Verse. 216 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

فَاِنْ زَلَلْتُمْ مِّنْۢ بَعْدِ مَا جَاۗءَتْكُمُ الْبَيِّنٰتُ فَاعْلَمُوْۗا اَنَّ اللہَ عَزِيْزٌ حَكِيْمٌ۝۲۰۹
Fain zalaltum min baAAdi ma jaatkumu albayyinatu faiAAlamoo anna Allaha AAazeezun hakeemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فإن زللتم» ملتم عن الدخول في جميعه «من بعد ما جاءتكم البينات» الحجج الظاهرة على أنه حق «فاعلموا أن الله عزيز» لا يعجزه شيء عن انتقامه منكم «حكيم» في صنعه.

209

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو السمال {زَلَلْتُمْ } بكسر اللام الأولى وهما لغتان كضللت وضللت. المسألة الثانية: يقال: زل يزل زلولاً وزلزالاً إذا دحضت قدمه وزل في الطين، ويقال لمن زل في حال كان عليها: زلت به الحال، ويسمى الذنب زلة، يريدون به الزلة للزوال عن الواجب فقوله: {فَإِن زَلَلْتُمْ } أي أخطأتم الحق وتعديتموه، وأما سبب نزول هذه الآية فقد اختلفوا في السلم كافة، فمن قال في الأول: إنه في المنافقين، فكذا الثاني، ومن قال: إنه في أهل الكتاب فكذا الثاني، وقس الباقي عليه. يروى عن ابن عباس: {فَإِن زَلَلْتُمْ } في تحريم السبت ولحم الإبل {مِنْ بَعْدَمَا جَاءتْكُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ } محمد صلى الله عليه وسلم وشرائعه {فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } بالنقمة {حَكِيمٌ } في كل أفعاله، فعند هذا قالوا لئن شئت يا رسول الله لنتركن كل كتاب غير كتابك، فأنزل الله تعالى {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } تفسير : [النساء: 136]. المسألة الثالثة: قوله: {فَإِن زَلَلْتُمْ } فيه سؤال وهو أن الحكم المشروط إنما يحسن في حق من لا يكون عارفاً بعواقب الأمور، وأجاب قتادة عن ذلك فقال: قد علم أنهم سيزلون ولكنه تعالى قدم ذلك وأوعد فيه لكي يكون له حجة على خلقه. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {فَإِن زَلَلْتُمْ } يعني إن انحرفتم عن الطريق الذي أمرتم به، وعلى هذا التقدير يدخل في هذا الكبائر والصغائر فإن الإنحراف كما يحصل بالكثير يحصل بالقليل. فتوعد تعالى على كل ذلك زجراً لهم عن الزوال عن المنهاج لكي يتحرز المؤمن عن قليل ذلك وكثيره لأن ما كان من جملة الكبائر فلا شك في وجوب الاحتراز عنه، وما لم يعلم كونه من الكبائر فإنه لا يؤمن كون العقاب مستحقاً به وحينئذ يجب الاحتراز عنه. المسألة الخامسة: قوله تعالى: {مِنْ بَعْدَمَا جَاءتْكُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ } يتناول جميع الدلائل العقلية والسمعية أما الدلائل العقلية فهي الدلائل على الأمور التي تثبت صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا بعد ثبوتها نحو العلم بحدوث العالم وافتقاره إلى صانع يكون عالماً بالمعلومات كلها، قادراً على الممكنات كلها، غنياً عن الحاجات كلها، ومثل العلم بالفرق بين المعجزة والسحر، والعلم بدلالة المعجزة على الصدق فكل ذلك من البينات العقلية، وأما البينات السمعية فهي البيان الحاصل بالقرآن والبيان الحاصل بالسنة فكل هذه البينات داخلة في الآية من حيث أن عذر المكلف لا يزول عند حصول كل هذه البينات. المسألة السادسة: قال القاضي: دلت الآية على أن المؤاخذة بالذنب لا تحصل إلا بعد البيان وإزاحة العلة، فإذا علق الوعيد بشرط مجيء البينات وحصولها فبأن لا يجوز أن يحصل الوعيد لمن لا قدرة له على الفعل أصلاً أولى، ولأن الدلالة لا ينتفع بها إلا أولوا القدرة، وقد ينتفع بالقدرة مع فقد الدلالة، وقال أيضاً: دلت الآية على أن المعتبر حصول البينات لا حصول اليقين من المكلف فمن هذا الوجه دلت الآية على أن المتمكن من النظر والإستدلال يلحقه الوعيد كالعارف، فبطل قول من زعم أن لا حجة لله على من يعلم ويعرف. أما قوله تعالى: {فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: إن قوله تعالى: {فَإِن زَلَلْتُمْ مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ } إشارة إلى أن ذنبهم وجرمهم، فكيف يدل قوله: {أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } على الزجر والتهديد. الجواب: أن العزيز من لا يمنع عن مراده، وذلك إنما يحصل بكمال القدرة، وقد ثبت أنه سبحانه وتعالى قادر على جميع الممكنات، فكان عزيزاً على الإطلاق، فصار تقدير الآية: فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات، فاعلموا أن الله مقتدر عليكم لا يمنعه مانع عنكم، فلا يفوته ما يريده منكم وهذا نهاية في الوعيد، لأنه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه الوعيد بذكر العقاب، وربما قال الوالد لولده: إن عصيتني فأنت عارف بـي، وأنت تعلم قدرتي عليك وشدة سطوتي، فيكون هذا الكلام في الزجر أبلغ من ذكر الضرب وغيره، فإن قيل: أفهذه الآية مشتملة على الوعد كما أنها مشتملة على الوعيد؟ قلنا: نعم من حيث أتبعه بقوله: {حَكِيمٌ } فإن اللائق بالحكمة أن يميز بين المحسن والمسيء فكما يحسن من الحكيم إيصال العذاب إلى المسيء فكذلك يحسن منه إيصال الثواب إلى المحسن، بل هذا أليق بالحكمة وأقرب للرحمة. المسألة الثانية: احتج من قال بأنه لا وجوب لشيء قبل الشرع بهذه الآية قال: لأنه تعالى أثبت التهديد والوعيد بشرط مجيء البينات، ولفظ {ٱلْبَيِّنَـٰتُ } لفظ جمع يتناول الكل، فهذا يدل على أن الوعيد مشروط بمجيء كل البينات وقبل الشرع لم تحصل كل البينات، فوجب أن لا يحصل الوعيد، فوجب أن لا يتقرر الوجوب قبل الشرع. المسألة الثالثة: قال أبو علي الجبائي: لو كان الأمر كما يقوله المجبرة من أنه تعالى يريد من السفهاء والكفار: السفاهة والكفر لما جاز أن يوصف بأنه حكيم، لأن من فعل السفه وأراده كان سفيهاً، والسفيه لا يكون حكيماً أجاب الأصحاب بأن الحكيم هو العالم بعواقب الأمور فيرجع معنى كونه تعالى حكيماً إلى أنه عالم بجميع المعلومات وذلك لا ينافي كونه خالقاً لكل الأشياء ومريداً لها، بل يوجب ذلك لما بينا أنه لو أراد ما علم عدمه لكان قد أراد تجهيل نفسه فقالوا: لو لزم ذلك لكان إذا أمر بما علم عدمه فقد أمر بتجهيل نفسه. قلنا: هذا إنما يلزم لو كان الأمر بالشيء أمراً بما لا يتم إلا به، وهذا عندنا ممنوع فإن قالوا: لو لم يكن كذلك لزم تكليف ما لا يطاق، قلنا هذا عندنا جائز والله أعلم. المسألة الرابعة: يحكى أن قارئاً قرأ {غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فسمعه أعرابـي فأنكره، وقال إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه إغراء عليه.

القرطبي

تفسير : {فَإِن زَلَلْتُمْ} أي تنحّيتم عن طريق الاستقامة. وأصل الزلل في القَدَم، ثم يستعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك؛ يقال: زَلّ يَزِلّ زَلاًّ وَزلَلاً وزُلُولاً، أي دحضت قدمَهُ. وقرأ أبو السّمال العَدَويّ «زَلِلتم» بكسر اللام، وهما لغتان. وأصل الحرف من الزَّلق، والمعنى ضللتم وعجتم عن الحق. {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} أي المعجزات وآيات القرآن، إن كان الخطاب للمؤمنين، فإن كان الخطاب لأهل الكتابين فالبينات ما ورد في شرعهم من الإعلام بمحمد صلى الله عليه وسلم والتعريف به. وفي الآية دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به، ومن لم تبلغه دعوة الإسلام لا يكون كافراً بترك الشرائع. وحكى النّقاش أن كعب الأحبار لما أسلم كان يتعلم القرآن، فأقرأه الذي كان يعلّمه {فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فقال كعب: إني لأستنكر أن يكون هكذا؛ ومر بهما رجل فقال كعب: كيف تقرأ هذه الآية؟ فقال الرجل: "فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" فقال كعب: هكذا ينبغي. و {عَزِيزٌ} لا يمتنع عليه ما يريده. {حَكِيمٌ} فيما يفعله.

البيضاوي

تفسير : {فَإِن زَلَلْتُمْ} عن الدخول في السلم. {مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ} الآيات والحجج الشاهدة على أنه الحق. {فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} لا يعجزه الانتقام. {حَكِيمٌ} لا ينتقم إلا بحق.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَإِن زَلَلْتُمْ } ملتم عن الدخول في جميعه {مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ ٱلْبَيّنَٰتُ } الحجج الظاهرة على أنه حق {فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } لا يعجزه شيء عن انتقامه منكم {حَكِيمٌ } في صنعه.

ابن عطية

تفسير : قرأ جمهور الناس "زلَلتم" بفتح اللام، وقرأ أبو السمال "زلِلتم" بكسرها، وأصل الزلل في القدم ثم يستعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك، والمعنى ضللتم وعجتم عن الحق، و {البينات} محمد وآياته ومعجزاته إذا كان الخطاب أولاً لجماعة المؤمنين، وإذا كان الخطاب لأهل الكتابين، فالبينات ما ورد في شرائعهم من الإعلام بمحمد صلى الله عليه وسلم والتعريف به، و{عزيز} صفة مقتضية أنه قادر عليكم لا تعجزونه، ولا تمتنعون منه، و{حكيم} أي محكم فيما يعاقبكم به لزللكم. وحكى النقاش أن كعب الأحبار لما أسلم كان يتعلم القرآن، فأقرأه الذي كان يعلمه: فاعلموا أن الله غفور رحيم، فقال كعب: إني لأستنكر أن يكون هكذا، ومر بهما رجل، فقال كعب: كيف تقرأ هذه الآية؟ فقرأ الرجل: {فاعلموا أن الله عزيز حكيم}، فقال كعب: هكذا ينبغي. وقوله تعالى: {هل ينظرون} الآية، الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، و {هل} من حروف الابتداء كأما، و{ينظرون} معناه ينتظرون، والمراد هؤلاء الذين يزلون، والظلل جمع ظلة وهي ما أظل من فوق، وقرأ قتادة والضحاك " في ظلال"، وكذلك روى هارون بن حاتم عن أبي بكر عن عاصم هنا، وفي الحرفين في الزمر. وقال عكرمة: {ظلل} طاقات، وقرأ الحسن ويزيد بن القعقاع وأبو حيوة " والملائكةِ" بالخفض عطفاً على {الغمام}، وقرأ جمهور الناس بالرفع عطفاً على {الله}، والمعنى يأتيهم حكم الله وأمره ونهيه وعقابه إياهم، وذهب ابن جريج وغيره إلى أن هذا التوعد هو بما يقع في الدنيا. وقال قوم: بل هو توعد بيوم القيامة، وقال قوم: قوله {إلا أن يأتيهم الله} وعيد بيوم القيامة، وأما الملائكة فالوعيد هو بإتيانهم عند الموت، و {الغمام} أرق السحاب وأصفاه وأحسنه، وهو الذي ظلل به بنو إسرائيل. وقال النقاش: "هو ضباب أبيض"، وفي قراءة ابن مسعود "إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام"، و {قضي الأمر} معناه وقع الجزاء وعذب أهل العصيان، وقرأ معاذ بن جبل "وقضاء الأمر"، وقرأ بحيى بن يعمر "وقضى الأمور" بالجمع، وقرأ ابن عامر وحمزة الكسائي "تَرجع" على بناء الفعل للفاعل، وقرأ الباقون "تُرجَع" على بنائه للمفعول، وهي راجعة إليه تعالى قبل وبعد، وإنما نبه بذكر ذلك في يوم القيامة على زوال ما كان منها إلى الملوك في الدنيا. وقوله تعالى: {سل بني إسرائيل} الآية، الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، وفيه إباحة السؤال لمن شاء من أمته، ومعنى الآية توبيخهم على عنادهم بعد الآيات البينة. وقرأ أبو عمرو في رواية عباس عنه "اسأل" على الأصل، وقرأ قوم "اسل" على نقل الحركة إلى السين وترك الاعتداد بذلك في إبقاء ألف الوصل على لغة من قال الحمر، ومن قرأ "سل" فإنه أزال ألف الوصل حين نقل واستغنى عنها. و{كم} في موضع نصب إما بفعل مضمر بعدها لأن لها صدر الكلام، تقديره كم آتينا آتيناهم، وإما بـــ {آتيناهم}. وقوله: {من آية} هو على التقدير الأول مفعول ثان لـــ {آتيناهم}، وعلى الثاني في موضع التمييز. ويصح أن تكون {كم} في موضع رفع بالابتداء والخبر في {آتيناهم}. ويصير فيه عائد على {كم} تقديره كم آتيناهموه، والمراد بالآية: كم جاءهم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم من آية معرفة به دالة عليه، و{نعمة الله} لفظ عام لجميع أنعامه، ولكن يقوي من حال النبي معهم أن المشار إليه هنا محمد صلى الله عليه وسلم، فالمعنى: ومن يبدل من بني إسرائيل صفة نعمة الله، ثم جاء اللفظ منسحباً على كل مبدل نعمة لله تعالى. وقال الطبري: "النعمة هنا الإسلام"، وهذا قريب من الأول، ويدخل في اللفظ أيضاً كفار قريش الذين بعث محمد منهم نعمة عليهم، فبدلوا قبولها والشكر عليها كفراً، والتوراة أيضاً نعمة على بني إسرائيل أرشدتهم وهدتهم، فبدلوها بالتحريف لها وجحد أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: {فإن الله شديد العقاب} خبر يقتضي ويتضمن الوعيد، و {العقاب} مأخوذ من العقب، كأن المعاقب يمشي بالمجازاة له في آثار عقبه، ومنه عقبة الراكب وعقبة القدر. وقوله تعالى: {زين للذين كفروا الحياة الدنيا} المزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر، ويزينها أيضاً الشيطان بوسوسته وإغوائه، وقرأ مجاهد وحميد بن قيس وأبو حيوة "زَيَن" على بناء الفعل للفاعل ونصب "الحياة"، وقرأ ابن أبي عبلة "زينت" بإظهار العلامة، والقراءة دون علامة هي للحائل ولكون التأنيث غير حقيقي، وخص الذين كفروا الذكر لقبولهم التزيين جملة وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة سببها، والتزيين من الله تعالى واقع للكل، وقد جعل الله ما على الأرض زينة لها ليبلوا الخلق أيهم أحسن عملاً، فالمؤمنون الذين هم على سنن الشرع لم تفتنهم الزينة، والكفار تملكتهم لأنهم لا يعتقدون غيرها، وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين قدم عليه بالمال: "اللهم إنّا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا". وقوله تعالى: {ويسخرون} إشارة إلى كفار قريش لأنهم كانوا يعظمون حالهم من الدنيا ويغتبطون بها ويسخرون من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم كبلال وصهيب وابن مسعود وغيرهم، فذكر الله قبيح فعلهم ونبه على خفض منزلتهم بقوله: {والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة}، ومعنى الفوق هنا في الدرجة والقدر فهي تقتضي التفضيل وإن لم يكن للكفار من القدر نصيب، كما قال تعالى: {أية : أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً} تفسير : [الفرقان: 24]، وتحتمل الآية أن المتقين هم في الآخر في التنعم والفوز بالرحمة فوق ما هم هؤلاء فيه في دنياهم، وكذلك خير مستقراً من هؤلاء في نعمة الدنيا، فعلى هذا الاحتمال وقع التفضيل في أمر فيه اشتراك، وتحتمل هذه الآية أن يراد بالفوق المكان من حيث الجنة في السماء والنار في أسفل السافلين، فيعلم من ترتيب الأمكنة أن هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، وتحتمل الآيتان أن يكون التفضيل على ما يتضمنه زعم الكفار، فإنهم كانوا يقولون: وإن كان معاد فلنا فيه الحظ أكثر مما لكم، ومنه حديث خباب مع العاصي بن وائل، وهذا كله من التحميلات حفظ لمذهب سيبويه والخليل في أن التفضيل إنما يجيء فيما فيه شركة، والكوفيون يجيزونه حيث لا اشتراك. وقوله تعالى: {والله يزرق من يشاء بغير حساب} يحتمل أن يكون المعنى: والله يرزق هؤلاء الكفرة في الدنيا فلا تستعظموا ذلك ولا تقيسوا عليه الآخرة، فإن الرزق ليس على قدر الكفر والإيمان بأن يحسب لهذا عمله ولهذا عمله فيرزقان بحساب ذلك، بل الرزق بغير حساب الأعمال، والأعمال ومجازاتها محاسبة ومعادة إذ أجزاء الجزاء تقابل أجزاء الفعل المجازى عليه، فالمعنى أن المؤمن وإن لم يرزق في الدنيا فهو فوق يوم القيامة، وتحتمل الآية أن يكون المعنى أن الله يرزق هؤلاء المستضعفين علو المنزلة بكونهم فوق، وما في ضمن ذلك من النعيم بغير حساب، فالآية تنبيه على عظم النعمة عليهم وجعل رزقهم بغير حساب، حيث هو دائم لا يتناهى، فهو لا ينفد، ويحتمل أن يكون {بغير حساب} صفة لرزق الله تعالى كيف تصرف، إذ هو جلت قدرته لا ينفق بعد، ففضله كله بغير حساب، ويحتمل أن يكون المعنى في الآية من حيث لا يحتسب هذا الذي يشاؤه الله، كأنه قال بغير احتساب من المرزوقين، كما قال تعالى: {أية : ويرزقه من حيث لا يحتسب} تفسير : [الطلاق: 3]، وإن اعترض معترض على هذه الآية بقوله تعالى: {أية : عطاء حساباً} تفسير : [النبأ: 36]، فالمعنى في ذلك محسباً، وأيضاً فلو كان عداً لكان الحساب في الجزاء والمثوبة لأنها معادة وغير الحساب في التفضل والإنعام.

ابن عبد السلام

تفسير : {زَلَلْتُم} عصيتم أو كفرتم، أو ضللتم. {الْبَيِّنَاتِ} القرآن أو الحجج، أو محمد صلى الله عليه وسلم، أو الإسلام.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ}. فيه سؤالان الأول أن قبلها {أية : ٱدْخُلُواْ فِي السِّلْمِ}تفسير : والأمر بالدخول يقتضي أنّهم غير مسلمين وقول الله تعالى: "فَإِن زَلَلْتُمْ" يقتضى أنَّهم مسلمون ثم زلوا بعد ذلك قال الله تعالى: {أية : فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ }. تفسير : وأجيب بأنّه مثل: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}،تفسير : لأن الكفار لما كانوا متمكنين من الإيمان فكأنهم حصل لهم الإيمان بالفعل. (السؤال) الثاني: الآية خرجت مخرج التقسيم لحالهم والتقسيم الأصل فيه أن يكون بالواو. تقول: العلم إما تصور وإمّا تصديق، ولا يجوز عطفه بالفاء، فقسم حال هؤلاء إلى من دخل في الإسلام ولم يتبع الشيطان وإلى من زلّ عن الإسلام بعد مجىء البينات فهلا عطفه بالواو؟ وأجيب بأن الفاء تقتضي السبب فقصد التنبيه على أنهم ضلوا بسبب هذه الآيات التي كانت سببا في هداية غيرهم. قال الله تعالى: {أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً}تفسير : لا سيما مع مذهبنا أنّ ارْتِبَاط الدّليل بالمدلول عادي، وعبر بـ "إن" دون إذا (تنفيرا) عن الزلل حتى كأنه غير واقع. قوله تعالى: {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. قيل لابن عرفة: هل يؤخذ منه إثبات هاتين الصفتين لله تعالى (بالسماع)؟ فقال: إنما المراد العلم بلازم ذلك وهو العقوبة والانتقام ممن زلّ.

القشيري

تفسير : الزَّلةُ الواحدةُ بعد كشف البرهان أقبحُ من كثيرٍ منها قبل ذلك، ومَنْ عُرِفَ في الخيانة لا يُعْتَمد عليه في الأمانة. ومحنة الأكابر إذا حلَّت كان فيها استئصالهم بالكلية.

اسماعيل حقي

تفسير : {فإن زللتم} الزلل فى الاصل عثرة القدم ثم يستعمل فى العدول عن الاعتقاد الحق والعمل الصائب فالمعنى اخطأتم الحق وتعديتموه علما كان او عملا {من بعد ما جاءتكم البينات} اى الحجج والشواهد على ان ما دعيتم الى الدخول فيه هو الحق {فاعلموا أن الله عزيز} غالب على امره لا يعجزه الانتقام منكم {حكيم} لا ينتقم الا بالحق. وفى الآية تهديد بليغ لاهل الزلل عن الدخول فى السلم فان الوالد اذا قال لولده ان عصيتنى فانت عارف بى وبشدة سطوتى لاهل المخالفة يكون قوله هذا ابلغ فى الزجر من ذكر الضرب وغيره وكما انها مشتملة على الوعيد منبئة عن الوعد ايضا من حيث انه تعالى اتبعه بقوله حكيم فان اللائق الحكمة ان يميز بين المحسن والمسيىء فكما يحسن ان ينتظر من الحكيم تعذيب المسيىء فكذلك ينتظر منه اكرام المحسن واثابته بل هذا أليق بالحكمة واقرب الى الرحمة.

الطوسي

تفسير : المعنى واللغة: أنزل الله تعالى هذه الآية، وقد علم أنه سيزل الزالّون من الناس، فتقدم في ذلك، وأوعد فيه، لكي تكون الحجة على خلقه. يقال: زلّ يزل زلاً، وزللاً، ومزلاً، وزلولاً. ومعنى الآية {فان زللتم} بمعنى تنحيتم عن القصد، والشرائع، وتركتم ما أنتم عليه من الدين {من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز} في نعمته {حكيم} في أمره، لا تعجزونه، وحكيم فيما شرع لكم من دينه، وفطركم عليه، وفيما يفعل بكم من عقوبة على معاصيكم إياه بعد إقامة الحجة عليكم. وذكر جماعة من أهل التأويل: أن {البينات} هم محمد (صلى الله عليه وسلم) والقرآن، ذهب اليه السدي، وابن جريج، وغيرهما. وقيل: زلّ في الآية: مجاز تشبيهاً بمن زلّ عن قصد الطريق، وحقيقته: عصيتم الله فيما أمركم به أو نهاكم عنه. والأولى أن يكون ذلك حقيقة بالعرف. وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة: أن الله يريد القبيح، لأنه لو أراده لما صح وصفه بأنه حكيم. فان قيل: سواء زلّ العباد أو لم يزلوا، وجب أن يعلم أن الله عزيز حكيم فما معنى الشرط؟ قيل، لأن معنى {عزيز} هو القادر الذي لا يجوز عليه المنع من عقابكم {حكيم} في عقوبته إياكم، فكأنه قال: فاعلموا أن العقاب واقع بكم لا محالة، لأنه عزيز لا يجوز أن يحول بينه وبين عقوبتكم حائل، ولم يمنعه مانع {حكيم} في عقوبته إياكم، وذلك أن حري لهم وصفه بأنه عزيز أنه قدير لا يمنع، لأنه قادر لنفسه. و {حكيم} معناه عليم بتدبير الأمور. ويقال: {حكيم} في أفعاله بمعنى محكم لها وأصل العزة الامتناع، ومنه أرض عزاز: إذا كانت ممتنعة بالشدة وأصل الحكمة المنع من قول الشاعر: شعر : أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا تفسير : ومنه حكمة الدابة

الجنابذي

تفسير : {فَإِن زَلَلْتُمْ} عن الدّخول فى السّلم {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} الحجج الواضحات على ما دعيتم اليه {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} لا يمنعه عن الانتقام مانع {حَكِيمٌ} فى علمه يدرك دقائق ما صدر منكم، وحكيم فى عمله لا يدع شيئاً منها بلا مكافاة، ولا سبب للعفو عنكم حتّى يعفو عن بعض أعمالكم، او المراد فان زللتم من بعد دخولكم فى السّلم ومن بعد ما جاءتكم البيّنات اى الواردات الأحوال الالهيّة المشهودة لكم {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} لا يمنعه من العفو او لا يمنعه من الانتقام مانع حكيم يجعل السّلم بحكمته سبباً للعفو، او يكافئ القليل والكثير.

اطفيش

تفسير : {فَإن زَلَلْتُم}: ملتم عن الدخول فى السلم كافة، بأن دخلتم فى بعضه فقط، أو دخل بعضكم فقط، وقرأ أبو السمال: زللتم بكسر اللام، وهو لغة كضللت وضللت، وأصل الزلل فى القدم كالزلق وزناً ومعنى، استعمل فى الخروج عن الحق. {مِن بَعدِ ما جَاءَتْكُم البَيِّناتُ}: الحجج الظاهر الشاهدة على أن ذلك السلم المأمور بالدخول فيه هو الحق إن كان الخطاب الأول للمؤمنين، فالآيات القرآن والمعجزات، وإن كان لأهل الكتاب المشركين فهن ما جاءهم أيضاً فى التوراة من أمر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وشريعته أو هن القرآن والمعجزات أيضاً. {فاعْلَموا أنَّ اللّهَ عَزِيزٌ}: غالب لا يعجزه شئ عن الانتقام ممن لم يدخل فى السلم ولا ممن دخل فى بعضه فقط. {حَكِيمٌ}: فى صنعه لا يضع الجزاء بالسوء إلا فى أهل السوء. والجملة تعليل لجواب محذوف سدت. مسده أى: عاقب من لم يدخل فيه ومن دخل فى بعضه فقط؛ لأنه عزيز حكيم، سمع أعرابى قارئاً [يقرأ]: {إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحِيمٌ} فأنكره، ولم يقرأ القرآن، وقال إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم، لا يذكر الغفران عند الزلل، لأنه إغراء عليه. {هل يَنْظرُون}: ينتظرون والاستفهام فى معنى النفى، ولذلك أجيب بإلا، والضمير لمن لم يدخل فى السلم، ومن دخل فى بعضه وهم المتبعون لخطوات الشيطان. {إلا أنْ يأْتِيَهم اللّهُ فى ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ}: على حذف مضاف، أى أمر الله، بدليل قوله تعالى:{أية : هل ينظرون إلا أن تأيتهم الملائكة أو يأتى أمر ربك}تفسير : أو بأس الله كقوله سبحانه:{أية : فجاءهم بأسنا}،تفسير : أو على حذف المتعلق، أى إلا أن يأتيهم الله بأمره، كما ورد ما يقرب منه فى آية أخرى، أو ببأسه كما يدل له: {عزيز حكيم}، فإن العزة فى حكمه تناسب البأس الذى لا يطاق، وهى صفة قهر، والعزة بلا حكمة قد تضع حيالها وعدتها، وهذا فى الجملة، والله منزه عن الحيلة، وهذه الباء المقدرة للتعدية كهمزة التصيير، أى إلا أن يصير الله أمره أو بأسه آتياً، والمعنى فى ذلك كله واحد، ولا بد من المصير إليه، لأن الله تعالى منزه عن الحركة والسكون، لأنهما يستلزمان الحد والتحيز والجهاد والتركب والعجز والحدوث وغير ذلك من صفات الخلق، هذا مذهبنا ومذهب المعتزلة والمحققين من الشافعية كالقاضى، وفي سبيل ذلك أن نقدر أن يأتيهم قهر الله أو عذابه، فإن ذلك من أمره، أو نجعل فى بمعنى الباء، أى أن يأتيهم الله بظلل من الغمام، أى أن يصير الله ظلل الغمام آتية إياهم. والحاصل أن مذهبنا ومذهب هؤلاء، تأويل الآية عن ظاهرها إلى ما يجوز وصف الله به، وذلك مذهب المتكلمين، وحكمة حذف المضاف أو ذلك المتعلق: التهويل عليهم، إذ لو ذكرك أن أسهل عيلهم إلا تراهم لتكذيبهم يقولون:{أية : فأتنا بعذاب أليم}، {أية : فأمطر علينا حجارةً مِن السَماء أو ائتنا بعذاب أليم}تفسير : ونحو ذلك، وحكمة إتيان العذاب فى الغمام، والإتيان بالغمام للعذاب، أن الغمام مظنة العذاب، ومنه ينزل المطر، وإذا جاء العذاب من حيث لا يتوقع لا يسمى من حيث ترخى المنفعة كان أعظم على النفس لبعده عن وهمها، ولذلك اشتد على المتفكرين فى كتاب الله عز وجل قوله عز وجل:{أية : وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون}،تفسير : وزعم الكلبى وسفيان بن عيينة فى ذلك ومثله أنه لا يفسر، بل يوكل إلى الله، وقال الزهرى والأوزاعى، ومالك، وابن المبارك، وسفيان الثورى، والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه: يقرأ ويفسر على ظاهره بلا كيف ولا تشبيه حتى قال قائلهم: شعر : عقيدتنا أن ليس مثل صفاته ولا ذاته شئ عقيدة صائب نسلم آيات الصفات بأسرها وإخبارها للظاهر المتقارب ونويس عنها كنه فهم عقولنا وتأويلنا فعل اللبيب المغالب ونركب للتسليم سفنا فإنها لتسليم دين المرء خير المراكب تفسير : وكلا القولين خطأ أما قول الكلبى وابن عيينة فلأنه جمود عن الحق مع ظهوره، لأنا إذا أولناه بما ذكرنا فقد وافقنا سائر الآيات والأحاديث الناهية عن التشبيه، ومعنى ذلك التأويل فى نفسه مجمع عليه لا مخالف فى ذاته، وإنما خالف من خالف فى تأويل الآية به، وإذا كان ذلك المعنى مجمعاً عليه فأى مانع من تفسير الآية به، وأما قول الزهرى ومن معه فلزم عليه إذا فسره بظاهره الوقوع فيما فروا منه من التشبيه، ولم يغن عنهم قولهم بلا تكييف ولا تشبيه، وزعم الطبرى - قبحه الله - بسنده المتصل عن عكرمة عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من الغمام طاقات يأتى الله - عز وجل - فيها محفوفاً، وذلك {هَلْ يَنْظرُونَ: إلاَّ أن يأتيهُمُ اللّهُ فِى ظُلَلٍ من الغمام} . تفسير : {وَالملائِكَةُ وقُضِىَ الأمْرُ}: قال عكرمة والملائكة حوله، فإن صح ذلك فالمعنى: من الغمام طاقات يأتى عذاب الله عز وجل فيها محفوفاً ذلك العذاب بالغمام والملائكة حول الغمام لا حول الرب - تعالى عن الجهة - كام زعم زاعم. ومعنى قُضِىَ الأمر: فرغ من إهلاكهم، وهو بمعنى يقضى نزل منزلة ما مضى لتحقق أنه وقع، ولدنوه وذلك توعد فى الدنيا وهو الظاهر، وبه قال ابن جريج، وقيل ذلك كله يوم القيامة يفرغ من حسابهم، كما قال بعض: إن ظهور الغمام علامة لظهور القيامة وأهوالها، وهو ظاهر الرواية السابقة للطبرى عن ابن عباس وعكرمة، وقيل إتيان الله تعالى وعيد بيوم القيامة وإتيان الملائكة وعيد يأتيهم عند الموت، والظلل جمع ظلة، وهى ما علا رأسك وأظلك، وقرئ بكسر الظاء على أنهُ جمع: ظلة بكسرها، أو جمع ظل، والغمام السحاب الأبيض الرقيق الأصفى الأحسن، سمى غماماً، لأنه يغم ويستر، وقيل: هو شئ غير السحاب لم يكن إلا لبنى إسرائيل فى تيههم، وهو كهيئة الضباب الأبيض، وعن النقاش: ضباب أبيض، وفى متعلقة بقوله: {يأتى} إن جعلنا فى بمعنى الباء أو بمحذوف حال من اسم الجلالة إن قدرنا مضافا أو متعلقاً، والحالية باعتبار ذلك المضاف، أو لمتعلق والملائكة معطوف على اسم الجلالة، وقرئ بالجر عطفاً على الظلل، أو على الغمام، فإن الظلة كما تكون من الغمام تكون من الملائكة، وقرأ معاذ بن جبل رضى الله عنه، وقضاء الأمر بالمصدر المرفوع عطفاً على اسم الجلالة، أو على الملائكة، ويجر الأمر على الإضافة. {وإلى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ}: بالتاء الفوقية والبناء للمفعول، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائى بالفوقية: والبناء للفاعل، وكلتا القراءتين من مرجع الثلاثى المتعدى، أو من أرجع بالهمزة، وقرأ يعقوب بالتحتية والبناء للفاعل من مرجع الثلاثى اللازم، وقرأ بعض: بالتحتية والبناء للمفعول من رجع المتعدى أو من أرجع بالهمزة، والأمر مرفوع فى تلك القراءات كلها، والأمر راجع إلى الله فى الدنيا والآخرة، وقيل هلاكهم، وعنده وبعده، ولكنه ذكره لما عند هلاكهم وبعده، أو ليوم القيامة لزوال ما كان يجرى قبل ذلك على أيدى الملوك وغيرهم، أو لأن ذلك كناية عن المجازاة على أعمالهم وأعمال غيرهم بالثواب والعقاب، ولأنهم كانوا فى الدنيا يعبدون غير الله، ويردون الأمر إلى غيره تعالى، فقال: إنهم بعد ذلك يتركون غير الله ويسلمون إلى الله جل وعلا. قال الشيخ هود رحمه الله: ذكر بعضهم أنه إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم العكاظى، ثم يحشر الله فيها الخلائق من الجن والإنس، ثم أخذوا مصافهم من الأرض، ثم ينادى مناد:{أية : اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب}،تفسير : ثم أتت عنق من النار تسمع وتبصر وتكلم، حتى إذا أشرفت على رءوس الخلائق نادت بصوتها: ألا إنى قد وكلت بثلاثة: بمن دعا مع الله إلهاً آخر، ومن ادعى لله ولداً، ومن زعم أنه العزيز الكريم، ثم صوبت رأسها وسط الخلائق فالتقتطهم كما يلتقط الحمام حب السمسم، ثم غاصت بهم فى جهنم فألقتهم فى النار، ثم عادت حتى إذا كانت بمكانها نادت: إنى قد وكلت بثلاثة: بمن نسب الله، وبمن كذب على الله، وبمن آذى الله، فأما الذى نسب الله فالذى زعم أنه اتخذ صاحبة وولداً، وهو الواحد الصمد، الذى لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وأما الذى كذب على الله فالذين قال الله عنهم:{أية : وأقْسَمُوا باللهِ جَهْدَ أيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقاً ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسَ لاَ يَعْلَمون. لِيُبيِّنَ لَهُم الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وليعْلم الَّذين كَفرُوا أنهُم كانُوا كَاذِبين}تفسير : وأما الذى آذى الله فالذين يصنعون الصور، فتلتقطهم كما يلتقط الطير الحب حتى تغوص بهم فى جهنم. وعن الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان والدابة، وخويصة أحدكم يعنى موته وأمر العامة يعنى النفخة التى يميت الله بها كل حى ".

اطفيش

تفسير : {فَإِنْ زَلَلْتُمْ} ملتم عن دخولكم كلكم، أو فى أمر الإسلام كله {مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَٰتُ} الحجج الظاهرة فى أن الدين هو الحق، انتقم الله منكم ودل على هذا الجواب بقوله {فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ} لا تفوتونه {حَكِيمٌ} ومن الحكمة ألا يهل العاصى عن الجزاء بما يستحقه لا زائد ولا ناقص.

الالوسي

تفسير : {فَإِن زَلَلْتُمْ} أي ملتم عن الدخول في السلم وتنحيتم، وأصله السقوط وأريد به ما ذكر مجازاً {مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ} أي الحجج الظاهرة الدالة على أنه الحق، أو آيات الكتاب الناطقة بذلك الموجبة للدخول {فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} غالب على أمره لا يعجزه شيء من الانتقام منكم {حَكِيمٌ}. لا يترك ما تقتضيه الحكمة من مؤاخذة المجرمين.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْبَيِّنَاتُ} (209) - فََإِنْ عَدَلْتُمْ عَنِ الحَقِّ، وَحِدْتُمْ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ الذِي دَعَاكُمُ اللهُ إِلَيهِ، وَهُوَ السِّلْمُ، وَسِرْتُمْ فِي طَرِيقِ الشَّيْطَانِ، وَهُوَ طَرِيقُ الخِلاَفِ وَالافْتِرَاقِ، بَعْدَمَا قَامَتِ الحُجَّةُ عَلَى أَنّ صِرَاطَ اللهِ هُوَ طَرِيقُ الحَقِّ، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ فِي انتِقَامِهِ، لاَ يَفُوتُهُ هَارِبٌ، وَلاَ يَغْلِبُهُ غَالِبٌ، حَكِيمٌ فِي أَحْكَامِهِ، وَفِي نَقْضِهِ وَإِبْرَامِهِ. زَلَلْتُمْ - وَقَعْتُمْ فِي الخَطَأِ، وَحِدْتُمْ عَنِ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والذّلة هي المعصية، وهي مأخوذة من "زال"، وزال الشيء أي خرج عن استقامته، فكأن كل شيء له استقامة، والخروج عنه يعتبر زللاً، والزلل: هو الذنوب والمعاصي التي تُخالف بها المنهج المستقيم. {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} [البقرة: 209] إنه سبحانه يوضح لنا أنه لا عذر لكم مطلقاً في أن تزلوا؛ لأنني بينت لكم كل شيء، ولم أترككم إلى عقولكم، ومن المنطقي أن تستعملوا عقولكم استعمالاً صحيحاً لتديروا حركة الكون الذي استخلفتكم فيه، ومع ذلك، إن أصابتكم الغفلة فأنا أرسل الرسل. ولذلك قال سبحانه: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً}تفسير : [الإسراء: 15]. لقد رحم الله الخلق بإرسال الرسل ليبينوا للإنسان الطريق الصحيح من الطريق المعوج. والحق سبحانه وتعالى يترك بعض الأشياء للبشر ليأتوا بفكر من عندهم ثم يرتضي الإسلام ما جاءوا به ليعلمنا أن العقل إذا ما كان طبيعياً ومنطقياً فهو قادر على أن يهتدي إلى الحكم بذاته. وفي تاريخ الإسلام نجد أن سيدنا عمر قد رأى أشياء واقترح بعضاً من الاقتراحات، ووافق عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم ينزل القرآن على وفق ما قال عمر، وقد يتساءل أحد قائلاً: ألم يكن النبي صلى الله عليه وسلم أولى؟ نقول: لو كانت تلك الآراء قد جاءت من النبي صلى الله عليه وسلم لما كان فيها غرابة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم ويوحي إليه، لكن الله يريد أن يقول لنا: أن العقل الفطري عندما يصفو فهو يستطيع أن يهتدي للحكم الصحيح، وإن لم يكن هناك حكم قد نزل من السماء. ولذلك تستفز أحكام سيدنا عمر عدداً كبيراً من المستشرقين ويقولون: أليس عندكم سوى عمر؟ لماذا لا تقولون محمداً؟ نقول لهم: لقد تربى عمر في مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم، فما يقول هو، إنما قد أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أقر عمر بذلك وقال: "ما عمر لولا الإسلام"، ونحن نستشهد بعمر لأنه بشر وليس رسولاً، ويسري عليه ما يسري على البشر، فلا يوحى إليه ولم يكن معصوماً. إذن كأن الحق أراد أن يُقَرِّب لنا القدرة على الاستنباط والفهم فنكون جميعاً عمر؛ لأن عمر بالفطرة كان يهتدي إلى الصواب، ويقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "نفعل كذا"، فينزل الوحي موافقاً لرأيه، فكأن الله لم يكلفنا شططاً، إنما جاء تكليفه ليحمي العقول من أهواء النفس التي تطمس العقول، فآفة الرأي الهوى، ولولا وجود الأهواء لكانت الآراء كلها متفقة. وقديماً أعطوا لنا مثلاً بالمرأة التي جمعت الصيف والشتاء في ليلة واحدة، فقد زوجت ابنها وابنتها، وعاش الأربعة معها في حجرة واحدة، ابنها معه زوجته، وابنتها معها زوجها، والمرأة معهم، تنام نوماً قليلاً وتذهب لابنتها توصيها: "دفئي زوجك وأرضيه" فالجو بارد، وتذهب لابنها وتقول: "ابعد عن زوجتك فالدنيا حر". إن المكان واحد، والليل واحد، لكن المرأة جعلته صيفاً وشتاء في وقت واحد والسبب هو هوى النفس. والله - سبحانه - يبيّن لنا ذلك في قوله: {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ..}تفسير : [المؤمنون: 71]. إذن فالحق سبحانه وتعالى يعصمنا حين يُشَرع لنا، فالبشر يضيقون ذرعاً بتقنينات أنفسهم لأنفسهم، فيحاولون أن يخففوا من خطأ التقنين البشري، فيقننوا أشياء يعدلون بها ما عندهم، ولو نظرت إلى ما عدلوه من قوانين لوجدته تعديلاً يلتقي مع الإسلام أو يقترب من الإسلام. لقد سألوني في أمريكا: لماذا لم يظهر الإسلام فوق كل العقائد برغم أنكم تقولون: إن الله يقول في كتابه: {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} تفسير : [التوبة: 33]. ومع ذلك لم يظهر دينكم على كل الأديان، ولم يزل كثير من الناس غير مسلمين سواء كانوا يهوداً أو نصارى أو بلا دين؟ قلت: لو فطنتم إلى قول الله: {أية : وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [التوبة: 32] و{أية : وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} تفسير : [التوبة: 33] لدلكم ذلك على أن ظهور الإسلام قد تم مع وجود الكفار، وظهوره مع وجود مشركين، وإلا لو ظهر ولا شيء معه فممن يُكرَه؟ إن العقيدة التي يكرهها أهل الكفر هي التي تعزز وجود الإسلام. إذن {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} تفسير : [التوبة: 33] يدل على أن ظهور الإسلام يعني وجود كافر ووجود مشرك كلاهما سيكون موجوداً وسيكرهان انتشار الدين. وعندما نرى أحداث الحياة تضطر البلاد الغربية عندما يجدون خطأ تقنينهم فيحاولون أن يعدلوا في التقنيات فلا يجدون تعديلاً إلا أن يذهبوا إلى أحكام الإسلام، لكنهم لم يذهبوا إليه كدين إنما ذهبوا إليه كنظام، إن رجوعهم إلى الإسلام لدليل وتأكيد على صحة وسلامة أحكام الإسلام، لأنهم لو أخذوا تلك الأحكام كأحكام دين لقال غيرهم: قوم تعصبوا لدين آمنوا به فنفذوا أحكامه. ولكنهم برغم كرههم للدين، اضطروا لأن يأخذوا بتعاليمه، فكأنه لا حل عندهم إلا الأخذ بما ذهب إليه الإسلام. إذن قول الله: {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} تفسير : [التوبة: 33] قوة لنظام الإسلام، لا لنؤمن به وإنما تضطر أن تلجأ إليه، وكانوا في إيطاليا - على سبيل المثال - يعيبون على الإسلام الطلاق ويعتبرونه انتقاصاً لحقوق المرأة، ولكن ظروف الحياة والمشكلات الأسرية اضطرتهم لإباحة الطلاق، فهل قننوه لأن الإسلام قال به؟ لا، ولكن لأنهم وجدوا أن حل مشكلاتهم لا يأتي إلا منه. وفي أمريكا عندما شنوا حملة شعواء على تناول الخمور، هل حاربوها لأن الإسلام حرمها؟ لا، ولكن لأن واقع الحياة الصحية طلب منهم ذلك. إذن "ولو كره الكافرون"، "ولو كره المشركون": معناهما أنهم سيلجأون إلى نظام الإسلام ليحل قضاياهم. فإن لم يأخذوه كدين فسوف يأخذونه نظاماً. {فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 209] أي إياكم أن تظنوا أنكم بزللكم أخذتم حظوظ أنفسكم من الله، فإن مرجعكم إلى الله وهو عزيز وعزته سبحانه هي أنه يَغلب ولا يُغلب، فهو يدبر أمورنا برحمة وحكمة. ويقول الحق بعد ذلك: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ...}.

الأندلسي

تفسير : {فَإِن زَلَلْتُمْ} باتباع الشيطان في كفر أو معصية. وقرىء: زللتم بفتح اللام وبكسرها. {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} وهي حجج الله ودلائله التي أوضحها في كتابه وعلى لسان رسوله. {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} لا يغالب. {حَكِيمٌ} فيما يرتبه من الزواجر لمن خالف وفي ذلك وعيد شديد وأمرهم بأن يعلموا تنبيه لهم على ما قد يغفل العاصي عن وصفه تعالى بهاتين الصفتين. {هَلْ يَنظُرُونَ} أي هل ينتظرون. والمعنى على النفي ولذلك دخلت إلا في قوله: {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ} والإِتيان حقيقة في الانتقال من حيّز إلى حيّز وذلك مستحيل بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى وهو إتيان على ما يليق به سبحانه من غير انتقال إذ هو تعالى ليس في مكان، أو يكون على حذف مضاف وهو الذي صرح به في قوله: أو يأتي أمر ربك. وهو عبارة عن بأسه وعذابه. ويدل على هذا المحذوف قوله: {فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ} يستحيل أنه يحل سبحانه وتعالى في ظلل. وقد قيل الضمير في ينظرون لليهود وهم مشبّهة. ويدل عليه قوله بعد: سل بني إسرائيل، والمعنى أنهم لا يقبلون ما دعوا إليه من الاسلام واتباع الرسول إلا بأن يأتيهم الله تعالى. وقرىء في ظلل وفي ظلال الأول جمع منقاس، والثاني لا ينقاس. وقرىء {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} بالرفع عطفاً على الجلالة وبالجر عطفاً على في ظلل أو على من الغمام. {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} قد يستروح من هذا ذلك المحذوف المقدر وهو أمر ربك وقضاء الأمر عبارة عن الجزاء والفراغ من الحساب. وقرىء: وقضاء ممدوداً بضم الهمزة وجرها. وقرىء: وقضى الأمر جمعاً. وقرىء: يرجع بالياء مبنياً للفاعل وبالتاء والياء مبنياً للمفعول. {سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} الخطاب للرسول عليه السلام أو لكل أحد. وقرىء اسأل واسأل لم يعتد بنقل الحركة فتحذف همزة الوصل. وقراء الجمهور سلْ فاحتمل النقل وحذف همزة الوصل. واحتمل أن يكون على لغة سأل يسأل: حكاها سيبويه. {كَمْ آتَيْنَاهُم} سؤال تقريع وتكرير لما آتاهم من البينات ومع ذلك ما أحْمَدتْ عندهم. وكم في موضع نصب على المفعول الثاني لآتيناهم ومن آية تمييز لكم وعلى هذا لا يجوز ما أجاز ابن عطية من أن كم منصوبة بفعل مضمر يفسره ما أجاز ابن عطية من أن كم منصوبة بفعل مضمر يفسره الظاهر التقدير كم آتيناهم، لأن الضمير في آتيناهم ليس عائداً على كم ولا هو سببي ونظير ما أجاز أن تقول: الدرهم أعطيت زيداً، فتنصب الدرهم بفعل مضمر، وأعطيت ليس فيه ضمير يعود على الدرهم ولا سببي ويترك نصبه بأعطيت المفرغ له وكذلك: زيداً ضربت ينصب زيداً بفعل محذوف، وضربت مهيأ للعمل فيه. وأجاز أيضاً أن تكون كم مبتدأة وحذف الضمير العائد عليها والتقدير آتينا هموماً وهذا عند البصريين لا يجوز إلا في الشعر أو شاذ من القراءات. وكم آتيناهم في موضع المفعول الثاني لسل، وسل معلقة كما قال: سائل بني أسد ما هذه الصوت. وأجاز الزمخشري أن تكون كم خبرية وفي جعلها خبرية اقتطاع للجملة التي هي فيها من جملة السؤال ويصير الكلام مفلّتاً عما قبله وأنت ترى مصب السؤال على هذه الجملة ولا يكون ذلك إلا مع الاستفهام ومن آية تمييز لكم. وأجاز ابن عطية أن يكون "من آية" مفعولاً، ومن: زائدة، والتمييز: محذوف. وفي جواز مثل هذا التركيب نحو: كم درهم أعطيت من رجل نظر. والآيات البينات ما تضمنته التوراة والانجيل من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحقيق نبوته وتضمن ما جاء به ومعجزاته. {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ} هي الآيات وأي نعمة أجل منها. على ما الموصولة والهاء في أوتوه. عائدة على الكتاب والذين أوتوه هم إبان العلم به والدراسة له وخصهم بالذكر تشنيعاً وتقبيحاً للذي فعلوه من الاختلاف. {أية : مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ}تفسير : [البقرة: 213] أي في الكتاب وهي سبب الهداية ومن عام فيدخل فيه كفار قريش وحذف حرف الجر من نعمة. والمفعول الثاني لدلالة المعنى عليه، والتقدير: ومن يبدل نعمة الله كفراً. ودل على ذلك ترتيب جواب الشرط عليه وجواب الشرط لدلالة ما بعده عليه تقديره يعاقبه أو يقدر ضمير أي شديد العقاب له أو تنوب ال عن الضمير على مذهب من يرى ذلك أي شديد عقابه.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {فَإِن زَلَلْتُمْ} [البقرة: 209] أي: زالت أقدامكم عن صراط الإسلام الحقيقي {مِّن} [البقرة: 209]، أيضاً معه العداوات فهو إظهار محبته أي: الله فإن محبته أي: الشيطان مضمرة في عداوات الشيطان {بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} [البقرة: 209]؛ أي البراهين القاطعة والحجج الساطعة من القرآن ومعجزاته والأمر بدخول الإسلام الحقيقي والنهي عن اتباع الشيطان ونزعاته {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} [البقرة: 209]؛ فلعزته لا يهتدي إليه كل ذليل دنيء الهمة قصير النظر {حَكِيمٌ} [البقرة: 209]، بحكمته يهدي من يشاء إلى سرادقات عزته. ثم أخبر عن أهل الزلل وغرورهم وعواقب أمورهم بقوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ} [البقرة: 210]، والإشارة فيها أن الله تعالى أخبر عن أهوال القيامة وأحوالها بكلام قريب إلى أفهام العوام، وأما الذين في قلوبهم نور الإيمان وشرح الله صدورهم بنور الإسلام، فقد هدوا وفهموا مقصود الكلام في هذه الآية وأمثالها وانتفعوا بها بلا توهم تشبيه أن تمثيل أو تخيل نفي وتعطيل، وأما الذين هم أهل الأهواء كما قال تعالى: {أية : فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ}تفسير : [آل عمران: 7]، فشرعوا فيها بأهوائهم وفسروها بآرائهم، فوقعوا في أودية الضلالة فهلكوا وأهلكوا خلقاً بالجهالة فنادتهم العزة: {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ}تفسير : [آل عمران: 7]، فإنهم أصحاب الكشوف وأرباب المشاهدات، فيتجلى الله لهم تارة بصفات الجمال فيريهم لمعة من أصناف ألطافه وأنواع إعطائه مع خواص عباده، ومرة بصفات الجلال فيذيقهم شظية من آثار هيبته وقهره مع المتمردين من أهل عناده، فيحل لهم كل أشكال وينجيهم من كل ضلال، ويغنيهم بها عن كل تفسير وتأويل، ويخلصهم من كل تشبيه وتعطيل، وكوشفوا بحقائق ما أخبروا وعاينوا بخلاف ما أضمروا ولكن يضيق عن إعلامه نطاق النطق ولا يسع إظهار لا في ظهوره الحروف كما قيل، وإن قميصاً خيط من نسج تسعة وعشرين حرفاً عن معانيه قاصر، بل لا ينتهي إليها حظي العقول والأوهام، ولا يدركها إبصار البصائر والإفهام، فإن هذا عما يكاشف الخواص والأولياء في حال غيبتهم عن الخلق وشهودهم الحق وهم مسلوبو النطق مغلوبو العقل، ومن تأمل هذه وتكشف له أثر من الغوامض التي درج عليها المتقدمون مكلفين عقولهم ما ليس في وسعها طمعاً في أن ينالوا ما لا ينال وكان عاقبتهم الحيرة والضلالة. ثم أخبر عن زوال النعمة لأهل الضلالة والنعمة بقوله تعالى: {سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} [البقرة: 211]، الآيتين والإشارة فيهما أن السؤال وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم ولكن فائدته راجعة إلى عامة أمته وخاصتها، فإنا فائدته فهي أن يعلموا أن الله إذا أنعم على عبد بنعمة من أنواع نعمه الظاهرة والباطنة فإن لم يعرف قدرها فيبدل نعمته بالنقمة أن يكفرها ولا يشكرها، كما فعل بنو إسرائيل من بعد ما جاءتهم البينات من المعجزات والكرامات فما عرفوا قدرها فبدلوها بما قالوا: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}تفسير : [الأعراف: 138] وبعبادة العجل فجازاهم الله شدة العقاب فيما ابتلاهم بأنواع البلاء من القحط وقتل النفس وغير ذلك أو بأن يصرف نعمه في مصروف دون رضاه {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [البقرة: 211]، في المجازات والمكانات. وأما فائدة الخواص في أن يتحقق لهم أن الله إذا فتح باب الملكوت على قلب عبد من خواصه ويريه أياته في الملك والملكوت، ويظهر عليه أنواع كراماته فإن لا يغتر بأحواله أو يعجب بكماله فيقبل على شيء من مرادات النفس وبما يلائم هواها ويبدل نعمته برأفته للنفس ورضاها {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [البقرة: 211]، بأن يغير عليه أحواله ويسلب عنه كماله والذي يدل على هذا التأويل قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}تفسير : [الرعد: 11]، ومن شدة عقابه إذا أذنب عبد ذنباً صغيراً ولم يتب عنه ويصر عليه أن يعاقبه مثل تبديل النعمة ليعاقبه بزوال النعمة في الدنيا ودوام النقمة في العقبى. وأيضاً من شدة عقابه أن يزين: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} [البقرة: 212]، ويمكر بهم حتى يغلب عليهم حب الدنيا: {وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 212]، من فقرائهم وكبرائهم حملهم شدة العقوبة على الوقيعة في أوليائه واستحقار أحبابه: {أية : وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}تفسير : [الشعراء: 227] {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [البقرة: 212]، بأنهم في أعلا عليين وإنهم في أسفل سافلين {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} [البقرة: 212]، من درجات أعلا عليين وإنهم أسفل سافلين {بِغَيْرِ حِسَابٍ} [البقرة: 212]، بغير نهاية أبد الآباد فإن ما لا نهاية له لا يدخل تحت الحساب، وفيه معنى آخر بغير حساب يعني ما يرزق العبد في الدنيا فلحرامها عذاب ولحلالها حساب وما يرزق في الآخرة من النعيم المقيم فبغير عذاب وبغير حساب. ثم أخبر عن حال الخلق في البداية وإن العناية في الهداية بقوله تعالى: {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً} [البقرة: 213]، والإشارة فيها أنه كان الخلق في بدء الأمر على الفطرة التي فطر الناس عليها أمة واحدة حين أشهدهم على أنفسهم {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172]، قالوا: {بَلَىٰ} إن ولدوا على الفطرة لقوله: صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"تفسير : ما قال: أو يسلمانه؛ فلمعنيين: أحدهما: أن الكفر يحصل بالتقليد ولكن الإيمان الحقيقي لا يحصل بالتقليد. والثاني: أن الأبوين الأصليين الأنجم والعناصر، فعلى التقديرين الولد بتربية الآباء والأمهات يضل على سبيل الله ويزل قدمه عن الصراط المستقيم؛ التوحيد والمعرفة، ولو كان نبياً فإنه يحتاج إلى هاد يهديه إلى الحق كما قال تعالى لنبينا: صلى الله عليه وسلم {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ}تفسير : [الضحى: 7] {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ} [البقرة: 213]، للهداية {مُبَشِّرِينَ} [البقرة: 213]، مجيبي الدعوة إلى الله بالنجاة، ونيل الدرجات في مقام القربة والوصلة {وَمُنذِرِينَ} [البقرة: 213]، مخالفي الدعوة من الويل والهلاك في الدركات بالفرقة والقطيعة {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ} [البقرة: 213]، إشارة إلى كتاب الله الذي جف القلم لكل واحد بالسعادة أو الشقاوة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ وَمَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلاَّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلاَ قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً، قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلاَ نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، قَالَ: أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاء"تفسير : تلا هذه الآية: {أية : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ}تفسير : [الليل: 7]، {لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} [البقرة: 213]؛ أي هذا الكتاب {فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ} [البقرة: 213]، أهل السعادة {فِيهِ} [البقرة: 213]؛ في طلب ما كتب لهم واختلف أهل الشقاوة فيما كتب لهم، وكل ميسر لما خلق له بحكم الكتاب {وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ} [البقرة: 213]؛ يعني: وما اختلف كل فريق من الفريقين في طلب السعادة والشقاوة إلا وقد أوتوا السعادة أو الشقاوة في حكم الله وقضائه، ولكنه ما حصلت السعادة والشقاوة للفريقين إلا {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ} [البقرة: 213]؛ يعني: بالبينات معاملات أهل السعادة، وأهل الشقاوة فإنها تبين السعيد من الشقي والشقي من السعيد؛ فأما الشقي يسعى في ضلالته التي أورثها الآباء والأمهات وردته في ذيل أسفل الطبيعة الإنسانية، فيعامل الله والخلق بالشرك والظلم والفجور والحسد، كما قال تعالى: {بَغْياً بَيْنَهُمْ} [البقرة: 213]، فيستحق بذلك دركات الشقاوة، وأما السعيد فبجذبات العناية يتمسك بحبل الهداية، ويرقى بقدم صدق الطلب قوة الإيمان، وسعي الأعمال الصالحة من حضيض البشرية إلى ذروة العبودية ودرجات مقامات القربة والوصلة، كما قال تعالى: {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ} [البقرة: 213]؛ أي: إلى ما اختلف فيه كل فريق من أهل السعادة والشقاوة في البداية من الوصول إلى الحق سبحانه فأهل العناية وصلوا إليه بهدايته {بِإِذْنِهِ وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213]؛ أي: إلى الله كما قال تعالى: {أية : وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ}تفسير : [الرعد: 27]. ثم أخبر عن أحوال الأولياء، وأن لا بد لهم من البلاء والابتلاء بقوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} [البقرة: 214]، والإشارة فيها أن الله تعالى خلق الجنة وصفها بالمصاعب والمصائب، وخلق النار وصفها بالشهوات والرغائب، وابتلى الأولين بفنون مقامات الشدائد والمحن، كما قال تعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ}تفسير : [آل عمران: 146]، ثم نادى الآخري: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ} [البقرة: 214]؛ يعني: ما لم يمسكم البأساء والضراء مثل ما مسهم لم يرجعوا بالاضطرار إلى رحمة الرحيم {حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ} [البقرة: 214]، ويقول الله تبارك الله وتعالى للمضطرين {أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]، على هذا أدرج الأولون والآخرون أي: سلوك طريق الولاء بقدم البلاء فمن كان نصره أعلى في مراتب قربة المولى فبلاؤه أقوى، وهو بالبلاء أولى فمن ظن غير ذلك؛ فهو في تيه الهوى هالك مردود من باب المالك.