Verse. 215 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

يٰۗاَيُّہَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوا ادْخُلُوْا فِي السِّلْمِ كَاۗفَّۃً۝۰۠ وَّلَا تَتَّبِعُوْا خُطُوٰتِ الشَّيْطٰنِ۝۰ۭ اِنَّہٗ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِيْنٌ۝۲۰۸
Ya ayyuha allatheena amanoo odkhuloo fee alssilmi kaffatan wala tattabiAAoo khutuwati alshshaytani innahu lakum AAaduwwun mubeenun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل في عبد الله بن سلام وأصحابه لما عظموا السبت وكرهوا الإبل بعد الإسلام «يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السَّلم» بفتح السين وكسرها الإسلام «كافة» حال من السلم أي في جميع شرائعه «ولا تتبعوا خطوات» طرق «الشيطان» أي تزيينه بالتفريق «إنه لكم عدو مبين» بيِّن العداوة.

208

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافق أنه يسعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، أمر المسلمين بما يضاد ذلك، وهو الموافقة في الإسلام وفي شرائعه، فقال: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسّلْمِ كَافَّةً } وفيه مسائل. المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع والكسائي {السـلم } بفتح السين، وكذا في قوله: {أية : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ } تفسير : [الأنفال: 61] وقوله: {أية : وَتَدْعُواْ إِلَى ٱلسَّلْمِ } تفسير : [محمد: 35] وقرأ عاصم في رواية أبـي بكر بن عياش {السلم} بكسر السين في السكل، وقرأ حمزة والكسائي بكسر السين في هذه، والتي في البقرة، والتي في سورة محمد في قوله: {وَتَدْعُواْ إِلَى ٱلسَّلْمِ } وقرأ ابن عامر بكسر السين في هذه التي في البقرة وحدها وبفتح السين في الأنفال، وفي سورة محمد، فذهب ذاهبون إلى أنهما لغتان بالفتح والكسر، مثل: رطل ورطل وجسر وجسر، وقرأ الأعمش بفتح السين واللام. المسألة الثانية: أصل هذه الكلمة من الإنقياد، قال الله تعالى: {أية : إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ } تفسير : [البقرة: 131] والإسلام إنما سمي إسلاماً لهذا المعنى، وغلب اسم السلم على الصلح وترك الحرب، وهذا أيضاً راجع إلى هذا المعنى لأن عند الصلح ينقاد كل واحد لصاحبه ولا ينازعه فيه، قال أبو عبيدة: وفيه لغات ثلاث: السلم، والسلم، والسلم. المسألة الثالثة: في الآية إشكال، وهو أن كثيراً من المفسرين حملوا السلم على الإسلام، فيصير تقدير الآية: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في الإسلام، والإيمان هو الإسلام، ومعلوم أن ذلك غير جائز، ولأجل هذا السؤال ذكر المفسرون وجوهاً في تأويل هذه الآية: أحدها: أن المراد بالآية المنافقون، والتقدير: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ادخلوا بكليتكم في الإسلام، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، أي آثار تزيينه وغروره في الإقامة على النفاق، ومن قال بهذا التأويل احتج على صحته بأن هذه الآية إنما وردت عقيب ما مضى من ذكر المنافقين وهو قوله: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ }تفسير : [البقرة: 204] الآية فلما وصف المنافق بما ذكر دعا في هذه الآية إلى الإيمان بالقلب وترك النفاق. وثانيها: أن هذه الآية نزلت في طائفة من مسلمي أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه وذلك لأنهم حين آمنوا بالنبـي عليه السلام أقاموا بعده على تعظيم شرائع موسى، فعظموا السبت، وكرهوا لحوم الإبل وألبانها، وكانوا يقولون: ترك هذه الأشياء مباح في الإسلام، وواجب في التوراة، فنحن نتركها احتياطاً فكره الله تعالى ذلك منهم وأمرهم أن يدخلوا في السلم كافة، أي في شرائع الإسلام كافة، ولا يتمسكوا بشيء من أحكام التوراة اعتقاداً له وعملاً به، لأنها صارت منسوخة {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } في التمسك بأحكام التوراة بعد أن عرفتم أنها صارت منسوخة، والقائلون بهذا القول جعلوا قوله: {كَافَّةً } من وصف السلم، كأنه قيل: ادخلوا في جميع شرائع الإسلام اعتقاداً وعملاً. وثالثها: أن يكون هذا الخطاب واقعاً على أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالنبـي عليه السلام فقوله: {يا أيها الذين آمنوا} أي بالكتاب المتقدم {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسّلْمِ كَافَّةً } أي أكملوا طاعتكم في الإيمان وذلك أن تؤمنوا بجميع أنبيائه وكتبه فادخلوا بإيمانكم بمحمد عليه السلام وبكتابه في السلم على التمام، ولا تتبعوا خطوات الشيطان في تحسينه عند الاقتصار على دين التوراة بسبب أنه دين اتفقوا كلهم على أنه حق بسبب أنه جاء في التوراة: تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض، وبالجملة فالمراد من خطوات الشيطان الشبهات التي يتمسكون بها في بقاء تلك الشريعة. ورابعها: هذا الخطاب واقع على المسلمين {يا أيها الذين آمنوا} بالألسنة {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسّلْمِ كَافَّةً } أي دوموا على الإسلام فيما تستأنفونه من العمر ولا تخرجوا عنه ولا عن شيء من شرائعه {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } أي ولا تلتفتوا إلى الشبهات التي تلقيها إليكم أصحاب الضلالة والغواية ومن قال بهذا التأويل قال: هذا الوجه متأكد بما قبل هذه الآية وبما بعدها، أما ما قبل هذه الآية فهو ما ذكر الله تعالى في صفة ذلك المنافق في قوله: {سَعَىٰ فِى ٱلأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا } وما ذكرنا هناك أن المراد منه إلقاء الشبهات إلى المسلمين، فكأنه تعالى قال: دوموا على إسلامكم ولا تتبعوا تلك الشبهات التي يذكرها المنافقون، وأما ما بعد هذه الآية فهو قوله تعالى: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ ٱلْغَمَامِ } تفسير : [البقرة: 210] يعني هؤلاء الكفار معاندون مصرون على الكفر قد أزيحت عللهم وهم لا يوقفون قولهم بهذا الدين الحق إلا على أمور باطلة مثل أن يأتيهم الله في ظل من الغمام والملائكة. فإن قيل: الموقوف بالشيء يقال له: دم عليه، ولكن لا يقال له: ادخل فيه والمذكور في الآية هو قوله: {أَدْخِلُواْ }. قلنا إن الكائن في الدار إذا علم أن له في المستقبل خروجاً عنها فغير ممتنع أن يؤمر بدخولها في المستقبل حالاً بعد حال، وإن كان كائناً فيها في الحال، لأن حال كونه فيها غير الحالة التي أمر أن يدخلها، فإذا كان في الوقت الثاني قد يخرج عنها صح أن يؤمر بدخولها، ومعلوم أن المؤمنين قد يخرجون عن خصال الإيمان بالنوم والسهو وغيرهما من الأحوال فلا يمتنع أن يأمرهم الله تعالى بالدخول في المستقبل في الإسلام وخامسها: أن يكون السلم المذكور في الآية معناه الصلح وترك المحاربة والمنازعة، والتقدير: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة أي كونوا موافقين ومجتمعين في نصرة الدين واحتمال البلوى فيه، ولا تتبعوا خطوات الشيطان بأن يحملكم على طلب الدنيا والمنازعة مع الناس، وهو كقوله: {أية : وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } تفسير : [الأنفال: 46] وقال تعالى: {أية : ٱلْحِسَابِ يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱصْبِرُواْ } تفسير : [آل عمران: 200] وقال: {أية : وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ } تفسير : [آل عمران: 103] وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : المؤمن يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه» تفسير : وهذه الوجوه في التأويل ذكرها جمهور المفسرين وعندي فيه وجوه أخر أحدها: أن قوله: {يا أيها الذين آمنوا} إشارة إلى المعرفة والتصديق بالقلب وقوله: {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسّلْمِ كَافَّةً } إشارة إلى ترك الذنوب والمعاصي، وذلك لأن المعصية مخالفة لله ولرسوله، فيصح أن يسمي تركها بالسلم، أو يكون المراد منه: كونوا منقادين لله في الإتيان بالطاعات، وترك المحظورات، وذلك لأن مذهبنا أن الإيمان باق مع الاشتغال بالمعاصي وهذا تأويل ظاهر وثانيها: أن يكون المراد من السلم كون العبد راضياً ولم يضطرب قلبه على ما روي في الحديث «الرضا بالقضاء باب الله الأعظم» وثالثها: أن يكون المراد ترك الإنتقام كما في قوله: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً } تفسير : [الفرقان: 72] وفي قوله: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ } تفسير : [الأعراف: 199]فهذا هو كلام في وجوه تأويلات هذه الآية. المسألة الرابعة: قال القفال {كَافَّةً } يصح أن يرجع إلى المأمورين بالدخول أي ادخلوا بأجمعكم في السلم. ولا تفرقوا ولا تختلفوا، قال قطرب: تقول العرب: رأيت القوم كافة وكافين ورأيت النسوة كافات ويصلح أن يرجع إلى الإسلام أي ادخلوا في الإسلام كله أي في كل شرائعه قال الواحدي رحمه الله: هذا أليق بظاهر التفسير لأنهم أمروا بالقيام بها كلها، ومعنى الكافة في اللغة الحاجزة المانعة يقال: كففت فلاناً عن السوء أي منعته، ويقال: كف القميص لأنه منع الثواب عن الانتشار، وقيل لطرف اليد: كف لأنه يكف بها عن سائر البدن، ورجل مكفوف أي كف بصره من أن يبصر، فالكافة معناها المانعة، ثم صارت اسماً للجملة الجامعة وذلك لأن الإجتماع يمنع من التفرق والشذوذ، فقوله: {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسّلْمِ كَافَّةً } أي ادخلوا في شرائع الإسلام إلى حيث ينتهي شرائع الإسلام فتكفوا من أن تتركوا شيئاً من شرائعه، أو يكون المعنى ادخلوا كلكم حتى تمنعوا واحداً من أن لا يدخل فيه. أما قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } فالمعنى: ولا تطيعوه ومعروف في الكلام أن يقال فيمن اتبع سنة إنسان اقتفى أثره، ولا فرق بين ذلك وبين قوله: اتبعت خطواته. وخطوات / جمع خطوة، وقد تقدم ذلك. أما قوله تعالى: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } فقال أبو مسلم الأصفهاني: إن مبين من صفات البليغ الذي يعرب عن ضميره، وأقول: الذي يدل على صحة هذا المعنى قوله: {أية : حـم وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ } تفسير : [الزخرف: 1، الدخان: 1] ولا يعني بقوله مبيناً إلا ذلك. فإن قيل: كيف يمكن وصف الشيطان بأنه مبين مع أنا لا نرى ذاته ولا نسمع كلامه. قلنا: إن الله تعالى لما بين عداوته لآدم ونسله فلذلك الأمر صح أن يوصف بأنه عدو مبين وإن لم يشاهد ومثاله: من يظهر عداوته لرجل في بلد بعيد فقد يصح أن يقال: إن فلاناً عدو مبين لك وإن لم يشاهده في الحال وعندي فيه وجه آخر، وهو أن الأصل في الإبانة القطع والبيان إنما سمي بياناً لهذا المعنى، فإنه يقطع بعض الإحتمالات عن بعض، فوصف الشيطان بأنه مبين معناه أنه يقطع المكلف بوسوسته عن طاعة الله وثوابه ورضوانه. فإن قيل: كون الشيطان عدواً لنا إما أن يكون بسبب أنه يقصد إيصال الآلام والمكاره إلينا في الحال، أو بسبب أنه بوسوسته يمنعنا عن الدين والثواب، والأول باطل، إذ لو كان كذلك لأوقعنا في الأمراض والآلام والشدائد، ومعلوم أنه ليس كذلك، وإن كان الثاني فهو أيضاً باطل لأن من قبل منه تلك الوسوسة من قبل نفسه كما قال: {أية : وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى } تفسير : [ابراهيم: 22] إذا ثبت هذا فكيف يقال: إنه عدو مبين العداوة، والحال ما ذكرناه؟. الجواب: أنه عدو من الوجهين معاً أما من حيث إنه يحاول إيصال الضرر إلينا فهو كذلك إلا أن الله تعالى منعه عن ذلك، وليس يلزم من كونه مريداً لإيصال الضرر إلينا أن يكون قادراً عليها وأما من حيث إنه يقدم على الوسوسة فمعلوم أن تزيين المعاصي وإلقاء الشبهات كل ذلك سبب لوقوع الإنسان في الباطل وبه يصير محروماً عن الثواب، فكان ذلك من أعظم جهات العداوة.

القرطبي

تفسير : لما بيّن الله سبحانه الناس إلى مؤمن وكافر ومنافق فقال: كونوا على ملة واحدة؛ وٱجتمعوا على الإسلام وٱثبتوا عليه. فالسِّلم هنا بمعنى الإسلام؛ قاله مجاهد، ورواه أبو مالك عن ٱبن عباس. ومنه قول الشاعر الكنديّ:شعر : دعوتُ عشيرتي للسِّلم لمّا رأيتهم تَولَّوا مُدبرِينا تفسير : أي إلى الإسلام لما ٱرتدّتِ كنْدة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مع الأشعث بن قيس الكِنديّ، ولأن المؤمنين لم يُؤمروا قط بالدخول في المسالمة التي هي الصلح، وإنما قيل للنبيّ صلى الله عليه وسلم أن يجنَح للسِّلم إذا جنحوا له، وأما أن يبتدىء بها فلا؛ قاله الطبريّ. وقيل: أمر من آمن بأفواههم أن يدخلوا فيه بقلوبهم. وقال طاوس ومجاهد: ٱدخلوا في أمر الدين. سفيان الثوريّ: في أنواع البرّ كلها. وقرىء «السِّلم» بكسر السين. قال الكسائي: السِّلم والسَّلم بمعنًى واحد، وكذا هو عند أكثر البصريين، وهما جميعاً يقعان للإسلام والمسالمة. وفرق أبو عمرو بن العلاء بينهما، فقرأها هنا: «ٱدخلوا في السِّلم» وقال هو الإسلام. وقرأ التي في «الأنفال» والتي في سورة «محمد» صلى الله عليه وسلم «السَّلم» بفتح السين، وقال: هي بالفتح المسالمة. وأنكر المبرد هذه التفرقة. وقال عاصم الجَحْدَرِيّ: السِّلْم الإسلام، والسَّلْم الصلح، والسَّلَم الاستسلام. وأنكر محمد بن يزيد هذه التفريقات وقال: اللغة لا تؤخذ هكذا، وإنما تؤخذ بالسماع لا بالقياس، ويحتاج من فرّق إلى دليل. وقد حكى البصريون: بنو فلان سِلْمٌ وسَلْمٌ وسَلَمٌ، بمعنًى واحد. قال الجوهريّ: والسِّلْم الصلح، يفتح ويكسر، ويذكر ويؤنث؛ وأصله من الاستسلام والانقياد؛ ولذلك قيل للصلح: سِلْم. قال زهير:شعر : وقد قلتما إنْ نُدرِك السِّلم واسعاً بمالٍ ومعروفٍ من الأمر نَسْلَم تفسير : ورجّح الطبريّ حمل اللفظة على معنى الإسلام بما تقدّم. وقال حُذَيفة بن اليَمان في هذه الآية: الإسلام ثمانية أسهم؛ الصلاة سهم، والزكاة سهم، والصوم سهم، والحج سهم، والعُمرة سهم، والجهاد سهم؛ والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم؛ وقد خاب من لا سهم له في الإسلام. وقال ٱبن عباس: نزلت الآية في أهل الكتاب، والمعنى؛ يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى ٱدخلوا في الإسلام بمحمد صلى الله عليه وسلم كافة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : والذي نَفْسُ محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأُمة يهوديّ ولا نصرانيّ ثم (يموت و) لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار»تفسير : . و (كَافَّةً) معناه جميعاً، فهو نصب على الحال من السِّلم أو من ضمير المؤمنين؛ وهو مشتق من قولهم: كففت أي منعت، أي لا يمتنع منكم أحد من الدخول في الإسلام. والكفّ المنع؛ ومنه كُفَّة القميص ـ بالضم ـ لأنها تمنع الثوب من الانتشار؛ ومنه كِفَّة الميزان ـ بالكسر ـ التي تجمع الموزون وتمنعه أن ينتشر؛ ومنه كفُّ الإنسان الذي يجمع منافعه ومضارّه؛ وكل مستدير كفّة، وكل مستطيل كُفّة. ورجل مكفوف البصر، أي مُنع عن النظر؛ فالجماعة تُسمَّى كافّة لامتناعهم عن التفرّق. {وَلاَ تَتَّبِعُواْ} نهى. {خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} مفعول، وقد تقدّم. وقال مقاتل: ٱستأذن عبد الله بن سَلاَم وأصحابه بأن يقرءوا التوراة في الصلاة، وأن يعملوا ببعض ما في التوراة؛ فنزلت {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} فإن ٱتباع السُّنّة أولى بعد ما بُعث محمد صلى الله عليه وسلم من خطوات الشيطان. وقيل: لا تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليه الشيطان؛ {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهر العداوة؛ وقد تقدّم.

ابن كثير

تفسير : يقول الله تعالى آمراً عباده المؤمنين به، المصدقين برسوله، أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره، ما استطاعوا من ذلك، قال العوفي، عن ابن عباس ومجاهد وطاوس والضحاك وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد في قوله: {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ} يعني: الإسلام. وقال الضحاك، عن ابن عباس، وأبو العالية، والربيع بن أنس: {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ} يعني: الطاعة. وقال قتادة أيضاً: الموادعة. وقوله: {كَآفَّةً} قال ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة والضحاك: جميعاً، وقال مجاهد: أي: اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر. وزعم عكرمة أنها نزلت في نفر ممن أسلم من اليهود وغيرهم؛ كعبد الله بن سلام، وأسد بن عبيد، وثعلبة، وطائفة، استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يسبتوا، وأن يقوموا بالتوراة ليلاً، فأمرهم الله بإقامة شعائر الإسلام والاشتغال بها عما عداها، وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر، إذ يبعد أن يستأذن في إقامة السبت، وهو مع تمام إيمانه يتحقق نسخه ورفعه وبطلانه والتعويض عنه بأعياد الإسلام. ومن المفسرين من يجعل قوله: {كَآفَّةً} حالاً من الداخلين، أي: ادخلوا في الإسلام كلكم، والصحيح الأول، وهو أنهم أمروا كلهم أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام، وهي كثيرة جداً، ما استطاعوا منها؛ كما قال ابن أبي حاتم: أخبرنا علي بن الحسين، أخبرنا أحمد بن الصباح، أخبرني الهيثم بن يمان، حدثنا إسماعيل بن زكريا، حدثني محمد بن عون عن عكرمة عن ابن عباس: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً} كذا قرأها بالنصب، يعني: مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإيمان بالله مستمسكين ببعض أمور التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم، فقال الله: {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً} يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد صلى الله عليه وسلم ولا تدعوا منها شيئاً، وحسبكم الإيمان بالتوراة وما فيها، وقوله: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ} أي: اعملوا بالطاعات، واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان فـ {أية : إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 169]، و {أية : إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِْ}تفسير : [فاطر: 6] ولهذا قال: {أية : إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}تفسير : قال مطرف: أغش عباد الله لعبيد الله الشيطان، وقوله: {فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ} أي: عدلتم عن الحق بعد ما قامت عليكم الحجج، فاعلموا أن الله عزيز، أي: في انتقامه، لا يفوته هارب، ولا يغلبه غالب، حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه، ولهذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس: عزيز في نقمته، حكيم في أمره. وقال محمد بن إسحاق: العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء، الحكيم في عذره وحجته إلى عباده.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل في عبد الله بن سلام وأصحابه لما عظموا السبت وكرهوا الإبل بعد الإسلام { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ } بفتح السين وكسرها الإسلام {كَافَّةً } حال من (السلم) أي في جميع شرائعه {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ } طرق {ٱلشَّيْطَٰنِ } أي تزيينه بالتفريق {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } بيِّن العداوة.

الشوكاني

تفسير : لما ذكر الله سبحانه أن الناس ينقسمون إلى ثلاث طوائف: مؤمنين، وكافرين، ومنافقين، أمرهم بعد ذلك بالكون على ملة واحدة. وإنما أطلق على الثلاث الطوائف لفظ الإيمان؛ لأن أهل الكتاب مؤمنون بنبيهم، وكتابهم، والمنافق مؤمن بلسانه، وإن كان غير مؤمن بقلبه. و{السلم} بفتح السين وكسرها قال الكسائي: ومعناهما واحد، وكذا عند البصريين، وهما جميعاً يقعان للإسلام، والمسالمة. وقال أبو عمرو بن العلاء: إنه بالفتح للمسالمة، وبالكسر للإسلام. وأنكر المبرد هذه التفرقة. وقال الجوهري: {السلم} بفتح السين: الصلح، وتكسر، ويذكر ويؤنث، وأصله من الاستسلام، والانقياد. ورجح الطبري أنه هنا بمعنى الإسلام، ومنه قول الشاعر الكندي:شعر : دَعَوْتُ عَشِيرَتِي للِسِّلم لَمّا رَأيْتُهمُ تَوَلَّوا مُدْبِرين تفسير : أي: إلى الإسلام. وقرأ الأعمش: «السَّلمَ» بفتح السين، واللام. وقد حكى البصريون في سَلْم، وسِلْم، وسلم أنها بمعنى واحد: {وكافة} حال من {السلم}، أو من ضمير المؤمنين، فمعناه على الأوّل: لا يخرج منكم أحد، وعلى الثاني: لا يخرج من أنواع السلم شيء بل ادخلوا فيها جميعاً. أي: في خصال الإسلام، وهو مشتق من قولهم كففت أي: منعت، أي: لا يمتنع منكم أحد من الدخول في الإسلام، والكفّ: المنع، والمراد به هنا: الجميع {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسّلْمِ كَافَّةً } أي: جميعاً. وقوله: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } أي: لا تسلكوا الطريق التي يدعوكم إليه الشيطان، وقد تقدّم الكلام على خطوات. قوله: {زَلَلْتُمْ } أي: تنحيتم عن طريق الاستقامة، وأصل الزلل في القدم، ثم استعمل في الاعتقادات، والآراء، وغير ذلك، يقال زلّ يَزِلُّ زلاً، وزللاً، وزلولاً: أي: دحضت قدمه. وقرىء: "زَلِلْتُمْ" بكسر اللام، وهما لغتان، والمعنى: فإن ضللتم، وعرّجتم عن الحق: {مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ } أي: الحجج الواضحة، والبراهين الصحيحة، أن الدخول في الإسلام هو الحق {فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } غالب لا يعجزه الانتقام منكم {حَكِيمٌ } لا ينتقم إلا بحق. قوله {هَلْ يَنظُرُونَ } أي: ينتظرون، يقال نظرته وانتظرته بمعنى، والمراد هل ينتظر التاركون للدخول في السلم، والظُّللَ جمع ظُلَّة، وهي ما يظلك، وقرأ قتادة، ويزيد بن القعقاع: «في ظلال» وقرأ يزيد أيضاً "وَٱلْمَلَـئِكَةُ" بالجرّ عطفاً على الغمام، أو على ظلل. قال الأخفش: {وَٱلْمَلَـئِكَةُ } الخفض بمعنى: وفي الملائكة؛ قال: والرفع أجود. وقال الزجاج: التقدير في ظلل من الغمام، ومن الملائكة، والمعنى: هل ينتظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم من الحساب والعذاب في ظلل من الغمام، والملائكة. قال الأخفش: وقد يحتمل أن يكون معنى الإتيان راجعاً إلى الجزاء، فسمي الجزاء إتياناً كما سمي التخويف، والتعذيب في قصة ثمود إتياناً، فقال {أية : فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُمْ مّنَ ٱلْقَوَاعِدِ }تفسير : [النحل: 26] وقال في قصة النضير {أية : فَأَتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ } تفسير : [الحشر: 2] وإنما احتمل الإتيان هذا؛ لأن أصله عند أهل اللغة القصد إلى الشيء، فمعنى الآية: هل ينظرون إلا أن يظهر الله فعلاً من الأفعال مع خلق من خلقه يقصد إلى محاربتهم؟ وقيل إن المعنى: يأتيهم أمر الله، وحكمه، وقيل: إن قوله: {فِي ظُلَلٍ } بمعنى يظلل، وقيل: المعنى: يأتيهم ببأسه في ظلل. والغمام: السحاب الرقيق الأبيض، سمي بذلك؛ لأنه يغم. أي: يستر. ووجه إتيان العذاب في الغمام على تقدير أن ذلك هو المراد ما في مجيء الخوف من محل الأمن من الفظاعة، وعظم الموقع؛ لأن الغمام مظنة الرحمة لا مظنة العذاب. وقوله: {وَقُضِىَ ٱلأمْرُ } عطف على {يأتيهم} داخل في حيز الانتظار، وإنما عدل إلى صيغة الماضي دلالة على تحققه؛ فكأنه قد كان، أو جملة مستأنفة جيء بها للدلالة على أن مضمونها واقع لا محالة، أي: وفرغ من الأمر الذي هو إهلاكهم. وقرأ معاذ بن جبل: «وقضاءَ الأمر» بالمصدر عطفاً على الملائكة. وقرأ يحيى بن يَعْمُر: «وقضى الأمور» بالجمع. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: {تُرْجَعُ ٱلأمُورُ } على بناء الفعل للفاعل، وقرأ الباقون على البناء للمفعول. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله تعالى: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسّلْمِ كَافَّةً } قال: يعني مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإيمان بالله مستمسكين ببعض أمر التوراة، والشرائع التي أنزلت فيهم، يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد، ولا تَدَعُوا منها شيئاً، وحسبكم الإيمان بالتوراة، وما فيها. وأخرج ابن جرير، عن عكرمة: أن هذه الآية نزلت في ثعلبة، وعبد الله بن سلام، وابن يامين، وأسد، وأسيد ابني كعب، وسعيد بن عمرو وقيس بن زيد، كلهم من يهود قالوا: يا رسول الله يوم السبت يوم كنا نعظمه فدعنا فلنُسْبِت فيه، وإن التوراة كتاب الله، فلنقم بها الليل، فنزلت: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسّلْمِ كَافَّةً }. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: {السلم} الطاعة لله، و{كافة} يقول: جميعاً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال: السلم: الإسلام، والزلل: ترك الإسلام. وأخرج ابن جرير، عن السدي قال: {فَإِن زَلَلْتُمْ مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ } قال: فإن ظللتم من بعد ما جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يجمع الله الأوّلين، والآخرين لميقات يوم معلوم قياماً شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عمر في هذه الآية قال: يهبط حين يهبط، وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب، منها النور، والظلمة، والماء، فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتاً تنخلع له القلوب. وأخرج أبو يعلى، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في هذه الآية قال: يأتي الله يوم القيامة في ظلل من السحاب قد قُطِّعَت طاقات. وأخرج ابن جرير، والديلمي عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفات بالملائكة» تفسير : وذلك قوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ ٱلْغَمَامِ }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عكرمة: {فِي ظُلَلٍ مّنَ ٱلْغَمَامِ } قال: طاقات، والملائكة حوله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية قال: يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وتأتيهم الملائكة عند الموت. وأخرج عن عكرمة في قوله: {وَقُضِىَ ٱلأمْرُ } يقول: قامت الساعة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السلْمِ كَآفَّةً} قرأ ابن كثير، ونافع، والكسائي بفتح السين، والباقون بكسرها، واختلف أهل اللغة في الفتح والكسر، على وجهين: أحدهما: أنهما لغتان تستعمل كل واحدة منهما في موضع الأخرى. والثاني: معناهما مختلف، والفرق بينهما أن السِّلم بالكسر الإسلام، والسَّلم بالفتح المسالمة، من قوله تعالى: {أية : وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا}. تفسير : [الأنفال: 61] وفي المراد بالدخول في السلم، تأويلان: أحدهما: الدخول في الإسلام، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، والضحاك. والثاني: معناه ادخلوا في الطاعة، وهو قول الربيع، وقتادة. وفي قوله: {كَافَّةً} تأويلان: أحدهما: عائد إلى الذين آمنوا، أن يدخلوا جميعاً في السلم. والثاني: عائد إلى السلم أن يدخلوا في جميعه. {وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ} يعني آثاره. {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} فيه تأويلان: أحدهما: مبين لنفسه. والآخر: مبين بعدوانه. واختلفوا فيمن أبان به عدوانه على قولين: أحدهما: بامتناعه من السجود لآدم. والثاني: بقوله: {أية : لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 62]. واختلفوا فيمن أمر بالدخول في السلم كافة، على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن المأمور بها المسلمون، والدخول في السلم العمل بشرائع الإسلام كلها، وهو قول مجاهد، وقتادة. والثاني: أنها نزلت في أهل الكتاب، آمنوا بمن سلف من الأنبياء، فأُمِروا بالدخول في الإسلام، وهو قول ابن عباس، والضحاك. والثالث: أنها نزلت في ثعلبة، وعبد الله بن سلام، وابن يامين، وأسد، وأسيد ابني كعب، وسعيد بن عمرو، وقيس بن زيد، كلهم من يهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يوم السبت كنا نعظمه ونَسْبِتُ فيه، وإن التوراة كتاب الله تعالى، فدعنا فلنصم نهارنا بالليل، فنزلت هذه الآية، وهو قول عكرمة. قوله تعالى: {فَإِن زَلَلْتُم} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه عصيتم. والثاني: معناه كفرتم. والثالث: إن ضللتم وهذا قول السدي. {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنها حجج الله ودلائله. والثاني: محمد، وهو قول السدي. والثالث: القرآن، وهو قول ابن جريج. والرابع: الإسلام. {فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} يعني عزيز في نفسه، حكيم في فعله.

ابن عبد السلام

تفسير : {السِّلْمِ} والسَّلم واحد أو بالكسر الإسلام، وبالفتح المسالمة. ادخلوا في الإسلام، أو الطاعة. {كَآفَّةً} عائد إلى الطاعة، أو إلى تأكد الداخل فيها. {مُّبِينٌ} أبان عدواته بامتناعه من السجود، أو بقوله {أية : لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ}تفسير : [الإسراء: 62] أُمر بها المسلمون أن يدخلوا في شرائع الإسلام كلها، أو في أهل الكتاب آمنوا بمن سلف من الأنبياء، فأُمروا بالدخول في الإسلام، أو نزلت في ابن سلام وجماعة من اليهود لما قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم "السبت يوم كنا نعظمه ونَسْبُت فيه، والتوراة كتاب الله ـ تعالى ـ فدعنا فلنقم بها بالليل".

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة} نزلت في مؤمني أهل الكتاب عبدالله بن سلام وأصحابه، وذلك لما أسلموا قاموا على تعظيم شرائع موسى فعظموا السبت وكرهوا لحوم الإبل وألبانها، وقالوا: إن ترك هذه الأشياء مباح في الإسلام وواجب في التوراة، وقالوا أيضاً: يا رسول الله إن التوراة كتاب الله دعنا فلنقم به في صلاتنا بالليل، فأنزل الله هذه الآية وأمرهم أن يدخلوا في السلم أي في شرائع الإسلام ولا يتمسكوا بالتوراة فإنها منسوخة. والمعنى استسلموا لله وأطيعوه فيما أمركم به وقيل هو خطاب لمن لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى ادخلوا في السلم كافة أي في الإسلام. وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أتاه عمر فقال إنا نسمع أحاديث من يهود وتعجبنا فنرى أن نكتب بعضها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتتهوكون كما تهوكت اليهود والنصارى، لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو أن موسى حي ما وسعه إلاّ اتباعي" تفسير : قوله أتتهوكون أي تتحيرون أنتم في دينكم حتى تأخذوه من اليهود والنصارى، وقوله لقد جئتكم بها يعني بالملة الحنيفية بيضاء نقية، أي لا تحتاج إلى شيء، وقيل يحتمل أن يكون خطاباً للمنافقين من المؤمنين، والمعنى يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ادخلوا في السلم أي الانقياد والطاعة لأن أصل السلم الاستسلام، وهو الانقياد كافة، أي بأجمعكم ولا تتفرقوا، وقيل يحتمل أن يرجع إلى الإسلام والمعنى ادخلوا في أحكام الإسلام وشرائعه كافة وهذا المعنى أليق بظاهر التفسير لأنهم أمروا بالقيام بها كلها. قال حذيفة بن اليمان في هذه الآية: للإسلام ثمانية أسهم فعل الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: وقد خاب من لا سهم له {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} يعني آثاره فيما زين لكم من تحريم السبت ولحوم الإبل وغير ذلك، وقيل: لا تلتفتوا إلى الشبهات التي يلقيها إليكم أصحاب الضلالة والغواية والأهواء المضلة لأن من اتبع سنة إنسان فقد تبع آثره {إنّه لكم عدو مبين} يعني الشيطان. فإن قلت عداوته بإيصال الضرر وإلقاء الوسوسة فكيف يصح ذلك مع الاعتقاد، فإن الله هو الفاعل لجميع الأشياء، قلت: إنه يحاول إيصال الضرر والبلاء إلينا، ولكن الله منعه عن ذلك وأما معنى الوسوسة فمعلوم أنه يزين المعاصي وإلقاء الشبهات، وكل سبب لوقوع الإنسان في مخالفة الله تعالى فيصده بذلك عن الثواب، فهذا من أعظم جهات العداوة. فإن قلت: كيف يصح وصف الشيطان بأنه مبين مع أنا لا نراه؟ قلت: إن الله تعالى بين عداوته ما هي فكأنه بين وإن لم يشاهد {فإن زللتم} أي ملتم وضللتم وقال ابن عباس أشركتم {من بعد ما جاءتكم البينات} أي الدلالات الواضحات {فاعلموا أن الله عزيز} أي في نقمته ممن خالفه غالب لا يعجزه شيء {حكيم} يعني أنه لا ينتقم إلاّ بحق والحيكم ذو الإصابة في الأمور كلها وفي الآية وعيد وتهديد لمن في قلبه شك ونفاق، أو عنده شبهة في الدين.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً}. أجاز ابن عطية أن يكون "كافة" حالا من فاعل "ادخلوا" أو من "السِّلم" كقول الله تعالى {أية : فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ}تفسير : "فتحمله" (حال) من فاعل "أتت" ومن قوله "به". قال أبو حيان، واعترض بأنه لا يصح إلاّ إذا جعلت صاحبي الحال مبتدأين والحال خبر عنهما كقول الشاعر: شعر : وعلقت سلمى وهي ذات موصد ولم يبد للأتراب من ثديها حجم صغيرين نرعى البهم ياليت أننا إلى اليوم لم نكبر ولم يكبر البهم تفسير : فيصح: أنا وسلمى صغيران وقال امرؤ القيس: شعر : خرجت بها نمشي تجر وراءنا على إثرنا أذيال مرط مرجل تفسير : لأنه لا يصح: أنا وهي نمشي ولا يصح أن يقال: هو وهي تحمله. فقال ابن عرفة: يصح حمله على الوجه الذي صح إتيانه حالا منهما تقول: هي تحمله وهو محمول كما (يفهم) في الحال منهما مجموعة. قلت: وتعقب ابن القصار هذا بأنّهما كما جمعا في حال واحدة كذلك يجمعان في خبر واحد فيمتنع الجمع في تلك، ويصح هنا أي أنتم والسلم مجتمعون لكن يبطل من جهة أن المقدر خبر أو "ادخلوا في السلم" أمر والأمر لا يقدر بالخبر. فإن قلت: المعنى أنتم والسلم مطلوبان بالاجتماع؟ (قلنا لم يخبر) عنهما بالحال بل بلازمها. ابن القصار: ولا أعلم من شرط هذا إلا أبا حيان بل إنما اشترطوا اتحاد العلم في صاحب الحال مثل ما تقدم، وكقول عنترة العبسي في عمارة بن زياد العبسي، كان يتوعده عنترة بالقول: "متى تأتني فردين..." وقوله {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ} أي دوموا على الدخول. قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ...}. احتجّ ابن الخطيب بها على أنّ الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده إذ لو كان كذلك لما كان لقوله " ولاَ تَتَّبِعُوا" فائدة. قال ابن عرفة: إنما يتمّ له هذا (على) القول بأن الأمر للتكرار مع أنّ الصحيح أنّه مطلق يخرج المأمور من العهدة بالمرة الواحدة والنّهي يقتضي الانتهاء دائما ففيه زيادة فائدة لم تكن في الأمر. قال ابن عرفة: والاتباع في الاصطلاح كما قال الفخر الرازي في المعالم: أن يفعل فعل المتبوع (لأجل) أنه فعله. قيل لابن عرفة: هذا فعل في سياق النفي فهو عام في جميع وجوه الاتباع؟ فقال: إنما يعم في مسمى الاتباع فقط كقولك: لا عين عندي. إنما يعم في مسمى العين الذي حملته عليه وهو المال مثلا أو غيره. قوله تعالى: {خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ...}. أبو حيان عن ابن أبي مريم صاحب الموضح: سكنت تخفيفا عن ضم مقدر منوي إذ هي حركة فارقة بين الاسم والصفة كما في جمع "فعلة" المفتوحة الفاء. قال ابن عرفة: إنّما يكون الفرق باللّفظ لا (بالنّية). فرد عليه بمثل ذلك بوجهين للمفرد والجمع (بالنية). فقال: قد ذكروا في ذلك أنّ حركته صغيرة بالنّسبة إلى حركة أخرى ولم يجعلوا (للنّية) فرقا. قيل لابن عرفة: قد فرق المنطقيون بين العدول والتحصيل (بالنية). فقال: المراد منهما أنّ الحركة منوي بها ذلك من أول، وهنا ليس كذلك.

ابن عادل

تفسير : قوله: "السِّلْم" قرأ هنا "السَّلْم" بالفتح نافعٌ، والكِسائيُّ، وابنُ كثيرٍ، والبَاقُونَ بالكَسْر، وأمَّا التي في الأَنْفال [آية 61] فلم يَقْرَأْها بالكَسْرِ إلاَّ أَبُو بكرٍ وحدَه، عَنْ عاصِمٍ، والتي في القِتال [آية: 35] فلم يَقْرَأْها بالكَسْرِ إلاَّ حمزةُ وأَبُو بكرٍ أيضاً، وسيأتي. فقِيل: هَما بمعنىً، وهو الصلحُ مثل رَطْل ورِطْل وجَسْر وجِسْر وهو يُذَكَّر ويُؤَنَّث، قال تعالى: {أية : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا}تفسير : ، وحَكَوْا: "بَنُو فُلانٍ سِلْمٌ، وسَلْمٌ"، وأصلُه من الاسْتِسْلاَمِ، وهو الانقيادُ، قال تعالى: {أية : إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [البقرة: 131] الإسلامُ: إسلامٌ الهدى، والسِّلْم على الصُّلْحِ، وترك الحرب راجع إلى هذا المعنى؛ لأَنَّ كُلَّ واحدٍ كَصَاحِبهِ، ويُطْلَقُ على الإِسلاَم قاله الكِسَائي وجماعةٌ؛ وأنشدوا: [الوافر] شعر : 1022 - دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمَّا رَأيْتُهُمُ تَوَلَّوا مُدْبِرينَا تفسير : يُنْشَدُ بالكَسْرِ، وقال آخرُ في المفتُوحِ: [البسيط] شعر : 1023 - شَرَائِعُ السَّلْمِ قَدْ بَانَتْ مَعَالِمُهَا فَما يَرَى الكُفْرَ إِلاَّ مَنْ بِه خَبَلُ تفسير : فالسِّلْمُ والسَّلْمُ في هذين البيتَيْنِ بمعنى الإِسْلاَم، إلاَّ أنَّ الفَتْحَ فيما هو بمعنى الإِسلام قليل، وقرأ الأَعْمشُ بفتح السِّين واللامِ "السَّلَم". وقيل: بل هما مختلفا المعنى: فبالكَسْرِ الإِسلامُ، وبالفتحِ الصلحُ. قال أبُو عُبَيدة: وفيه ثلاثُ لُغَاتٍ: السَّلْم والسِّلْم والسُّلْم بالفَتْح والكَسْر والضمِّ. "كافةً" مَنْصُوبٌ على الحالِ، وفي صَاحِبهَا ثلاثةُ أقوالٍ. أظهرها: أنه الفاعلُ في "ادْخُلُوا"، والمعنَى: ادخُلُوا السِّلْم جميعاً، وهذه حالٌ تُؤَكِّدُ معنى العمومِ، فإنَّ قولَكَ: "قام القومُ كافةً" بمنزلةِ: قَامُوا كلُّهم. والثاني: أنه "السِّلْمُ" قالهُ الزَّمخشريُّ، وأَبُوا البقاءِ، قال الزمخشريُّ: ويَجُوزُ أن تكونَ "كافةً" حالاً من "السِّلْمِ"؛ لأنها تُؤَنَّثُ كما تُؤَنَّثُ الحَرْبُ؛ قال الشاعر: [البسيط] شعر : 1024 - السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِهِ والحَرْبُ يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِها جُرَعُ تفسير : على أنَّ المؤمنينَ أُمِرُوا أَنْ يدْخُلُوا في الطاعاتِ كُلِّها، ولا يَدْخُلوا في طَاعةٍ دونَ طاعةٍ، قال أَبُو حيَّان تَعْلِيلُه كونُ "كافةً" حالاً مِنَ "السِّلْم" بقولِه: "لأَنَّها تُؤَنَّثُ كما تُؤَنَّثُ الحرب" ليس بشيءٍ؛ لأنَّ التاءَ في "كَافَّة" ليست للتأنيثِ، وإن كان أَصْلُها أَنْ تَدُلَّ عليه، بل صار هذا نقلاً مَحْضاً إِلى مَعْنَى جميعٍ وكُلٍّ، كما صار قاطبةً وعامَّة، إذا كانَ حالاً نَقْلاً مَحْضاً. فإذا قلت: "قامَ الناسُ كَافةً، وقَاطِبةً" لم يَدُلَّ شيءٌ من ذلك على التأْنِيثِ، كما لا يَدُلُّ عليه "كُلّ" و"جميع". والثالث: أَنْ يكونَ صاحبُ الحالِ هما جَمِيعاً: أَعْنِي فاعلَ "ادْخُلُوا" و "السِّلْم" فتكونُ حالاً مِنْ شَيْئَين. وهذا ما أجازه ابنُ عطيةَ فإنه قال: وتَسْتَغْرقُ "كافة" حنيئذٍ المؤمِنين، وجميعَ أجزاءِ الشَّرْع، فتكونُ الحالُ مِنْ شَيْئَيْن وذلك جائِزٌ نحو قولِهِ: {أية : فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ}تفسير : [مريم: 37]. ثم قال بعد كلامٍ: وكافةً معناه جميعاً، فالمرادُ بالكافّةِ الجماعةُ التي تَكُفُّ مخالِفيها. وقوله: "نحو قوله فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُه" يعني أنَّ "تَحْمِلُهُ" حالٌ مِنْ فاعِل "أَتَتْ" ومِنَ الهاء في "بِهِ" قال أبو حيَّان: "هذا المِثَالُ ليس مُطَابِقاً لِلْحَالِ من شَيئينِ لأنَّ لفظَ "تَحْمِلُهُ" لا يحتمل شيئَيْن، ولا تقع الحالُ مِنْ شيئينِ إِلاَّ إِذَا كان اللفظُ يحتملهما، واعتبارُ ذلك بجَعْلِ ذَوِي الحالِ مُبْتدأَيْنِ، وجعل تلك الحالَ خبراً عنهما، فمتى صَحَّ ذلك صَحَّتِ الحالُ؛ نحو قوله [الطويل] شعر : 1025 - وَعُلِّقْتُ سَلْمَى وَهْيَ ذَاتُ مُوَصَّدٍ وَلَمْ يَبْدُ للأَتْرَابِ مِنْ ثَدْيِهَا حَجْمُ صَغِيرَيْنِ تَرْعَى البَهْمَ يَا لَيْتَ أَنَّنَا إِلَى اليَوْمِ لَمْ نَكْبَرْ ولَمْ تَكْبَرِ البَهْمُ تفسير : فصغيرَين حالٌ من فاعل "عُلِّقْتُ" ومِنْ "سَلْمَى" لأنك لو قُلْت: أنا وسَلْمى صَغِيرانِ لَصَحَّ ومثلُه قولُ امرِئ القَيس: [الطويل] شعر : 1026 - خَرَجْتُ بِهَا نَمْشِي تَجُرُّ وَرَاءَنَا عَلَى أَثَرَيْنَا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ تفسير : فنْمشِي حالُ من فاعل "خَرَجْتُ"، ومِنْ "هَا" في "بِهَا"؛ لأنَّك لو قلتَ: "أنا وهي نمشي" لصَحَّ، ولذلك أَعْرَب المُعْرِبُونَ "نَمْشِي" حَالاً مِنْهُما، كما تَقَدَّم، و"تَجُرُّ" حالاً مِنْ "هَا" في "بِهَا"، فقط؛ لأنه لا يصلُحُ أن تجعل "تَجُرُّ" خبراً عنهما، لو قلتَ: "أنا وهي تَجرُّ" لم يَصِحَّ؛ فكذلك يتقدَّر بمفردٍ وهو "جارَّة" وأنت لو أَخْبَرْتَ به عن اثْنين، لم يَصِحَّ؛ فكذلك "تَحْمِلُهُ" لا يَصْلُح أَنْ يكون خَبَراً عن اثنين، فلا يَصِحُّ أَنْ يكونَ حالاً منهما، وأمَّا "كَافّة" فإنها بمعنى "جَمِيع"، و"جمِيع" يَصِحُّ فيها ذلك، لا يُقالُ: "كَافَّة" لا يَصحُّ وقوعُها خَبَراً، لو قلتَ: "الزَّيْدُونَ وَالْعَمْرُونَ كَافَّةً" لم يجزْ، فلذلك لا تقعُ حالاً؛ على ما قَرَّرتُ؛ لأنَّ ذلك إِنَّما هو بسبب التزام نصب "كافةً" على الحال، وأنها لا تتصرَّفُ لا مِنْ مانعِ معنوي، بدليلِ أنَّ مرادِفَها وهو "جَمِيع" و "كُلّ" يُخْبَرُ به، فالعارِضُ المانِعُ لـ"كافَّة" من التصرُّفِ لا يَضُرُّ، وقولُه: "الجماعةُ الَّتِي تَكُفُّ مخالِفيها" يعني: أَنَّها في الأصْلِ كذلك، ثم صار اسْتِعْمالُها بمعنى جَمِيع وكُلّ". واعْلَمْ أنَّ أَصْلَ "كافة" اسمُ فاعلٍ مِنْ كَفَّ يَكُفُّ، أي: مَنَع، ومنه "كَفُّ الإِنسانِ"؛ لأنها تَمْنَعُ ما يقتضيه، و"كِفّة المِيزَانِ" لجمعها الموزون، ويقالُ: كَفَفْتُ فُلاَناً عن السُّوء، أي: منعتُه، ورجل مَكْفُوفٌ، أي: كُفَّ بَصَرُهُ مِنْ أَنْ يبصر، وَالكُفَّةُ - بالضَّمِّ - لكل مستطيلٍ، وبالكَسْرِ، لكلِّ مُسْتدِير. وقيل: "كافة" مصدرٌ كالعاقبة والعافية. وكافة وقاطبة مِمَّا لَزم نصبُها على الحالِ، فإخراجُهما عن ذلك لَحْنٌ. فصل لمَّا بيَّن الله - تعالى - أقسامَ النَّاسِن وأنهم يَنْقَسِمون إلى مُؤْمنٍ، وكافِرٍ، ومُنَافِق قال هاهنا: كُونَوا على مِلَّة واحدة، على الإسلام، واثْبتُوا عليه. قال ابنُ الخطيب: حمل أكثرُ المفسرِين السِّلْمَ على الإسلامِ، وفيه إِشكالٌ؛ لأنه يَصِيرُ التقدِيرُ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادخُلُوا في الإِسْلام، والإِيمانُ هو الإسلامُ، ومعلومٌ أَنَّ ذلك لا يَجوزُ، فلهذا ذكر المفسرون وُجُوهاً. أحدها: أَنَّ المرادَ بالآيةِ المنافقُونَ، والتقديرُ: يا أَيُّهَا الذي آمنوا بأَلْسنتِهم ادخلُوا بكُلِّيتِكُمْ في الإسلام، ولا تَتَّبعُوا خطواتِ الشيطانِ، أي آثار تَزيينه، وغروره في الإِقامةِ على النِّفاقِ، واحتجوا على هذه بالآيةِ، فهذا التأويلُ على أَنَّ هذه الآيةَ إِنَّما وردت عَقِيبُ مَا مَضَى من ذكر المنافقين وهو قولُه: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ}تفسير : [البقرة: 204] "الآية" فلمَّا وصفهم بما ذكر، دعاهم في هذه الآيةِ إلى الإيمان بالقلب، وترك النفاق. وثانيها: رُوِيَ أَنَّ هذه الآية نزلتْ في طائفةٍ من مُسْلِمي أهل الكتاب كـ"عَبْد اللَّهِ ابن سَلامٍ" وأصحابِهِ، وذلك لأنهم كانوا يُعظِّمون السَّبْتَ، ويكرهون لُحْمَان الإِبِل، بعدما أَسْلَموا وقالوا: يَا رسُولَ اللَّهِ: إِنَّ التوراةَ كتابُ اللَّهِ، فدعْنَا فلنقم بها في صَلاتِنا باللَّيْلِ، فأمرهم اللَّهُ بهذه الآيةِ أَنْ يدخُلُوا في السِّلْم كافَّةً [أي: في شَرَائِعِ الإِسَلام كافة] ولا يتمسَّكُوا بشَيْءٍ من أَحْكامِ التوراة، اعتقاداً له وعملاً به، ولا تتبعوا خُطُواتِ الشيطانِ في التمسُّكِ بأْحْكامِ التوراة بَعْدَ أَنْ عرفْتُم أنها صارت مَنْسُوخةً، وقائِلُ هذا القولِ جعل "كَافَّةً" من وصف "السِّلْم"، كأنه قِيلَ: ادخُلُوا في جميع شَعائِر الإسلام اعتقاداً وعملاً. وثالثها: أَنَّ هذا الخطابَ لأَهْلِ الكتابِ الَّذِينَ لم يؤمنوا بالنبي - عليه السلام - يَعْنِي: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ}. أي: بالكتاب المتقدم {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً}، أي: آمنوا بجميع أنبيائه وكُتُبهم، وبمحمَّد، وكتابهِ على التمامِ، ولا تتبعوا خُطُواتِ الشيطان في تحسينه الاقتصارَ على التوراةِ بسبب أَنَّهُ دِينٌ اتفق الكُلُّ على أنه حَقٌّ، بسبب أَنَّهُ جاء في التوارةِ: وتمسَّكُوا بالسبت ما دامتِ السمَواتُ والأَرْضُ، فيكون المرادُ من خُطُواتِ الشيطانِ الشبهات التي يتمسَّكُونَ بها في بَقَاءِ تلك الشريعة. قال ابنُ عبَّاسٍ: نزلت الآيةُ في أهل الكتابِ، والمعنى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} بِمُوسَى وعِيسَى "ادْخُلُوا" فِي الإِسْلاَمِ بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - كَافَّةً". وَروى "مُسْلِمٌ" عن أبي هريرة، عَنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: حديث : والَّذِي نفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدهِ، لا يَسْمَعُ بي أَحَدٌ مِنْ هذه الأمَّةِ يَهُوديٌّ ولا نَصْرَانيٌّ، ثُمَّ لَمْ يؤمِنْ بالَّذِي أُرْسِلْتُ به إلاَّ كان مِنْ أَصحابِ النَّارِ تفسير : ورابعها: أَنَّ المرادَ بهذا الخطابِ المسلِمُونَ، والمعنى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} دُومُوا على الإسلام فيما بَقِيَ من العُمُرِ ولا تَخْرُجوا عنه {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَٰنِ} أي: ولا تلتفتوا إلى الشُّبُهاتِ التي يُلْقيها إليكم أصحابُ الضلالةِ والغوايةِ. قال حُذَيفةُ بنُ اليمانِ في هذه الآيةِ: الإِسْلاَمُ ثمانيةُ أَسْهم: الصلاةُ سهمٌ، والزكاة سَهْمٌ، والصدقةُ سَهْمٌ، والحجُّ سَهْمٌ، والعمرةُ سَهْمٌ، والجهادُ سَهْم، والأمرُ بالمعروفِ سهمٌ، والنَّهْيُ عن المُنْكر سَهْمٌ، وقد خاب مَنْ لا سهم له. فإنْ قيل: المؤمنُ الموصوفُ بالشيء يقُالُ له: دُمْ عَلَيْه، ولا يقالُ لهُ: ادخُلْ فيه، والمذكُور في الآيةِ هو قوله: "ادخلُوا". فالجوابُ: الكائن في الدار إذا علم أَنَّ له في المستقبل خروجاً عنها، فلا يمتنع أن يُؤْمَرَ بدخولها في المستقبل، وإن كان في الحال كائناً فيها؛ لأن حالَ كونهِ فيها غيرُ الحالةِ التي أُمِر أن يدخل فيها، فإذا كان في الوقْتِ الثاني قد يخرج عنها، صَحَّ أن يؤمر بدخُلولِها. وقال آخرُونَ: المراد بـ"السِّلْم" في الآية الصُّلح، وتركُ المحاربةِ والمُنَازَعةِ، والتقديرُ: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كَافَّةً" أي: كُونُوا مُجْتَمِعينَ في نُصْرة الدين واحتمال البَلوَى فيه {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَٰنِ} بأَنْ يحملَكُم على طلب الدُّنْيَا، والمنازعةِ مع الناس، فهو كقوله: {أية : وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}تفسير : [الأنفال: 46]، وقوله: {أية : وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}تفسير : [آل عمران:103]. قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَٰنِ} أي: لاَ تُطِيعُوهُ فيما يدعُوكُمْ إليه، وتقدَّم الكلامُ على خطواته. وقوله: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}. قال أبو مسلمٍ: مُبِين مِنْ صفاتِ البليغ الذي يُعرِبُ عن ضميره. قال ابنُ الخطِيب: ويدلُّ على صحةِ هذا المعنى قوله {أية : حمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ}تفسير : [الدخان: 1 - 2] ولا يعنى بقوله "مُبين" إلاَّ ذلك. فإن قيلَ: كيف يمكنُ وصفُ الشيطانِ بأَنَّهُ مُبِينٌ مع أَنَّا لا نَرى ذاتَهُ، ولا نسمعُ كَلامَهُ؟ فالجوابُ أنه تعالى لَمَّا بَيَّنَ عداوتَهُ لآدمَ ونسلِه، فلذلك الأمرِ صَحَّ أَنْ يُوصَفَ بأَنَّهُ عدوٌّ مبين، وإِنْ لم يشاهد؛ مثالُه: مَنْ يُظْهر عداوتهُ لرجلٍ في بلد بعيدٍ فقد يصح أن يُقال: إِنَّ فلاناً عدوٌّ مبينٌ لك وإن لم يشاهده في الحال. قال ابنُ الخطيبِ: وعندي فيه وجهٌ آخرُ، وهو: أن الأصلَ في الإِبانَةِ القطع، والبيانُ إِنَّما سُمِّيَ بياناً لهذا المعنى فَإِنَّه يقطع بعضَ الاحتمالاتِ عن بعض، فوصْفُ الشيطانِ بأنه مبينٌ بيانُه: أنه يقطع الملكف بوسْوسَتِه عن طاعة الله وثوابِه. فإن قيلَ: كون الشيطان عَدُوّاً لنا، إِمَّا أَنْ يكونَ بسببِ أنه يقصد إيصالَ الآلامِ والمكارِه إلَيْنَا في الحالِ، أو بسببِ أَنَّه بوسوستِه يمنعنا عن الدين والثواب، والأَوَّلُ بَاطِلٌ إِذْ لو كان كذلك لوقعنا في الأَمْراض والآلامِ وليس كذلك. والثَّانِي - أيضاً - باطِلٌ؛ لأَنَّ مَنْ قَبلِ منه تلك الوسْوَسَةَ فإنه أتي من قبل نفسه؛ لقولهِ: {أية : وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَٰنٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ}تفسير : [إبراهيم: 11] وإذا كان الحالُ على ما ذكرناهُ، فكيف يُقالُ إنه عدوٌّ لَنَا؟ فالجوابُ: أَنَّهُ عَدُوٌّ من الوجهَينِ معاً أَمَّا من حيثُ أَنَّهُ يحاولُ إيصالَ البلاءِ إلينا، فهو كذلك إِلاَّ أَنَّ اللَّهَ تعالى منعَهُ عن ذلك، ولا يلْزَمُ مِنْ كونه مُريداً لإيصال الضرِرِ إلينا أَنْ يكونَ قادِراً عليه، وأَمَّا من حيثُ إنه يقدم على الوسْوسَةِ، فمعلومٌ أَنَّ تزيينَ المعاصي وإلقاءَ الشبهاتِ، كُلُّ ذلك لوقوعِ الإنسانِ في الباطل وبه يصيرُ محروماً عن الثَّوابِ. قوله تعالى: "فَإِنْ زَلَلْتُمْ" الجمهور على "زَلَلْتُمْ": بفتح العين، وأبو السَّمَّال قرأها بالكسر، فهما لغتان؛ كضلَلت، وضلِلت. و"ما" في "مِنْ بعدِما" مصدريَّةٌ، و "مِنْ" لابتداء الغاية، وهي متعلِّقةٌ بـ"زَلَلْتُمْ". معنى "زَلَلْتُمْ" أي: ضللتم، وقيل: ملتم، يقال: زلَّت قدمه تزلُّ زلاًّ وزللاً، إذا دحضت، وأصل الزلل في القدم، واستعماله في الاعتقادات. فصل يروى عن ابن عباس: فإن زللتم في تحريم السَّبت، ولحم الإبل، {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} يعني محمَّداً وشرائعه، {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} في كلِّ أفعاله، فعند هذا قالوا: لئن شئت يا رسول الله، لنتركنَّ كلَّ كتابٍ غير كتابك، فأنزل الله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}تفسير : [النساء: 136] ومن قال: إن الآية الأولى في المنافقين قال في هذه الآية كذلك. فإن قيل: إنَّ الحكم المشروط إنما يحسن في حقِّ من لا يكون عالماً بعواقب الأمور، وأجاب قتادة عن ذلك فقال: قد علم أنَّهم سيزلون، ولكنه تعالى قدَّم ذلك، وأوعد فيه؛ ليكون له الحجَّة عليهم. فصل قوله: {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} يتناول جميع الدلائل العقليَّة والسمعيَّة. أمَّا العقليَّة، فالعلم بحدوث العالم، وافتقاره إلى صانع يكون عالماً بكلِّ المعلومات، قادراً على كل الممكنات، غنيّاً عن كل الحاجات. وأمَّا السمعيَّة: فهي البيان الحاصل بالقرآن والسُّنَّة. فصل قال القرطبيُّ: دلت الآية على أنَّ عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به، ومن لم تبلغه دعوة الإسلام لا يكون كافراً بترك الشَّرائع. فصل قال القاضي: دلَّت الآية على أنَّ المؤاخذة بالذنب لا تحصل إلاَّ بعد البيان، وإزاحة العلَّة، ودلت الآية على أنَّ المعتبر حصول البيِّنات، لا حصول اليقين من المكلف. وقوله: "عَزِيزٌ" يدلُّ على الزَّجر، والتهديد، والوعيد؛ لأن العزيز هو الذي لا يمنع عن مراده، وذلك إنما يحصل بكمال القدرة، وهو تعالى قادر على كل الممكنات، فكأنَّه تعالى قال: {فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} فاعموا أنَّ الله قادرٌ عليكم، لا يمنعه عنكم مانع، وهذا نهاية في الوعيد، لأنه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه الوعيد بذكر العقاب؛ كقول السيِّد لعبده: إن عصيتني فأنت عارف بي، وتعلم قدرتي عليك، والآية كما أنها تدلُّ على نهاية الوعد بقوله: "حَكِيمٌ" فإنَّ اللائق بالحكمة أن يميز بين المحسن والمسيء، فكما يحسن من الحكيم إيصال العذاب إلى المسيء يحسن منه إيصال الثواب إلى المحسن، بل هذا أليق بالحكمة، وأقرب للرحمة، وهذه الآية تدلُّ على أنَّه لا وجوب لشيءٍ قبل الشَّرع؛ لأنه تعالى أثبت التهديد بشرط مجيء البينات، وقبل الشرع لم تحصل كلُّ البيِّنات. فصل قال الجبَّائيُّ: المجبرة تقول: إن الله تعالى يريد الكفر من الكفَّار، والسَّفاهة من السُّفهاء، والله تعالى وصف نفسه بأنه حكيم، ومن فعل السَّفه وأراده لا يكون حكيماً، وأجيب بأن الحكيم هو العالم بعواقب الأمور، فمعنى كونه تعالى حكيماً أنَّه عالم بجميع المعلومات وذلك لا ينافي كونه خالقاً لكل الأشياء، ومريداً لها. فصل يحكى أنَّ قارئاً قرأ "فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ البَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" فسمعه أعرابيٌّ، فأنكره؛ وقال: إنَّ هذا كلام الله تعالى فلا يقول كذا؛ الحكيم لا يذكر الغفران عند الزَّلل؛ [أنه إغراءٌ عليه].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة‏}‏ كذا قرأها بالنصب يعني مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإِيمان بالله مستمسكين ببعض أمر التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم يقول‏:‏ ادخلوا في شرائع دين محمد ولا تدعوا منها شيئاً، وحسبكم بالإِيمان بالتوراة وما فيها‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في ثعلبة وعبد الله بن سلام، وابن يامين، وأسد وأسيد ابني كعب، وسعيد بن عمرو، وقيس بن زيد، كلهم من يهود قالوا‏:‏ يا رسول الله يوم السبت يوم كنا نعظمه فدعنا فلنسبت فيه، وأن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها بالليل، فنزلت‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله ‏{‏ادخلوا في السلم‏} ‏ قال‏:‏ يعني أهل الكتاب، و ‏ {‏كافة‏}‏ ‏:‏ جميعا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ السلم الطاعة، وكافة يقول‏:‏ جميعاً‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ السلم الإِسلام، والزلل ترك الإِسلام‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي ‏ {‏فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات‏} ‏ قال‏:‏ فإن ضللتم من بعد ما جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية ‏ {‏فاعلموا أن الله عزيز حكيم‏}‏ يقول‏:‏ عزيز في نقمته إذا انتقم، حكيم في أمره‏.‏

ابو السعود

تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسّلْمِ} أي الاستسلام والطاعةِ، وقيل الإسلام، وقرىء بفتح السين وهو لغة فيه وبفتح اللام أيضاً، وقوله تعالى: {كَافَّةً} حال من الضمير في ادخُلوا أو من السِّلم أو منهما معاً في قوله: [الطويل] شعر : خرجتُ بها تمشي تجرُّ وراءَنا على أَثَريْنا ذيلَ مِرْطٍ مُرَجَّل تفسير : وهي في الأصل اسمُ الجماعة تكفُّ مُخالِفَها ثم استعملت في معنى جميعاً وتاؤُها ليست للتأنيث حتى يُحتاجَ إلى جعل السِّلم مؤنثاً مثلَ الحربِ كما في قوله عزَّ وجل: {أية : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا } تفسير : [الأنفال، الآية 61] وفي قوله: [البسيط] شعر : السلمُ تأخذُ منها ما رضِيتَ به والحربُ يكفيك من أنفاسها جُرَعُ تفسير : وإنَّما هي للنقل كما في عامة وخاصة وقاطبة والمعنى استسلموا لله تعالى وأطيعوه جملةً ظاهراً وباطناً، والخطابُ للمنافقين أو ادخُلوا في الإسلام بكلّيته ولا تخلِطوا به غيَره، والخطابُ لمؤمني أهلِ الكتاب فإنهم كانوا يراعون بعضَ أحكام دينهم القديمِ بعد إسلامِهم، أو في شرائع الله تعالى كلِّها بالإيمان بالأنبـياء عليهم السلام والكتبِ جميعاً والخطابُ لأهل الكتاب كلِّهم، ووصفُهم بالإيمان إما على طريقة التغليب وإما بالنظر إلى إيمانهم القديم، أو في شعب الإسلام وأحكامِه كلِّها فلا يُخِلوا بشيء منها والخطاب للمسلمين وإنما خوطب أهلُ الكتاب بعنوان الإيمان مع أنه لا يصحّ الإيمانُ إلا بما كلَّفوه الآن إيذاناً بأن ما يدّعونه لا يتمّ بدونه {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ} بالتفرُّق والتفريقِ أو بمخالفة ما أُمرتم به {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} ظاهرُ العداوة أو مُظْهِرٌ لها وهو تعليلٌ للنهي أو الانتهاءِ، {فَإِن زَلَلْتُمْ} أي عن الدخول في السلم وقرىء بكسر اللام وهي لغة فيه {مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ} الآياتُ {ٱلْبَيِّنَـٰتُ} والحججُ القطعية الدالَّةُ على حقيقته المُوجبة للدخول فيه {فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} غالبٌ على أمره لا يُعجِزُه الانتقامُ منكم {حَكِيمٌ} لا يترُكُ ما تقتضيه الحِكمةُ من مؤاخذة المجرمين المستعصين على أوامره. {هَلْ يَنظُرُونَ} استفهامٌ إنكاري في معنى النفي أي ما ينتظرون بما يفعلون من العِناد والمخالفة في الامتثال، بما أُمِروا به والانتهاء عما نُهوا عنه {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ} أي أمرُه وبأسُه أو يأتيَهم اللَّهُ بأمره وبأسِه فحُذف المأتيُّ به لدِلالة الحال عليه، والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذان بأن سوءَ صنيعهم موجبٌ للإعراض عنهم، وحكايةُ جنايتهم لمن عداهم من أهل الإنصاف على طريق المباثة، وإيرادُ الانتظارِ للإشعار بأنهم لانهماكهم فيما هم فيه من موجبات العقوبة كأنهم طالبون لها مترقبون لوقوعها {فِي ظُلَلٍ} جمع ظُلة كقُلل جمع قُلَّة وهي ما أظلك وقرىء في ظلال كقلال في جمع قلة {مّنَ ٱلْغَمَامِ} أي السحاب الأبـيض وإنما أتاهم العذابُ فيه لما أنه مظنة الرحمة فإذا أتى منه العذاب كان أفظعَ وأقطعَ للمطامع فإن إتيان الشر من حيث لا يُحتسب صعبٌ فكيف بإتيانه من حيث يرجى منه الخير؟ {وَٱلْمَلَـئِكَةُ} عطف على الاسم الجليل أي ويأتيهم الملائكة فإنهم وسائط في إتيان أمره تعالى بل هم الآتون ببأسه على الحقيقة وتوسيط الظرف بينهما للإيذان بأن الآتي أو لا من جنس ما يلابس الغمام ويترتب عليه عادة وأما الملائكة وإن كان إتيانهم مقارناً لما ذكر من الغمام لكن ذلك ليس بطريق الاعتياد وقرئ بالجر عطفاً على ظلل أو الغمام {وَقُضِىَ ٱلأمْرُ} أي تمَّ أمرُ إهلاكهم وفُرغ منه وهو عطفٌ على (يأتيَهم) داخل في حيز الانتظار، وإنما عُدل إلى صيغة الماضي دَلالة على تحققه فكأنه قد كان، أو جملةٌ مستأنفة جيءَ بها إنباءً عن وقوع مضمونها، وقرىء وقضاءُ الأمر عطفاً على الملائكةُ {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ} لا إلى غيره {تُرْجَعُ ٱلأمُورُ} بالتأنيث على البناء للمفعول من الرَّجْع، وقرىء بالتذكير وعلى البناء للفاعل بالتأنيث من الرجوع.

القشيري

تفسير : كلَّف المؤمِنَ بأن يُسالِمَ كل أحدِ إلا نَفْسَه فإنها لا تتحرك إلا بمخالفة سيده؛ فإن مَنْ سَالَم نَفْسَه فَتَرَ عن مجاهداته، وذلك سبب انقطاع كل قاصد، وموجِبُ فترةِ كل مريد. و {خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} ما يوسوسه إليك من عجزك عن القيام باستيفاء أحكام المعاملة، وتركِ نزعاتٍ لا عِبْرة بها، ولا ينبغي أن يُلْتَفَتَ إليها، بل كما قال الله تعالى: {أية : فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ}تفسير : [القصص: 7] ثم أَبْصِرْ ما الذي فعل به حين أَلْقَتْه، وكيف ردَّه إليها بعدما نجَّاه.

البقلي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ} اى ادخلوا فى خباب اعتصام الحق ينعت الاستعاذة حتى يغيروا ساكنين تحت مجارى القدار راضين فى حقيقة الاختيار معرضين عن الكاينات مصرين غيوبات الملكوت شاهدين بانوار الجبروت منقادين لاحكامه متاهبين لذبح النفوس طلبا لمرضاته وشوقا الى القائمة وقيل السلم هو الرض بالقضاء قال الجنيد رحمه الله تعالى قال ابن عطا اتباع الاوامر والنواهى وقال ابو عثمن السلم هو الخمود تحت مجارى القدرة لك وعليك قوله تعالى { فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} الاشارة فيه ان من عرف الحق بنعت الالوهية ورجع من قربه الى وطنات نفسه وقد اشرك عقوبته ان يحجبه الحق عن وصلة ومشاهدته ولم يؤمنه غيره الحق على اسراره ما عاش وان كان في العبودية طاش.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا} بألسنتهم على ان الخطاب للمنافقين {ادخلوا فى السلم كافة} اى استسلموا لله تعالى واطيعوه جملة ظاهرا وباطنا. فالسلم بمعنى الاستسلام والطاعة وكافة حال من ضمير الفاعل فى ادخلوا او هذه حال تؤكد معنى العموم فى ضمير الجمع فان قولك قام القوم كافة بمنزلة قاموا كلهم وتاء كافة وقاطبة وعامة ليست للتأنيث وان كان اصلها ان تدل عليه بل انما دخلت لمجرد كون الكلمة المنقولة الى معنى كل وجميع او المعنى ادخلوا فى الاسلام بكليته ولا تخلطوا به غيره فالخطاب لمؤمنى اهل الكتاب فانهم كانوا يراعون بعض احكام دينهم القديم كما روى ان عبد الله بن سلام واصحابه كان يتمسكون ببعض شرائع التوراة من تعظيم السبت وتحريم لحم الابل وألبانها واشياء كانوا يرون الكف عن ذلك مباحا فى الاسلام وان كان واجبا فى شريعتهم فثبتوا على ذلك مع اعتقادهم حلها استيحاشا من مفارقة العادة وقالوا يا رسول الله ان التوارة كتاب الله فدعنا فلنقرأ منها فى صلاتنا بالليل فقال عليه السلام "حديث : لا تتمسكوا بشىء مما نسخ ودعوا ما الفتموه ولا تستوحشوا من النزوع عنهbr>". تفسير : فانه لا وحشة مع الحق وانما هو من تزيين الشيطان {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} جمع خطوة بالضم والسكون وهو ما بين القدمين اى لا تسلكوا مسالكه ولا تطيعوه فيما دعاكم اليه من السبل الزائغة والوساوس الباطلة {انه لكم عدو مبين} ظاهر العداوة يريد ان يفسد عليكم بهذه الوساوس اسلامكم.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {السلم}، بالفتح والكسر: هو الاستسلام والانقياد، ويبعد هنا تفسيره بالصُّلْح، و {كافة}: حال من الواو والسلم معاً، كقوله تعالى: {أية : فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ}تفسير : [مريَم: 27]. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب {ادخلوا في} شرائع الإسلام {كافة} بحيث لا تهملوا شيئاً منها، ولا تلتفتوا إلى غيرها، نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه، حيث دخلوا في اسلام، وأرادوا أن يُعظّموا السبت، وتحرجوا من لحوم الإبل. أو في المنافقين حيث أسلموا في الظاهر، ونافقوا في الباطن، فقال لهم الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا} في الظاهر، ادخلوا في الإسلام {كافة} ظاهراً وباطناً. أو في المسلمين يأمرهم بالتمسك بشرائع الإٍلام كلها، والبحث عن أحكامها وأسرارها، {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} أي: طُرُقَه الدالة على التفريق والتفرق؛ {إنه لكم عدو مبين} أي: بيّن العداوة. {فإن زللتم} عن طريق الجادَّة؛ ففرقتم بين أجزاء الشريعة، أو التفتُّم إلى غير شريعتكم، {من بعد ما جاءتكم} الآيات {البينات} الدالّة على صحة الدين ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، {فاعلموا أن الله عزيز} أي: غالب لا يُعجزه عقابكم، {حكيم} في إمهاله إلى وقت معلوم. الإشارة: أمر الحقّ جلّ جلاله جميعَ بالصلح معه والاستسلام لأحكامه، بحيث لا يَصْدُر منهم نِزَاعٌ لأحكامه، ولا اعتراض على أفعاله، بل يَنظرون ما يبرز من عنصر القدرة، فيتلقونه بالرضى والتسليم، أو الصبر والتصبر، سواء ظهرت هذه الأفعال على أيدي الوسائط أو بلا وسائط، إذ لا فاعل سواه، وكلٍّ من عند الله، فإن زللتم واعترضتم، أو سخطتم، من بعد ما جاءتكم الآيات البيّنات الدالة على وحدانية الحق في ذاته وصفاته وأفعاله، فاعلموا أن الله عزيز حكيم، لا يعجزه عقوبتكم وإبعادكم، لكنه من حكمته يُمهل ولا يهمل، والله غالب على أمره، ومن تاب تاب الله عليه.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ أهل الحجاز، والكسائي "السلم" - بفتح السين -. الباقون - بكسرها - اللغة: قال الأخفش: السلم - بكسر السين -: الصلح، وبفتحها، وفتح اللام: الاستسلام. وقال الزجاج: السلم جميع شرائعه. ويقال: السلم، والسلم معناهما الاسلام، والصلح. وفيه ثلاث لغات: كسر السين، وفتحها مع تسكين اللام، وفتحها. وقال أبو عبيدة: السلم - بكسر السين - والاسلام واحد، وهو في موضع آخر المسالمة، والصلح. المعنى: وقال ابن عباس، والسدي، والضحاك، ومجاهد: معنى السلم ها هنا الاسلام، وبه قال قتادة. وقال الربيع: معناه ادخلوا في الطاعة، وهو اختيار البلخي قال: لأن الخطاب للمؤمنين بقوله: {يا أيها الذين آمنوا} واختار الطبري الوجه الأول، والأمران جميعاً عندنا جائزان محتملان، وحملها على الطاعة أعم، ويدخل فيه ما رواه أصحابنا من أن المراد به الدخول في الولاية، قال أبو علي: من قرأ بفتح السين، ذهب إلى أن معناه: المسالمة، والصلح، وترك الحرب باعطاء الجزية. ومن كسرها، اختلفوا منهم من حمله على الاسلام، ومنهم من حمله على الصلح أيضاً . اللغة: وقوله تعالى: {كافة} معناه جميعاً، وهو نصب على الحال من ضمير المؤمنين. وقيل من حال السلم، واشتقاقه في اللغة مما يكف الشيء في آخره، من ذلك كفة القميص، يقال لحاشية القميص: كفة. وكل مستطيل، فحرفه كفة. ويقال في كل مستدير: كفة، نحو كفة الميزان. وإنما سميت كفة الثوب، لأنها تمنعه أن ينتشر. وأصل الكف: المنع، ومنه قيل لطرف اليد: كف، لأنها يكف بها عن سائر البدن: وهي الراحة مع الأصابع، ومن هذا قيل: رجل مكفوف أي قد كف بصره أن يبصر، وكفّ من الشيء يكف كفاً: اذا انقبض عنه. وكل شيء جمعته، فقد كففته. واستكفّ السائل: إذا بسط كفه يسأل. واستكف القوم بالشيء: إذا أحدقوا به. وتكفف السائل: اذا مدّ كفه للسؤال. ولقيته كفة لكفة: إذا لقيته مفاجأة. والمكفوف: الأعمى. والكفف: دارات الوسم. والكفة: مايصاد به الظباء: كالطوق. المعنى: فمعنى الآية على هذا: ابلغوا في الاسلام إلى حيث تنتهي شرائعه، فتكفوا من أن تعدوا شرائعه. وادخلوا كلكم حتى يكف عن عدد واحد لم يدخل فيه. وقيل: معنى الآية: أن قوماً من اليهود أسلموا وأقاموا على تحريم السبت، وتحريم لحمم الابل، فأمرهم الله تعالى أن يدخلوا في جميع شرائع الاسلام. وقال بعض أهل اللغة: جائز أن يكون أمرهم وهم مؤمنون أن يدخلوا في الايمان: أي يقيموا على الايمان كما قال: {أية : يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله}تفسير : وكلا القولين جائز. وقوله {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} أي لا تتبعوا آثاره، لأن ترككم شيئاً من شرائع الاسلام اتباع الشيطان. وخطوات: جمع خطوة وفيها ثلاث لغات: خطوات - بضم الطاء، وفتحها، واسكانها. وقوله تعالى: {إنه لكم عدو مبين} عداوته للمؤمنين. وإبانة عداوته لنا هو أن ينسها لمن يراه من الملائكة، والجن، ونحن وإن لم نشاهده، فقد علمنا معاداته لنا، ودعاءه إيانا الى المعاصي، فجاز أن يسمى ذلك إبانة. وقال الجبائي: أبان عداوته لآدم والملائكة (ع)، فكان بذلك مبيناً لعداوته إيانا.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بعد ما بيّن اصناف النّاس نادى المؤمنين اى الدّاعين لله للدّنيا او للدّنيا والآخرة او لذاته تهييجاً لهم بلذّة النّداء ثمّ امرهم بالدّخول فى مرتبة الصّنف الاخير فقال {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ} بالكسر والفتح الصلح وقرئ بهما والمراد بالايمان هو الاسلام الحاصل بالبيعة العامّة وقبول الدّعوة الظاهرة، والمراد بالسّلم الولاية والبيعة الخاصّة وقبول الدّعوة الباطنة سمّيت بالسّلم لانّ الدّاخل فى الايمان الحقيقىّ بقبول الدّعوة الباطنة وقبول الولاية يحصل له تدريجاً الصلح الكلّىّ مع كلّ الموجودات ولا ينازع شيئاً منها فى شيءٍ من الامور {كَآفَّةً} جميعاً حال عن فاعل ادخلوا او عن السّلم بمعنى الدّخول فى جميع مراتب السّلم، ويجوز ان يكون اسم فاعل من كفّ بمعنى منع وتكون التاء للمبالغة ويكون حالاً من السّلم اى ادخلوا فى السّلم حال كونه مانعاً لكم عن الخروج او عن الشين والنّقص {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} عن الصّادق (ع) السّلم ولاية علىّ (ع) والائمّة (ع) والاوصياء من بعده، وخطوات الشّيطان ولاية اعدائهم. وعن تفسير الامام (ع) يعنى فى السّلم والمسالمة الى دين الاسلام كافّة جماعة ادخلوا فيه فى جميع الاسلام فاقبلوه واعملوا فيه ولا تكونوا كمن يقبل بعضه ويعمل به ويأبى بعضه ويهجره، قال (ع) ومنه الدّخول فى قبول ولاية علىٍّ (ع) كالدّخول فى قبول نبوّة محمّد (ص) فانّه لا يكون مسلماً من قال: انّ محمّد (ص) رسول الله فاعترف به ولم يعترف بانّ عليّاً (ع) وصيّه وخليفته وخير امتّه، وقد مضى بيان لخطوات الشّيطان واتّباعها عند قوله تعالى: {أية : كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}تفسير : [البقرة: 168] قد مضى بيانه هنالك.

فرات الكوفي

تفسير : { يا أيُّها الّذِينَ آمَنوا ادْخُلوا في السِّلْمِ كافَّةً 208} فرات قال: حدثني جعفر بن أحمد والحسين بن سعيد وجعفر بن محمد الفزاري قالوا: حدثنا محمد بن مروان قال: حدثنا عامر عن رياح بن أبي رياح: عن شريك في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة} قال: في ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام. فرات قال: حدثني جعفر بن أحمد والحسين بن سعيد قالا: حدثنا [محمد بن مروان قال: حدثنا] عامر عن رياح بن أبي رياح: عن شريك في قوله: {ادخلوا في السلم كافة} قال: في ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام. فرات قال: حدثنا عبيد بن كثير قال: حدثنا جندل بن والق قال: حدثنا محمد بن عمر المازني عن أبي بكر الكلبي: عن جعفر بن محمد عليه السلام في قوله تعالى: {ادخلوا في السلم كافة} قال: في ولايتنا.

اطفيش

تفسير : {يا أيُّهَا الَّذِينَ آمنُوا ادْخُلُوا فى السِّلْمِ}: بفتح السين عند نافع وابن كثير والكسائى، وبكسرها عند الباقين، وهى: الصلح ضد الحرب، فمن زاغ فى فعل أو قول أو اعتقاد عن أمر الشرع فقد حارب وخرج عن الصلح، فإن السلم: إما الصلح الذى هو ترك القتال وإثبات الأمن والعافية، وإما الصلح الذى هو الوقوف مع أحكام الشرع، والمراد هنا كلاهما أو الثانى والأول مفهوم بالأولى، فكذا الحرب هو القتال أو الخروج عن أحكام الشرع، ولذلك يطلق السلم: على الانقياد والطاعة، وعلى الإسلام، ويجوز تفسير الآية بهما من أول مرة أو بالإسلام، وقد فسره بهما الزمخشرى إذ قال: السلم بفتح السين وكسرها، وقرأ الأعمش بفتح السين واللام وهو الاستسلام لله، أى استسلموا وأطيعوه، فجعله القاضى أصلا فى الاستسلام والطاعة، فرعاً فى الصلح والإسلام. {كافَّةً}: خال من واو ادخلوا، أى ادخلوا فى السلم حال كونكم جماعة واحدة، لا يختلف منكم أحد، والخطاب للمؤمنين، أمرهم بالدوام على ما هم عليه وعدم خروجهم أو خروج بعضهم إلى بعض عداوة حسية، أو فتنة دين، ففيه زجر لعبد الله بن سلام عما أراده من الثبوت على بعض أحكام التوراة، لأن منهما ما نسخ بالإنجيل، وما نسخ بالقرآن، وما حرفه اليهود، وما زادوه، وفيها نقصان منهم، وما بقى سالما منها ففى التمسك به وإشهاره تدرع إلى العمل بما نسخ، وما زيد وما حرف منها، وما نقص بعضه وبقى معطلا، وإلى الإعراض عن القرآن وتركه، أو ترك بعضه، وكذا أشباه عبد الله بن سلام، فأمره الله مع جميع المؤمنين أن يتفقوا ولا يخرج بعضهم عن القرآن إلى التوراة، ولا إلى غيرها. روى أن عبد الله بن سلام استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقيم على السبت، وأن يقرأ من التوراة فى صلاته من الليل، ولذلك قال بعضهم كما روى ابن عباس: الخطاب لمؤمنى أهل الكتاب، فإنهم بعد إسلامهم عظموا السبت وحرموا الإبل وألبانها. وإن قلت: كيف صح أن يكون كافة، وهو مفرد مؤنث، حالا من الواو؟ قلت: صح كافة بمعنى عامة، أو لتأويل جماعة كافة، وذلك أن العامة أو الجماعة يكف بعضها بعضاً عن التفرق، أو لأن التاء ليست للتأنيث بعد النقل من الوصفية إلى الاسمية، ورائحة الوصفية تكفى فى جواز النعت، فلا برد اعتراض أبى حيان بأن تاء كافة ليست للتأنيث، ويجوز أن يكون حالا من السلم، والسلم يؤنث ويذكر، قال العباس بن مرداس السلمى يخاطب أبا خراشة خفاف بن ندبة: شعر : أبا خراشة أما أنت ذا نفر فإن قومى لم تأكلهم الضبع السلم تأخذ منها ما رضيت به والحرب يكفيك من أنفاسها جرع تفسير : الضبع: حيوان استعير اسمه للسنة المجدبة، لأنه متتابع الفساد، أى فإن قومى كثير لم تهلكهم السنون، وقال ابن الأعرابى: الضبع الحيوان حقيقة، كانوا إذا أجدبوا ضعفوا فعاثت فيهم الضباع، أى فإن قومى ليسوا ضعافاً عن الابتعاث فتعيث فيهم الضباع، وزعم الفارسى أن الضبع اسم للسنة المجدبة حقيقة لا استعارة. والسلم هو بكسر السين وفتحها والجرعة ملء الفم، كذا قيل، والصواب أنها مقدار ما يبلع من الماء دفعة، والجرع: الجماعة من ذلك، قال التبريزى يعلمه أن السلم هو فيها وادع ينال من مطالبه ما يريد فإذا جاءت الحرب قطعته عن إرادته، وقيل: أراد أن السلم تأخذ منها ما تحبه وترضاه فلا تسأم من طول زمانها، والحرب بالعكس، أو يكفيك اليسير منها المشار إليه بقوله: من أنفاسها جرع، يحرض أبا خراشة على الصلح ويثبطه عن الحرب، ومنع ابن هشام أن يكون كافة حالا من السلم، وقال: إن كافة خاص بمن يعقل، وهذا يسلم منه من جعله حالا من الواو والسلم، وقال التغليب جائز، واختاره ابن عطية، وهو ممن أخذ عن الربيع بن حبيب رحمه الله، ثم نهاه أصحابنا رحمهم الله أن يقبله، فرده فرجع حزينا باكياً يقول: ما أظن الربيع فى فضله يقبل فى كلام أحد، ويجوز أن يكون الخطاب للمنافقين، أى استسلموا لله وأطيعوه جملة ظاهراً وباطناً، ويجوز أن يكون الخطاب لكفار أهل الكتاب، أى ادخلوا فى الشرع كله بالإيمان لا تؤمنوا ببعض كتب الله وبعض أنبيائه، وتكفروا ببعض، فإذا رأيتم التعميم على أحد الأقوال فى أمر الدين لا فى المخاطبين، فالحال من السلم، وروى جابر ابن عبد الله: حديث : أن عمر أتى إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: إنا نسمع أحاديث من يهود وتعجبنا أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى لقد جئتكم بها بيضاء نقية لو كان عيسى حيا ما وسعه إلا الاتباع" قلت: أى لو كان حيا فى الأرض لأنه حى فى السماءتفسير : ، والذى عندى أن هذا غلط من كتاب الحديث، وإنما الرواية: لو كان موسى حيا لأنه أنسب للتوراة، ولأنه مات، ومعنى متهوكون أنتم أمتحيرون أنتم فى دينكم حتى تأخذوه من اليهود والنصارى، والضمير فى قوله: بها، للملة الحنيفية، وبيضاء نقية طاهرة لا إشكال ولا خفاء فيها، يحتاج إلى زواله بشئ، وعن حذيفة بن اليمانى: فى هذه الآية للإسلام ثمانية أسهم: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والعمرة، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وقد خاب من لا سهم له أى خاب من فاته سهم واحد من هذه الأسهم وأتى بالباقى، يشير إلى أن السلم هو هذه الثمانية فإنها إسلام. {ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيطان}: آثاره فى التفرق عن الإسلام وأمره، والتفريق بين شئ وآخر فى الإيمان، وترك الآخر وتحريم ما حل كما حرمت اليهود لحوم الإبل ولو بعد نزول القرآن، وكما حرمت العرب البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى، وقيل: لا تلتفتوا إلى الشبهات التى يلقى إليكم الشيطان، والشيطان مراد به شيطان الجن أو شيطان الإنس أو كلاهما، والمراد على كل وجه جنس الشيطان لا الشيطان الواحد، والوجه المتبادر أن المراد جنس شياطين الجن، لأن المعتاد الغالب استعمال الشيطان فى شيطان الجن، ولأنه الذى شهر فى مثله قوله تعالى: {إنَّهُ لكُم عَدوٌّ مُبينٌ}: ظاهر العداوة وأصل العدو أن يقع على المفرد، لكنه يستعمل فى المفرد والاثنين والجماعة.

اطفيش

تفسير : {يَٰآيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ادْخُلُواْ} كلكم لا بعضكم {فِى السِّلْمِ} فى الانقياد {كَآفَةً} أى كلكم، وأصله اسم فاعل من كفه، فغلبت عليه الاسمية، وتاؤه للنقل من الوصفية إلى الاسمية، أو للتأنيث، أو للمبالغة، أقوال، وهو حال من واو ادخلوا، إشارة إلى الكف عن التفرق أو الحذف بمعنى كله، لا تتركوا بعضه كعدم تعظيم السبت وعدم تحريم لحم الإبل وشحمها ولبنها وصلاة الليل بالتوراة نفلا كما يفعله بعض من آمن من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، إذ طلب أن يقوم الليل بالتوراة، ولا تتركوا الإيمان ببعض كتب الله وأنبيائه ولا تتركوا شيئاً من الدين. وآمنوا بقلوبكم لا بألسنتكم فقط، كما فعل، المنافقون ودخلوا فى لفظ الذين آمنوا لظاهر حالهم، وقيل الخطاب للمنافقين لأنه يقال فيهم إنهم آمنوا، وقيل لكفار أهل الكتاب إذ زعموا أنهم آمنوا بالتوراة والإنجيل على أن السلم جميع الشرائع، وقيل للمؤمنين الخلص{وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَٰنِ} أثر خطواته، أى أثر أقدامه، والمراد أنواع تزيينه بالتفرق، بعض لا يسلم وبعض يسلم، والشيطان لا يريد إيمان هذا البعض، وبالإيمان بالبعض دون البعض وبالبقاء على بعض أمر الجاهلية، أو بعض الكتب السابقة مما لا يجوز البقاء عليه، كتحريم لبن البعير ولحمه وتعظيم السبت، والصلاة بغير القرآن {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} ظاهر العداوة أو مظهرها لكم، لكن اغتررتم بما ناسب هواكم وجعلتموه حليفاً لكم.

الالوسي

تفسير : {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسّلْمِ كَافَّةً} أخرج غير واحد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه، وذلك أنهم حين آمنوا بالنبـي صلى الله عليه وسلم وآمنوا بشرائعه وشرائع موسى عليه السلام فعظموا السبت وكرهوا لحمان الإبل وألبانها بعد ما أسلموا، فأنكر ذلك عليهم المسلمون، فقالوا: إنا نقوى على هذا وهذا، وقالوا للنبـي صلى الله عليه وسلم: إن التوراة كتاب الله تعالى فدعنا فلنعمل بها، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فالخطاب لمؤمني أهل الكتاب، والسلم بمعنى الإسلام، وكافة في الأصل صفة من كف بمعنى منع، استعمل بمعنى الجملة بعلاقة أنها مانعة للأجزاء عن التفرق ـ والتاء ـ فيه للتأنيث أو للنقل من الوصفية إلى الإسمية كعامة وخاصة وقاطبة، أو للمبالغة واختار الطيبـي الأول مدعياً أن القول بالأخيرين خروج عن الأصل من غير ضرورة، والشمول المستفاد منه شمول الكل للأجزاء لا الكلي لجزئياته ولا الأعم منهما، ولا يختص بمن يعقل، ولا بكونه حالاً ولا نكرة خلافاً لابن هشام ـ وليس له في ذلك ثبت ـ وهو هنا حال من الضمير في {ٱدْخُلُواْ} والمعنى ادخلوا في الإسلام بكليتكم ولا تدعوا شيئاً من ظاهركم وباطنكم إلا والإسلام يستوعبه بحيث لا يبقى مكان لغيره من شريعة موسى عليه السلام، وقيل: الخطاب للمنافقين، والسلم بمعنى الاستسلام والطاعة على ما هو الأصل فيه، وكافة حال من الضمير أيضاً، أي استسلموا لله تعالى وأطيعوه جملة واتركوا النفاق وآمنوا ظاهراً وباطناً، وقيل: الخطاب لكفار أهل الكتاب الذين زعموا الإيمان بشريعتهم، والمراد من السلم جميع الشرائع بذكر الخاص وإرادة العام بناءاً على القول بأن الإسلام شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم، وحمل ـ اللام ـ على الاستغراق، {وكَافَّةً} حال من {ٱلسّلْمِ} والمعنى ادخلوا أيها المؤمنون بشريعة واحدة في الشرائع كلها ولا تفرقوا بينها، وقيل: الخطاب للمسلمين الخلّص، والمراد من السلم شعب الإسلام، وكافة حال منه، والمعنى: ادخلوا أيها المسلمون المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم في شعب الإيمان كلها ولا تخلوا بشيء من أحكامه، وقال الزجاج في هذا الوجه: المراد من السلم الإسلام، والمقصود أمر المؤمنين بالثبات عليه، وفيه أن التعبير عن الثبات على الإسلام بالدخول فيه بعيد غاية البعد، وهذا ما اختاره بعض المحققين من ستة عشر احتمالاً في الآية حاصلة من ضرب/ احتمالي (السلم) في احتمالي (كافة) وضرب المجموع في احتمالات الخطاب، ومبنى ذلك على أمرين، بأحدهما أن {كَافَّةً} لإحاطة الأجزاء، والثاني: أن محط الفائدة في الكلام القيد كما هو المقرر عند البلغاء، ونص عليه الشيخ في «دلائل الإعجاز»، وإذا اعتبرت احتمال الحالية من الضمير والظاهر معاً كما في قوله:شعر : خرجت بها نمشي تجر وراءنا على أثرينا ذيل مرط مرحل تفسير : بلغت الاحتمالات أربعة وعشرين، ولا يخفى ما هو الأوفق منها بسبب النزول. وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي (السلم) بفتح السين والباقون ـ بكسرها ـ وهما لغتان مشهورتان فيه، وقرأ الأعمش بفتح السين واللام {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ} بمخالفة ما أمرتم به، أو بالتفرق في جملتكم، أو بالتفريق بالشرائع أو الشعب {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} ظاهر العداوة أو مظهر لها، وهو تعليل للنهي والانتهاء.

ابن عاشور

تفسير : استئناف على طريقة الاعتراض انتهازاً للفرصة بالدعوة إلى الدخول في السلم، ومناسبة ذكره عقب ما قبله أن الآيات السابقة اشتملت على تقسيم الناس تجاه الدين مراتب، أعلاها { أية : من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله } تفسير : [البقرة: 207] لأن النفس أغلى ما يبذل، وأقلها { أية : من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام } تفسير : [البقرة: 204] أي يضمر الكيد ويفسد على الناس ما فيه نفع الجميع وهو خيرات الأرض، وذلك يشتمل على أنه اعتدى على قوم مسالمين فناسب بعد ذلك أن يدعى الناس إلى الدخول فيما يطلق عليه اسم السلم وهذه المناسبة تقوى وتضعف بحسب تعدد الاحتمالات في معنى طلب الدخول في السلم. والخطاب بيأيها الذين آمنوا خطاب للمسلمين على عادة القرآن في إطلاق هذا العنوان، ولأن شأن الموصول أن يكون بمنزلة المعرف بلام العهد. و(الدخول) حقيقته نفوذ الجسم في جسم أو مكان محوط كالبيت والمسجد، ويطلق مجازاً مشهوراً على حلول المكان الواسع يقال دخل بلاد بني أسد وهو هنا مستعار للاتباع والالتزام وشدة التلبس بالفعل. و(السَّلم) بفتح السين وكسرها مع سكون اللام، قرأ نافع وابن كثير والكسائي وأبو جعفر بفتح السين وقرأ باقي العشرة بكسر السين، ويقال سلم بفتح السين واللام قال تعالى: { أية : ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً } تفسير : [النساء: 94] وحقيقة السلم الصلح وترك الحرب قال عباس بن مرداس: شعر : السَّلْمُ تأْخُذُ منها ما رَضِيتَ به والحَرْبُ تَكْفِيك من أَنْفَاسِها جُزَع تفسير : وشواهد هذا كثيرة في كلامهم وقال زهير: شعر : وقد قلتما إن ندرك السِّلم واسعاً تفسير : بكسر السين واشتقاقه من السلامة وهي النجاة من ألم أو ضر أو عناد يقال أسلم نفسه لفلان أي أعطاه إياها بدون مقاومة، واستسلم طلب السِّلم أي ترك المقاومة، وتقول العرب: أسلم أم حرب، أي أأنت مسالم أم محارب، وكلها معان متولد بعضها من بعض فلذلك جزم أئمة اللغة بأن السلم بكسر السين وفتحها وبالتحريك يستعمل كل واحد منها فيما يستعمل فيه الآخر. قالوا ويطلق السلم بلغاته الثلاث على دين الإِسلام ونسب إلى ابن عباس ومجاهد وقتادة وأنشدوا قول امرىء القيس بن عابس الكندي في قضية ردة قومه: شعر : دَعَوْت عشيرتي للسَّلْم لَمَّا رأيتهموا تَوَلَّوْا مُدبرينا فلستُ مبدِّلاً بالله ربا ولا مستبدلاً بالسَّلم دينا تفسير : وهذا الإطلاق انفرد بذكره أصحاب التفسير ولم يذكره الراغب في «مفردات القرآن» ولا الزمخشري في «الأساس» وصاحب «لسان العرب» وذكره في «القاموس» تبعاً للمفسرين وذكره الزمخشري في «الكشاف» حكاية قول في تفسير السِّلم هنا فهو إطلاق غير موثوق بثبوته وبيت الكندي يحتمل معنى المسالمة أي المسالمة للمسلمين ويكون قوله: «دينا» بمعنى العادة اللازمة كما قال المثقب العبدي: شعر : تقول وقد أدرت لها وضيني أهذا دينه أبداً وديني تفسير : وعن أبي عمرو بن العلاء السِّلم بكسر السين هو الإسلام والسَّلم بفتح السين المسالمة، ولذلك قرأ {ادخلوا في السِّلم} في هذه السورة بكسر السين لا غير وقرأ التي في سورة الآنفال والتي في سورة محمد - صلى الله عليه وسلم - بفتح السين قال الطبري توجيهاً منه لمعناه هنا إلى أنه الإسلام دون الآيتين الأخريين. وأنكر المبرد هذه التفرقة وقال: اللغة لا تؤخذ هكذا وإنما تؤخذ بالسماع لا بالقياس ويَحتاج من فَرَّق إلى دليل. فكون السلم من أسماء الصلح لا خلاف فيه بين أئمة اللغة فهو مراد من الآية لا محالة وكونه يطلق على الإسلام إذا صح ذلك جاز أي يكون مراداً أيضاً ويكون من استعمال المشترك في معنييه. فعلى أن يكون المراد بالسلم المسالمة كما يقتضيه خطابهم بيٰأيها الذين آمنوا الذي هو كاللقب للمسلمين كان المعنى أَمْرَهم بالدخول في المسالمة دون القتال، وكما تقتضيه صيغة الأمر في (ادخلوا) من أن حقيقتها طلب تحصيل فعل لم يكن حاصلاً أو كان مُفرَّطاً في بعضه. فالذي يبدو لي أن تكون مناسبة ذكر هذه الآية عقب ما تقدم هي أن قوله تعالى: { أية : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } تفسير : [البقرة: 190] الآيات تهيئة لقتال المشركين لصدهم المسلمين عن البيت وإرجافهم بأنهم أجمعوا أمرهم على قتالهم، والإرجاف بقتل عثمان بن عفان بمكة حين أرسله رسول الله إلى قريش، فذكر ذلك واستطرد بعده ببيان أحكام الحج والعمرة فلما قضى حق ذلك كله وألحق به ما أمر الله بوضعه في موضعه بين في تلك الآيات، استؤنف هنا أمرهم بالرضا بالسلم والصلح الذي عقده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أهل مكة عام الحديبية، لأن كثيراً من المسلمين كانوا آسفين من وقوعه ومنهم عمر بن الخطاب فقد قال: ألسْنَا على الحق وعدُوُّنا على الباطل فكيف نعطي الدَّنية في ديننا رواه أهل «الصحيح» فتكون مدة ما بين نزول المسلمين بالحديبية وتردد الرسل بينهم وبين قريش وما بين وقوع الصلح هي مدة نزول الآيات من قوله تعالى: { أية : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } تفسير : [البقرة: 190] إلى هنا. واعلم أنه إذا كان الضمير في قوله تعالى: { أية : هل ينظرون } تفسير : [البقرة: 210] راجعاً إلى { أية : من الناس من يعجبك } تفسير : [البقرة: 204] أو { أية : من الناس من يشري نفسه } تفسير : [البقرة: 207] كما سيأتي يكون قوله: {ياأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم} اعتراضاً بين الجملة ذات المعاد والجملة ذات الضمير. فأما إذا فسر السلم بالإسلام أي دين الإسلام فإن الخطاب بيأيها الذين آمنوا وأمر المؤمنين بالدخول في الإسلام يُؤَوَّل بأنه أمر بزيادة التمكن منه والتغلغل فيه لأنه يقال دخل الإيمان في قلبه إذا استقر وتمكن، قال تعالى: { أية : ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } تفسير : [الحجرات: 14]. وقال النابغة: شعر : أَبَى غفلتي أَني إذا ما ذكرتُه تَحَرَّك داءٌ في فُؤادِيَ دَاخِلُ تفسير : وهذا هو الظاهر، فيراد بالأمر في (ادخلوا) الدوام على ذلك وقيل أريد بالذين آمنوا الذين أظهروا الإيمان فتكون خطاباً للمنافقين. فيؤوَّل قوله: {الذين آمنوا} بمعنى أظهروا الإيمان فيكون تهكماً بهم على حد قوله: { أية : وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون } تفسير : [الحجر: 6] فيكون خطاباً للمنافقين وهذا تأويل بعيد لأن الذين آمنوا صار كاللقب لمن اتبع الدين اتباعاً حقاً، ولأن الظاهر على هذا أن يثبت للمنافقين وصف الإسلام ويطلب منهم الإيمان دون العكس، بدليل قوله تعالى: { أية : قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } تفسير : [الحجرات: 14]. وقيل المراد بالذين آمنوا: الذين آمنوا من اليهود كعبد الله بن سَلاَم فيُؤوَّل {ادْخلوا} بمعنى شدة التلبس أي بترك ما لم يجيء به الدين، لأنهم استمروا على تحريم السبت وترك شرب ألبان الإبل وبعض ما اعتادوه من أحوالهم أيام تهودهم إذا صح ما رواه أهل «أسباب النزول» أن طائفة من مؤمني اليهود فعلوا ذلك. ويجوز أن يكون المراد من السلم هنا المعنى الحقيقي ويراد السلم بين المسلمين يأمرهم الله تعالى بعد أن اتصفوا بالإيمان بألا يكون بعضهم حرباً لبعض كما كانوا عليه في الجاهلية، وبتناسي ما كان بين قبائلهم من العداوات، ومناسبة ذكر هذا عقب ما تقدم أنهم لما أمروا بذكر الله كذكرهم آباءهم وكانوا يذكرون في موسم الحجِ ترَاتِهِم ويفخرون فخراً قد يفضي إلى الحمية، أمروا عقب ذلك بالدخول في السَّلم ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خطبة حجة الوداع « حديث : لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض » تفسير : فتكون الآية تكملة للأحكام المتعلقة بإصلاح أحوال العرب التي كانوا عليها في الجاهلية، وبها تكون الآية أصلاً في كون السلم أصلاً للإسلام وهو رفع التهارج كما قال الشاطبي أي التقاتل وما يفضي إليه، وإما أن يكون المراد من السَّلم هنا السلم مع الله تعالى مع معنى المجاز، أي ادخلوا في مسالمة الله تعالى باتباع أوامره واجتناب منهياته كما أطلق الحرب على المعصية مجازاً في قوله تعالى: { أية : فأذنوا بحرب من الله ورسوله } تفسير : [البقرة: 279] وفي الحديث القدسي الذي رواه الترمذي « حديث : من عادَى لي وَلِيّاً فقد آذنتُه بالحرب ». تفسير : و(كافة) اسم يفيد الإحاطة بأجزاء ما وصف به، وهو في صورة صوغه كصوغ اسم الفاعلة من كَفَّ ولكن ذلك مصادفة في صيغة الوضع، وليس فيها معنى الكف ولا حاجة إلى تكلف بيان المناسبة بين صورة لفظها وبني معناها المقصود في الكلام لقلة جدوى ذلك، وتفيد مُفاد ألفاظ التوكيد الدالة على الشمول والإِحاطة. والتاء المقترنة بها ملازمة لها في جميع الأحوال كيفما كان المؤكد بها مؤنثاً كان أو مذكراً مفرداً أو جمعاً، نحو { أية : وقاتلوا المشركين كافة } تفسير : [التوبة: 36]، وأكثر ما يستعمل (كافة) في الكلام أنه حال من اسم قبله كما هنا فقوله: «كافة» حال من ضمير {ادخلوا} أي حالة كونكم جميعاً لا يُستثنى منكم أحد، وقال ابن هشام في «مغني اللبيب» عند الكلام على الجهة الخامسة من الباب الخامس في ذكر الحال من الفاعل ومن المفعول أن (كافة) إذا استعملت في معنى الجملة والإحاطة لا تكون إلاّ حالاً مما جرت عليه، ولا تكون إلاّ نكرة ولا يكون موصوفها إلاّ مما يعقل، ولكن الزجاج والزمخشري جوَّزا جعل كافة حالاً من السلم والسلم مؤنث، وفي «الحواشي الهندية على المغني للدماميني» أنه وقع كافة اسماً لغير العاقل وغير حال بل مضافاً في كتاب عمر بن الخطاب لآل كاكلة «قد جعلت لآل كاكلة على كافة بيتِ مال المسلمين لكل عام مائتي مثقال ذهباً إبريزاً في كل عام». واعلم أن تحجير ما لم يستعمله العرب إذا سوغته القواعد تضييق في اللغة وإنما يكون اتباع العرب في استعمالهم أدخل في الفصاحة لا موجباً للوقوف عنده دون تعدية فإذا ورد في القرآن فقد نهض. وقوله: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان}، تحذير مما يصدهم عن الدخول في السلم المأمور به بطريق النهي، عن خلاف المأمور به، وفائدته التنبيه على أن ما يصدر عن الدخول في السلم هو من مسالك الشيطان المعروفِ بأنه لا يشير بالخير، فهذا النهي إما أخص من المأمور به مع بيان علة الأمر إن كان المراد بالسلم غير شُعب الإسلام مثل أن يكون إشارة إلى ما خامر نفوس جمهورهم من كراهية إعطاء الدنية للمشركين بصلح الحديبية كما قال عُمر «ألسنا على الحق وعدونا على الباطل فلم نعطي الدَّنِيَّة في ديننا» وكما قال سهل بن حنيف يوم صفين «أيها الناس اتَّهِموا الرأي فلقد رأيتنا يوم أبي جندل ولو نستطيع أن نردّ على رسول الله فِعْلَه لفَعَلْنا والله ورسوله أعلم» بإعلامهم أن ما فعله رسول الله لا يكون إلاّ خيراً، كما قال أبو بكر لعمر إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبداً تنبيهاً لهم على أن ما خامر نفوسهم من كراهية الصلح هو من وساوس الشيطان، وإما لمجرد بيان علة الأمر بالدخول في السَّلم إن كان المراد بالسلم شعب الإسلام، والكلامُ على معنى لا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين، وما فيه من الاستعارة تقدم عند قوله تعالى: { أية : ياأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً } تفسير : [البقرة: 168] الآية. وقوله تعالى: {فإن زللتم من بعد ما جاءكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم} تفريع على النهي أي فإن اتبعتم خطوات الشيطان فزللتم أو فإن زللتم فاتبعتم خطوات الشيطان وأراد بالزلل المخالفة للنهي. وأصل الزلل الزلَق أي اضطراب القدَم وتحركها في الموضع المقصود إثباتها به، واستعمل الزلل هنا مجازاً في الضُّر الناشىء عن اتباع الشيطان من بناءِ التمثيل على التمثيل؛ لأنه لما شبهت هيئة من يعمل بوسوسة الشيطان بهيئة الماشي على أثر غيره شبه ما يعتريه من الضر في ذلك المشي بزلل الرجل في المشي في الطريق المزلقة، وقد استفيد من ذلك أن ما يأمر به الشيطان هو أيضاً بمنزلة الطريق المزلقة على طريق المكنية وقوله: {زللتم} تخييل وهو تمثيلية فهو من التخييل الذي كان مجازاً والمجاز هنا في مركبه. والبينات: الأدلة والمعجزات ومجيئها ظهورها وبيانها، لأن المجيء ظهور شخص الجائي بعد غيبته. وجيء في الشرط بإنْ لندرة حصول هذا الزلل من الذين آمنوا أو لعدم رغبة المتكلم في حصوله إن كان الخطاب لمن آمن بظاهره دون قلبه. وفيه إشارة إلى أن ما خامر نفوسهم من كراهية الصلح هو زلة عظيمة. وقوله: {فاعلموا أن الله عزيز حكيم} جواب الشرط، و{أن الله عزيز حكيم}، مفعول {اعلموا}، والمقصود علم لازمه وهو العقاب. والعزيز فعيل من عز إذا قوي ولم يُغْلب، وأصله من العزة وقد مر الكلام عليه عند قوله { أية : أَخذته العزة } تفسير : [البقرة: 206] وهو ضد، فكان العلم بأنه تعالى عزيز مستلزماً تحققهم أنه معاقبهم لا يفلتهم، لأن العزيز لا ينجو من يناوئه. والحكيم يجوز أن يكون اسم فاعل من حكم أي قوي الحكم، ويحتمل أنه المحكم للأمور فهو من مجيء فَعِيل بمعنى مُفعل، ومناسبته هنا أن المتقن للأمور لا يفلت مستحق العقوبة، فالكلام وعيد وإلاّ فإن الناس كلهم يعلمون أن الله عزيز حكيم. ولك أن تجعل قوله: {فاعلموا} تنزيلاً لعلمهم منزلة العدم لعدم جريهم على ما يقتضيه من المبادرة إلى الدخول في الدين أو لمخالفة أحكام الدين أو من الامتعاض بالصلح الذي عقده الرسول. وإنما قال تعالى: {من بعد ما جاءتكم البينات} إعذار لهم، وفيه إشارة إلى أنهم يجب عليهم تفويض العلم إلى الله الذي أوحى إلى رسوله بإبرام الصلح مع المشركين، لأنه ما أوحاه الله إلاّ لمصلحة وليس ذلك بوهن للمسلمين، لأن الله عزيز لا يهن لأحد، ولأنه حكيم يضع الأمور في مواضعها، ويختار للمسلمين ما فيه نصر دينه وقد رأيتم البينات الدالةَ على عناية الله برسوله وأنه لا يخزيه ولا يضيع أمره ومن تلك البينات ما شاهدوه من النصر يوم بدر. وإن كان المراد الدخولَ في الإسلام أو الدوامَ عليه فالمعنيُّ: بِـــ(فإن زللتم): الاتصاف بما ينافي الأمر بالدخول في السّلم، والمراد بالبينات المعجزاتُ الدالة على صدق الرسول، نقل الفخر عن «تفسير القاضي عبد الجبار» دلت الآية على أن المؤاخذة بالذنب لا تحصل إلاّ بعد البيان وأن المؤاخذة تكون بعد حصول البينات لا بعد حصول اليقين من المكلف، لأنه غير معذور في عدم حصول اليقين إن كانت الأدلة كافية. وفي «الكشاف» روي أن قارئاً قرأ هذه الآية فإن الله غفور رحيم فسمعه أعرابي فأنكره وقال لا يقول الحكيم كذا لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه إغراء عليه اهــــ وفي القرطبي عن «تفسير النقاش» نسبة مثل هذه القصة إلى كعب الأحبار، وذكر الطيبي عن الأصمعي قال كنت أقرأ: والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله غفور رحيم، ويجنبي أعرابي فقال كلامُ مَنْ هذا؟ قلت كلامُ الله، قال: ليس هذا كلامُ الله فانتبهتُ فقرأت { أية : والله عزيز حكيم } تفسير : [المائدة: 38] فقال أصبتَ هذا كلام الله فقلت أتقرأ القرآن؟ قال لا قلتُ من أين علمت؟ قال يا هذا عَزَّ فَحَكَم فقطعَ ولو غَفر ورَحم لَمَا قَطَع.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: السلم: الإسلام. كافة: جميعاً لا يتخلف عن الدخول في الإِسلام أحد، ولا يترك من شرائعه ولا من أحكامه شيء. خطوات الشيطان: مسالكه في الدعوة إلى الباطل وتزيين الشر والقبيح. فإن زللتم: وقعتم في الزلل وهو الفسق والمعاصي. البينات: الحجج والبراهين. هل ينظرون: ما ينظرون: الإستفهام للنفي. الظلل: جمع ظلة ما يظلل من سحاب أو شجر ونحوهما. الغمام: السحاب الرقيق الأبيض. معنى الآيتين: ينادي الحق تبارك وتعالى عباده المؤمنين آمراً إيَّاهم بالدخول في الإِسلام دخولاً شموليا بحيث لا يتخيرون بين شرائعه وأحكامه ما وافق مصالحهم وأهواءهم قبلوه وعملوا به، وما لم يوافق ردوه أو تركوه وأهملوه، وإنما عليهم أن يقبلوا شرائع الإِسلام وأحكامه كافة، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان في تحسين القبيح وتزيين المنكر، إذ هو الذي زين لبعض مؤمني أهل الكتاب تعظيم السبت وتحريم أكل لحم الإِبل بحجة أن هذا من دين الله الذي كان عليه صلحاء بني اسرائيل فنزلت هذه الآية فيهم تأمرهم وتأمر سائر المؤمنين بقبول كافة شرائع الإسلام وأحكامه، وتحذرهم من عاقبة اتباع الشيطان فإنها الهلاك التام وهو ما يريده الشيطان بحكم عداوته للإِنسان. هذا ما تضمنته الآية [208] أما الآية الثانية [209] فقد تضمنت أعظم تهديد وأشد وعيد لمن أزله الشيطان فقبل بعض شرائع الإِسلام ولم يقبل البعض الآخر وقد عرف أن الإِسلام حق، وشرائعه أحق فقال تعالى {فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} يحملها كتاب الله القرآن ويبينها رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله سينتقم منكم لأنه تعالى غالب على أمره حكيم في تدبيره وإنجاز وعده ووعيده وأما الآية الثالثة [210] فقد تضمنت حث المتباطئين على الدخول في الإِسلام إذ لا عذر لهم في ذلك حيث قامت الحجة وظهرت ولاحت المحجة فَقَال تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ} أي ما ينظرون {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} وعند ذلك يؤمنون ومثل هذا الإِيمان الاضطراري لا ينفع حيث يكون العذاب لزاماً. بقضاء الله العادل، قال تعالى: {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي إذا جاء الله تعالى لفصل القضاء وانتهى الأمر إليه فحكم وانتهى كل شيء فعلى أولئك المتباطئين المترددين في الدخول في الإِسلام المعبر عنه بالسّلم لأن الدخول فيه حقاً سِلم، والخروج منه أو عدم الدخول فيه حقا حرب عليهم أن يدخلوا في الإِسلام ألا إلى الإِسلام يا عباد الله! فإن السلم خير من الحرب! هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب قبول شرائع الإِسلام كافة وحرمة التخير فيها. 2- ما من مستحل حراماً، أو تارك واجبا إلا وهو متبع للشيطان في ذلك. 3- وجوب توقع العقوبة عند ظهور المعاصي العظام لئلا يكون أمن من مكر الله. 4- إثبات صفة المجيء للرب تعالى: لفصل القضاء يوم القيامة. 5- حرمة التسويف والمماطلة في التوبة.

القطان

تفسير : السلم: السلام، ودين الاسلام، والصلح، والانقياد. خطوات: جمع خطوة بضم الخاء، وهي المسافة ما بين قدمي الماشي، والمعنى هنا آثار الشيطان واتباعه. الزلل: عثرة القدم، وهنا معناه الانحراف عن الحق. البينات: الحجج. بعد ان بين الله في الآيات السابقة ان الناس فريقان: فريق يسعى في الارض بالفساد، وفريق يبغي بعمله رضوان الله وطاعته ـ دعا الناس كافة في هذه الآية الى الدخول في السلام وهو دين الاسلام. فان الاسلام اساسه السلام، وشعاره "السلام عليكم". فالله سبحانه يأمر الذين آمنوا بالعمل بشرائع الاسلام كلها... خذوا الاسلام بجملته واعملوا به ـ تكونوا قد دخلتم في السلام، واعتصمتم بحبل الله. يومذاك تدخلون في عالم كله سلام. سلام مع النفس والضمير، ومع العقل والمنطق، سلام مع الناس ومع الوجود كله، سلام في الارض وسلام في السماء. ومعنى "كافة" أي في جميع أحكام السلام والاسلام، لا في بعضها فقط، وكان بعض مؤمني أهل الكتاب يعظّمون السبت ويحرمون الابل وألبانها، وغير ذلك مما كانوا يفعلون، فأمرهم الله تعالى ان يتركوا كل ما كان سابقا ويدخلوا في الاسلام ويعملوا بجميع شرائعه. {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} أي لا تسيروا في طريق الشيطان الذي يدفعكم الى الشقاق والنزاع. {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}. وهذه الآية نص واضح في دعوة المؤمنين الى السلام، فالحرب والخصام سيرٌ وراء الشيطان. والآية تدعو المؤمنين الى ان يكونوا مسالمين مع أنفسهم... ويدلّ هذا النص على ان الأصل في العلاقة بين الدولة الاسلامية وغيرها هي السلم، ففي الوقت الذي كان فيه قانون الغاب يجدد العلاقات بين الدول جاء الاسلام بهذا المبدأ السامي. فالحرب التي شرعها الاسلام انما هي لتثبيت دعائم السلم، وتحقيق العدل لا للعدوان على الآخرين. فان انحرفتم أيها المؤمنون عن الطريق، وأخطأتم الحق، من بعد ما جاءتكم حججي، وبينات هداي، فاعلموا ان الله ذو عزة، لا يمنعه الانتقامَ منكم مانع، ولا يدفعه عن عقوبتكم على مخالفتكم له دافع. القراءات: قرأ ابن كثير ونافع والكسائي "السلم" بفتح السين والباقون "السلم" بكسرها، وخطوات بضم الطاء وسكونها قراءتان سبعيتان، تقدم ذلك في الآية 168.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {خُطُوَاتِ} {ٱلشَّيْطَانِ} {يٰأَيُّهَا} (208) - يَدْعُو اللهُ المُؤْمِنينَ إِلَى الأَخْذِ بِجَمِيعِ عُرَى الإِسْلاَمِ وَشَرَائِعِهِ، وَالعمَلِ بِجَمِيعِ أَوَامِرِهِ، وَتَرْكِ زَوَاجِرِهِ، وَيُرشِدُهُمْ تَعَالَى إِلَى أَنَّهُ مِنْ شَأنِ المُؤْمِنينَ الاتِّفَاقُ والاتِّحَادُ، لاَ التَّفَرُّقُ وَالانْقِسَامُ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً، أَيْ ادْخُلُوا فِي الإِسْلاَمِ). ثُمَّ يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِأَنْ يَجْتَنِبُوا مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ الشَّيْطَانُ لأَنَّهُ يَأْمُرُ بِالسُّوءِ وَالفَحْشَاءِ، وَيَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ، وَلِهذَا كَانَ الشَّيْطَانُ عَدُوّاً بَيِّنَ العَدَاوَةِ لِلإِنْسَانِ. فِي السِّلْمِ كَافَّةً - فِي الإِسْلاَمِ وَشَرَائِعِهِ كُلِّهَا. خُطُواتِ الشَّيْطَانِ - طُرُقَهُ وَأَعْمَالَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : تبدأ الآية بنداء الذين آمنوا بالله وكأنه يقول لهم: يا مَنْ آمنتم بي استمعوا لحديثي. فلم يكلف الله من لم يؤمن به وإنما خاطب الذين أحبوه وآمنوا به، وما داموا قد أحبوا الله فلابد أن يتجه كل مؤمن إلى مَنْ يحبه؛ لأن الله لن يعطيه إلا ما يسعده. إذن فالتكليف من الله إسعادٌ لمن أحب، {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً} [البقرة: 208]، وكلمة "في" تُفيد الظرفية، ومعنى الظرفية أن شيئاً يحتوي شيئاً، مثال ذلك الكوب الذي يحتوي الماء فنقول: "الماء في الكوب"، وكذلك المسجد يحتوي المصلين فنقول: "المصلون في المسجد". والظرفية تدل على إحاطة الظرف بالمظروف، وما دام الظرف قد أحاط بالمظروف، إذن فلا جهة يفلت منها المظروف من الظرف. ولذلك يعطينا الحق سبحانه وتعالى صورة التمكن من مسألة الظرفية عندما يقول: {أية : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ ..}تفسير : [طه: 71]. إن الصلب دائماً يكون على شيء، وتشاء الآية الكريمة أن تشرح لنا كيف يمكن أن يكون الصلب متمكناً من المصلوب. فأنت إذا أردت أن تصلب شيئاً على شيء فأنت تربطه على المصلوب عليه، فإذا ما بالغت في ربطه كأنك أدخلت المصلوب داخل المصلوب عليه. ومثال ذلك، هات عود كبريت وضعه على إصبعك ثم اربطه بخيط ربطاً جيداً، ستلاحظ أن العود قد غاص في جلدك. والحق يقول: {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً} [البقرة: 208] والسِّلْم والسَّلْمُ والسَّلَم هو الإسلام، فالمادة كلها واحدة؛ لأن السلم ضد الحرب، والإسلام جاء لينهي الحرب بينك وبين الكون الذي تعيش فيه لصالحك ولصالح الكون ولتكون في سلام مع الله وفي سلام مع الكون، وفي سلام مع الناس. وفي سلام مع نفسك. قوله: {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ} [البقرة: 208] معناه حتى يكتنفكم السلم. إن الله هو الإله الخالق للكون ولابد أن تعيشوا في سلام معه؛ لأنكم لا تؤمنون إلا به إلهاً واحداً. فيجب علينا أن نعيش مع الأرض والسماء والكون في سلام؛ لأن الكون الخاضع المقهور المسخر الذي لا يملك أن يخرج عما رُسم له يعمل لخدمتك ولا يعاندك. والإنسان حين يكون طائعاً يُسَرّ به كل شيء في الوجود؛ لأن الوجود طائع ومُسَبِّح، فساعة يجد الإنسان مُسبِّحاً مثله يُسَرّ به لأنه في سلام مع الكون. وأنت في سلام مع نفسك؛ لأن لك إرادة، وهذه الإرادة قَهَرَ اللهُ لها كل جوارحك، والذي تريده من أي عضو يفعله لك، لكن هل يرضى أي عضو عمّا تأمره به؟ تلك مسألة أخرى، مثلاً، لسانك ينفعل بإرادتك، فتقول به: "لا إله إلا الله" وقال به غيرنا من المشركين غير ذلك، وأشركوا مع الله بشراً وغير بشر يعبدونهم وقال الملحدون بألسنتهم والعياذ بالله: "لا إله في الكون" ولم يعص اللسان أحداً من هؤلاء لأنه مقهور لإرادتهم. وتنتهي إرادة الإنسان على لسانه وعلى جميع جوارحه يوم القيامة فيشهد عليه كما تشهد عليه سائر أعضائه: الأرجل، والأيدي، والعيون، والآذان، وكل عضو يُقر بما كان يفعل به، لأنه لا سيطرة للإنسان على تلك الأبعاض في هذا اليوم. إنما السيطرة كلها للخالق الأعلى. {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. والحق حين ينادي المؤمنين بأن يدخلوا في السلم كافة فالمعنى يحتمل أيضاً أن الحق سبحانه وتعالى يخاطب المسلمين ألا يأخذوا بعضاً من الدين، ويتركوا البعض الآخر، فيقول لهم: خذوا الإسلام كُله وطبقوه كاملاً؛ لأن الإسلام يمثل بناء له أسس معلومة، وقواعد واضحة، فلا يحاول أحد أن يأخذ شيئاً من حكم بعيداً عن حكم آخر، وإلا لحدث الخلل. وعلى سبيل المثال قد تجد خلافاً بين الزوج والزوجة، وقد يؤدي الخلاف إلى معارك وطلاق، وبعد ذلك نجد من يتهم الإسلام بأنه أعطى الرجل سيفاً مسلطاً على المرأة. ونقول لهم: ولماذا تتهمون الإسلام؟ هل دَخَلْتَ على الزواج بمنطق الإسلام؟. إن كنت قد دخلت على الزواج بمنطق الإسلام فستجد القواعد المنظمة والتي تحفظ للمرأة كرامتها، ولكن هناك مَنْ يدخل على الزواج بغير منطق الإسلام، فلما وقع في الأزمة راح ينادي الإسلام. هل اختار الرجل مَنْ تشاركه حياته بمقياس الدين؟ وهل وضع نُصب عينيه شروط اختيار الزوجة الصالحة التي جاءت في الحديث الشريف: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك ". تفسير : هل فضّل الرجل ذات الدين على سواها؟ أم فضل مقياساً آخر؟. وعندما جاء رجل ليخطب ابنة من أبيها هل وضع الأب مقاييس الإسلام في الاعتبار عند موافقته على هذا الزواج؟ هل فضلتم مَنْ ترضون دينه وخلُقُه؟ أم تركتم تلك القواعد. أنت تركت قواعد الإسلام، فلماذا تلوم الإسلام عند سوء النتائج والعواقب؟. إنك إن أردت أن تحاسب فلا بد أن تأخذ كل أمورك بمقاييس الإسلام، ثم تصرّف بما يناسب الإسلام. فإن كنت كذلك فالإسلام يحميك من كل شيء. فالإسلام يساند القُوَى في الكون ويساند القُوَى في النفس بحيث تعيش في سلام ولا تتعاند؛ لأن كل ذلك يقابله الحرب. والحرب إنما تنشأ من تعاند القوى، فتتعاند قوى نفسك في حرب مع نفسك، وتتعاند قوى البشر في حرب البشر مع البشر، وتتعاند قواك مع قوى الكون الأخرى، فأنت تعاند الطبيعة وتعاند مع الحق سبحانه وتعالى. إذن فالتعاند ينشأ منه الحرب، والحرب لا تنشأ إلا إذا اختلفت الأهواء. وأهواء البشر لا يمكن أن تلتقي إلا عندما تكون محروسة بقيم مَنْ لا هوى له، ولذلك يقول الله عز وجل:{أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ..}تفسير : [المؤمنون: 71]. لماذا؟. دعك من الكون الأصم حولك، أو دعك من الكون الذي لا اختيار له في أن يفعل أو ينفعل لك؛ فهو فاعل أو منفعل لك بدون اختيار منه، ولكن انظر إلى البشر من جنسك، فما الذي يجعل هوى إنسان يسيطر على أهواء غيره؟. ما الذي زاده ذلك الإنسان حتى تكون أنت تابعاً له؟ أو يكون تابعاً لك؟. وفي قانون التبعية لا يمكن إلا أن يكون التابع مؤمناً بأن المتبوع أعلى منه، ولا يمكن لبشر أن توجد عنده هذه الفوقية أبداً. لذلك لابد للبشر جميعاً أن يكونوا تبعاً لقوة آمنوا بأنها فوقهم جميعاً. فحين نؤمن ندخل في السلم، ولا يوجد تعاند بين أي قوى وقوة أخرى؛ لأني لست خاضعاً لك، وأنت لست خاضعاً لي، وأنا وأنت مسلمون لقوة أعلى مني ومنك، ويُشترط في القوة التي نتبعها طائعين ألا يكون لها مصلحة فيما تشرع. إن المشرعين من البشر يراعون مصالحهم حين يشرعون، فمشرع الشيوعية يضع تشريعه ضد الرأسمالية، ومشرع الرأسمالية يضع تشريعه ضد الشيوعية، لكن عندما يكون المشرع غير منتفع بما يشرع، فهذا هو تشريع الحق سبحانه وتعالى. وحين ندخل في الإسلام ندخل جميعاً لا يشذ منا أحد، ذلك معنى {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً} [البقرة: 208]، هذا معنى وارد، وهناك معنى آخر وارد أيضاً وهو ادخلوا في السلم أي الإسلام بجميع تكاليفه بحيث لا تتركوا تكليفاً يشذ منكم. وحين يأتي المعنى الأول فلأننا لو لم ندخل في السلم جميعاً لشقي الذين يُسلمون بالذين لا يُسلمون؛ لأن الذي يُسلم سيهذب سلوكه بالنسبة للآخرين، ويكون نفع المسلم لسواه، ويشقى المسلم بعد إسلام من لم يسلم، فمن مصلحتنا جميعاً أن نكون جميعاً مسلمين. والذين لا يدركون هذه الحقيقة يفسرون قول الله تعالى: {أية : لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ..}تفسير : [المائدة: 105]. على غير ظاهرها، فمن ضِمْن هدايتكم أن تُبَصّروُا من لم يؤمن بأن يؤمن؛ لأن مصلحتكم أن تُسلموا جميعاً، فإذا أسلمت أنت فسيعود إسلامك على الغير؛ لأن سلوكك سيصبح مستقيماً مهذباً، والذي لم يُسلم سيصبح سلوكه غير مستقيم وغير مهذب، وستشقى أنت به. إذن فمن مصلحتك أن تقضي وقتاً طويلاً وتتحمل عناءً كبيراً في أن تدعو غيرك ليدخل في الإسلام. وإياك أن تقول: إن ذلك يضيع عليك فرص الحياة. لا إنه يضمن لك فرص الحياة، ولن يضيع وقتك لأنك ستحمي نفسك من شرور غير المسلم. وأذكر جيداً أننا حين تكلمنا في فاتحة الكتاب قلنا: إن الله يُعلمنا أن نقول: "إياك نعبد" فكلنا يارب نعبدك وسنسعد جميعنا بذلك، واهدنا كلنا يارب؛ لأنك إن هديتني وحدي فسيستمتع غيري بهدايتك لي، وأنا سوف أشقى بضلاله. فمن مصلحتنا جميعاً أن نكون مهديين جميعاً. هذا على معنى {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً} [البقرة: 208] أي جميعاً. أما معنى قوله تعالى: {أية : لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} تفسير : [المائدة: 105] أي لا تتحملون أوزار ضلالهم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر. أما المعنى الثاني فادخلوا في السلم بحيث لا يشذ منكم أحد. ويأخذ شيئاً وبعضاً من الإسلام ويترك بعضاً منه، فأنت تريد أن تبني حياتك. ورسول الله صلى الله عليه وسلم شرح أن للإسلام أسساً هي الأركان الخمسة، وإياك أن تأخذ ثلاثة أركان وتترك ركنين؛ لأن هندسة الإسلام مبنية على خمسة أركان. وقد قال لي أحد المهندسين: إننا نستطيع أن ننشئ بنياناً على ثلاثة أركان أو على أربعة أو خمسة. فقلت له: ولكن حين تجعل البنيان على أربعة أركان، وتوزع الأحمال والأثقال على أربعة أسس، هل يمكنك حين تُنشئ أن تجعلها ثلاثة أركان فقط؟. قال: لا. قلت: إذن فالبناء إنما ينشأ من البداية على الأسس التي تريدها، ولذلك فأنت توزع القوى على ثلاثة أو أربعة أو خمسة من البداية. والله سبحانه وتعالى شاء أن يجعل أسس الإسلام خمسة، وبعد ذلك يُبْنَى الإسلام، وحين يبنى الإسلام فإياك أن تأخذ لبنة من الإسلام دون لبنة، بل يُؤخذ الإسلام كله، فالضرر الواقع في العالم الإسلامي إنما هو ناتج من التلفيقات التي تحدث في العالم المسلم. تلك التلفيقات التي تحاول أن تأخذ بعضاً من الإسلام وتترك بعضاً، وهذا هو السبب في التعب والضرر؛ لأن الإسلام لابد أن يؤخذ كله مرة واحدة. إذن {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً} [البقرة: 208] يعني إياكم أن تتركوا حكماً من الأحكام. إن الذي يتعب المنتسبين إلى الدين الآن أننا نريد أن نلفق حياة إسلامية في بلاد تأخذ قوانينها من بلاد غير إسلامية. إذن حتى ننجح في حياتنا، فلابد أن نأخذ الإسلام كله. وللأسف فإن كثيراً من حكام البلاد المسلمة لا يأخذون من الإسلام إلا آخر قول الله تعالى: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} تفسير : [النساء: 59] إنهم يأخذون {أية : وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} تفسير : [النساء: 59] ويتركون {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} تفسير : [النساء: 59]. وأقوال: لماذا تأخذون الأخيرة وتتركون ما قبلها؟ إن الله لم يجعل لولي الأمر طاعة مستقلة بل قال: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} تفسير : [النساء: 59] ليدل على أن طاعة ولي الأمر من باطن طاعة الله وطاعة الرسول. فنحن لا نريد تلفيقاً في الإسلام، خذوه كاملاً، تستريحوا أنتم ونستريح نحن معكم. إن الحق سبحانه وتعالى يريد بدعوتنا إلى دخول الإسلام أن يعصم الناس من فتنة اختلاف أهوائهم فخفف ورفع عن خلقه ما يمكن أن يختلفوا فيه، وتركهم أحراراً في أن يزاولوا مهمة استنباط أسرار الله في وجوده بالعلم التجريبي كما يحبون، فإن أرادوا رقياً فليُعْمِلُوا عقولهم المخلوقة لله؛ في الكون المخلوق لله، بالطاقة المخلوقة لله؛ ليسعدوا أنفسهم ويدفعوها إلى الرقي، وإن انتهى أحد منهم إلى قضية كونية، واكتشف سراً من الأسرار في الكون فهو لن يقدم للناس جديداً في المنهج، وسيأخذ الناس هذا الجديد ولا يعارضونه. إذن فمن الممكن أن يستنبط العلماء بعضاً من أسرار قضايا الكون المادية بوساطة العلم التجريبي، وهي أمور سيتفق عليها الناس، ولكن البشر يمكن أن يختلفوا في الأمور النابعة من أهوائهم؛ لأن لكل واحد هوى، وكل واحد يريد أن يتبع هواه ولا يتبع هوى الآخرين، والحق سبحانه يريد أن يعصمنا من الأهواء لذلك قال لنا: {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً} [البقرة: 208] أي ادخلوا في كل صور الإسلام، حتى لا يأتي تناقض الأهواء في المجتمع. وكن أيها المؤمن في سلم مع نفسك فلا يتناقض لسانك مع ما في قلبك، فلا تكن مؤمن اللسان كافر القلب. كن منسجماً مع نفسك حتى لا تعاني من صراع الملكات. وأيضاً كن داخلاً في السلام مع الكون الذي تعيش فيه، مع السماء، مع الأرض، مع الحيوان، مع النبات. كن في سلم مع كل تلك المخلوقات لأنها مخلوقة مسخرة طائعة لله، فلا تشذ أنت لتغضبها وتُحْفِظها عليك. كن منسجماً مع الزمن أيضاً، لأن الزمن الذي يحدث فيه منك ما يخالف منهج الله سيلعنك هو والمكان، وإذا أردت أن تشيع سلامك في الكون فعليك كما علمك الرسول صلى الله عليه وسلم أن تسالم كل الكون، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يشيع السلام في الزمان والمكان، وعلى سبيل المثال كان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس صياماً في شعبان، ولما سأله الصحابة عن هذا أخبرهم أن شعبان شهر يهمله الناس لأنه بين رجب، - وهو من الأشهر الحرم الأربعة - وبين رمضان، فأحب أن يحيى ذلك الشهر الذي يغفل عنه الناس، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يسعد الزمان بأن يشيع فيه لوناً من العبادة فلا يجعله أقل من الأزمنة الأخرى. كذلك الأمكنة تريد أن تسعد بك، فكل الأماكن تسعد بذكر الله فيها. والحق - سبحانه - بعد أن أمرنا جميعاً بالدخول في السلم بافعل ولا تفعل، حذرنا من اتباع الشيطان لأنه هو الذي يعمل على إبعادنا عن منهج الله فقال جل شأنه: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة: 208]. ولماذا لا نتبع خطوات الشيطان؟ لأن عداوته للإنسان عداوة مسبقة، وقف من آدم هذا الموقف، وبعد ذلك أقسم بعزة الله أن يغويكم جميعاً، وإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد حكى لنا القصة فكأنه أعطانا المناعة، أي أن الشيطان لم يفاجئنا. وإنما وضع الحق أمامنا قصة الشيطان مع آدم واضحة جلية ليعطينا المناعة، بدليل أننا حين نريد أن نصون أجسامنا نجعل لأنفسنا مناعة قبل أن يأتي المرض، نُطعم أنفسنا ضد شلل الأطفال، وضد الكوليرا، وضد كذا، وكذا، فكأن الله سبحانه وتعالى يذكر قصة الشيطان مع أبينا آدم ليقول لنا: لاحظوا أن عداوته مسبقة. وما دام له معكم عداوة مسبقة فلن يأخذكم على غرة؛ لأن الله نبهكم لتلك المسألة مع الخلق الأول. والشيطان عندما يُذكر في القرآن يراد به مرة عاصي الجن، لأن طائع الجن مثل طائع البشر تماماً، ومرة يريد به شياطين الإنس. إذن من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين. وحتى تستطيع أن تفرق بين ما يزينه الشيطان وبين ما تزينه لك نفسك، فإن رأيت نفسك مصراً على معصية من لون واحد فاعلم أن السبب هو نفسك، لأن النفس تريدك عاصياً من لون يشبع نقصاً فيها فهي تصر عليه: إنسان يحب المال فتتسلط عليه نفسه من جهة المال، وإنسان آخر يحب الجنس فتتسلط عليه نفسه من جهة النساء، وثالث يحب الفخر والمديح فتتسلط عليه نفسه من جهة مَنْ ينافقه. لكن الشيطان لا يصر على معصية بعينها، فإن رآك قد امتنعت عن معصية فهو يزين لك معصية أخرى؛ لأنه يريدك عاصياً على أية جهة. والحق يحذرنا {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة: 208]. وليس هناك عداوة أوضح من عداوة الشيطان بعد أن وقف من آدم وقال ما أورده الحق على لسانه: {أية : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ}تفسير : [ص: 82-83]. ويقول الحق من بعد ذلك: {فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَٱعْلَمُوۤاْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ: فالسِّلْمُ: الإِسلاَمُ. وكافَةً: أي جميعاً. والسَّلمُ فِي آيةٍ أخرى: الصلحُ. قالَ: {أية : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ} تفسير : [الأنفال: 61] معناه للصلْحِ. وجَنَحُوا: معناهُ مَالُوا.

الأندلسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ} إن كان المنادي أهل الكتاب، فالمعنى: آمنوا بالتوراة والانجيل ادخلوا. {فِي ٱلسِّلْمِ} في الشرائع الاسلام. وفسر السلم: بالاسلام. وإن كان المنادى المسلمين فالمعنى: يا من آمن بقلبه وصدق ادخلوا في شرائع الاسلام والايمان وأجمعوا إلى الإِيمان الإِسلام، وهو ما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام إذ قد فرق عليه السلام بين الحقيقتين. وقرىء بفتح السين وكسرها وانتصب. {كَآفَّةً} على الحال. وذو الحال ضمير ادخلوا وكافة مما التزام نصبه على الحال نحو: قاطبة، ومعناه: جميعاً. (قال) الزمخشري: ويجوز أن يكون حالاً من السلم أي في شرائع الاسلام كلها أمروا بأن لا يدخلوا في طاعة دون طاعة. وقال ما نصه: ويجوز أن تكون كافة حالا من السلم لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب قال: السلم يأخذ منها ما رضيت به، والحرب يكفيك من أنفاسها جرع. على أن المؤمنين أمروا بأن يدخلوا في الطاعات كلها وان لا يدخلوا في طاعة دون طاعة أو في شعب الاسلام وشرائعه كلها وأن لا يخلّوا بشيء منها. وعن عبد الله بن سلام انه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقيم على السبت وأن يقرأ من التوراة في صلاته من الليل فلم يأذن له. وكافة: من الكف كأنهم كفوا أن يخرج منهم أحد. "انتهى". وتعليله جواز أن تكون كافة حالاً من السلم. بقوله: لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب ليس بشيء، لأن التاء في كافة وإن كان أصلها للتأنيث ليست فيها إذا كانت حالاً للتأنيث بل صار هذا نقلاً محضاً إلى معنى جميع وكل كما أو قاطبة أو عامة فلا يدل شيء من هذه الألفاظ على التأنيث كما لا يدل عليه كل ولا جميع، وتوكيده بقوله: أو في شعب الاسلام وشرائعه كلها هو الوجه الأول من قوله: بأن يدخلوا في الطاعات كلها فلا حاجة إلى هذا الترديد. (قال) ابن عطية: وقالت فرقة جميع المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: أمرهم بالثبوت فيه والزيادة من التزام حدوده فتستغرق كافة حينئذٍ المؤمنين وجميع أجزاء الشرع فيكون الحال من شيئين، وذلك جائز نحو قوله تعالى: {أية : فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ}تفسير : [مريم: 27]. إلى غير ذلك من الأمثلة، ثم قال بعد كلام ذكره وكافة معناه: جميعاً، والمراد بالكافة: الجماعة التي تكف مخالفيها. "انتهى". وقوله: فيكون الحال من شيئين، يعني من الفاعل في ادخلوا، ومن السلم وهذا الذي ذكره محتمل ولكن الأظهر أنه حال من الضمير الفاعل وذلك جائز يعني: مجيء الحال الواحد من شيئين. وفي ذلك تفصيل مذكور في النحو. وقوله نحو قوله: {أية : فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ} تفسير : [مريم: 27] يعني: أن تحمله حال من الفاعل المستكن في أتت، ومن الضمير المجرور بالباء. وهذا المثال ليس مطابقاً للحال من شيئين لأن لفظة تحمله لا يحتمل شيئين ولا يقع الحال من شيئين إلا إذا كانت اللفظة تحتملهما واعتبار ذلك بجعل ذوي الحال مبتدأين والاخبار بتلك الحال عنهما فمتى صح ذلك صحت الحال ومتى امتنع امتنعت. مثال ذلك قول الشاعر: شعر : وعلقت سلمى وهي ذات مؤصد ولم يبد للأتراب من ثديها حجم صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا صغير لم نكبر ولم تكبر البهم تفسير : فصغيرين حال من الضمير في علقت ومن سلمى لأنه يصح أنه يقول أنا وسلمى صغيران نرعى البهم. ومثله قوله: شعر : خرجت بها نمشي تجر وراءنا تفسير : فنمشي حال من التاء في خرجت ومن الضمير المجرور في بها. ويصلح أن نقول: أنا وهي نمشي وهنا لا يصلح أن يكون تحمله خبراً عنهما. لو قلت: هي وهو تحمله لم يصح أن يكون تحمله خبراً نحو قوله: هند وزيد تكرمه، لأن تحمله وتكرمه لا يصح أن يقدر إلا بمفرد فيمتنع أن يكون حالاً من ذوي حال ولذلك أعرب المعربون في خرجت بها نمشي تجر وراءنا نمشي حالاً منهما وتجر حالاً من ضمير المؤنث خاصة لأنه لو قيل: أنا وهي تجر وراءنا، لم يجز أن يكون تجر خبراً عنهما لأن تجر وتحمل إنما يقدران بمفرد أي حاملة، وجارّة. وإذا صرحت بهذا المفرد لم يمكن أن يكون حالاً منهما وكافة لدلالته على معنى جميع يصلح أن يكون حالاً من الفاعل في ادخلوا ومن السلم بمعنى شرائع الاسلام لأنك لو قلت الرجال والنساء جميع في كذا صح أن يكون خبراً. لا يقال: كافة لا يصح أن يكون خبراً. لا تقول: الزيدون والعمرون كافة في كذا. ولا يجوز أن يقع حالاً على ما قررت لأن امتناع ذلك إنما هو بسبب مادة كافة إذ لم يتصرف فيها بل التزم نصبها على الحال لكن مرادفها يصح فيه ذلك وقوله: والمراد بالكافة الجماعة التي تكف مخالفيها يعني: أن هذا في أصل الوضع ثم صار الاستعمال لها بمعنى جميعاً، كما قال هو وغيره: وكافة معناه جميعاً. وضم عين فعلة الاسم في الجمع بالألف والتاء لغة الحجاز فتقول: خطوات.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا أمر من الله تعالى للمؤمنين أن يدخلوا { فِي السِّلْمِ كَافَّةً } أي: في جميع شرائع الدين، ولا يتركوا منها شيئا، وأن لا يكونوا ممن اتخذ إلهه هواه، إن وافق الأمر المشروع هواه فعله، وإن خالفه، تركه، بل الواجب أن يكون الهوى، تبعا للدين، وأن يفعل كل ما يقدر عليه، من أفعال الخير، وما يعجز عنه، يلتزمه وينويه، فيدركه بنيته. ولما كان الدخول في السلم كافة، لا يمكن ولا يتصور إلا بمخالفة طرق الشيطان قال: { وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } أي: في العمل بمعاصي الله { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } والعدو المبين، لا يأمر إلا بالسوء والفحشاء، وما به الضرر عليكم. ولما كان العبد لا بد أن يقع منه خلل وزلل، قال تعالى: { فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ } أي: على علم ويقين { فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } . وفيه من الوعيد الشديد، والتخويف، ما يوجب ترك الزلل، فإن العزيز القاهر الحكيم، إذا عصاه العاصي، قهره بقوته، وعذبه بمقتضى حكمته فإن من حكمته، تعذيب العصاة والجناة.

همام الصنعاني

تفسير : 245- عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر عن قتادة، في قوْلِه تعالى: {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً}: [الآية: 208]، قالَ ادخُلوا في الإِسْلام جَميعاً، {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ}: [الآية: 208]، يقول: خطاياهُ.