٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
207
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما وصف في الآية المتقدمة حال من يبذل دينه لطلب الدنيا ذكر في هذه الآية حال من يبذل دنياه ونفسه وماله لطلب الدين فقال: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَاء مَرْضَاتِ ٱللَّهِ } ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: في سبب النزول روايات أحدها: روى ابن عباس أن هذه الآية نزلت في صهيب بن سنان مولى عبد الله بن جدعان، وفي عمار بن ياسر، وفي سمية أمه، وفي ياسر أبيه، وفي بلال مولى أبـي بكر، وفي خباب بن الأرت، وفي عابس مولى حويطب أخذهم المشركون فعذبوهم، فأما صهيب فقال لأهل مكة: إني شيخ كبير، ولي مال ومتاع، ولا يضركم كنت منكم أو من عدوكم تكلمت بكلام وأنا أكره أن أنزل عنه وأنا أعطيكم مالي ومتاعي وأشتري منكم ديني، فرضوا منه بذلك وخلوا سبيله، فانصرف راجعاً إلى المدينة، فنزلت الآية، وعند دخول صهيب المدينة لقيه أبو بكر رضي الله عنه فقال له: ربح بيعك، فقال له صهيب: وبيعك فلا نخسر ما ذاك؟ فقال: أنزل الله فيك كذا، وقرأ عليه الآية، وأما خباب بن الأرت وأبو ذر فقد فرا وأتيا المدينة، وأما سمية فربطت بين بعيرين ثم قتلت وقتل ياسر، وأما الباقون فأعطوا بسبب العذاب بعض ما أراد المشركون فتركوا، وفيهم نزل قول الله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ فِى ٱللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا } تفسير : [النحل: 41] بتعذيب أهل مكة {أية : لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً } تفسير : [النحل: 41] بالنصر والغنيمة، ولأجر الآخرة أكبر، وفيهم نزل: {أية : إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ }. تفسير : [النحل: 106] والرواية الثانية: أنها نزلت في رجل أمر بمعروف ونهى عن منكر، عن عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم. والرواية الثالثة: نزلت في علي بن أبـي طالب بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة خروجه إلى الغار، ويروى أنه لما نام على فراشه قام جبريل عليه السلام عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبريل ينادي: بخ بخ من مثلك يا ابن أبـي طالب يباهي الله بك الملائكة ونزلت الآية. المسألة الثانية: أكثر المفسرين على أن المراد بهذا الشراء: البيع، قال تعالى: {أية : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ } تفسير : [يوسف: 20] أي باعوه، وتحقيقه أن المكلف باع نفسه بثواب الآخرة وهذا البيع هو أنه بذلها في طاعة الله، من الصلاة والصيام والحج والجهاد، ثم توصل بذلك إلى وجدان ثواب الله، كان ما يبذله من نفسه كالسلعة، وصار الباذل كالبائع، والله كالمشتري، كما قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ } تفسير : [التوبة: 111] وقد سمى الله تعالى ذلك تجارة، فقال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَـٰرَةٍ تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ } تفسير : [الصف:10، 11] وعندي أنه يمكن إجراء لفظة الشراء على ظاهرها وذلك أن من أقدم على الكفر والشرك والتوسع في ملاذ الدنيا والإعراض عن الآخرة وقع في العذاب الدائم فصار في التقدير كأن نفسه كانت له، فبسبب الكفر والفسق خرجت عن ملكه وصارت حقاً للنار والعذاب، فإذا ترك الكفر والفسق وأقدم على الإيمان والطاعة صار كأنه اشترى نفسه من العذاب والنار فصار حال المؤمن كالمكاتب يبذل دارهم معدودة ويشتري بها نفسه فكذلك المؤمن يبذل أنفاساً معدودة ويشتري بها نفسه أبداً لكن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فكذا المكلف لا ينجو عن رق العبودية ما دام له نفس واحد في الدنيا ولهذا قال عيسى عليه السلام: {أية : وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً } تفسير : [مريم: 31] وقال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: {أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ} تفسير : [الحجر:99] فإن قيل: إن الله تعالى جعل نفسه مشترياً حيث قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ } تفسير : [التوبة: 111] وهذا يمنع كون المؤمن مشترياً. قلنا: لا منافاة بين الأمرين، فهو كمن اشترى ثوباً بعبد، فكل واحد منهما بائع، وكل واحد منهما مشتر، فكذا ههنا وعلى هذا التأويل فلا يحتاج إلى ترك الظاهر وإلى حمل لفظ الشراء على البيع. إذا عرفت هذا فنقول: يدخل تحت هذا كل مشقة يتحملها الإنسان في طلب الدين، فيدخل فيه المجاهد، ويدخل فيه الباذل مهجته الصابر على القتل، كما فعله أبو عمار وأمه، ويدخل فيه الآبق من الكفار إلى المسلمين، ويدخل فيه المشتري نفسه من الكفار بماله كما فعل صهيب، ويدخل فيه من يظهر الدين والحق عند السلطان الجائر. وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه بعث جيشاً فحاصروا قصراً فتقدم منهم واحد، فقاتل حتى قتل فقال بعض القوم: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كذبتم رحم الله أبا فلان، وقرأ {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَاء مَرْضَاتِ ٱللَّهِ } ثم اعلم أن المشقة التي يتحملها الإنسان لا بد وأن تكون على وفق الشرع حتى يدخل بسببه تحت الآية، فأما لو كان على خلاف الشرع فهو غير داخل فيه بل يعد ذلك من باب إلقاء النفس في التهلكة نحو ما إذا خاف التلف عند الإغتسال من الجنابة ففعل، قال قتادة: أما والله ما هم بأهل حروراء المراق من الدين ولكنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار لما رأوا المشركين يدعون مع الله إلهاً آخر قاتلوا على دين الله وشروا أنفسهم غضباً لله وجهاداً في سبيله. المسألة الثانية: {يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَاء مَرْضَاتَ ٱللَّهِ } أي لابتغاء مرضاة الله، و {يَشْرِى } بمعنى يشتري. أما قوله تعالى: {وَٱللَّهُ رَءوفٌ بِٱلْعِبَادِ } فمن رأفته أنه جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل المنقطع، ومن رأفته جوز لهم كلمة الكفر إبقاء على النفس، ومن رأفته أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها ومن رأفته ورحمته أن المصر على الكفر مائة سنة إذا تاب ولو في لحظة أسقط كل ذلك العقاب. وأعطاه الثواب الدائم، ومن رأفته أن النفس له والمال، ثم أنه يشتري ملكه بملكه فضلاً منه ورحمة وإحساناً.
القرطبي
تفسير : {ٱبْتِغَآءَ} نصب على المفعول من أجله. ولما ذكر صنيع المنافقين ذكر بعده صنيع المؤمنين. قيل: حديث : نزلت في صهيب فإنه أقبل مهاجراً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فٱتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وانْتَثَل ما في كنانته، وأخذ قوسه، وقال: لقد علمتم أني من أرماكم، وأيْمُ الله لا تصلون إليّ حتى أرمي بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم ٱفعلوا ما شئتم. فقالوا: لا نتركك تذهب عنا غنِيَّا وقد جئتنا صُعْلوكاً، ولكن دُلَّنا على مالك بمكة ونُخْلى عنك؛ وعاهدوه على ذلك ففعل؛ فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} الآية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رَبح البيعُ أبا يحيى»؛ وتلا عليه الآيةتفسير : ، أخرجه رزين؛ وقاله سعيد بن المسيّب رضي الله عنهما. وقال المفسرون: أخذ المشركون صُهيباً فعذّبوه، فقال لهم صُهيب: إني شيخ كبير، لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟ ففعلوا ذلك، وكان شرط عليهم راحلةً ونفقة؛ فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ورجال؛ فقال له أبو بكر: ربح بَيْعُك أبا يحيى. فقال له صُهيب: وبيعُك فلا يخسر، فما ذاك؟ فقال: أنزل الله فيك كذا؛ وقرأ عليه الآية. وقال الحسن: أتدرون فيمن نزلت هذه الآية، نزلت في المسلم لقي الكافر فقال له: قل لا إلۤه إلا الله، فإذا قلتها عصمتَ مالك ونفسك؛ فأبى أن يقولها، فقال المسلم: والله لأشرينّ نفسي لله؛ فتقدّم فقاتل حتى قُتل. وقيل: نزلت فيمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر؛ وعلى ذلك تأوّلها عمر وعليّ وٱبن عباس رضي الله عنهم، قال عليّ وٱبن عباس: ٱقتتل الرجلان، أي قال المغيِّر للمفسد: ٱتق الله؛ فأبى المفسد وأخذته العِزّة، فشرى المُغَيِّر نفسه من الله وقاتله فآقتتلا. وقال أبو الخليل: سمع عمر بن الخطاب إنساناً يقرأ هذه الآية، فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل. وقيل: إن عمر سمع ٱبن عباس يقول: ٱقتتل الرجلان عند قراءة القارىء هذه الآية، فسأله عما قال ففسّر له هذا التفسير؛ فقال له عمر؛ للَّهِ تِلادُك يابن عباس! وقيل: نزلت فيمن يقتحم القتال. حمل هشام بن عامر على الصَّف في القُسْطَنْطِنِيّة فقاتل حتى قُتل، فقرأ أبو هريرة «ومن الناس من يشري نفسه ٱبتغاء مرضات الله»؛ ومثله عن أبي أيوب. وقيل: نزلت في شهداء غَزْوة الرَّجِيع. وقال قتادة: هم المهاجرون والأنصار. وقيل: نزلت في عليّ رضي الله عنه حين تركَه النبيّ صلى الله عليه وسلم على فراشه ليلة خرج إلى الغار، على ما يأتي بيانه في «براءة» إن شاء الله تعالى. وقيل: الآية عامة، تتناول كل مجاهد في سبيل الله، أو مستشهد في ذاته أو مغيِّر منكر. وقد تقدّم حكم من حمل على الصّفّ، ويأتي ذكر المغيّر للمنكر وشروطه وأحكامه في «آل عمران» إن شاء الله تعالى. و «يشرى» معناه يبيع؛ ومنه {أية : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ}تفسير : [يوسف: 20] أي باعوه، وأصله الاستبدال؛ ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ} تفسير : [التوبة: 111]. ومنه قول الشاعر:شعر : وإن كان ريبُ الدهر أمضاك في الألَى شَرَوْا هذه الدنيا بجناته الخلد تفسير : وقال آخر:شعر : وشَريتُ بُرْداً ليتني من بعد بُرْدٍ كنتُ هَامَهْ تفسير : البرد هنا ٱسم غلام. وقال آخر:شعر : يعطى بها ثمناً فيمنعها ويقول صاحبها أَلاَ فاشِر تفسير : وبيع النفس هنا هو بذلها لأوامر الله. «ٱبتغاء» مفعول من أجله. ووقف الكسائيّ على «مرضات» بالتاء، والباقون بالهاء. قال أبو علي: وقف الكسائيّ بالتاء إمّا على لغة من يقول: طَلْحَتْ وعَلْقمتَ؛ ومنه قول الشاعر:شعر : بـل جَوْزِتَيْـهاء كظَهـر الحَجَفَـتْ تفسير : وإما أنه لما كان هذا المضاف إليه في ضمن اللفظة ولا بُدّ أثبت التاء كما ثبتت في الوصل ليعلم أن المضاف إليه مراد. والمَرْضاة الرضا؛ يقال: رَضِيَ يَرْضَى رِضاً ومَرْضاة. وحكى قوم أنه يقال: شرى بمعنى ٱشترى، ويحتاج إلى هذا من تأوّل الآية في صُهيب؛ لأنه ٱشترى نفسه بماله ولم يبعها؛ اللّهم إلا أن يقال: إن عَرْضَ صهيب على قتالهم بيع لنفسه من الله. فيستقيم اللفظ على معنى باع.
البيضاوي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ} يبيعها أي يبذلها في الجهاد، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يُقتل {ٱبْتِغَاء مَرْضَاتَ ٱللَّهِ} طلباً لرضاه. قيل: إنها نزلت في صهيب بن سنان الرومي، أخذه المشركون وعذبوه ليرتد فقال: إني شيخ كبير لا ينفعكم إن كنتُ معكم ولا يضركم إن كنت عليكم فخلوني وما أنا عليه وخذوا مالي فقبلوه منه وأتى المدينة. {وَٱللَّهُ رَءوفٌ بِٱلْعِبَادِ} حيث أرشدهم إلى مثل هذا الشراء وكلفهم بالجهاد فعرضهم لثواب الغزاة والشهداء. {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسّلْمِ كَافَّةً} {ٱلسِّلْمُ} بالكسر والفتح الاستسلام والطاعة، ولذلك يطلق في الصلح والإِسلام. فتحه ابن كثير ونافع والكسائي وكسره الباقون. وكافة اسم للجملة لأنها تكف الأجزاء من التفرق حال من الضمير أو السلم لأنها تؤنث كالحرب قال:شعر : السِّلْمُ تَأخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِه وَالحَرْبُ يَكْفِيْكَ مِنْ أَنَفَاسِهَا جُرَعُ تفسير : والمعنى استسلموا لله وأطيعوه جملة ظاهراً وباطناً، والخطاب للمنافقين، أو ادخلوا في الإسلام بكليتكم ولا تخلطوا به غيره. والخطاب لمؤمني أهل الكتاب، فإنهم بعد إسلامهم عظموا السبت وحرموا الإِبل وألبانها، أو في شرائع الله كلها بالإيمان بالأنبياء والكتب جميعاً والخطاب لأهل الكتاب، أو في شعب الإِسلام وأحكامه كلها فلا تخلوا بشيء والخطاب للمسلمين. {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ} بالتفرق والتفريق. {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} ظاهر العداوة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى } يبيع {نَفْسَهُ } أي يبذلها في طاعة الله {ٱبْتِغَاءَ } طلب {مَرْضَاتِ ٱللَّهِ } رضاه، وهو (صهيب) لما آذاه المشركون هاجر إلى المدينة وترك لهم ماله {وَٱللَّهُ رَءوفٌ بِٱلْعِبَادِ } حيث أرشدهم لِمَا فيه رضاه.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَشْرِى} يبتع، نزلت فيمن أمر بمعروف ونهى عن منكر فقتل، أو في صهيب اشترى نفسه من المشركين بجميع ماله ولحق بالمسلمين، وقال الحسن: العمل الذي باع به نفسه الجهاد.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ...}. قيل: إنّها خاصة بصهيب وقيل عامة في كل مجاهد أو في كل آمر بالمعروف وناه عن المنكر. قال ابن عرفة: (يشري) على أنها خاصة (فعل حال وعلى العموم) مستقبل حقيقة و "النّاس" إمّا المؤمنون فقط أو المؤمنون والكافرون لأنه إذا تعارض العموم في جنس أقرب أو فيه وفي أبعد منه فالأقرب (أولى). "مَرْضَاتِ": قال ابن عطية: وقف عليها حمزة بالتاء والباقون بالهاء. وتبعه أبو حيان وهو غلط إنما وقف عليها بالهاء الكسائي فقط. وعن ورش في إمالتها وجهان، والمشهور عدم الإمالة. قال ابن عرفة: وهو عندي منتقد على الشاطبي لأنه ذكر أنّ ورشا يميل ذوات الياء ثم عدها من ذوات الياء فظاهره أنه يميلها. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ رَءُوفٌ بِٱلْعِبَادِ}. المراد رؤوف بهم، أي بمن يشتري نفسه، أو المراد رؤوف بهم أي بشيء يشتري نفسه. والمراد رؤوف بالنّاس إذَا قلنا: إن الكافر مُنعَم عليه وذلك أنك إذا قلت: أنعم فلان على فلان. فإن أردت أنه أذهب عنه كل مؤلم فالكافر غير منعم عليه في الآخرة. وإن أردت أنه أذهب عنه مؤلما بالإطلاق فالكافر منعم عليه إذْ مَا مِنْ عذابٍ إلاّ وَفِي علم الله (ما هو) أشد منه. قال الزمخشري: "رؤوف بالعباد" حيث كلّفهم الجهاد فعرضهم لثواب (الشهداء). قال ابن عرفة: وهذا جار على مذهبنا لقوله "رؤوف" (فدل على) أَنّه لاَ يَجِبُ عليه مراعاة الأصلح وإنما ذلك محض (رأفة ورحمة) وتفضل.
ابن عادل
تفسير : لمَّا وصفَ في الآية المتقدِّمة حال مَنْ يبذلُ دِينَهُ لطلب الدُّنْيَا ذكر في هذه الآيةِ حالَ من يبذلُ دِينَه ونفسَهُ لطلب الدين، وفي سبب النزول رِوايات. إحداها: عن ابن عبَّاسٍ، والضَّحَّاكِ: أَنَّها نزلَتْ فِي سريَّة الرَّجيع، وذلك أَنَّ كُفّار قريشٍ بعثوا إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بالمدينةِ، أَنَّا قد أَسلمنَا، فابعَثْ إلينا نَفَراً من علماءِ أَصْحابك؛ يُعَلِّمُوننَا دِينك، وكان ذلك مَكْراً مِنْهم فبعث إليهم خُبَيْبَ بن عديٍّ الأَنْصَارِيُّ وَمَرثد بن أبي مَرْثدٍ الغَنَويَّ، وخالد بن بُكَيرٍ، وعبد اللَّهِ بن طارِق بن شهابٍ البَلويَّ، وزيدَ بنَ الدَّثِنَّةِ، وأَمَّرَ عليهم عاصِم بن ثابِت بن أبي الأَقلَحِ الأَنْصَارِيّ. قال أبو هريرة: بعثَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عشرةً عَيْناً، وأَمَّرَ عليهم عاصِم بن ثابِتِ بنِ أَبي الأَقْلح الأَنصَاريَّ فسَارُوا، فَنَزلُوا بَطْنَ "الرَّجِيعِ" بين مَكَّةَ والمَدِينةِ، ومعهم تَمْرُ عَجْوَةٍ، فأكلوا فمرَّتْ عجوزٌ، فأبصرت النَّوَى، فرجعت إلى قومها بمكة، وقالت: قد سَلَكَ هذا الطريقَ أهلُ يثرِبَ مِنْ أَصْحابِ مُحمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - فركِبَ سبعُونَ رَجُلاً منهم معهم الرِّماحُ، حتى أَحَاطُوا بهم. وقال أبو هريرة: ذكروا الحيَّ من هُذَيل يقالُ لهم بنو لحيان، فنَفَرُوا لهم بقريب مِنْ مائة راجلٍ رامٍ، فَاقتَفوا آثارَهُم، حتَّى وجدوا مآكلهم التمر في منزلٍ نزلُوه؛ فقالوا: تَمْرُ يَثْرِبَ، فاتَّبعُوا آثارَهم، فلمَّا أَحَسَّ بهم عاصِمٌ وأصحابُه لجأوا إلى فَدْفَد، فأحاط بهم القومُ، فقتلوا مَرْثَداً وخَالِداً وعبد اللَّهِ بن طارقٍ، ونثر عاصِمُ بنُ ثابتٍ كنانَتَهُ، وفيها سبعة أَسهُمٍ، فقتل بكُلِّ سَهْمٍ رَجُلاً مِنْ عُظَماءِ المُشْرِكينَ، ثُمَّ قال: اللَّهُمَّ، إِنِّي قد حميتُ دِينك صدْرَ النهارِ فاحْمِ لَحْمِي آخر النهارِ، ثُمَّ أَحاطَ به المشركُونَ فقتلُوه، فَلَمَّا قتلوه أَرَادُوا جَزَّ رَأْسِهِ؛ ليبيعُوه من سُلاَفة بنت سعد بن شهيد، وكانت قد نَذَرتْ حين أصاب ابنها يومَ أُحُد لَئِنْ قدرتْ على رأسِ عاصم لتشربنَّ في قِحْفه الخمرَ، فأرسل الله رجلاً من الدَّبْرِ، وهي الزَّنابِيرُ، فحمتْ عاصِماً، فلم يقدِرُوا عليه، فسُمِّي حميَّ الدَّبْرِ، فقالوا: دعوه حتى نُمْسِيَ، فتذهب عنه، فنأْخُذَه، فجاءت سَحَابَةٌ سوداءُ، وأمطرتْ مطراً كالغزالِ فبعث اللَّهُ الوادي غديراً فاحتمَل عاصِماً به فذهب به إلى الجَنَّة، وحَمَل خَمسِين من المشركينَ إلى النار. وكان عاصِمٌ قد أَعْطى اللَّهَ عَهْداً ألاَّ يمسَّهُ مُشْركٌ ولا يَمَسَّ مُشْركاً أبداً، فمنعه اللَّهُ، وكان عُمَر بنُ الخطَّاب يقولُ حين بلغه أَنَّ الدَّبْرَ منعتهُ: عجباً لحِفظ اللَّهِ العَبْدَ المؤمِنَ، كان عاصِمٌ نَذَرَ ألاَّ يَمَسَّهُ مشركٌ، ولا يمسَّ مُشرِكاً أبداً، فمنعه اللَّهُ بعد وفاتِه، كما امتنع عاصم في حياته، وأسر المشركون خُبَيْب بن عديٍّ، وزيد بنَ الدَّثِنَّةٍ، فذهبوا بهما إلى مكةَ، فأمَّا خُبَيْبٌ فابتاعه بنو الحارث بن عامرٍ بن نَوفل بن عبدَ مُناف؛ ليقتلُوه بأبيهم، وكان خُبيب هو الذي قتل الحارِثَ يومَ بدرٍ، فلبث خُبَيبٌ عندهم أسيراً، حتَّى أجمعوا على قتلِه، فاستعار مِنْ بعض بنات الحارثِ مُوسى ليستحِدَّ بِهَا، فأعارتهُ، فدرج بُنيٌّ لها، وهي غافِلةٌ، فما راعَ المرأةَ إلاَّ خبيبٌ قد أَجْلَسَ الصَّبِيَّ على فَخذِهِ، والمُوسى بيده، فصاحت المرأةُ، فقال خبيبٌ: أَتَخْشِينَ أن أَقْتُلَهُ؟ ما كنت لأفعل ذلك، إنّ الغدر ليس مِنْ شَأنِنا، فقالت المرأةُ: واللَّهِ ما رأيْتُ أسيراً خيراً من خُبَيْبٍ؛ واللَّهِ لقد وجدتُه يوماً يأكُلُ قطفاً من عِنَبٍ في يَدِهِ، وإنه لموثقٌ بالحديدِ، وما بمكة من ثَمرةٍ، إن كان إلاَّ رِزْقاً رزقه اللَّهُ خُبَيْباً، ثم إِنَّهم خرجوا به من الحرم ليقتُلُوه في الحِلِّ، وأَرَادُوا أَنْ يصلبُوهُ، فقال لهم خبَيبٌ: دعوني أُصَلِّي ركعتَينِ؛ فتركوه، فكان خُبَيْبٌ هو الذي سَنَّ لكل مُسْلم قُتِلَ صَبْراً الصلاةَ، فركع ركعتين، ثُمَّ قال خَبَيْبٌ: لولا أَنْ يَحْسَبُوا أنَّ ما بي من جزعٍ لزدْتُ، اللهمَّ أَحْصِهم عَدَداً؛ وَاقْتُلهم بَدَداً، ولا تُبْقِ منهم أَحَداً وأنشأ يقولُ: [الطويل] شعر : 1019 - وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي وَذلِكَ فِي ذَاتِ الإلهِ وإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ تفسير : فصَلبُوه حَيَّاً؛ فقال: اللَّهُمَّ إِنَّك تعلمُ أَنَّهُ ليس أَحَدٌ حَوْلِي يبلّغ سَلامِي رسولَك فأبلغهُ سَلامِي، ثم قام أبُو سَروعةَ عُتبَةُ بنُ الحارِثِ فَقَتَله، ويُقَال: كان رجلاً من المشركين يُقالُ له سَلاَمانَ أَبُو مَيْسَرة، معه رُمْح فوضعه بي ثَدْيي خُبيبٍ، فقال له خُبَيْبٌ: اتَّقِ اللَّهَ، فما زاده ذلك إِلاَّ عُتُوّاً، فطعنه فأَنفذه، وذلك قوله: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ}تفسير : [البقرة: 206] يعني سَلاَمَانَ. وأَمَّا زيدُ بنُ الدثنة، فابتاعه صفوانُ بنُ أُميَّة؛ ليقلته بأبيه، أُمية بن خلفٍ، فبعثه مع مَوْلى له يُسَمَّى نسطاس إلى التنعيم، ليقتُلهُ، واجتمع رهطٌ مِنْ قُريشٍ فيهم أبو سُفيان بن حربٍ، فقال له أبو سفيان حين قُدِّمَ ليُقْتَل: أَنْشدك اللَّهَ يا زيدُ، أَتُحِبُّ أَنَّ محمداً عندنا الآن بمكانك، وتُضْرُب عنقُه وإِنَّك في أَهلك؟ فقال: واللَّهِ ما أحبُّ أَنَّ محمداً الآنَ في مكانِه الذي هو فيه تُصيبُه شوكَةٌ تُؤذيه، وأَنا جالِسٌ في أَهْلِي، فقال أَبُو سُفيانَ: ما رأيتُ أحداً من الناس يُحِبُّ أحداً كَحُبِّ أصحاب مُحَمَّدٍ، ثم قتله نِسْطَاسُ. فلمَّا بلغ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - هذا الخبرُ، قال لأَصحابهِ: "حديث : أَيُّكُمْ ينزل خُبَيْباً عن خَشَبته وله الجنةُ" فقال الزُّبَيْرُ أنا يا رَسُول اللَّهِ، وَصَاحِبي المقدادُ بنُ الأَسُودِ، فخرجا يمشيان في الليلِ، ويكمُنانِ بالنهار، حتَّى أََتَيَا التنعيم ليلاً، وإذا حولَ الخَشَبةِ أربعون رجُلاً من المشركين نائمون نشاوى، فَأَنْزَلاَهُ، فإذا هو رَطْبٌ يَنْثَنِي، لم يتغيّرْ بعد أربعين يوماً، ويده على جراحتِه، وهي تَبصُّ دَماً اللونُ لَوْنُ الدّمِ، والريحُ ريحُ المسْكِ، فحمله الزبيرُ على فرسِه، وساروا؛ فانتبه الكفارُ وقد فقدوا خُبَيْباً، فأخبروا قُرَيْشاً، فركب منهم سبعُون رجلاً، فلمَّا لحقوهما قذَفَ الزبيرُ خُبَيْباً؛ فابتلعته الأرضُ فَسُمِّيَ بليعَ الأَرضِ، وقال الزبيرُ: ما جَرَّأكُمْ علينا يا مَعشَر قريشٍ؛ ثم رفع العمامةً عن رأْسِه، وقال: أَنَا الزُّبير بنُ العَوَّام، وأُمِّي صفِيَّةُ بنتُ عبد المطلبِ، وصاحبي المِقدادُ بنُ الأَسُوَدِ، أَسَدَانِ رَابضانِ يَدْفعانِ عن شِبْلهما، فإن شئْتم نازلْتُكم، وإن شِئْتُم انصَرفْتُم. فانصرفا إلى مَكَّة، وقدِما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجبريلُ عِنْده، فقال: يا محمدُ، إِنَّ الملائكة لَتُبَاهِي بهذين من أصحابكتفسير : ، فنزل في الزُّبَيْر والمِقْداد {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 207] حين شرِيا أنفسَهُمَا لإِنْزَالِ خُبَيْبٍ عن خَشَبَته. وقال أكثرُ المفسِّرين: نزلت في صُهَيب بن سِنان، مَوْلى عبد اللَّهِ بنِ جُدْعانَ الرُّومِيِّ، وفي عمَّارِ بن ياسِرٍ، وفي سُمَيَّة أُمَّه، وفي ياسِرٍ أَبيه، وفي بلالٍ مَوْلَى أبي بَكرٍ، وفي خَبَّاب بن الأَرَتّ وفي عابس مَوْلَى حُوَيْطِب؛ أخذَهُم المشرِكُون فَعَذَّبوهم؛ فقال لهم صُهَيبٌ: إِنِّي شيخٌ كَبيرٌ لا يَضُرُّكُمْ أَمِنْكُمْ كُنْتُ أم مِن عَدوِّكم فهل لكم أَنْ تَأْخُذُوا مَالِي، وتذَرُوني؟ ففعلوا، وكان شرط عليهم راحلةً ونَفَقَةً، فأقام بمكةَ ما شاء اللَّهُ، ثم خرج إلى المدينَةِ، فتَلَقَّاهُ أَبُو بكرٍ وعُمرُ في رجال فقال له أَبُو بَكْرٍ: رَبَحَ بَيْعُكَ يا أَبَا يَحيى؛ فقال: وبيعُكَ فلا تخسر ما ذاك؟ فقال: أنزل اللَّهُ فيك كذا وقرأ عليه الآية. وأمَّا خَبَّابُ بنُ الأَرَتِّ وأَبُو ذَرٍّ ففرَّا إلى المدينة، وأَمَّا سُمَيَّةُ فَرُبطَتْ بين بعيرين ثم قُتلت، وقُتل ياسِرٌ. وَأَمَّا البَاقُونَ: فأَعْطوا بسبب العذاب بعض ما أراد المشركُون، فتُرِكُوا، وفيهم نزل قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ}تفسير : [النحل: 41] بتعذيب أهل مكة {أية : لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً}تفسير : [النحل: 41] بالنَّصر والغنيمة، {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ}، وفيهم أُنْزِلَ {أية : لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً}تفسير : [النحل: 106]. وقال سعيدُ بن المُسَيِّب، وعَطَاء: أقبل صُهَيبٌ مهاجراً نحو النبي - صلى الله عليه وسلم - فاتَّبعُه نفرٌ من مُشركِي قريش، فنزل عن راحِلَته، ونَثَلَ ما في كِنانته، ثُمَّ قال: يا معشَرَ قريشٍ، لقد علمتُمْ أَنِّي لَمِنْ أَرْماكُم رَجُلاً، واللَّهِ لا أضع سَهْماً من كِنَانتي إِلاَّ في قَلْبِ رجلٍ منكم وَأَيْمُ اللَّهِ، لا تَصِلُون إِليَّ حتى أَرْمِي بكل سَهْمٍ في كِنَانتي، ثم أَضْربُ بسيفي ما بَقِيَ في يَدِي، ثم افعلُوا ما شِئْتم، وإن شئتم دَلَلْتُكُمْ على مالِي بمكة وخلَّيْتُم سَبِيلي. قالُوا: نَعَمْ، ففعل ذلك، فنزلت الآيةُ وقال الحسنُ: أَتَدْرُونَ فِيمن نزلت هذه الآية؟ نزلَت في المُسْلِم يلْقَى الكافِر فيقولُ له: قُلْ لا إِله إلاَّ اللَّهُ، فيَأْبَى أَنْ يقولَهَا، فيقولُ المسلِم: واللَّهِ لأشترينَّ من نفسي لِلَّهِ، فيتقدَّم فيقاتِلُ حَتَّى يقتل. ورُوِيَ عن عُمر، وعَلِيٍّ، وابنِ عبَّاسٍ: أَنَّها نزلت في الأَمر بالمعرُوفِ، والنَّهي عن المُنْكَرِ. قال ابنُ عبَّاسٍ: أرى مَنْ يَشْري نفسهُ ابتغاءَ مرضاة الله يقومُ فيأْمُر هذا بتقوى اللَّهِ، فإذا لم يقبْل، وأخذته العزَّةُ بالإِثْم، قال هذا: وأنا أَشْرِي نَفْسي فيقاتله، وكان إذا قرأ هذه الآيةَ يقولُ: اقتتلا وربِّ الكَعْبةِ، وسَمِعَ عمرُ بنُ الخطَّابِ إِنساناً يقرأ هذه الآية؛ فقال عُمَرُ: إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إليه راجعون، قام رجلٌ يأمرُ بالمعرُوفِ وينهى عن المُنْكَرِ فَقُتِلَ. وقيل: نزلت في عليِّ بن أبي طالبٍ - رضي اللَّهُ عنه - باتَ على فِراشِ رسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ليلةَ خُروجهِ إلى الغار. قوله تعالى: "مَنْ يَشْرِي": في "مَنْ" الوجهانِ المتقدِّمان في "مَن" الأُولَى، ومعنى يَشْرى: يَبيعُ؛ قال تعالى: {أية : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ}تفسير : [يوسف: 20]، إِنْ أَعَدْنَا الضميرَ المرفوعَ على الآخِرة، وقال [مجزوء الكامل] شعر : 1020 - وَشَرَيْتُ بُرْداً لَيْتَنِي مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهْ تفسير : قال القُرْطبيُّ: بُرْدٌ هنا اسم غلامٍ. فالمعنى: يَبُذُل نفسَه في اللَّهِ، وقيل: بل هو على أصلِهِ من الشِّراء. قوله: "ابتغاءَ" منصوبٌ على أنه مفعولٌ مِنْ أجله، والشروطُ المقتضيةُ للنصب موجودةٌ، والصَّحِيحُ أنَّ إضافَة المفعولِ له مَحْضَةٌ، خلافاً للجرْمِي، والمُبْرّدِ، والرِّيَاشي، وجماعةٍ مِنَ المتأخِّرينَ. و"مَرْضَاةً" مصدرٌ مبنيٌّ على تَاءِ التأنيثِ كَمَدْعَاة، والقياسُ تجريدُهُ عنها؛ نحو: مَغْزى، ومَرْمى. قال القُرطبِيُّ: والمَرْضَاةُ، الرِّضَا، تقولُ: رَضِيَ يَرْضى رِضاً وَمَرْضَاة ووقَفَ حمزةُ عليها بالتاءِ، وذلك لِوَجْهَين: أحدهما: أَنَّ بعضَ العربِ يقِفُ على تاء التأنيثِ بالتاءِ قال القائل في ذلك: [الرجز] شعر : 1021 - دَارٌ لسَلْمَى بَعْدَ حَوْلٍ قَدْ عَفَتْ بَلْ جَوْزِ تَيْهَاءَ كَظَهْرِ الجَحَفتْ تفسير : وقد حكى هذه اللُّغة عن سيبويه. والثاني: أَنْ يكونَ وَقَفَ على نِيَّة الإِضَافة، كأَنَّه نوى لفظَ المضافِ إليه؛ لشدةِ اتِّصال المُتَضَايفيْنِ، فأَقَرَّ التاءَ على حالِها؛ مَنْبَهَةً على ذلك، وهذا كما أَشمُّوا الحرفَ المضْمُوم؛ ليُعْلِمُوا أنَّ الضَّمَّة كالمنطوق بها، وقَدْ أَمالَ الكِسَائيُّ ووَرْشٌ "مَرْضَات". وفي قوله: "بِالْعِبَادِ" خُرُوجٌ من ضميرِ الغَيْبَةِ إِلَى الاسْمِ الظَّاهِرِ؛ إذ كان الأَصْلُ "رَؤوفٌ بِهِ" أَوْ "بِهِمْ" وفائدةُ هذا الخُروجِ أنَّ لفظَ "العِبَادِ" يُؤْذِنُ بالتشرِيف، أو لأنه فاصلةٌ فاختير لذلك. فصل إِذَا قُلنا بأنَّ المراد من هذا الشراءِ البيعُ، فتحقيقُه أَنَّ المكلَّفَ باعَ نَفسَه بثوابِ الآخرَةِ، وهذا البيعُ هو أنَّهُ بَذلَها في طاعةِ اللَّهِ تعالى من الصلاةِ، والصيام، والحج والجهاد، ثم يتوصل بذلك إلى وجدان ثَوَابِ الله تعالى فكان ما يبذلُه مِنْ نفْسِه كالسِّلْعةِ، فكأَنَّهُ كالبائِع، واللَّهُ كالمشتري؛ كما قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ}تفسير : [التوبة: 111] وقد سَمَّى اللَّهُ تعالى ذلك تِجَارةً، فقال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ}تفسير : [الصف:10، 11] وإِنْ أَجْرَينا الآيةَ على ظاهِرهَا، وقُلنا: إِنَّ المرادَ هو الشراءُ، فإن مَنْ أَقْدَم على الكُفْر، والتوسُّعِ في مَلاذِّ الدنيا، والإِعْراض عن الآخرة، وقَعَ في العذاب الدَّائِمِ، فصار كَأَنَّ نَفْسَهُ كانت له، فبسبب الكُفْرِ والفِسْقِ خَرجَتْ عن مِلْكه، وصارت حَقّاً للنار، فإذا ترك الكفر والفِسْق، وأقبل على الإِيمان والطاعةِ صار كأنه اشْترى نَفْسَهُ من النار والعذاب. فإن قيلَ: إن الله تعالى جعل نَفْسَهُ مُشْترياً بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} وهذا يمنع كَونَ المؤمنِ مُشْتَرِياً. فالجوابُ: أنه لا مُنَافَاةَ بين الأَمْرين؛ فهو كمن اشترى ثوْباً بعبدٍ، فكل واحد منهما بائع ومُشْتَرٍ فكذا هَا هُنَا. فصل يدخُلُ تحتَ هذا كُلُّ مَشَقَّةٍ يتحملها الإنسانُ في طلَبِ الدِّين؛ كالجهادِ والصابر على القَتْلِ، كَقَتْلِ والد عَمَّار وأُمِّه، والآبق مِنَ الكُفَّارِ إلى المسلمين، والمُشْترِي نفسَهُ من الكفار بِمَالِه، كفعل صُهَيبٍ، وَمَنْ يُظْهِرُ الدين والحقَّ عِنْدَ السلطان الجائِرِ. رُوِيَ أَنَّ عُمَر - رضي اللَّهُ عنه - بعثَ جَيْشاً، فحاصَرُوا قَصْراً، فتقدَّم منهم وَاحِدٌ فقاتل حتى قُتِلَ، فقال بعضُ القَوْمِ: أَلْقَى بيده إلى التَّهْلكةِ فقال عمرُ: كَذَبْتُم، يرحمُ اللَّهُ أَبَا فُلانٍ. وقرأ {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} واعلَمْ أَنَّ المشقَّةَ التي يتحمَّلُها الإنسان لا بُدَّ وأَنْ تكونَ على وَفْقِ الشَّرع حتى يدخل بسببه تحت الآية، أَمَّا لو كانَ على خِلاَفِ الشرع فلا يَدْخُلُ فيها، بل يَعَدُّ ذلك مِنْ إِلْقَاء النَّفْس إلى التَّهْلَكَة؛ كما لو خاف التَّلَفَ عند الاغتسال مِنَ الجنَابة ففعل. قوله: {وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} فمن رَأْفَتِهِ أنه جعل النَّعِيمَ الدَّائِمَ جزاءً على العَمَلِ القَلِيلِ المُنْقَطِع، ومن رَأْفته جَوَّز لهم كلمة الكفرِ إبْقَاء على النفس، وَمِنْ رَأْفَتِهِ أَنَّهُ لا يكلف نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها، ومِنْ رأْفَتِه ورحمته أن المُصِرَّ على الكُفْرِ مائة سَنَةٍ، إذا تاب - وَلَوْ في لَحْظةٍ - أسقط عنه عِقَابَ تِلْك السنين، وأعطاه الثوابَ الدائم. وَمِنْ رَأْفتِه أَنَّ النفسَ لَهُ والمَال، ثم إِنَّهُ يَشْتَرِي ملكه بملكِه؛ فَضْلاً منه ورحمة وإحْسَاناً وامْتِنَاناً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن مردويه عن صهيب قال "لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت لي قريش: يا صهيب قدمت إلينا ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك والله لا يكون ذلك أبداً، فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت لكم مالي تخلون عني؟ قالوا: نعم. فدفعت إليهم مالي فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ربح البيع صهيب مرتين". وأخرج ابن سعد والحرث بن أبي أسامة في مسنده وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن سعيد بن المسيب قال "أقبل صهيب مهاجراً نحو النبي صلى الله عليه وسلم، فاتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته وانتثل ما في كنانته ثم قال: يا معشر قريش قد علمتم إني من أرماكم رجلاً، وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي فيه شيء، ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة وخليتم سبيلي. قالوا: نعم. فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال: ربح البيع، ربح البيع. ونزلت {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد}". وأخرج الطبراني وابن عساكر عن ابن جريج في قوله {ومن الناس من يشري نفسه} قال: نزلت في صهيب بن سنان وأبي ذر. وأخرج ابن جرير والطبراني عن عكرمة في قوله {ومن الناس من يشري نفسه...} الآية. قال "نزلت في صهيب بن سنان، وأبي ذر الغفاري، وجندب بن السكن أحد أهل أبي ذر، أما أبو ذر فانفلت منهم، فقدم على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رجع مهاجراً عرضوا له وكانوا بمر الظهران، فانفلت أيضاً حتى قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، وأما صهيب فأخذه أهله فافتدى منهم بماله، ثم خرج مهاجراً فأدركه قنفذ بن عمير بن جدعان، فخرج ممَّا بقي من ماله وخلى سبيله". وأخرج الطبراني والحاكم والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن صهيب قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هممت بالخروج، فصدني فتيان من قريش ثم خرجت، فلحقني منهم أناس بعد ما سرت ليردوني، فقلت لهم: هل لكم أن أعطيكم أواقي من ذهب وتخلوا سبيلي؟ ففعلوا. فقلت: احفروا تحت أسكفة الباب فإن تحتها الأواقي، وخرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قباء قبل أن يتحوّل منها، فلما رآني قال: يا أبا يحيى ربح البيع، ثم تلا هذه الآية. وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله {ومن الناس من يشري نفسه...} الآية. قال: هم المهاجرون والأنصار. وأخرج وكيع والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن المغيرة بن شعبة قال: كنا في غزاة فتقدم رجل فقاتل حتى قتل، فقالوا: ألقى بيده إلى التهلكة. فكتب فيه إلى عمر، فكتب عمر: ليس كما قالوا، هو من الذين قال الله فيهم {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن محمد بن سيرين قال: حمل هشام بن عامر على الصف حتى خرقه، فقالوا: ألقى بيده. فقال أبو هريرة {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} . وأخرج البيهقي في سننه عن مدركة بن عوف الأحمسي. أنه كان جالساً عند عمر فذكروا رجلاً شرى نفسه يوم نهاوند، فقال: ذاك خالي زعم الناس أنه ألقى بنفسه إلى التهلكة. فقال عمر: كذب أولئك، بل هو من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا. وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} قال: نزلت صهيب، وفي نفر من أصحابه، أخذهم أهل مكة فعذبوهم ليردوهم إلى الشرك بالله منهم: عمار، وأمية، وسمية، وأبو ياسر، وبلال، وخباب، وعباس مولى حويطب بن عبد العزى. وأخرج الطبراني وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن صهيب "حديث : أن المشركين لما أطافوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبلوا على الغار وأدبروا قال: واصهيباه ولا صهيب لي. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج بعث أبا بكر مرتين أو ثلاثاً إلى صهيب، فوجده يصلي فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم: وجدته يصلي، فكرهت أن أقطع عليه صلاته. فقال: أصبت وخرجا من ليلتهما، فلما أصبح خرج حتى أتى أم رومان زوجة أبي بكر، فقالت: ألا أراك ههنا وقد خرج أخواك ووضعا لك شيئاً من زادهما؟ قال صهيب: فخرجت حتى دخلت على زوجتي أم عمرو، فأخذت سيفي وجعبتي وقوسي حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأجده وأبا بكر جالسين، فلما رآني أبو بكر قام إلي فبشرني بالآية التي نزلت فيّ، وأخذ بيدي فلمته بعض اللائمة، فاعتذر وربحني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ربح البيع أبا يحيى ". تفسير : وأخرج ابن أبي خيثمة وابن عساكر عن مصعب بن عبد الله قال "حديث : هرب صهيب من الروم ومعه مال كثير، فنزل بمكة فعاقد عبد الله بن جدعان وحالفه، وإنما أخذت الروم صهيباً بن رضوى، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لحقه صهيب، فقالت له قريش: لا تلحقه بأهلك ومالك فدفع إليهم ماله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ربح البيع. وأنزل الله في أمره {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} وأخوه مالك بن سنان ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: كنت قاعداً عند عمر إذ جاءه كتاب: أن أهل الكوفة قد قرأ منهم القرآن كذا وكذا فكبر، فقلت: اختلفوا. قال: من أي شيء عرفت؟ قال: قرأت {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا...} الآيتين فإذا فعلوا ذلك لم يصبر صاحب القرآن، ثم قرأت {أية : وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإِثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد}تفسير : [البقرة: 206] {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} قال: صدقت والذي نفسي بيده. وأخرج الحاكم عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: بينما ابن عباس مع عمر وهو آخذ بيده فقال عمر: أرى القرآن قد ظهر في الناس؟ قلت: ما أحب ذلك يا أمير المؤمنين. قال: لم؟ قلت: لأنهم متى يقرأوا ينفروا، ومتى نفروا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يضرب بعضهم رقاب بعض. فقال عمر: إن كنت لأكتمها الناس. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد أن ابن عباس قرأ هذه الآية عند عمر بن الخطاب فقال: اقتتل الرجلان فقال له عمر: ماذا؟ قال: يا أمير المؤمنين أرى ههنا من إذا أمر بتقوى الله أخذته العزة بالإِثم، وأرى من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإِثم قال هذا: وأنا أشري نفسي فقاتله، فاقتتل الرجلان فقال عمر: لله درك يا ابن عباس! وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة. أن عمر بن الخطاب كان تلا هذه الآية {ومن الناس من يعجبك قوله} إلى قوله {ومن الناس من يشري نفسه} قال: اقتتل الرجلان. وأخرج وكيع وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن أبي حاتم والخطيب عن علي بن أبي طالب. أنه قرأ هذه الآية فقال: اقتتلا ورب الكعبة. وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير عن صالح أبي خليل قال: سمع عمر إنساناً يقرأ هذه الآية {وإذا قيل له اتق الله} إلى قوله {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} فاسترجع فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، قام الرجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن قال: أنزلت هذه الآية في المسلم الذي لقي كافراً فقال له: قل لا إله إلا الله، فإذا قلتها عصمت مني دمك ومالك إلا بحقهما، فأبى أن يقولها، فقال المسلم: والله لأشرين نفسي لله فتقدم، فقاتل حتى قتل.
القشيري
تفسير : أولئك الذين أدركتهم خصائص الرحمة، ونعتتهم سوابق القسمة، فآثروا رضاء الحق على أنفسهم، واستسلموا بالكلية لمولاهم، والله رؤوف بالعباد: ولرأفته بهم وصلوا إلى هذه الأحوال، لا بهذه الأحوال استوجبوا رأفته.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن الناس من يشرى نفسه} اى يبيعها ويبذلها فان المكلف لما بذل نفسه فى طاعة الله من الصوم والصلاة والحج والجهاد والزكاة وتوصل بذلك الى وجدان ثواب الله صار المكلف كأنه باع نفسه من الله تعالى بما نال من ثوابه وصار تعالى كأنه اشترى منه نفسه بمقابلة ما اعطاه من ثوابه وفضله {ابتغاء مرضاة الله} اى طلبا لرضاه {والله رؤف بالعباد} ولذلك يكلفهم التقوى ويعرضهم للثواب ومن جملة رأفته بعباده ان ما اشتراه منهم من انفسهم واموالهم انما هو خالص ملكه وحقه ثم انه تعالى يشترى منهم ملكه الخالص المحصور بما لا يعد ولا يحصى من فضله ورحمته رحمة واحسانا وفضلا واكراما. وقيل نزلت فى صهيب بن سنان الرومى خرج من مكة يريد الهجرة الى النبى عليه الصلاة والسلام بالمدينة وهو ابن مائة سنة اتبعه نفر من مشركى قريش وقتلوا نفرا كانوا معه وكان معه كنانة فيها سهامه وكان راميا مصيبا فقال يا معشر قريش لقد علمتم انى من ارماكم رجلا والله لا اضع سهمى الا فى قلب رجل وايم الله لا تصلون الى حتى ارمى بكل سهم فى كنانتى ثم اضرب بسيفى ما بقى فى يديى ثم افعلوا ما شئتم ولن ينفعكم كونى فيكم فانى شيخ كبير ولى مال فى دارى بمكة فارجعوا وخذوه وخلونى وما انا عليه من الاسلام ففعلوا وسار هو الى المدينة فلما دخلها لقيه ابو بكر فقال له ربح البيع يا صهيب فقال وما ذاك يا ابا بكر فأخبره بما نزل فيه ففرح بذلك صهيب. فيشرى حينئذ بمعنى يشترى لجريان الحال على صورة الشراء لانه اشترى نفسه من المشركين ببذل ماله لهم. واعلم ان المؤمنين باعوا باختيارهم انفسهم فكان ثمن نفس المؤمن الجنة اما الاولياء فانهم باعوا باختيارهم انفسهم فكان ثمن نفس الاولياء مرضاة الله تعالى وبينهما فروق كثيرة فعلى السالك ان يخرج من اوطان البشرية ويغترب عن ديار الاقران حتى يكون مجاهدا حقيقيا وشهيدا معنويا قال عليه الصلاة والسلام "حديث : طوبى للغرباءbr>". تفسير : وقال ايضا "حديث : من مات غريبا فقد مات شهيداbr>". تفسير : يشير بذلك الى الانقطاع من الخلق الى الخالق وذلك لا يكون الا بمخالفة الجمهور فى العادات والشهوات وفى الحديث "حديث : يا انس ان استعطت ان تكون ابدا على وضوء فافعل فان ملك الموت اذا قبض روح العبد وهو على وضوء كتب له شهادةbr>". تفسير : وذلك لان الوضوء واشارة الى الانفصال عما سوى الله تعالى كما ان الصلاة اشارة الى الاتصال بالله تعالى وفى الحديث ايضا "حديث : دم على الطهارة يوسع عليك الرزقbr>". تفسير : فالطهارة الصورية سبب لتوسيع الرزق الصورى وكذا طهارة الباطن سبب لتوسيع الرزق المعنوى من المعارف والالهامات والواردات وعند ذلك يحيى القلب بالحياة الطيبة وتموت النفس عن صفاتها وليس ذلك الا اثر الجهاد الحقيقى فمن تخلص من قيد النفس ومات بالاختيار فهو حى ابدا: وفى المثنوى شعر : اى بسا نفس شهيد معتمد مرده دردنيا وزنده مى رود تفسير : ولا بد للعبد من العروج من الخلق الى الخالق ومن الحاجة التامة لنفسه الى الغنى التام بالحق فى تحصيل كل الخيرات ودفع كل الآفات فاذا فر الى الله ووصل الى جماله وغرق فى مشاهدة جلاله شاهد سر قوله تعالى {أية : قل الله ثم ذرهم} تفسير : [الأَنعام: 91] واول الامر ترك الاموال ثم ترك الاولاد ثم ترك النفس. فعند الاول يتجلى توحيد الافعال. وعند الثانى يتجلى توحيد الصفات. وعند الثالث يتجلى توحيد الذات وهو اعلى الدرجات. فعلى العاقل اكثار ذكر الله فانه سبب لتصفية الباطن وصقالة القلب قال تعالى {أية : واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} تفسير : [الجمعة: 10]. ولا فلاح اعظم من ان يصل الطالب الى المطلوب اللهم اجعلنا مفلحين.
الطوسي
تفسير : النزول: قال قتادة: نزلت هذه الآية في المهاجرين والأنصار. وقال عكرمة: نزلت في أبي ذرّ الغفاري: جندب بن السكن، وصهيب بن سهان، لأن أهل أبي ذر أخذوا أبا ذر، فانفلت منهم، فقدم على النبي (صلى الله عليه وسلم)، فلما رجع مهاجراً عرضوا له، وكان يمر الظهران، فانفلت أيضاً منهم حتى قدم النبي (صلى الله عليه وسلم)، فلما رجع مهاجراً عرضوا له، فانفلت حتى نزل على النبي (صلى الله عليه وسلم). فأما صهيب، فانه أخذه المشركون من أهله فافتدى منهم بماله ثم خرج مهاجراً، فأدركه منقذ بن ظريف بن خدعان، فخرج له مما بقي من ماله، وخلّى سبيله. وروي عن أبي جعفر (ع) أنه قال: نزلت في علي (ع) حين بات على فراش رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما أرادت قريش قتله، حتى خرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وفات المشركين أغراضهم، وبه قال عمر بن شبه. المعنى: وروي عن علي (ع)، وابن عباس: أن المراد بالآية: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وقال الحسن: هي عامة في كل من يبيع نفسه لله بأن يقيم نفسه في جهاد عدوّه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وغير ذلك مما أمر الله به، وتوّعد على خلافه. وقوله تعالى: {يشري نفسه} معناه يبيع نفسه، وقد بينا فيما مضى أن الشراء يكون بمعنى البيع، كما قال: {أية : وشروه بثمن بخس}تفسير : أي باعوه وقال الشاعر: شعر : وشريت برداً ليتني من بعد برد كنت هامه تفسير : أي بعت. والشراء استبدال العوض بالثمن. وشرى باع واشترى ابتاع. وشرا ها هنا مجاز، لأن أصله في الأثمان من العين، والورق، لذلك لا يقال: باع متاعه إذا تصدق به؛ لأن الأظهر إذا أطلق أنه باعه بالثمن. وقوله تعالى: {ابتغاء مرضات الله} معناه طلب مرضات الله، ومثله {أية : حذر الموت} تفسير : قال الشاعر: شعر : وأغفرُ عوراء الكريم ادّخاره وأعرض عن شتم اللئيم تكرما تفسير : ولا يجوز قياساً على ذلك فعله زيداً أي لزيد. ويجوز فعله خوفاً، لأن في ذكر المصدر دليلا على العرض الداعي الى الفعل، وليس كذلك ذكر زيد، والمرضاة والرضى واحد وهو ضد السخط. قوله تعالى: {والله رءوف بالعباد} قد بينا فيما مضى معنى الرؤف. والخلاف فيه، ومعناه ذو رحمة واسعة بعبده الذي شرى نفسه له في جهاد من جاهد في أمره من أهل الشرك، والفسوق. وإنما ذكر الرؤوف بالعباد هنا للدلالة على أنه انما رّغب العبد في بيع نفسه بالجهاد في نفسه رأفة به، وحسن نظر له، ليبتليه من الثواب المستحق على عمله ما لا يجوز أن يصل إليه في جلالته إلا بتلك المنزلة.
الجنابذي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي} يبيع {نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} يعنى لا لنفسه او لنفسه ولكن من غير استشعارٍ بالابتغاء فانّه ان كان ابتغاء مرضات الله لنفسه بالاستشعار كان مناقضاً لقوله يشرى نفسه، ونزول هذه الآية فى علىّ (ع) وبيتوتته على فراش النّبىّ (ص) ليلة فراره (ص) كما روى بطريق العامّة والخاصّة وتجرى الآية الاولى فى كلّ منافقٍ لا يتوسّل الى ربّه والثّانية فى كلّ من قام عن نفسه وطرح انانيّته وفنى فى ربّه وبينهما مراتب ودرجات ادرجها تعالى فى صنفين الاوّل من توسّل بالله لتعمير دنياه بمراتبه والثّانى من توسّل بالله لدنياه وآخرته واشار اليهما بقوله: {أية : فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ}تفسير : [البقرة: 200] الى آخر الآية {وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} فبرأفته يمهل المنافق ويحفظ الفانى ويجزى طالب الدّنيا والآخرة والرّأفة والرّحمة متقاربتان اذا اجتمعتا فانّ الرّحمة امر نفسانىّ والرّأفة ما يشاهد من آثارها على الاعضاء.
الحبري
تفسير : حَدَّثَنَا عليٌّ بنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَني الحِبَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيَى بنُ عَبْدِ الحَمِيْدِ، قالَ: حَدَّثنا أَبو عوَانَة، عن أَبي بَلْجٍ عن عَمْرِو بنِ مَيْمُون، عن: ابنِ عَبَّاسٍ: في عَليٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ الى الغَار، فَأَنامَهُ النَّبِيُّ علَيْهِ السَّلامُ في مَكَانِهِ، وَأَلْبَسَهُ بُرْدَهُ، فَجائَتْ قريش تريد أن تقتل النبيّ صلّى الله عليه [وآله] فجعلوا يرمون عليّاً، وهم يرون أنه النبيّ صلّى الله عليهِ وآلِهِ، (وقد ألبسه النبيّ صلّى الله عليه [وآله] برده) فجعل يَتَضَوَّرُ، فنظروا، فاذا هو عليّ عليه السلام فقالوا: انك لنائم ألو كان صاحبك ما تضور، لقد استنكرنا ذلك منه. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ }.
فرات الكوفي
تفسير : فرات قال: حدثني عبيد بن كثير قال: حدثنا هشام بن يونس اللؤلؤي قال: حدثنا محمد بن فضيل عن الكلبي عن أبي صالح: عن ابن عباس رضي الله عنه [ر. عنهما] في قوله [تعالى. ر]: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} قال: نزل في علي بن أبي طالب عليه السلام حين بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث طلبه المشركون. فرات قال: حدثني عبيد بن كثير قال: حدثنا رزيق بن مرزوق قال: حدثنا حكم بن ظهير عن السدي عن أبي مالك: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد} قال: نزلت في علي عليه السلام ليلة بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فرات قال: حدثنا الحسين بن الحكم قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال: حدثنا أبو عوانة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون: عن ابن عباس [رضي الله عنه قال: ن] في علي [بن أبي طالب. ر] عليه السلام لمّا انطلق النبي صلى الله عليه [وآله وسلم. ن] في [ح: إلى] الغار فأنامه النبي صلى الله عليه [وآله وسلم. ب] في مكانه وألبسه برده فجاءت قريش تريد أن تقتل [ر، أ: فجاء قريش يريد أن يقتل] النبي [صلى الله عليه. ح، أ، ب] [وآله وسلم. أ، ب] فجعلوا يرمون علياً وهم يرون أنه النبي [صلى الله عليه. ح، أ، ب] [وآله وسلم. أ، ب] وقد ألبسه النبي [صلى لله عليه. ح، ن] [وآله وسلم. أ، ب] برده فجعل يتضوّر فنظروا فإذا هو عليٌّ [عليه السلام. ح] فقالوا: إنك لنائم؟ ولو [ح: لو] كان صاحبك ما تضوّر، لقد استنكرنا ذلك منك.
الهواري
تفسير : قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} أي بالمؤمنين من عباده. قال: إن المؤمن دعا الكافر إلى طاعة الله فأبى، فشرى المؤمن نفسه بالجنة، أي باع نفسه بالجنة فاشتراها. قال: {ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ} بالجهاد في قتال المشركين. وهو مثل قوله: (أية : إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ)تفسير : [التوبة:111]. وقال بعضهم: إن أصحاب النبي من المهاجرين والأنصار، لما رأوا المشركين يدعون مع الله إِلهاً آخر، شروا بأنفسهم غضب الله، وجاهدوا في سبيل الله حتى أظهر الله دينَه. قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} والسلم: الإِسلام قال الحسن: هو مثل قوله: (أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَءَامِنُوا بِرَسُولِهِ) تفسير : [الحديد:28]، ومثل قوله: (أية : اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) تفسير : [التوبة:119] أي المؤمنين الذين صدقوا في قولهم وفعلهم، أي أَكمِلوا الدين ولا تنقصوه فإنكم لا تستوجبون ثوابه إلا بالإِكمال والوفاء. وقال الحسن: هو كقوله: (أية : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ) تفسير : [الأحزاب: 1] ولا يجعلها من هذا الوجه. وقال الكلبي: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}، يعني شرائع الإِسلام، كأنه يقول: استكملوا الإِيمان. قوله: {وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} أي أمر الشيطان. وهو أن يأخذوا شرائع دينهم الأول. {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أخبرهم أن الشيطان لهم عدو مبين، أي بيّن العداوة. {فَإِن زَلَلْتُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ} يعني بالزلل الكفر قال بعض المفسّرين: أنزلها الله وقد علم أنه سيزلّ زالّون. وقال بعضهم في تأويل خطوات الشيطان قال: هي العداوة والمعاصي. وقال بعضهم {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} أي: في الإِسلام جميعاً. قوله: {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ} أي: في نقمته {حَكِيمٌ} أي: في أمره. وقال السدي: تفسير العزيز: هو المنيع في نقمته.
اطفيش
تفسير : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَه}: يشتريها من النار، أو يبيعها بالجنة، وذلك بأن يجاهد فى سبيل الله، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حتى يقتل، أو يشترى دينه بماله يجعله وقاية لسلامة دينه، أو يفعل ما يموت به شهيداً ويقبل ما يوجب له الجنة ويعصمه عن النار، ولو لم يمت كالصلاة والزكاة والصوم والحج وقراءة القرآن، والجهاد والأمر والنهى، روى أن عمر سمع رجلا يقرأ هذه الآية فقال: إنَّ للّهِ وإنا إليْهِ راجِعُون، قام رجل فأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر فقتل وأخرج الترمذى عن أبى سعيد وقال، حديث حسن غريب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر"تفسير : وروى ابن ماجه عن أبى سعيد وأبى أمامة وروى أحمد والطبرانى فى كبيره، والبيهقى فى شعبه، عن أبى أمامة وأحمد والنسائى، والبيهقى فى شعبه عن طارق بن شهاب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"تفسير : وروى أبو نعيم عن على عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الجهاد أربع: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والصدق فى مواطن الصبر، وشنآن الفسق"تفسير : وكان على إذا قرأ هذه الآية يقول: اقتتلا ورب الكعبة قيل: نزلت الآية فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، يقوم فيأمر بتقوى الله، فإذا لم يقبل المأمور وأخذته العزة بالإثم قام الآخر فقال وأنا أشرى نفسى لله، فقاتله طلبا لمرضاة الله كما قال عز وعلا. {ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ}: أى طلبا لرضاه، وعن الحسن: أتدرون فيمن نزلت هذه الآية؟ نزلت فى المسلم يلقى الكافر فيقول له قل لا إله إلا الله فيأبى أن يقولها، فيقول المسلم: والله لأشرين نفسى لله، فتقدم فقاتل وحده حتى قتل، وقال سعيد بن المسيب، وعطاء:حديث : أقبل صهيب مهاجراً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من مشركى قريش، فنزل عن راحلته وأخرج ما كان فى كنانته فقال والله لا تصلون إلىَّ أو أرمى بكل سهم معى، ثم أضرب بسيفى ما بقى فى يدى، وإن شئتم دللتكم على مال دفنته بمكة وخليتم سبيلى؟ قالوا: نعم. ففعل، فلما قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزلت الآية: {ومِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابتغاءَ مرضات الله} إلى آخرها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رَبِحَ البْيَعْ أبا يحيى"تفسير : وتلا عليه هذه الآية، وكذا قال أكثر المفسرين: نزلت فى صهيب وهو صهيب بن سنان الرومى، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : سابق الروم يوم القيامة صهيب وهو عربى"تفسير : وإنما نسب إلى الروم لأن منازل أهله كانت بأرض الموصل فغارت الروم على تلك الناحية فسبته وهو غلام صغير، فنشأ بالروم وإنما هو من العمر بن قاسط. وعن ابن عباس رضى الله عنه: نزلت هذه الآية فى سرية الرجيع وكانت بعد أحد وسميت بسرية الرجيع، لأنهم نزلوا سحرا فى موضع يسمى الرجيع، فأكلوا تمراً وألقوا النوى، واستدل عليهم به كما يأتى، وهو بفتح الراء وكسر الجيم اسم ماء لهذيل بين مكة وعسفان بناحية الحجاز، وكانت الوقعة بالقرب منه، فيحتمل أن تسمى سرية الرجيع لكون الوقعة بالقرب منه، وقصة عضل القارة كانت فى بعث الرجيع كما تراه ان شاء الله لا فى سرية بئر معونة، قال ابن اسحاق: كانت بعث الرجيع فى أواخر سنة ثلاث، وبئر معونة فى أوائل سنة أربع. وعضل: بطن من بنى الهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مصر، ينسبون إلى عضل ابن الديس، والقارة بالقاف والراء الخفيفة بطن من الهون أيضاً ينسبون إلى الديس المذكور، قال بن دريد: القارة أكمة سوداء فيها حجارة كأنهم نزلوا عندها فسموا بها، وقيل: بعث الرجيع كان على رأس سنة ثلاث، وذكر الواقدى أن خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرجيع جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى ليلة واحدة، قال القسطلانى: سياق ترجمة البخارى يوهم أن بعث الرجيع وبئر معونة شئ واحد، وليس كذلك لأن بعث الرجيع كان سرية عاصم وخبيب وأصحابهما وهو مع عضل والقارة، وبئر معونة كان سرية القراء، وهى مع رعل وذكوان، ولعل البخارى أدمجها معها لقربها منها، ويدل على قربه منها ما فى حديث أنس من تشريك النبى صلى الله عليه وسلم بين بنى لحيان وبين بنى عصية وغيرهم فى الدعاء عليهم، ولم يرد البخارى أنهما قصة واحدة، ولم يقع ذكر عضل والقارة عنده صريحاً، وإنما وقع ذلك عند ابن إسحاق، ولفظ البخارى بنسخة عتيقة جيدة فاشية بخط أندلسى اتصلت بيدى من صاحبى حم بن يحيى من المغرب هكذا بعد سند عن أبى هريرة قال: حديث : بعث النبى صلى الله عليه وسلم سرية عينا وأمَّر عليهم عاصم ابن ثابت وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب، فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة ذكروا الحى من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فتبعوهم بقريب عن مائة رام فاقتصوا آثارهم حتى رأوا منزلا نزلوه، فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجئوا إلى فدفد، وجاء القوم فأحاطوا بهم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا لا نقتل منكم رجلا، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل فى ذمة كافر اللهم أخبر عنا رسولك، فقاتلوهم فرموهم حتى قتلوا عاصما فى سبعة نفر بالنبل، فبقى خبيب وزيد ورجل آخر فأعطوهم العهد والميثاق، نزلوا إليهم فلما استمكنوا فيهم حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها فقال الرجل الثالث الذى معهم هذا أول الغدر فأبى أن يصحبهم فجروه وعالجوه أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيباً بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو الذى قتل الحارث يوم بدر، فمكث عندهم أسيراً إذا أجمعوا على قتله استعار موسى من بعض بنات الحارث يستحدّ بها فأعارته، قالت: فغفلت عن صبى لى فدرج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذلك منى وفى يده الموسى، فقال أتخشين منى لأقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله، وكانت تقول: ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة، وأنهُ لموثق بالحديد، وما كان إلا رزقاً رزقه الله خبيباً، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه قال: دعونى أصلى ركعتين، ثم انصرف إليهم فقال: لولا أنكم ترون أنى جزع من الموت لزدت، فكان أول من سن ركعتين عند القتل، وقال: اللهم أحصهم عدداً ولا تبق منهم أحداً. وقال: * ولست أبالى حين أقتل مسلما * على أى جنب كان لله مرجعى * * وذلك فى ذات الإله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع * ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله، وبعثت قريش إلى عاصم ليأتى بشئ من جسده بعد موته، أى ليعرفوه، وكان قتل عظيما من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلمة من الدبر فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شئتفسير : ، زاد فى رواية، وأخبر يعنى النبى صلى الله عليه وسلم يوم أصيبوا خبرهم، والفدفد: هو الموضع الذى فيه غلظة وارتفاع أو الرابية المشرفة، والاستحداد: حلق العانة، والقطف: العنقود من العنب، والوصل: العضو والشلو: العضو من الإنسان، ويطلق على الجسد وهو المراد هنا، والممزع: المفرق، والظلة: الشئ الذى يظلل من فوق الإنسان، والدبر: بفتح الدال والباء الموحدة وبسكونها أيضاً: جماعة النحل والزنابير، وزاد أبو الأسود عن عروة مع ذينك البيتين: شعر : لقد أجمع الأحزاب فىّ وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمع إلى الله أشكو غربتى بعد كربتى وما أرصد الأحزاب لى عند مصرعى تفسير : وساق ابن اسحاق جملة أبيات خبيب حينئذ ثلاثة عشر بيتاً، قال ابن هشام اللخمى: ومن الناس من ينكر أن تكون هذه الأبيات لخبيب، ولفظ ابن اسحاق حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة قال: قدم على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد أحد رهط من عضل والقارة، فقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاماً فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا، فبعث معهم ستة من أصحابه وأمَّر عليه الصلاة والسلام على القوم مرثد بن أبى مرثد الغنوى، وتقدم عن البخارى أنه أمَّر عليهم عاصم بن ثابت، وهو أصح. قال ابن اسحاق: فخرجوا مع القوم حتى أتوا على الرجيع ماء لهذيل غدروا بهم، فاستصرخوا عليهم هذيلا فلم يرع القوم وهم فى رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف، وقد غشوهم فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم فقالوا لهم: إنا والله لا نريد قتلكم ولكن نريد أن نصيب بكم شيئاً من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم، فأبوا، فأما مرثد وخالد وعاصم فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهداً، وقاتلوا حتى قتلوا، ومرت رواية البخارى، وفى رواية له أيضاً: أمَّر عليهم عاصم بن ثابت حتى إذا كانوا بالهداة بين عسفان ومكة ذكروا لحى من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فنفروا لهم بقريب من مائتى رجل تثنية مائة، ويجمع بينهما بأن المائة الأخرى فى رواية الإفراد غيرة رماة، وذكرت فى رواية التثنية، وروى أبو معشر فى مغازيه: فنزلوا بالرجيع سحرا، فأكلوا تمر عجوة، فسقط نواه بالأرض، وكانوا يسيرون بالليل، ويكمنون بالنهار، فجاءت امرأة من هذيل ترعى غنما، فرأت النويات فأنكرت صغرهن، فقالت: هذا تمر يثرب، فصاحت فى قومها: قد أوتيتم، فجاءوا فى طلبهم، فوجدوهم قد كمنوا فى الجبل، فاتبعوا أثرهم حتى لحقوهم، وفى رواية ابن سعد: فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجئوا إلى فدفد، فأحاط بهم القوم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلا، فقال عاصم ابن ثابت: أيها القوم أما أنا فلا أنزل فى ذمة كافر، ثم قال: اللهم أخبر عنا رسولك، فاستجاب الله لعاصم فأخبر خبرهم يوم أصيبوا، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما، ونزل إليهم على العهد والميثاق خبيب بن عدى، وزيد بن الدثنة - بفتح الدال المهملة، وكسر المثلثة والنون المفتوحة المشددة - وعبد الله ابن طارق، فانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة، حتى باعوهما بمكة، فابتاع ابن الحارث بن عاصم خبيباً، فلبث خبيب عندهم أسيراً حتى أجمعوا على قتله استعار من بعض بنات الحارث موسى ليستحدَّ بها - يعنى يحلق عانته كما مر - فغفلت عن ابن لها صغير، فأقبل إليه الصبى فأجلسه عنده، فخشيت المرأة أن يقتله، ففزعت، فقال خبيب: ما كنت لأعذر، قال قالت: والله ما رأيت أسيراً خيرا من خبيب، والله لقد وجدته يأكل قطفاً من عنب مثل رأس الرجل، وإنه لموثق بالحديد، وما بمكة من ثمرة، وما كان إلا رزقاً رزقه الله، وهذه كرامة جعلها الله تعالى لخبيب آية على الكفار، وبرهانا لنبيه صلى الله عليه وسلم، لتصحح رسالته وكرامته لأوليائه ثابتة مطلقة عندنا وعند المتسمين بأهل السنة، إلا ما وقع به التحدى لبعض الأنبياء كما استثناه القشيرى كإيجاد حيوان بلا أب كناقة صالح، وطيور عيسى، وبهذا يقيد إطلاق من يقول: كل معجزة وجدت لنبى يجوز أن تقع كرامة لولى، ولا يكون ذلك علامة على أنه ولى لله إلا أن اختبر ووجد متمسكاً بالأوامر الشرعية، منتهياً عن النواهى، وتقدم أنهم خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه، فقال: دعونى أصلى ركعتين، وعند موسى بن عقبة أنه صلاهما فى موضع مسجد التنعيم، وقال: اللهم احصهم عددا، ولا تبق منهم أحدا، واقتلهم بددا، يعنى متفرقين، فلم يحل الحول ومنهم أحد حى. وروى بريدة بن سفيان فقال: اللهم إنى لا أجد من يبلغ رسولك منى السلام، فبلغهُ، وفى رواية الأسود عن عروة: جاء جبريل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك الحديث، وإنما كانت صلاة خبيب للركعتين سنة لكل مسلم يُقْتَلُ صبراً إلا أنها كانت على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واستحسنوا والسنة أقواله وأفعاله وتقريره، صلى الله عليه وسلم، مع أن الصلاة خير ما ختم به العبد عمله، وقد صلى هاتين الركعتين زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فى حياته، صلى الله عليه وسلم، قال السهيلى بسنده إلى الليث بن سعد: بلغنى أن زيد بن حارثة اكترى بغلا من رجل بالطائف، فاشترط عليه المكرى أن ينزله حيث شاء، قال فمال به إلى خربة، فقال له: انزل، فنزل فإذا فى الخربة قتلى كثيرة، قال فلما أراد أن يقتله قال له: عنى حتى أصلى ركعتين، قال: صلِّ، فقد صلى قبلك هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيئاً: قال: فلما صليت أتانى ليقتلنى، فقلت: يا أرحم الراحمين، قال فسمع صوتا لا تقتله!! فهاب ذلك، فخرج يطلب فلم يجد شيئاً، فرجع إلى فناديت: يا أرحم الراحمين، ففعل ذلك ثلاثاً؛ فإذا بفارس على فرس فى يده حربة حديد فى رأسها شعلة نار، فطعنه بها فأنفذها من ظهره، فوقع ميتا، ثم قال: لما دعوت المرة الأولى يا أرحم الراحمين كنت فى السماء السابعة، فلما دعوت فى المرة الثانية يا أرحم الراحمين، كنت فى السماء الدنيا، فلما دعوت الثالثة أتيتك. وفى رواية أبى الأسود عن عروة: لما وضعوا السلاح فى خبيب وهو مصلوب، نادوه وناشدوه أتحب أن محمداً مكانك؟ قال: لا والله ما أحب أن يفدينى بشوكة فى قدمه. ويقال إن الذى قيل له ذلك زيد بن الدثنة، وأن أبا سفيان قال له: يا زيد أنشدك بالله أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وأنك فى أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمداً الآن فى مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإبى لجالس فى أهلى. قال يقول أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً، فقتله نسطاس (بكسر النون). وتقدم عن البخارى أن عاصما قتل عظيما من قريش قبل ذلك، ولعله عقبة بن أبى معيط، فإن عاصما قتله صبراً بأمر النبى، صلى الله عليه وسلم، بعد أن انصرفوا من بدر، وذكر ابن إسحاق وبريدة بن سفيان: أن عاصما لما قتل أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد، وهى أم مساقع وجلاس ابنى طلحة العبدى، وكان عاصم قتلهما يوم أحد، وكانت قد نذرت حين أصاب أبها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن الخمر فى قحفه - بكر القاف - وهو ما انفلق من الجمجمة فبان. قال الطبرى: وجعلت لمن جاء برأسه مائة ناقة، فمنعه منهم الدبر فلم يقدروا منه على شئ، وكان عاصم بن ثابت قد أعطى الله عهداً ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركاً، فكان عمر لما بلغه خبره يقول: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته، كما حفظه فى حياته، وإنما استجاب الله تعالى له فى حماية لحمه من المشركين، ولم يمنعهم من قتله لما أراد من إكرامه بالشهادة. ومن كرامته حمايته من هتك حرمته بقطع لحمه. وفى رواية عن ابن إسحاق: لما انقضى أمر أحد قدم النبى - صلى الله عليه وسلم - رهط من عضل والقارة من مزينة، فقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاماً، فابعث معنا نفراً من أصحابك يعلموننا شرائع الإسلام، فبعث معهم ستة من أصحابه وهم: مرثد بن أبى المرثد، حليف حمزة بن عبد المطلب، وأمَّره عليهم، وخالد بن البكير، وعاصم بن ثابت وخبيب بن عدى، وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق، فخرجوا معهم حتى إذا كانوا على الرجيع - ماء هذيل - استصرخوهم عليهم، وأما مرثد وخالد وعاصم فقاتلوا حتى قتلوا، وأسروا زيدا بن الدثنة وخبيباً وعبد الله ابن طارق، ثم انفلت منهم عبد الله فقاتلهم حتى قتل، ولما قتل عاصم وأرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد، امرأة من المشركين كانت نذرت حين أصيب أبوها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن فى قحفه الخمر، فمنعته الدبر، فلما حالت بينهم وبينه قالوا: دعوه حتى يمسى فنذهب عنه فنأخذه، فبعث الله الوادى فحمل عاصما فذهب به، وقد كان عاصم أعطى الله عهداً ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركاً أبداً، تنجيساً فكان عمر بن الخطاب يقول حين بلغه أن الدبر منعته: يحفظ الله العبد المؤمن كان عاصم نذر ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركاً أبداً فى حياته، فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه فى حياته، ثم إن هذيلا باعوا خبيباً وزيد بن الدثنة من قريش بأسيرين من هذيل كانا بمكة، قال ابن إسحاق، فأما خبيب فحبس فى بيت ماوية، فكانت تخير بعد إسلامها أنها طلعت عليه يوماً وأن فى يده لقطفاً من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه، والله ما أعلم فى أرض الله عنباً يؤكل، وتبع أبو سعيد النيسابورى وأبو الربيع الكلاعى ابن اسحاق على ذلك. وفى رواية: أن كفار قريش بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة إنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفرا من أصحابك يعلمونا دينك، وكان ذلك مكراً منهم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خبيب بن عدى، الأنصارى، ومرثد بن أبى مرثد الغنوى، وخالد بن بكير، وعبد الله ابن طريق بن شهاب البلوى، وزيد بن الدثنة، وأمر عليهم عاصم بن ثابت ابن أبى أفلح الأنصارى، وذكر الراوى مثل ما مرَّ أولا عن البخارى، ثم قال: فصلبوا خبيباً حياً فقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس لى أحد حولى يبلغ سلامى رسولك؛ فأبلغه سلامى. فقال إليه عقبة بن الحارث فقتله، ويقال: حديث : كان رجل من المشركين يقال له أبو ميسرة سلامان معه رمح فوضعه بين ثديى خبيب، فقال له خبيب: اتق الله، فما زاده إلا عنفا، فطعنه فأنفذه وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف، فبعثه مع مولى له يسمى نسطاس إلى التنعيم ليقتله فى الحل، واجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمداً عندنا الآن فى مكانك تضرب عنقه وأنك فى أهلك؟ فقال زيد: والله ما أحب أن محمداً الآن فى مكانه الذى هو تصيبه شوكة تؤذيه، وأنا جالس فى أهلى. فقال أبو سفيان: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً، ثم قتله نسطاس، فلما بلغ النبى صلى الله عليه وسلم هذا الخبر قال لأصحابه: "أيكم ينزل خبيباً عن خشبته وله الجنة؟" فقال له الزبير: أنا يا رسول الله وصاحبى المقداد بن الأسود، فخرجا يمشيان الليل ويكمنان النهار حتى أتيا التنغيم ليلا، فإذا حول الخشبة أربعون من المشركين نيام، فأنزلاه عن خشبته فإذا هو رطب لم يتغير منه شئ، وبدا على جراحاته وهى تفيض دماً اللون لون الدم والريح ريح المسك، فحمله الزبير على فرسه وسارا فانتبه الكفار وقد فقدوا خبيباً، فأخبروا قريشاً فركب منهم سبعون فارساً، فلما لحقوهم قذف الزبير خبيباً فابتلعته الأرض، فسمى بليع الأرض، وإنما قذفه ليتفرغ للقتال ولما قذفه قال وهو واقف ثابت مشمر للقتال: ما أجرأكم علينا يا معشر قريش! ثم رفع العمامة عن رأسه وقال: أنا الزبير بن العوام، وأمى صفية بنت عبد المطلب، وصاحبى المقداد بن الأسود، أسدان ضاريان يدفعان عن أشبالهما، فإن شئتم ناضلتم، وإن شئتم انصرفتم، فانصرفوا إلى مكة ولو لم تبتلعه الأرض لم يأتيا المدينة إلا به رضى الله عنه، وقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل عنده فقال: يا محمد إن الملائكة لتباهى بهذين من أصحابك، ونزل: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ}تفسير : ، حين شريا أنفسهما فأنزلا خبيباً عن خشبته. وقال عكرمة وغيره: نزلت فى صهيب بن سنان، أراده المشركون على ترك الإسلام وقتلوا نفراً كانوا معه، فقال لهم: أنا شيخ كبير إن كنتم معكم لم أنفعكم وإن عليكم لم أضركم، فخلونى وما أنا عليه، وخذوا مالى فقبلوا منه ماله، وأتى المدينة، ولا يلزم كما زعم بعض أن يكون يشرى على هذا بمعنى باع، لجواز أن يكون المعنى يشترى نفسه من غضب الله وناره بماله، وقيل: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، لما رأوا المشركين يدعون مع الله إلهاً آخر شروا بأنفسهم - رضى الله عنهم - فجاهدوا فى سبيل الله حتى أظهر الله عز وجل دينه، والجمهور على أن الآية فى أصحاب الرجيع، رضى الله عنهم، وقد أنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجلهم غزوة تسمى غزوة بنى لحيان - بكسر اللام وفتحها لغتان - فى ربيع الأول سنة ست من الهجرة، وذكر ابن إسحاق: أنها فى جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من قريظة، قال ابن حزم: الصحيح أنها فى الخامسة، قالوا: حديث : وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاصم بن ثابت وأصحابه وجداً شديداً، فأظهر أنه يريد الشام وعكسر فى مائتى رجل، ومعهم عشرون فرساً، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن عران واد بين لعج وعسفان، وبينهما وبين عسفان خمسة أميال، حيث كان مصاب أصحابه أهل الرجيع، الذين قتلوا ببئر معونه، فترحم عليهم ودعا لهم، فسمعت بهم بنو لحيان فهربوا فى رءوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يوماً أو يومين يبعث السرايا فى كل ناحية، ثم خرج حتى أتى عسفان، فبعث أبا بكر فى عشرة فوارس لتسمع بهم قريش فيذعرهم وأتوا كراع العميم، ثم رجعوا ولم يلقوا أحداً، وانصرف صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولم يلق كيداً، وهو يقول: "آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون" وغاب عن المدينة أربع عشرة ليلة . تفسير : {واللّهُ رَءُوفٌ}: الرأفة أعلى مراتب الرحمة {بالعباد}: إذ علمهم ما يشترون به أنفسهم، وعليهم دينهم، ووفقهم إلى العمل بذلك، وكلفهم بالجهاد ليثيبهم ثواب الجهاد والغزو، وأعطاهم الجنة الدائمة على العمل القليل مع أن أبدانهم وأموالهم له وأفعالهم خلق له والتوفيق منه.
اطفيش
تفسير : {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى} يبيع {نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ} طلب رضى {اللهِ} بالجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر حتى يصاب بضرر أو يقتل، فالشراء لنفسه، بدلها الله، سلمت أو تلفت أو أصابه ضر إلا أن المناسب لسائر الآيات المفسرة بالقتل كقوله تعالى: "أية : إن الله اشترى من المؤمنين" تفسير : [التوبة: 111] أن يراد هنا أنه قتل شهيداً وقد قيل نزلت فى صهيب بن سنان الرومى عذبه المشركون ليرتد فقال: إنى شيخ كبير، لا أنفعكم ولا أضركم، خذوا مالى وخلونى، ففعلوا، وهو من العرب، ونسب للروم لأن الروم أسرته صغيراً ونشأ فيهم، وذلك شراء لنفسه من جهنم بماله، لأنه أبدله ليبقى إسلامه، لا يرتد ولا ينقص ولا حاجة لهذا على إبقاء الشراء على ظاهره، ولما حلوه هاجر للمدينة، وروى أنه هاجر فتبعته جماعة من المشركين، فنزل عن راحلته فنثر ما فى كنانته، وأخذ قوسه، فقال: يا معشر قريش لقد علمتم أنى من أرماكم، والله لا تصلون إلىّ حتى أرمى بما فى كنانتى وأضرب بسيفى ما بقى منه شىء، ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على حالى بمكة، فرفضوا، فدلهم، وقيل لما قال لهم ذلك رغبوا عن قتاله، فقالوا له، دلنا على مالك وبيتك فعاهدوه، فدلهم فخلوه، ونزلت الآية، وأخبرهم النبى صلى الله عليه وسلم قبل قدومه واستقبله عمر رضى الله عنه وقال يا صهيب، ربح البيع، وتلا عليه الآية، ولا تضعف هذه الرواية لانتقاء المقابلة لأنا نقول لم تنتف لأن صهيبا اشترى نفسه طالباً لمرضاة الله، يقبل الحق ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا تأخذه العزة، ولا ينهى عن المعروف ولا يأمر بالمنكر وهاجر إلى ذلك، فذلك مقابلة تامة، ثم إن المقابلة ليست لازمة، وقيل نزلت فى الزبير والمقداد إذ خرجا إلى تنزيل خبيب من الخشبة التى صلبه عليها أهل مكة {وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} إذا أرشدهم إلى مثل هذا الشراء المورث للثواب الوافر وجعل النعيم الكثير جزء لعلم قليل منقطع، ولم يكلف مالا يطالق أو ما فيه عسر، وأنه يغفر التائب ولو عبد الصنم ألف عام، ومات عقب توبته، وأن المال والنفس له ويشترى ملكة بملكه.
الالوسي
تفسير : {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ} أي يبيعها ببذلها في الجهاد على ما روي عن ابن عباس والضحاك رضي الله تعالى عنهما أن الآية نزلت في سرية الرجيع، أو في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على ما أخرج ابن جرير عن أبـي الخليل قال: سمع عمر رضي الله تعالى عنه إنساناً يقرأ هذه الآية فاسترجع وقال: قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل. {ٱبْتَغَاءَ مَرْضَـٰتِ ٱللَّهِ} أي طلباً لرضاه، فابتغاء مفعول له، ومرضات مصدر بني ـ كما في «البحر» ـ على التاء كمدعاة، والقياس تجريده منها، وكتب في المصحف ـ بالتاء ـ ووقف عليه ـ بالتاء والهاء ـ وأكثر الروايات أن الآية نزلت في صهيب الرومي رضي الله تعالى عنه،/ فقد أخرج جماعة أنّ صهيباً أقبل مهاجراً نحو النبـي صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من المشركين فنزل عن راحلته وانتثل ما في كنانته وأخذ قوسه ثم قال: يا معشر قريش، لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً؛ وأيم الله لا تصلون إليّ حتى أرمي بما في كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم. فقالوا. دلنا على بيتك ومالك بمكة ونخلي عنك، وعاهدوه إن دلهم أن يدعوه ففعل، فلما قدم على النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أبا يحيـى ربح البيع ربح البيع»تفسير : وتلا له الآية. وعلى هذا يكون الشراء على ظاهره بمعنى الاشتراء. وفي الكواشي أنها نزلت في الزبير بن العوام وصاحبه المقداد بن الأسود لما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من ينزل خبيباً عن خشبته فله الجنة»تفسير : فقال: أنا وصاحبـي المقداد ـ وكان خبيب قد صلبه أهل مكة ـ وقال الإمامية وبعض منا: إنها نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه حين استخلفه النبـي صلى الله عليه وسلم على فراشه بمكة لما خرج إلى الغار، وعلى هذا يرتكب في الشراء مثل ما ارتكب أولاً {وَٱللَّهُ رَءوفٌ بِٱلْعِبَادِ} أي المؤمنين حيث أرشدهم لما فيه رضاه، وجعل النعيم الدائم جزاء العمل المنقطع وأثاب على شراء ملكه بملكه.
ابن عاشور
تفسير : هذا قسيم { أية : ومن الناس من يعجبك قوله } تفسير : [البقرة: 204] وذكره هنا بمنزلة الاستطراد استيعاباً لقسمي الناس، فهذا القسم هو الذي تمحض فعله للخير حتى بلغ غاية ذلك وهو تعريض نفسه التي هي أنفس الأشياء عليه للهلاك لأجل تحصيل ما يرضي الله تعالى وإنما رضا الله تعالى بفعل الناس للخير الذي أمرهم به. و(يشري) معناه يبيع كما أن يشتري بمعنى يبتاع وقد تقدم ذلك في قوله تعالى: { أية : ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً } تفسير : [البقرة: 41]. واستعمل (يشري) هنا في البذل مجازاً، والمعنى ومن الناس من يبذل نفسه للهلاك ابتغاء مرضاة الله أي هلاكاً في نصر الدين وهذا أعلى درجات الإيمان، لأن النفس أغلى ما عند الإنسان. ومرضاة الله رضاه فهو مصدر رَضيَ على وزن المفعل زيدت فيه التاء سماعاً كالمَدْعاة والمَسْعاة، في أسباب النزول قال سعيد بن المسيب نزلت في صهيب بن سنان النَّمرَى بن النمر بن قاسط الملقب بالرومي؛ لأنه كان أسَرَه الرومُ في الجاهلية في جهات الموصل واشتراه بنو كلب فكان مولاهم وأثرى في الجاهلية بمكة وكان من المسلمين الأولين فلما هاجر النبي خرج صهيب مهاجراً فلحق به نفر من قريش ليوثقوه فنزل عن راحلته وانتثل كنانته وكان رامياً وقال لهم لقد علمتم أني من أرماكم وأَيْمُ الله لا تصلون إليَّ حتى أرمي بما في كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيءٌ فقالوا: لا نتركك تخرج من عندنا غنياً وقد جئتنا صعلوكاً، ولكن دلنا على مالك وتخلي عنك وعاهدوه على ذلك فدلهم على ماله، فلما قدم على النبي قال له حين رآه رَبِحَ البيعُ أيا يحْيى وتلا عليه هذه الآية، وقيل إن كفار مكة عذَّبوا صهيباً لإسلامه فافتدى منهم بماله وخرج مهاجراً، وقيل: غير ذلك، والأظهر أنها عامة، وأن صهيباً أو غيره ملاحظ في أول من تشمله. وقوله {والله رؤوف بالعباد} تذييل أي رؤوف بالعباد الصالحين الذين منهم من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، فالرأفة كناية عن لازمها وهو إيتاء الخيرات كالرحمة. والظاهر أن التعريف في قوله (العباد) تعريف استغراق، لأن الله رؤوف بجميع عباده وهم متفاوتون فيها فمنهم من تناله رأفة الله في الدنيا وفي الآخرة على تفاوت فيهما يقتضيه علم الله وحكمته، ومنهم من تناله رأفة الله في الدنيا دون الآخرة وهم المشركون والكافرون؛ فإن من رأفته بهم أنه أعطاهم العافية والرِّزق، ويجوز أن يكون التعريف تعريف العهد أي بالعباد الذين من هذا القبيل أي قبيل الذي يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله. ويجوز أن يكون (أَلْ) عوضاً عن المضاف إليه كقوله { أية : فإن الجنة هي المأوى } تفسير : [النازعات: 41]، والعباد إذا أضيف إلى اسم الجلالة يراد به عباد مقربون قال تعالى: { أية : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } تفسير : في [سورة الحجر: 42]. ومناسبة هذا التذييل للجملة أن المخبر عنهم قد بذلوا أنفسهم لله وجعلوا أنفسهم عبيده فالله رءوف بهم كرأفة الإنسان بعبده فإن كان مَا صْدَق (مَنْ) عاماً كما هو الظاهر في كل من بذل نفسه لله، فالمعنى والله رءوف بهم فعدل عن الإضمار إلى الإظهار ليكون هذا التذييل بمنزلة المثل مستقلاً بنفسه وهو من لوازم التذييل، وليدل على أن سبب الرأفة بهم أنهم جعلوا أنفسهم عباداً له، وإن كان ما صْدَق (مَنْ) صهيباً رضي الله عنه فالمعنى والله رءوف بالعباد الذين صهيب منهم، والجملة تذييل على كل حال، والمناسبة أن صهيباً كان عبداً للروم ثم لطائفة من قريش وهم بنو كلب وهم لم يرأفوا به، لأنه عذب في الله فلما صار عبد الله رأف به. وفي هذه الآية وهي قوله: { أية : ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا } تفسير : [البقرة: 204] إلى قوله {رؤوف بالعباد} معان من معاني أدب النفوس ومراتبها وأخلاقها تعلِّم المؤمنين واجب التوسم في الحقائق ودواخل الأمور وعدم الاغترار بالظواهر إلاّ بعد التجربة والامتحان، فإن من الناس من يغُر بحسن ظاهره وهو منطو على باطن سوء ويعطي من لسانه حلاوة تعبير وهو يضمر الشر والكيد قال المعري: شعر : وقد يُخْلِفُ الإنسانُ ظَنَّ عَشِيرةٍ وإن رَاقَ منه مَنْظَرٌ ورُوَاء تفسير : وقد شمل هذا الحالَ قول النبي - صلى الله عليه وسلم - « حديث : إن من البيان لسحرا » تفسير : بأحد معنييه المحتوي عليهما وهو من جوامع الكَلِم وتبلغ هلهلة دينه إلى حد أن يُشهد الله على أن ما يقوله صدق وهو بعكس ذلك يبيت في نفسه الخصام والكراهية. وعلامة الباطن تكون في تصرفات المرء فالذي يحب الفساد ويهلك الحرث والنسل ولا يكون صاحب ضمير طيب، وأن الذي لا يصغي إلى دعوة الحق إذا دعوته إليه ويظهر عليه الاعتزاز بالظلم لا يرعوي عن غيه ولا يترك أخلاقه الذميمة، والذي لا يشح بنفسه في نصرة الحق ينبىء خلقه عن إيثار الحق والخير على الباطل والفساد ومن لا يرأف فالله لا يرأف به.
الواحدي
تفسير : {ومن الناس مَنْ يشري} أَيْ: يبيع {نفسه} يعني: يبذلها لأوامر الله تعالى {ابتغاء مرضاة الله} لطلب رضا الله. نزلت في صهيب الرُّوميِّ. {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السِّلْمِ} أَيْ: في الإسلام {كافة} أيْ: جميعاً، أيْ: في جميع شرائعه. نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه، وذلك أنَّهم بعدما دخلوا في الإِسلام عظَّموا السَّبت، وكرهوا لُحمان الإِبل فأُمروا بترك ذلك، وإنَّه ليس من شرائع الإِسلام تحريم السَّبت وكراهة لحوم الإبل {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} أيْ: آثاره ونزغاته {إنه لكم عدوٌّ مبين}. {فإن زللتم} تنحَّيتم عن القصد بتحريم السَّبْت ولحوم الإِبل {من بعد ما جاءتكم البينات} أَيْ: القرآن {فاعلموا أنَّ الله عزيز} في نقمته لا تعجزونه ولا يُعجزه شيءٌ {حكيم} فيما شرع لكم من دينه. {هل ينظرون} أَيْ: هل ينتظرون. يعني: التَّاركين الدُّخول في الإِسلام، و "هل" استفهامٌ معناه النَّفي، أيْ: ما ينتظر هؤلاء في الآخرة {إلاَّ أن يأتيهم} عذاب {اللَّهُ في ظلل من الغمام} والظُّلَل جمع: ظُلَّة، وهي كلُّ ما أظلَّك، والمعنى: إنَّ العذاب يأتي فيها، ويكون أهول {والملائكة} أَيْ: الملائكةُ الذين وُكِّلوا بتعذيبهم {وقضي الأمر} فُرغ لهم ممَّا يوعدون بأنْ قُدِّر ذلك عليهم {وإلى الله تُرجع الأمور} يعني: في الجزاء من الثَّواب والعقاب. {سل بني إسرائيل} سؤال توبيخ وتبكيتٍ وتقريعٍ [كما يُقال: سله كم وعظته فلم يقبل] {كم آتيناهم من آية بينةً} من فلق البحر، وإنجائهم من عدوِّهم، وإنزال المنِّ والسًّلوى، وغير ذلك {ومَنْ يُبدِّل نعمة الله من بعد ما جاءته} يعني: ما أنعم الله به عليهم من العلم بشأن محمِّدٍ عليه السَّلام، فبدَّلوه وغيَّروه. {زين للذين كفروا} أَيْ: رؤساء اليهود {الحياة الدُّنيا} فهي هِمَّتهم وطِلبتهم، فهم لا يريدون غيرها {ويسخرون من الذين آمنوا} أَيْ: فقراء المهاجرين {والذين اتقوا} الشِّرك وهم هؤلاء الفقراء {فوقهم يوم القيامة} لأنَّهم في الجنَّة، وهي عاليةٌ، والكافرين في النَّار، وهي هاويةٌ {والله يرزق مَنْ يشاء بغير حساب} يريد: إِنَّ أموال قريظة والنَّضير تصيرُ إليهم بلا حسابٍ ولا قتالٍ، بل بأسهل شيءٍ وأيسره.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 207- فما أبعد الفرق بين هؤلاء المنافقين وبين المؤمنين الصادقين الذين يبيع أحدهم نفسه فى سبيل مرضاة الله، وإعلاء كلمة الحق، ويكون هذا النوع من الناس مقابلا للنوع الأول، ويكون توليه أمراً من أمور الناس من رأفة الله بعباده، والله تعالى يرحمهم بجعل الولاية لهؤلاء ليدفع بهم أذى الأشرار. 208- يا أيها الذين آمنوا كونوا جميعاً مسالمين فيما بينكم، ولا تثيروا العصبيات الجاهلية وغيرها من أسباب النزاع والخلاف، ولا تسيروا فى طريق الشيطان الذى يدفعكم إلى الشقاق فإنه لكم عدو مبين. 209- فإن انحرفتم عن هذا الطريق الذى دعيتم إليه جميعاً من بعد ظهور الحجج القاطعة على أنه طريق الحق، فاعلموا أنكم مؤاخذون بهذا الانحراف لأن الله عزيز يعاقب من يعرض عن سبيله، حكيم يقدر العقوبة بقدرها. 210- وهل ينتظر هؤلاء المعرضون عن الإسلام ليقتنعوا أن يروا الله تعالى جهرة فى غمامٍ مع الملائكة وقد قضى الأمر بقطع مطامعهم، لأن الشئون جميعاً فى قبضة الله يصرفها هو حيث يشاء وقد قضى فيها قضاءه الذى سينفذ لا محالة.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَرْضَاةِ} {رَؤُوفٌ} (207) - وَهُنَاكَ آخَرُونَ بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ للهِ، وَلاَ غَايَةَ لَهُمْ مِنْ هذَا البَيْعِ إِلاَّ مَرْضَاةُ اللهِ، فَمَا أَبْعَدَ الفَرْقَ بَيْنَ هؤُلاءِ المُنَافِقِينَ وَبَيْنَ المُؤْمِنينَ الصَّادِقِينَ، وَاللهُ رَؤُوفٌ بِعِبَادِهِ. وَيُرْوَى أَنَّ هذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي صُهَيبٍ الرُّوميِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حِينَ خَرَجَ مُهَاجِراً مِنْ مَكَّةَ إِلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي المَدِينَةِ، فَلَحِقَتْ بِهِ قُرَيْشٌ، وَقَالُوا لَهُ: أَتَيتَنا صُعْلُوكاً لاَ مَالَ لَكَ، وَتَخْرُجُ عَنَّا أَنْتَ وَمَالُكَ، فَهذا لَنْ يَكُونَ. فَقالَ لَهُمْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ تَرَكْتُ لَكُمْ مَالِي أَتُخَلُّونَ عَنِّي؟ فَقَالُوا نَعَمْ. فَدَلَّهُمْ عَلَى مَالِهِ فِي مَكَّةَ، وَتَرَكُوهُ يَذْهَبُ. فَلَمَّا وَصَلَ المَدِينَةَ وَأُخبرَ الرَّسُولُ بِأَمْرِهِ قَالَ: رَبِحَ البَيْعُ، رَبِحَ البَيْعُ. الشِّراءُ هُنا - بِمَعْنَى البَيْعِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والله سبحانه وتعالى ساعة يستعمل كلمة "يشري" يجب أن نلاحظ أنها من الأفعال التي تستخدم في الشيء ومقابله، فـ "شرى" يعني أيضاً "باع". إذن، كلمة "شرى" لها معنيان، واقرأ إن شئت في سورة يوسف قوله تعالى: {أية : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ}تفسير : [يوسف: 20]. أي باعوه بثمن رخيص. وتأتي أيضاً بمعنى اشترى، فالشاعر العربي القديم عنترة ابن شداد يقول: شعر : فخاض غمارها وشرى وباعا . تفسير : إذن "شرى" لغة، تُستعمل في معنيين: إما أن تكون بمعنى "باع"، وإما أن تكون بمعنى "اشترى"، والسياق والقرينة هما اللذان يحددان المعنى المقصود منها فقول عنترة: "شرى وباع" نفهم أن المقصود من "شرى" هنا هو "اشترى"، لأنها مقابل "باع"، وقوله تعالى:{أية : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ}تفسير : [يوسف: 20]. يوضحه سياق الآية بأنهم باعوه. وهذا من عظمة اللغة العربية، إنها لغة تريد أناساً يستقبلون اللفظ بعقل، ويجعلون السياق يتحكم في فهمهم للمعاني. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ} [البقرة: 207] ونفهم "يشري" هنا بمعنى يبيع نفسه، والذي يبيع نفسه هو الذي يفقدها بمقابل. والإنسان عندما يفقد نفسه فهو يضحي بها، وعندها تكون التضحية ابتغاء مرضاة الله فهي الشهادة في سبيله عز وجل، كأنه باع نفسه وأخذ مقابلها مرضاة الله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ ..}تفسير : [التوبة: 111]. إن الحق يعطيهم الجنة مقابل أنفسهم وأموالهم. إذن فقوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} [البقرة: 207] يعني باع نفسه وأخذ الجنة مقابلاً لها، هذا إذا كان معنى "يشري" هو باع. وماذا يكون المعنى إذا كانت بمعنى اشترى؟ هنا نفهم أنه اشترى نفسه بمعنى أنه ضحى بكل شيء في سبيل أن تَسلم نفسه الإيمانية. ومن العجب أن هذه الآية قيل في سبب نزولها ما يؤكد أنها تحتمل المعنيين، معنى "باع" ومعنى "اشترى" فها هو ذا أبو يحيى الذي هو صهيب بن سنان الرومي كان في مكة، وقد كبر سنه، وأسلم وأراد أن يهاجر، فقال له الكفار: لقد جئت مكة فقيراً وآويناك إلى جوارنا وأنت الآن ذو مال كثير، وتريد أن تهاجر بمالك. فقال لهم: أإذا خليت بينكم وبين مالي أأنتم تاركوني؟ فقالوا: نعم. قال: تضمنون لي راحلة ونفقة إلى أن أذهب إلى المدينة؟ قالوا: لك هذا. إنه قد شرى نفسه بهذا السلوك واستبقاها إيمانياً بثروته، فلما ذهب إلى المدينة لقيه أبو بكر وعمر فقالا له: ربح البيع يا أبا يحيى. قال: وأربح الله كل تجارتكم. وقال له سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن جبريل أخبره بقصتك، ويروى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: ربح البيع أبا يحيى. إذن معنى الآية وفق هذه القصة: أنه اشترى نفسه بماله، وسياق الآية يتفق مع المعنى نفسه. وهذه من فوائد الأداء القرآني حيث اللفظ الواحد يخدم معنيين متقابلين. ولكن إذا كان المعنى أنه باعها فلذلك قصة أخرى، ففي غزوة بدر، وهي أول غزوة في الإسلام، وكان صناديد قريش قد جمعوا أنفسهم لمحاربة المسلمين في هذه الغزوة، وتمكن المسلمون من قتل بعض هؤلاء الصناديد، وأسروا منهم كثيرين أيضاً، وكان مِمَّنْ قتلوا في هذه الغزوة واحد من صناديد قريش هو أبو عقبة الحارث ابن عامر والذي قتله هو صحابي اسمه خبيب بن عدي الأنصاري الأوسي، وهو من قبيلة الأوس بالمدينة، وبعد ذلك مكر بعض الكفار فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، إننا قد أسلمنا، ونريد أن ترسل إلينا قوماً ليعلمونا الإسلام. فأرسل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة من أصحابه ليعلموهم القرآن، فغدر الكافرون بهؤلاء العشرة فقتلوهم إلا خبيب بن عدي، استطاع أن يفر بحياته ومعه صحابي آخر اسمه زيد بن الدَّثِنّة، لكن خبيباً وقع في الأسر وعرف الذين أسروه أنه هو الذي قتل أبا عقبة الحارث في غزوة بدر، فباعوه لابن أبي عقبة ليقتله مقابل أبيه، فلم يشأ أن يقتله وإنما صلبه حياً، فلما تركه مصلوباً على الخشبة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة: من ينزل خبيبا عن خشبته وله الجنة؟ قال الزبير: أنا يا رسول الله. وقال المقداد: وأنا معه يا رسول الله. فذهبا إلى مكة فوجدا خبيباً على الخشبة وقد مات وحوله أربعون من قريش يحرسونه، فانتهزا منهم غفلتهم وذهبا إلى الخشبة وانتزعا خبيباً وأخذاه، فلما أفاق القوم لم يجدوا خبيباً فقاموا يتتبعون الأثر ليلحقوا بمن خطفوه، فرآهم الزبير، فألقى خبيباً على الأرض، ثم نظر إليه فإذا بالأرض تبتلعه فسمى بليع الأرض. وبعد ذلك التفت إليهم ونزع عمامته التي كان يتخفى وراءها وقال: أنا الزبير بن العوام، أمي صفية بنت عبد المطلب، وصاحبي المقداد، فإن شئتم فاضلتكم - يعني يفاخر كل منا بنفسه - وإن شئتم نازلتكم - يعني قاتلتكم - وإن شئتم فانصرفوا، فقالوا: ننصرف، وانصرفوا، فلما ذهب الزبير والمقداد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرهم بالجنة التي صار إليها خبيب. إذن فقد باع خبيب نفسه بالجنة. وعلى ذلك فإن ذهبت بسبب نزول الآية إلى أبي يحيى صهيب بن سنان الرومي تكون "شرى" بمعنى اشترى، وإن ذهبت بسبب النزول إلى خبيب فتكون بمعنى: باع. وهكذا نجد أن اللفظ الواحد في القرآن الكريم يحتمل أكثر من واقع. وخبيب بن عدي هذا قالت فيه ماويّة ابنة الرجل الذي اشتراه ليعطيه لعقبة ليقتله مقابل أبيه، قالت: والله لقد رأيت خبيباً يأكل قطفاً من العنب كرأس الإنسان! ووالله ما في مكة حائط - بستان - ولا عنب وإنما هو رزق ساقه الله له. ولما جاءوا ليقتلوه قال: أنظروني أصلِّي ركعتين. فصلى ركعتين ونظر إلى القوم وقال: والله لولا أني أخاف أن تقولوا إنه زاد في الصلاة لكي نبطئ بقتله لزدت. وقال قبل أن يقتلوه: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً. ثم هتف وقال: شعر : ولسـت أبالـي حـين أُقـتل مسـلماً عـلى أي جـنـب كـان فـي الله مصـرعـي تفسير : وكان ذلك آخر ما قاله. ويقول الحق: {وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ} [البقرة: 207] وما العلاقة بين ما سبق وبين رءوف بالعباد؟ ما دام الله رءوفاً بالعباد فلم يشأ الله أن يجعل ذلك أمراً كلياً في كل مسلم، وإنما جعلها فلتات لتثبت صدق القضية الإيمانية، لأنه لا يريد أن يضحي كل المسلمين بأنفسهم، وإنما يريد أن يستبقي منا أناساً يحملون الدعوة. وبعد أن عرض الحق سبحانه وتعالى أصناف الناس الذين يستقبلون الدعوة كفراً ونفاقاً، ومَنْ يقابلهم ممن يستقبلونها إيماناً خالصاً، نادى جميع المؤمنين فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ} معناهُ يَبيعُهَا.
الجيلاني
تفسير : وأيضاً من جملة الآداب الموضوعة فيكم بل من أجلها: الرضا والتسليم بما جاء من قضاء الله ومقتضياته، لذلك قال: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} المتشمرين إلى الله بالرضاء والتسليم {مَن يَشْرِي نَفْسَهُ} ويوقعها في المهلكة لا لداعية تنبعث من نفسها، بل {ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} طالباً لرضائه، راضياً بما قضاه {وَٱللَّهُ} المحيط بجميع الحالات {رَؤُوفٌ} عطوف مشفق {بِٱلْعِبَادِ} [البقرة: 207] الصابرين في البلوى الطائعين إلى المولى، الراضين بما يحب ويرضى. ثم لما كان الرضاء والتسليم من أحسن أحوال السالكين المتوجهين إلى الله العزيز العليم، وأرفعها مقداراً ومنزلةً عنده، أمرهم بها امتناناً عليهم وإصلاحاً لحالهم، فقال منادياً: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم الرضا والتسليم {ٱدْخُلُواْ} أيها المستكشفون عن سرائر التوحيد {فِي ٱلسِّلْمِ} أي: الانقياد والإطاعة المتفرعين على الرضا والإخلاص المنبئين عن التحقق بمقام العبودية {كَآفَّةً} أي: ادخلوا في السلم حالة كونكم مجتمعين كافين نفوسكم عما يضر إخلاصكم وتسليمكم {وَلاَ تَتَّبِعُواْ} أيها المتوجهون إلى مقام العبودية والرضا إثر {خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} أي: الأهواء والآراء المضلة عن طريق الحق، المعبرة عنها في الشرع بالشيطان {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة: 208] ظاهر العداوة والإضلال يضلكم عما يهديكم الحق إليه. {فَإِن زَلَلْتُمْ} وانصرفتم عن طريق الحق {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} المبينة الموضحة لكم طريقه {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} غالب قادر على الانتقام {حَكِيمٌ} [البقرة: 209] لا ينتقم إلا بالحق. {هَلْ يَنظُرُونَ} أي: ما ينتظرون المزلون عن طريق الحق بعد الوضوح والتبيين {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ} بعذابه المدرج المكنون {فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ} السحاب الأبيض المظل لهم، يتوقعون منه الراحة والرحمة {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} الموكلون بجر سحب العذاب إليهم، فأنزل عليهم واستأصلهم بالمرة {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} المبرم المقضي عليه من عنده لانتقامهم كالأمم الماضية {وَإِلَى ٱللَّهِ} لا إلى غيره من الوسائل والأسباب {تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} [البقرة: 210] أولاً وبالذات، وإن تشكك أحد في الانتقام ونزول العذاب على المزلين المنصرفين عن طريق الحق بعد الوضوح والتبيين.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هؤلاء هم الموفقون الذين باعوا أنفسهم وأرخصوها وبذلوها طلبا لمرضاة الله ورجاء لثوابه، فهم بذلوا الثمن للمليء الوفيّ الرءوف بالعباد، الذي من رأفته ورحمته أن وفقهم لذلك، وقد وعد الوفاء بذلك، فقال: {أية : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ } تفسير : إلى آخر الآية. وفي هذه الآية أخبر أنهم اشتروا أنفسهم وبذلوها، وأخبر برأفته الموجبة لتحصيل ما طلبوا، وبذل ما به رغبوا، فلا تسأل بعد هذا عن ما يحصل لهم من الكريم، وما ينالهم من الفوز والتكريم.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 100 : 107 - قال سفين في قول الله جل وعز {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} قال نزلت في صهيب. اشترى نفسه من المشركين وأهله وولده وماله؛ على أن يدعوه ودينه. [الآية 207].
همام الصنعاني
تفسير : 242- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ}: [الآية: 207]، قال: هم المهاجرون والأنصار.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):