٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
211
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: {سَلْ } كان في الأصل اسأل فتركت الهمزة التي هي عين الفعل لكثرة الدور في الكلام تخفيفاً، ونقلت حركتها إلى الساكن الذي قبلها، وعند هذا التصريف استغني عن ألف الوصل، وقال قطرب: يقال سأل يسأل مثل زأر الأسد يزأر، وسأل يسأل، مثل خاف يخاف، والأمر فيه: سل مثل خف، وبهذا التقدير قرأ نافع وابن عامر {سَأَلَ سَائِلٌ } على وزن قال، وكال، وقوله: {كَمْ } هو اسم مبني على السكون موضوع للعدد، يقال إنه من تأليف كاف التشبيه مع {مَا } ثم قصرت (ما) وسكنت الميم، وبنيت على السكون لتضمنها حرف الاستفهام، وهي تارة تستعمل في الخبر وتارة في الاستفهام وأكثر لغة العرب الجر به عند الخبر، والنصب عند الاستفهام، ومن العرب من ينصب به في الخبر، ويجر به في الاستفهام، وهي ههنا يحتمل أن تكون استفهامية، وأن تكون خبرية. المسألة الثانية: اعلم أنه ليس المقصود: سل بني إسرائيل ليخبروك عن تلك الآيات فتعلمها وذلك لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان عالماً بتلك الأحوال بإعلام الله تعالى إياه، بل المقصود منه المبالغة في الزجر عن الإعراض عن دلائل الله تعالى، وبيان هذاالكلام أنه تعالى قال:{أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } تفسير : [البقرة: 208] فأمر بالإسلام ونهى عن الكفر، ثم قال: {فَإِن زَلَلْتُمْ مّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ } أي فإن أعرضتم عن هذا التكليف صرتم مستحقين للتهديد بقوله: {أية : فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } تفسير : [البقرة: 209] ثم بين ذلك التهديد بقوله: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ } تفسير : [البقرة: 210] ثم ثلث ذلك التهديد بقوله: {سَلْ بَنِى إِسْرٰءيلَ } يعني سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها، لا جرم استوجبوا العقاب من الله تعالى، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات الله لوقعوا في العذاب كما وقع أولئك المتقدمون فيه، والمقصود من ذكر هذه الحكاية أن يعتبروا بغيرهم، كما قال تعالى: {أية : فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ } تفسير : [الحشر: 2] وقال: {أية : لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ } تفسير : [يوسف: 111] فهذا بيان وجه النظم. المسألة الثالثة: فرق أبو عمرو في {سَلْ } بين الاتصال بواو وفاء وبين الاستئناف، فقرأ {سَلْهُمْ } و {سَلْ بَنِى إِسْرٰءيلَ } بغير همزة {أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] فاسأل الذين يقرؤن الكتاب، {أية : وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ } تفسير : [النساء: 32] بالهمز، وسوى الكسائي بين الكل، وقرأ الكل بغير همز وجه الفرق أن التخفيف في الاستئناف وصلة إلى إسقاط الهمزة المبتدأة وهي مستقلة وليس كذلك في الاتصال والكسائي اتبع المصحف، لأن الألف ساقطة فيها أجمع. المسألة الرابعة: قوله: {مِّنْ آيَةٍ بَيّنَةٍ } فيه قولان أحدها: المراد به معجزات موسى عليه السلام، نحو فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، ونتق الجبل، وتكليم الله تعالى لموسى عليه السلام من السحاب، وإنزال التوراة عليهم، وتبيين الهدى من الكفر لهم، فكل ذلك آيات بينات. والقول الثاني: أن المعنى؛ كم آتيناهم من حجة بينة لمحمد عليه الصلاة والسلام، يعلم بها صدقه وصحة شريعته. أما قوله تعالى: {وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء {وَمَن يُبَدّلْ } بالتخفيف. المسألة الثانية: قال أبو مسلم: في الآية حذف، والتقدير: كم آتيناهم من آية بينة وكفروا بها لكن لا يدل على هذا الإضمار قوله: {وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ }. المسألة الثالثة: في نعمة الله ههنا قولان أحدهما: أن المراد آياته ودلائله وهي من أجل أقسام نعم الله لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة، ثم على هذا القول في تبديلهم إياها وجهان فمن قال المراد بالآية البينة معجزات موسى عليه السلام، قال: المراد بتبديلها أن الله تعالى أظهرها لتكون أسباب هداهم فجعلوها أسباب ضلالاتهم كقوله: {أية : فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ } تفسير : [التوبة: 125] ومن قال: المراد بالآية البينة ما في التوراة والإنجيل من دلائل نبوة محمد عليه السلام، قال: المراد من تبديلها تحريفها وإدخال الشبهة فيها. والقول الثاني: المراد بنعمة الله ما آتاهم الله من أسباب الصحة والأمن والكفاية والله تعالى هو الذي أبدل النعمة بالنقمة لما كفروا، ولكن أضاف التبديل إليهم لأنه سبب من جهتهم وهو ترك القيام بما وجب عليهم من العمل بتلك الآيات البينات. أما قوله تعالى: {مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ } فإن فسرنا النعمة بإيتاء الآيات والدلائل كان المراد من قوله: {مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ } أي من بعد ما تمكن من معرفتها، أو من بعد ما عرفها كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } تفسير : [البقرة: 75] لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها، فكأنها غائبة عنه، وإن فسرنا النعمة بما يتعلق بالدنيا من الصحة والأمن والكفاية، فلا شك أن عند حصول هذه الأسباب يكون الشكر أوجب فكان الكفر أقبح، فلهذا قال: {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } قال الواحدي رحمه الله تعالى: وفيه إضمار، والمعنى شديد العقاب له، وأقول: بين عبد القاهر النحوي في كتاب «دلائل الإعجاز» أن ترك هذا الإضمار أولى، وذلك لأن المقصود من الآية التخويف بكونه في ذاته موصوفاً بأنه شديد العقاب، من غير التفات إلى كونه شديد العقاب لهذا أو لذلك، ثم قال الواحدي رحمه الله: والعقاب عذاب يعقب الجرم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} «سَلْ» من السؤال: بتخفيف الهمزة، فلما تحرّكت السين لم يحتج إلى ألف الوصل. وقيل: إن للعرب في سقوط ألف الوصل في «سل» وثبوتها في «وٱسأل» وجهين: أحدهما ـ حذفها في إحداهما وثبوتها في الأُخرى، وجاء القرآن بهما، فٱتبع خط المصحف في إثباته للهمزة وإسقاطها. والوجه الثاني ـ أنه يختلف إثباتها وإسقاطها باختلاف الكلام المستعمل فيه، فتحذف الهمزة في الكلام المبتدأ؛ مثل قوله: {سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}، وقوله: {أية : سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ} تفسير : [ن: 40]. وثبت في العطف؛ مثل قوله: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82]، {أية : وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [النساء: 32] قاله عليّ بن عيسى. وقرأ أبو عمرو في رواية ٱبن عباس عنه «اسأل» على الأصل. وقرأ قوم «اسَلْ» على نقل الحركة إلى السين وإبقاء ألف الوصل، على لغة من قال: الأحْمَر. و «كَمْ» في موضع نصب، لأنها مفعول ثان لآتيناهم. وقيل: بفعل مضمر، تقديره كم آتينا آتيناهم. ولا يجوز أن يتقدّمها الفعل لأن لها صدر الكلام. «مِنْ آيَةٍ» في موضع نصب على التمييز على التقدير الأوّل، وعلى الثاني مفعول ثان لآتيناهم؛ ويجوز أن تكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر في آتيناهم؛ ويصير فيه عائد على كم، تقديره: كم آتيناهموه، ولم يعرب وهي ٱسم لأنها بمنزلة الحروف لما وقع فيه معنى الاستفهام؛ وإذا فرّقت بين كم وبين الاسم كان الاختيار أن تأتي بِمن كما في هذه الآية، فإن حذفتها نصبت في الاستفهام والخبر، ويجوز الخفض في الخبر كما قال الشاعر: شعر : كم بِجودٍ مُقْرِفٍ نَال العُلاَ وكرِيم بُخلُه قد وَضَعه تفسير : والمراد بالآية كم جاءهم في أمر محمد عليه السلام من آية مُعَرِّفةٍ به دالة عليه. قال مجاهد والحسن وغيرهما: يعني الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام من فَلْق البحر والظُّلَل من الغمام والعصا واليد وغير ذلك. وأمر الله تعالى نبيّه بسؤالهم على جهة التقريع لهم والتوبيخ. قوله تعالى: {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ} لفظ عام لجميع العامة، وإن كان المشار إليه بني إسرائيل؛ لكونهم بدّلوا ما في كتبهم وجحدوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم؛ فاللفظ منسحب على كل مبدّل نعمة الله تعالى. وقال الطبريّ: النعمة هنا الإسلام؛ وهذا قريب من الأوّل. ويدخل في اللفظ أيضاً كفّار قريش؛ فإن بعث محمد صلى الله عليه وسلم فيهم نعمة عليهم؛ فبدّلوا قبولها والشكر عليها كفراً. قوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} خبر يتضمن الوعيد. والعقاب مأخوذ من العَقِب؛ كأن المعاقب يمشي بالمجازاة له في آثار عقبه؛ ومنه عُقْبَة الراكب وَعُقْبَة القِدْرِ. فالعقاب والعقوبة يكونان بعقب الذَّنْب؛ وقد عاقبه بذنبه.
البيضاوي
تفسير : {سَلْ بَنِي إِسْرٰءِيلَ} أمر للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لكل أحد والمراد بهذا السؤال تقريعهم. {كَمْ آتَيْنَـٰهُم مّنْ آيَةٍ بَيّنَةٍ} معجزة ظاهرة، أو آية في الكتب شاهدة على الحق والصواب على أيدي الأنبياء، و {كَمْ} خبرية أو استفهامية مقررة ومحلها النصب على المفعولية أو الرفع بالابتداء على حذف العائد من الخبر إلى المبتدأ. وآية مميزها. ومن للفصل. {وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ} أي آيات الله فإنها سبب الهدى الذي هو أجل النعم، يجعلها سبب الضلالة وازدياد الرجس، أو بالتحريف والتأويل الزائغ. {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ} من بعد ما وصلت إليه وتمكن من معرفتها، وفيه تعريض بأنهم بدلوها بعد ما عقلوها ولذلك قيل تقديره فبدلوها {وَمَن يُبَدّلْ}. {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} فيعاقبه أشد عقوبة لأنه ارتكب أشد جريمة.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن بني إسرائيل: كم شاهدوا مع موسى من آية بينة، أي: حجة قاطعة بصدقه فيما جاءهم به، كيده، وعصاه، وفلقه البحر، وضرب الحجر، وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدة الحر، ومن إنزال المن والسلوى، وغير ذلك من الآيات الدالات على وجود الفاعل المختار، وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه، ومع هذا أعرض كثير منهم عنها، وبدلوا نعمة الله كفراً، أي: استبدلوا بالإيمان بها الكفر بها والإعراض عنها {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} كما قال تعالى إخباراً عن كفار قريش: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ }تفسير : [إبراهيم: 28 ـ 29] ثم أخبر تعالى عن تزيينه الحياة الدنيا للكافرين الذين رضوا بها، واطمأنوا إليها، وجمعوا الأموال، ومنعوها عن مصارفها التي أمروا بها؛ مما يرضي الله عنهم، وسخروا من الذين آمنوا، الذين أعرضوا عنها، وأنفقوا ما حصل لهم منها في طاعة ربهم، وبذلوه ابتغاء وجه الله، فلهذا فازوا بالمقام الأسعد والحظ الأوفر يوم معادهم، فكانوا فوق أولئك في محشرهم ومنشرهم ومسيرهم ومأواهم، فاستقروا في الدرجات في أعلى عليين، وخلد أولئك في الدركات في أسفل سافلين، ولهذا قال تعالى: {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي: يزرق من يشاء من خلقه، ويعطيه عطاء كثيراً جزيلاً، بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديث: «حديث : ابن آدم أنفق أنفق عليك»تفسير : وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنفق بلالاً، ولا تخش من ذي العرش إقلالاً»تفسير : وقال تعالى: {أية : وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ}تفسير : [سبأ: 39] وفي الصحيح: «حديث : أن ملكين ينزلان من السماء صبيحة كل يوم، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً»تفسير : وفي الصحيح: «حديث : يقول ابن آدم: مالي، مالي. وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، وما لبست فأبليت، وما تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس»تفسير : وفي مسند الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له».
المحلي و السيوطي
تفسير : { سَلْ } يا محمد {بَنِى إِسْرٰءيلَ } تبكيتاً {كَمْ ءَاتَيْنٰهُم } (كم) استفهامية معلقة (سل) عن المفعول الثاني وهي ثاني مفعولي آتينا ومميزها {مّنْ ءَايَةٍ بَيّنَةٍ } ظاهرة كفلق البحر وإنزال المنّ والسلوى فبَّدلوها كفراً {وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ } أي ما أنعم به عليه من الآيات لأنها سبب الهداية {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ } كفراً {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } له.
الشوكاني
تفسير : المأمور بالسؤال لبني إسرائيل هو النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يكون هو كل فرد من السائلين، وهو سؤال تقريع وتوبيخ. و{كَمْ } في محل نصب بالفعل المذكور بعدها على أنها مفعول بآتي، ويجوز أن ينتصب بفعل مقدّر دلّ عليه المذكور. أي: كم آتينا آتيناهم، وقُدِّر متأخراً؛ لأن لها صدر الكلام، وهي إما استفهامية للتقرير، أو خبرية للتكثير. و{مّنْ ءَايَةٍ } في موضع نصب على التمييز، وهي البراهين التي جاء بها أنبياؤهم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: المراد بذلك الآيات التي جاء بها موسى، وهي التسع. والمراد بالنعمة هنا: ما جاءهم من الآيات. وقال ابن جرير الطبري: النعمة هنا الإسلام، والظاهر دخول كل نعمة أنعم الله بها على عبد من عباده كائناً من كان، فوقع منه التبديل لها، وعدم القيام بشكرها، ولا ينافي ذلك كون السياق في بني إسرائيل، أو كونهم السبب في النزول لما تقرر من أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وفي قوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } من الترهيب، والتخويف ما لا يقادر قدره. قوله: {زُيّنَ } مبني للمجهول، والمُزَيِّن: هو الشيطان، أو الأنفس المجبولة على حبّ العاجلة. والمراد بالذين كفروا: رؤساء قريش، أو كل كافر. وقرأ مجاهد، وحميد بن قيس: «زين» على البناء للمعلوم. قال النحاس: وهي قراءة شاذة؛ لأنه لم يتقدّم للفاعل ذكر. وقرأ ابن أبي عبلة: «زينت» وإنما خص الذين كفروا بالذكر مع كون الدنيا مزينة للمسلم، والكافر كما وصف سبحانه بأنه جعل ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملاً؛ لأن الكافر افتتن بهذا التزيين، وأعرض عن الآخرة، والمسلم لم يفتتن به؛ بل أقبل على الآخرة. قوله: {وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } هذه الجملة في محل نصب على الحال. أي: والحال أن أولئك الكفار يسخرون من الذين آمنوا لكونهم فقراء لا حظّ لهم من الدنيا كحظ رؤساء الكفر، وأساطين الضلال، وذلك: لأن عرض الدنيا عندهم هو الأمر الذي يكون من ناله سعيداً رابحاً، ومن حُرِمَه شقياً خاسراً. وقد كان غالب المؤمنين إذ ذاك فقراء لاشتغالهم بالعبادة، وأمر الآخرة، وعدم التفاتهم إلى الدنيا وزينتها. وحكى الأخفش أنه يقال: سخرت منه، وسخرت به، وضحكت منه، وضحكت به، وهزأت منه، وهزأت به، والاسم السخرية، والسّخْري. ولما وقع من الكفار ما وقع من السخرية بالمؤمنين ردّ الله عليهم بقوله: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } والمراد بالفوقية هنا: العلوّ في الدرجة؛ لأنهم في الجنة، والكفار في النار، ويحتمل أن يراد بالفوق: المكان؛ لأن الجنة في السماء، والنار في أسفل سافلين، أو أن المؤمنين هم الغالبون في الدنيا كما وقع ذلك من ظهور الإسلام، وسقوط الكفر، وقتل أهله، وأسرهم، وتشريدهم، وضرب الجزية عليهم، ولا مانع من حمل الآية على جميع ذلك لولا التقييد بكونه في يوم القيامة. قوله: {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } يحتمل أن يكون فيه إشارة إلى أن الله سبحانه سيرزق المستضعفين من المؤمنين، ويوسع عليهم، ويجعل ما يعطيهم من الرزق بغير حساب، أي: بغير تقدير، ويحتمل أن المعنى: أن الله يوسع على بعض عباده في الرزق، كما وسع على أولئك الرؤساء من الكفار استدراجاً لهم، وليس في التوسعة دليل على أن من وسع عليه، فقد رضي عنه، ويحتمل أن يراد بغير حساب من المرزوقين كما قال سبحانه: {أية : وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } تفسير : [الطلاق: 3]. قوله: {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً } أي: كانوا على دين واحد فاختلفوا: {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيّينَ } واختلف في الناس المذكورين في هذه الآية من هم؟ فقيل هم بنو آدم. حين أخرجهم الله نسماً من ظهر آدم وقيل: آدم وحده، وسمي ناساً؛ لأنه أصل النسل، وقيل: آدم وحواء. وقيل: القرون الأولى التي كانت بين آدم ونوح. وقيل: المراد: نوح ومَنْ في سفينته، وقيل: معنى: الآية كان الناس أمة واحدة كلهم كفار فبعث الله النبيين؛ وقيل المراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم كانوا أمة واحدة في خلوّهم عن الشرائع، وجهلهم بالحقائق، لولا أن الله مَنَّ عليهم بإرسال الرسل، والأمة مأخوذة من قولهم أممت الشيء: أي: قصدته، أي: مقصدهم واحد غير مختلف. قوله: {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيّينَ } قيل: جملتهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، والرسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر. وقوله: {مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } بالنصب على الحال. قوله: {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } أي الجنس. وقال ابن جرير الطبري: إن الألف واللام للعهد والمراد التوراة. وقوله {لِيَحْكُمَ } مسند إلى الكتاب في قول الجمهور، وهو: مجاز مثل قوله تعالى: {أية : هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقّ } تفسير : [الجاثية: 29] وقيل: إن المعنى ليحكم كل نبيّ بكتابه، وقيل: ليحكم الله، والضمير في قوله: {فِيهِ } الأولى راجع إلى "ما" في قوله: {فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } والضمير في قوله: {وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ } يحتمل أن يعود إلى الكتاب، ويحتمل أن يعود إلى المُنَزَّل عليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم، قاله الزجاج؛ ويحتمل أن يعود إلى الحق، وقوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ } أي: أوتوا الكتاب، أو أوتوا الحق، أو أوتوا النبيّ: أي: أعطوا علمه. وقوله: {بَغْياً بَيْنَهُمْ } منتصب على أنه مفعول به، أي لم يختلفوا إلا للبغي: أي الحسد والحرص على الدنيا، وفي هذا تنبيه على السفه في فعلهم، والقبح الذي وقعوا فيه؛ لأنهم جعلوا نزول الكتاب سبباً في شدّة الخلاف. وقوله: {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقّ بإذنه} أي: فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الحق، وذلك بما بينه لهم في القرآن من اختلاف من كان قبلهم. وقيل: معناه: فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم للتصديق، بجميع الكتب بخلاف مَنْ قبلهم، فإن بعضهم كذَّب كتاب بعض؛ وقيل: إن الله هداهم إلى الحق من القبلة. وقيل: هداهم ليوم الجمعة. وقيل: هداهم لاعتقاد الحق في عيسى بعد أن كذّبته اليهود، وجعلته النصارى رباً، وقيل: المراد بالحق: الإسلام. وقال الفراء: إن في الآية قلباً، وتقديره: فهدى الله الذين آمنوا بالحق لما اختلفوا فيه، واختاره ابن جرير، وضعَّفه ابن عطية. وقوله: {بِإِذْنِهِ }. قال الزجاج: معناه بعلمه. قال النحاس: وهذا غلط، والمعنى بأمره. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله: {سَلْ بَنِى إِسْرٰءيلَ } قال: هم اليهود {كَمْ آتَيْنَـٰهُم مّنْ آيَةٍ بَيّنَةٍ } ما ذكر الله في القرآن، وما لم يذكر: {وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ } قال: يكفرها. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: آتاهم الله آيات بينات: عصى موسى، ويده، وأقطعهم البحر، وأغرق عدوّهم، وهم ينظرون، وظلل من الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسلوى. {وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ } يقول من يكفر بنعمة الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله: {زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } قال: الكفار يبتغون الدنيا، ويطلبونها {وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } في طلبهم الآخرة. قال ابن جريج: لا أحسبه إلا عن عكرمة. قال: قالوا: لو كان محمد نبياً لاتبعه ساداتنا، وأشرافنا، والله ما اتبعه إلا أهل الحاجة مثل ابن مسعود، وأصحابه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } يقولون: ما هؤلاء على شيء، استهزاءً، وسخرياً {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } هنا كم التفاضل. وأخرج عبد الرزاق، عن قتادة قال: فوقهم في الجنة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء قال: سألت ابن عباس، عن هذه الآية: {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } قال: تفسيرها ليس على الله رقيب، ولا من يحاسبه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال: لا يحاسب الربّ. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو يعلى، والطبراني بسند صحيح، عن ابن عباس قال: {كان الناس أمة واحدة} قال: على الإسلام كلهم. وأخرج البزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم عنه قال: كان بين آدم، ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين. قال: وكذلك في قراءة عبد الله "كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً * فَٱخْتَلَفُواْ". وأخرج ابن جرير، وابن أبَي حاتم، عن أبيّ بن كعب؛ قال: كانوا أمة واحدة حيث عرضوا على آدم، ففطرهم الله على الإسلام، وأقرّوا له بالعبودية، وكانوا أمة واحدة مسلمين، ثم اختلفوا من بعد آدم. وأخرج وكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد: كان الناس أمة واحدة قال: آدم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبيّ أنه كان يقرؤها: "كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً فَٱخْتَلَفُواْ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيّينَ" وإن الله إنما بعث الرسل، وأنزل الكتب بعد الاختلاف، {وما اختلف الذين أوتوه} يعني بني إسرائيل أوتوا الكتاب، والعلم {بغياً بينهم} يقول: بغياً على الدنيا، وطلب ملكها، وزخرفها أيهم يكون له الملك، والمهابة في الناس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس: {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً } قال: كفاراً. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة في قوله: {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : نحن الآخرون الأوّلون يوم القيامة، وأوّل الناس دخولاً يبدأ بهم، أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، فغداً لليهود، وبعد غد للنصارى» تفسير : وهو في الصحيح بدون ذكر الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم في قوله: {فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقّ بإذنه} قال: اختلفوا في يوم الجمعة، فأخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمة محمد ليوم الجمعة، واختلفوا في القبلة، فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس، وهدى أمة محمد للقبلة، واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع، ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم النهار، ومنهم من يصوم من بعد الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في إبراهيم، فقالت: اليهود كان يهودياً، وقالت النصارى كان نصرانياً، وجعله الله حنيفاً مسلماً، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى، فكذبت به اليهود، وقالوا لأمه بهتاناً عظيماً، وجعلته النصارى إلهاً وولداً، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {سَلْ بَنِي إِسْرَآءِيل كَمْ ءَاتَيْنَاهُم منْ ءَايَةِ بَيِّنَةٍ} ليس السؤال على وجه الاستخبار، ولكنه على وجه التوبيخ. وفي المراد بسؤاله بني إسرائيل، ثلاثة أقاويل: أحدها: أنبياؤهم. والثاني: علماؤهم. والثالث: جميعهم. والآيات البينات: فَلْقُ البحر، والظلل من الغمام، وغير ذلك. {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ} يعني بنعمة الله برسوله صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} في الدنيا وتزيينها لهم، ثلاثة أقاويل: أحدها: زينها لهم الشيطان، وهو قول الحسن. والثاني: زينها لهم الذين أغووهم من الإنس والجن، وهو قول بعض المتكلمين. والثالث: أن الله تعالى زينها لهم بالشهوات التي خلقها لهم. {وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ} لأنهم توهموا أنهم على حق، فهذه سخريتهم بضعفة المسلمين. وفي الذي يفعل ذلك قولان: أحدهما: أنهم علماء اليهود. والثاني: مشركو العرب. {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} يعني أنهم فوق الكفار في الدنيا. {وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. فإن قيل: كيف يرزق من يشاء بغير حساب وقد قال تعالى: {أية : عَطَاءً حِسَاباً} تفسير : [النبأ: 36] ففي هذا ستة أجوبة: أحدها: أن النقصان بغير حساب، والجزاء بالحساب. والثاني: بغير حساب لسعة ملكه الذي لا يفنى بالعطاء، لا يقدر بالحساب. والثالث: إن كفايتهم بغير حساب ولا تضييق. والرابع: دائم لا يتناهى فيصير محسوباً، وهذا قول الحسن. والخامس: أن الرزق في الدنيا بغير حساب، لأنه يعم به المؤمن والكافر فلا يرزق المؤمن على قدر إيمانه ولا الكافر على قدر كفره. والسادس: أنه يرزق المؤمنين في الآخرة وأنه لا يحاسبهم عليه ولا يَمُنُ عليهم به.
ابن عبد السلام
تفسير : {سَلْ بَنِى إِسْرَآءِيلَ} توبيخاً لهم، أراد علماءهم، أو أنبياءهم، أو جميعهم. {ءَايَةٍ بَيِّنَةٍ} فلق البحر، وتظليل الغمام وغيرهما. {نِعْمَةَ اللَّهِ} العلم برسوله صلى الله عليه وسلم.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ...}. (قال ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق أنهم إن زلوا بعد الآيات البينات عوقبوا نبّه بهذه الآية على مساواة حالهم لبني إسرائيل، إذ جاءتهم بينات كثيرة فزلّوا وتولّوا فعوقبوا). قال ابن عطية: أي كم جاءتهم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم من آية دالة عليه. قال الزمخشري: {كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ} (دالة) على الذي آتيناهم أو من آية دالة على صحة دين محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن عرفة: الأول راجع للثاني لأنه (إن) أراد بالآيات المعجزات الصادرة عن أنبيائهم دلالة على صدقهم فلا يناسب ذكره هنا عقب هذه الآية. (وإن) أراد بذلك أن (أنبياءهم) أخبروهم بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم وصفته وصحة نبوته فيرجع إلى الوجه الثاني. قوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}. الصواب: أن يكون على إضمار الجواب وهذا تعليل له (أي) فليعلم أن الله يعاقبه فإن الله شديد العقاب.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {ليحكم} بضم الياء وفتح الكاف: يزيد. وكذلك في آل عمران والنور في موضعين. الباقون بفتح الياء وضم الكاف {يقول} برفع اللام: نافع. الباقون: بالنصب. الوقوف: {بينة} ط لانتهاء الاستفهام إلى الشرط مع تقدير حذف أي فبدّلوا ومن يبدل الخ {العقاب} ه {من الذين آمنوا} م لأن و "الذين" مبتدأ و "فوقهم" خبره. ولو وصل صار "فوقهم" ظرفاً ليسخرون أو حالاً لفاعل "يسخرون" وقبحه ظاهر. {يوم القيامة} ط {حساب} ه {ومنذرين} ص لعطف المتفقتين {فيما اختلفوا فيه} ط {بينهم} ج لعطف المختلفتين {بإذنه} ط {مستقيم} ه {من قبلكم} ط للفصل بين الاستفهام والإخبار لأن قوله "ولما يأتكم" عطف على "أم حسبتم" تقديره أحسبتم ولم يأتكم. {متى نصر الله} ط {قريب} ه. التفسير: أنه سبحانه لما أمر بالسلم ونهى عن مقابلها ثم قال: {أية : فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات} تفسير : [البقرة: 209] أي فإن أعرضتم عن هذا التكليف صرتم مستحقين للتهديد. ثم بين ذلك التهديد بقوله {أية : فأعلموا أن الله عزيز حكيم} تفسير : [البقرة: 209] ثم ثنى ذلك التهديد بقوله {أية : هل ينظرون} تفسير : [البقرة: 210] الآية ثم ثلث التهديد بقوله {سل بني إسرائيل} والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد. وهذا السؤال سؤال تقريع كما يسأل الكفرة يوم القيامة، وإلا فكثرة الآيات التي أوتوها معلومة بإعلام الله تعالى. والمراد سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها لا جرم استوجبوا العقاب من الله تعالى، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات الله لوقعوا في العذاب كما وقع أولئك المتقدمون كي يعتبروا ويتعظوا. و "كم" تحتمل الاستفهامية والخبرية، و {من آية} مميزها، وقد فصل بين المميز وبينها بالفعل. فإن كانت استفهامية فالتقدير: سلهم عن عدد إيتائنا الآيات إياهم حتى يخبروك عن كميتها. وإن كانت خبرية فالمعنى: سلهم عن أنا كثيراً من الآيات آتيناهم. والآيات الواضحات إما معجزات موسى عليه السلام كفرق البحر وتظليل الغمام وتكليم الله إياه والعصا واليد ونحوها وهي تسع {أية : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} تفسير : [الإسراء: 101] وإما الدلائل الدالة على صحة دين الإسلام فمنهم من آمن وأقر ومنهم من جحد وبدل {ومن يبدل نعمة الله} قيل: إنها الآيات والدلائل الدالة على صحة دين الإسلام وهي أجل أقسام النعم، لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة. ثم إن قلنا: الآيات معجزات موسى فتبديلها أن الله تعالى أظهرها لتكون أسباب هدايتهم فجعلوها أسباب ضلالتهم كقوله {أية : فزادتهم رجساً إلى رجسهم} تفسير : [التوبة: 125] وإن قلنا: الآية البينة هي ما في التوراة والإنجيل من الدلائل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فتبديلها تحريفها وإدخال الشبه فيها. وقيل: المراد بنعمة الله ما آتاهم من أسباب الصحة والأمن والكفاية، فتبديلها أنهم لم يجعلوها واسطة الطاعة والقيام بما عليهم من التكاليف، بل استعملوها في غير ما أوتيت هي لأجله. وعلى هذا فقوله {من بعد ما جاءته} معناه ظاهر، وأما على القول الأول وهو أن المراد من النعمة لآيات فمعنى مجيئها التمكن من معرفتها أو عرفانها كقوله {أية : ثم يحرفونه من بعدما عقلوه} تفسير : [البقرة: 75] لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها فكأنها غائبة. {فإن الله شديد العقاب} قال الواحدي: الرابطة محذوفة أي له. والتحقيق أن ترك هذا الإضمار أولى فإنه إذا علم كونه تعالى موصوفاً بهذا الوصف لزم من ذلك أنه يعاقب المبدل إن شاء، ولكن لا يلزم من كونه شديد العقاب للمبدّل كونه متصفاً بذلك وصفاً ذاتياً. ثم قال الواحدي. والعقاب عذاب يعقب الجرم. ثم إنه تعالى ذكر السبب الذي لأجله كان التبديل سيرتهم فقال: {زين للذين كفروا} الآية. والغرض تعريف المؤمنين ضعف عقول الكفار في ترجيح الفاني من زينة الدنيا على الباقي من نعيم الآخرة، والتذكير في زين إما لأن الحياة والإحياء واحد، أو للفصل مع أن التأنيث ليس بحقيقي. عن ابن عباس أن الآية نزلت في أبي جهل وأضرابه من كبار قريش. وقيل: رؤساء اليهود وعلمائهم. وعن مقاتل: نزلت في المنافقين. ولا مانع من نزولها في جميعهم لأن كلهم وهم في التنعم والراحة كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين والمهاجرين. ثم المزين من هو؟ فعن المعتزلة أنهم غواة الجن والإنس قبحوا أمر الآخرة في أعين الكفار وأوهموا أن لا صحة لها فلا تنغصوا عيشكم في الدنيا كقول من قال: شعر : أتترك لذة الصهباء نقداً بما وعدوك من لبن وخمر؟ تفسير : قالوا: وأما الذي يقوله المجبرة من أنه تعالى زين ذلك فباطل. لأن المزين للشيء هو المخبر عن حسنه، وإذا كان المزين هو الله تعالى فلا بد أن يكون صادقاً في ذلك الإخبار، فيكون فاعله المستحسن له مصيباً. وإن كان كافراً وإصابة الكافر كفر فهذا القول كفر، وزيف بأن مزين الكفر لجميع الكفار لا بد أن يكون خارجاً منهم. وقولهم: "المزين للشيء هو المخبر عن حسنه" مردود، وإنما المزين من يجعل الشيء موصوفاً بالأوصاف الحسنة. سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن الله تعالى يكون مخبراً عن حسنه من حيث إنه أخبر عما فيها من اللذات والراحات؟ وهذا إخبار عما ليس بكذب والتصديق به ليس بكفر. وقال أبو مسلم: الكفار زينوا لأنفسهم والعرب تقول: "أين يذهب بك" لا يريدون أن ذاهباً ذهب به ومنه قوله تعالى {أية : أنى يؤفكون} تفسير : [المائدة: 75] {أية : أنى يصرفون} تفسير : [غافر: 69]. ولما كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهراً فالإنسان بالحقيقة هو الذي زين لنفسه. والتحقيق أن المزين هو الله تعالى كما صرح بذلك في قوله {أية : إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً} تفسير : [الكهف: 7] وكيف لا وانتهاء جميع الحوادث إليه أظهر في الدنيا من الزهرة والنضارة والطيب والحلاوة، وركب في الطبائع حب الشهوات والميل إلى الطيبات، لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه، بل مع إمكان رد النفس عنها ليجاهد المؤمن هواه فيقصر نفسه على المباح ويكفها عن الحرام ويتم غرض الابتلاء. أو نقول: المراد من التزيين أنه تعالى أمهلهم في الدنيا ولم يمنعهم عن الإقبال عليها والحرص الشديد في طلبها. وقيل: إن الله تعالى زين من الحياة الدنيا ما كان من المباحات دون المحظورات وهو ضعيف، لأن الله تعالى خص بهذا التزيين الكفار وتزيين المباحات لا يختص بالكفار. وإن قيل: المراد من تزيين المباح للكافر أنه دائم السرور به. وإن قلت: ذات يده لكونه معقود الهمة به لا عيش عنده إلا عيش الدنيا، بخلاف المؤمن فإن تمتعه من طيبات الدنيا وبهجتها وإن كثر ماله وجاهه مكدر بالخوف والوجل من الحساب في الآخرة. قلنا: تزيين المباح في نظر الكافر بحيث يفضي به إلى الاشتغال عن الآخرة مستقبح. أيضاً فالكلام فيه كالكلام في تزيين المحظور فيبقى الإشكال بحاله ولا مخلص إلا بإسناد الكل إليه تعالى بعد تذكر ما سلف لنا مراراً في حقيقة الجبر والقدر. ولما أخبر الله تعالى عنهم بأنه زين لهم الحياة العاجلة أخبر عنهم بعد ذلك بفعل يديمونه فقال: {ويسخرون من الذين آمنوا} كابن مسعود وعمار وصهيب وغيرهم يقولون: هؤلاء المساكين تركوا طيبات الدنيا وتحملوا المتاعب لطلب الآخرة. ولا يخفى أنه لو بطل حديث المعاد لكان لهذه السخرية وجه، لكنه لو ثبت القول بالمعاد وصح كانت السخرية منقلبة عليهم لأنهم أعرضوا عن الملك الأبدي والنعيم المقيم بسبب لذات حقيرة في أنفاس معدودة فلهذا قال سبحانه {والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة} أما بالمكان فلأنهم في عليين وهم في سجين، وأما بالرتبة والشرف فلأنهم في معارج الأنس وهم في هاوية الهوان. ويحتمل أن يراد أنهم فوقهم بالحجة لأن حجج الكفار وشبههم كان تؤثر بوسوسة الشيطان، وبمجرد استبعاد أمر المعاد وحجج المتقين يوم القيامة تستند إلى العيان وبمدد الرحمن {أية : ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً قالوا نعم} تفسير : [الأعراف: 44] أو يراد أن سخرية المؤمنين بالكافرين يوم القيامة لكونها حقة وباقية فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا لكونها باطلة ومنقضية. وفي قوله {والذين اتقوا} دون أن يقول آمنوا كما قال: {من الذين آمنوا} بعث على التقوى وأن كرامة المؤمن منوطة بها. {والله يرزق من يشاء بغير حساب} بغير تقدير. وذلك أن الكفار كانوا يستدلون بحصول الزخارف الدنيوية لهم على أنهم على الحق وبحرمان فقراء المؤمنين عنها على أنهم على الباطل، فرد الله تعالى عليهم قولهم بأن ذلك متعلق بمحض المشيئة، وقد يستتبع غاية هي الاستدراج في حق الكافر والابتلاء في حق المؤمن، أو يرزق من يشاء من مؤمن وكافر بغير حساب يكون لأحد عليه ولا مطالبة ولا سؤال سائل، فالأمر أمره والحكم حكمه ولا يسأل عما يفعل. أو من حيث لا يحتسب كما يقول الرجل "إذا جاءه ما لم يكن قد قدره ما كان هذا في حسابي" والمعنى أن الكفار وإن كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين فلعل الله تعالى يرزق المؤمنين من حيث لم يحتسبوا، ولقد فعل ذلك بهم فأغناهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ورؤساء اليهود، ويسر لهم الفتوح حتى ملكوا كنوز كسرى وقيصر، أو المراد أن ما يرزق العبد في الدنيا من الدنيا فلحرامها عذاب ولحلالها حساب، وما يرزق العبد في الآخرة من النعيم المقيم فبغير عذاب وبغير حساب. ويحتمل أن يخص الرزق في الآية بالمؤمنين في الآخرة، وعلى هذا يكون معنى {بغير حساب} أي رزقاً واسعاً وغذاء لا فناء له ولا انقطاع ولا حصر كقوله {أية : يرزقون فيها بغير حساب} تفسير : [غافر: 40] أو يقال: إن المنافع الواصلة إليهم في الجنة بعضها ثواب وبعضها تفضل كما قال {أية : فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله} تفسير : [النساء: 173] فالفضل بلا حساب إذ الحساب إنما يحتاج إليه إذا كان بحيث إذا أعطى شيئاً ينقص قدر الواجب عما كان والثواب ليس كذلك، فإنه بعد انقضاء الأدوار والأعصار يكون الثواب المستحق بحكم الوعد والفضل باقياً. فعلى هذا لا يتطرق الحساب ألبتة إلى الثواب. أو أراد أن الذي يعطى لا نسبة له إلى ما في خزائن ملكه وقدرته، فلا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي. أو معنى بغير حساب بغير استحقاق، وإنما يعطى بمجرد الفضل والإحسان. أو معناه أنه يزيد على قدر الكفاية إلى عشرة بل سبعمائة من قولهم "فلان ينفق بالحساب" إذا كان لا يزيد على قدر الكفاية. أو أنه لا يخاف نفاد ما عنده فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه. قوله سبحانه {كان الناس أمة واحدة} الآية. فيه إشارة إلى أن التباغي والتحاسد والتنازع في طلب الدنيا وطيباتها لا يختص بهذا الزمان، وإنما ذلك داء قديم في الإنسان. ثم الأمة الواحدة كانوا على الحق أو على الباطل فيه للمفسرين أقوال: الأول: أنهم كانوا على الحق واختاره المحققون لوجوه منها: قوله تعالى {ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} وهذا يدل على أن النبيين عليهم السلام بعثوا حين الاختلاف وصيرورة بعضهم مبطلاً، ولو كانوا قبل ذلك مجتمعين على الكفر لكان بعث الأنبياء إليهم حينئذ أولى. ومنها النقل المتواتر إن آدم وأولاده كانوا مسلمين مطيعين لله تعالى إلى أن قتل قابيل هابيل حسداً وبغياً. وعن ابن عباس أنه كان بين آدم وبين نوح عشرة قرون على شريعة من الحق. ومنها أن وقت الطوفان لم يبق إلا أهل السفينة وكلهم كانوا على الحق والدين الصحيح، فلعل الناس إشارة إليهم. ومنها أن الدين الحق يتوقف على النظر، والنظريات مستندة بالآخرة إلى مقدمات تعلم صحتها بضرورة العقل وإلى ترتيب. كذلك فالعقل السليم لا يغلط لو لم يعرض له سبب من خارج، فالصواب له بالذات و الخطأ بالعرض وما بالذات أقدم مما بالعرض بحسب الاستحقاق وبحسب الزمان أيضاً. فالأولى أن يقال: كان الناس على الحق ثم اختلفوا لأسباب خارجة كالبغي والحسد ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصرانه ويمجسانه ". تفسير : القول الثاني: وهو مروي عن ابن عباس والحسن وعطاء أنهم كانوا على الباطل لأن بعثة الأنبياء مترتبة على ذلك، ولو كانوا على الحق لم يحتج إلى بعثتهم. ولو قيل: إن تقدير الآية فاختلفوا فبعث الله كما قرأ به ابن مسعود، فالأصل عدم الإضمار، والقراءة الشاذة لا يعتد بها. ومتى كان الناس متفقين على الكفر؟ قالوا: من وفاة آدم إلى زمان نوح عليه السلام. كانوا كفاراً بحكم الأغلب وإن كان فيهم بعض المسلمين كهابيل وشيث وإدريس عليهم السلام كما يقال: دار الكفر وإن كان فيها مسلمون. القول الثالث: عن أبي مسلم والقاضي أبي بكر أنهم كانوا أمة واحدة في التمسك بالشرائع العقلية وهي الاعتراف بوجود الصانع وصفاته والاشتغال بخدمته وشكر نعمته والاجتناب عن القبائح العقلية كالظلم والكذب والعبث. واحتجا بأن لفظ النبيين جمع معرف فيفيد العموم، والفاء توجب التعقيب فيعلم من ذلك أن تلك الواحدة متقدمة على جميع الشرائع، فلا تكون الاستفادة من العقل، ثم سأل القاضي نفسه فقال: أوليس أول الناس آدم وأنه كان نبياً مبعوثاً؟ وأجاب بأنه يحتمل أن يكون مع أولاده متمسكين بالشرائع العقلية أولاً، ثم إن الله تعالى بعثه إلى أولاده. ويحتمل أن شريعته قد صارت مندرسة ثم رجع الناس إلى الشرائع العقلية. القول الرابع: التوقف فلا دلالة في الآية على أنهم كانوا محقين أو مبطلين. القول الخامس: أن المراد من الناس أهل الكتاب الذين آمنوا بموسى عليه السلام ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد فبعث الله النبيين ومعهم الكتب كما بعث داود ومعه الزبور وعيسى ومعه الإنجيل ومحمداً صلى الله عليه وسلم ومعه الفرقان لتكون تلك الكتب حاكمة في تلك الأشياء التي اختلفوا فيها. وهذا القول يوافق قول من قال: إن الخطاب في {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم} لأهل الكتب. فيراد بالناس إذن ناس معهودون. ثم إنه تعالى وصف النبيين بصفات ثلاث: الأولى: كونهم مبشرين، والثانية: كونهم منذرين وقدمت البشارة على الإنذار لأن البشارة تجري مجرى حفظ الصحة، والإنذار يجري مجرى إزالة المرض. أو الأول لكونه مقصود الغذاء، والثاني كتناول الدواء. والأول لكونه مقصوداً بالذات مقدم على الثاني لأنه مقصود بالعرض. الصفة الثالثة: قوله {وأنزل معهم الكتاب بالحق} وفي قوله "معهم" والضمير يعود إلى عامة النبيين دليل على أنه لا نبي إلا ومعه كتاب منزل فيه بيان الحق والباطل، طال ذلك الكتاب أم قصر، ودوّن ذلك الكتاب أو لم يدوّن، معجزاً كان أو غير معجز. قيل: إنزال الكتاب قبل وصول الأمر و النهي إلى المكلفين، ووصول الأمر والنهي إليهم قبل التبشير والإنذار، فلم قدم التبشير والإنذار على إنزال الكتاب؟ وأجيب بأن الوعد والوعيد منهم قبل بيان الشرع ممكن فيما يتصل بالعقليات من المعرفة بالله وترك الظلم وغيرهما، وبأن المكلف إنما يتحمل النظر في دلالة المعجز على الصدق. وفي الفرق بين العجز والسحر إذا خاف أنه لو لم ينظر فربما ترك الحق فيصير مستحقاً للعقاب والخوف إنما يقوى عند التبشير والإنذار فلهذا قدم ذكرهما على إنزال الكتاب. قلت: فيه فائدة أخرى لفظية هي أن لا يقع فاصلة كثيرة بين الثالثة وبين الأولين، أو بين الثالثة وبين ما رتب عليها من قوله {ليحكم} أي الكتاب لأنه أقرب. ولا محذور في نسبة الحكم إليه تجوزاً كما لا محذور في كونه هدى وشفاء. واللام للجنس، أو أريد مع كل واحد كتابه. وقيل: ليحكم الله لأنه الحاكم في الحقيقة لا الكتاب وقيل: ليحكم النبي المنزل عليه بين الناس {فيما اختلفوا فيه} أي في الحق ودين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق، أو في كل ما اختلفوا فيه ولم يعرفوا وجه الصواب في ذلك بحسب حكم الله {وما اختلف فيه} في الحق {إلا الذين أوتوه} أي أعطوا الحق وأدّوه لمباشرة أسبابه القريبة التي هي مجيء البينات. وقيل: الضمير للكتاب أي إلا الذين أوتوا الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف. كأنهم عارضوا الكتاب بنقيض ما أنزل لأجله، أنزل لئلا يختلفوا فزادوا في الاختلاف. وفيه دليل على أن الاختلاف في الحق لم يوجد إلا بعد بعثة الأنبياء، وإنزال الكتب كما مر في القول الأول. وقال كثير من المفسرين: المراد بالذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى. واختلافهم إما تكفير بعضهم بعضاً، وإما تحريفهم أو تبديلهم {من بعد ما جاءتهم البينات} يحتمل أن يكون كالبيان لإيتاء الكتاب أي وما اختلف فيه من اختلف إلا من بعد مجيء البينات التي هي الكتب كقوله تعالى {أية : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} تفسير : [البينة: 4] ويحتمل أن تكون هذه البينات مغايرة لإيتاء الكتاب ويعني بها الدلائل العقلية التي نصبها الله تعالى إثبات الأصول التي لا يمكن إثباتها بالدلائل السمعية، وإذا حصلت الدلائل العقلية والسمعية لم يكن في العدول عذر ولا علة، ولو حصل الإعراض كان سببه بغياً بينهم وحسداً وظلماً لحرصهم على الدنيا ولقلة الإنصاف وكثرة الاعتساف، و {من الحق} بيان لما اختلفوا فيه أي فهدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف. واللام بمعنى "إلى" أي هداهم إلى ما اختلفوا فيه كقوله تعالى {أية : ثم يعودون لما قالوا} تفسير : [المجادلة: 3] أي إلى ما قالوه {بإذنه} قال الزجاج: بعلمه. وقيل: بأمره فبالأمر يحصل التمييز بين الحق والباطل فتحصل الهداية. وقيل: في الآية إضمار أي فهداهم فاهتدوا بإذنه إذ لا جائز أن يأذن لنفسه {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} هو الحق الموصل إلى كمال الدارين، أو هو طلب الجنة. ولما كان ذلك الحق أو الطلب لا يتأتى إلا باحتمال شدائد التكليف وأعباء الإرشاد والتعليم قال سبحانه: {أم حسبتم} على طريقة الالتفات التي هي أبلغ تشجيعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على الثبات والصبر مع المخالفين من أهل الكتاب والمشركين، فإن من كان نظره أعلى في مراتب قرب المولى فبلاؤه أقوى وهو بالابتلاء أولى. قال في الكشاف: "أم" منقطعة ومعنى الهمزة فيها التقرير وإنكار الحسبان واستبعاده. وقال القفال رضي الله عنه: تقدير الآية: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه حين صبروا على استهزاء قومهم أفتسلكون سبيلهم أم تحسبون {أن تدخلوا الجنة} من غير سلوك سبيلهم {ولما يأتكم} فيه معنى التوقع. وفيه دليل على أن الإيتاء متوقع منتظر. عن ابن عباس: لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة اشتد الضرر عليهم لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم في أيدي المشركين، وأظهرت اليهود العداوة له فأنزل الله تعالى تطييباً لقلوبهم {أم حسبتم} وقال قتادة والسدي: نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والخوف وكان كما قال سبحانه {أية : وبلغت القلوب الحناجر} تفسير : [الأحزاب: 10] وقيل: نزلت في حرب أحد لما قال عبد الله ابن أبي لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى متى تقتلون أنفسكم وتنصرون الباطل؟ لو كان محمد نبياً ما سلط الله عليكم الأسر والقتل. والمعنى أم حسبتم أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة بمجرد الإيمان بي والتصديق لرسولي دون أن تعبدوا الله بكل ما تعبدكم به وابتلاكم بالصبر عليه، وأن ينالكم من أذى الكفار، ومن احتمال الفقر والفاقة ومكابدة الضر والبؤس في المعيشة ومقاساة الأهوال في جهاد العدو كما نال ذلك من قبلكم من المؤمنين؟ و {مثل الذين خلوا} حالهم التي هي مثل في الشدة و {مستهم} بيان للمثل وهو استئناف كأن قائلاً قال: كيف كان ذلك المثل؟ فقيل: مستهم {البأساء} وهي عبارة عن تضييق جهات الخير والمنفعة عليه {والضراء} وهي إشارة إلى انفتاح أبواب الشر والآفة إليه {وزلزلوا} حركوا وأزعجوا بأنواع البلايا والرزايا إزعاجاً شديداً شبيهاً بالزلزلة وهي من زل الشيء عن مكانه، والتضعيف في اللفظ للتضعيف في المعنى. وقيل: معناه خوّفوا وليس ببعيد، لأن الخائف لا يستقر بل يضطرب لقلقه ولهذا لا يقال ذلك إلا في الخوف المقيم المقعد. ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك شيئاً هو الغاية في الدلالة على كمال الضر والبؤس والمحنة فقال: {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله} لأن الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك غاية في الشدة لا مطمح وراءها. من قرأ "يقول" بالنصب فعلى إضمار أن، ومعنى الاستقبال بالنظر إلى ما قبل "حتى" وإن لم يكن مستقبلاً عند الإخبار. ومن رفع فعلى الحال الماضية المحكية كقولهم "شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه" {ألا إن نصر الله قريب} أي فقيل لهم ذلك إجابة إلى طلبتهم، فكونوا أنتم معاشر المؤمنين كذلك في تحمل الأذى والمتاعب في طلب الحق، فإن نصر الله قريب لأنه آتٍ وكل ما هو آتٍ قريب، والحاصل أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينالهم من المشركين والمنافقين أذى كثير، ولما أذن لهم في القتال نالهم من الجراح وذهاب الأموال والأنفس ما لا يخفى فعزاهم تعالى في ذلك، وبيَّن أن حال من قبلهم في طلب الدين كان ذلك، والمصيبة إذا عمت طابت. وذكر الله تعالى من قصة إبراهيم عليه السلام وإلقائه في النار، ومن أمر أيوب عليه السلام وما ابتلاه به، ومن أمر سائر الأنبياء في مصابرتهم على أنواع المكاره ما صار ذلك سلوة للمؤمنين. حديث : روى خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردةً له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا. فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون". تفسير : وههنا سؤال، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد: مت نصر الله؟ والجواب أن كونه رسولاً لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء، فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته وكان قد سمع من الله تعالى أنه ينصره إلا أنه ما عين له ذلك الوقت قال: - عند ضيق قلبه - متى نصر الله؟ حتى إنه إذا علم قرب الوقت زال همه وطاب وقته، ولهذا أجيب بأن نصر الله قريب لا بأن نصر الله كائن. وهذا الجواب يحتمل أن يكون من الله، ويحتمل أن يكون قولاً لقوم منهم إذا رجعوا إلى أنفسهم وعلموا أن الله لا يخلف الميعاد. وقيل: إنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولاً ثم ذكروا كلامين: أحدهما متى نصر الله، والثاني ألا إن نصر الله قريب. فهذا الثاني قول الرسول، والأول قول المؤمنين كقوله {أية : ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله} تفسير : [القصص: 73] والمعنى لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله بالنهار. ثم في الآية دليل على أن كل من لحقه شدة يجب أن يعلم أنه سيظفر بزوالها لأنه إما أن يتخلص عنها وإما أن يموت، وإذا مات فقد وصل إلى من لا يهمل أمره ولا يضيع حقه وذلك من أعظم النصرة. اللهم انصرنا من عندك فإنك نعم المولى ونعم النصير. التأويل: إنه تعالى إذا فتح باب الملكوت على قلب عبد من خواصه يريد آياته وكراماته، فإن اغتر بأحواله تعجب بكماله فيضل على حظوظ النفس ويبدل نعمة الله بموافقتها ورضاها فإن الله شديد العقاب بأن يغير أحواله ويسلب عنه كماله. {كان الناس أمة واحدة} على الحق وعلى الفطرة يوم الميثاق {وأنزل معهم الكتاب} الذي جف به القلم للسعادة أو الشقاوة كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من الجنة أو النار" تفسير : {وما اختلف} كل فريق إلا وقد أوتوا السعادة أو الشقاوة في حكم الله وقضائه، ولكن ما حصلت السعادة والشقاوة للفريقين إلا من بعد البينات وهي معاملاتهم فبها يتبين السعيد من الشقي وبالعكس، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع المآب.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {سَلْ بَنِي إِسْرَٰءِيلَ...} الآية: معنى الآية: توبيخُهم علَىٰ عنادهم بعد الآياتِ البيِّناتِ، والمراد بالآيةِ: كم جاءَهُمْ في أمر محمَّد صلى الله عليه وسلم من آية مُعرِّفةٍ به دالَّةٍ عليه، و {نِعْمَةَ ٱللَّهِ}: لفْظٌ عامٌّ لجميع إِنعامه؛ ولكنْ يقوِّي من حال النبيِّ صلى الله عليه وسلم معهم؛ أنَّ المشار إِليه هنا هو محمَّد صلى الله عليه وسلم فالمعنَىٰ: ومن يبدِّلْ من بني إِسرائيل صفةَ نعمة اللَّه، ثم جاء اللفظ منسحباً علَىٰ كلِّ مبدِّل نعمةً للَّه، ويدخل في اللفظ كفَّار قريشٍ، والتوراةُ أيضاً نعمةٌ على بني إِسرائيل، فبدَّلوها بالتحريفِ لها، وجَحْدِ أمرِ محمَّد صلى الله عليه وسلم، {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ }: خبرٌ يتضمنُ الوعيد. وقوله تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا...} الآية: الإِشارة إِلى كفار قريشٍ؛ لأنهم كانوا يعظمون حالهم في الدنيا، ويغتبطون بها، ويسخرون من أتْبَاعِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ كبلالٍ، وصُهَيْبٍ، وابنِ مَسْعودٍ، وغيرهم، فذكر اللَّه قبيحَ فعلهم، ونبه على خَفْض منزلتهم بقوله: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ }، ومعنى الفوقيَّة هنا في الدرجَةِ والقَدْر؛ ويحتمل أن يريد أنَّ نعيم المتَّقِينَ في الآخرة فوْقَ نعيمِ هؤلاءِ الآن. قُلْتُ: وحكى الداووديُّ عن قتادة: فوقهم يوم القيامة. قال: فَوْقَهُم في الجَنَّة. انتهى. ومهما ذكرتُ الداووديَّ في هذا «المختصر»، فإِنما أريد أحمد بن نَصْرٍ الفقيهَ المَالِكِيَّ، ومن تفسيره أنا أنقل. انتهى. فإِن تشوَّفَتْ نفسُك أيها الأخُ إِلى هذه الفوقيَّة، ونَيْلِ هذه الدرجة العَليَّة، فَٱرْفُضْ دنياك الدنيَّة، وازهَدْ فيها بالكليَّة؛ لتسلَمَ من كل آفة وبليَّة، وٱقْتَدِ في ذلك بخَيْر البريَّهْ. قال عِيَاضٌ في «شِفَاهُ»: فانظُرْ - رحمك اللَّه - سِيرَةَ نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم وخُلُقَه في المال، تجده قد أوتي خزائنَ الأرْض [ومفاتيح البلاد، وأُحلّت له الغنائم، ولم تحلَّ لنبي قبله، وفتح عليه في حياته صلى الله عليه وسلم بلاد الحجاز واليمن؛ وجميع جزيرة العرب، وما دانى ذلك من الشام والعراق]، وجُبِيَتْ إِلَيْه الأخماس، [وصدقاتها ما لا يجبى للملوك إِلاَّ بعضه]، وهادَتْه جماعةٌ من الملوك، فما ٱستأْثَرَ بشيء من ذلك، ولا أمْسَكَ دِرْهَماً منْه، بل صرفه مصارفه، وأغنَىٰ به غيره، وقوَّىٰ به المسلمين، ومات صلى الله عليه وسلم، ودِرْعُهُ مرهُونَةٌ في نفقةِ عيَالِهِ، وٱقتصر من نفقته ومَلْبَسِهِ علَىٰ ما تدْعُوه ضرُورتُهُ إِليه، وزهد فيما سواه، فكان - عليه السلام - يلبس مَا وَجَدَ، فيلْبَسُ في الغالِبِ الشَّمْلَة، والكساءَ الخَشِنَ، والبُرْدَ الغليظَ. انتهى.
ابن عادل
تفسير : قرأ الجمهور: "سَلْ" وهي تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون من لغة: سال يسال، مثل: خَافَ يَخَافُ، وهل هذه الألف مبدلة من همزة، أو واو، أو ياء؟ خلاف تقدَّم في قوله: {أية : فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ}تفسير : [البقرة: 61] فحينئذٍ يكون الأمر منها: "سَلْ" مثل "خَفْ" لمَّا سكنت اللام حملاً للأمر على المجزوم، التقى ساكنان فحذفت العين لذلك، فوزنه على هذا فَلْ، وبهذا التقدير قرأ نافعٌ، وابن عامر "سَالَ سَائِلٌ" على وزن "قال"، "وكان". والثاني: أن تكون من سأل بالهمز. قال قطربٌ: سَأَلَ يَسْأَلُ مثل زَأر الأسد يَزْأَرُ، والأصل: اسأل ثم ألقيت حركة الهمزة على السِّين، تخفيفاً، واعتددنا بحركة النقل، فاستغنينا عن همزة الوصل فحذفناها، ووزنه أيضاً فَلْ بحذف العين، وإن اختلف المأخذ. وروى عباس عن أبي عمرو: "اسْأَلْ" على الأصل من غير نقلٍ. وقرأ قوم: "اسَلْ" بالنقل وهمزة الوصل، كأنَّهم لم يعتدُّوا بالحركة المنقولة كقولهم: "الَحْمَر" بالهمز. وقرأ بعضهم "سَلْ بَنِي إسْرَائِيلَ" بغير همزٍ، وقرأوا {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف: 82] {أية : فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ}تفسير : [يونس: 94] {أية : وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ}تفسير : [النساء: 32] بالهمزة، وقرأ الكسائيُّ الكلَّ بغير همزٍ اتِّباعاً للمصحف، فإنَّ الألف ساقطةٌ فيها أجمع، و"بني" مفعولٌ أول عند الجمهور. وقوله: "كم آتيناهم" في "كَمْ" وجهان: أحدهما: أنها في محل نصب. واختلف في ذلك فقيل: نصبها على أنها مفعولٌ ثانٍ لـ"آتيناهم" على مذهب الجمهور، وأول على مذهب السُّهيلي، كما تقدَّم. وقيل: يجوز أن ينتصب بفعل مقدَّر يفسِّره الفعل بعدها تقديره: كم آتينا آتيناهم، وإنما قدرنا ناصبها بعدها؛ لأنَّ الاستفهام له صدر الكلام، ولا يعمل فيه ما قبله، قاله ابن عطيَّة، يعني أنه عنده من باب الاشتغال، قال أبو حيَّان: وهذا غير جائزٍ إنْ كان "مِنْ آيةٍ" تمييزاً؛ لأن الفعل المفسِّر لم يعمل في ضمير "كَمْ" ولا في سببيها، وإذا لم يكن كذلك، امتنع أن يكون من بابا سببيِّه. ونظير ما أجازه أن تقول: "زَيْداً ضربْتُ" ويكون من باب الاشتغال، وهذا ما لم يجيزه أحد. فإن قلنا إنَّ تمييزها محذوف، وأطلقت "كَمْ" على القوم، جاز ذلك؛ لأنَّ في جملة الاشتغال ضمير الأول؛ لأنَّ التقدير: "كَمْ مِنْ قَوْم آتيناهُمْ" قال شهاب الدِّين: وهذا الذي قاله الشيخ من كونه لا يتمشَّى على كون "مِنْ آية" تمييزاً قد صرَّح به ابن عطيَّة فإنه قال" وقوله: "مِنْ آيةٍ" هو على التقدير الأول، مفعول ثان لآتيناهم، وعلى الثاني في موضع التمييز" يعني بالأول نصبها على الاشتغال، وبالثاني نصبها بما بعدها. والوجه الثاني: أن تكون "كَمْ" في محلِّ رفع بالابتداء، والجملة بعدها في محلِّ رفع خبراً لها، والعائد محذوفٌ تقديره: كم آتيناهموها، أو آتيناهم إيَّاها، أجازه ابن عطيَّة وأبو البقاء، واستضعفه أبو حيَّان من حيث إن حذف عائد المبتدأ المنصوب لا يجوز إلاَّ في ضرورةٍ، كقوله: [السريع] شعر : 1031 - وَخَالِدٌ يَحْمَدُ سَادَاتُنَا بِالْحَقُ لاَ يُحْمَدُ بالْبَاطِلِ تفسير : أي: وخالدٌ يحمده. وهذا نقل بعضهم، ونقل ابن مالكٍ، أنَّ المبتدأ إذا كان لفظ "كُلٍّ"، أو ما أشبهها في الافتقار والعموم جاز حذف عائده المنصوب اتفاقاً من البصريِّين والكوفيِّين، ومنه: {وَكُـلٌّ وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى} [النساء: 95] في قراءة نافعٍ، وإذا كان المبتدأ غير ذلك، فالكوفيُّون يمنعون ذلك إلا في السِّعة، والبصريُّون يجيزونه بضعفٍ، ومنه: {أَفَحُكْمُ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} [المائدة: 50] برفع "حُكْم". فقد حصل أنَّ الذي أجازه ابن عطية ممنوعٌ عند الكوفيين، ضعيف عند البصريين. وهل "كَمْ" هذه استفهامية، أو خبرية؟ الظاهر الأول، وأجاز الزمخشريُّ فيها الوجهين، ومنعه أبو حيَّان من حيث إن "كَمْ" الخبرية مستقلة بنفسها، غير متعلقةٍ بالسؤال، فتكون مفلتةً ممّا قبلها، والمعنى يؤدي إلى انصباب السؤال عليها، وأيضاً فيحتاج إلى حذف المفعول الثاني للسؤال، تقديره: سل بني إسرائيل عن الآيات التي آتيناهم، ثم قال: كثيراً من الآيات التي آتيناهم، والاستفهامية لا تحتاج إلى ذلك. و"مِنْ آيةٍ" فيه وجهان: أحدهما: أنها مفعول ثان على القول بأنَّ "كَمْ" منصوبةٌ على الاشتغال؛ كما تقدَّم، ويكون مميِّز "كَمْ" محذوفاً، و"مِن" زائدةٌ في المفعول؛ لأنَّ الكلام غير موجب، إذ هو استفهامٌ، وهذا إذا قلنا إنَّ "كَمْ" استفهامية لا خبريةٌ؛ إذ الكلام مع الخبرية إيجابٌ، و"مِنْ" لا تزاد في الواجب إلاَّ على رأي الأخفش، والكوفيِّين، بخلاف ما إذا كانت استفهامية. قال أبو حيَّان: فيمكن أن يجوز ذلك فيه لانسحاب الاستفهام على ما بعده وفيه بعدٌ، لأنَّ متعلَّق الاستفهام هو المفعول الأول لا الثاني، فلو قلت: "كَمْ مِنْ دِرْهمٍ أعطيته مِنْ رَجلٍ" على زيادة "مِنْ" في "رَجُلٍ" لكان فيه نظرٌ" انتهى. والثاني: أنها تمييز، ويجوز دخول "مِنْ" على مميِّز "كَمْ" استفهامية كانت أو خبرية مطلقاً، أي: سواء وليها مميِّزها، أم فصل بينهما بجملةٍ، أو ظرفٍ أو جارٍّ ومجرورٍ، على ما قرَّره النحاة، و"كَمْ" وما في حيِّزها في محلِّ نصب أو خفض، لأنها في محل المفعول الثاني للسؤال فإنَّه يتعدَّى لاثنين: إلى الأوَّل بنفسه وإلى الثَّاني بحرف جرٍّ: إمّا عن، وإمَّا الباء؛ نحو: سألته عن كذا وبكذا؛ قال تعالى: {أية : فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً}تفسير : [الفرقان: 59]، وقد جمع بينهما في قوله: [الطويل] شعر : 1032 - فَأَصْبَحْنَ لاَ يَسْأَلْنَنِي عَنْ بِمَا بِهِ .......................... تفسير : وقد يحذف حرف الجرِّ، فمن ثمَّ جاز في محلِّ "كَمْ" النصب، والخفض بحسب التقديرين، و"كَمْ" هنا معلقة للسؤال، والسؤال لا يعلَّق إلا بالاستفهام؛ كهذه الآية، وقوله تعالى: {أية : سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ} تفسير : [القلم: 40]، وقوله: [الطويل] شعر : 1033 - يَا أَيُّهَا الرَّاكِبُ المُزْجِي مَطِيَّتَهُ سَائِلْ بَنِي أَسَدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْتُ تفسير : وقال آخر: [البسيط] شعر : 1034 -........................ وَاسْأَلْ بِمَصْقَلَةَ البَكْرِيِّ مَا فَعَلا تفسير : وإنما علَّق السؤال، وإن لم يكن من أفعال القلوب؛ قالوا: لأنه سببٌ للعلم، والعلم يعلَّق، فكذلك سببه، وإذا كانوا قد أجروا نقيضه في التعليق مجراه في قوله: [الطويل] شعر : 1034 - وَمَنْ أَنْتُمُ إِنَّا نَسِينَا مَنَ أَنْتُمُ وَرِيحُكُمْ مِنْ أَيِّ رِيحِ الأَعَاصِرِ تفسير : فإجراؤهم سببه مجراه أولى. واختلف النحاة في "كَمْ": هل بسيطةٌ، أو مركبة من كاف التَّشبيه وما الاستفهامية، حذفت ألفها؛ لانجرارها، ثم سكنت ميمها، كما سكّنت ميم "لِمْ" من "لِمْ فَعَلْتَ كَذَا" في بعض اللغات، فركِّبتا تركيباً لازماً؟ والصحيح الأول. وأكثر ما تجيء في القرآن خبريَّةً مراداً بها التكثير، ولم يأت مميِّزها في القرآن إلا مجروراً بمن. قال أبو مسلمٍ: في الآية حذفٌ، والتَّقدير: كم آتيناهم من آية بيِّنةٍ، وكفروا بها، ويدلُّ على هذا الإضمار قوله: {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ}. فصل اعلم أنَّه ليس المقصود اسأل بني إسرائيل ليخبروك عن تلك الآيات لتعلمها؛ لأنه - عليه السلام - كان عالماً بها بإعلام الله له، وإنما المقصود المبالغة في الزَّجر عن الإعراض عن دلائل الله تعالى، فهو سؤالٌ على جهة التَّقريع والتَّوبيخِ؛ لأنه أمر بالإسلام، ونهى عن الكفر بقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَٰنِ}تفسير : [البقرة: 208] ثم قال: {أية : فَإِن زَلَلْتُمْ}تفسير : [البقرة: 209] أي: أعرضتم عن هذا التكليف صرتم مستحقين للتهديد، بقوله: {أية : فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}تفسير : [البقرة: 209]، ثم هدَّدهم بقوله: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ}تفسير : [البقرة: 210]، ثم ثلَّث التهديد بقوله: {سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} يعني هؤلاء الحاضرين كم آتينا أسلافهم آيات بيناتٍ فأنكروها، فلا جرم استوجبوا العقاب، وهذا تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلُّوا عن آيات الله، لوقعوا في العذاب. وفي المراد بـ"الآية البيِّنة" قولان: أحدهما: معجزات موسى - عليه السلام - كما تقدَّم نحو: فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، ونتق الجبل، وتكليم الله تعالى موسى - عليه السلام - والعصا، واليد البيضاء، وإنزال التوراة، وبيّن لهم الهدى من الكفر. وقيل: المراد بالآية الحجَّة، والدلالة التي آتاهم، التوراة، والإنجيل على نبوة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وصدقه، وصحَّة شريعته. قوله: {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ} "مَنْ" شرطية في محلِّ رفع بالابتداء، وقد تقدَّم الخلاف في خبر اسم الشرط ما هو؟ ولا بدَّ للتبديل من مفعولين: مبدَّل وبدل، ولم يذكر هنا إلاَّ أحدهما وهو المبدَّل، وحذف البدل، وهو المفعول الثاني؛ لفهم المعنى، وقد صرَّح به في قوله: {أية : بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً}تفسير : [إبراهيم: 28] فكفراً هو المحذوف هنا. وقد تقدَّم عند قوله تعالى: {أية : فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}تفسير : [البقرة: 59] أن "بَدَّل" يتعدَّى لاثنين: أحدهما بنفسه، وهو البدل، وهو الذي يكون موجوداً، وإلى الآخر بحرف الجر، وهو المبدَّل، وهو الذي يكون متروكاً، وقد يحذف حرف الجرِّ لفهم المعنى، فالتقدير هنا: "وَمَنْ يُبَدِّلْ بنعمتِهِ كُفْراً"، فحذف حرف الجر والبدل لفهم المعنى. ولا جائز أن تقدِّر حرف الجر داخلاً على "كُفْراً" فيكون التقدير: "وَمَنْ يُبَدِّلْ بِالكُفْرِ نِعْمَةَ اللَّهِ"؛ لأنه لا يترتَّب عليه الوعيد في قوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}. وكذلك قوله تعالى: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}تفسير : [الفرقان: 70] تقديره: بسيئاتهم حسناتٍ، ولا يجوز تقديره: "سَيِّئاتِهِم بحسناتٍ"؛ لأنه لا يترتَّب على قوله: "إلا مَنْ تَابَ". وقرئ: "يُبْدِلُ" مخففاً، و"مِنْ" لابتداء الغاية و"مَا" مصدرية، والعائد من جملة الجزاء على اسم الشرط محذوف؛ لفهم المعنى، أي: شديد العقاب له، أو لأنَّ "أَلْ" نابت منابه عند الكوفيين. قال القرطبيُّ: وهذا اللفظ عامٌّ لجميع المكلَّفين، وإن كان المشار إليه بني إسرائيل لكونهم بدَّلوا ما في كتبهم، وجحدوا أمر محمد - عليه السلام -، فاللَّفظ مستحب على كلِّ مبدِّل نعمة الله تعالى. فصل فالنِّعمة هاهنا إيتاء الآيات والدلائل؛ لأنها أعظم نعم الله، لإإنها أسباب الهدى والنَّجاة من الضَّلالة، وعلى هذا ففي تبديلهم إيَّاها وجهان: فمن قال: المراد بالآيات ما في التوراة والإنجيل من دلائل معجزات موسى - عليه الصلاة والسلام - قال: تبديلها أنَّ الله تعالى لمَّا أظهرها لتكون أسباباً لضلالهم، فجعلوها أسباباً لضلالهم، كقوله: {أية : فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ}تفسير : [التوبة: 125]. ومن قال: المراد بالآيات ما في التَّوراة والإنجيل من دلائل نبوَّة محمَّد - عليه السلام - قال: تبديلها تحريفها، وإدخال الشُّبهة فيها. والقول الثاني: أنَّ النعمة هي ما آتاهم الله من الصِّحَّة، والأمن، والكفاية، فتركوا القيام بما وجب عليهم من العلم بتلك الآيات. وقوله: {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ}، أي: من بعد التمكُّن من معرفتها، أو من بعدما عرفها؛ كقوله: {أية : ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 75] إن فسرنا النعمة بالقول الأول، وإن فسرنا النعمة بالصحة والأمن، فلا شك أن عند حصولها يجب الشكر، ويقبح الكفر، فلهذا قال: "إنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ". وقال الطَّبريُّ: النعمة هنا الإسلام. وقال الواحديُّ - رحمه الله -: وفيه إضمارٌ والمعنى شديد العقاب له. قال عبد القاهر النَّحويُّ في كتاب "دَلاَئِل الإعْجَازِ": إنّ ترك هذا الإضمار أولى؛ لأنَّ المقصود من الآية التخويف بكونه في ذاته موصوفاً بأنه شديد العقاب لهذا أو لذاك، ثم قال الواحديُّ: والعقاب عذابٌ يعقب الجرم. قال القرطبيُّ: مأخوذٌ من العقب، كأنَّ المعاقب يمشي بالمجازاة له في آثار عقبه، ومنه عقبة الراكب [وعُقْبَة القِدْر].
البقاعي
تفسير : ولما كان بنو إسرائيل أعلم الناس بظهور مجد الله في الغمام لما رأى أسلافهم منه عند خروجهم من مصر وفي جبل الطور وقبة الزمان وما في ذلك على ما نقل إليهم من وفور الهيبة وتعاظم الجلال قال تعالى: جواباً لمن كأنه قال: كيف يكون هذا؟ {سل} بنقل حركة العين إلى الفاء فاستغنى عن همزة الوصل {بني إسرائيل} أي الذين هم أحسد الناس للعرب ثم استفهم أو استأنف الإخبار {كم آتيناهم} من ذلك ومن غيره {من آية بينة} بواسطة أنبيائهم فإنهم لا يقدرون على إنكار ذلك، وسكوتهم على سماعه منك إقرار منهم. وقال الحرالي: ولما كان هذا الذي أنذروا به أمراً مجملاً أحيلوا في تفاصيل الوقائع وتخصيص الملاحم ووقوع الأشباه والنظائر على ما تقدم ووقع مثاله في بني إسرائيل لتكرار ما وقع فيهم من هذه الأمة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة فقال: {سل} ، استنطاقاً لحالهم لا لإنبائهم وإخبارهم، فالتفات النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يشهده الله من أحوال بني إسرائيل وأحوال ملوكهم وأحبارهم وأيامهم وتفرقهم واختلافهم وصنوف بلاياهم هو سؤاله واستبصاره لا أن يسأل واحداً فيخبره؛ انتهى - كذا قال، والظاهر أنه إباحة لسؤالهم فإنه صلى الله عليه وسلم ما سألهم عن شيء وكذبوا في جوابه فبين كذبهم إلا عرفوا بالكذب، كقصة حد الزنا وقضية سؤالهم عن أبيهم وقضية سم الشاة ونحو هذا، وفي ذلك زيادة لإيمان من يشاهده وإقامة للحجة عليهم وغير هذا من الفوائد. ولما كان التقدير: فكانوا إذا بدلوا شيئاً من آياتنا واستهانوا به عاقبناهم فشددنا عقابهم، كما دل عليه ما سقته من التوراة في هذا الديوان لمن تدبر عطف عليه قوله: {ومن يبدل} من التبديل وهو تصيير الشيء على غير ما كان {نعمة الله} أي الذي لا نعمة إلا منه التي هي سبب الهدى فيجعلها سبباً لضلال أو سبباً لشكر فيجعلها سبب الكفر كائناً من كان. قال الحرالي: وأصل هذا التبديل رد علم العالم عليه ورد صلاح الصالح إليه وعدم الاقتداء بعلم العالم والاهتداء بصلاح الصالح وذلك المشاركة التي تقع بين العامة وبين العلماء والصلحاء وهو كفر نعمة الله وتبديلها - انتهى. ولما كان الفطن من الناس يستجلب النعم قبل إتيانها إليه والجامد الغبي يغتبط بها بعد سبوغها عليه وكان المحذور تبديلها في وقت ما لا في كل وقت قال تعالى: {من بعد ما جآءته} أي وتمكن من الرسوخ في علمها تنبيهاً على أن من بدلها في تلك الحال فقد سفل عن أدنى الإنسان والتحق بما لا يعقل من الحيوان. ولما كان التقدير: يهلكه الله، علله بقوله: {فإن الله} أي العظيم الشأن {شديد العقاب *} وهو عذاب يعقب الجرم، وذكر بعض ما يدل على صدق الدعوى في معرفة بني إسرائيل بما في ظهور المجد في الغمام من الرعب وما آتاهم من الآيات البينات، قال في أوائل السفر الخامس من التوراة: فاسمعوا الآن يا بني إسرائيل السنن والأحكام التي أعلمكم لتعملوا بها وتعيشوا وتدخلوا وترثوا الأرض التي يعطيكم الله رب آبائكم، لا تزيدوا على الوصية التي أوصيكم بها، قد رأيتم ما صنع الله ببعلصفون من أجل أن كل رجل اتبع بعلصفون أهلكه الله ربكم من بينكم وأنتم الذين تبعتم الله ربكم أنتم أحياء - سالمون إلى اليوم، انظروا أني قد علمتكم السنن والأحكام كما أمرني الله لتعملوا بها الأرض التي تدخلونها وتحفظوها وتعملوا بها، لأنها حكمتكم وفهمكم تجاه الشعوب التي تسمع منكم هذه السنن كلها ويقولون إذا سمعوها: ما أحكم هذا الشعب العظيم! وما أحسن فهمه! أي شعب عظيم إلهه قريب منه مثل الله ربنا فيما دعوناه! وأي شعب عظيم له سنن وأحكام معتدلة مثل هذه السنة التي أتلو عليكم اليوم! ولكن احتفظوا واحترسوا بأنفسكم ولا تنسوا جميع الآيات التي رأيتم ولا تزل عن قلوبكم كل أيام حياتكم بل علموها بنيكم وبني بنيكم وأخبروهم بما رأيتم يوم وقفتم أمام الله ربكم في حوريب يوم قال الرب: اجمع هذا الشعب أمامي لأسمعهم آياتي ويتعلموا أن يتقوني كل أيام حياتهم على الأرض ويعلموا بنيهم أيضاً وتقدمتم وقمتم في سفح الجبل والجبل يشتعل ناراً يرتفع لهيبها إلى جو السماء ورأيتم الظلة والضباب والسحاب فكلمكم الرب في الجبل من النار، كنتم تسمعون صوت الكلام ولم تكونوا ترون شبهاً، فأظهر لكم عهده وأمركم أن تعلموا العشر آيات. وكتبها على لوحين من حجارة، احترسوا واحتفظوا بأنفسكم جداً لأنكم لم تروا شبهاً في اليوم الذي كلمكم الله ربكم من الجبل من النار، احتفظوا، لا تفسدوا ولا تتخذوا أصناماً وأشباهها من كل جنس شبه ذكر أو أنثى أو شبه بهيمة في الأرض أو شبه كل طير في الهواء أو شبه كل هوام الأرض، ولا ترفعوا أعينكم إلى السماء وتنظروا إلى الشمس والقمر والكواكب وإلى كل أجناد السماء وتضلوا بها وتسجدوا لها وتعبدوها، التي اتخذها جميع الشعوب الذين تحت السماء؛ فأما أنتم فقربكم الله وأخرجكم من كور الحديد من أرض مصر لتصيروا له ميراثاً كاليوم - هذا نصه وقد تقدم ذلك مستوفى من السفر الثاني من التوراة عند قوله تعالى: {أية : وإذ استسقى موسى لقومه} تفسير : [البقرة: 60] فكان الرجوع إلى قص ما يريد الله سبحانه وتعالى من أحوال بني إسرائيل للأغراض الماضية على غاية ما يكون من الأحكام وفي الذروة العليا من حسن الانتظام وتجلي الملائكة في ظلل الغمام أمر مألوف منه ما في الصحيح عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: "حديث : كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفر؛ فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له، فقال: تلك السكينة تنزلت بالقرآن"تفسير : . وعن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه "حديث : أنه بينما هو يقرأ سورة البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس، فسكت وسكنت، ثم قرأ فجالت، فانصرف؛ فلما أصبح حدث النبي صلى الله عليه وسلم وقال: فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فرفعت حتى لا أراها، قال: وتدري ما ذاك؟ قال: لا، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم ". تفسير : ولما تقدم من الأمر بالسلم والتهديد على الزلل عنه ما يقتضي لزومه حتماً كان كأنه قيل: ما فعل من خوطب بهذه الأوامر وقمع بتلك الزواجر؟ فقيل: أبى أكثرهم، فقيل: إن هذا لعجب! ما الذي صدهم؟ فقيل: تقدير العزيز الذي لا يخالف مراده الحكيم الذي يدق عن الأفكار استدراجه، فقيل: كيف يتصور من العاقل كفر النعمة؟ فبين أن سبب ذلك غالباً الترفع والتعظم والكبر والبطر فرحاً بما في اليد وركوناً إليه وإعراضاً عما خبىء في خزائن الله في حجب القدرة فقال مستأنفاً بانياً للمفعول دلالة على ضعف عقولهم بأنهم يغترون بكل مزين {زين} قال الحرالي: من التزيين بما منه الزينة. وهي بهجة العين التي لا تخلص إلى باطن المزين - انتهى. {للذين كفروا} حتى بدلوا النعمة {الحياة الدنيا} لحضورها فألهتهم عن غائب الآخرة. قال الحرالي: ففي ضمنه إشعار بأن استحسان بهجة الدنيا كفر ما من حيث إن نظر العقل والإيمان يبصر طيتها ويشهد جيفتها فلا يغتر بزينتها وهي آفة الخلق في انقطاعهم عن الحق، وأبهم تعالى المزين في هذه الآية ليشمل أدنى التزيين الواقع على لسان الشيطان وأخفى التزيين الذي يكون من استدراج الله كما في قوله تعالى: {أية : كذلك زينا لكل أمة عملهم} تفسير : [الأنعام: 108]. ولما ذكر ذلك بين حالهم عنده فقال: {ويسخرون} أي والحال أنهم لا يزالون يسخرون أي يوقعون السخرية، وهي استزراء العقل هزؤاً. وقال الحرالي: هي استزراء العقل معنى بمنزلة الاستسخار في الفعل حساً {من الذين آمنوا} لما هم فيه من الضعف والحاجة لإعراضهم عن الدنيا رغبة فيما عند الله لما وهبهم الله سبحانه وتعالى من العلم الخارق لتلك الحجب الكاشف لأستار المغيب ولأن الله يزوي عنهم الدنيا ويحميهم منها رغبة بهم عنها لكرامتهم عليه كما يحمي الإنسان حبيبه الطعام والشراب إن كان مريضاً لكرامته عليه فصار الكفار بهذا التزيين مع ما بوأناهم من الهوان بأنواع التهديد التي لا مرية في قدرتنا عليها مشغولين بلعاعة من العيش فهم راضون بأحوالهم مسرورون بها بحيث إنهم لا ينظرون في عاقبة بل مع الحالة الراهنة فيهزؤون بأهل الحق متعامين عن البينات معرضين عن التهديد تاركين الاستبصار بأحوال بني إسرائيل. ولما كان الاستسخار بذوي الأقدار مراً وللنفوس مضراً قال تعالى مبشراً بانقلاب الأمر في دار الخلد مرغباً في التقوى بعد الإيمان: {والذين اتقوا} أي آمنوا خوفاً من الله تعالى، فأخرج المنافقين والذين يمكن دخولهم في الجملة الماضية {فوقهم} في الرزق والرتبة والمكان بدليل {أية : أفيضوا} تفسير : [الأعراف: 50] وآية {أية : إني كان لي قرين} تفسير : [الصافات: 51] وكل أمر سار {يوم القيامة} فهم يضحكون منهم جزاء بما كانوا يفعلون. ولما كان تبدل الأحوال قريباً عندهم من المحال كان كأنه قيل في تقريب ذلك: برزق من عند الله يرزقهموه {والله} بعز سلطانه وجلال عظمته وباهر كرمه {يرزق من يشاء} أي في الدنيا وفي الآخرة ولو كان أفقر الناس وأعجزهم. ولما كان الإعطاء جزافاً لا يكون إلا عن كثرة وبكثرة قال: {بغير حساب *} أي رزقاً لا يحد ولا يعد، لأن كل ما دخله الحد فهو محصور متناه يعد، وفي هذه الأمة من لا يحاسبه الله على ما آتاه فهي في حقه على حقيقتها من هذه الحيثية. ولما كان كأنه قيل: هل كان هذا الكفر والتزيين من بدء الأمر أم هو شيء حدث فيكون حدوثه أعجب؟ فقيل: لا فرق عند الحكيم بين هذا وذاك، فإن قدرته على الكبير والصغير والجاهل والعليم والطائش والحليم على حد سواء على أن الواقع أن ذلك شيء حدث بعد البيان والواضح {كان الناس} أي كلهم {أمة} أي مجتمعين على شيء واحد يؤم بعضهم بعضاً ويقتدي بعضهم بعضاً ثم أكد اجتماعهم فقال: {واحدة} أي على الصراط المستقيم فزل بعضهم فاختلفوا وتفرقت بهم السبل كما في آية يونس {أية : وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا} تفسير : [يونس: 19] وعلى هذا أكثر المحققين كما قاله الأصفهاني وقد رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده بسند متصل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: على الإسلام كلهم {فبعث الله} أي الذي لا حكم لغيره {النبيين} الذين رفعهم الله تعالى على بقية خلقه فأنبأهم بما يريد من أمره وأرسلهم إلى خلقه {مبشرين} لمن أطاع، وهو جار مجرى حفظ الصحة، ولأنه مقصود بالذات قدم {ومنذرين} لمن عصى، وذلك جار مجرى إزالة المرض بالدواء. قال الحرالي: فيه إعلام بأنه ليس للأنبياء من الهداية شيء وإنما هم مستجلون لأمر جبلات الخلق وفطرهم فيبشرون من فطر على خير وينذرون من جبل على شر، لا يستأنفون أمراً لم يكن بل يظهرون أمراً كان مغيباً، وكذلك حال كل إمام وعالم في زمانه يميز الله الخبيث من الطيب - انتهى. {وأنزل معهم الكتاب} أي كلامه الجامع للهداية. قال الحرالي: إبراماً لثني الأمر المضاعف ليكون الأمر بشاهدين أقوى منه بشاهد واحد فقد كان في الرسول كفاية وفي الكتاب وحده كفاية لكن الله تعالى ثنى الأمر وجمع الكتاب والرسول لتكون له الحجة البالغة - انتهى. {بالحق} أي الثابت كل ثبات {ليحكم} أي الله بواسطة الكتاب {بين الناس فيما اختلفوا فيه} من الدين الحق الذي كانوا عليه قبل ذلك أمة واحدة فسلكوا بهم بعد جهد السبيل الأقوم ثم ضلوا على علم بعد موت الرسل فاختلفوا في الدين لاختلافهم في الكتاب {وما اختلف فيه} أي الكتاب الهادي للحق الذي لا لبس فيه المنزل لإزالة الاختلاف {إلا الذين} ولما كان العالم يقبح منه مخالفة العلم مطلقاً لا بقيد كونه من معلم مخصوص بني للمفعول {أوتوه} أي فبدلوا نعمة الله بأن أوقعوا الخلاف فيما أنزل لرفع الخلاف، ففي هذا غاية التعجيب وإظهار القدرة الباهرة التي حملتهم على ذلك. ولما كان الخلاف ربما كان عن أمر غامض بين أن الأمر على غير ذلك فقال مشيراً بإثبات الجار إلى أنه لم يستغرق الزمان {من بعد ما جاءتهم البينات} أي الدلائل العقلية والنقلية التي ثبتت بها النبوة التي ثبت بها الكتاب. قال الحرالي: الجامعة لآيات ما في المحسوس وآيات ما في المسموع، فلذلك كانت البينات مكملة لاجتماع شاهديها - انتهى. ولما كان هذا محل السؤال عن السبب بين أنه الحسد والاستطالة عدولاً عن الحق محبة لما زين من الدنيا وتنافساً فيها فقال: {بغياً} قال الحرالي: والبغي أعمال الحسد بالقول والفعل قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : ثلاث لا يسلم منهن أحد" تفسير : ومنهن متحلي الحسد والطيرة والظن، فإذا حسدت فلا تبغ لأن الحسد واقع في النفس كأنها مجبولة عليه فلذلك عذرت فيه؛ فإذا استعملت بحسبه مقالها وفعالها كانت باغية - انتهى. وزاده عجباً بقوله {بينهم} أي لا بغياً على غيرهم فبدلوا من كل جهة. ولما ذكر إنزال الكتاب وسببه ذكر ما تسبب عنه فقال عاطفاً على ما تقديره: فعموا عن البينات: {فهدى الله} في إسناده إلى الاسم الأعظم كما قال الحرالي إعلام بأنه ليس من طوق الخلق إلا بعون وتوفيق من الحق - انتهى. {الذين آمنوا} أي بالنبيين ببركة إيمانهم {لما اختلفوا} أي أهل الضلالة {فيه} ثم بينه بقوله: {من الحق} ويجوز أن تكون تبعيضية لما عموا عنه من الحق الذي نزل به الكتاب الذي جاء به النبيون {بإذنه} أي بما ارتضاه لهم من علمه وإرادته وتمكينه. قال الحرالي: فيه إشعار بما فطرهم عليه من التمكين لقبوله لأن الإذن أدناه التمكين وإزالة المنع - انتهى. {والله} أي المحيط علماً وقدرة {يهدي من يشاء} أي بما له من أوصاف الكمال {إلى صراط مستقيم *} قال الحرالي: هذا هدى أعلى من الأول كأن الأول هدى إلى إحاطة علم الله وقدرته وهذا هدى إليه، وفي صيغة المضارع بشرى لهذه الأمة بدوام هداهم إلى ختم اليوم المحمدي "حديث : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله"تفسير : انتهى. ولما أفهم ما صرح به الكلام السابق من الاختلاف وقوع العداوات وكان في العداوات خطر الأموال والأنفس وكان ذلك أشق ما يكون وكانت العادة قاضية بأن المدعوين إلى ذلك إن لم يصممواعلى الآيات كانوا بين مستثقلين لأمر الرسل يرون أنهم يفرقون ما اتفق من الكلمة ورضي به الناس لأنفسهم ويشتتون أمرهم مستثقلين لطول انتظار الانتصار كان حالهم حال من يطلب الراحات في ذرى الجنات بلا مشقات وذلك محال ومحض ضلال، فإن الثبات على الصراط المستقيم لا يكون إلا باحتمال شدائد التكاليف فكان كأنه قيل في جواب ذلك عدولاً عن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم المقول له {سل بني إسرائيل} [البقرة: 212] إلى خطاب الأتباع تشريفاً له عن ذلك ورفعاً لهممهم بالمواجهة بالخطاب والتأسية بمن مضى من أولي الألباب تنشيطاً لهم وتقوية لعزائمهم: أحسبتم أنا لا نرسل الرسل لتمييز الخبيث من الطيب {أم حسبتم} بعد إرسالهم أن الأمر هين بأن تنالوا السعادة بلا اجتهاد في العبادة. قال الحرالي: هو مما منه الحسبان وهو ما تقع غلبته فيما هو من نوع المفطور عليه المستقر عادته، والظن الغلبة فيما هو من المعلوم المأخوذ بالدليل والعلم؛ فكأن ضعف علم العالم ظن وضعف عقل العاقل حسبان - انتهى. وهذا الذي قدرته هو معنى {أن تدخلوا الجنة} أي التي هي نعيم دائم {و} الحال أنه {لما يأتكم مثل} أي وصف {الذين خلوا} ولما كان القرب في الزمان أشد في التأسية أثبت الجار فقال: {من قبلكم} أي يقص عليكم لتعلموا به أو يصيبكم ما أصابهم من الأحوال الغريبة والقضايا العجيبة التي هي في غرابتها كالأمثال. وقال الحرالي: وأم عطف على أمور يفهمها مبدأ الخطاب كأنه يقول: أحسبتم أن تفارق أحوالكم أحوال الأمم الماضية في حكمة الله وسنته ولن تجد لسنة الله تبديلاً إلى ما يستجره معنى الخطاب إجمالاً وتفصيلاً في واقع الدنيا من شدائدها وحرها وبردها وضيق عيشها وأنواع أذاها وحال البرزخ وحال النشر والحشر إلى ما وراء ذلك إلى غاية دخول الجنة فكان عند انتهاء ذلك بادئة خطاب {أم حسبتم} تجاوزاً لما بين أول البعث وغاية دخول الجنة - انتهى. ونبهت لما التي فيها معنى التوقع لأنها في النفي نظيرة قد في الإثبات على أنه كان ينبغي لهم أن يكون دخولهم في الدين على بصيرة من حصول الشدائد لكثرة المخالف والمعاند فيكونوا متوقعين في كل وقت مكابدة القوارع وحلول الصوادع والصوارع ليكون ذلك أجد في أمرهم وأجدر لهم بالثبات والارتقاء إلى أعلى الدرجات. ولما كان كأنه قيل: ما ذلك المثل؟ أجيب بياناً بقوله: {مستهم البأساء} أي المصائب في الأموال {والضراء} أي في الأنفس - نقله أبو عبيد الهروي عن الأزهري، والأحسن عندي عكسه، لأن البأس كثير الاستعمار في الحرب والضر كثير الاستعمال في الفقر؛ أي جزاء لهم كما قال الحرالي على ما غيروا مما يجلب كلاًّ منهما ولكل عمل جزاء {وزلزلوا} لأمور باطنة من خفايا القلوب انتهى. والمعنى أنهم أزعجوا بأنواع البلايا والرزايا والأهوال والأفزاع إزعاجاً شديداً شبيهاً بالزلزلة التي تكاد تهد الأرض وتدك الجبال {حتى يقول} رفعه نافع على حكاية الحال في وقتها بمعنى أن الغاية والمغيا قد وجدا ومضيا فهما ماضيان وكأنك تحكي ذلك حين وقوعه مثل من يقول عن مريض يشاهده: مرض حتى لا يرجونه، فإن النصب بتقدير أن وهي علم الاستقبال فهي لا تنصب إلا مضارعاً بمعناه؛ ونصبه الجماعة على حكاية الحال أيضاً لكن بتقدير أن الزلزال مشاهد والقول منتظر حقق ذلك المتبين حتى يقول: {الرسول} وهو أثبت الناس {والذين آمنوا معه} وهم الأثبت بعده لطول تمادي الزمان فيما مسهم وعبر بالمضارع تصويراً لحالهم وإشارة إلى تكرير ذلك من مقالهم. وقال الحرالي: فذكر قول الرسول الواقع في رتبة الذين آمنوا معه لا قوله فيما يخصه في ذاته وحده ومن هو منه أو متبعه، لأن للنبي ترتباً فيما يظهر من قول وفعل مع رتب أمته، فكان قول الرسول المنبىء عن حالهم {متى نصر الله} فكأنهم في مثل ترقب المتلدد الحائر الذي كأنه وإن وعد بما هو الحق يوقع له التأخير صورة الذي انبهم عليه الأمر لما يرى من اجتثاث أسباب الفرج، ففي إشعاره إعلام بأن الله سبحانه وتعالى إنما يفرج عن أنبيائه ومن معهم بعد انقطاع أسبابهم ممن سواه ليمتحن قلوبهم للتقوى فتتقدس سرائرهم من الركون لشيء من الخلق وتتعلق ضمائرهم بالله تعالى وحده حتى يقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" تفسير : إعلاماً بأن الله سبحانه وتعالى ناصره دون حجاب ولا وسيلة شيء من خلقه، كذلك سنته مع رسله {أية : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا} تفسير : [غافر: 51] وعلى ذلك جرت خوارق العادات للأولياء وأهل الكرامات لا يكاد يقع لهم إلا عن ضرورة قطع الأسباب، وفي قراءة النصب إعراب بأن غاية الزلزال القول، وفي الرفع إعراب عن غاية الزلزال وأنه أمر مبهم، له وقع في البواطن والظواهر، أحد تلك الظواهر وقوع هذا القول، ففي الرفع إنباء باشتداد الأمر بتأثيره في ظاهر القول وما وراءه - انتهى. وهو في النصب واضح فإن حتى مسلطة على الفعل، وأما في الرفع فهي مقطوعة عن الفعل لأنها لم تعمل فيه لمضيه لتذهب النفس في الغاية كل مذهب ثم استؤنف شيء من بيانها بالفعل. ولما كان معنى الكلام طلب النصر واستبطاء الأمر أجابهم تعالى إجابة المنادي في حال اشتداد الضر بقوله: {ألا} قال الحرالي: استفتاحاً وتنبيهاً وجمعاً للقلوب للسماع {إن} تأكيداً وتثبيتاً {نصر الله} الذي لا سبب له إلا العناية من ملك الملوك بعد قطع كل سبب من دونه {قريب} لاستغنائه عن عدة ومدة، ففي جملته بشرى بإسقاط كلفة النصر بالأسباب والعدد والآلات المتعية، والاستغناء بتعلق القلوب بالله، ولذلك إنما ينصر الله هذه الأمة بضعفائها، لأن نصرتها بتقوى القلوب لا بمدافعة الأجسام، فلذلك تفتح خاتمة هذه الأمة "قسطنطينية الروم بالتسبيح والتكبير" قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" تفسير : فانعطف ذلك على ما أراده الله تبارك وتعالى بأنبيائه وأصفيائه من اليسر الذي كماله لهذه الأمة فأراد بهم اليسر في كل حال - انتهى. وفي بعض الآثار: إنما تقاتلون الناس بأعمالكم، والحاصل أنه لا يكفي مجرد ادعائهم الدخول في السلم بل لا بد من إقامة البينة بالصبر على ما يمتحنهم كما امتحن الأمم الخالية والقرون الماضية، فانظر هذا التدريب في مصاعد التأديب، وتأمل كيف ألقي إلى العرب وإن كان الخطاب لمن آمن ذكر القيامة في قوله: {والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة} [البقرة: 212] والجنة في قوله: {أن تدخلوا الجنة} [البقرة: 214] وهم ينكرونهما إلقاء ما كأنه محقق لا نزاع فيه تأنيساً لهم بذكرهما، وانظر ما في ذلك من بدائع الحكم.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {سل بني إسرائيل} قال: هم اليهود {كم آتيناهم من آية بينة} ما ذكر الله في القرآن وما لم يذكر {ومن يبدل نعمة الله} قال: يكفر بها. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في الآية قال: آتاهم الله آيات بينات: عصا موسى، ويده، وأقطعهم البحر، وأغرق عدوّهم وهم ينظرون، وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى {ومن يبدل نعمة الله} يقول: من يكفر بنعمة الله.
ابو السعود
تفسير : {سَلْ بَنِى إِسْرٰءيلَ} الخطابُ للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل أحدٍ من أهل الخطابِ، والمرادُ بالسؤال تبكيتُهم وتقريعُهم بذلك، وتقريرٌ لمجيءِ البـينات {كَمْ آتَيْنَـٰهُم مّنْ آيَةٍ بَيّنَةٍ} مُعجِزَةٌ ظاهرة على أيدي الأنبـياءِ عليهم السلام وآيةٌ ناطقة بحقّية الإسلامِ المأمورِ بالدخول فيه، و(كم) خبريةٌ أو استفهاميةٌ مقرِّرةٌ ومحلها النصبُ على المفعولية أو الرفع بالابتداء على حذف العائدِ من الخبر، وآيةٍ مميِّزُها {وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ} التي هي آياته الباهرةِ فإنها سببٌ للهُدىٰ الذي هو أجلُّ النعم، وتبديلُها جعلُها سبباً للضلالة وازديادِ الرِّجس، أو تحريفُها وتأويلُها الزائغ {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ} ووصلتْ إليه وتمكَّن من معرفتها، والتصريحُ بذلك مع أن التبديلَ لا يُتصوَّرُ قبل المجيءِ للإشعار بأنهم قد بدَّلوها بعد ما وقفوا على تفاصيلها كما في قوله عزَّ وجلَّ: {أية : ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة، الآية 75] قيل: تقديرِه فبدّلُوها ومن يبدل، وإنما حُذف للإيذان بعدم الحاجةِ إلى التصريح به لظهوره {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} تعليلٌ للجواب كأنه قيل: ومن يُبدّلْ نعمةَ الله يعاقبْه أشدَّ عقوبةٍ فإنه شديدُ العقاب، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لتربـية المهابةِ وإدخالِ الرَّوْعة {زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا} أي حسُنت في أعينهم وأُشرِبت محبتُها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وتهافتوا فيها معرِضين عن غيرها، والتزيـينُ من حيث الخلقُ والإيجادُ مستنِدٌ إليه سبحانه كما يُعرِبُ عنه القراءةُ على البناء للفاعل إذْ ما مِنْ شيءٍ إلا وهو خالقُه، وكلٌّ من الشيطان والقُوى الحيوانية وما في الدنيا من الأمور البهيَّة والأشياءِ الشهيةِ مُزيَّنٌ بالعَرْض {وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} عطفٌ على (زُين) وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ للدلالة على استمرار السُّخريةِ منهم وهم فقراء المؤمنين كبلالٍ وعمارٍ وصهيبٍ رضي الله عنهم كانوا يسترذلونهم ويستهزؤن بهم على رفضهم الدُّنيا وإقبالِهم على العُقبىٰ ومن ابتدائية فكأنهم جعلوا السخرية مبتدأة منهم. {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} هم الذين آمنوا بعينهم وإنما ذُكروا بعنوان التقوى للإيذان بأن إعراضَهم عن الدنيا للاتقاء عنها لكونها مُخِلَّةً بتبتُّلهم إلى جناب القدسِ شاغلةً عنه {فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} لأنَّهم في أعلى عِلّيـين وهم في أسفل سافلين أو لأنهم في أوج الكرامةِ وهم في حضيض الذلِّ والمهانةِ أو لأنهم يتطاولون عليهم في الآخرة فيسخَرون منهم كما سخِروا منهم في الدنيا، والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها، وإيثارُ الاسمية للدلالة على دوام مضمونِها {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء} أي في الدارين {بِغَيْرِ حِسَابٍ} بغير تقدير، فيوسِّعُ في الدنيا استدراجاً تارةً وابتلاءً أخرى.
القشيري
تفسير : فائدة السؤال ليقرر عليهم بالسؤال الحجة، لا ليُقرِر للرسول صلى الله عليه وسلم بسؤالهم ما أشكل عليهم من واضح المحبة. {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} بزوال تلك النعمة. وعند ذلك يعرفون قدرها، ثم يَنْدُبُونَها ولا يصلون إليها قط، قال قائلهم: شعر : ستهجرني وتتركني فتطلبني فلا تَجَدِ
البقلي
تفسير : {سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} وبخ الله تعالى قوما من المستدرجين الذين لم يشكروا الله تعالى فيما نالوا منه من خصائص المقامات والكرامات وروية حقائق الايات ابداء الصدق والانصاف مع اهل القصة من الانبياء والاولياء من استبشارهم رياسة الخلق على مرافقة الحق وانكارهم على اوليائه وتغيرهم امانة الله تعالى التى خص الله بها خواص عباده باعوا اليقين بالوهم والعزيمة بالوهن فمسخ الله قلوبهم طمسا بذهبا نورها حتى بقوا فى ظلمة الحجاب وهوا اشد العذاب كما قال الله تعالى {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } وخوف بهذا التوبيخ اهل معرفته ومحبته لئلا يلتفتوا الى الدنيا واهلها ويشكرون نعمة عرفان قربه ببذلك الارواح فى وجدان نور الربوبية وتحول الاشباح بشرط الخشوع فى حق العبودية.
اسماعيل حقي
تفسير : {سل} أمر للرسول عليه السلام بالسؤال او لكل أحد يصلح ان يخاطب {بنى إسرائيل} يعنى هؤلاء الموجودين فى عصرك من رؤساء بنى اسرائيل {كم آتيناهم} اى آتينا آبائهم واسلافهم {من آية بينة} اى معجزة ظاهرة على ايدى انبيائهم لا يخفى على المتفكر أنها من عند الله كالعصا واليد البيضاء وانزال المن والسلوى وغيرها او المراد آيات كتبهم الشاهدة على صحة دين الاسلام. قوله كم آتيناهم محل هذه الجملة النصب او الخفض على انها مفعول ثان للسؤال فانه يتعدى الى مفعولين الى الاول بنفسه والى الثانى بحرف الجر اما عن واما الباء نحو سألته عن كذا وبكذا قال الله تعالى {أية : فسئل به خبيرا} تفسير : [الفرقان: 59]. وقد يحذف حرف الجر فمن ثمة جاز فى محل كم النصب والخفض بحسب التقديرين وتمييزكم من آية بينة والاحسن اذا فصل بين كم ومميزها ان يؤتى بمن وهذا السؤال سؤال تقريع وتبكيت كما يسأل الكفرة يوم القيامة وتقرير لمجيئ البينات فكم استفهامية خبرية وليس المراد حقيقة الاستفهام {ومن يبدل} التبديل تصيير الشىء على غير ما كان عليه اى يغير {نعمة الله} التى هى آياته الباهرة فانها سبب للهدى الذى هو أجل النعم وتبديلهم اياها أن الله اظهرها لتكون اسباب هداهم فجعلوها اسباب ضلالتهم فكفروا بها وتركوا الشكر عليها {من بعد ما جاءته} اى من بعد ما وصلت اليه وتمكن من معرفتها والتصريح بذلك مع ان التبديل لا يتصور قبل المجيئ للاشعار بانهم قد بدلوها بعد ما وقفوا على تفاصيلها {فان الله شديد العقاب} تعليل للجواب كأنه قيل ومن يبدل نعمة الله عاقبه أشد عقوبة فانه شديد العقوبة لمن بدل النعمة فى الدنيا والآخرة وقد عاقبهم فى الدنيا بالقتل وذلك فى بنى قريظة وبالاجلاء وذلك فى بنى النضير ويوم القيامة يعذبون فى السعير. قال ابن التمجيد وتبديل النعمة جرم بغير علم ومع العلم اشد جرما ولذلك كان وعيد العلماء المقصرين أشد من الجاهلين بالاحكام لان الجهل قد يعذر به وان كان الاعتذار به غير مقبول فى باب التكاليف.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {كم} خبرية، أو استفهامية، محلها نصب بفعل محذوف يُقدر مؤخراً للصدرية، أي: كم آياتنا آتيناهم، أو رفع بالابتداء، والعائد محذوف، أي: آتيناهموه. يقول الحقّ جلّ جلاله لرسوله - عليه الصلاة والسلام - أو لكل سامع: {سل بني إسرائيل} سؤال تقريع، وقل لهم: {كم أتيناهم من آية بينة} أي: كثيراً ما آتيناهم من آية واضحة في شأنك، تدل على صدق رسالتك وعلو شأنك وفخامة أمرك، اعتناء بأمرهم، ونعمة على مَنْ أدرك زمانك منهم. ثم إنهم بدلوا نعمة الله كفراً، وجحدوا فكتموا تلك النعمة وكفروها، {ومن يبدل نعمة الله} من بعد مجيئها إياه، {فإن الله شديد العقاب} لمن كفر نعمه وجحد رسله، نعوذ بالله من السلب بعد العطاء، ومن كفران النعم، وحرمان الرضا. الإشارة: ما قيل لبني إسرائيل، يقال لمن تحقق بولاية ولي من أولياء الله، ثم جحدها وكتمها، وحرّم نفسه بركة ذلك الولي، فمات على مرضه، فيقال له: {ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب}. وعقوبته: أن يلقى الله بقلب سقيم، فيُبعث مع عوام أهل اليمين، ويُحرم درجة المقربين، التي تلي درجة النبيين والمرسلين. عائذاً بالله من الحرمان، وشُؤمِ عاقبةِ الخذلان. ثم ذكر الحقّ جلّ جلاله سبب هذا الحرمان، وهو حب الدنيا.
الطوسي
تفسير : القراءة: أهل الحجاز يقولون: سل بغير همز. وبعض بني تميم يقولون: اسأل بالهمز، وبعضهم يقولون: اسل بالالف وطرح الهمز - والأولى أحسنها لأنها خط المصحف. المعنى: وفي الآية تنبيه وتقريع للكفار من بني اسرائيل، ونظيره قول الرجل في صاحبه إذا فزّعه وربحه وأراد أن يلزمه الحجة، ويبين عن كفرانه للنعمة ليوقع به العقوبة - لمن بحضرته -: سله كم أعددت له وحذرته. والآيات البينات ما ذكرها الله تعالى: من قلب عصا موسى حية، ويده البيضاء، وفلقه البحر، وتغريق عدوهم من فرعون وأصحابه، وتظليلة عليهم الغمام، وإنزال المن والسلوى، وذلك من آيات الله التي أتي بها بني اسرائيل، فخالفوا جيمع ذلك، وقتلوا أنبياءه، ورسله، وبدّلوا عهده، ووصيته إليهم. وقوله: {ومن يبدّل نعمة الله} معناه: يغير يعني بها الاسلام، وما فرض فيه من شرائع دينه بعد ما عهد إليه وأمره به من الدخول في الاسلام، والعمل بشرائعه، فيكفر به، فانه يعاقبه بما أوعده على الكفر به من العقوبة {والله شديد العقاب}. وقال الزجاج فيه حذف وتقديره شديد العقاب له، ويجوز أن يكون معناه: شديد العقاب لكل من يستحقه، فيدخل فيه هذا المذكور، فأما أن يكون على معنى شديد العقاب لغيره، فلا يجوز إذا لم يكن للمذكور مدخل فيه. وفي الآية دلالة على فساد قول المجبرة: من أنه ليس لله على الكافر نعمة، لأنه حكم عليهم بتبديل نعم الله، كما قال: {أية : يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون}تفسير : وقال: {أية : بدّلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار}.
الجنابذي
تفسير : {سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تهديد آخر للامّة على طريق التّعريض فانّ الكناية والتّعريض ابلغ من التّصريح. شعر : خوشتر آن باشد كه سرّ دلبران كَفته آيد در حديث ديكَران تفسير : {كَمْ آتَيْنَاهُم} على ايدى انبيائهم او مطلقاً {مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} حجّة واضحة على صحّة نبوّة انبيائهم (ع) كما آتينا امّتك آيات بيّنات دالاّت على صدق نبوّتك وخلافة خليفتك او كم آتيناهم من آيةٍ تدوينيّة فى كتبهم دالّة على صحّة نبوّة انبيائهم وصحّة نبوّتك وخلافة وصيّك كما آتينا امّتك آياتٍ دالّة على ذلك فكأنّه قال: سل بنى اسرائيل كم آتيناهم من آية دالّة على ولاية علىّ (ع) فانّها النتيجة حتّى تذكر امّتك بالآيات التكوينيّة والتدوينيّة واخبارك الدّالّة على ولايته، ثمّ هدّدهم بانّ من بدّل ولاية علىٍّ (ع) بالكفران فله العقوبة فلا تبدّلوا ولايته كما بدّل بنو اسرائيل {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ} الآيات الهاديات بتبديل حيثيّة هدايتها بحيثيّة اضلالها، ولمّا كان اصل النّعمة وحقيقتها وفرعها ومنبعها ولاية علىّ (ع) جاز ان يقال: ومن يبدّل مدلول الآيات الّذى هو ولاية علىّ (ع) وهى النّعمة بحقيقتها بالكفران {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ} فلا يأمن من عذاب الله {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} فهو من اقامة السّبب مقام الجزاء.
الهواري
تفسير : قوله: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ ءَاتَيْنَاهُم مِّنْ ءَايَةٍ بَيِّنَةٍ} قال الحسن يعني ما نجاهم الله من آل فرعون، وفلق لهم البحر، وظلل عليهم الغمام وآتاهم بيّنات من الهدى، أي: بيّن لهم الهدى من الكفر. وقال بعضهم: أراهم الله عصا موسى ويده، وأقطعهم البحر، وأغرق عدوّهم وظلّل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسلوى. قال: {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ} أي يكفرها، يقول: بدّلوا ذلك واتخذوا اليهودية والنصرانية. {فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ} يخبر الله أنه ستشتد نقمته على اليهود والنصارى الذين بدَّلوا دين الله، وكل من يفعل ذلك. قوله: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا} في طلبهم الآخرة؛ يقول بعضهم لبعض: انظروا إلى هؤلاء الذين تركوا الشهوات يطلبون بذلك، زعموا، نعيماً في الآخرة. قال الله: {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا} وهم المؤمنون {فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: خير منهم يوم القيامة. وقال الحسن: أعطاهم الله الدولة عليهم فيسخرون منهم ويضحكون كما كان الكفار يضحكون منهم في الدنيا. وهو قوله: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا يَضْحَكُونَ}.... إلى آخر الآية. قال: (أية : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنَ الكُفَّارِ يَضْحَكُونَ) تفسير : [المطففين:29-34]. بلغنا أن هذا في أصحاب الأنبياء. وبعضهم يقول: أصحاب النبي. ذكر بعضهم أن كعباً قال: إِن بين الجنة وبين النار كوى؛ فإذا أراد الرجل من أهل الجنة أن ينظر إلى عدو له كان في الدنيا من أهل النار اطلع فرآه، وهو قوله: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا} أي أشركوا {كَانُوا مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا يَضْحَكُونَ}... إلى آخر الآيات. قال بعض المفسّرين: هي مثل قوله في الصّافّات: {قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} أي صاحب {يَقُولُ} لصاحبه المؤمن في الدنيا: {أية : إِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ فَاطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات:51-55]. قال بعضهم: كان شريكه، وقال بعضهم: كان أخاه، ورثا مالاً. وتفسير أمرهما في سورة الكهف. قوله: {وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي لا ينقص ما عند الله كما ينقص ما في أيدي العباد.
اطفيش
تفسير : {سَلْ}: يا محمد أو يا من يتأتى منه السؤال. {بَنِى إسْرائيلَ}: سؤال توبيخ وتقريع زاجراً عن الإعراض عن الحق، أو سؤال تقرير تذكيراً للنعم التى أنعم الله بها على سلفهم أو عليهم أو على الكل. {كَمْ آتيْناهُم مِن آيةٍ بَيِّنةٍ}: الجملة مفعول به لسل لتضمنه معنى قل، أو مفعول لمحذوف، أى قائلا لكم كم آتيناهم من آية بينة، وهذا المحذوف حال، وفيها التفات على طريق السكاكى إلا مقتضى الظاهر أن يقال: كم آتاكم الله من آية بينة، لأن السائل أو المخبر المكثر يخاطبهم خطاباً ويذكر الله بلفظ الغيبة، وكم: خبرية أو استفهامية فيم قيل، وهو صحيح على جعل الجملة مستأنفة من كلام الله تعالى، لا معمولا للسؤال، ولا لقول مقدر كأنه قيل: سلهم عما آتيناهم من الآيات البينات، ثم استأنف استفهاماً توبيخياً أو تقريرياً أو إخباراً تكثيريا، وأما على أنها مفعول لسل أو للقول، فيتعين الاستفهام، وكم مفعول مقدم لآتيناهم أول والهاء مفعول ثان أو بالعكس، على ما بينته فيما مضى، ويضعف كون كم مبتدأ لاستلزامه حذف الرابط، حيث أوهم حذفه المفعولية أى كم آتيناهم إياه باعتبار لفظ كم، وكم آتيناهم إياه باعتبار لفظ كم، وكم آتيناهم إياها باعتبار معناه، فإنه واقع على الآية البينة، فان قوله: {من آية بينة} بيان لكم نعت له، ثم رأيت ما ذكرته من كون كم لا تكون إلا استفهامية على جعل الجملة مفعولا لسل، نصاً لغيرى، ولفظه جعل كم خبرية ليس بجيد، لأن فيه اقتطاعاً للجملة التى هى فيها من جملة السؤال، إذ لم يذكر فيها المسئول عنه، بل أخبر عنه بعده بأنا آتيناهم كثيراً من الآيات، ولكن قال السعد: معنى السؤال على كونها خبرية سؤالهم عن حالهم وفعلهم فى مباشرة أسباب التقريح إلخ.. وليس ما ذكره السعد مسوغاً لجعلها خبرية واقعة فى السؤال. وقد ظهر لى الآن مسوغ لذلك، هو أن يسمى الإخبار بكم فى التكثير استفهاماً للمشابهة، أو تجعل الجملة مقولا لقول غير مفسر للسؤال، بل لقول مفيد ما لم يقصد بالسؤال، أو مؤكدا له فى المعنى، كأنه قيل سلهم عن الآيات وقل لهم أيضاً على جهة الإخبار كم آتيناهم، والآية البينة معجزات موسى عليه السلام كالعصى واليد البيضاء وفلق البحر وإنزال المن والسلوى وغير ذلك، فإن إيتاء ذلك لأسلافهم إيتاء لهم، ويجوز أن تكون الآية ما يشهد على الحق، والصواب فى التوراة وغيرها من رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. {ومَن يُبدِّل}: وقرئ بإسكان الباء وتخفيف الدال. {نِعْمةَ اللّهَ مِن بَعْد ما جاءتْهُ}: وصلته وعرفها أو لم يعرفها، لكنه تمكن من معرفتها، وتبديلها تركها، وهى الآيات البينات، سماهُنَّ نعمة لأنهن سببب الهدى الذى هو أجل النعم، أو لأنهن سبب للجنة، فمن تركهن فقد بدلهن بما يحبه من المعاصى والضلال، أو بدلها بالنار، وإذا كان المراد بالنعمة الآيات فلفظ نعمة ظاهر وضع موضع المضمر، فمقتضى الظاهر: ومن يبدلها من بعد ما جاءته فعبر عنها بلفظ نعمة إيذاناً بأنها نعمة، ولزيادة التقريع ولا يلزم فى وضع الظاهر موضع المضمر، كونه بلفظ الأول، وفى الآية تعريض بأنهم بدلو النعمة، ففى الكلام حذف تقديره كم آتيناهم من آية بينة فبدلوها، ومن يبدل نعمة الله الآية، ويجوز أن يكون المراد يبدلها يجعلها سبباً للضلالة وزيادة الزجر وأن يكون المراد تبديلها بالتحريف والتأويل الزائغ، وقيل: المراد بنعمة الله عهده الذى عاهد إليهم، وتبديلها عدم الوفاء بها، ويجوز أن يكون المراد بها سائر نعم الدنيا من مأكول ومشروب وملبوس، ومركوب، وصحة وغير ذلك وتبديلها كفرانها المسبب لزوالها، وللانتقام أو تبديلها التوصل بها إلى عذاب النار، إذ لم يشكروها، ويجوز أن يراد بالنعمة ذلك كله، وقال بعض نعمة الله لفظ عام لجميع إنعامه، ولكن يقوى من حال النبى صلى الله عليه وسلم معهم أن المشار إليه هنا هو محمد صلى الله عليه وسلم، فالمعنى: ومن يبدل من بنى إسرائيل صفة نعمة الله ثم جاء اللفظ منسحباً على كل مبدل نعمة الله، ويدخل فى اللفظ كفار قريش والتوراة أيضاً نعمة على بنى إسرائيل فبدلوها بالتحريف لها، وجحدوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم. {فإنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقَابِ}: هذه علة قامت مقام الجواب، وتقدير ذلك عاقبة الله على تبديلها عقاباً شديداً، لأن الله شديد العقاب، كذا ظهر لى ثم رأيت السعد ذكره وزاد وَجَهاً آخر إذ قال: فإن قلت كيف صح ذلك جزاء للشرط ولا سببية ولا ترتيب؟ قلت: من جهة أن المعنى يعاقبه الله أشد عقاب، لأن الله تعالى شديد العقاب. أو من جهة أن التبديل سبب للإخبار بأن شديد العقاب كقوله:{أية : وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فمِنَ الله}تفسير : انتهى، وتبديل النعمة ارتكاب لجريمة شديدة فكان من الحكمة عقابهم بعقاب شديد.
اطفيش
تفسير : {سَلْ} يا محمد، أو من يصلح للسؤال، سؤال توبيخ وتقرير وتقريع، وتحقيق التقريع إنما هو على إنكار الحق المتقرر وإفحام لا استفهام حقيقى، لأنه عالم بالآيات التى أنزلت علهيم كلها {بَنِى إِسْرَاءِيلَ كَمْ} قيل لا يجوز أن تكون للتكثير لتقدم السؤال، قلت، لا بأس بأنها للتكثير مع السؤال لأن السؤال غير حقيقى بل تقرير وتقريع، وهى مفعول به أو مقدم لآتى بعده، إلا على معنى ناولناهم فيكون مفعولا ثانيا {ءَاتَيْنَٰهُمْ مِّنْ ءَايَةٍ بَيِّنَةٍ} معجزرة ظاهرة فى صدق أنبيائهم، على أيدى أنبيائهم، كفلق البحر والعصا، فمنهم من لم يؤمن، ومنهم من آمن، ولم يستقم، أو آيات التوراة والإنجيل وغيرهما ولم يعلموا بها، دالات على الأحكام الشرعية وعلى رسالتك وحقيقة دين الإسلام، وذلك كله نعمة، بدلوها بالإنكار وعدم العمل بمقتضاها، ومن للبيان متعلق بمحذوف، حال من كم، أو زائدة فى التمييز، ولو لم يتقدم نفى إلا على تقريعهم بأنهم كأنه لم تأتهم آية، ويضعف جعل كم مفعولا لا مطلقا، أى كم إيتاء آتيناهم، فتكون من للابتداء أو للتبعية على أن آية بمعنى آيات {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ} آيات التلاوة والمعجزات بالإنكار أو المحو أو التأويل {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ} كفرا كقوله تعالى، ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً، لا بعد مجرد الوصف فقط، بل بعد حضورها عنده وفهمه إياه، إذ لا يصدق أنها نعمة إن لم تفهم، وربما يوجد التبديل من غير خبرة بالمبدل أو عن جهل به فيتوهم عذر فاعله، سمى الله دينه نعمة، وهو أفضل من نعم الصحة والمال والجاه {فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} جواب الشرط أى شديد العقاب له، فإن لم تقدر له كان تعليلا للجواب، أى عاقبه الله عقابا شديدا، لأن الله شديد العقاب جزاء وفاقا إذ بدل أشد النعم، وكان سببا لزيادة كفره، وهو الاعتداء المعبر عنه بالآيات المعبر عنها بالنعمة وهن سبب الهدى وملزومه.
الالوسي
تفسير : {سَلْ بَنِى إِسْرٰءيلَ} أمر للرسول صلى الله عليه وسلم كما هو الأصل في الخطاب أو لكل واحد ممن يصح منه السؤال، والمراد بهذا السؤال تقريعهم وتوبيخهم على طغيانهم وجحودهم الحق بعد وضوح الآيات لا أن يجيبوا فيعلم من جوابهم كما إذا أراد واحد منا توبيخ أحد يقول لمن حضر سله كم أنعمت عليه، وربط الآية بما قبلها على ما قيل: إن الضمير في {أية : هَلْ يَنظُرُونَ } تفسير : [البقرة: 210] إن كان لأهل الكتاب فهي كالدليل عليه وإن كان لِـ {أية : مَن يُعْجِبُكَ }تفسير : [البقرة: 204] فهي بيان لحال المعاندين من أهل الكتاب بعد بيان حال المنافقين من أهل الشرك {كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} أي علامة ظاهرة وهي المعجزات الدالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الحسن ومجاهد، وتخصيص إيتاء المعجزات بأهل الكتاب مع عمومه للكل لأنهم أعلم من غيرهم بالمعجزات وكيفية دلالتها على الصدق لعلمهم بمعجزات الأنبياء السابقة وقد يراد بالآية معناها المتعارف وهو طائفة من القرآن وغيره، و(بينة) من بان المتعدي، فالسؤال على إيتاء الآيات المتضمنة لنعت الرسول صلى الله عليه وسلم وتحقيق نبوته والتصديق بما جاء به. و {كَمْ} إما خبرية والمسؤول عنه محذوف، والجملة ابتدائية لا محل لها من الإعراب مبينة لاستحقاقهم التقريع كأنه قيل: سل بني إسرائيل عن طغيانهم وجحودهم للحق بعد وضوحه فقد ـ آتيناهم آيات كثيرة بينة، ـ وزَعْمُ لزوم انقطاع الجملة على هذا التقدير ـ وهم كما ترى، وإما استفهامية والجملة في موضع المفعول الثاني لـ {سَلْ} وقيل: في موضع المصدر أي سلهم هذا السؤال، وقيل: في موضع الحال أي سلهم قائلاً ـ كم آتيناهم ـ والاستفهام للتقرير بمعنى حمل المخاطب على الإقرار، وقيل: بمعنى التحقيق والتثبيت، واعترض بأن معنى التقريع الاستنكار والاستبعاد وهو لا يجامع التحقيق؛ وأجيب بأن التقريع إنما هو على جحودهم الحق وإنكاره المجامع لإيتاء الآيات لا على الإيتاء حتى يفارقه، ومحلها النصب على أنها مفعول ثان ـ لآتينا ـ وليس من الاشتغال كما وهم أو الرفع بالابتداء على حذف العائد، والتقدير ـ آتيناهموما ـ أو آتيناهم إياها، وهو ضعيف عند سيبويه، وآية تمييز، ومن صلة أتى بها للفصل بين كون آية مفعولاً ـ لآتينا ـ وكونها مميزة لـ {كَمْ} ويجب الإتيان بها في مثل هذا الموضع فقد قال الرضي: وإذا كان الفصل بين ـ كم ـ الخبرية ومميزها بفعل متعد وجب الإتيان بمن لئلا يلتبس المميز بمفعول ذلك المتعدي نحو {أية : كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّـٰتٍ }تفسير : [الدخان: 25] و{أية : كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٌ }تفسير : [القصص: 58] وحال ـ كم ـ الاستفهامية المجرور مميزها مع الفصل كحال ـ كم ـ الخبرية في جميع ما ذكرنا انتهى، وحكي عنه أنه أنكر زيادة من في مميز الاستفهامية وهو محمول على الزيادة بلا فصل لا مطلقاً فلا تنافي بين كلاميه. {وَمَن يُبَدِّلْ نعْمَةَ ٱللَّهَ} أي آياته فإنها سبب الهدى الذي هو أجل النعم، وفيه وضع المظهر موضع المضمر بغير لفظه السابق لتعظيم الآيات، وتبديلها تحريفها وتأويلها الزائغ، أو جعلها سبباً للضلالة وازدياد/ الرجس، وعلى التقديرين لا حذف في الآية، وقال أبو حيان حذف حرف الجر من (نعمة) والمفعول الثاني لـ (يبدل) والتقدير: ومن يبدل بنعمة الله كفراً، ودل على ذلك ترتيب جواب الشرط عليه وفيه ما لا يخفى، وقرىء ـ ومن يبدل ـ بالتخفيف {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ} أي وصلته وتمكن من معرفتها، وفائدة هذه الزيادة ـ وإن كان تبديل الآيات مطلقاً مذموماً ـ التعريض بأنهم بدلوها بعد ما عقلوها، وفيه تقبيح عظيم لهم ونعي على شناعة حالهم واستدلال على استحقاقهم العذاب الشديد حيث بدلوا بعد المعرفة وبهذا يندفع ما يتراءى من أن التبديل لا يكون إلا بعد المجىء فما الفائدة في ذكره {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} تعليل للجواب أقيم مقامه والتقدير: ومن يبدل نعمة الله عاقبه أشد عقوبة لأنه شديد العقاب، ويحتمل أن يكون هو الجواب بتقدير الضمير أي شديد العقاب له وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال الروعة.
ابن عاشور
تفسير : تتنزل هاته الآية من التي قبلها منزلةَ البرهان على معنى الجملة السابقة، فإن قوله: { أية : هل ينظرون } تفسير : [البقرة: 210] سواء كان خبراً أو وعيداً أو وعداً أم تهكماً، وأيّاً ما كان معاد الضمير فيه على الأوجه السابقة قد دل بكل احتمال على تعريض بِفرَقٍ ذَوي غُرور وتماد في الكفر وقلةِ انتفاع بالآيات البينات، فناسب أن يعقب ذلك بإلفاتهم إلى ما بلَغهم من قلة انتفاع بني إسرائيل بما أُوتوه من آيات الاهتداء مع قلة غَناء الآيات لديهم على كثرتها، فإنهم عاندوا رسولهم ثم آمنوا به إيماناً ضعيفاً ثم بدلوا الدين بعد ذلك تبديلاً. وعلى احتمال أن يكون الضمير في { أية : ينظرون } تفسير : [البقرة: 210] لأهل الكتاب: أي بني إسرائيل فالعدول عن الإضمار هنا إلى الإظهار بقوله: {بني إسرائيل} لزيادة النداء على فضيحة حالهم ويكون الاستدلال عليهم حينئذٍ أشد، أي هم قد رأوا آيات كثيرة فكان المناسب لهم أن يبادوا بالإيمان بالرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنهم أعلم الناس بأحوال الرسل، وعلى كل فهذه الآية وما بعدها معترضات بين أغراض التشريع المتتابعة في هذه السورة. و{سَلْ} أمر من سأل يسأل أصله اسأل فحذفت الهمزة تخفيفاً بعد نقل حركتها إلى الساكن قبلها إلحاقاً لها بنقل حركة حرف العلة لشبه الهمزة بحرف العلة فلما تحرك أول المضارع استغنى عن اجْتلاب همزة الوصل، وقيل: سل أمر من سَألَ الذي جعلت همزته ألفاً مثل الأمر من خَاف يَخاف خَف، والعرب يكثرون من هذا التخفيف في سأل ماضياً وأمراً؛ إلاّ أن الأمر إذا وقع بعد الواو والفاء تركوا هذا التخفيف غالباً. والمأمور بالسؤال هو الرسول؛ لأنه الذي يترقب أن يجيبه بنو إسرائيل عن سؤاله؛ إذ لا يعبأون بسؤال غيره؛ لأن المراد بالسؤال سؤال التقرير للتقريع، ولفظ السؤال يجيء لما تجيء له أدوات الاستفهام. والمقصود من التقرير إظهار إقرارهم لمخالفتهم لمقتضى الآيات فيجيء من هذا التقرير التقريعُ فليس المقصود تصريحهم بالإقرار؛ بل مجرد كونهم لا يسعهم الإنكار. والمراد بــــ (بني إسرائيل) الحاضرون من اليهود. والضمير في {آتيناهم} لهم، والمقصود إيتاء سلفهم؛ لأن الخصال الثابتة لأسلاف القبائل والأمم، يصح إثباتها للخلف لترتب الآثار للجميع كما هو شائع في مصطلح الأمم الماضية من العرب وغيرهم. ويجوز أن يكون معنى إيتائهم الآيات أنهم لما تناقلوا آياتِ رسلهم في كتبهم وأيقنوا بها فكأنهم أوتوها مباشرة. و(كم) اسم للعدد المبهم فيكون للاستفهام ويكون للإخبار، وإذا كانت للإخبار دلت على عدد كثير مبهم؛ ولذلك تحتاج إلى مميز في الاستفهام وفي الإخبار، وهي هنا استفهامية كما يدل عليه وقوعها في حيز السؤال، فالمسؤول عنه هو عدد الآيات. وحق سأل أن يتعدى إلى مفعولين من باب كَسَا أي ليس أصلُ مفعوليه مبتدأً وخبراً، وجملة {كم آتيناهم} لا تكون مفعوله الثاني؛ إذ ليس الاستفهام مطلوباً بل هو عين الطلب، ففعل {سَلْ} معلَّق عن المفعول الثاني لأجل الاستفهام، وجملة {كم آتيناهم} في موقع المفعول الثاني سادة مسده. والتعليق يكثر في الكلام في أفعال العلم والظن إذا جاء بعد الأفعال استفهام أو نفي أو لام ابتداء أو لام قسم، وألحق بأفعال العلم والظن ما قارب معناها من الأفعال، قال في «التسهيل» «ويشاركهن فيه (أي في التعليق) مع الاستفهام، نَظَر وتَفَكَّر وأَبصر وسأل»، وذلك كقوله تعالى: { أية : يسألون أيان يوم الدين } تفسير : [الذاريات: 12] ولما أخذ سأل هنا مفعوله الأول فقد علق عن المفعول الثاني، فإن سبب التعليق هو أن مضمون الكلام الواقع بعد الحرف الموجب للتعليق ليس حالة من حالات المفعول الأول فلا يصلح لأن يكون مفعولاً ثانياً للفعل الطالب مفعولين، قال سيبويه «لأنه كلام قد عمل بعضه في بعض فلا يكون إلاّ مبتدأ لا يعمل فيه شيء قبله» اهــــ وذلك سبب لفظي مانع من تسلط العامل على معموله لفظاً، وإن كان لم يزل عاملاً فيه معنى وتقديراً، فكانت الجملة باقية في محل المعمول، وأداة الاستفهام من بين بقية موجبات التعليق أقوى في إبعادها معنى ما بعدها عن العامل الذي يطلبه، لأن الكلام معها استفهام ليس من الخبر في شيء، إلاّ أن ما تحدثه أداة الاستفهام من معنى الاستعلام هو معنى طارىء في الكلام غير مقصود بالذات بل هو قد ضعف بوقوعه بعد عامل خبري فصار الاستفهام صورياً، فلذلك لم يبطل عمل العامل إلاّ لفظاً، فقولك: علمتُ هل قام زيد قد دل عَلِمَ على أن ما بعده محقق فصار الاستفهام صورياً وصار التعليق دليلاً على ذلك، ولو كان الاستفهام باقياً على أصله لما صح كون جملته معمولة للعامل المعلّق. قال الرضي: «إن أداة الاستفهام بعد العلم ليست مفيدة لاستفهام المتكلم بها للزوم التناقض بين علمتُ وأزيد قائم بل هي لمجرد الاستفهام والمعنى علمت الذي يستفهم الناس عنه» اهــــ، فيجيء من كلامه أن قولك علمت أزيد قائم يقوله: من عَلم شيئاً يجهله الناس أو يعتنون بعلمه، بخلاف قولك علمتُ زيداً قائماً، وقد يكون الاستفهام الوارد بعد السؤال حكاية للفظ السؤال فتكون جملة الاستفهام بياناً لجملة السؤال قال صدر الأفاضل في قول الحريري «سألناه أنَّى اهتديتَ إلينا» أي سألناه هذا السؤال اهــــ. وهو يتأتى في هذه الآية. ويجوز أن يضمن سل معنى القول، أي فيكون مفعوله الثاني كلاماً فقد أعطي سل مفعولين: أحدهما مناسب لمعنى لفظه والآخر مناسب لمعنى المضمَّن. وجَوّز التفتازاني في «شرح الكشاف» أن جملة {كم آتيناهم} بيان للمقصود من السؤال، أي سلهم جواب هذا السؤال، قال السلكوتي في «حاشية المطول»: فتكون الجملة واقعة موقع المفعول، أي ولا تعليق في الفعل. وجوز صاحب «الكشاف» أن تكون (كم) خبرية، أي فتكون ابتداء كلام وقد قطع فعل السؤال عن متعلِّقه اختصاراً لما دل عليه ما بعده، أي سلهم عن حالهم في شكر نعمة الله، فبذلك حصل التقريع. ويكون {كم آتيناهم} تدرجاً في التقريع بقرينة {ومن يبدل نعمة الله}، ولبعد كونها خبرية أنكره أبو حيان على صاحب «الكشاف» وقال إنه يفضي إلى اقتطاع الجملة التي فيها {كم} عن جملة السؤال مع أن المقصود السؤال عن النعم. و{من ءاية بينة} تمييز (كم) دخلت عليه مِنْ التي ينتصب تمييز كم الاستفهاميّة على معناها والتي يجر تمييز كم الخبرية بتقديرها ظهرت في بعض المواضع تصريحاً بالمقدَّر، لأن كل حرف ينصب مضمراً يجوز ظهوره إلاّ في مواضع مثل إضمار أنْ بعد حتى، قال الرضي: إذا فصل بين كم الخبرية والاستفهامية وبين مميزهما بفعل متعد وجب جر التمييز بمن (أي ظاهرة) لئلا يلتبس التمييز بالمفعول نحو قوله تعالى: { أية : كم تركوا من جنات وعيون } تفسير : [الدخان: 25] و { أية : وكم أهلكنا من قرية } تفسير : [القصص: 58] اهــــ أي لئلا يلتبس بمفعول ذلك الفعل الفاصل، أو هو للتنبيه من أول الأمر على أنه تمييز لا مفعولٌ إغاثةً لفهم السامع وذلك من بلاغة العرب، وعندي أن موجب ظهور من في حالة الفصل هو بُعد المميِّز عن المميَّز لا غير، وقيل: ظهور (مِنْ) واجب مع الفصل بالفعل المتعدي، وجائز مع الفصل بغيره، كما تقل عبد الحكيم عن اليَمني والتفتازانيِّ في «شرحي الكشاف». وفي «الكافية» أن ظهور (من) في مميز (كم) الخبرية والاستفهامية جائز هكذا أطلقه ابن الحاجب، لكن الرضي قال إنه لم يعثر على شاهد عليه في (كم) الاستفهامية إلاّ مع الفصل بالفعل وأما في كم الخبرية فظهور (من) موجود بكثرة بدون الفصل، والظاهر أن ابن الحاجب لم يعبأ بخصوص الأمثلة التي ذكرها الرضي، وإنما اعتد بظهور (من) في المميز وهو الظاهر. و(الآية) هنا المعجزة ودليل صدق الرسل، أو الكلمات الدالة على مجيء محمد - صلى الله عليه وسلم - فإنها آية لموسى؛ إذ أخبر بها قبل قرون، وآيةٌ لمحمد - عليه الصلاة والسلام -، إذ كان التبشير به قبل وجوده بقرون، ووصفها بالبينة على الاحتمالين مبالغة في الصفة من فعل بَانَ أي ظهر، فيكون الظهور ظهور العيان على الوجه الأول، وظهور الدلالة على الوجه الثاني، وفي هذا السؤال وصيغته حذف دل عليه قوله: {ومَن يبدِّل نعمة الله} تقديره فبدَّلوها ولم يعملوا بها. وقوله: {ومن يبدل نعمة الله} تذييل لجملة {سل بني إسرائيل كم آتيناهم} الخ، أفاد أأن المقصود أولاً من هذا الوعيدِ هم بنو إسرائيل المتحدث عنهم بقوله: {سل بني إسرائيل}، وأفاد أن بني إسرائيل قد بدَّلوا نعمة الله تعالى فدل ذلك على أن الآيات التي أوتيها بنو إسرائيل هي نعم عليهم وإلاَّ لما كان لتذييل خبرهم بحكم من يبدِّل نعم الله مناسبة وهذا مما يقصده البلغاء، فيغني مثلُه في الكلام عن ذكر جمل كثيرة إيجازاً بديعاً من إيجاز الحذف وإيجاز القصر معاً؛ لأنه يفيد مفاد أن يقال كم آتيناهم من آية بينة هي نعمة عليهم فلم يقدروها حق قدرها، فبدلوا نعمة الله بضدها بعد ظهورها فاستحقوا العقاب، لأن من يبدِّل نعمة الله فالله معاقبه، ولأنه يفيد بهذا العموم حكماً جامعاً يشمل المقصودين وغيرَهم ممن يشبههم ولذلك يكون ذكر مثل هذا الكلام الجامع بعد حكم جزئي تقدمه في الأصل تعريضاً يشبه التصريح، ونظيره أن يحدثك أحد بحديث فتقول فعل الله بالكاذبين كذا وكذا تريد أنه قد كذب فيما حدثك وإلاّ لما كان لذلك الدعاء عند سماع ذلك الحديث موقع. وإنما أثبت للآيات أنها نعم لأنها إن كانت دلائل صدق الرسول فكونها نعماً لأن دلائل الصدق هي التي تهدي الناس إلى قبول دعوة الرسول عن بصيرة لمن لم يكن اتبعه، وتزيد اللذين اتبعوه رسوخ إيمان قال تعالى: { أية : فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً } تفسير : [التوبة: 124] وبذلك التصديق يحصل تلقى الشرع الذي فيه صلاح الدنيا والآخرة وتلك نعمة عاجلة وآجلة، وإن كانت الآيات الكلامَ الدال على البشارة بالرسول فهي نعمة عليهم، لأنها قصد بها تنوير سبيل الهداية لهم عند بعثة الرسول لئلا يترددوا في صدقه بعد انطباق العلامات التي ائتمنوا على حفظها. والتبديل على الوجه الأول تبديل الوصف بأن أعرضوا عن تلك الآيات فتبدل المقصود منها، إذ صارت بالإعراض سببَ شقاوتهم في الدنيا والآخرة، لأنها لو لم تؤت لهم لكان خيراً لهم في الدنيا؛ إذ يكونون على سذاجة هم بها أقرب إلى فعل الخير منهم بعد قصد المكابرة والإعراض؛ لأنهما يزيدانهم تعمداً لارتكاب الشرور، وفي الآخرة أيضاً لأن العقاب على الكفر يتوقف على الدعوة وظهورِ المعجزة، وقد أشبههم في هذا التبديل المشركون بإعراضهم عن القرآن والتدبر في هديه أو التبديل بأن استعملوا تلك الآيات في غير المراد منها بأن جعلوها أسباب غرور فإن الله ما آتى رسولهم تلك الآيات إلاّ لتفضيل أمته فتوكأوا على ذلك وتهاونوا على الدين فقالوا { أية : نحن أبناء الله وأحباؤه } تفسير : [المائدة: 18] { أية : وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة } تفسير : [البقرة: 80]. والتبديل جعل شيء بدلاً عن آخر، أي تعويضه به فيكون تعويض ذات بذات وتعويض وصف بوصف كقول أبي الشيص: شعر : بُدِّلتُ من بُرْدِ الشباب مُلاءةً خَلَقَاً وبئسَ مثُوبَةُ المُقْتَاضِ تفسير : فإنه أراد تبدل حالة الشباب بحالة الشيب، وكقول النابغة: شعر : عَهِدْتُ بها حَيّاً كِراماً فبُدِّلَتْ حَنَاظِيلَ آجَالِ النِّعَاج الجَوافل تفسير : وليس قوله: {نعمة الله} من قبيل وضع الظاهر موضع الضمير بأن يكون الأصل ومن يبدلها أي الآيات فإن الله شديد العقاب لظهور أن في لفظ (نعمة الله) معنى جامعاً للآيات وغيرها من النعم. وقوله: {من بعد ما جاءته} المجيء فيه كناية عن الوضوح والمشاهدة والتمكن، لأنها من لوازم المجيء عرفاً. وإنما جعل العقاب مترتباً على التبديل الواقع بعد هذا التمكن للدلالة على أنه تبديل عن بصيرة لا عن جهل أو غلط كقوله تعالى فيما تقدم: { أية : ثم يحرقونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون } تفسير : [البقرة: 75]. وحذف ما بدل به النعمة ليشمل جميع أحوال التبديل من كتم بعضها والإعراض عن بعض وسوء التأويل. والعقاب ناشىء عن تبديل تلك النعم في أوصافها أو في ذواتها، ولا يكون تبديلها إلاّ لقصد مخالفتها، وإلاّ لكان غير تبديل بل تأييداً وتأويلاً، بخلاف قوله تعالى: { أية : ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفراً } تفسير : [إبراهيم: 28] لأن تلك الآية لم يتقدم فيها ما يؤذن بأن النعمة ما هي ولا تؤذن بالمستبدل به هنالك فتعين التصريح بالمستبدل به، والمبدلون في تلك الآية غير المراد من المبدلين في هذه، لأن تلك في كفار قريش بدليل قوله بعدها: { أية : وجعلوا لله أنداداً } تفسير : [إبراهيم: 30]. وقوله: {فإن الله شديد العقاب} دليل جواب الشرط وهو علته، لأن جعل هذا الحكم العام جواباً للشرط يعلم منه أن من ثبت له فعل الشرط يدخل في عموم هذا الجواب، فكون الله شديد العقاب أمر محقق معلوم فذِكره لم يقصد منه الفائدة لأنها معلومة بل التهديد، فعلم أن المقصود تهديد المبدِّل فدل على معنى: فالله يعاقبه، لأن الله شديد العقاب، ومعنى شدة عقابه: أنه لا يفلت الجاني وذلك لأنه القادر على العقاب، وقد جُوّز أن يكون فإن الله شديد العقاب نفسَ جواب الشرط بجعل أل في العقاب عوضاً عن الضمير المضاف إليه أي شديدُ معاقبِته. وإظهار اسم الجلالة هنا مع أن مقتضى الظاهر أن يقال: فإنه شديد العقاب، لإدخال الرَّوْع في ضمير السامع وتربية المهابة، ولتكون هذه الجملة كالكلام الجامع مستقلاً بنفسه، لأنها بمنزلة المثل أمر قد علمه الناس من قبل، والعقاب هو الجزاء المؤلم عن جناية وجرم، سمي عقاباً لأنه يعقب الجناية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 211- سل بنى إسرائيل كم سقنا إليهم الأدلة القاطعة على صدق الرسول، وفى ذلك نعمة هدايتهم إلى الله، فكفروا بهذه الأدلة، وعمدوا بتكذيبهم لها إلى تبديل الغرض منها، فبعد أن كانت هذه الآيات للهداية أصبحت بالنسبة لكفر هؤلاء بها سبباً فى زيادة ضلالهم وإثمهم، ومن يبدل نعم الله بهذه الصورة يحق عليه العذاب لأن الله شديد العقاب. 212- وإنّ السبب فى الانحراف والكفر هو طلب الدنيا، فقد زين للذين كفروا شهوات الحياة الدنيا فمضوا يسخرون من الذين آمنوا لانشغالهم بالحياة الآخرة، والله جاعل الذين آمنوا أعلى مكاناً منهم فى الآخرة. فأما توفر المال وزينة الحياة الدنيا لدى الكفار فلا تدل على أفضليتهم، لأن رزق الله لا يُقدَّر على حساب الإيمان والكفر بل يجرى تبعاً لمشيئته، فمن الناس من يزاد له فى الرزق استدراجاً ومنهم من يقتر عليه اختباراً. 213- وإنَّ الناس طبيعة واحدة فيها الاستعداد للضلالة، ومنهم من تستولى عليه أسباب الهداية، ومنهم من تغلب عليه الضلالة، ولذلك اختلفوا، فبعث الله إليهم الأنبياء هداة ومبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتب مشتملة على الحق، لتكون هى الحكم بين الناس فينقطع التنازع، ولكن الذين انتفعوا بهدى النبيين هم الذين آمنوا فقط، والذين هداهم الله فى موضع الاختلاف إلى الحق، والله هو الذى يوفق أهل الحق إذا أخلصوا.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: سل: إسأل: سقطت منه الهمزتان للتخفيف. بني إسرائيل: ذريّة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وإسرائيل لقب يعقوب. آية: خارقة للعادة كعصا موصى تدل على أن من أعطاه الله تلك الآيات هو رسول الله حقاً. وآيات بني إسرائيل التي آتاهم الله تعالى منها فلق البحر لهم، وإنزال المن والسلوى في التيه عليهم. نعمة الله: ما يهبه لعبده من خير يجلب له المسرة وَيدفع عنه المضرة ونعم الله كثيرة. يسخرون: يحتقرون ويستهزئون. معنى الآيتين: يأمر الله تعالى رسوله أن يسأل بني إسرائيل عن الآيات الكثيرة التي آتاهم الله، وكيف كفروا بها فلم تنفعهم شيئاً، والمراد تسليته صلى الله عليه وسلم من الألم الذي يحصل له من عدم إيمان أهل الكتاب والمشركين به وبما جاء به من الهدى وضمن ذلك تقريع اليهود وتأنيبهم على كفرهم بآيات الله وإصرارهم على عدم الدخول في الإِسلام. ثم أخبر تعالى أن من يبدل نعمة الله التي هي الإِسلام بالكفر به وبنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم فإن عقوبة الله تعالى تنزل به لا محالة في الدنيا أو في الآخرة لأن الله شديد العقاب. هذا ما تضمنته الآية الأولى [211] وأما الآية الثانية [212] فقد أخبر تعالى أن الشيطان زين للذين كفروا بالله وشرائعه الحياة الدنيا فرغبوا فيها وعملوا لها وأصبحوا لم يروا غيرها ولذلك سخروا من المؤمنين الزاهدين فيها لعلمهم بزوالها وقلة نفعها فلم يكرسوا كل جهدهم لجمعها والحصول عليها بل أقبلوا على طاعة ربهم وأنفقوا ما في أيديهم في سبيل الله طلباً لرضاه. كما أخبر أن المؤمنين المتقين سيجازيهم يوم القيامة خير الجزاء وأوفره فيسكنهم دار السلام في عليين، ويُخزي أعداءهم الساخرين منهم ويهينهم فيسكنهم الدرك الأسفل من النار. وهو تعالى المتفضل ذو الإِحسان إذا رزق يرزق بغير حساب وذلك لواسع فضله وعظيم ما عنده. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- التحذير من كفر النعم لما يترتب على ذلك من أليم العذاب وشديد العقاب ومن أَجَلِّ النعم نعمة الإِسلام فمن كفر به وأعرض عنه فقد تعرض لأشد العقوبات وأقساها وما حلَّ ببني إسرائيل من ألوان الهون والدون دهراً طويلاً شاهد قوي وما حل بالمسلمين يوم أعرضوا عن الإِسلام واستبدلوا به الخرافات ثم القوانين الوضعية شاهد أكبر أيضاً. 2- التحذير من زينة الحياة الدنيا والرغبة فيها والجمع لها ونسيان الدار الآخرة وترك العمل لها. فإن أبناء الدنيا اليوم يسخرون من أبناء الآخرة، ولكن أبناء الآخرة أهل الإِيمان والتقوى سيكونون يوم القيامة فوقهم درجات إذ هم في أعالي الجنان والآخرون في أسافل النيران.
القطان
تفسير : بعدما تقدم لنا من ارشادات شافية، وبيانات عن طريق الهدى والصراط المستقيم يعود السياق هنا الى بني اسرائيل. وذلك للتحذير من مواقفهم العديدة ضد الاسلام، واشعالهم الفتنَ قديماً وحديثاً. أوجّه انتباه القارىء هنا الى أن اليهود دائما هم أصحاب الفتن ومثيرو القلاقل في العالم من قديم الزمان. هذه طبيعتهم. أليسوا الآن هم الذين أقلقوا العالم كله بفتنهم وتنكرهم لكل قيم! لذلك يعود القرآن هنا الى التحذير منهم فيقول: سل يا محمد بني اسرائيل: كم سقنا اليهم الأدلة القاطعة على صدق ما جئتَ به من عند الله، وفي ذلك نعمة هدايتهم الى الله، فكفروا بهذه الأدلة وعمدوا الى تبديلها. فبعد ان وضُعت الأدلة للهداية أصبحت بالنسبة لكفر هؤلاء بها سبباً في زيادة ضلالهم وإثمهم.. ومن يبدل نعمة الله بهذه الصورة يحق عليه العذاب. ان الله شديد العقاب. وفي هذا عبرة لنا حيث بدلنا نعمة الله وهي الاعتصام بحبله. فحلّ بنا ما حل من تمزق وتشتت وتخاذل.
د. أسعد حومد
تفسير : {بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} {آتَيْنَاهُم} {آيَةٍ} (211) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ شَاهَدُوا مَعَ مُوسَى أَكْثَرَ مِنْ حُجَّةٍ قَاطِعَةٍ (آيةٍ) تَشْهَدُ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ، وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ أَعْرَضُوا عَنْهَا، وَاسْتَبْدَلُوا بِالإِيمَانِ بِنِعْمَةِ اللهِ الكُفْرَ بِهَا، وَالإِعْرَاضَ عَنْهَا، وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَإِنَّ اللهَ ذُو عِقَابٍ شَدِيدٍ أَليمٍ.
الثعلبي
تفسير : {سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي سل يا محمد يهود أهل المدينة {كَمْ آتَيْنَاهُم} أعطيناهم، آباءهم وأسلافهم {مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} علامة واضحة مثل العصا في اليد البيضاء وفلق البحر وغيرها. {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ} يغيّر كتاب الله {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} الآية، قال بعضهم: نزلت هذه الآية في مشركي العرب أبي جهل وأصحابه كانوا يتنعّمون بما ينقل لهم في الدنيا من المال ونسوا يوم المعاد {وَيَسْخَرُونَ} من المؤمنين الذين يعزفون عن الدنيا، ويقبلون على الطاعة والعبادة، ويقولون: لو كان محمد نبيّاً لاتبعه أشرافنا وإنما تبعه الفقراء مثل أبي عمارة وصهيب وعمار وجابر بن عبد الله وأبي عبيدة بن الجراح وبلال وخباّب وأمثالهم، وهذا معنى رواية الكلبي عن ابن عباس. وقال مقاتل: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، وكانوا يتنعمون في الدنيا ويسخرون من ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين، ويقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد أنه يغلب بهم. وقال عطاء: نزلت في رؤساء اليهود ووفدهم من بني قريضة والنضير والقينقاع سخروا من فقراء المهاجرين فوعدهم الله أن يعطيهم أموال بني قريضة والنضير بغير قتال أسهل شيء وأيسره. فقال: أين الذين كفروا في الحياة الدنيا، في قول مجاهد، وحملَ (زيّن) بفتح الزاي والياء على معنى زينها الله وإنّما ذكّر الفعل بمعنيين أحدهما أن تأنيث الحياة ليس بحقيقي لأنّ معنى الحياة والبقاء والعيش واحد، والآخر أنه فصل بين اسم المؤنث والفعل فأعمل المذكر، كقول الشاعر: شعر : إن امرأً غرّه منكن واحدة بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور تفسير : {وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} لفقرهم. عن علي بن الحسين عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من استذلّ مؤمناً أو مؤمنة أو حقّره لفقره وقلة ذات يده شهّره الله يوم القيامة ثم فضحه، ومن بهت مؤمناً أو مؤمنة أو قال فيه ما ليس فيه، أقامه الله على تل من نار حتى يخرج مما قال فيه، وإن المؤمن أعظم عند الله وأكرم عليه من مَلَك مقرب، وليس شيء أحبّ إلى الله من مؤمن تائب أو مؤمنة تائبة، وإن [الرجل] المؤمن ليُعرف في السماء كما يعرف الرجل أهله وولده ". تفسير : وعن إبراهيم بن أدهم قال: حدّثنا عباد بن كثير بن قيس، قال:" حديث : جاء رجل عليه بزّة له فقعد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل عليه [لممار] له فقعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، قال: ألقى بثيابه فضمّها إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكلُّ هذا تقززاً من أخيك المسلم، أكنت تخشى أن يصيبه من غناك أو يصيبك من فقره شيء،" فقال للنبي: معذرة إلى الله وإلى رسوله، إن النفس لأمّارة وشيطان يكيدني، أشهد يا رسول الله أن نصف مالى له، فقال الرجل: ما أريد ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "وَلِمَ؟" قال: لا يفسد قلبي كما أفسد قلبه ". تفسير : وقال أبو بكر الصديق (رضي الله عنه): لا تحقرنّ أحداً من المسلمين فإنّ صغير المسلمين عند الله كبيراً. وقال يحيى بن معاذ: بئس القوم قوم إن استغنى بينهم المؤمن حسدوه، وإذا افتقر بينهم استذلّوه {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا أبا ذر ارفع بصرك إلى أرفع رجل تراه في المسجد". فنظرت فإذا رجل جالس وعليه حلّة فقلت: هذا. فقال: "يا أبا ذر ارفع بصرك إلى أوضع رجل تراه في المسجد" فنظرت فإذا رجل ضعيف عليه أخلاق فقلت: هذا، فقال صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده لهذا عند الله يوم القيامة أفضل من قراب الأرض من هذا ". تفسير : {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} قال ابن عباس: يعني كثيراً بغير فوت ولا (هنداز) لأن كل ما دخل عليه الحساب فهو قليل. وقال الضحاك: يعني من غير تبعة، يرزقه في الدنيا ولا يحاسبه ولا يعاقبه في الآخرة. وقيل إنّ هذا راجع إلى الله ثم هو يحتمل على هذا القول معنيين: أحدهما أنه لا يُفترض عليه، ولا يُحاسب فيما يرزق، ولا يقال له: لما أعطيت هذا، وحرمت هذا؟ ولم أعطيت هذا أكثر مما أعطيت ذاك؟ لأنه لا شريك له بما عنده، ولا قسيم ينازعه. والمعنى الآخر أنه لا يخاف نفاذ خزائنه فيحتاج إلى حساب ما يخرج منها إذا كان الحساب من المعطي، إنما يكون ليعمّ أقدر العطاء لئلا يتجاوز في عطائه إلى ما يجحف به فهو لا يحتاج الى الحساب؛ لأنه عالم غني لا يخاف نفاد خزائنه لأنها بين الكاف والنون {كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} الآية، قال الحسن وعطاء: كان الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح عليهما السلام أُمة واحدة على ملّة واحدة وهي الكفر، كانوا كفاراً كلّهم أمثال البهائم فبعث الله نوحاً وإبراهيم وغيرهما من النبيين. قتادة وعكرمة: كان الناس من وقت آدم إلى مبعث نوح أُمة واحدة، وكان بين آدم ونوح عشرة قرون كلّهم على شريعة واحدة من الحق والهدى، ثم اختلفوا في زمن نوح عليه السلام؛ فبعث الله إليهم نوحاً وكان أول نبي بُعث ثم بَعث بعده النبيين. وقال الكلبي والواقدي: أهل سفينة نوح كانوا مؤمنين كلّهم ثم اختلفوا بعد وفاة نوح. {فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ} وروي عن ابن عباس قال: كان الناس على عهد إبراهيم أُمة واحدة، كفاراً كلّهم، وولد إبراهيم في جاهلية فبعث الله إليهم إبراهيم وغيره من النبيين. روى الربيع عن أبي العالية عن أبي قال: كان الناس حين عُرضوا على آدم وأُخرجوا من ظهره وأقروا بالعبودية أُمةً واحدة مسلمين كلّهم، ولم يكونوا أُمة واحدة قط غير ذلك اليوم، ثم اختلفوا بعد آدم فبعث الله الرسل وأنزل الكتب، وكذلك في قراءة أُبيّ وعبد الله بن إسحاق: فاختلفوا فبعث الله النبيين. وقال محمد بن يسار ومجاهد: كان الناس أُمة واحدة يعني آدم وحده، سُمّي الواحد بهذا لأنه يحمل النسل وأبو البشر، ثم خلق الله حوّاء ونشر منهما الناس فانتشروا وكثروا وكانوا مسلمين كلّهم إلى أن قتل قابيل هابيل فاختلفوا حينئذ فبعث الله حينئذ. قال الثعلبي: ورأيت فى بعض التفاسير: كان الناس أُمة واحدة في (الجنة) لا أمرٌ عليهم ولا نهي فبعث الله النبيين وجملتهم مائة وأربعة وعشرون ألفاً، والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، والمذكور في القرآن باسم العلم ثمانية وعشرون نبياً. {مُبَشِّرِينَ} بالثواب من آمن وأطاع {وَمُنذِرِينَ} محذّرين بالعذاب من كفر وعصى. موسى بن عبيد عن محمد بن ثابت عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صلّوا على أنبياء الله ورسله فإن الله بعثهم كما بعثني ". تفسير : {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ} أي الكتب فأنزل معهم الكتاب {بِٱلْحَقِّ} بالعدل والصدق {لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} قراءة العامة بفتح الياء وضم الكاف وهو في القرآن في أربعة مواضع: ههنا وفي آل عمران وفي النور موضعان. وقرأها كلّها أبو جعفر القارئ وعاصم الجحدري بضم الياء وفتح الكاف لأنّ الكتاب الحكم على الحقيقة إنّما يُحكم به، ولقراءة العامة وجهان: أحدهما على سعة الكلام كقوله {أية : هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الجاثية: 29]، والآخر أن معناه: ليحكم كلّ نبيّ بكتابه، وإذا حكم بالكتاب فكأنما حكم الكتاب {فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ} أي في الكتاب {إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ} أعطوه وهم اليهود والنصارى {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} يعني أحكام التوراة والإنجيل. قال الفرّاء: لاختلافهم معنيان: أحدهما كفر بعضهم بكتاب بعض كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} تفسير : [النساء: 150] الآية (... ) وتكفير ببعض، والآخر تحريفهم وتبديلهم كتاب الله تعالى كقوله: {أية : يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} تفسير : [النساء: 46]. وقيل: هذه الآية راجعة الى محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه {ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم {بَغْياً} ظلماً وحسداً {بَيْنَهُمْ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} كقوله: {أية : هَدَانَا لِهَـٰذَا} تفسير : [الأعراف: 43] وقوله: يعودون لما قالوا {مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ} بعلمه وإرادته فيهم. وقال ابن زيد في هذه الآية: اختلفوا في الصلاة؛ فمنهم من يصلّي الى المشرق، ومنهم من يصلّي الى المغرب، ومنهم من يصلّي إلى بيت المقدس؛ فهدانا الله للكعبة، واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض يوم، ومنهم من يصوم بعض ليلة، فهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في يوم الجمعة، أخذت اليهود السبت وأخذت النصارى الأحد، فهدانا الله له، واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود: كان يهودياً، وقالت النصارى: كان نصرانياً، فهدانا الله للحق من ذاك، واختلفوا في عيسى فجعلته اليهود ابناً، وجعلته النصارى ربًّا، فهدانا الله منه للحق {وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} الآية، قال قتادة والسدّي: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والمشقّة (والحر والبرد) وضيق العيش، وأنواع الأذى كما قال: {أية : وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ} تفسير : [الأحزاب: 10] وقيل: أنها نزلت في حرب اُحد ونظيرها في آل عمران. وقال: إنّ عبد الله بن أُبي وأصحابه قالو لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلى متى تقتلون أنفسكم ولا تملكون أموالكم، ولو كان محمد نبيّاً لما سلّط عليه الأسر والقتل، فقالوا: لا جرم أنّ من قُتل منّا دخل الجنّة، فقالوا: إلى متى تمنون أنفسكم الباطل (وقد استمعتم) إلى هذه الآية. وقال عطاء: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة اشتدّ الضرّ عليهم لأنّهم خرجوا بلا مال فتكون أرضهم وأموالهم في أيدي المشركين؛ فآثروا رضا الله عزّ وجلّ ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم، وأظهر اليهود والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأسرَّ قوم من الأغنياء النفاق فأنزل الله تطييباً لقلوبهم {أَمْ حَسِبْتُمْ} وهو ابتداء بأم من غير استفهام، فالألف والميم صلة معناه: أحسبتم، قاله الفرّاء. وقال الزّجاج: معناه: بل حسبتم، كقول الشاعر: شعر : بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى وصورتها أم أنت في العين أملح تفسير : أي بل وأنت، وكل شيء في القرآن من هذا النحو فهذا سبيله وتأويله، ومعنى الآية أظننتم والرسول أن تدخلوا الجنة. {وَلَمَّا يَأْتِكُم} يعني ولم يأتكم وحاصله كقوله تعالى: {أية : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ} تفسير : [الجمعة: 3] وقال النابغة: شعر : أزف الترحّل غير أنّ ركابنا لمّا تزل برحالنا وكأَنْ قَدِ تفسير : أي لم تزل {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم} مَضَوا (مِن قَبْلِكُم) من النبيين والمؤمنين [وسُنّتهم]. ثم ذكر ما أصابهم فقال: {مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ} يعني الفقر والضرّ والشدّة والبلاء {وَٱلضَّرَّآءُ} المرض والزمانة {وَزُلْزِلُواْ} حُرّكوا بأنواع البلايا والرزايا وخُوِّفوا {حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ} ما تلك البلايا حتى استبطأوا الرزق، قال الله: {أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} واختلف القرّاء في قوله تعالى: {يَقُولَ ٱلرَّسُولُ} فقرأ مجاهد بفتح وضمّة. الأعرج: يقول رفعاً، وقرأها الآخرون نصباً، فمن نصب فعلى ظاهر الكلام لأن حتى تنصب الفعل المستقبل، ومَنْ رفع لأنّ معناه حتى قال الرسول، وإذا كان الفعل الذي يلي حتى في معنى الماضي ولفظه لفظ المستقبل، فلك فيه دون الرفع والنصب، فالرفع لأنّ حتى لا بعمل الماضي، والنصب بإضمار أنّ الخفيفة عند البصريين، وبالصرف عند الكوفيين، [مثل قولك:] سرنا حتى ندخل مكة بالرفع أي حتى دخلناها، فاذا كان بمعنى المستقبل فالنصب لا غير. وقال وهب بن منبه: يوجد فيما بين مكة والطائف سبعون [نبيًّا] ميتين كان سبب موتهم الجوع والعمل، وقال وهب أيضاً: قرأت في كتاب رجل [من الحواريينٍ] إذا سُلك بك سبيل البلاء فقرَّ عيناً، فإنه سُلك بك سبيل الأنبياء والصالحين. وإذا سُلك بك سبيل الرخاء فابكِ على نفسك (لأنّه حاد) بك عن سبيلهم. [شعبة عن عاصم بن بهدلة] عن مصعب بن سعد عن أبيه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم" حديث : أيّ الناس أشدّ بلاء فقال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل من الناس، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان صلب الدين اشتدّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقّة فهي على حسب ذلك، ولا يبرح البلاء عن العبد حتى يدعه يمشي على الأرض وليس عليه خطيّة ". تفسير : وعن عبد الرحمن بن ذهل قال: كان وزير عيسى عليه الصلاة والسلام ركب يوماً فأخذه السبع فأكله فقال عيسى: يا ربّ وزيري في دينك، وعوني على بني إسرائيل، وخليفتي من سلّطت عليه كلبك فأكله، قال: نعم كانت له عندي منزلة رفيعة، لم أجد عمله بلغها فأبتليته بذلك لأبلغه تلك المنزلة. {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} الآية، نزلت في عمرو بن الجموح، وكان شيخاً كبيراً ذا مال، فقال: يا رسول الله بماذا أتصدق وعلى من أتصدق؟ فأنزل الله تعالى {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} وفي قوله (ذا) وجهان من الأعراب: أحدهما أن يكون ماذا بمعنى أيّ شيء وهو (متعلق) بقوله ينفقون وتقديره: يسألونك أي شيء ينفقون، والآخر أن يكون رفعاً ب (ما) والمعنى: يسألونك ما الذي ينفقون؟ {قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ} أي مال {فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} عالم به بتعاليم الدين، هذا قبل أن فرض الزكاة فنسخت الزكاة هذه الآية.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فكأن الله لم يحمل على بني إسرائيل ويريد منهم أن يقروا على أنفسهم بما أكرمهم به الله من خير سابق؛ فساعة تقول: "اسأل فلاناً عما فعلته معه"، كأنك لا تأمر بالسؤال إلا عن ثقة، وأنه لن يجد جواباً إلا ما يؤيد قولك. والحق يبلغ رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسأل بني إسرائيل عن الخير السابق الذي غمرهم به وهو سبحانه عليم أنهم لن يستطيعوا مع لددهم أن يتكلموا إلا بما يوافق القضية التي يقولها الحق وتصبح حجة عليهم. والحق سبحانه وتعالى يقول: {سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم} [البقرة: 211] ساعة تسمع "كم" في مقام كهذا فافهم أنها كناية عن الإخبار عن الأمر الكثير بخلاف "كم" التي تريد بها الاستفهام. وأنت تقول: "كم فعلت كذا مع فلان" و"كم صنعت معه معروفاً" و"كم تهاونت معه" و"كم أكرمته". لذلك فعندما تسمع "كم" هذه فاعرف أن معناها الكمية الكثيرة التي يُكنى بها على أن عددها لا يُحصى. {سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} [البقرة: 211] إن الحق يريد أن يضرب لنا مثلاً كمثل إنسان يأكل خيرك وينكر معروفك، ويشكوك إلى إنسان، فترد أنت لمن ينقل لك الشكوى: سله ماذا قدمت له من جميل، أنا لن أتكلم بل سأجعله هو يتكلم. وأنت لا تقول ذلك إلا وأنت على ثقة من أنه لا يستطيع أن يغير شيئاً. ألم يفلق لهم البحر؟. ألم يجعل عصا موسى حية؟ ألم يظللهم الله بالغمام؟ ألم يعطهم الله المن والسلوى؟ كل ذلك أعطاه الله لهم؛ فلم يشكروا نعمة الله، فحل عليهم غضبه؛ أخذهم بالسنين والجوع وأخذهم بالقمل والضفادع والدم، كل ذلك فعله الله معهم .. وحين يقول الحق لرسوله: {سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} [البقرة: 211] فالقول منسحب على أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا جاءك واحد منهم فاسأله: كم آية أعطاها الله لكم فأنكرتموها، وتلكأتم. وتعنَّتُم. {كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} [البقرة: 211] إن "كم" تدل على الكمية الكبيرة، و"من آية": معناها الأمر العجيب. و "بينة" تعني الأمر الواضح الذي لا يُمكن أن يغفل عنه أحد. {سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [البقرة: 211]. وكيف يبدل الإنسان نعمة الله؟. إن نعمة الله حين تصيب خلقاً فالواجب عليهم أن يستقبلوها بالشكران، ومعنى الشكران هو نسبتها إلى واهبها والاستحياء أن يعصوا من أنعم عليهم بها. فإذا استقبل الناس النعمة بغير ذلك فقد بُدّلت. ولذلك يقول الحق في آية أخرى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً} تفسير : [إبراهيم: 28] وما داموا قد بدلوها كفراً، فيكون الكفر هو الذي جاء مكان الإيمان. إذن كان المطلوب أن يقابلوا النعمة بالإيمان، بالازدياد في التقرب إلى الله، لكنهم بدلوا النعمة بالكفر. {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [البقرة: 211] قد نفهم أن معنى "شديد العقاب" هو أمر يتعلق بالآخرة، ولعل أناساً يستبطئون الآخرة، أو أناساً غير مؤمنين بالآخرة، فلو كان الأمر بالعقاب يقتصر على عقاب الآخرة لشقي الناس بمن لا يؤمنون بالآخرة .. أو يستبطئونها لأن هؤلاء يعيثون في الأرض فساداً؛ لأنهم لا يخافون الآخرة ولا يؤمنون بها، أو أنها لا تخطر ببالهم. فالذي يؤمن بأن هناك آخرة تأتي وسيكون فيها حساب، هو الذي سيكون سلوكه على مقتضى ذلك الإيمان. أما الذي لا يؤمن أن هناك يوماً آخر فالدنيا تشقى به. فإذا لم يعجل الله بلون من العقوبة للذين لا يؤمنون بالآخرة أو الذين يستبطئون الآخرة لشقي الناس بهؤلاء الذين لا يؤمنون أو يستبطئون. وكل جماعة لا تقبل على منهج الله، ويبدلون نعمة الله كفراً لابد أن يكون لله فيهم عقاب عاجل، وذلك ليعلم الناس أن من لم يرتدع إيماناً وخوفاً من اليوم الآخر فعليه أن يرتدع مخافة أن يأتيه العقاب في الدنيا. فالظالم إذا علم أن ظالماً مثله لقي عقابه وحسابه في الدنيا فسيخاف أن يَظلم؛ وإن لم يكن مؤمناً بالآخرة، لأنه سيتأكد أن الحساب واقع لا محالة. ولذلك لا يؤجل الله العقاب كله إلى الآخرة ولكن ينزل بعضاً منه في الدنيا. ويقول الحق في الذين يبدلون نعمة الله كفراً: {أية : وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ}تفسير : [إبراهيم: 28-29]. هذه عقوبة الآخرة، ولن يتركهم الله في الدنيا دون أن ينالهم العقاب. وحتى الذين يظلمون ويتعسفون مع أنهم مسلمون لا يتركهم الله بلا عقاب في الدنيا حتى يأتيهم يوم القيامة بل لابد أن يجيء لهم من واقع دنياهم ما يخيف الناس من هذه الخواتيم حتى تستقيم حركة الحياة بين الناس جميعاً، وإلا فسيكون الشقاء واقعاً على الناس من هؤلاء ومن الذين لا يؤمنون بعقاب الآخرة. وكان بعض الصالحين يقول: "اللهم إن القوم قد استبطأوا آخرتك وغرهم حلمك فخذهم أخذ عزيز مقتدر"؛ لأنه سبحانه لو ترك عقابهم للآخرة لفسدوا وكانوا فتنة لغيرهم من المؤمنين. ولذلك شاء الله أن يجعل في منهج الإيمان تجريماً وعقوبة تقع في الدنيا، لماذا؟ حتى لا يستشري فساد من يشك في أمر الآخرة. وشدة عقاب الله لا يجعلها في الآخرة فقط، بل جعلها في الدنيا أيضاً؛ ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: {أية : وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ}تفسير : [طه: 124]. ثم يقول سبحانه وتعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ ...}.
الجيلاني
تفسير : قل يا أكمل الرسل نيابة عنا إلزاماً له: {سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي: تذكر قصتهم {كَمْ} كثيراً {آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} مبينة في كتبهم، فأنكروا عليها ظلماً وعداوناً، فأخذناهم بظلمهم إلى أن أستأصلناهم بالمرة {وَ} لا يختص هذا ببني إسرائيل، بل {مَن يُبَدِّلْ} ويطير {نِعْمَةَ ٱللَّهِ} المسلتزمة للشكر والإيمان كفراً وكفراناً {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ} الموضحة المبينة، فله من العذاب والنكال ما جرى عليهم {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المتجلي باسم المنتقم {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [البقرة: 211] صعب الانتقام وسريع الحساب. ثم ذكر سبحانه مساوئ أهل الكفر وسوء معاملتهم مع المؤمنين المخلصين؛ ليجتنب المؤمنون عن أمثاله، فقال على وجه الإخبار: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: حسن في عيونهم وارتكز في قلوبهم {ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} أي: الحياة المستعارة المنسوبة إلى الدنيا {وَ} أدى أمرهم في هذا التزيين والتحسين إلى أن {يَسْخَرُونَ} ويستهزئون {مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي: صار المؤمنون لفقرهم وعرائهم عن أمتعة الدنيا الدنية محل استهزائهم وسخريتهم، متى قصدوا الاستهزاء على مناقد الدنيا أخذوا منهم {وَ} الحال أن المؤمنين {ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} عن الدنيا ومزخرفاتها الفانية الغير الباقية يكون {فَوْقَهُمْ} رتبة ومنزلة عند الله {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} المعد لجزاء الأعمال الصالحة في النشأة الأولى {وَٱللَّهُ} الرزاق للكل {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} من عباده بالرزق الدنيوي {بِغَيْرِ حِسَابٍ} [البقرة: 212] فيها، بل مستجبرين متكبرين مفتخرين بمزخرفاتها إلى النشأة الأخرى، فيحاسبهم فيها ويجازيهم عليها، ويرزق أيضاً من يشاء من عباده بالرزق الأخروي بغير حساب، لا في النشأة الأولى ولا في الأخرى، بل صاروا في حمائه أزلاً وأبداً لا يشوشهم الحساب ولا تتفاوت عندهم اللذة والعذاب، بل صاروا ما صاروا بلا سترة وحجاب. آتنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. {كَانَ ٱلنَّاسُ} في الفطرة الأصلية والمرتبة الحقيقية الجبلية {أُمَّةً وَٰحِدَةً} وملة واحدة مستوجهة إلى مبدئهم الحقيقي ومقصدهم الأصلي طوعاً، ثم اختلفت آراؤهم وتشتت أهواؤهم بشياطين القوى الوحدانية التي هي من جنود إبليس، فظهر بينهم العداوة والبغضاء والمجادلة والمراء {فَبَعَثَ ٱللَّهُ} المدبر لأمورهم {ٱلنَّبِيِّينَ} من بني نوعهم، المؤيدين من عند ربهم {مُبَشِّرِينَ} لهم طريق الإطلاق والتوحيد {وَمُنذِرِينَ} لهم عن الكثرة والتقييد {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ} تصديقاً لهم {ٱلْكِتَٰبَ} الجامع لما يبشر به وينذر عنه ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} المطابق للواقع {لِيَحْكُمَ} كل نبي به {بَيْنَ ٱلنَّاسِ} المنسوبين إليه {فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} من أمور معاشهم ومعادهم. {وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ} أي: في الكتاب المنزل إليهم بالتكذيب والإنكار أحد من الناس {إِلاَّ} القوم {ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ} أي: الكتاب، وكان اختلافهم {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ} الواضحات المصدقات، بأنه منزل لهم من عند الله العليم الحكيم {بَغْياً} خروجاً عن طريق الحق وحسداً لأهله واقعاً {بَيْنَهُمْ} من وساوس شياطينهم، من الجاه و الرئاسة والعتو والاستكبار {فَهَدَى ٱللَّهُ} بلطفه {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالنبي المبعوث، والكتاب المنزل معه {لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} من الأمور الدينية مع المعاندين المنكرين، والحال أنه {مِنَ ٱلْحَقِّ} الصريح المطابق للواقع، واختلافاتهم أيضاً معهم إنما يكون {بِإِذْنِهِ} أي: بأمره المنزل في كتابه {وَٱللَّهُ} المرشد لكل العباد إلى ما هم عليه {يَهْدِي} بفضله {مَن يَشَآءُ} من خلص عباده {إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213] الموصل إلى بابه بلا عوج وضلال.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : بقول تعالى: { سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ } تدل على الحق، وعلى صدق الرسل، فتيقنوها وعرفوها، فلم يقوموا بشكر هذه النعمة، التي تقتضي القيام بها. بل كفروا بها وبدلوا نعمة الله كفرا، فلهذا استحقوا أن ينزل الله عليهم عقابه ويحرمهم من ثوابه، وسمى الله تعالى كفر النعمة تبديلا لها، لأن من أنعم الله عليه نعمة دينية أو دنيوية، فلم يشكرها، ولم يقم بواجبها، اضمحلت عنه وذهبت، وتبدلت بالكفر والمعاصي، فصار الكفر بدل النعمة، وأما من شكر الله تعالى، وقام بحقها، فإنها تثبت وتستمر، ويزيده الله منها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):