Verse. 2142 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

قَيِّـمًا لِّيُنْذِرَ بَاْسًا شَدِيْدًا مِّنْ لَّدُنْہُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِيْنَ الَّذِيْنَ يَعْمَلُوْنَ الصّٰلِحٰتِ اَنَّ لَہُمْ اَجْرًا حَسَـنًا۝۲ۙ
Qayyiman liyunthira basan shadeedan min ladunhu wayubashshira almumineena allatheena yaAAmaloona alssalihati anna lahum ajran hasanan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قيّما» مستقيما حال ثانية مؤكدة «لينذر» يخوف بالكتاب الكافرين «بأسا» عذابا «شديدا من لدنه» من قبل الله «ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا».

2

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {قَيِّماً} مستقيماً معتدلاً لا إفراط فيه ولا تفريط، أو {قَيِّماً }بمصالح العباد فيكون وصفاً له بالتكميل بعد وصفه بالكمال، أو على الكتب السابقة يشهد بصحتها، وانتصابه بمضمر تقديره جعله قيماً أو على الحال من الضمير في {لَهُ }، أو من {ٱلْكِتَـٰبِ } على أن الواو {وَلَمْ يَجْعَل } للحال دون العطف، إذ لو كان للعطف لكان المعطوف فاصلاً بين أبعاض المعطوف عليه ولذلك قيل فيه تقديم وتأخير {قَيِّماً }. {لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا } أي لينذر الذين كفروا عذاباً شديداً، فحذف المفعول الأول اكتفاء بدلالة القرينة واقتصاراً على الغرض المسوق إليه. {مِن لَّدُنْهُ } صادراً من عنده، وقرأ أبو بكر بإسكان الدال كإسكان الباء من سبع مع الإشمام ليدل على أصله، وكسر النون لالتقاء الساكنين وكسر الهاء للإِتباع. {وَيُبَشّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} هو الجنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَيِّماً } مستقيماً حال ثانية مؤكدة {لّيُنذِرَ } يخوّف الكتابُ الكافرين {بَأْسًا } عذاباً {شَدِيدًا مّن لَّدُنْهُ } من قِبَل الله {وَيُبَشّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا }.

الخازن

تفسير : {قيماً} أي مستقيماً وقال ابن عباس: عدلاً، وقيل قيماً على الكتب كلّها مصدقاً لها وناسخاً لشرائعها {لينذر بأساً شديداً} معناه لينذر الذين كفروا بأساً شديداً وهو قوله سبحانه وتعالى بعذاب بئيس {من لدنه} أي من عنده {ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً} يعني الجنة {ماكثين فيه} أي مقيمين فيه {أبداً وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً ما لهم به من علم} أي بالولد وباتخاذه يعني أن قولهم لم يصدر عن علم بل عن جهل مفرط. فإن قلت اتخاذ الله ولداً في نفسه محال فكيف قيل ما لهم به من علم. قلت انتفاء العلم يكون للجهل بالطريق الموصل إليه وقد يكون في نفسه محالاً لا يستقيم تعلق العلم به {ولا لآبائهم} أي ولا لأسلافهم من قبل {كبرت} أي عظمت {كلمة تخرج من أفواههم} أي هذا الذي يقولونه لا تحكم به عقولهم وفكرهم ألبتة لكونه في غاية الفساد والبطلان فكأنه يجري على لسانهم على سبيل التقليد {إن يقولون إلا كذباً} أي ما يقولون إلا كذباً قيل حقيقة الكذب أنه الخبر الذي لا يطابق المخبر قولهم عنه وزاد بعضهم مع علم قائله أنه غير مطابق وهذا القيل باطل لأن الله سبحانه وتعالى وصف قولهم بإثبات الولد بكونه كذباً مع أن الكثير منهم يقولون ذلك ولا يعلمون كونه باطلاً فعلمنا أن كل خبر لا تطابق الخبر عنه فهو كذب والكذب خلاف الصدق، وقيل: هو الانصراف عن الحق إلى الباطل ورجل كذاب وكذوب إذا كان كثير الكذب. قوله عز وجل {فلعلك باخع نفسك} أي قاتل نفسك {على آثارهم} أي من بعدهم {إن لم يؤمنوا بهذا الحديث} يعني القرآن {أسفاً} أي حزناً وقيل غيظاً {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها} أي مما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها، وقيل يعني النبات والشجر والأنهار، وقيل أراد به الرجال خاصة فهم زينة الأرض، وقيل أراد به العلماء والصلحاء وقيل جميع ما في الأرض هو زينة لها. فإن قلت أي زينة في الحيات والعقارب والشياطين. قلت زينتها كونها تدل على وحدانية الله تعالى وكمال قدرته، وقيل إن جميع ما في الأرض ثلاثة معدن ونبات وحيوان وأشرف أنواع الحيوان الإنسان، قيل الأولى أن لا يدخل في هذه الزينة المكلف، بدليل قوله تعالى: {لنبلوهم} فمن يبلو يجب أن لا يدخل في ذلك ومعنى لنبلوهم نختبرهم {أيهم أحسن عملاً} أي أصلح عملاً وقيل أيهم أترك للدنيا وأزهد فيها. {وإنا لجاعلون ما عليها} أي من الزينة، {صعيداً جرزاً} يعني مثل أرض لا نبات فيه شيء، قوله سبحانه وتعالى {أم حسبت} أي أظننت يا محمد {أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً} أي هم عجب من آياتنا وقيل معناه أنهم ليسوا بأعجب آياتنا، فإن خلقنا من السموات والأرض وما فيهم من العجائب أعجب منهم والكهف الغر الواسع في الجبل، الرقيم هو لوح كتب فيه أسماء أصحاب الكهف وقصتهم ثم وضع على باب الكهف وكان اللوح من رصاص وقيل من حجارة، وعن ابن عباس أن الرقيم اسم الوادي الذي فيه أصحاب الكهف وقال كعب الأحبار: هو اسم للقرية التي خرج منها أصحاب الكهف وقيل اسم للجبل الذي فيه أصحاب الكهف ثم ذكر الله عز وجل قصة أصحاب الكهف فقال عز وجل من قائل {إذ أوى الفتية إلى الكهف} أي صاروا إليه، وجعلوه مأواهم، والفتية جمع فتى وهو الطري من الشباب {فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة} أي رحمة من خزائن رحمتك وجلائل فضلك وإحسانك وهب لنا الهداية والنصر والأمن من الأعداء {وهيىء لنا} أي أصلح لنا {من أمرنا رشداً} أي حتى نكون بسببه راشدين مهديين وقيل معناه واجعل أمرنا رشداً كله. ذكر قصة الكهف وسبب خروجهم إليه: قال محمد بن إسحاق ومحمد بن يسار مرج أمر أهل الإنجيل، وعظمت فيهم الخطايا وطغت الملوك حتى عبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت، وفيهم بقايا على دين المسيح متمسكون بعبادة الله وتوحيده وكان ممن فعل ذلك من ملوكهم ملك من الروم يقال له دقيانوس عبد الأصنام وذبح للطواغيت وقتل من خالفه وكان ينزل قرى الروم فلا يترك في قرية نزلها أحد إلا فتنه عن دينه حتى يعبد الأصنام أو يقتله. فلما نزل مدينة أصحاب الكهف واسمها أفسوس استخفى منه أهل الإيمان وهربوا في كل وجه فاتخذ شرطاً من الكفار وأمرهم أن يتبعوهم بين القتل وبين عبادة الأصنام، فمنهم من يرغب في الحياة ومنهم من يأبى أن يعبد غير الله فيقتل، فلما رأى ذلك أهل الشدة في الإيمان جعلوا يسلمون أنفسهم للعذاب والقتل فيقتلون ويقطعون ويجعل ما قطع من أجسادهم على أسوار المدينة وأبوابها فلما عظمت الفتنة وكثرت ورأى ذلك الفتية حزنوا حزناً شديداً فقاموا واشتغلوا بالصلاة والصيام والصدقة والتسبيح والدعاء، وكانوا من أشراف الروم وهم ثمانية نفر وبكوا وتضرعوا إلى الله عز وجل وجعلوا يقولون: {أية : ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذا شططاً}تفسير : [الكهف: 14] اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة وارفع عنهم البلاء حتى يعلنوا عبادتك؛ فبينما هم على ذلك وقد دخلوا مصلاهم أدركهم الشرط فوجدوهم سجوداً يبكون ويتضرعون إلى الله عز وجل فقال لهم الشرط ما خلفكم عن أمر الملك، ثم انطلقوا إلى الملك فأخبروه خبر الفتية فبعث إليهم فأتى بهم تفيض أعينهم من الدمع معفرة، وجوههم بالتراب فقال لهم ما منعكم أن تشهدوا الذبح لآلهتنا التي تعبد في الأرض وتجعلوا أنفسكم أسوة أهل مدينتكم اختاروا إما أن تذبحوا لآلهتنا وإما أن أقتلكم، فقال مكسلينا وهو أكبرهم: إن لنا إلهاً ملء السموات والأرض عظمته لن ندعوا من دونه إلهاً أبداً له الحمد والتكبير من أنفسنا خالصاً أبداً، إياه نعبد وإياه نسأل النجاة والخير فأما الطواغيت فلن نعبدها أبداً اصنع بنا ما بدا لك. وقال أصحابه مثل ذلك فلما سمع الملك كلامهم أمر بنزع ثيابهم وحلية كانت عليهم من الذهب والفضة وقال سأفرغ لكم وأنجز لكم ما أوعدتكم من العقوبة وما يمنعني أن أعجل ذلك لكم إلا أني أراكم شباناً حديثة أسنانكم فلا أحب أن أهلككم حتى أجعل لكم أجلاً تذكرون فيه فترجعون إلى عقولكم. ثم أمر بهم فأخرجوا من عنده، وانطلق دقيانوس إلى مدينة أخرى قريبة منه لبعض أموره فلما رأى الفتية خروجه بادروا وخافوا إذا قدم أن يذكرهم، فأتمروا بينهم واتفقوا على أن يأخذ كل واحد منهم نفقة من بيت أبيه فيتصدقوا منها ويتزودوا بما بقي ثم ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة في جبل يقال له ينجلوس، فيمكثوا فيه ويعبدوا الله حتى إذا جاء دقيانوس أتوه فيصنع بهم ما يشاء فلما اتفقوا على ذلك عمد كل فتى منهم إلى بيت أبيه فأخذ نفقة فتصدق منها وانطلقوا بما بقي معهم، وأتبعهم كلب كان لهم حتى أتوا ذلك الكهف فمكثوا فيه. وقال كعب الأحبار: مروا بكلب فتبعهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك مراراً فقال لهم الكلب: ما تريدون مني لا تخشوا مني أنا أحب أحباب الله عز وجل فناموا حتى أحرسكم. وقال ابن عباس: هربوا من دقيانوس وكانوا سبعة فمروا براعٍ معه كلب فتبعهم على دينهم وتبعهم الكلب فخرجوا من البلد إلى الكهف. قال ابن عباس: فلبثوا فيه ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتحميد ابتغاء لوجه الله عز وجل وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم اسمه تمليخا فكان يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة سراً وكان أجملهم وأجلدهم وكان إذا دخل المدينة لبس ثياباً رثة كثياب المسلمين ثم يأخذ ورقة فينطلق إلى المدينة فيشتري لهم طعاماً وشراباً، ويتجسس لهم الخبر هل ذكر هو وأصحابه بشيء ثم يرجع إلى أصحابه فلبثوا بذلك ما شاء الله أن يلبثوا. ثم قدم دقيانوس المدينة وأمر عظماء أهلها أن يذبحوا للطواغيت ففزع من ذلك أهل الإيمان وكان تمليخا بالمدينة يشتري لأصحابه طعامهم، فرجع إلى أصحابه وهو يبكي ومعه طعام قليل فأخبرهم أن الجبار قد دخل المدينة وأنهم قد ذكروا والتمسوا مع عظماء المدينة ففزعوا ووقعوا سجداً يدعون الله ويتضرعون إليه ويتعوذون من الفتنة فقال لهم تمليخا: يا إخوتاه ارفعوا رؤوسكم واطعموا وتوكلوا على ربكم فرفعوا رؤوسهم وأعينهم تفيض من الدمع وذلك عند غروب الشمس، ثم جلسوا يتحدثون ويذكر بعضهم بعضاً فبينما هم على ذلك إذ ضرب الله عز وجل على آذانهم في الكهف، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف فأصابه ما أصابهم وهم مؤمنون موقنون ونفقتهم عند رؤوسهم فلما كان من الغد تفقدهم دقيانوس والتمسهم فلم يجدهم فقال لبعض عظماء المدينة لقد ساءني شأن هؤلاء الفتية الذين ذهبوا لقد ظنوا أن بي غضباً عليهم لجهلهم ما جهلوا من أمري ما كنت لأجهل عليهم إن هم تابوا وعبدوا آلهتي فقال عظماء المدينة ما أنت بحقيق أن ترحم قوماً فجرة مردة عصاة، قد كنت أجلت لهم أجلاً ولو شاؤوا لرجعوا في ذلك الأجل ولكنهم لم يتوبوا، فلما قالوا ذلك غضب غضباً شديداً ثم أرسل إلى آبائهم فأتى بهم فقال: أخبروني عن أبنائكم المردة الذين عصوني، فقالوا: أما نحن لم نعصك فلم تقتلنا بقوم مردة إنهم ذهبوا بأموالنا وأهلكوها في أسواق المدينة، ثم انطلقوا إلى جبل يدعى ينجلوس فلما قالوا له ذلك خلى سبيلهم، وجعل ما يدري ما يصنع بالفتية فألقى الله سبحانه وتعالى في نفسه أن يأمر بسد باب الكهف عليهم وأراد الله عز وجل أن يكرمهم بذلك ويجعلهم آية لأمة تستخلف من بعدهم، وأن يبين لهم أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور. فأمر دقيانوس بالكهف فسد عليهم وقال دعوهم كما هم في كهفهم يموتون جوعاً وعطشاً ويكون كهفهم الذي اختاروه قبراً لهم، وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم وقد توفى الله عز وجل أرواحهم وفاة نوم وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف قد غشيه ما غشيهم يتقلبون ذات اليمين وذات الشمال. ثم إن رجلين مؤمنين من بيت الملك دقيانوس يكتمان إيمانهما، اسم أحدهما بيدروس واسم الآخر روناس اهتما أن يكتبا شأن هؤلاء الفتية، وأسمائهم وأنسابهم وأخبارهم في لوحين من رصاص ويجعلاهما في تابوت من نحاس ويجعلا التابوت في البنيان، وقالا: لعل الله أن يظهر على هؤلاء الفتية قوماً مؤمنين قبل يوم القيامة فيعلم من فتح عليهم خبرهم حين يقرأ الكتاب ففعلا ذلك وبنيا عليه وبقي دقيانوس ما بقي ثم مات هو وقومه، وقرون بعده كثيرة وخلفت الملوك بعد الملوك وقال عبيد بن عمير: كان أصحاب الكهف فتياناً مطوقين مسورين ذوي ذوائب فخرجوا في عيد لهم عظيم في زي وموكب وأخرجوا معهم آلهتهم التي كانوا يعبدونها وكان معهم كلب صيد لهم، وكان أحدهم وزير الملك فقذف الله سبحانه وتعالى الإيمان في قلوبهم فآمنوا وأخفى كل واحد إيمانه وقال في نفسه أخرج من بين أظهر هؤلاء القوم لئلا يصيبني عقاب بجرمهم، فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة فجلس فيه ثم خرج آخر فرآه جالساً وحده فرجا أن يكون على مثل أمره وجلس إليه من غير أن يظهره على أمره ثم خرج آخر فخرجوا جميعاً فاجتمعوا فقال بعضهم لبعض ما جمعكم وكل واحد يكتم إيمانه من صاحبه مخافة على نفسه، ثم قالوا ليخرج كل فتيين فيخلوا ويفشي كل واحد سره إلى صاحبه ففعلوا ذلك فإذا هم جميعاً على الإيمان وإذا الكهف في جبل عظيم قريب منهم فقال بعضهم لبعض فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته. فدخلوا الكهف ومعهم كلب صيد فناموا ثلاثمائة سنين وازداد تسعاً، وفقدهم قومهم وطلبوهم فعمى الله عليه آثارهم وكهفهم فكتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح فلان وفلان وفلان أبناء ملوكنا فقدناهم في شهر كذا من سنة كذا في مملكة فلان ابن فلان الملك ووضعوا اللوح في خزانة الملك وقالوا ليكون لهؤلاء شأن وما ذلك الملك، وجاء قرن بعد قرن. قال محمد بن إسحاق: ثم ملك أهل تلك البلاد رجل صالح يقال له بيدروس فلما ملك بقي ملكه ثماني وستين سنة، فتحزب الناس في ملكه فكانوا أحزاباً منهم من يؤمن بالله ويعلم أن الساعة حق، ومنهم من يكذب بها فكبر ذلك على الملك الصالح وتضرع إلى الله وحزن حزناً شديداً لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق ويقولون لا حياة إلا حياة الدنيا وإنما تبعث الأرواح دون الأجساد. وجعل بيدروس الملك يرسل إلى من يظن فيهم خيراً وأنهم أئمة في الخلق فلم يقبلوا منه وجعلوا يكذبون بالساعة حتى كادوا يخرجون الناس عن الحق وملة الحواريين، فلما رأى ذلك الملك الصالح دخل بيته وأغلق بابه عليه، ولبس مسحاً وجعل تحته رماداً فجلس عليه فدأب ليله ونهاره يتضرع إلى الله تعالى ويبكي ويقول رب قد ترى اختلاف هؤلاء فابعث لهم آية تبين لهم بطلان ما هم عليهم. ثم إن الله سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة عباده أراد أن يظهر على الفتية أصحاب الكهف ويبين للناس شأنهم ويجعلهم آية وحجة عليهم ليعلموا أن الساعة آتية فيها، ويستجيب لعبده الصالح بيدروس ويتم نعمته عليه وأن يجمع من كان تبدد من المؤمنين، فألقى الله سبحانه وتعالى في نفس رجل من أهل ذلك البلد الذي فيه ذلك الكهف وكان اسمه أولياس أن يهدم ذلك البنيان الذي على فم الكهف ويبني به حظيرة لغنمه، فاستأجر غلامين فجعلا ينزعان تلك الحجارة ويبنيان بها تلك الحظيرة حتى نزعا ما كان على باب الكهف، وفتحا باب الكهف وحجبهم الله تعالى عن الناس بالرعب فلما فتح باب الكهف أذن الله سبحانه وتعالى ذو القدرة والسلطان محيي الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظهراني الكهف، فجلسوا فرحين مسفرة وجوههم طيبة أنفسهم فسلم بعضهم على بعض كأنما اسيتقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون منها إذا أصبحوا من ليلتهم. ثم قاموا إلى الصلاة فصلوا كما كانوا يفعلون لا يرى في وجوههم ولا ألوانهم شيء ينكرونه وأنهم كهيئتهم حين رقدوا وهم يرون أن دقيانوس في طلبهم فلما قضوا صلاتهم قالوا لتمليخاً صاحب نفقتهم: أنبئنا بما قال الناس في شأننا عشية أمس عند هذا الجبار، وهم يظنون أنهم قد رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون وقد خيل إليهم أنهم كانوا ينامون حتى تساءلوا بينهم فقال بعضهم لبعض كم لبثتم نياماً قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم، قالوا ربكم أعلم بما لبثتم وكل ذلك في أنفسهم يسير فقال لهم تمليخا: قد التمستم في المدينة وهو يريد أن يؤتى بكم اليوم فتذبحوا للطواغيت أو يقتلكم، فما شاء الله بعد ذلك فعل فقال لهم مكسلمينا: يا إخوتاه اعلموا أنكم ملاقو الله فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدو الله، ثم قالوا لتمليخا انطلق إلى المدينة فتسمع ما يقال لنا بها وما الذي يذكر فينا عند دقيانوس وتلطف ولا تشعرن بك أحداً، وابتع لنا طعاماً فأتنا به وزدنا على الطعام الذي جئتنا به فقد أصبحنا جياعاً، ففعل تمليخا كما كان يفعل ووضع ثيابه وأخذ الثياب التي كان يتنكر فيها وأخذ ورقاً من نفقتهم التي كانت معهم التي ضربت بطابع دقيانوس وكانت كخفاف الربع، فانطلق تمليخا خارجاً فلما مر بباب الكهف رأى الحجارة منزوعة عن باب الكهف فعجب منه ثم مر ولم يبال بها حتى أتى باب المدينة مستخفياً يصد عن الطريق تخوفاً أن يراه أحد من أهلها فيعرفه، ولا يشعر أن دقيانوس وأهله هلكوا قبل ذلك بثلاثمائة سنة. فلما أتى تمليخا باب المدينة رفع بصره فرأى فوق ظهر الباب علامة كانت لأهل الإيمان. إذ كان أمر الإيمان ظاهراً فيهما فلما رآها عجب وجعل ينظر إليها يميناً وشمالاً ثم ترك ذلك الباب ومضى إلى باب آخر فرأى مثل ذلك فخيل إليه أن المدينة ليست بالتي كان يعرف ورأى أشخاصاً كثيرة محدثين لم يكن رآهم من قبل ذلك، فجعل يمشي ويتعجب ويخيل إليه أنه حيران ثم رجع إلى الباب الذي أتى منه فجعل يتعجب بينه وبين نفسه ويقول يا ليت شعري ما هذا أما عشية أمس كان المسلمون يخفون هذه العلامة في هذه المدينة ويستخفون بها واليوم ظاهرة لعلي نائم حالم ثم يرى أنه ليس بنائم فأخذ كساءه فجعله على رأسه ثم دخل المدينة فجعل يمشي في أسواقها فسمع ناساً يحلفون باسم عيسى ابن مريم، فزاده ذلك تعجباً ورأى أنه حيران فقام مسنداً ظهره إلى جدار من جدران المدينة وهو يقول في نفسه والله ما أدري ما هذا أما عشية أمس فليس كان على الأرض من يذكر عيسى ابن مريم إلا قتل وأما اليوم فأسمع كل إنسان يذكر عيسى ابن مريم لا يخاف، ثم قال في نفسه: لعل هذه ليست بالمدينة التي أعرف والله ما أعلم مدينة بقرب مدينتنا فقام كالحيران ثم لقي فتى فقال له ما اسم هذه المدينة يا فتى فقل له أفسوس، فقال في نفسه لعل بي مساً أو أمراً أذهب عقلي والله يحق لي أن أسرع الخروج قبل أن يصيبني فيها شر فأهلك. فمضى إلى الذين يبتاعون الطعام فأخرج لهم الورق التي كانت معه وأعطاها رجلاً منهم وقال له بعني بهذه الورق طعاماً، فأخذها الرجل ونظر إلى ضرب الورق ونقشها فعجب منها فناولها رجلاً آخر من أصحابه فنظر ثم جعلوا يتطارحونها بينهم من رجل إلى رجل ويتعجبون منها ويتشاورون بينهم، ويقول بعضهم لبعض: إن هذا أصاب كنزاً خبيئاً في الأرض منذ زمن طويل فلما رآهم تمليخاً يتحدثون فيه فرق فرقاً شديداً وخاف وجعل يرعد ويظن أنهم قد فطنوا به وعرفوه وأنهم إنما يريدون أن يذهبوا به إلى ملكهم دقيانوس، وجعل أناس يأتونه وتعرفونه فلا يعرفونه فقال لهم وهو شديد الخوف منهم: أفضلوا علي قد أخذتم ورقي فأمسكوها وأما طعامك فلا حاجة لي به، فقالوا له يا فتى من أنت وما شأنك والله لقد وجدت كنزاً من كنوز الأولين وأنت تريد أن تخفيه منا انطلق معنا وأرناه وشاركنا فيه نخفف عليك ما وجدت، وإنك إن لم تفعل نحملك إلى السلطان فنسلمك إليه فيقتلك فلما سمع قولهم قال والله قد وقعت في كل شيء كنت أحذر منه، فقالوا له يا فتى إنك والله لا تستطيع أن تكتم ما وجدت وجعل تمليخا ما يدري ما يقول لهم وخاف حتى لم يجر على لسانه إليهم شيء، فلما رأوه لا يتكلم أخذوا كساءه فطرحوه في عنقه وجعلوا يسحبونه في سكك المدينة حتى سمع به من فيها، وقيل قد أخذ رجل معه كنز فاجتمع عليه أهل المدينة وجعلوا ينظرون إليه ويقولون والله ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة وما رأيناه فيها قط وما نعرفه، وجعل تمليخا لا يدري ما يقول لهم، وكان متيقناً أن أباه وإخوته بالمدينة وأنه من عظماء أهلها وأنهم سيأتونه إذا سمعوا به فبينما هو قائم كالحيران ينتظر متى يأتيه بعض أهله فيخلصه من أيديهم إذا اختطفوه وانطلقوا به إلى رئيسي المدينة ومدبريها، اللذين يدبران أمرها وهما رجلان صالحان اسم أحدهما أريوس واسم الآخر طنطيوس، فلما انطلقوا به إليهما ظن تمليخا أنه إنما ينطلق به إلى دقيانوس الجبار فجعل يلتفت يميناً وشمالاً، وهو يبكي والناس يسخرون منه كما يسخرون من المجنون ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إله السماء وإله الأرض أفرغ علي اليوم صبراً وأولج معي روحاً منك تؤيدني به عند هذا الجبار، وجعل يقول في نفسه فرقوا بيني وبين إخوتي يا ليتهم يعلمون ما لقيت ويا ليتهم يأتونني فنقوم جميعاً بين يدي هذا الجبار فإنا قد كنا تواثقنا على الإيمان بالله وأن لا نشرك به أحداً أبداً ولا نفترق في حياة ولا موت فلما انتهى إلى الرجلين الصالحين أريوس وطنطيوس ورأى أنه لم يذهب إلى دقيانوس، أفاق وذهب عنه البكاء وأخذ أريوس وطنطيوس الورقة ونظرا إليها وعجبا منها وقال أين الكنز الذي وجدت يا فتى فقال تمليخا: ما وجدت كنزاً ولكن هذا ورق آبائي ونقش هذه المدينة وضربها، ولكن والله ما أدري ما شأني وما أقول لكم فقال له أحدهما: ممن أنت فقال تمليخا أما أنا فكنت أرى أني من أهل هذه المدينة فقيل له: ومن أبوك ومن يعرفك بها فأخبرهم بأسم أبيه، فلم يوجد من يعرفه ولا أباه فقال له أنت كذاب لا تنبئنا بالحق فلم يدر تمليخا ما يقول غير أنه نكث بصره إلى الأرض فقال بعض من حوله هذا رجل مجنون، وقال بعضهم ليس بمجنون ولكنه يحمق نفسه عمداً لكي ينفلت منكم، فقال له أحدهما ونظر إليه نظراً شديداً أتظن إنا نرسلك ونصدقك بأن هذا مال أبيك ونقش هذه المدينة وضربها ولهذه الورقة أكثر من ثلاث مائة سنة وأنت غلام شاب أتظن أنك تأفكنا وتسخر بنا ونحن شيوخ شمط وحولك سراة هذه المدينة وولاة أمرها وخزائن هذه المدينة بأيدينا وليس عندنا من هذا الضرب درهم ولا دينار، وإنني لأظنني سآمر بك فتعذب عذاباً شديداً ثم أوثقك حتى تعترف بهذا الكنز الذي وجدته. فقال لهم تمليخا: أخبروني عما أسألكم عنه فإن أنتم فعلتم صدقتكم عما عندي، فقالوا له سل لا نكتمك شيئاً, قال: فما فعل الملك دقيانوس فقال: ما نعرف على وجه الأرض من اسمه دقيانوس ولم يكن إلا ملك هلك في الزمان الأول وله دهر طويل وهلك بعده قرون كثيرة، فقال تمليخا: إني إذاً لحيران وما يصدقني أحد من الناس فيما أقول لقد كنا فتية على دين الواحد وأن الملك أكرهنا على عبادة الأصنام والذبح للطواغيت فهربنا منه عشية أمس، فأتينا إلى الكهف الذي في جبل بنجلوس فنمنا فيه فلما انتهينا خرجت لأشتري لأصحابي طعاماً وأتجسس الأخبار فإذا أنا معكم كما ترون فانطلقوا معي إلى الكهف أريكم أصحابي، فلما سمع أريوس قول تمليخا قال يا قوم لعل هذه آية من آيات الله جعلها الله عز وجل لكم على يد هذا الفتى فانطلقوا بنا معه حتى يرينا أصحابه. فانطلق أريوس وطنطيوس ومعهما جميع أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم نحو أصحاب الكهف لينظروا إليهم فلما رأى الفتية أصحاب الكهف تمليخا قد احتبس عنهم بطعامهم وشرابهم عن القدر الذي كان يأتي فيه ظنوا أنه أخذ وذهب به إلى ملكهم دقيانوس فبينما هم يظنون ذلك ويتخوفونه إذ سمعوا الأصوات وجلبة الخيل مصعدة فظنوا أنهم رسل الجبار دقيانوس بعث بهم إليهم ليؤتى بهم فقاموا إلى الصلاة وسلم بعضهم على بعض وأوصى بعضهم بعضاً وقالوا انطلقوا بنا نأت أخانا تمليخا فإنه الآن بين يدي الجبار وهو ينتظرنا حتى نأتيه. فبينما هم يقولون ذلك وهم جلوس على هذه الحالة إذ هم بأريوس وأصحابه وقوفاً على باب الكهف فسبقهم تمليخا ودخل وهو يبكي فلما رأوه يبكي بكوا معه ثم سألوه عن خبره فقص عليه الخبر كله، فعرفوا أنهم كانوا نياماً بأمر الله ذلك الزمن الطويل وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس وتصديقاً للبعث وليعلموا أن الساعة لا ريب فيها. ثم دخل على أثر تمليخا أريوس فرأى تابوتاً من نحاس مختوماً بخاتم فضة فوقف على الباب ودعا جماعة من عظماء أهل المدينة وأمر بفتح التابوت بحضرتهم فوجدوا فيه لوحين من رصاص مكتوباً فيهما مكسلمينا ومخشلمينا وتمليخا ومرطونس وكشطونس وبيرونس وديموس وبطيوس وقالوس والكلب اسمه قطمير. كانوا فتية هربوا من ملكهم دقيانوس مخافة أن يفتنهم عن دينهم فدخلوا هذا الكهف فلما أخبر بمكانهم أمر الكهف فسد عليهم بالحجارة وإنا كتبنا شأنهم وخبرهم ليعلمه من بعدهم إن عثر بهم فلما قرأوه عجبوا وحمدوا الله سبحانه وتعالى الذي أراهم آية تدلهم على البعث ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه، ثم دخلوا على الفتية الكهف فوجدوهم جلوساً مشرقة وجوههم لم تبل ثيابهم فخر أريوس وأصحابه سجداً لله وحمدوا الله سبحانه وتعالى الذي أراهم آية من آياته ثم كلم بعضهم بعضاً وأخبرهم الفتية عن الذي لقوا من ملكهم دقيانوس ثم أريوس وأصحابه بعثوا بريداً إلى ملكهم الصالح بيدروس أن عجل لعلك تنظر إلى آية من آيات الله جعلها الله على ملكك للناس آية لتكون لهم نوراً وضياء وتصديقاً للبعث، وذلك أن فتية بعثهم الله وقد كان توفاهم منذ ثلاث مائة سنة وأكثر، فلما أتى الملك الخبر رجع عقله إليه وذهب همه وقال: أحمدك اللهم رب السموات والأرض وأعبدك وأسبح لك تطولت علي ورحمتني ولم تطفىء النور الذي جعلته لآبائي وللعبد الصالح بيدروس الملك ثم أخبر بذلك أهل مدينته فركب وركبوا معه حتى أتوا مدينة أفسوس، فتلقاهم أهلها وساروا معه نحو الكهف فلما صعد الجبل ورأى الفتية بيدروس فرح بهم وخر ساجداً على وجهه وقام بيدروس الملك قدامهم ثم اعتنقهم وبكى وهم جلوس بين يديه على الأرض يسبحون الله ويحمدونه. ثم قال الفتية لبيدروس الملك نستودعك الله والسلام عليك ورحمة الله وبركاته حفظك الله وحفظ ملكك ونعيذك بالله من شر الإنس والجن. فبينما الملك قائم إذا هم رجعوا إلى مضاجعهم فناموا وتوفى الله أنفسهم، فقام الملك إليهم وجعل ثيابهم عليهم وأمر أن يجعل كل رجل منهم في تابوت من ذهب فلما أمسى ونام أتوه في منامه فقالوا له إنا لم نخلق من ذهب ولا فضة ولكنا خلقنا من تراب وإلى التراب نصير فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله تعالى منه، فأمر الملك عند ذلك بتابوت من ساج فجعلوا فيه وحجبهم الله حين خرجوا من عندهم بالرعب، ولم يقدر أحد أن يدخل عليهم وأمر الملك أن يتخذوا على باب الكهف مسجداً يصلى فيه وجعل لهم عيداً عظيماً وأمر أن يؤتى كل سنة. وقيل إن تمليخا حمل إلى الملك الصالح فقال له الملك من أنت قال أنا رجل من أهل هذه المدينة، وذكر أنه خرج أمس أو منذ أيام وذكر منزله وأقواماً لم يعرفهم أحد وكان الملك قد سمع أن فتية قد فقدوا في الزمان الأول وإن أسماءهم مكتوبة على لوح في خزانته فدعا اللوح ونظر في أسمائهم فإذا اسمه مكتوب وذكر أسماء الآخرين فقال تمليخا: هم أصحابي فلما سمع الملك ركب ومن معه من القوم فلما أتوا باب الكهف قال تمليخا: دعوني حتى أدخل على أصحابي فأبشرهم فإنهم إن رأوكم معي أرعبتموهم فدخل تمليخا فبشرهم فقبض الله روحه وأرواحهم وأعمى على الملك وأصحابه أثرهم فلم يهتدوا إليهم فذلك قوله عز وجل {إذ أوى الفتية إلى الكهف} أي صاروا إلى الكهف واسمه خيرم {فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة} أي هداية في الدين {وهيىء لنا} أي يسر لنا {من أمرنا رشداً} أي ما نلتمس منه رضاك وما فيه رشدنا، وقال ابن عباس: أي مخرجاً من الغار في سلامة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً} [الآية: 2]. قال بعضهم: العمل الصالح ما أريد به وجه الله لا غير، والأجر الحسن أن لا تحجب عن لقاء سيده. وقال بعضهم: م ربط عمله بالإخلاص صلح عمله، ومن صلح فله عند الله أجرٌ حسن وهو أن يكون ثوابه عليه ما لا عين رأت وهو لقاء الحق، ولا أذنٌ سمعت وهو كلام الحق، ولا خطر على قلب بشر وهو الرضا. قال الله تعالى: {أية : رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} تفسير : [المائدة: 119، المجادلة: 22، البينة: 8].

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَيِّماً لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ}. {قَيِّماً}: أي صانه عن التعارض والتناقض، فهو كتابٌ عزيزٌ من ربِّ عزيز. "واليأس الشديد": مُعَجَّلُه الفراق، ومؤجَّلُه الاحتراق. ويقال هو البقاء عن الله تعالى، والابتلاء بغضب الله. ومعنى الآية لينذرهم ببأس شديد. قوله جلّ ذكره: {وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً}. والعملُ الصالحُ ما يصلح للقبول، وهو ما يُؤَدَّى على الوجه الذي أُمِرَ به. ويقال العمل الصالح ما كان بنعت الخلوص، وصاحبُه صادقٌ فيه. ويقال هو الذي لا يستعجل عليه صاحبه حَظَّاً في الدنيا مِنْ أَخذ عِوَضٍ، أو قَبُولِ جاهٍ، أو انعقادِ رِياسة...وما في هذا المعنى. وحصلت البشارةُ بأَنَّ لهم أجراً حسناً، والأجرُ الحَسَنُ ما لا يجري مع صاحبه استقصاءٌ في العمل. ويقال الأجر الحَسَنُ ما يزيد على مقدار العمل. ويقال الأجر الحَسَنُ ما لا يُذَكِّر صاحبَه تقصيرَه، ويستر عنه عيوبَ عمله.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً} العمل الصالح التبرى من الوجود بوجود الحق والاجر الحسن مشاهدة الحق بلا حجاب ابدا قال بعضهم العمل الصالح ما اريد به وجه الله لا غير والاجر الحسن ان لا يحجب عن لقاء سيده.

اسماعيل حقي

تفسير : {قيما} انتصابه بمضمر تقديره جعله قيما اى مستقيما معتدلا لا افراط فيه ولا تفريط او قيما بالمصالح الدينية والدنيوية للعباد فيكون وصفا له بالتكميل بعد وصفه بالكمال والقيم والقيوم والقيام بناء مبالغة للقائم. قال الكاشفى [درتأويلات آورده كه ضمير له راجع بعبداست ومعنى آنكه نداد بنده خودرا ميل بغير خود وكردانيد اورا مستقيم درجميع احوال] {لينذر} اى انزل لينذر الكتاب او محمد بما فيه الذين كفروا {بأسا} عذابا {شديدا} صادرا {من لدنه} من عنده تعالى نازلا من قبله بمقابلة كفرهم وتكذيبهم وهو اما عذاب الاستئصال فى الدنيا او عذاب النار فى العقبى او كلاهما وانما قال من لدنه لانه هو المعذب دون الغير {ويبشر} [مزده دهد] {المؤمنين} المصدقين {الذين يعملون الصالحات} اى الاعمال الصالحة وهى ما كانت لوجه الله تعالى {ان لهم} اى بان لهم فى مقابلة ايمانهم واعمالهم المذكورة {اجرا حسنا} هو الجنة وما فيها من النعيم.

الجنابذي

تفسير : {قَيِّماً} حال من الكتاب او من الضّمير المجرور بالّلام وهو مبالغة من قام الرّجل المرأة وعليها، وقام الرّجل اهله اذا مأنهم وقام بشأنهم، والمقصود انّ كتاب النّبوّة قيّم على جميع الكتب السّماويّة حتّى القرآن ببيانها وتعيين موارد احكامها وقيّم على جميع من توسّل به بافادة ما يحتاجون اليه فى امر معاشهم ومعادهم، او هو حال عن العبد فانّه ايضاً قيّم لكلّ معوّجٍ وكافٍ لكلّ محتاج {لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً} عذاباً شديداً فى الدّنيا بالقتل والاسر والنّهب كما انذرو وقع ذلك البأس وكما يقع للكفّار حين الاحتضار وفى الآخرة بعذاب البرازخ والقيامة والجحيم، وقد فسّر البأس الشّديد بعلىٍّ (ع) فانّه الرّحمة للمؤمنين والبأس للكافرين فى الدّنيا والآخرة {مِّن لَّدُنْهُ} من لدن العبد المنزل عليه الكتاب كما فسّر، او من لدن الله وقد فسّر لدن رسول الله (ص) بعلىٍّ (ع) وكذا لدن الله تعالى {وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ} اطلق الانذار اشعاراً بانّه للمؤمنين والكفّار بخلاف التّبشير فانّه خاصٌّ بالاخيار، وانذار المؤمنين من حيث شوب الكفر والاّ فحيثيّة الايمان تقتضى التّبشير لا الانذار {أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً} هو الجنّة ونعيمها ورضوانٌ من الله اكبر.

اطفيش

تفسير : {قَيِّماً} مستقيما. وعن ابن عباس: عدلا ويجوز أن يكون المعنى متوسطا لا مكثرا جدا ولا مقلا أو قيما بمصالح العباد فيكون موصوفا بأَنه مكمل لغيره بعد كونه كاملا فى نفسه أو قيما على الكتب السابقة يشهد بصحتها وينسخ ما ينسخ منها. وإن قلت: إذا فسرته بمستقيما فما وجه الجمع بينه وبين نفى العوج وأحدهما يغنى عن الآخر؟ قلت: جمع بينهما تأكيدا. وقد قيل: إنه حال ثانية من الكتاب مؤكدة ولنفى العوج رأسا ظاهرا وباطنا ولو عند الإمعان فى التصفح والتتبع والاختبار فرب مشهود له بأنه لا عوج فيه لا يخلو من أدنى عوج عند الإمعان فى ذلك. وإن جعلنا قوله عز وعلا: {ولم يجعل له عوجا} عطفا على أنزل كما مر لم يجز كون قيما حالا من الكتاب لئلا يلزم العطف على الصلة قبل تمام أجزائها. وقيل بجواز هذا والتزام أنه على نية التقديم والتأخير والأولى حينئذ أن يجعل مفعولا لمحذوف أى اجعله قيما أو حال من محذف هو وعامله أى أنزله قيما أو حال من الكتاب على أن الجملة معترضة لا معطوفة أو من الهاء فى له إذا أعيدت إلى الكتاب كما مر. ذكر هذه الثلاثة الأخيرة ابن هشام وظاهره جواز عود الهاء إلى عبد وهو صحيح. ويجوز كون قيما حالا من الهاء عائدة إليه وكونه حالا من عهد على أن جملة لم يجعل له عوجا معترضة أو حال من العبد أو من الكتاب. قال: وقيل: جملة {لم يجعل له عوجا} حال و{قيما} بدل منها عكس عرفت زيدا أبو مَن هو. وذكر أن بعضهم سمع شيخاً يعرب {قيما} صفة لـ {عوجا} فقال له: يا هذا كيف يكون العوج قيما وترحمت على من وقف من القراء على ألف التنوين فى عوجا وقفة لطيفة دفعاً لهذا الوهم هذا كله كلام البعض. قال أبو عمرو الدانى: قرأ حفص {عوجا} يسكت سكتة على الألف لطيفة من غير قطع ولا تنوين ثم يقول: {قيما}. وكذا كان يسكت مع مراد الوصل على الألف فى يس فى {مرقدنا} ثم يقول: {هذا ما وعد الرحمن}. وكذا كان يسكت على النون فى {القيامة} فى قوله: {مَن} ثم يقول: {راق}. وكذلك كان يسكت على اللام فى {المطففين} فى قوله: {بل} ثم يقول: {ران} والباقون يصلون ذلك كله من غير سكت ويدغمون النون واللام فى الراء. وقرئ {قيما} بكسر القاف وفتح الياء غير مشددة. {لِيُنْذِرَ} أى هو أى عبده فالضمير المستتر عائد إلى العبد المذكور صلى الله عليه وسلم ويصح عوده إلى الكتاب والأول أولى لأن إسناد الإنذار والتبشير للكتاب مجاز. ومعنى "ينذر" يخوف وله معفولان الأول محذوف هكذا لينذر الكافرين. {بَأْساً} عذاباً {شَدِيدًا} وحذف الأول للقرينة ولأن المسوق له الكلام بالذات هو الثانى وهو البأس ولكن تعديته للثانى على معنى الجار كأنه قيل: ببأس. وقيل: منصوب على نزع الخافض وقد ذكرا فى قوله سبحانه وتعالى: {أية : إنا أنذرناكم عذاباً قريباً}. تفسير : {مِن لَدُنْهُ} متعلق بمحذوف جوازا نعت لبأس أو حال منه لوصفه أى صادر من لدنه أى من عند الله. وقرأ أبو بكر من لدنه بإسكان الدال وإشمامها شيئاً من الضم وبكسر النون والهاء ويصل الهاء بياء وإنما كسر النون لالتقاء الساكنين. وقيل: للإعراب. وقرئ أيضاً بكسر الدال مطابقة للنون. والباقون بضم الدال وإسكان النون وضم الهاء بلا صلة إلا ابن كثير فإنه يصلها بالواو مع أن الساكن قبلها. {وَيُبَشِّرَ} وقرأ حمزة والكسائى هنا وفى سبحان وآل عمران بفتح المثناة وإسكان الموحدة وضم الشين. {الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ} أى بأن لهم. {أَجْراً حَسَناً} هو الجنة.

اطفيش

تفسير : {قَيِّمًا} مفعول لمحذوف أى بل جعله قيما أو حال من الهاء، فيكون لم يجعل له عوجًا معطوفًا على جملة الصلة، أو قيما حال من الكتاب، على أن الواو فى ولم يجعل للحال لا عاطفة لئلا يلزم الفصل بين أجزاء المعطوف عليه، ومنها الحال بأجنبى، قال بعض المتقدمين: أصل الكلام أنزل على عبده الكتاب قيما، ولم يجعل له عوجًا معطوفًا على جملة الصلة، وكان حفص يقف وقفة خفيفة على عوجًا، فترحم عليه بعض لذلك، لأنها تدفع، أنها نعت لعوجًا. ومعنى قيِّما مستقيم معتدل لا تشديد فيه، ولا ترخيص كلى، أو قيم بمصالح العباد الدينية والدنيوية "أية : ما فرطنا فى الكتاب من شئ"تفسير : [الأنعام: 38] كقائم الأطفال، أو المساجد أو الأموال، فالقرآن كامل فى ذاته، مكمل لغيره، أو قائما على كتب الله المتقدمة بالشهادة على ما زيد أو نقص فيها، أو غُيِّر أو حرف أو خاليا عن الرذائل حاليًا بالفضائل، وعلى تفسيره بالاستقامة والاعتدال يكون كالتكوير تأكيداً على عادة كلام العرب، فإن ما لا عوج فيه معتدل مثل قوله تعالى: "أية : محصنات غير مسافحات" تفسير : [النساء: 25] فإن المحصنات غير مسافحات. {لِيُنْذِرَ} متعلق بأنزل، واختلف فى أفعال الله: هل تعلل بالأغراض والمانع يجعل اللام للعاقبة وهو المذهب ومفعوله الأول محذوف للعلم به، أى لينذر الله أو عبده أو الكتاب الكفار، والثانى قوله {بأْسًا} أى ضرًّا أو عذاباً ولا يختص بالشديد، فليس قوله: {شَدِيدًا} نعت تأكيد كما قيل، بل نعت تأسيس أن لا يقدر مفعول أول لينذر، بل له واحد، والأول لم يسق له الكلام، بل يكون المراد بالذات أن المنذر به هو بأسًا شديداً كما تقول: زيد يعطى الدنانير تبين لمن جهل ما يعطى، أو ترد على من قال الدراهم. {مِنْ لَدُنْهُ} من عنده، وقيل: هو أبلغ من عند وأخص متعلق بمحذوف وجوبًا نعت لبأسًا، أو حال من الضمير فى شديداً، أو جوازاً أى صادراً من لدنه {وَيُبَشِّرَ} قدم الإنذار على التبشير، لأن التخلية قبل التحلية، ولإظهار كمال الترغيب فى الزجر عن الكفر {الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ} أى بأن {لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} هو الجنة لأجل إيمانهم وعملهم.

الالوسي

تفسير : {قَيِّماً} أي مستقيماً كما أخرجه ابن المنذر عن الضحاك وروي أيضاً عن ابن عباس. والمراد مما قبل أنه لا خلل في لفظه ولا في معناه، والمراد من هذا أنه معتدل لا إفراط فيما اشتمل عليه من التكاليف حتى يشق على العباد ولا تفريط فيه بإهمال ما يحتاج إليه حتى يحتاج إلى كتاب آخر كما قال سبحانه: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْء } تفسير : [الأنعام: 38] ولذا كان آخر الكتب المنزل على خاتم الرسل عليه الصلاة والسلام. وقيل المراد منه ما أريد مما قبله وذكره للتأكيد. وقال الفراء: المراد قيماً على سائر الكتب السماوية شاهداً بصحتها. وقال أبو مسلم: المراد قيماً بمصالح العباد متكفلاً بها وببيانها لهم لاشتماله على ما ينتظم به المعاش والمعاد وهو على هذين القولين تأسيس أيضاً لا تأكيد فكأنه قيل كتَاباً صادقاً في نفسه مصدقاً لغيره أو كتاباً خالياً عن النقائص حالياً بالفضائل وقيل المراد على الأخير أنه كامل في نفسه ومكمل لغيره. ونصبه بمضمر أي جعله قيماً على أن الجملة مستأنفة أو جعله قيماً على أنها معطوفة على ما قبل إلا أنه قيل إن حذف حرف العطف مع المعطوف تكلفّ. وكان حفص يسكت على {عِوَجَا} سكتة خفيفة ثم يقول {قَيِّماً}. واختار غير واحد أنه على الحال من الضمير في {أية : لَهُ} تفسير : [الكهف: 1] أي لم يجعل له عوجاً حال كونه مستقيماً ولا عوج فيه على ما سمعت أولاً من معنى المستقيم إذ محصله أنه تعالى صانه عن الخلل في اللفظ والمعنى حال كونه خالياً عن الإفراط والتفريط، وكذا على القولين الأخيرين. نعم قيل: إن جعله حالاً من الضمير مع تفسير المستقيم بالخالي عن العوج ركيك. وتعقبه بعضهم بأنه تندفع الركاكة بالحمل على الحال المؤكدة كما في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} تفسير : [التوبة: 25] وفيه بحث. وجوز أن يكون حالاً من {أية : ٱلكِتَـٰبَ}تفسير : [الكهف: 1]، واعترض بأنه يلزم حينئذ العطف قبل تمام الصلة لأن الحال بمنزلة جزء منها. وأجيب بأنه يجوز أن يجعل {أية : وَلَمْ يَجْعَل} تفسير : [الكهف: 1] الخ من تتمة الصلة الأولى على أنه عطف بياني حيث قال تعالى: {أية : أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الكتاب} تفسير : [الكهف: 1] الكامل في بابه عقبه بقوله سبحانه: {أية : وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} تفسير : [الكهف: 1] فحينئذ لا يكون الفصل قبل تمام الصلة، وهو نظير قوله تعالى: {أية : وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [البقرة: 217] على قول. وأيضاً يجوز أن يكون الواو في {أية : وَلَمْ يَجْعَل} تفسير : [الكهف: 1] للحال والجملة بعده حال من {أية : ٱلْكِتَـٰبِ} تفسير : [الكهف: 1] كقيما واختاره الأصبهاني. وقال أبو حيان: إن ذاك على مذهب من يجوز وقوع حالين من ذي حال واحد بغير عطف وكثير من أصحابنا على منعه. وقال آخر: إن قياس قول الفارسي في الخبر أنه لا يتعدد مختلفاً بالأفراد والجملية أن يكون الحال كذلك. وأجيب بأنه غير وارد إذ ما ذكره الفارسي خلاف مذهب الجمهور مع أنه قياس مع الفارق فلا يسمع، وكذا ما ذكره أبو حيان عن الكثير خلاف المعول عليه عند الأكثر. نعم فراراً من القيل والقال جعل بعضهم الواو للاعتراص والجملة اعتراضية. وفي الكلام تقديم وتأخير والأصل الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً، وروي القول بالتقديم والتأخير عن ابن عباس ومجاهد، وذكر السمين أن ابن عباس حيث وقعت جملة معترضة في النظم يجعلها مقدمة من تأخير، ووجه ذلك بأنها وقعت بين لفظين مرتبطين فهي في قوة الخروج من بينهما، ولما كان {قَيِّماً} يفيد استقامة ذاتية أو ثابتة لكونه صفة مشبهة وصيغة مبالغة، وما من شيء كذلك إلا وقد يتوهم فيه أدنى عوج ذكر قوله تعالى: {أية : وَلَمْ يَجْعَل} تفسير : [الكهف: 1] الخ للاحتراس، وقدم للاهتمام كما في قوله:شعر : / ألا يا أسلمي يا دار مي على البلا ولا زال منهلاً بجرعائك القطر تفسير : ومن هنا يعلم أن تفسير القيم بالمستقيم بالمعنى المتبادر، وأن قول الزمخشري ((فائدة الجمع بينه وبين نفي العوج التأكيد فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح)) غير ذي عوج عند السبر والتصفح، وأنه لا يرد قول الإمام إن قوله تعالى: {أية : لَّمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} تفسير : [الكهف: 1] يدل على كونه مكملاً في ذاته، وقوله سبحانه: {قَيِّماً} يدل على كونه مكملاً لغيره، فثبت بالبرهان العقلي أن الترتيب الصحيح كما ذكره الله تعالى وأن ما ذكروه من التقديم والتأخير فاسد يمتنع العقل من الذهاب إليه انتهى. ولعمري إن هذا الكلام لا ينبغي من الإمام إن صح عنده أن القول المذكور مروي عن ابن عباس ومجاهد، فإن الأول ترجمان القرآن وناهيك به جلالة ومعرفة بدقائق اللسان، وقد قيل في الثاني إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك. وقال صاحب «حل العقد»: يمكن أن يكون قيماً بدلاً من قوله تعالى: {أية : وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} تفسير : [الكهف: 1] قال أبو حيان: ((ويكون حينئذ بدل مفرد من جملة كما قالوا في عرفت زيداً أبو من هو إنه بدل جملة من مفرد، وفي جواز ذلك خلاف)) هذا وزعم بعضهم أن ضمير {أية : لَهُ} تفسير : [الكهف: 1] عائد على {أية : عَبْدِهِ} تفسير : [الكهف: 1] وحينئذ لا يتأتى جميع التخاريج الإعرابية السابقة. وقرأ أبان بن ثعلب {قَيماً} بكسر القاف وفتح الياء المخففة. وفي بعض مصاحف الصحابة (ولم يجعل له عوجاً ولكنه قيما) وحمل ذلك على أنه تفسير لا قراءة. {لّيُنذِرَ} متعلق بـ {أية : أَنْزَلَ} تفسير : [الكهف: 1] واللام للتعليل، واستدل به من قال بتعليل أفعال الله تعالى بالأَغراض كالسلف والماتريدية، ومن يأبـى ذلك يجعلها لام العاقبة. وزعم الحوفي أنه متعلق بقيماً وليس بقيم. والفاعل ضمير الجلالة، وكذا في الفعلين المعطوفين عليه، وجوز أن يكون الفاعل في الكل ضمير{أية : ٱلْكِتَـٰبِ} تفسير : [الكهف: 1] أو ضميره صلى الله عليه وسلم. وأنذر يتعدى لمفعولين قال تعالى: {أية : أَنذَرْنَـٰكُمْ عَذَاباً قَرِيباً } تفسير : [النبأ: 40] وحذف هنا المفعول الأول واقتصر على الثاني وهو قوله تعالى: {بَأْسًا شَدِيدًا} إيذاناً بأن ما سيق له الكلام هو المفعول الثاني، وأن الأول ظاهر لا حاجة إلى ذكره وهو الذين كفروا بقرينة ما بعد، والمراد الذين كفروا بالكتاب. والظاهر أن المراد من البأس الشديد عذاب الآخرة لا غير، وقيل يحتمل أن يندرج فيه عذاب الدنيا. {مِن لَّدُنْهُ} أي صادراً من عنده تعالى نازلاً من قبله بمقابلة كفرهم فالجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة ثانية للبأس. ولدن هنا بمعنى عند كما روي عن قتادة، وذكر الراغب ((أنه أخص منه لأنه يدل على ابتداء نهاية نحو أقمت عنده من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، وقد يوضع موضع عند. وقال بعضهم: إن {لَّدُنْ} أبلغ من عند وأخص وفيه لغات)). وقرأ أبو بكر عن عاصم بإشمام الدال بمعنى تضعيف الصوت بالحركة الفاصلة بين الحرفين فيكون إخفاء لها وبكسر النون لالتقاء الساكنين وكسر الهاء للاتباع. ويفهم من كلام بعضهم أنه قرأ بالإسكان مع الإشمام بمعنى الإشارة إلى الحركة بضم الشفتين مع انفراج بينهما فاستشكل في «الدر المصون» وغيره بأن هذا الإشمام إنما يتحقق في الوقف على الآخر وكونه في الوسط كما هنا لا يتصور، ولذا قيل: إنه يؤتى به هنا بعد الوقف على الهاء. ودفع الاعتراض بأنه لا يدل حينئذ على حركة الدال وقد علل به بأنه متعين إذ ليس في الكلمة ما يصلح أن يشار إلى حركته غيرها، ولا يخفى ما فيه، وما قدمناه حاسم لمادة الإشكال. وقرأ الجمهور بضم الدال والهاء وسكون النون إلا أن ابن كثير يصل الهاء بواو وغيره / لا يصل. {وَيُبَشّرَ} بالنصب عطف على {ينذر} وقرىء شاذاً بالرفع. وقرأ حمزة والكسائي {وَيُبَشّرَ} بالتخفيف {ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي المصدقين بالكتاب كما يشعر به وكذا بما تقدم ذكر ذلك بعد الامتنان بإنزال الكتاب {ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} أي الأعمال الصالحة التي بينت في تضاعيفه. وإيثار صيغة الاستقبال في الصلة للإشعار بتجدد العمل واستمراره. وإجراء الموصول على موصوفه المذكور لما أن مدار قبول العمل الإيمان {أَنَّ لَهُمْ} أي بأن لهم بمقابلة إيمانهم وعملهم المذكور {أَجْرًا حَسَنًا} هو كما قال السدي وغيره الجنة وفيها من النعيم المقيم والثواب العظيم ما فيها. ويؤيد كون المراد به الجنة ظاهر قوله تعالى: {مَّاكِثِينَ فِيهِ...}.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 2- وجعله قيماً مستقيماً فى تعاليمه لينذر الجاحدين بعذاب شديد صادر من عنده، ويبشر المصدقين الذين يعملون الأعمال الصالحات بأن لهم ثواباً جزيلاً. 3- هو الجنة خالدين فيها أبدا. 4- ويُنذر - على وجه الخصوص - الذين قالوا عن الله: إنه اتخذ ولدا، وهو المنزه عن أن يكون كالحوادث يَلِدُ أو يُوَلَدُ له. 5- وليس عندهم علم بذلك ولا عند آبائهم من قبل، فما أعظم الافتراء فى هذه الكلمة التى تجرءوا على إخراجها من أفواههم! ما يقولون: إلا افتراء ليس بعده افتراء. 6- لا تهلك نفسك - أيها النبى - أسفاً وحزناً على إعراضهم عن دعوتك غير مصدقين بهذا القرآن. 7- إنا قد خلقناهم للخير والشر، وصيَّرنا ما فوق الأرض زينة لها ومنفعة لأهلها، لنعاملهم معاملة المختبر ليُظهر منهم الأصلح عملا، فمن استهوته الدنيا ولم يلتفت إلى الآخرة ضلَّ، ومن آمن بالآخرة اهتدى. 8- وإنا لمصيِّرون عند انقضاء الدنيا ما فوقها مثل أرض مستوية لا نبات فيها، بعد أن كانت خضراء عامرة بمظاهر الحياة. 9- لقد أنكر الذين استهوتهم الدنيا بزينتها البعث، مع أن الوقائع تثبت الحياة بعد الرقود الطويل، وهذه قصة أهل الكهف فى الجبل واللوح الذى رقمت فيه أسماؤهم بعد موتهم لم تكن عجباً وحدها دون سائر الآيات، وإن كان شأنها خارقاً للعادة، فليس أعجب من آياتنا الدالة على قدرتنا.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلصَّالِحَاتِ} (2) - وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى كِتَابَهُ مُعْتَدِلاً (قََيِّماً) لاَ إِفْرَاطَ فِيهِ، فِيمَا اشْتَمَلَ عَلَيهِ مِنَ التَّكَالِيفِ، وَلاَ تَفْرِيطَ فِيهِ بِإِهْمَالِ مَا تَمَسُّ الحَاجَةُ إِلَيْهِ، لِيُنْذِرَ بِهِ مَنْ خَالَفَهُ وَكَذَّبَهُ، وَلَمْ يُؤْمِنُ بِهِ، عُقُوبَةً عَاجِلَةً فِي الدُّنْيا، وَآجِلَةً فِي الآخِرَةِ، مِنْ عِنْدِ اللهِ (مِنْ لَدُنْهُ)، وَيُبَشِّرَ، بِهَذا القُرْآنِ، المُؤْمِنينَ الَّذِينَ أَيَّدُوا إِيمَانَهُمْ بِاللهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، بِالعَمَلِ الصَّالِحِ، أَنَّ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ ثَوَاباً حَسَناً جَزِيلاً، هُوَ الجَنَّةُ. قَيِّماً - مُسْتَقِيماً مُعْتَدِلاً. بَأْساً - عَذَاباً آجِلاً أَوْ عَاجِلاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله: {قَيِّماً} أي: القرآن، وقالوا: قيِّم يعني مستقيم، كأنها تأكيد لقوله: {أية : وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا}تفسير : [الكهف: 1] لأن الاستقامة والعِوَج قد لا يُدرك بالعين المجردة وتحتاج إلى ميزان دقيق يكشف لك مدى العِوَج أو الاستقامة، وهذه الظاهرة تراها في الطرق المستوية المرصوفة، والتي تراها للوَهْلة الأولى مستقيمة تماماً ومستوية، فإذا ما نزل المطر فضح هذا الاستواء وأظهر ما فيه من عيوب؛ لذلك أكّد الاستقامة بقوله: {قَيِّماً} [الكهف: 2]. ومن معاني القَيِّم: المهيمن على ما دونه، كما تقول: فلان قَيِّم على فلان أي: مُهيمن عليه وقائم على أمره. فالقرآن - إذن - لا عِوَج فيه، وهو أيضاً مُهيمن على الكتب السابقة وله الوصاية عليها كما قال تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ}تفسير : [المائدة: 48]. ومنه قوله تعالى: {أية : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ٱلْقِيِّمِ}تفسير : [الروم: 43] أي: المهيمن على الأديان السابقة. ثم يقول تعالى: {لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ} [الكهف: 2]. وهذه هي العِلّة في الإنزال. والإنذار: التخويف بشَرٍّ قادم، والمنْذَر هنا هم الكفار؛ لأنه لا يُنذَر بالعذاب الشديد إلا الكفار، لكن سياق الآية لم يذكرها ليترك مجالاً للملَكَة العربية وللذّهْن أنْ يعملَ، وأنْ يستقبلَ القرآن بفكر مُتفتح وعقل يستنبط، وليس بالضرورة أن يعطينا القرآنُ كلّ شيء هكذا على طرف الثُّمام أي قريباً سهل التناول. ثم ضَخّم العذاب بأنه شديد، ليس ذلك وفقط بل {مِن لَّدُنهُ}، والعذاب يتناسب مع المعذِّب وقوته، فإنْ كان العذاب من الله فلا طاقة لأحدٍ به، ولا مهربَ لأحد منه. ثم يقول تعالى: {وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ..} [الكهف: 2] والبشارة تكون بالخير المنتظر في المستقبل، وتلاحظ أنه في البشارة ذكر المبشَّر {ٱلْمُؤْمِنِينَ} ولم يسكت عنهم كما سكت عن الكفار في الإنذار، فهذا من رحمة الله بنا حتى في الأسلوب، والبشارة هنا بالأجر الحسن؛ لأنه أجر من الكريم المتفضّل سبحانه؛ لذلك قال الحق سبحانه بعدها: {مَّاكِثِينَ فِيهِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال حدّثنا علي بن أحمد. قالَ حدّثنا عطاءُ بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قوله تعالى: {مِّن لَّدُنْهُ} من عِندَهُ.