Verse. 217 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

ھَلْ يَنْظُرُوْنَ اِلَّاۗ اَنْ يَّاْتِيَہُمُ اللہُ فِيْ ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلٰۗىِٕكَۃُ وَقُضِيَ الْاَمْرُ۝ ۰ۭ وَاِلَى اللہِ تُرْجَعُ الْاُمُوْرُ۝۲۱۰ۧ
Hal yanthuroona illa an yatiyahumu Allahu fee thulalin mina alghamami waalmalaikatu waqudiya alamru waila Allahi turjaAAu alomooru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«هل» ما «ينظرون» ينتظر التاركون الدخول فيه «إلا أن يأتيهم الله» أي أمره كقوله أو يأتي أمر ربك أي عذابه «في ظلل» جمع ظلة «من الغمام» السحاب «والملائكةُ وقضي الأمر» تم أمر هلاكهم «وإلى الله ترجع الأمور» بالبناء للمفعول والفاعل في الآخرة فيجازي كلا بعمله.

210

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: الكلام المستقصي في لفظ النظر مذكور في تفسير قوله تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ } تفسير : [القيامة: 32، 33] وأجمعوا على أنه يجيء بمعنى الانتظار، قال الله تعالى: {أية : فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ } تفسير : [النمل: 35] فالمراد من قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ } هو الانتظار. المسألة الثانية: أجمع المعتبرون من العقلاء على أنه سبحانه وتعالى منزه عن المجيء والذهاب ويدل عليه وجوه أحدها: ما ثبت في علم الأصول أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب لا ينفك عن الحركة والسكون، وهما محدثان، وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث، فيلزم أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب يجب أن يكون محدثاً مخلوقاً والإله القديم يستحيل أن يكون كذلك وثانيها:أن كل ما يصح عليه الإنتقال من مكان إلى مكان، فأما أن يكون في الصغر والحقارة كالجزء الذي لا يتجزأ وذلك باطل باتفاق العقلاء، وإما أن لا يكون كذلك بل يكون شيئاً كبيراً فيكون أحد جانبيه مغايراً للآخر فيكون مركباً من الأجزاء والأبعاض وكل ما كان مركباً، فإن ذلك المركب يكون مفتقراً في تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب هو مفتقر إلى غيره وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محتاج في وجوده إلى المرجح والموجد، فكل ما كان كذلك فهو محدث مخلوق مسبوق بالعدم، والإله القديم يمتنع أن يكون كذلك وثالثها: أن كل ما يصح عليه الانتقال من مكان إلى مكان فهو محدود ومتنه فيكون مختصاً بمقدار معين، مع أنه كان يجوز في العقل وقوعه على مقدار أزيد منه أو أنقص فاختصاصه بذلك القدر المعين لا بد وأن يكون لترجيح مرجح، وتخصيص مخصص، وكل ما كان كذلك كان فعلاً لفاعل مختار، وكل ما كان كذلك فهو محدث مخلوق، فالإله القديم الأزلي يمتنع أن يكون كذلك ورابعها: أنا متى جوزنا في الشيء الذي يصح عليه المجيء والذهاب أن يكون إلهاً قديماً أزلياً فحينئذ لا يمكننا أن نحكم بنفي الإلهية عن الشمس والقمر، وكان بعض الأذكياء من أصحابنا يقول: الشمس والقمر لا عيب فيهما يمنع من القول بإلهيتهما سوى أنهم جسم يجوز عليه الغيبة والحضور، فمن جوز المجيء والذهاب على الله تعالى فلم لا يحكم بإلهية الشمس، وما الذي أوجب عليه الحكم بإثبات موجود آخر يزعم أنه إله وخامسها: أن الله تعالى حكى عن الخليل عليه الصلاة والسلام أنه طعن في إلهية الكواكب والقمر والشمس بقوله: {أية : لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } تفسير : [الأنعام: 76] ولا معنى للأفول إلا الغيبة والحضور فمن جوز الغيبة والحضور على الله تعالى فقد طعن في دليل الخليل عليه السلام وكذب الله في تصديق الخليل عليه السلام في ذلك. سادسها: أن فرعون لعنة الله تعالى عليه لما سأل موسى عليه السلام فقال: {أية : وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الشعراء: 23] وطلب منه الماهية والجنس والجوهر، فلو كان تعالى جسماً موصوفاً بالأشكال والمقادير لكان الجواب عن هذا السؤال ليس إلا بذكر الصورة والشكل والقدر: فكان جواب موسى عليه السلام بقوله: {أية : رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [مريم: 65] {أية : رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ } تفسير : [الدخان: 8] {أية : رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ } تفسير : [المزمل: 9، الشعراء: 28 ] خطأ وباطلاً، وهذا يقتضي بخطئة موسى عليه السلام فيما ذكر من الجواب، وتصويب فرعون في قوله: {أية : إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } تفسير : [الشعراء: 27] ولما كان كل ذلك باطلاً، علمنا أنه تعالى منزه عن أن يكون جسماً، وأن يكون في مكان، ومنزه عن أن يصح عليه المجيء والذهاب وسابعها: أنه تعالى قال: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } تفسير : [الإخلاص: 1] والأحد هو الكامل في الوحدانية وكل جسم فهو منقسم بحسب الغرض والإشارة إلى جزأين، فلما كان تعالى أحداً امتنع أن يكون جسماً أو متحيزاً، فلما لم يكن جسماً ولا متحيزاً امتنع عليه المجيء والذهاب، وأيضاً قال تعالى: {أية : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } تفسير : [مريم: 65] أي شبيهاً ولو كان جسماً متحيزاً لكان مشابهاً للأجسام في الجسمية، إنما الاختلاف يحصل فيما وراء الجسمية، وذلك إما بالعظم أو بالصفات والكيفيات، وذلك لا يقدح في حصول المشابهة في الذات، وأيضاً قال تعالى {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } تفسير : [الشورى: 11] ولو كان جسماً لكان مثلاً للأجسام وثامنها: لو كان جسماً متحيزاً لكان مشاركاً لسائر الأجسام في عموم الجسمية، فعند ذلك لا يخلو إما أن يكون مخالفاً في خصوص ذاته المخصوصة، وإما أن لا يكون فإن كان الأول فما به المشاركة غير ما به الممايزة، فعموم كونه جسماً مغاير لخصوص ذاته المخصوصة، وهذا محال لأنا إذا وصفنا تلك الذات المخصوصة بالمفهوم من كونه جسماً كنا قد جعلنا الجسم صفة وهذا محال لأن الجسم ذات الصفة، وإن قلنا بأن تلك الذات المخصوصة التي هي مغايرة للمفهوم من كونه جسماً وغير موصوف بكونه جسماً، فحينئذ تكون ذات الله تعالى شيئاً مغايراً للمفهوم من الجسم، وغير موصوف به وذلك ينفي كونه تعالى جسماً، وإما إن قيل: إن ذاته تعالى بعد أن كانت جسماً لا يخالف سائر الأجسام في خصوصية، فحينئذ يكون مثلاً لها مطلقاً، وكل ما صح عليها فقد صح عليه، فإذا كانت هذه الأجسام محدثة وجب في ذاته أن تكون كذلك، وكل ذلك محال، فثبت أنه تعالى ليس بجسم، ولا بمتحيز، وأنه لا يصح المجيء والذهاب عليه. إذا عرفت هذا فنقول: اختلف أهل الكلام في قوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ } وذكروا فيه وجوهاً. الوجه الأول: وهو مذهب السلف الصالح أنه لما ثبت بالدلائل القاطعة أن المجيء والذهاب على الله تعالى محال، علمنا قطعاً أنه ليس مراد الله تعالى من هذه الآية هو المجيء والذهاب، وأن مراده بعد ذلك شيء آخر فإن عينا ذلك المراد لم نأمن الخطأ، فالأولى السكوت عن التأويل، وتفويض معنى الآية على سبيل التفصيل إلى الله تعالى، وهذا هو المراد بما روي عن ابن عباس أنه قال: نزل القرآن على أربعة أوجه: وجه لا يعرفه أحد لجهالته، ووجه يعرفه العلماء ويفسرونه ووجه نعرفه من قبل العربية فقط، ووجه لا يعلمه إلا الله وهذا القول قد استقصينا القول فيه في تفسير قوله تعالى: {الم }. الوجه الثالث: وهو قول جمهور المتكلمين: أنه لا بد من التأويل على سبيل الفصيل ثم ذكروا فيه وجوهاً الأول: المراد {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ } أي آيات الله فجعل مجيء الآيات مجيئاً له على التفخيم لشأن الآيات، كما يقال: جاء الملك إذا جاء جيش عظيم من جهته، والذي يدل على صحة هذا التأويل أنه تعالى قال في الآية المتقدمة {أية : فَإِن زَلَلْتُمْ مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } تفسير : [البقرة: 209] فذكر ذلك في معرض الزجر والتهديد، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ } ومعلوم أن التقدير أن يصح المجيء على الله لم يكن مجرد حضوره سبباً للتهديد والزجر، لأنه عند الحضور كما يزجر الكفار ويعاقبهم، فهو يثيب المؤمنين ويخصهم بالتقريب، فثبت أن مجرد الحضور لا يكون سبباً للتهديد والوعيد، فلما كان المقصود من الآية إنما هو الوعيد والتهديد، وجب أن يضمر في الآية مجيء الهيبة والقهر والتهديد، ومتى أضمرنا ذلك زالت الشبهة بالكلية، وهذا تأويل حسن موافق لنظم الآية. والوجه الثاني: في التأويل أن يكون المراد {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ } أي أمر الله، ومدار الكلام في هذا الباب أنه تعالى إذا ذكر فعلاً وأضافه إلى شيء، فإن كان ذلك محالاً فالواجب صرفه إلى التأويل، كما قاله العلماء في قوله: {ٱلَّذِينَ يحاربون ٱللَّهِ } والمراد يحاربون أولياءه، وقال: {أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] والمراد: واسأل أهل القرية، فكذا قوله: {يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ } المراد به يأتيهم أمر الله، وقوله: {أية : وَجَاء رَبُّكَ } تفسير : [الفجر: 22] المراد: جاء أمر ربك، وليس فيه إلا حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، وهو مجاز مشهور، يقال: ضرب الأمير فلاناً، وصلبه، وأعطاه، والمراد أنه أمر بذلك، لا أنه تولى ذلك العمل بنفسه، ثم الذي يؤكد القول بصحة هذا التأويل وجهان الأول: أن قوله ههنا: {يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ } وقوله: {وَجَاء رَبُّكَ } إخبار عن حال القيامة، ثم ذكر هذه الواقعة بعينها في سورة النحل فقال: {أية : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلـٰئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبّكَ } تفسير : [النحل: 33] فصار هذا الحكم مفسراً لذلك المتشابه، لأن كل هذه الآيات لما وردت في واقعة واحدة لم يبعد حمل بعضها على البعض والثاني: أنه تعالى قال بعده: {أية : وَقُضِىَ ٱلأَمْرُ } تفسير : [هود: 44، البقرة: 21] ولا شك أن الألف واللام للمعهود السابق، فلا بد وأن يكون قد جرى ذكر أمر قبل ذلك حتى تكون الألف واللام إشارة إليه، وما ذاك إلا الذي أضمرناه من أن قوله: {يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ } أي يأتيهم أمر الله. فإن قيل: أمر الله عندكم صفة قديمة، فالإتيان عليها محال، وعند المعتزلة أنه أصوات فتكون أعراضاً، فالإتيان عليها أيضاً محال. قلنا: الأمر في اللغة له معنيان، أحدهما الفعل والشأن والطريق، قال الله تعالى: {أية : وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وٰحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } تفسير : [القمر:50] {أية : وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } تفسير : [هود:97] وفي المثل: لأمر ما جدع قصير أنفه، لأمر ما يسود من يسود فيحمل الأمر ههنا على الفعل، وهو ما يليق بتلك المواقف من الأهوال وإظهار الآيات المبينة، وهذا هو التأويل الأول الذي ذكرناه، وأما إن حملنا الأمر على الأمر الذي هو ضد النهي ففيه وجهان أحدهما: أن يكون التقدير أن منادياً ينادي يوم القيامة: ألا إن الله يأمركم بكذا وكذا، فذاك هو إتيان الأمر، وقوله: {فِي ظُلَلٍ مّنَ ٱلْغَمَامِ } أي مع ظلل، والتقدير: إن سماع ذلك النداء ووصول تلك الظلل يكون في زمان واحد والثاني: أن يكون المراد من إتيان أمر الله في ظلل من الغمام حصول أصوات مقطعة مخصوصة في تلك الغمامات تدل على حكم الله تعالى على كل أحد بما يليق به من السعادة والشقاوة، أو يكون المراد أنه تعالى خلق نقوشاً منظومة في ظلل من الغمام لشدة بياضها وسواد تلك الكتابة يعرف بها حال أهل الموقف في الوعد والوعيد وغيرهما وتكون فائدة الظلل من الغمام أنه تعالى جعله أمارة لما يريد إنزاله بالقوم فعنده يعلمون أن الأمر قد حضر وقرب. الوجه الثالث: في التأويل أن المعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعد من العذاب والحساب، فحذف ما يأتي به تهويلاً عليهم، إذ لو ذكر ما يأتي به كان أسهل عليهم في باب الوعيد وإذا لم يذكر كان أبلغ لانقسام خواطرهم، وذهاب فكرهم في كل لوجه، ومثله قوله تعالى: {أية : فَأَتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الحشر: 2] والمعنى أتاهم الله بخذلانه إياهم من حيث لم يحتسبوا وكذلك قوله تعالى: {أية : فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُمْ مّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ } تفسير : [النحل: 26] فقوله: {وَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ } كالتفسير لقوله تعالى: {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُمْ مّنَ ٱلْقَوَاعِدِ } ويقال في العرف الظاهر إذا سمع بولاية جائر: قد جاءنا فلان بجوره وظلمه، ولا شك أن هذا مجاز مشهور. الوجه الرابع: في التأويل أن يكون {فِى } بمعنى الباء، وحروف الجر يقام بعضها مقام البعض، وتقديره هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بظلل من الغمام والملائكة، والمراد العذاب الذي يأتيهم في الغمام مع الملائكة. الوجه الخامس: أن المقصود من الآية تصوير عظمة يوم القيامة وهولها وشدتها، وذلك لأن جميع المذنبين إذا حضروا للقضاء والخصومة، وكان القاضي في تلك الخصومة أعظم السلاطين قهراً وأكبرهم هيبة، فهؤلاء المذنبون لا وقت عليهم أشد من وقت حضوره لفصل تلك الخصومة، فيكون الغرض من ذكر إتيان الله تصوير غاية الهيبة ونهاية الفزع، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ والسموات مطويات بيمينه} تفسير : [الزمر: 67] من غير تصوير قبضة وطي ويمين، وإنما هو تصوير لعظمة شأنه لتمثيل الخفي بالجلي، فكذا ههنا والله أعلم. الوجه السادس: وهو أوضح عندي من كل ما سلف: أنا ذكرنا أن قوله تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسّلْمِ كَافَّةً } تفسير : [البقرة: 208] إنما نزلت في حق اليهود، وعلى هذا التقدير فقوله: {أية : فَإِن زَلَلْتُمْ مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } تفسير : [البقرة: 209] يكون خطاباً مع اليهود، وحينئذ يكون قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ} [البقرة: 210] حكاية عن اليهود، والمعنى: أنهم لا يقبلون دينك إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة، ألا ترى أنهم فعلوا مع موسى مثل ذلك فقالوا: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً } تفسير : [البقرة: 55] وإذا كان هذا حكاية عن حال اليهود ولم يمنع إجراء الآية على ظاهرها، وذلك لأن اليهود كانوا على مذهب التشبيه، وكانوا يجوزون على الله المجيء والذهاب، وكانوا يقولون: إنه تعالى تجلى لموسى عليه السلام على الطور في ظلل من الغمام وطلبوا مثل ذلك في زمان محمد عليه الصلاة والسلام، وعلى هذا التقدير يكون هذا الكلام حكاية عن معتقد اليهود القائلين بالتشبيه، فلا يحتاج حينئذ إلى التأويل، ولا إلى حمل اللفظ على المجاز، وبالجملة فالآية تدل على أن قوماً ينتظرون أن يأتيهم الله، وليس في الآية دلالة على أنهم محقون في ذلك الانتظار أو مبطلون، وعلى هذا التقدير يسقط الإشكال. فإن قيل: فعلى هذا التأويل كيف يتعلق به قوله تعالى: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ }. قلنا: الوجه فيه أنه تعالى لما حكى عنادهم وتوقفهم في قبول الدين على هذا الشرط الفاسد، فذكر بعده ما يجري مجرى التهديد فقال: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } وهذا الوجه أظهر عندي من كل ما سبق، والله أعلم بحقيقة كلامه. الوجه السابع: في التأويل ما حكاه الفقال في «تفسيره» عن أبـي العالية، وهو أن الإتيان في الظلل مضاف إلى الملائكة؛ فأما المضاف إلى الله جل جلاله فهو الإتيان فقط، فكان حمل الكلام على التقديم والتأخير، ويستشهد في صحته بقراءة من قرأ {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ وَٱلْمَلَـئِكَةُ فِي ظُلَلٍ مّنَ ٱلْغَمَامِ } قال القفال رحمه الله: هذا التأويل مستنكر. أما قوله: {فِي ظُلَلٍ مّنَ ٱلْغَمَامِ } فاعلم أن {الظلل} جمع ظلة، وهي ما أظلك الله به، {والغمام} لا يكون كذلك إلا إذا كان مجتمعاً متراكماً، فالظلل من الغمام عبارة عن قطع متفرقة كل قطعة منها تكون في غاية الكثافة والعظم، فكل قطعة ظلة، والجمع ظلل، قال تعالى: {أية : وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ } تفسير : [لقمان: 32] وقرأ بعضهم: {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظِلَـٰلٍ مّنَ ٱلْغَمَامِ } فيحتمل أن يكون الظلال جمع ظلة، كقلال وقلة، وأن يكون جمع ظل. إذا عرفت هذا فنقول: المعنى ما ينظرون إلا أن يأتيهم قهر الله وعذابه في ظلل من الغمام. فإن قيل: ولم يأتيهم العذاب في الغمام؟. قلنا: لوجوه أحدها: أن الغمام مظنة الرحمة، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع، لأن السر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أهول وأفظع، كما أن الخير إذا جاء منحيث لا يحتسب كان أكثر تأثيراً في السرور، فكيف إذاجاء الشر من حيث يحتسب الخير، ومن هذا اشتد على المتفكرين في كتاب الله تعالى قوله: {أية : وَبَدَا لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ } تفسير : [الزمر: 47] وثانيها: أن نزول الغمام علامة لظهور ما يكون أشد الأهوال في القيامة قال تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاء بِٱلْغَمَـٰمِ وَنُزّلَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ تَنزِيلاً * ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ عَسِيراً } تفسير : [الفرقان: 25 ـ 26] وثالثها: أن الغمام تنزل عنه قطرات كثيرة غير محصورة ولا محدودة، فكذا هذا الغمام ينزل عنه قطرات العذاب نزولاً غير محصور. أما قوله تعالى: {وَٱلْمَلَـئِكَةُ } فهو عطف على ما سبق، والتقدير: وتأتيهم الملائكة وإتيان الملائكة يمكن أن يحمل على الحقيقة فوجب حمله عليها فصار المعنى أن يأتي أمر الله وآياته والملائكة مع ذلك يأتون ليقوموا بما أمروا به من إهانة أو تعذيب أو غيرهما من أحكام يوم القيامة. أما قوله تعالى: {وَقُضِىَ ٱلأَمْرُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: المعنى أنه فرغ ما كانوا يوعدون به فعند ذلك لا تقال لهم عثرة لهم ولا تصرف عنهم عقوبة ولا ينفع في دفع ما نزل بهم حيلة. المسألة الثانية: قوله: {وَقُضِىَ ٱلأَمْرُ } معناه: ويقضي الأمر والتقدير: إلا أن يأتيهم الله ويقضي الأمر فوضع الماضي موضع المستقبل وهذا كثير في القرآن، وخصوصاً في أمور الآخرة فإن الإخبار عنها يقع كثيراً بالماضي، قال الله سبحانه وتعالى: {أية : إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى } تفسير : [المائدة: 116] والسبب في اختيار هذا المجاز أمران أحدهما: التنبيه على قرب أمر الآخرة فكأن الساعة قد أتت ووقع ما يريد الله إيقاعه والثاني: المبالغة في تأكيد أنه لا بد من وقوعه لتجزى كل نفس بما تسعى، فصار بحصول القطع والجزم بوقوعه كأنه قد وقع وحصل. المسألة الثالثة: الأمر المذكور ههنا هو فصل القضاء بين الخلائق. وأخذ الحقوق لأربابها وإنزال كل أحد من المكلفين منزلته من الجنة والنار، قال تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقّ } تفسير : [إبراهيم: 22]. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {وَقُضِىَ ٱلأَمْرُ } يدل على أن أحوال القيامة توجد دفعة من غير توقف، فإنه تعالى ليس لقضائه دافع، ولا لحكمه مانع. المسألة الرابعة: قرأ معاذ بن جبل {قُضِىَ ٱلأَمْرُ } على المصدر المرفوع عطفاً على الملائكة. أما قوله تعالى: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: من المجسمة من قال: كلمة إلى لانتهاء الغاية، وذلك يقتضي أن يكون الله تعالى في مكان ينتهي إليه يوم القيامة، أجاب أهل التوحيد عنه من وجهين الأول: أنه تعالى ملك عباده في الدنيا كثيراً من أمور خلقه فإذا صاروا إلى الآخرة فلا مالك للحكم في العباد سواء كما قال: {أية : وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } تفسير : [الأنفطار: 19] وهذا كقولهم: رجع أمرنا إلى الأمير إذا كان هو يختص بالنظر فيه ونظيره قوله تعالى: {أية : وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } تفسير : [آل عمران: 28] مع أن الخلق الساعة في ملكه وسلطانه الثاني: قال أبو مسلم: إنه تعالى قد ملك كل أحد في دار الاختبار والبلوى أموراً امتحاناً فإذا انقضى أمر هذه الدار ووصلنا إلى دار الثواب والعقاب كان الأمر كله لله وحده وإذا كان كذلك فهو أهل أن يتقى ويطاع ويدخل في السلم كما أمر، ويحترز عن خطوات الشيطان كما نهى. المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم {تُرْجَعُ } بضم التاء على معنى ترد، يقال: رجعته أي رددته، قال تعالى: {أية : وَلَئِن رُّجّعْتُ إِلَىٰ رَبّى } تفسير : [فصلت: 50] وفي موضع آخر:{أية : وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبّى } تفسير : [الكهف: 36] وفي موضع آخر: {أية : ثُمَّ رُدُّواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقّ } تفسير : [الأنعام: 62] وقال تعالى: {أية : رَبّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلّى أَعْمَلُ صَـٰلِحاً } تفسير : [المؤمنون: 99 ـ 100] أي ردني، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي {تُرْجَعُ } بفتح التاء أي تصير، كقوله تعالى: {أية : أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ } تفسير : [الشورى: 53] وقوله: {أية : إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ } تفسير : [هود: 4، المائدة: 48، الغاشية: 25] قال القفال رحمه الله: والمعنى في القراءتين متقارب، لأنها ترجع إليه جل جلاله، وهو جل جلاله يرجعها إلى نفسه بافناء الدنيا وإقامة القيامة، ثم قال: وفي قوله: {تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } بضم التاء ثلاث معان أحدها: هذا الذي ذكرناه، وهو أنه جل جلاله يرجعها كما قال في هذه الآية: {وَقُضِىَ ٱلأُمْرُ } وهو قاضيها والثاني: أنه على مذهب العرب في قولهم: فلان يعجب بنفسه، ويقول الرجل لغيره: إلى أين يذهب بك، وإن لم يكن أحد يذهب به والثالث: أن ذوات الخلق وصفاتهم لما كانت شاهدة عليهم بأنهم مخلوقون محدثون محاسبون، وكانوا رادين أمرهم إلى خالقهم، فقوله: {تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } أي يردها العباد إليه وإلى حكمه بشهادة أنفسهم، وهو كما قال: {أية : يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الجمعة: 1، التغابن: 1] فإن هذا التسبيح بحسب شهادة الحال، لا بحسب النطق باللسان، وعليه يحمل أيضاً قوله: {أية : وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا } تفسير : [الرعد: 15] قيل: إن المعنى يسجد له المؤمنون طوعاً، ويسجد له الكفار كرهاً بشهادة أنفسهم بأنهم عبيد الله، فكذا يجوز أن يقال: إن العباد يردون أمورهم إلى الله، ويعترفون برجوعها إليه، أما المؤمنون فبالمقال، وأما الكفار فبشهادة الحال.

القرطبي

تفسير : {هَلْ يَنظُرُونَ} يعني التاركين الدخول في السِّلْم؛ و «هل» يراد به هنا الجَحْد، أي ما ينتظرون: {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ}. نظرته وٱنتظرته بمعنًى. والنظر الانتظار. وقرأ قَتَادة وأبو جعفر يزيد بن القَعْقاع والضَّحاك «في ظِلالٍ من الغمام». وقرأ أبو جعفر «والملائكة» بالخفض عطفاً على الغمام، وتقديره مع الملائكة؛ تقول العرب: أقبل الأمير في العسكر، أي مع العسكر. «ظُلَلٍ» جمع ظلّة في التكسير؛ كظُلْمة وظُلَم وفي التسليم ظُلُلات؛ وأنشد سيبويه:شعر : إذا الوَحْشُ ضَمَّ الوحشَ في ظُلُلاتها سواقِطُ من حَرٍّ وقد كان أظهَرَا تفسير : وظُلاّت وظلال، جمع ظلّ في الكثير، والقليل أظلال. ويجوز أن يكون ظلال جمع ظُلّة، مثل قوله: قُلّة وقِلاَل؛ كما قال الشاعر:شعر : ممزوجـةٌ بمـاء القِـلال تفسير : قال الأخفش سعيد: و «الملائكة» بالخفض بمعنى وفي الملائكة. قال: والرفع أجود؛ كما قال: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} تفسير : [الأنعام: 158]، {أية : وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} تفسير : [الفجر: 22]. قال الفرّاء: وفي قراءة عبد الله «هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ وَالْمَلاَئِكَةُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ». قال قتادة: الملائكة يعني تأتيهم لقبض أرواحهم؛ ويقال يوم القيامة، وهو أظهر. قال أبو العالية والربيع: تأتيهم الملائكة في ظلل من الغمام، ويأتيهم الله فيما شاء. وقال الزّجاج: التقدير في ظلل من الغمام ومن الملائكة. وقيل: ليس الكلام على ظاهره في حقّه سبحانه، وإنما المعنى يأتيهم أمر الله وحكمه. وقيل: أي بما وعدهم من الحساب والعذاب في ظُلَل؛ مثل: {أية : فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} تفسير : [الحشر: 2] أي بخذلانه إياهم؛ هذا قول الزجاج، والأوّل قول الأخفش سعيد. وقد يحتمل أن يكون معنى الإتيان راجعاً إلى الجزاء؛ فسمى الجزاء إتيانا كما سمّى التخويف والتعذيب في قصة نمروذ إتياناً فقال: {أية : فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ} تفسير : [النحل: 26]. وقال في قصة النَّضِير: {فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ}، وقال: {أية : وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} تفسير : [الأنبياء: 47]. وإنما ٱحتمل الإتيان هذه المعاني لأن أصل الإتيان عند أهل اللغة هو القصد إلى الشيء؛ فمعنى الآية: هل ينظرون إلا أن يُظهر الله تعالى فعلاً من الأفعال مع خلقٍ من خلقه يقصد إلى مجازاتهم ويقضي في أمرهم ما هو قاض؛ وكما أنه سبحانه أحدث فعلاً سمّاه نزولاً وٱستواء كذلك يُحدث فعلاً يسميه إتياناً؛ وأفعاله بلا آلة ولا علّة، سبحانه! وقال ٱبن عباس في رواية أبي صالح: هذا من المكتوم الذي لا يُفسَّر. وقد سكت بعضهم عن تأويلها، وتأولها بعضهم كما ذكرنا. وقيل: الفاء بمعنى الباء، أي يأتيهم بظُلَل، ومنه الحديث: «حديث : يأتيهم الله في صورة»تفسير : أي بصورة ٱمتحانا لهم. ولا يجوز أن يحمل هذا وما أشبهه مما جاء في القرآن والخبر على وجه الانتقال والحركة والزوال، لأن ذلك من صفات الأجرام والأجسام، تعالى الله الكبير المتعال، ذو الجلال والإكرام عن مماثلة الأجسام عُلُوًّا كبيراً. والغمام: السحاب الرقيق الأبيض؛ سمّي بذلك لأنه يَغُمُّ، أي يستر، كما تقدّم. وقرأ معاذ بن جبل «وَقَضَاءِ الأمرِ». وقرأ يحيى بن يَعْمَر «وقُضِي الأَمُورُ» بالجمع. والجمهور «وقُضِي الأُمْر» فالمعنى وقع الجزاء وعذّب أهل العصيان. وقرأ ٱبن عامر وحمزة والكسائي «تَرجِع الأُمورُ» على بناء الفعل للفاعل، وهو الأصل؛ دليله {أية : أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} تفسير : [الشورى: 53]، {أية : إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ} تفسير : [المائدة: 48، 105]. وقرأ الباقون «تُرْجَعُ» على بنائه للمفعول، وهي أيضاً قراءة حسنة؛ دليله {أية : ثُمَّ تُرَدُّونَ} تفسير : [لتوبة: 94]، {أية : ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 62]، {أية : وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي} تفسير : [الكهف: 36]. والقراءتان حسنتان بمعنًى، والأصل الأولى، وبناؤه للمفعول تَوسُّع وفَرْع، والأُمور كلها راجعة إلى الله قبلُ وبعدُ. وإنما نبّه بذكر ذلك في يوم القيامة على زوال ما كان منها إلى الملوك في الدنيا.

البيضاوي

تفسير : {هَلْ يَنظُرُونَ} استفهام في معنى النفي ولذلك جاء بعده. {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ} أي يأتيهم أمره أو بأسه كقوله تعالى: {أية : أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبّكَ } تفسير : [النحل: 33] {أية : فَجَاءهَا بَأْسُنَا }تفسير : [الأعراف: 4] أو يأتيهم الله ببأسه فحذف المأتي به للدلالة عليه بقوله تعالى: {أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} {فِي ظُلَلٍ} جمع ظلة كقلة وقلل وهي ما أظلك، وقرىء «ظلال» كقلال. {مّنَ ٱلْغَمَامِ} السحاب الأبيض وإنما يأتيهم العذاب فيه لأنه مظنة الرحمة، فإذا جاء منه العذاب كان أفظع لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أصعب فكيف إذا جاء من حيث يحتسب الخير. {وَٱلْمَلَـئِكَةُ} فإنهم الواسطة في إتيان أمره، أو الآتون على الحقيقة ببأسه. وقرىء بالجر عطفاً على {ظُلَلٌ } أو {ٱلْغَمَامِ}. {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} أتم أمر إهلاكهم وفرغ منه، وضع الماضي موضع المستقبل لدنوه وتيقن وقوعه. وقرىء و «قضاء الأمر» عطفاً على الملائكة. {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم على البناء للمفعول على أنه من الراجع، وقرأ الباقون على البناء للفاعل بالتأنيث غير يعقوب على أنه من الرجوع، وقرىء أيضاً بالتذكير وبناء المفعول.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مهدداً للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ} يعني: يوم القيامة؛ لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كل عامل بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، ولهذا قال تعالى: {وَقُضِىَ ٱلأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} كما قال الله تعالى: {أية : كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً وَجِىۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَـٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ}تفسير : [الفجر: 21 ـ 23] وقال: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ}تفسير : [الأنعام: 158] الآية. وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير ـ ههنا ـ حديث الصور بطوله من أوله عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد وغيرهم، وفيه: أن الناس إذا اهتموا لموقفهم في العرصات، تشفعوا إلى ربهم بالأنبياء واحداً واحداً؛ من آدم فمن بعده، فكلهم يحيد عنها حتى ينتهوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإذا جاؤوا إليه قال: «حديث : أنا لها أنا لها»تفسير : فيذهب فيسجد لله تحت العرش، ويشفع عند الله في أن يأتي بفصل القضاء بين العباد، فيشفعه الله، ويأتي في ظلل من الغمام بعد ما تنشق السماء الدنيا وينزل من فيها من الملائكة، ثم الثانية، ثم الثالثة، إلى السابعة، وينزل حملة العرش والكروبيون، قال: وينزل الجبار عز وجل في ظلل من الغمام والملائكة، ولهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت سبحان ذي العزة والجبروت سبحان الحي الذي لا يموت سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبوح قدوس سبحان ربنا الأعلى سبحان ذي السلطان والعظمة سبحانه سبحانه أبداً أبداً. وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه ـ ههنا ـ أحاديث فيها غرابة، والله أعلم. فمنها ما رواه من حديث المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله بن ميسرة، عن مسروق، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياماً، شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينتظرون فصل القضاء، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي»تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو بكر بن مقدم، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت عبد الجليل القيسي يحدث عن عبد الله بن عمرو: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ} الآية. قال: يهبط حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب، منها النور والظلمة والماء، فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتاً تنخلع له القلوب. قال: وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد، قال: سألت زهير بن محمد عن قول الله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ} قال: ظلل من الغمام منظوم من الياقوت، مكلل بالجوهر والزبرجد. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: في ظلل من الغمام، قال: هو غير السحاب، ولم يكن قط إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا، وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ} يقول: والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والله تعالى يجيء فيما يشاء، وهي في بعض القراءات {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام} وهي كقوله {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَـٰمِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلَـٰۤئِكَةُ تَنزِيلاً}تفسير : [الفرقان: 25].

المحلي و السيوطي

تفسير : {هَلْ } ما {يَنظُرُونَ } ينتظر التاركون الدخول فيه {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ } أي أمره كقوله: { أية : أو يأتي أمر ربك } تفسير : [33:16] أي عذابه {فِي ظُلَلٍ } جمع (ظلة) {مِّنَ ٱلْغَمَامِ } السحاب {وَٱلْمَلَٰئِكَةُ وَقُضِىَ ٱلأَمْرُ } تمَّ أمر هلاكهم، {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأَمُورُ } بالبناء للمفعول[تُرجَع] والفاعل[تَرجِع] في الآخرة فيجازي كلا بعمله.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالمَلاَئِكَةُ}، قرأ قتادة {فِي ظِلاَلٍ الغَمَامِ} وفيه تأويلان: أحدهما: أن معناه إلا أن يأتيهم الله بظلل من الغمام، وبالملائكة. والثاني: إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام.

ابن عبد السلام

تفسير : {فِى ظُلَلٍ} بظلل، أوأمرُ الله تعالى في ظلل.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {هل ينظرون} أي ينتظرون التاركون الدخول في السلم والمتبعون خطوات الشيطان {إلاّ أن يأتيهم الله في ظلل} جمع ظلة {من الغمام} يعني السحاب الأبيض الرقيق سمي غماماً لأنهم يغم ويستر وقيل هو شيء غير السحاب ولم يكن إلاّ لبني إسرائيل في تيههم وهو كهيئة الضباب الأبيض {والملائكة} أي وتأتيهم الملائكة. وروى الطبري في تفسيره بسند متصل عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من الغمام طاقات يأتي الله عزّ وجل فيها محفوفاً"تفسير : ، وذلك قوله تعالى {هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر} قال عكرمة: والملائكة حوله وقيل معناه حول الغمام وقيل حول الرب تبارك وتعالى. واعلم أن هذه الآية من آيات الصفات للعلماء في آيات الصفات وأحاديث الصفات مذهبان أحدهما وهو مذهب سلف هذه الأمة وأعلام أهل السنة: الإيمان والتسليم لما جاء في آيات الصفات وأحاديث الصفات، وأنه يجب علينا الإيمان بظاهرها ونؤمن بها كما جاءت ونكل علمها إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم مع الإيمان، والاعتقاد بأن الله تعالى منزه عن سمات الحدوث وعن الحركة والسكون. قال الكلبي: هذا من الذي لا يفسر وقال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عليه ليس لأحد أن يفسره إلاّ الله ورسوله. وكان الزهري والأوزاعي ومالك وابن المبارك وسفيان الثوري والليث بن سعد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه يقولون في هذه الآية وأمثالها اقرؤوها كما جاءت بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل هذا مذهب أهل السنة ومعتقد سلف الأمة، وأنشد بعضهم في المعنى: شعر : عقيدتنا أن ليس مثل صفاته لا ذاته شيء عقيدة صائب نسلم آيات الصفات بأسرها وأخبارها للظاهر المتقارب ونؤيس عنها كنه فهم عقولنا وتأويلنا فعل اللبيب المغالب ونركب للتسليم سفناً فإنها لتسليم دين المرء خير المراكب تفسير : (المذهب الثاني) وهو قول جمهور علماء المتكلمين، وذلك أنه أجمع المتكلمين من العقلاء والمعتبرين من أصحاب النظر على أنه تعالى منزه عن المجيء والذهاب، ويدل على ذلك أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب لا ينفك عن الحركة والسكون وهما محدثان، وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث، والله تعالى منزه عن ذلك فيستحيل ذلك في حقه تعالى فثبت بذلك أن ظاهر الآية ليس مراداً، فلا بد من التأويل على سبيل التفصيل، فعلى هذا قيل في معنى الآية هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله الآيات فيكون مجيء الآيات مجيئاً لله تعالى على سبيل التفخيم لشأن الآيات وقيل معناه إلاّ أن يأتيهم أمر الله ووجه هذا التأويل أن الله تعالى فسره في آية أخرى فقال: هل ينظرون إلاّ أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك، فصار هذا الحكم مفسراً لهذا المجمل في هذه الآية. وقيل: معناه يأتيهم الله بما أوعد من الحساب والعقاب فحذف ما يأتي به تهويلاً عليهم إذ لو ذكر ما يأتي به كان أسهل عليهم في باب الوعيد، وإذا لم يذكر كان أبلغ وقيل يحتمل أن تكون الفاء بمعنى الباء لأن بعض الحروف يقوم مقام بعض فيكون المعنى هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله بظلل من الغمام والملائكة، والمراد العذاب الذي يأتي من الغمام مع الملائكة، وقيل معناه ما ينظرون إلاّ أن يأتيهم قهر الله وعذابه في ظلل من الغمام. فإن قلت: لم كان إتيان العذاب في الغمام؟ قلت: لأن الغمام مظنة الرحمة ومنه ينزل المطر، فإذا نزل منه العذاب كان أعظم وأفظع وقيل إن نزول الغمام علامة لظهور القيامة وأهوالها {وقضي الأمر} أي وجب العذاب وفرغ من الحساب، وذلك فضل الله القضاء بين العباد يوم القيامة {وإلى الله ترجع الأمور} أي إلى الله تصير أمور العباد في الآخرة. فإن قلت: هل كانت ترجع إلى غيره؟ قلت: إن أمور جميع العباد ترجع إليه في الدنيا والآخرة، ولكن المراد من هذا إعلام الخلق إنه المجازي على الأعمال بالثواب والعقاب، وجواب آخر وهو أنه لما عبد قوم غيره في الدنيا أضافوا أفعاله إلى سواه ثم فإذا كان يوم القيامة وانكشف الغطاء ردوا إلى الله ما أضافوه إلى غيره في الدنيا. قوله عز وجل: {سل بني إسرائيل} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يسأل يهود المدينة، وليس المراد بهذا السؤال العلم بالآيات لأنه كان صلى الله عليه وسلم قد علمها بإعلام الله إياه، ولكن المراد بهذا السؤال التقريع والتوبيخ والمبالغة في الزجر عن الإعراض عن دلائل الله وترك الشكر، وقيل المراد بهذا السؤال التقرير وتذكير النعم التي أنعم بها على سلفهم {كم آتيناهم من آية بينة} أي من دلالة واضحة على نبوة موسى عليه السلام مثل العصا واليد البيضاء وفلق البحر وإنزال المن والسلوى {ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته} يعني يغير الآية التي جاءته من الله لأنها هي سبب الهدى والنجاة من الضلالة، وقيل هي حجج الله الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك أنهم أنكروها وبدلوها، وقيل المراد بنعم الله عهده الذي عهد إليهم فلم يفوا به {فإن الله شديد العقاب} يعني لمن بدل نعمة الله.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ...}. قال أبو حيان: قيل بمعنى ينتظرون فيتعدى إلى واحد بنفسه ولو كانت من نظر العين لتعدت بإلى وأضيفت إلى الوجه مثل {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ }. تفسير : ورده أبو حيان بجواز كونها منه وإلى محذوفة وحذف حرف الجر مع أنه كثير وهو قياس مطرد ولا يلزم إضافتها إلى الوجه بل قد يضاف إلى الذات قال الله تعالى: {أية : أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} {أية : قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ }. تفسير : وقدر ابن عرفة هذا التعقب بأنه (إن) أراد أن المنظور إليه لايكون إلا (بالوجه) فباطل بقوله {أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ} (وإن) أراد (أنّ) النظر (بالنسبة) لاعتبار الفاعل لا إلى الوجه فيقال: نظر وجهي إلى كذا، فباطل أيضا. قال ابن عرفة: ويبطل أيضا من وجه آخر وهو المنظور إليه هنا هو الإتيان المفهوم من قوله {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ}. والإتيان معنى من المعاني لأنه مصدر والمعاني لا ترى بوجه الا باعتبار الجواز العقلى لكونها موجدة والوجود مصحح للرؤية. فإن قلتم: نرى إتيان الشخص؟ قلنا: إنما رأيت الشخص الآتي لا إتيانه. فإن قلتم: إنه عرض؟ قلنا: العرض الذي هو اللون مرئي، وأما الرائحة والعلم والقدرة فليس بمرئي بوجه. (والجواب) عن ذلك أن النظر هنا بمعنى الانتظار ومعناه أن (حالاتهم) تقتضي انتظارهم العقوبة (لا أنهم) يقصدون ذلك وفي هذا عقوبتان (حسية) ومعنوية لأن وجود السحاب مظنة الرّحمة بالمطر قال الله تعالى: {أية : فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ}تفسير : وقال الله جل ذكره {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْئَانُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً}.تفسير : ففيه العقوبة (بالخيبة) فيما يظن فيه قبل الغرض فلا تناله العقوبة بنقيض المقصود وهو إتيان العذاب معه.

ابن عادل

تفسير : "هَلْ" لفظه استفهامٌ والمراد به النفي؛ كقوله: [الطويل] شعر : 1027 - وَهَلْ أَنَا إِلاَّ مِنْ غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ غَوَيْتُ، وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ تفسير : أي: ما ينظرون، وما أنا، ولذلك وقع بعدها "إلاَّ" كما تقع بعد "ما". و"هَلْ" تأتي على أربعة أوجهٍ: الأول: بمعنى "مَا" كهذه الآية، وقوله: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ}تفسير : [الأعراف: 53]. الثاني: بمعنى "قَدْ" كقوله تعالى: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ}تفسير : [الإنسان: 1] أي: قد أتى، وقوله: {أية : وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ ٱلْخَصْمِ}تفسير : [ص: 21] و{أية : هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ}تفسير : [الغاشية: 1]، أي: قد أتاك. والثالث: بمعنى "أَلاَ" قال تعالى: {أية : هَلْ أَدُلُّكُمْ}تفسير : [طه: 40] أي: أَلاَ أدلكم، ومثله {أية : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ}تفسير : [الشعراء: 22] أي: ألا أنبئكم. الرابع: بمعنى الاستفهام، قال تعالى: {أية : هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ}تفسير : [الروم: 40]. و"يَنْظُرون" هنا بمعنى ينتظرون، وهو معدًّى بنفسه، قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 1028 - فَإِنَّكُمَا إِنْ تَنْظُرَانِيَ سَاعَةً مِنَ الدَّهْرِ يَنْفَعْنِي لَدَى أُمِّ جُنْدَبِ تفسير : وليس المراد هنا بالنظر تردد العين؛ لأنَّ المعنى ليس عليه؛ واستدلَّ بعضهم على ذلك بأن النظر بمعنى البصر يتعدَّى بـ"إلى"، ويضاف إلى الوجه، وفي الآية الكريمة متعدٍّ بنفسه، وليس مضافاً إلى الوجه، ويعني بإضافته إلى الوجه قوله تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}تفسير : [القيامة:22، 23] فيكون بمعنى الانتظار، وهذا ليس بشيء، أما قوله: إن الذي بمعنى البصر يتعدَّى بـ"إلى" فمسلم، وقوله: "وهو هنا متعدٍّ بنفسه" ممنوعٌ، إذ يحتمل أن يكون حرف الجر وهو "إلَى" محذوفاً؛ لأنه يطَّرد حذفه مع "أَنْ" و"أَنَّ"، إذا لم يكن لبسٌ، وأمَّا قوله: "يُضَافُ إلى الوَجْهِ"، فممنوعٌ أيضاً، إذ قد جاء مضافاً للذات؛ قال تعالى: {أية : أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ }تفسير : [الأعراف: 143]{أية : أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ}تفسير : [الغاشية: 17]. والضمير في "يَنْظُرُونَ" عائدٌ على المخاطبين بقوله: "زَلَلْتُمْ" فهو التفاتٌ. قوله: {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ} هذا مفعول "يَنْظُرُونَ" وهو استثناءٌ مفرَّغٌ، أي: ما ينظرون إلا إتيان الله. والمعنى ما ينظرون، يعني التاركون الدخُّول في السِّلم. قوله تعالى: "في ظُلَلٍ" فيه أربعة أوجهٍ: أحدها: أن يتعلَّق بيأتيهم، والمعنى: يأتيهم أمره أو قدرته أو عقابه أو نحو ذلك، أو يكون كنايةً عن الانتقام، إذ الإتيان يمتنع إسناده إلى الله تعالى حقيقةً. والثاني: أن يتعلَّق بمحذوف على أنه حال، وفي صاحبها وجهان: أحدهما: هو مفعول يأتيهم، أي: في حال كونهم مستقرين في ظلل، وهذا حقيقة. والثاني: أنه الله تعالى بالمجاز المتقدِّم، أي: أمر الله في حال كونه مستقراً في ظلل. الثالث: أن تكون "في" بمعنى الباء، وهو متعلقٌ بالإتيان، أي: إلاَّ أن يأتيهم بظلل؛ ومن مجيء "في" بمعنى الباء قوله: [الطويل] شعر : 1029 -........................ خَبِيرُونَ في طَعْنِ الكُلَى وَالأَبَاهِرِ تفسير : لأنَّ "خَبِيرِينَ" إنَّما يتعدَّى بالباء؛ كقوله: [الطويل] شعر : 1030 -................. فَإنَّني خَبِيرٌ بأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ تفسير : الرابع: أن يكون حالاً من "المَلاَئِكَةِ" مقدَّماً عليها ويحكى عن أبيّ، والأصل: إلاَّ أن يأتيهم الله والملائكة في ظللٍ، ويؤيِّد هذا قراءة عبد الله إياه كذلك، وبهذا - أيضاً - يقلُّ المجاز، فإنه - والحالة هذه - لم يسند إلى الله تعالى إلاَّ الإتيان فقط بالمجاز المتقدم. وقرأ أُبيّ وقتادة والضَّحاك: في ظلالٍ، وفيها وجهان: أحدهما: أنها جمع ظلّ؛ نحو: صلّ وصلال. والثاني: أنها جمع ظلَّة؛ كقلَّة وقلال، وخلَّة وخلال، إلاَّ أنَّ فعالاً لا ينقاس في فُعلة. قوله تعالى: "مِنَ الغَمَامِ" فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق بمحذوف؛ لأنه صفةٌ لـ"ظُلَل" التقدير: ظُلَلٍ كائنةٍ من الغمام. و"مِنْ على هذا للتعبيض. والثاني: أنه متعلق بـ"يَأْتِيهم"، وهي على هذا لابتداء الغاية، أي: من ناحية الغمام. والجمهور على رفع "المَلاَئِكَةُ"؛ عطفاً على اسم "الله". وقرأ الحسن وأبو جعفر: بجرِّ "الملائكةِ" وفيه وجهان: أحدهما: العطف على "ظُلِلٍ"، أي: إلاَّ أن يأتيهم في ظللٍ، وفي الملائكة. والثاني: العطف على "الغمامِ" أي: من الغمام ومن الملائكة، فتوصِف الملائكة بكونها ظللاً على التشبيه، وعلى الحقيقة، فيكون المعنى يأتيهم أمر الله وآياته، والملائكة يأتون ليقومون بما أمروا به من الآيات والتعذيب، أو غيرهما من أحكام يوم القيامة. قوله: "وقُضِيَ الأمرُ" الجمهور على "قُضِيَ" فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون معطوفاً على "يَأْتيهم" وهو داخل في حيِّز الانتظار، ويكون ذلك من وضع الماضي موضع المستقبل، والأصل: ويقضى الأمر وإنما جيء به كذلك؛ لأنه محققٌّ كقوله: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ}تفسير : [النحل: 1] وقوله: {أية : وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي}تفسير : [المائدة: 116] والسبب في اختيار هذا المجاز، إمَّا التنبيه على قرب الآخرة، وكأنها قد أتت، أو المبالغة في تأكيد وقوعها، كأنها قد وقعت. والثاني: أن يكون جملة مستأنفة برأسها، أخبر الله تعالى بأنه قد فرغ من أمرهم، فهو من عطف الجمل، وليس داخلاً في حيّز الانتظار. وقرأ معاذ بن جبل: "وَقَضَاء الأَمْرِ" قال الزمخشريُّ: "عَلَى المصْدَرِ المرفوع؛ عطفاً على الملائكة". وقال غيره: بالمدِّ والخفض؛ عطفاً على "الملائكة". قيل: وتكون على هذا "فِي" بمعنى "البَاءِ" أي: بظُللٍ، وبالملائكة، وبقضاء الأمر، فيكون عن معاذ قراءتان في الملائكة، الرفع والخفض، فنشأ عنهما قراءتان له في قوله: "وقُضِيَ الأمر". ومعنى قضي الأمر؛ هو فصل القضاء ببين الخلق يوم القيامة، وإنزال كلِّ واحد منزلته من جنَّةٍ، أو نارٍ؛ قال تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ}تفسير : [إبراهيم: 22]. قوله: {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} هذا الجار متعلق بما بعده، وإنما قدِّم للاختصاص، أي: لا ترجع إلاَّ إليه دون غيره. وقرأ الجمهور: "تُرْجَعُ" بالتأنيث لجريان جمع التكسير مجرى المؤنث، إلاَّ أنَّ حمزِة والكسائي ونافعاً قرؤوا ببنائه للفاعل، والباقون ببنائه للمفعول، و"رَجَعَ" يستعمل متعدياً تارةً، ولازماً أخرى، وقال تعالى: {أية : فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ}تفسير : [التوبة: 83] فجاءت القراءتان على ذلك، وقد سمع في المتعدي "أرجع" رباعياً، وهي لغة ضعيفة، ولذلك أبت العلماء أن تجعل قراءة من بناه للمفعول مأخوذةً منها. وقرأ خارجة عن نافع: "يُرْجَعُ" بالتذكير، وببنائه للمفعول؛ لأن تأنيثه مجازي، والفاعل المحذوف في قراءة من بناه للمفعول: إمَّا الله تعالى، أي: يرجعها إلى نفسه بإفناء هذه الدار، وإمَّا ذوو الأمور؛ لأنه لمَّا كانت ذواتهم وأحوالهم شاهدةً عليهم بأنهم مربوبون مجزيُّون بأعمالهم كانوا رادِّين أمورهم إلى خالقها. قال القفَّال - رحمه الله -: في قوله "تُرْجَعُ الأُمُورُ" بضم التاء ثلاثة معانٍ. أحدها: ما ذكرناه، وهو أنه جلَّ جلاله يرجعها إلى نفسه. والثاني: أنه على مذهب العرب، من قولهم "فلانٌ يُعْجَبُ بنفسه" ويقول الرجلُ لغيره: "إلى أَيْنَ يُذْهَبُ بِكَ"، وإن لم يكن أَحَدٌ يَذْهَبُ به. والثالث: أن ذوات الخلق لما كانت شاهدةً عليهم، بأنهم مخلوقون محاسبون، كانوا رادّين أمرهم إلى خالقهم، فقوله "تُرْجَعُ الأُمُورُ" أي: يردّها العباد إليه، وإلى حكمه بشهادة أنفسهم، وهو كقوله {أية : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الجمعة: 1] فإن هذا التسبيح بحسب الحال، لا بحسب النطق، وقوله: {أية : وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً}تفسير : [الرعد: 15] قيل: المعنى يسجد له المؤمنون طوعاً، ويسجد له الكفَّار كرهاً بشهادة أنفسهم بأنَّهم عبيد الله. فصل في تفسير "الظلل" "الظُّلَلُ" جمع ظُلَّةٍ، وهو ما أظَلَّكَ الله به "والغَمَامُ" هو السَّحاب الأبيض الرَّقيق، سمِّي غماماً؛ لأنه يغمُّ، أي: يستر. وقال مجاهدٌ: هو غير السحاب، ولم يكن إلاَّ لبني إسرائيل في تيههم. وقال مقاتلٌ: كهيئة الضَّبابة أبيض. قال الحسن: في سترةٍ من الغمام. والأولى في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها، ويكل علمها إلى الله تعالى؛ على ذلك مضت أئمة السَّلف، وعلماء السُّنَّة. قال ابن عباس، في رواية أبي صالح، والكلبي: هذا من المكتوم الذي لا يفسَّر، وكان مكحولٌ، والزُّهريُّ، والأوزاعيُّ، ومالكٌ، وابن المبارك، وسفيان الثَّوريُّ، واللَّيث بن سعد، وأحمد، وإسحاق يقولون فيه وفي أمثاله: أَمِرَّها كما جاءت بلا كيف. قال سفيان بن عيينة: كلّ ما وصف الله به نفسه في كتابه، فتفسيره: قراءته، والسكوت عنه؛ ليس لأحدٍ أن يفسِّره إلاَّ الله ورسوله. وروي عن ابن عبَّاسِ أنه قال: نزل القرآن على أربعة أوجهٍ: وجه لا يعرفه أحد لجهالته، ووجه يعرفه العلماء، ووجه نعرفه من قبل العربيَّة فقط، ووجه لا يعلمه إلاَّ الله. وقال جمهور المتكلِّمين: لا بدَّ من التَّأويل، وفيه وجوهٌ: أحدها: أنَّ المراد "يَأْتِيهمْ أَمْرُ اللهِ" آياتُ الله. فجعل مجيء الآيات مجيئاً له؛ على التفخيم لشأن الآيات؛ لأنه قال قبله: {أية : فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ}تفسير : [البقرة:109] ثم ذكر هذه الآية في معرض التهديد، ومعلومٌ أنه بتقدير أن يصح المجيء على الله تعالى لم يكن مجرد حضوره سبباً للتهديد والزَّجر، وإذا ثبت أنَّ المقصود من الآية إنَّما هو الوعيد والتهديد والزجر، وجب أن يضمن في الآية مجيء الآيات والقهر والتَّهديد، ومتى أضمرنا ذلك، زالت الشُّبهة بالكلية. الثاني: أن يأتيهم أمر الله، كقوله: {أية : إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ}تفسير : [المائدة: 33] والمراد: يحاربون أولياءه. وقوله: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف: 82] والمراد: أهل القرية، فكذا قوله: "يَأتِيهِم اللَّهُ" المراد: يأتيهم أمر الله، كقوله: {أية : وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً}تفسير : [الفجر: 22]، وليس فيه إلاَّ حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، وهو مجازٌ مشهورٌ كثيرٌ في كلامهم، تقول: "ضرب الأمير فلاناً، وصلبه، وأعطاه" وهو إنَّما أمر بذلك، لأنه تولَّى ذلك بنفسه، ويؤكد هذا قوله في سورة النحل: {أية : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ}تفسير : [النحل: 33] فصارت هذه الآية مفسرة لتلك الآية، لأنَّ هذه الآيات لمَّا وردت في واقعةٍ واحدةٍ، لم يبعد حمل بعضها على البعض، ويؤيِّده - أيضاً - قوله بعده: "وَقُضِيَ الأَمْرُ" والألف واللام للمعهود السَّابق، وهو الأمر الذي أضمرناه. فإن قيل: أمر الله صفة قديمة، فالإتيان عليها محالٌ. وعند المعتزلة: أنه أصواتٌ، فتكون أعراضاً، فالإتيان عليها - أيضاً - محال. والجواب: أن الأمر في اللغة له معنيان: أحدهما: الفعل والشَّأْن والطَّريق؛ قال تعالى: {أية : وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ}تفسير : [القمر: 50]، {أية : وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ}تفسير : [هود: 97]، وفي المثل: "لأَمْرِ مَا جَدَعَ قَصِيرٌ أَنْفَهُ"، و "لأَمْرِ مَا يُسَوَّدُ مَنْ يُسَوَّدُ"، فيجعل الأمر عبارة عن الفعل، وهو ما يليق بتلك المواقف من الأهوال، وهذا هو التَّأويل الأول، وإن حملنا الأمر على ضدِّ النهي، ففيه وجهان: أحدهما: أن منادياً ينادي يوم القيامة ألا أن الله يأمركم بكذا، وكذا، فذاك هو إتيان الأمر. وقوله: "في ظُلَلٍ"، أي: مع ظللٍ، والتقدير: أن سماع ذلك النداء ووصول تلك الظلل يكون في زمان واحد. الثاني: أن يكون المراد من إتيان أمر الله في ظلل حصول أصوات مقطَّعة مخصوصة في تلك الغمامات، تدلُّ على حكم الله تعالى على كلِّ ما يليق به؛ من السَّعادة، والشقاوة، وتكون فائدة الظُّلل من الغمام أنه تعالى جعله أمارة لما يريد إنزاله بالقوم، فعنده يعلمون أنَّ الأمر قد حضر وقرب. الوجه الثالث: أن يأتيهم الله بما وعد من الحساب، والعذاب، فحذف ما يأتي به، تهويلاً عليهم؛ إذ لو ذكر كان أسهل عليهم في باب الوعيد، وإذا لم يذكر كان أبلغ؛ لانقسام خواطرهم، وذهاب فكرهم في كل وجهٍ، كقوله تعالى: {أية : فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ}تفسير : [النحل: 26] وقوله: {أية : فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ}تفسير : [الحشر: 2] أو قوله: {أية : فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ}تفسير : [النحل: 26] وآتاهم العذاب، كالتفسير لقوله: {أية : فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ}تفسير : [النحل: 26]. الوجه الرابع: أن تكون "فِي" بمعنى "البَاءِ"، وتقديره: هل ينظرون إلاَّ أن يأتيهم الله بظللٍ من الغمام، وحروف الجرِّ يقام بعضها مقام بعضٍ. الوجه الخامس: قال ابن الخطيب: وهو أوضح عندي من كلِّ ما سلف، وهو أنَّا ذكرنا أنَّ قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً} تفسير : نزلت في اليهود، فعلى هذا قوله: {فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} يكون خطاباً مع اليهود، [وحينئذٍ يكون قوله:{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} حكاية عن اليهود]، والمعنى: أنهم لا يقبلون دينك حتى يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وذلك لأنهم فعلوا مع موسى عليه الصلاة والسلام مثل ذلك، فقالوا: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً }تفسير : [البقرة: 55]. وإذا كان هذا حكايةً عن اليهود، لم يمتنع إجراء الآية على ظاهرها؛ لأن اليهود كانوا مشبِّهةً، وكانوا يجوِّزون على الله تعالى المجيء والذَّهاب، وكانوا يقولون: إنَّه تعالى تجلَّى لموسى - عليه السلام - على الطُّور في ظلل من الغمام، وطلبوا مثل ذلك في زمن محمد - عليه السلام - وعلى هذا فيكون الكلام حكايةً عن معتقد اليهود القائلين بالتشبيه، فلا يحتاج حينئذٍ إلى تأويلٍ، ولا إلى حمل اللفظ على المجاز. وبالجملة فالآية الكريمة تدلُّ على أنَّ قوماً ينتظرون أن يأتيهم الله، وليس في الآية دلالةٌ على أنهم محقُّون في ذلك الانتظار، أو مبطلون؛ فزال ذلك الإشكال. فإن قيل: فعلى هذا التَّأويل، كيف يتعلق قوله تعالى: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلامُورُ}؟ قلنا: الوجه فيه أنَّه تعالى لمَّا حكى عنادهم، وتوقفهم في قبول الدِّين على هذا الشرط الفاسد، ذكر بعده ما يجري مجرى التهديد، فقال: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلامُورُ}. قال ابن تيميَّة: وهذا من أعظم الافتراء على الله، وعلى كتابه؛ حيث جعل خطاب الله مع المؤمنين خطاباً مع اليهود وهو قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ} أنَّ ذلك خطاباً مع اليهود، مع أنَّ الله تعالى دائماً يفصل في كتابه بين الخطابين، فيقول للمؤمنين: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ}، ويقول لأولئك: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ}، و{يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ}، فكيف يجعل خطاب المؤمنين الصريح خطاباً لليهود فقط؟ وهذا من أعظم تبديل للقرآن. وأيضاً فقوله بعد ذلك: {أية : فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ}تفسير : [البقرة: 109] لا يقال: إن زللتم لمن هم مقيمون على الكفر والضلال. وأما قوله في قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ} أنه من اعتقاد اليهود الفاسد، لا من كلام الله تعالى الذي توعَّد به عباده، فهذا افتراءٌ على الله، وكذب على اليهود، وأيضاً فإنه لم ينقل أحد عنهم أنهم كانوا ينتظرون في زمن محمد - عليه السلام - أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام. وقد ذكر المفسرون وأهل السِّير والمغازي في مخاطبات اليهود الذين كانوا بالحجاز للنبي صلى الله عليه وسلم مع كثرة من كان من اليهود بالحجاز، وكثرة ما نزل بسببهم من القرآن، وكذلك ما نقل عنهم أنَّهم كانوا يقولون: إنَّ الله تجلَّى لـ"مُوسى" على الطُّور في ظللٍ من الغمام وهو أمر لم يذكره الله تعالى عنهم على هذا الوجه، فإن كان هذا حقّاً عنهم، وكانوا ينتظرون مثل ذلك، فيكونون قد جوَّزوا أن يكون الله تجلَّى لرسول الله كما تجلَّى لموسى، ومعلوم أنَّ اليهود لم يقولوا ذلك، وما ذكره الله تعالى عنهم من طلبهم رؤية الله جهرةً، فهذا حقٌّ، ولكن أخبر أنَّهم طلبوا الرؤية ولم يخبر أنَّهم انتظروها، والمطلب للشيء معتقدٌ؛ لأنه يكون لا طالب من غير أن يكون، وهذا كقوله تعالى: {أية : أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ}تفسير : [البقرة: 108].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياماً، شاخصة أبصارهم إلى السماء ينظرون فصل القضاء، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن عبد الله بن عمرو في هذه الآية قال‏:‏ يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب، منها النور والظلمة والماء، فيصوّت الماء في تلك الظلمة صوتاً تنخلع له القلوب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في هذه الآية قال‏:‏ يأتي الله يوم القيامة في ظلل من السحاب قد قطعت طاقات‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قوله ‏{‏في ظلل من الغمام‏} ‏ قال‏:‏ هو غير السحاب ولم يكن قط إلا لبني إسرائيل في تيههم، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، وهو الذي جاءت فيه الملائكة‏.‏ وأخرج ابن جرير والديلمي عن ابن عباس‏ ‏"حديث : ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏: إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفاً بالملائكة، وذلك قوله ‏ {‏هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام‏}‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي العالية قال‏:‏ في قراءة أبي بن كعب ‏(هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام‏) قال‏:‏ يأتي الملائكة في ظلل من الغمام، وهو كقوله ‏{أية : و‏يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً‏}تفسير : ‏[الفرقان: 25‏]‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة ‏ {‏في ظلل من الغمام‏}‏ قال‏:‏ طاقات ‏ {‏والملائكة‏} ‏ قال‏:‏ الملائكة حوله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال‏:‏ يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وتأتيهم الملائكة عند الموت‏.‏ وأخرج عن عكرمة ‏ {‏وقضي الأمر‏}‏ يقول‏:‏ قامت الساعة‏.‏

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ} [الآية: 210]. قال جعفر: هل ينظرون إلا إقبال الله عليهم بالعصمة والتوفيق فيكشف عنهم أستار الغفلة، فيشهدون بره ولطفه بل ويشاهدون البارَّ الرحيم اللطيف. قوله تعالى: {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ}. وكُشف عن حقيقة الأمر ومغيّبه.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ}. استبطأ القومُ قيامَ الساعةِ فأُخبروا عن شدة الأمر إذا قامت الساعة بتفصيل ما ذكر. وتلك أفعال في معنى الأحوال، يظهرها الله سبحانه بما يزيل عنهم الإشكال في علو شأنه سبحانه وتعالى، ونفاذ قدرته فيما يريد. {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} أي انهتك ستر الغيب عن صريح التقدير السابق. ولقد استغنت قلوب الموحدين لما فيها من أنوار البصائر عن طلب التأويل لهذه الآية وأمثالها إذ الحق سبحانه مُنَزَّهُ عن كل انتقال وزوال، واختصاص بمكان أو زمان، تقدس عن كل حركة وإتيان.

البقلي

تفسير : {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ} اى هل ينظر اهل الغيرة فى المحبة الى اقبال جمال الحق اليهم فى لباس المجهول وادخالهم فى قباب العصمة وغيبتهم فى جلال العصمة حين اسبل الحق عليهم نقاب الكبرياء حتى يتجلى لهم بمشاهدة الخاص لاهم اهل الغيرة فسرتهم بغيم النكرة واشوق لهم بنور الصمدية وجلال الابدية {وَقُضِيَ ٱلأُمُورُ} اى قضى ما سبق لهم من العناية الخاصة والمنن الازلية وقال جعفر هل ينظرون الا اقبال الله عليهم بالعصمة والتوفيق فيكشف عنهم استار الفغلة فيشهدون بره ولطفه بل يشاهدون البار اللطيف وقضى الامر قيل وصولا الى ما سبق لهم فى ازل من احدى المنزلتين وقال جعفر قضى الامر وكشف عن حقيقة الامر ومغيبه.

اسماعيل حقي

تفسير : {هل ينظرون} استفهام فى معنى النفى ونظر بمعنى انتظر اى ينتظر من يترك الدخول فى السلم ويتبع خطوات الشيطان {إلا أن يأتيهم الله} اى الا اتيان الله اى عذابه على حذف المضاف لان الله تعالى منزه عن المجيئ والذهاب المستلزمين للحركة والسكون لان كل ذلك محدث فيكون كل ما يصح عليه المجيئ والذهاب محدثا مخلوقا له والاله القديم يستحيل ان يكون كذلك. وسئل على رضى أين كان تعالى قبل خلق السموات والارض قال أين سؤال عن المكان وكان الله تعالى ولا مكان وهو اليوم على ما كان ومذهب المتقدمين فى هذه الآية وما شاكلها ان يؤمن الانسان بظاهرها ويكل علمها الى الله لانه لا يأمن فى تعيين مراد الله تعالى من الخطأ فالاولى السكوت ومذهب جمهور المتكلمين ان لا بد من التأويل على سبيل التفصيل {فى ظلل} كائنة {من الغمام} والظلل جمع ظلة وهى ما أظلك والغمام السحاب الابيض الرقيق سمى غماما لانه يغم اى يستر ولا يكون السحاب ظلة الا اذا كان مجتمعا متراكما فالظلل من الغمام عبارة عن قطع متفرقة كل قطعة تكون فى غاية الكثافة والعظم وكل قطعة ظلة {والملائكة} اى ويأتيهم الملائكة فانهم وسائط فى اتيان امره تعالى بل هم الآتون ببأسه على الحقيقة. وتلخيصه قد قامت الحجج فلم يبق الا نزول العذاب. فان قلت لم لم يأتهم العذاب فى الغمام كما فعل بقوم يونس وقوم عاد وقوم شعيب. قلت لان الغمام مظنة الرحمة فاذا نزل منه العذاب كان الامر افظع وأهول لان الشر اذا جاء من حيث لا يحتسب كان اغم كما ان الخير اذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسر فكيف اذا جاء الشر من حيث يحتسب الخير ولذلك كانت الصاعقة من العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقع الخير اى الغيث ومن ثمه اشتد على المتفكرين فى كتاب الله تعالى قوله{أية : وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} تفسير : [الزمر: 47]. فان تفسيره على ما قالوا عملوا اعمالا حسبوها حسنات فاذا هى سيآت وذلك لتجويزهم ان يكون عملهم كذلك فيجيئهم الشر من حيث يتوقعون الخير فخافوا من ذلك ـ روى ـ أن محمد بن واسع تلا هذه الآية فقال آه آه الى ان فارق الدنيا {وقضى الامر} اى تم امر اهلاكهم وفرغ منه وهو عطف على يأتيهم داخل فى حيز الانتظار وانما عدل الى صيغة الماضى دلالة على الحقيقة فكأنه قد كان {والى الله} لا الى غيره {ترجع الامور} اى امور الخلق وامالهم هو القاضى بينهم يوم القيامة والمثيب والمعاقب فينبغى للمؤمن ان يكون فى جانب الانقياد ويحترز عن الهوى وخطوات الشيطان وعن النبى عليه السلام انه قال "حديث : ان الله تعالى اظهر الشكاية من امتىbr>". تفسير : وقال "حديث : انى طردت الشيطان لاجلهم فهم يعصوننى. ويطيعون الشيطان"تفسير : : قال السعدى قدس سره شعر : كجا سر بر آريم ازين عاروننك كه با او بصلحيم وباحق بجنك نظر دوست نادر كند سوى تو جو در روى دشمن بود روى تو ندانى كه كمتر نهد دوست باى جو بيندكه دشمن بود در سراى تفسير : فمن أعظم الطاعات طرد الشيطان وأن يتهم النفس دائما. كما روى ان رجلا صام اربعين سنة ثم دعا الحاجة ومع ذلك لم تجب دعوته وذم نفسه وقال يا مأوى الشر ذلك من شرك فاوحى الى نبى ذلك الزمان قل له ان قتلك لنفسك احب الى من صيام اربعين سنة: قال السعدى شعر : خورنده كه خيرى برآيد زدست به از صائم الدهر دنيا برست تفسير : واعلم ان فى قوله تعالى {أية : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا فى السلم} تفسير : [البقرة: 208]. معنى عاما ومعنى خاصا فالعام خطاب عام مع جميع من آمن اى ادخلوا فى شرائط الاسلام فى الباطن كما فى الظاهر ومن شرائطه ما قال النبى عليه السلام "حديث : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس ". تفسير : واما المعنى الخاص فخطاب خاص مع شخص الانسان وجميع اجزائه الظاهرة والباطنة فينبغى ان يدخل أركانه فى الاسلام بالفعل. فالعين بالنظر. والاذن بالسمع. والفم بالاكل. والفرج بالشهوة. واليد بالبطش. والرجل بالمشى ودخول واحد منها فى الاسلام بأن يستسلم لاوامر الحق ويجتنب نواهيه بل يترك ما لا يعنيه أصلا ويقع على ما لا بد له منه. ودخول جميع اجزائه الظاهرة فى شرائع الاسلام ميسر للمنافق. فاما ادخال اجزائه الباطنة فمعركة ابطال الدين ومنزلة الرجال البالغين فدخول النفس فى الاسلام بخروجها عن كفر صفاتها الذميمة وترك مألوفاتها واطمئنانها بالعبودية ليستحق بها دخول مقام العباد المخصوصين به بخطابه تعالى اياها كقوله تعالى {أية : يا أيتها النفس المطمئنة} تفسير : [ الفجر: 27] الآية. ودخول القلب فى الاسلام بتصفيته عن رذائل اخلاق النفس وتحليته بشمائل أخلاق الروح. ودخول الروح فى الاسلام بتخلقه بأخلاق الله وتسليم الاحكام الازلية وقطع النظر والتعلق عما سوى الله بتصرف جذبات الالوهية. ودخول السر فى الاسلام بفنائه فى الله وبقائه بالله {أية : ولا تتبعوا خطوات الشيطان} تفسير : [البقرة: 208]. اى لا تكونوا على سيرته وصفته وهى الاباء والاستكبار فانه ضد الاسلام {أية : إنه لكم عدو مبين} تفسير : [البقرة: 208]. لعداوته الغريزية لكم لاختلاف جبلته وجبلتكم وقصوره عن نور فطرتكم لكونه نارى الخلقة لا يطلب منكم الا ان تكونوا ناريين مثله لا نوريين فهو عدو فى الحقيقة فى صورة المحب {أية : فإن زللتم} تفسير : [البقرة: 209]. اى زلت اقدامكم عن صراط الاسلام الحقيقى {أية : من بعد ما جاءتكم البينات} تفسير : [البقرة: 209]. دلائل تجليات أفعال الصفات {أية : فاعلموا أن الله عزيز} تفسير : [البقرة: 209]. فلعزته لا يهدى اليه لك ذليل دنى الهمة قصير النظر {أية : حكيم} تفسير : [البقرة: 209]. يهدى من يشاء الى سرادقات عزته {هل ينظرون الا ان يأتيهم الله فى ظلل من الغمام} الا ان يتجلى الله فى ظل صفات قهرية من جملة تجليات الصفات الساترة لشمس الذات وهو ملائكة القوى السماوية {وقضى} فى اللوح {الأمر} امر اهلاكهم {وإلى الله ترجع الأمور} بالفناء كذا فى التأويلات النجمية.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {الظُّلَل}: جمع ظُلَّه، وهي ما أظلَّك من فوق، و {الغَمام}: السحاب الرفيق الأبيض. يقول الحقّ جلّ جلاله: ما ينتظر هؤلاء الممتنعون من الدخول في شرائع الإسلام - إلا أن تقوم الساعة، ويأتيهم الله للفصل بين عباده {في ظلل من الغمام}، بأن يتجلّى لعباده على ما يليق بجلاله؛ إذ تجليات الحق لا تنحصر. وتأتيهم {الملائكة} تحيط بهم {وقضي الأمر} بعذابهم، {وإلى الله ترجع الأمور} كلها، فهو المتصرف وحده. وقد ذكر المنذري حديث هذا التجلّي بطوله، وذكر فيه النزول والفصل بين عباده، والمرور على الصراط، والناس في أنار إيمانهم. وذكره الفاسي في الحاشية بتمامه. ومن كحل عين بصيرته بإثمد التوحيد الخاص، لم يُسْتَصْعَبْ عليه فَهْمُ هذا الحديث وأمثاله؛ لسعة دائرة معرفته. والله تعالى أعلم. الإشارة: في الآية تهديد لأهل الحجاب الذين لم يتحققوا بالصلح مع الله، بل هم يخاصمون الله في مظاهر خلقه، ويعترضون على الله في قضائه وحكمه، فقال لهم الحقّ جلّ جلاله: هل ينتظر هؤلاء المنكرون عليَّ في أفعالي، المعترضون عليَّ في حكمي وإبرامي - إلا أن أتعرف لهم في ظُلل من الغمام، وهو سحب الآثار، فإذا أنكروني أخذتهم الملائكةُ، وقضي الأمر بهلاكهم، وإلى الله تُرجع الأمور كلها، فليلتزم العبد الأدب مع مولاه، وليُسلم الأمور كلها إلى الله، إذ لا موجود سواه، فما برز من العباد: كله من الله، فمن اشتغل بعتابهم فاته الأدب مع الله، إلا ما أمرتْ به الشريعة، فليكن في ذلك كالعبد يُؤدب ابنَ سيده؛ يده تؤدب وقلبه يعظم، والله تعالى أعلم وأرحم.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ أبو جعفر {والملائكة} بالخفض. والباقون بضمها. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي {ترجع الأمور} بفتح التاء. الباقون بضمها. المعنى: الظلل: جمع ظلة. ومعنى الآية أن يأتيهم عذاب الله، وما توعدهم به على معصيته، كما قال: {أية : فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} تفسير : أي آتاهم خذلانه إياهم. والمختار عند أهل اللغة الرفع في {الملائكة} عطفاً على الله، كأنه قال: وتأتيهم الملائكة. ومن كسر عطف على ظلل، وتقديره في ظلل من الغمام، وظلل من الملائكة. وقوله: {وقضى الأمر} أي فزع لهم مما كانوا يوعدون به. وقوله: {وإلى الله ترجع الأمور} لا يدلّ على أن الأمور ليست إليه الآن وفي كل وقت. ومعنى الآية الاعلام في أمر الحساب، والثواب، والعقاب أي إليه، فيعذب من يشاء، ويرحم من يشاء، فلا حاكم سواه. ويحتمل أن يكون المراد: أنه لا أحد ممن يملك في دار الدنيا إلا ويزول ملكه ذلك اليوم. وشبهت الأهوال بالظلل من الغمام، كما قال: {أية : موج كالظلل}تفسير : ومعنى الآية: ما ينظرون - يعني المكذبين بآيات الله - محمداً وما جاء به من القرآن والآيات إلا أن يأتيهم أمر الله وعذابه {في ظلل من الغمام والملائكة}، فهل بمعنى (ما)، كما يقول القائل: هل يطالب بمثل هذا إلا متعنت أي ما يطالب. وينظرون - في الآية - بمعنى ينتظرون. وقد يقال: أتى وجاء فيما لا يجوز عليه المجيء، والذهاب، يقولون أتاني وعيد فلان، وكلام فلان، وكل ذلك لا يراد به الاتيان الحقيقي قال الشاعر: شعر : أتاني كلام من نصيب يقوله وما خفت يا سلاّم أنك عائبي تفسير : وقال آخر: شعر : أتاني نصرهم وهم بعيد بلادهم بلاد الخيزران تفسير : فكأن المعنى في الآية: إن الناس في الدنيا يعتصم بعضهم ببعض، ويفزع بعضهم الى بعض في الكفر والعصيان، فاذا كان يوم القيامة انكشف الغطاء، وأيقن الشاك، وأقرّ الجاحد، وعلم الجاهل، فلم يعصم أحد من الله أحداً، ولم يكن له من دون الله ناصر، ولا من عذابه دافع، وعلم الجميع أن الأمر كله لله.

الجنابذي

تفسير : {هَلْ يَنظُرُونَ} ثمّ صرف الكلام الى المنافقين بعد نداء الفرق الثّلاث من المسلمين فقال تعالى: هل ينظر هؤلاء المنافقون المتزيّنون فى ظاهر حالهم {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ} اى امر الله او بأسه او يأتيهم الله بحسب مظاهره فانّ اتيان المظاهر اتيان الله بوجه كما قال {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} تفسير : [الأنفال: 17]، {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} تفسير : [الأنفال: 17]، و{أية : يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}تفسير : [التوبة: 14] وقد قال علىّ (ع): يا حار همدان من يمت يرنى؛ والمراد من وقت اتيان الله وقت نزع الرّوح {فِي ظُلَلٍ} جمع الظلّة وهى ما اظلّك {مِّنَ ٱلْغَمَامِ} على التّشبيه فانّ الاهوال عند الموت ترى كالغمام وسمّى الحساب غماماً لا يراثه الغمّ فيناسبه الاهوال {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} قرئ بالرّفع والجرّ عطفاً على الله او الظّلل او الغمام. وعن الرّضا (ع) {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ} بالملائكة {فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ} قال: وهكذا نزلت {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} امر اهلاكهم وهو عطف على ان يأتيهم واتى بالماضى تأكيداً فى تحقّق وقوعه، ويجوز ان يكون حالاً بتقدير قد، ويجوز ان يراد بالآية المحاسبة يوم القيامة او الرّجعة، وقد اشير فى الاخبار الى الكلّ. تحقيق معنى الرّجوع الامور الى الله تعالى {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلامُورُ} يعنى بعد انقضاء الحياة وارتفاع الحجب يظهر انّ الامور كانت بيد الله ولم يكن لاحدٍ يدٌ عليها وانّما كانت أيدى الغير اكماماً ليده تعالى، ولضعف الابصار فى الدّنيا كانوا لا يشاهدون الاّ الاكمام، وبعد ارتفاع الحجب عن الابصار وقوّتها تشاهد انّ الكلّ كانت اكماماً والفاعل كان يده تعالى وان لا امر بيد غيره تعالى، واستعمال الرّجوع الّذى هو الانتهاء الى الابتداء تدريجاً للاشارة الى هذا المعنى يعنى كلّما ارتفع حجاب عن ابصارهم شاهدوا فاعلاً آخر للامور حتّى ارتفع الحجب تماماً فيشاهدوا ان لا فاعل سواه وان لا امر من غيره.

فرات الكوفي

تفسير : {هَلْ يَنْظُرون إلاّ أنْ يَأتِيَهُمُ الله في ظُلَلٍ مِنَ الغمامِ وَالمَلائكةِ 210} فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري قال: حدثنا أحمد بن ميثم الميثمي قال: حدثنا أحمد بن محرز الخراساني عن [ر: قال: حدثنا] عبد الواحد بن علي قال: قال أمير المؤمنين [علي بن أبي طالب. ر] عليه السلام أنا أؤدي من النبيين إلى الوصيين ومن الوصيين إلى النبيين، وما بعث الله نبياً إلاّ وأنا أقضي دينه وأنجز عداته، ولقد اصطفاني ربي بالعلم والظفر، ولقد وفدت إلى ربي اثنى عشر وفادة فعرفني نفسه وأعطاني مفاتيح الغيب. ثم قال: يا قنبر مَنْ على الباب [ب: بالباب]؟ قال: ميثم التمار‍! ما تقول ان احدثك فان أخذته كنت مؤمناً وإن تركته كنت كافراً؟ [ثم. أ] قال: أنا الفاروق الذي أفرق بين الحق والباطل، أنا أدخل أوليائي الجنة وأعدائي النار، أنا‍! قال الله {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور}.

الهواري

تفسير : وقولة: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ} [يوم القيامة] {فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغَمَامِ وَالمَلاَئِكَةُ} [أي: وتأتيهم الملائكة] {وَقُضِيَ الأَمْرُ} [يعني الموت] {وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} يعني عواقبها. قال بعض المفسّرين: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ} أي بأمره {فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلاَئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ}. أي: الموت. ذكر بعضهم قال: إذا كان يوم القيامة مُدَّت الأرض مدَّ الأديم العكاظي، ثم يحشر الله فيها الخلائق من الجن والأنس. ثم أخذوا مصافهم من الأرض، ثم ينادي منادٍ: (أية : الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ) تفسير : [غافر:17]، ثم أتت عنقاء من النار تسمع وتبصر وتكلّم، حتى إذا أشرفت على رُءُوس الخلائق نادت بصوتها: ألا إني قد وكلت بثلاثة: بمن دعا مع الله إلهاً آخر، ومن ادعى أن لله ولداً، ومن زعم أنه العزيز الكريم. ثم صوبت رأسها وسط الخلائق فالتقطتهم كما يلتقط الحمام حبّ السمسم، ثم غاصت بهم في جهنم فألقتهم في النار. ثم عادت، حتى إذا كانت بمكانها نادت: إني قد وكلت بثلاثة: بمن نسب الله، وبمن كذب على الله، وبمن آذى الله. فأما الذي نسب الله، فالذي زعم أنه اتخذ صاحبة وولداً، وهو الواحد الصمد الذي (أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ) تفسير : [الإِخلاص:3-4]. وأما الذي كذب على الله فالذين قال الله فيهم: (أية : وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ)تفسير : [النحل:38] وأما الذي آذى الله فالذي يصنع الصور. فتلتقطهم كما يلتقط الطير الحب حتى تغوص بهم في النار. ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، والدابة، وخويصة أحدكم، يعني موته، وأمر العامةتفسير : ، يعني النفخة التي يميت الله بها كل حي.

اطفيش

تفسير : {هَلْ يَنْظُرُونَ} ينتظر من لم يدخل فى السلم {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ} أى أمره أو بأسه كقوله، أو يأتى أمر ربك، فجاءهم بأسنا أو يأتيهم الله ببأسه أى يحضر بأسه {فِى ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ} والواحد ظلة، ومن شأن الغمام أن يكون ماء، فإذا جاء فيه العذاب كان أشد عليهم، إذ جاءهم الشر من حيث يظنون الخير، ولا سيما غمام مظلم موهم لقوة مائه أو أبيض، مظنة الرحمة {وَالْمَلَٰئِكَةُ} لجريان العذاب على أيديهم، أخر ذلكم تتميما للإيهام، أو تفسيراً لإتيان الله بأن الآتى بالعذاب ملائكته {وَقُضِىَ الأَمْرُ} ببقائهم على ترك الدخول فى السلم، ويقضى الأمر إلا أنه متحقق الوقوع لو كان موعوداً به، حى كأنه واقع، فأخبر به على صيغة الماضى فهو داخل فى حيز الانتظار، من قوله هل ينظرون، أو المراد أن الله قد فرغ من أمرهم وقضاه، أى حكم كان فهو غير داخل فى حيزه {وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} فيجازى على الأعمال فى الآخرة وهى بعض الأمور.

الالوسي

تفسير : {هَلْ يَنظُرُونَ} استفهام في معنى النفي، والضمير للموصول السابق إن أريد به المنافقون أو أهل الكتاب، أو إلى {أية : مَن يُعْجِبُكَ } تفسير : [البقرة: 204] إن أريد به مؤمنو أهل الكتاب أو المسلمون. {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ} بالمعنى اللائق به جل شأنه منزهاً عن مشابهة المحدثات والتقيد بصفات الممكنات. {فِي ظُلَلٍ} جمع ظلة كقلة وكقلل وهي ما أظلك، وقرىء (ظلال) كقلال {مِّنَ ٱلْغَمَامِ} أي السحاب أو الأبيض منه. {وَٱلْمَلَـئِكَةُ} يأتون، وقرىء {وَٱلْمَلَٰـئِكَةُ} بالجر عطف على (ظلل) أو (الغمام) والمراد: مع الملائكة أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يجمع الله تعالى الأوّلين والآخرين لميقات يوْم معلوم قياماً شاخصة أبصارهم إلى السماء ينظرون فصل القضاء وينزل الله تعالى في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي»تفسير : ؛ وأخرج ابن جرير وغيره عن عبد الله بن عمر في هذه الآية قال: يهبط حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب منها النور والظلمة والماء فيصوت الماء في تلك العظمة صوتاً تنخلع له القلوب، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن من الغمام ظللاً يأتي الله تعالى فيها محفوفات بالملائكة، وقرأ أبـيّ {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ وَٱلْمَلَٰـئِكَةُ فِي ظُلَلٍ} ومن الناس من قدر في أمثال هذه المتشابهات محذوفاً فقال: في الآية الإسناد مجازي، والمراد يأتيهم أمر الله تعالى وبأسه أو حقيقي، والمفعول محذوف أي يأتيهم الله تعالى ببأسه، وحذف المأتي به للدلالة عليه بقوله سبحانه: {أية : أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }تفسير : [البقرة: 209] فإن العزة والحكمة تدل على الانتقام بحق، وهو البأس والعذاب، وذكر الملائكة لأنهم الواسطة في إتيان أمره أو الآتون على الحقيقة، ويكون ذكر الله تعالى حينئذٍ تمهيداً لذكرهم كما في قوله سبحانه: {أية : يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءامَنُوا } تفسير : [البقرة: 9] على وجه وخص الغمام بمحلية العذاب لأنه مظنة الرحمة فإذا جاء منه العذاب كان أفظع لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أصعب فكيف إذا جاء من حيث يحتسب الخير، ولا يخفى أن من علم أن الله تعالى أن يظهر بما شاء وكيف شاء ومتى شاء وأنه في حال ظهوره باق على إطلاقه حتى عن قيد الإطلاق منزه عن التقيد مبرأ عن التعدد كما ذهب إليه سلف الأمة وأرباب القلوب/ من ساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم لم يحتج إلى هذه الكلفات، ولم يحم حول هذه التأويلات. {وَقُضِىَ ٱلأَمْرُ} أي أتم أمر العباد وحسابهم فأثيب الطائع وعوقب العاصي وأتم أمر إهلاكهم وفرغ منه وهو عطف على {هَلْ يَنظُرُونَ} لأنه خبر معنى ووضع الماضي موضع المستقبل لدنو وتيقن وقوعه. وقرأ معاذ بن جبل (وقضاء الأمر) عطفاً على (الملائكة) {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} تذييل للتأكيد كأنه قيل: وإلى الله ترجع الأمور التي من جملتها الحساب أو الإهلاك، وعلى قراءة معاذ عطف على {هَلْ يَنظُرُونَ} أي لا ينظرون إلا الإتيان وأمر ذلك إلى الله تعالى، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم ـ (ترجع) ـ على البناء للمفعول على أنه من الرجع، وقرأ الباقون على البناء للفاعل بالتأنيث غير يعقوب على أنه من الرجوع، وقرىء أيضاً بالتذكير وبناء المفعول.

ابن عاشور

تفسير : إن كان الإضمار جارياً على مقتضى الظاهر فضمير {ينظرون} راجع إلى معادٍ مذكور قبلَه، وهو إما { أية : مَنْ يعجبك قولُه في الحياة الدنيا } تفسير : [البقرة: 204]، وإما إلى { أية : مَنْ يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله } تفسير : [البقرة: 207]، أو إلى كليهما لأن الفريقين ينتظرون يوم الجزاء، فأحد الفريقين ينتظره شكاً في الوعيد بالعذاب، والفريق الآخر ينتظره انتظار الراجي للثواب. ونظيره قوله: { أية : فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين } تفسير : [يونس: 102] فانتظارهم أيام الذين خَلَوْا انتظارُ توقع سوءٍ وانتظار النبي معهم انتظار تصَديقِ وعيده. وإن كان الإضمار جارياً على خلاف مقتضى الظاهر فهو راجع إلى المخاطَبين بقوله { أية : ادخلوا في السِّلم } تفسير : [البقرة: 208] وما بعده، أو إلى الذين زَلوا المستفاد من قوله: { أية : فإن زللتم } تفسير : [البقرة: 209]، وهو حينئذٍ التفات من الخطاب إلى الغيبة، إما لمجرد تجديد نشاط السامع إن كان راجعاً إلى المخاطبين بقوله { أية : يا أيها الذين آمنوا } تفسير : [البقرة: 208]، وإما لزيادة نكتة إبعاد المخاطبين بقوله {فإن زللتم} عن عز الحضور، قال القرطبي {هل ينتظرون} يعني التاركين الدخول في السلم، وقال الفخر الضمير لليهود بناء على أنهم المراد من قوله: {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم} أي يا أيها الذين آمنوا بالله وبعض رسله وكتبه على أحد الوجوه المتقدمة وعلى أن السلم أريد به الإسلام، ونكتة الالتفات على هذا القول هي هي. فإن كان الضمير لمن يعجبك أوْ له ولمن يشري نفسه، فالجملة استئناف بياني، لأن هاتين الحالتين العجيبتين في الخير والشر تثيران سؤال من يسأل عن جزاء كلا الفريقين فيكون قوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله} جواباً لذلك، وإن كان الضمير راجعاً إلى {الذين آمنوا} فجملة {هل ينظرون} استئناف للتحريض على الدخول في الإسلام خشية يوم الجزاء أو طمعاً في ثوابه وإن كان الضمير للذين زلوا من قوله: { أية : فإن زللتم } تفسير : [البقرة: 209] فالجملة بدل اشتمال من مضمون جملة { أية : إن الله عزيز حكيم } تفسير : [البقرة: 209] لأن معناه فإن زللتم فالله لا يفلتكم لأنه عزيز حكيم، وعدم الإفلات يشتمل على إتيان أمر الله والملائكة، وإن كان الضمير عائداً إلى اليهود فهو توبيخ لهم على مكابرتهم عن الاعتراف بحقية الإسلام. وعلى كل الاحتمالات التي لا تتنافى فقد جاء نظم قوله {هل ينظرون} بضمير الجمع نظماً جامعاً للمحامل كلها مما هو أثر من آثار إعجاز هذا الكلام المجيد الدال على علم الله تعالى بكل شيء. وحرف (هل) مفيد الاستفهام ومفيد التحقيق ويظهر أنه موضوع للاستفهام عن أمر يراد تحقيقه، فلذلك قال أئمة المعاني إن هل لطلب تحصيل نسبة حكمية تحصل في علم المستفهم وقال الزمخشري في «الكشاف»: إن أصل هل أنها مرادفة قد في الاستفهام خاصة، يعني قد التي للتحقيق وإنما اكتسبت إفادة الاستفهام من تقدير همزة الاستفهام معها كما دل عليه ظهور الهمزة في قول زيد الخيل: شعر : سائِلْ فوارسَ بَرْبُوع بِشِدَّتنا أَهَلْ رَأَوْنَا بسَفَحِ القاع ذي الأَكَم تفسير : وقال في «المفصل»: وعن سيبويه أن هل بمعنى قد إلاّ أنهم تركوا الألف قبلها؛ لأنها لا تقع إلاّ في الاستفهام اهــــ. يعني أن همزة الاستفهام التزم حذفها للاستغناء عنها بملازمة هل للوقوع في الاستفهام، إذ لم يقل أحد أن هل ترد بمعنى قد مجردة عن الاستفهام فإن مواردها في كلام العرب وبالقرآن يبطل ذلك ونسب ذلك إلى الكسائي والفراء والمبرد في قوله تعالى: { أية : هل أتى على الإنسان حين من الدهر } تفسير : [الإنسان: 1] ولعلهم أرادوا تفسير المعنى لا تفسير الإعراب ولا نعرف في كلام العرب اقتران هل بحرف الاستفهام إلاّ في هذا البيت ولا ينهض احتجاجهم به لإمكان تخريجه على أنه جمع بين حرفي استفهام على وجه التأكيد كما يؤكد الحرف في بعض الكلام كقول مسلم بن معبد الوالبيِّ: شعر : فلاَ والله لاَ يُلْفَى لما بي ولا لِلِمَا بهم أبداً دَواء تفسير : فجمع بين لامي جر، وأيّاً ما كان فإن هل تمحضت لإفادة الاستفهام في جميع مواقعها، وسيأتي هذا في تفسير قوله تعالى: { أية : هل أتى على الإنسان حين من الدهر } تفسير : في سورة الإنسان. والاستفهام إنكاري لا محالة بدليل الاستثناء، فالكلام خبر في صورة الاستفهام. والنظر: الانتظار والترقب يقال نظره بمعنى ترقبه، لأن الذي يترقب أحداً يوجه نظره إلى صوبه ليرى شبحه عندما يبدو، وليس المراد هنا نفي النظر البصري أي لا ينظرون بأبصارهم في الآخرة إلاّ إتيان أمر الله والملائكة، لأن الواقع أن الأبصار تنظر غير ذلك، إلاّ أن يراد أن رؤيتهم غير ذلك كالعدم لشدة هول إتيان أمر الله، فيكون قصراً ادعائياً، أو تسلب أبصارهم من النظر لغير ذلك. وهذا المركب ليس مستعملاً فيما وضع له من الإنكار بل مستعملاً إما في التهديد والوعيد وهو الظاهر الجاري على غالب الوجوه المتقدمة في الضمير، وإما في الوعد إن كان الضمير لمن يشري نفسه، وإما في القدر المشترك وهو العدة بظهور الجزاء إن كان الضمير راجعاً للفريقين، وإما في التهكم إن كان المقصود من الضمير المنافقين اليهود أو المشركين، فأما اليهود فإنهم كانوا يقولون لموسى { أية : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } تفسير : [البقرة: 55]. ويجوز على هذا أن يكون خبراً عن اليهود: أي إنهم لا يؤمنون ويدخلون في السلم حتى يروا الله تعالى في ظلل من الغمام على نحو قوله تعالى: { أية : ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك } تفسير : [البقرة: 145]. وأما المشركون فإنهم قد حكى الله عنهم: { أية : وقالوا نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} تفسير : [الإسراء: 90] إلى قوله {أية : أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً } تفسير : [الإسراء: 92]، وسيجيء القول مشبعاً في موقع هذا التركيب ومعناه عند الكلام على قوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} في سورة البقرة. و(الظلل) بضم ففتح اسمُ جمَع ظلة، والظلة تطلق على معان والذي تلخص لي من حقيقتها في اللغة أنها اسم لشبه صفَّة مرتفعة في الهواء تتصل بجدار أو ترتكز على أعمدة يُجْلَس تحتها لتوقي شعاع الشمس، فهي مشتقة من اسم الظّل جعلت على وزن فُعْلَة بمعنى مفعولة أو مفعول بها مثل القبضة بضم القاف لما يقبض باليد. والغرفة بضم الغين لما يغترف باليد كقوله تعالى: { أية : إلا من اغترف غرفة بيده } تفسير : [البقرة: 249] في قراءة بعض العشرة بضم الغين. وهي هنا مستعارة أو مشبه بها تشبيهاً بليغاً: السحابات العظيمة التي تشبه كل سحابة منها ظلة القصر. و{من الغمام} بيان للمشبه وهو قرينة الاستعارة ونظيره قوله تعالى: { أية : لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل } تفسير : [الزمر: 16]. والإتيان حضور الذات في موضع من موضع آخر سبق حصولها فيه وأسند الإتيان إلى الله تعالى في هذه الآية على وجه الإثبات فاقتضى ظاهره اتصاف الله تعالى به، ولما كان الإتيان يستلزم التنقل أو التمدد ليكون حالاً في مكان بعد أن لم يكن به حتى يصح الإتيان وكان ذلك يستلزم الجسم والله منزه عنه، تعين صرف اللفظ عن ظاهره بالدليل العقلي، فإن كان الكلام خبراً أو تهكماً فلا حاجة للتأويل، لأن اعتقادهم ذلك مدفوع بالأدلة وإن كان الكلام وعيداً من الله لزم التأويل، لأن الله تعالى موجود في نفس الأمر لكنه لا يتصف بما هو من صفات الحوادث كالتنقل والتمدد لما علمت، فلا بد من تأويل هذا عندنا على أصل الأشعري في تأويل المتشابه، وهذا التأويل إما في معنى الإتيان أو في إسناده إلى الله أو بتقدير محذوف من مضاف أو مفعول، وإلى هذه الاحتمالات ترجع الوجوه التي ذكرها المفسرون: الوجه الأول ذهب سلف الأمة قبل حدوث تشكيكات الملاحدة إلى إقرار الصفات المتشابهة دون تأويل فالإتيان ثابت لله تعالى، لكن بلا كيف فهو من المتشابه كالاستواء والنزول والرؤية أي هو إتيان لا كإتيان الحوادث. فأما على طريقة الخلف من أئمة الأشعرية لدفع مطاعن الملاحدة فتجيء وجوهٌ منها: الوجه الثاني: أقول يجوز تأويل إتيان الله بأنه مجاز في التجلي والاعتناء إذا كان الضمير راجعاً لمن يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، أو بأنه مجاز في تعلق القدرة التنجيزي بإظهار الجزاء إن كان الضمير راجعاً للفريقين، أو هو مجاز في الاستئصال يقال أتاهم الملك إذا عاقبهم قاله القرطبي، قلت وذلك في كل إتيان مضاف إلى منتقم أو عدو أو فاتح كما تقول: أتاهم السبع بمعنى أهلكهم وأتاهم الوباء ولذلك يقولون أتى عليه بمعنى أهلكه واستأصلَه، فلما شاع ذلك شاع إطلاق الإتيان على لازمه وهو الإهلاك والاستئصال قال تعالى: { أية : فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا } تفسير : [الحشر: 2] وقال { أية : فأتى الله بنيانهم من القواعد } تفسير : [النحل: 26] وليس قوله: {في ظلل من الغمام} بمناف لهذا المعنى، لأن ظهور أمر الله وحدوث تعلق قدرته يكون محفوفاً بذلك لتشعر به الملائكة وسيأتي بيان {في ظلل من الغمام} قريباً. الوجه الثالث: إسناد الإتيان إلى الله تعالى إسناد مجازي وإنما يأتيهم عذاب الله يوم القيامة أو في الدنيا وكونه {في ظلل من الغمام} زيادة تنويه بذلك المظهر ووقعه لدى الناظرين. الوجه الرابع: يأتيهم كلام الله الدالُّ على الأمر ويكون ذلك الكلام مسموعاً من قِبَل ظلل من الغمام تحفه الملائكة. الوجه الخامس: أن هنالك مضافاً مقدراً أي يأتيهم أمر الله أي قضاؤه بين الخلق أو يأتيهم بأس الله بدليل نظائره في القرآنِ أو يأتي أمر ربك وقوله: { أية : فجاءها بأسنا بياتاً } تفسير : [الأعراف: 4] ولا يخفى أن الإتيان في هذا يتعين أن يكون مجازاً في ظهور الأمر. الوجه السادس: حذف مضاف تقديره، آيات الله أو بيناته أي دلائل قدرته أو دلائل صدق رُسُله ويبعِّده قوله: {في ظلل من الغمام} إلاّ أن يرجع إلى الوجه الخامس أو إلى الوجه الثالث. الوجه السابع: أن هنالك معمولاً محذوفاً دل عليه قوله: { أية : فاعلموا أن الله عزيز حكيم } تفسير : [البقرة: 209] والتقدير أن يأتيهم الله بالعذاب أو ببأسه. والأحسن تقدير أمر عام يشمل الخير والشر لتكون الجملة وعْداً ووعيداً. وقد ذكرتُ في تفسير قوله تعالى: { أية : منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأُخر متشابهات } تفسير : في [سورة آل عمران:6] ما يتحصل منه أن ما يجري على اسمه تعالى من الصفات والأحكام وما يسند إليه من الأفعال في الكتاب والسنة أربعة أقسام: قسم اتصف الله به على الحقيقة كالوجود والحياة لكن بما يخالف المتعارف فينا، وقسم اتصف الله بلازم مدلوله وشاع ذلك حتى صار المتبادر من المعنى المناسبُ دون الملزومات مثل الرحمة والغضب والرضا والمحبة، وقسم هو متشابه وتأويله ظاهر، وقسم متشابه شديد التشابه. وقوله تعالى: {في ظلل من الغمام} أشد إشكالاً من إسناد الإتيان إلى الله تعالى لاقتضائه الظرفية، وهي مستحيلة على الله تعالى، وتأويله إما بأن (في) بمعنى الباء أي {يأتيهم بظلل من الغمام} وهي ظلل تحمل العذاب من الصواعق أو الريح العاصفة أو نحو ذلك إن كان العذاب دنيوياً، أو في ظلل من الغمام تشتمل على ما يدل على أمر الله تعالى أو عذابه { أية : وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركوم } تفسير : [الطور: 44] وكان رسول الله إذا رأى السحاب رئي في وجهه الخوف من أن يكون فيه عذاب، أو على كلامه تعالى، أو الحاجبة لأنوار يجعلها الله علامة للناس يوم القيامة على ابتداء فصل الحساب يدرك دلالتها أهل الموقف وبالانكشاف الوجداني، وفي «تفسير القرطبي والفخر» قيل: إن في الآية تقديماً وتأخيراً، وأصل الكلام أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام، فالغمام ظرف لإتيان الملائكة، وروي أن ابن مسعود قرأها كذلك، وهذه الوجوه كلها مبنية على أن هذا إخبار بأمر مستقبل، فأما على جعل ضمير {ينظرون} مقصوداً به المنافقون من المشركين أو اليهود بأن يكون الكلام تهكماً أي ماذا ينتظرون في التباطؤ عن الدخول في الإسلام، ما ينتظرون إلاّ أن يأتيهم الله في أحوال اعتقدوها فيكلمهم ليدخلوا في الدين، فإنهم قالوا لموسى: { أية : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } تفسير : [البقرة: 55] واعتقدوا أن الله في الغمام، أو يكون المراد تعريضاً بالمشركين، وبعض التأويلات تقدمت مع تأويل الإتيان. وقرأه الجمهور «والملائكة» بالرفع عطفاً على اسم الجلالة، وإسنادُ الإتيان إلى الملائكة لأنهم الذين يأتون بأمر الله أو عذابه وهم الموكل إليهم تنفيذ قضائه، فإسناد الإتيان إليهم حقيقة فإن كان الإتيان المسند إلى الله تعالى مستعملاً في معنى مجازي فهو مستعمل بالنسبة للملائكة في معناه الحقيقي فهو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وإن كان إسناد الإتيان إلى الله تعالى مجازاً في الإسناد فإسناده إلى الملائكة بطريق العطف حقيقة في الإسناد ولا مانع من ذلك؛ لأن المجاز الإسنادي عبارة عن قصد المتكلم مع القرينة، قال حُمَيْد بن ثَوْر يمدح عبد الملك: شعر : أتاك بي الله الذي نَوَّر الهدى ونورٌ وإسلامٌ عليكَ دليل تفسير : فأسند الإتيان به إلى الله وهو إسنادٌ حقيقي ثم أسنده بالعطف للنورِ والإسلام، وإسناد الإتيان به إليهما مجازي لأنهما سبب الإتيان به ألا ترى أنه قال «عليك دليل». وقرأ أبو جعفر «والملائكة» بجر (الملائكة) عطف على (ظلل). وقوله: {وقُضي الأمر} إما عطف على جملة {هل ينظرون} إن كانت خبراً عن المخبر عنهم والفعل الماضي هنا مراد منه المستقبل، ولكنه أتى فيه بالماضي تنبيهاً على تحقيق وقوعه أو قرب وقوعه، والمعنى ما ينتظرون إلاّ أن يأتيهم الله وسوف يقضى الأمر، وإما عطف على جملة {ينظرون} إن كانت جملة {هل ينظرون} وعيداً أو وعداً والفعل كذلك للاستقبال، والمعنى ما يترقبون إلاّ مجيء أمر الله وقضاءَ الأمر. وإما جملة حالية والماضي على أصله وحذفت قد، سواء كانت جملة {هل ينظرون} خبراً أو وعداً ووعيداً أي وحينئذٍ قد قضي الأمر، وإما تنبيه على أنهم إذا كانوا ينتظرون لتصديق محمد أن يأتيهم الله والملائكة فإن ذلك إن وقع يكون قد قضي الأمر أي حق عليهم الهلاك كقوله: { أية : وقالوا لولا أنزل عليه ملَك ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون } تفسير : [الأنعام: 8]. والقضاء: الفراغ والإتمام. والتعريف في (الأمر) إما للجنس مراداً منه الاستغراق أي قُضِيت الأمور كلها، وإما للعهد أي أمر هؤلاء أي عقابهم أو الأمر المعهود للناس كلهم وهو الجزاء. وقوله: {وإلى الله ترجع الأمور} تذييل جامع لمعنى: {وقضى الأمر} والرجوع في الأصل: المآب إلى الموضع الذي خرج منه الراجع، ويستعمل مجازاً في نهاية الشيء وغايته وظهور أثره، فمنه { أية : ألا إلى الله تصير الأمور } تفسير : [الشورى: 53]. ويجيء فعل رجع متعدياً، تقول رجعت زيداً إلى بلده ومصدره الرَّجْع، ويستعمل رجع قاصراً تقول: رجع زيد إلى بلده ومصدره الرجُوع. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عَمرو وعاصم وأبو جعفر ويعقوب (تُرجع) بضم التاء وفتح الجيم على أنه مضارع أرجعه أو مضارع رجَعَه مبنياً للمفعول أي يَرْجع الأمورَ راجعُها إلى الله، وحذفُ الفاعل على هذا العدم تعين فاعل عُرفي لهذا الرجع، أو حُذف لدفع ما يبدو من التنافي بين كون اسم الجلالة فاعلاً للرجوع ومفعولاً له بحرف إلى، وقرأه باقي العشرة بالبناء للفاعل من رجع الذي مصدره الرجوع فالأمورُ فاعل تَرْجع.

القطان

تفسير : هل ينتظر هؤلاء المعرضون عن الاسلام، المكذّبون برسوله وما جاء به، ان يروا الله جهرة في غمامٍ سائر مع الملائكة، حتى يقتنعوا! لقد قضي الأمر بأن يكون هناك يوم قيامة، فلا مفر منه. وحينئذ يثاب الطائع ويعاقب العاصي. {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} فجميعها في قبضته يصّرفها حيث شاء فيضع كل شيء موضعه الذي قضاه، فإلى متى يتخلف المتخلفون عن الدخول في السلام وهذا الفزع الأكبر ينتظرهم!! القراءات: قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وعاصم "ترجع الأمور" بالبناء للمجهول وقرأ الباقون "ترجع الأمور" بفتح التاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} (210) - وَيُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى المُخَالِفِينَ مِنْ عَاقِبَةِ الانْحِرَافِ عَنِ الدُّخُولِ فِي السِّلْمِ، وَالاسْتِمْرارِ فِي اتِّبَاعِ خُطُواتِ الشَّيْطَانِ. ثُمَّ يَسْأَلُهُمْ، مُسْتَنْكِراً تَرَدُّدَهُمْ فِي الاسْتِجَابَةِ للهِ وَرَسُولِهِ: مَا الذِي يَنْتَظِرُونَ، وَمَاذَا يَتَرَقَّبُونَ؟ وَهَلْ سَيَبْقَوْنَ فِي تَرَدُّدِهِمْ حَتَّى يَوْمِ القِيَامَةِ وَالحَشْرِ يَوْمَ يَأْتِي اللهُ تَعَالَى فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ لِمُحَاسَبَةِ الخَلاَئِقِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَتَوْفِيَتِهِمْ جَزَاءَهُمُ العَادِلَ. وَتَأْتي المَلائِكَةُ صَفّاً لِتَنْفِيذِ مَا قَضَاهُ اللهُ وَيَقِفُونَ لاَ يَتَكَلَّمُونَ. وَفِي ذلِكَ اليَوْمِ يَجِدُ المُتَرَدِّدُونَ أَنَّ الأَمْرَ قُضِيَ، وَفَاتَتْ فُرْصَةُ التَّوْبَةِ إِلَى اللهِ، وَعَزَّتِ النَّجاةُ، وَوَقَفُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَإِلَيهِ تَرْجَعُ الأُمُورُ كُلُّهَا فَيَضَعُ كُلَّ شَيءٍ فِي المَوْضِعِ الذِي قَضَاهُ. ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ - طَاقَاتٍ مِنَ السَّحَابِ الأَبْيَضِ الرَّقِيقِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي ماذا ينتظرون؟ هل ينتظرون أن تداهمهم الأمور ويجدوا أنفسهم في كون وإن أخذ زخرفة فهو يتحول إلى هشيم تذروه الرياح، ويصير الإنسان أمام لحظة الحساب. وقوله: {هَلْ يَنظُرُونَ} [البقرة: 210] مأخوذة من النظر. والنظر هو طلب الإدراك لشيء مطلق. وطلب الإدراك لأي شيء بأي شيء يُسمى نظراً. ومثال ذلك أننا نقول لأي إنسان يتكلم في أي مسألة معنوية: أليس عندك نظر؟ أي هل تملك قوة الإدراك أم لا؟ إذن فالنظر هو طلب الإدراك للشيء، فإن طلبت أن ترى فهو النظر بالعين، وإن طلبت أن تعرف وتعلم؛ فهو النظر بالفكر وبالقلب. وأحياناً يُطلق النظر على الانتظار، وهو طلب إدراك ما يتوقع. و{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ} [البقرة: 210]، يعني هل ينتظرون إلا أن تأتيهم الساعة وتفاجئهم في الزمن الخاص؟ لأنها لن تفاجئ أحداً في الزمن العام، فسوف يكون لها آيات صغرى وآيات كبرى، ومعنى أن لها آيات صغرى وكبرى، أن ذلك دليل على أن الله يمهلنا لنتدارك أنفسنا، فلا يزال فاتحاً لباب التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها. وساعة نسمع قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ} [البقرة: 210] نقول: ما الذي يؤجل دخولهم في الإسلام كافة؟ ما الذي ينتظرونه؟ تماماً كأن تقول لشخص أمامك: ماذا تنتظر؟ كذلك الحق يحثنا على الدخول في السلم كافة وإلا فماذا تنتظرون؟ و{إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} [البقرة: 210] ساعة تقول: "يأتيهم الله" أو "جاء ربك" أو يأتي سبحانه بمثل في القرآن مما نعرفه في المخلوقين من الإتيان والمجيء وكالوجه واليد، فلتأخذه في إطار "ليس كمثله شيء" فالله موجود وأنت موجود، فهل وجودك كوجوده؟ لا. إن الله حي وأنت حي، أحياتك كحياته؟ لا. والله سميع وأنت سميع، أسمعك كسمعه؟ لا. والله بصير وأنت بصير، أبصرك كبصره؟ لا. وما دمت تعتقد أن له صفات مثلها فيك، فلتأخذها بالنسبة لله في إطار "ليس كمثله شيء". والذين يفسرون المقصود بوجه الله أنه ذاته، وبيده يعني قدرته، و "يد الله فوق أيديهم"، يعني قدرته فوق قدرتهم. نقول لهم: لماذا هذه التفسيرات؟ إننا لو أخذناه كما قال الحق عن نفسه ولكن في إطار "ليس كمثله شيء" نكون قد سلمنا من الخطأ .. لا شبهناه بخلقه، ولا عطلنا نصّاً عن معناه. ولذلك يقول المحققون: إنك تؤمن بالله كما أعطاك صورة الإيمان به لكن في إطار لا يختلف عنه عمَّا في أنه "ليس كمثله شيء"، وإن أمكن أن تتصور أي شيء فربك على خلاف ما تتصور، لأن ما خطر ببالك فإن الله سبحانه على خلاف ذلك، فبال الإنسان لا يخطر عليه إلا الصور المعلومة له، وما دامت صوراً معلومة فهي في خلق الله وهو سبحانه لا يشبه خلقه. إن ساعة يتجلى الحق، سيفاجئ الذين تصوروا الله على أية صورة، أنه سبحانه على غير ما تصوروا وسيأتيهم الله بحقيقة لم تكن في رءوسهم أبداً؛ لأنه لو كانت صورة الحق في بال البشر لكان معنى ذلك أنهم أصبحوا قادرين على تصوره، وهو القادر لا ينقلب مقدوراً عليه أبداً، ومن عظمته أن العقل لا يستطيع أن يتصوره مادياً. ولذلك ضرب الله لنا مثلاً يقرِّب لنا المسألة، فقال: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 21]. إن الروح الموجودة في مملكة جسمنا والتي إذا خرجت من إنسان صار جيفة، وعاد بعد ذلك إلى عناصر تتحلل وأبخرة تتصاعد، وهذه الروح التي في داخل كل منا لم يستطع أحد تصورها، أو تحديد مكانها أو شكلها، هذه الروح المخلوقة لله لم نستطع أن نتصورها، فكيف نستطيع أن نتصور الخالق الأعظم؟ {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ} [البقرة: 210] يعني بما لم يكن في حسبانهم. هل ينتظرون حتى يروا ذلك الكون المنسق البديع قد اندثر، والكون كله تبعثر، والشمس كورت والنجوم انكدرت، وكل شيء في الوجود تغير، وبعد ذلك يفاجأون بأنهم أمام ربهم. فماذا ينتظرون؟. إذن يجب أن ينتهزوا الفرصة قبل أن يأتي ذلك الأمر، وقبل أن تفلت الفرصة من أيديهم ويُنهي أمد رجوعهم إلى الله. لماذا يسوفون في أن يدخلوا في السلم كافة؟ ما الذي ينتظرونه؟ أينتظرون أن يتغير الله؟ أو أن يتغير منهج الله؟ إن ذلك لن يحدث. ونؤكد مرة أخرى أننا عندما نسمع شيئاً يتعلق بالحق فيما يكون مثله في البشر فلنأخذه في إطار "ليس كمثله شيء". فكما أنك آمنت بأن لله ذاتاً لا كالذوات، فيجب أن تعلم أن لله صفات ليست كالصفات، وأن لله أفعالاً ليست كالأفعال، فلا تجعل ذات الله مخالفة لذوات الناس؛ ثم تأتي في الصفات التي قال الله فيها عن نفسه وتجعلها مثل صفات الناس، فإذا كان الله يجيء؛ فلا تتصور مجيئه أنه سيترك مكاناً إلى مكان، فهو سبحانه يكون في مكان بما لا يخلو عنه مكان، تلك هي العظمة. فإذا قيل: {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ} [البقرة: 210] فلا تظن أن إتيانه كإتيانك؛ لأن ذاته ليست كذاتك، ولأن الناس في اختلاف درجاتهم تختلف أفعالهم، فإذا كان الناس يختلفون في الأفعال باختلاف منازلهم، وفي الصفات باختلاف منازلهم، فالحق منزه عن كل شيء وكل تصور، ولنأخذ كل شيء يتعلق به في إطار "ليس كمثله شيء"؛ ففعل ربك يختلف عن فعلك. وإياك أن تُخضع فعله لقانون فعلك؛ لأن فعلك يحتاج إلى علاج وإلى زمن يختلف باختلاف طاقتك وباختلاف قدرتك، والله لا يفعل الأشياء بعلاج بحيث تأخذ منه زمناً ولكنه يقول: "كن فيكون". كأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يعطينا صورة عن الإنجاز الذي لا دخل لاختيار البشر في أن يخالفوا فيه فيقول: ساعة يجيء الأمر انخلعت كل قدرة لمخلوق عن ذلك الأمر وأصبح الأمر لله وحده. و{فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ} [البقرة: 210]. فيه شيء يظلك وفيه شيء تستظل به، والشيء الذي يظلك لا يكون لك ولاية عليه في أن يظلك إلاّ أن ترى أين ظله وتذهب إليه، وشيء آخر تستطيع أنت التصرف فيه كالمظلة تفتحها في أي مكان تريد. وكلمة "ظلل" معناها أنها تستر عنك مصدر الضوء؛ ولذلك حينما أراد الحق سبحانه وتعالى أن يصور لنا ذلك قال: {أية : وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ ..}تفسير : [لقمان: 32]. أي جاءهم الفزع الأكبر كالظلة محيطاً بهم، فكأن الله يريد أن يخبرنا أن الكون سيندثر وسيأتيك الأمر المفزع، الأمر المفجع، والمؤمن كان يتوقعه، وسيدخل عليه برداً وسلاماً؛ لأنه ما آمن من أجله، لكن الكافر سيصاب بالفزع الأكبر؛ لأنه فوجىء بشيء لم يكن في حسابه. وقارن بين مجيء الأمر لمن يؤمله، وبين مجيء الأمر لمن لا يؤمله. إن الحق سبحانه وتعالى قال: ساعة تجيء هذه الظلل والملائكة فقد قضى الأمر. وعندما تسمع "قضي الأمر" فاعلم أن المراد أن الفرصة أفلتت من أيدي الناس، فمن لم يرجع إلى ربه قبل الآن فليست له فرصة أن يرجع. ومثال ذلك ما قاله الحق في قصة نوح: {أية : وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ ..}تفسير : [هود: 44]. أي انتهى كل شيء، ولم يعد للناس قدرة على أن يرجعوا عما كانوا فيه فالله يقول: ماذا تنتظرون؟ هل تنتظرون حتى يأتيكم هذا اليوم؟ لابد أن تنتهزوا الفرصة لترجعوا إلى ربكم قبل أن تفلت منكم فرصة العودة. "وإلى الله تَرجع الأمور"، ومرة تأتي "وإلى الله تُرجع الأمور". وفيه فرق بين "تَرجع الأمور" بفتح التاء وبين "تُرجع الأمور" بضم التاء. فكأن الأمور مندفعة بذاتها، ومرة تساق إلى الله. إن الراغب سيرجع إلى ربه بنفسه؛ لأنه ذاهب إلى الخير الذي ينتظره، أما غير الراغب والذي كان لا يرجو لقاء ربه فَسَيُرجَع بالرغم عنه، تأتي قوة أخرى تُرجعه، فمن لم يجيء رغَباً يأتي رهَباً. ويقول الحق بعد ذلك: {سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا فيه من الوعيد الشديد والتهديد ما تنخلع له القلوب، يقول تعالى: هل ينتظر الساعون في الفساد في الأرض، المتبعون لخطوات الشيطان، النابذون لأمر الله إلا يوم الجزاء بالأعمال، الذي قد حشي من الأهوال والشدائد والفظائع، ما يقلقل قلوب الظالمين، ويحق به الجزاء السيئ على المفسدين. وذلك أن الله تعالى يطوي السماوات والأرض، وتنثر الكواكب، وتكور الشمس والقمر، وتنزل الملائكة الكرام، فتحيط بالخلائق، وينزل الباري [تبارك] تعالى: { فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ } ليفصل بين عباده بالقضاء العدل. فتوضع الموازين، وتنشر الدواوين، وتبيض وجوه أهل السعادة وتسود وجوه أهل الشقاوة، ويتميز أهل الخير من أهل الشر، وكل يجازى بعمله، فهنالك يعض الظالم على يديه إذا علم حقيقة ما هو عليه. وهذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، المثبتين للصفات الاختيارية، كالاستواء، والنزول، والمجيء، ونحو ذلك من الصفات التي أخبر بها تعالى، عن نفسه، أو أخبر بها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، فيثبتونها على وجه يليق بجلال الله وعظمته، من غير تشبيه ولا تحريف، خلافا للمعطلة على اختلاف أنواعهم، من الجهمية، والمعتزلة، والأشعرية ونحوهم، ممن ينفي هذه الصفات، ويتأول لأجلها الآيات بتأويلات ما أنزل الله عليها من سلطان، بل حقيقتها القدح في بيان الله وبيان رسوله، والزعم بأن كلامهم هو الذي تحصل به الهداية في هذا الباب، فهؤلاء ليس معهم دليل نقلي، بل ولا دليل عقلي، أما النقلي فقد اعترفوا أن النصوص الواردة في الكتاب والسنة، ظاهرها بل صريحها، دال على مذهب أهل السنة والجماعة، وأنها تحتاج لدلالتها على مذهبهم الباطل، أن تخرج عن ظاهرها ويزاد فيها وينقص، وهذا كما ترى لا يرتضيه من في قلبه مثقال ذرة من إيمان. وأما العقل فليس في العقل ما يدل على نفي هذه الصفات، بل العقل دل على أن الفاعل أكمل من الذي لا يقدر على الفعل، وأن فعله تعالى المتعلق بنفسه والمتعلق بخلقه هو كمال، فإن زعموا أن إثباتها يدل على التشبيه بخلقه، قيل لهم: الكلام على الصفات، يتبع الكلام على الذات، فكما أن لله ذاتا لا تشبهها الذوات، فلله صفات لا تشبهها الصفات، فصفاته تبع لذاته، وصفات خلقه، تبع لذواتهم، فليس في إثباتها ما يقتضي التشبيه بوجه. ويقال أيضا، لمن أثبت بعض الصفات، ونفى بعضا، أو أثبت الأسماء دون الصفات: إما أن تثبت الجميع كما أثبته الله لنفسه، وأثبته رسوله، وإما أن تنفي الجميع، وتكون منكرا لرب العالمين، وأما إثباتك بعض ذلك، ونفيك لبعضه، فهذا تناقض، ففرق بين ما أثبته، وما نفيته، ولن تجد إلى الفرق سبيلا فإن قلت: ما أثبته لا يقتضي تشبيها، قال لك أهل السنة: والإثبات لما نفيته لا يقتضي تشبيها، فإن قلت: لا أعقل من الذي نفيته إلا التشبيه، قال لك النفاة: ونحن لا نعقل من الذي أثبته إلا التشبيه، فما أجبت به النفاة، أجابك به أهل السنة، لما نفيته. والحاصل أن من نفى شيئا وأثبت شيئا مما دل الكتاب والسنة على إثباته، فهو متناقض، لا يثبت له دليل شرعي ولا عقلي، بل قد خالف المعقول والمنقول.

همام الصنعاني

تفسير : 243- عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ}: [الآية: 210]، قال: يأتيهم الله في ظُللٍ من الغمام وتأتيهم الملائكة عند الموت.