أبصروه وأبصرهم، ضُرِبَ على آذانهم، فلما استبطأوه، دخل الملك، ودخل الناس معه، فإذا أجساد لا يُنْكر منها شيئاً، غير أنها لا أرواح فيها. فقال الملك: هذه آية بعثها الله لكم. عبد الرزاق، قال معمر عن قتادة، عن ابن عباس قال: كنت مع [حبيب بن مسلمة]، فمروا بالكهف، فإذا فيه عظام، فقال رجل: هذه عظام أهل الكهف؟ فقال ابن عباس: لقد ذهبت عظامهمه منذ أكثر من ثلاث مائة سنة. 1650- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّماً}: [الآية: 1-2]، قيِّماً ولم يجعل له عوجاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):